كُفَّ عن التدخّل في شؤون الكبار
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
كينتفيدا وبقية الأتباع قادوا الجنود خلفه.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“ساعتان على الأكثر،” أجاب بسرعة. “سيشكّ رئيس قاعة الانضباط ورئيس الحامية في الأمر عندما لا يتلقّون ردّ الملك وسيُرسلون رجالًا للبحث عنه في منطقة الدرع. بالطبع، رجال فلاد قادرون على تأخيرهم، كما يستطيع أهل ساحة أجنحة التنين وحتى منطقة الدرع إرباكهم.”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
“سواء بالسرقة أو بالقوة، يجب أن نستولي على البوّابة بين منطقة الفأس وقصر الروح البطولية قبل الثامنة!”
Arisu-san
ارتجف تاليس وارتعش حين ابتلع جرعة من الهواء البارد.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الأرض أمامه كانت مغطاة بالجثث. بعضها لحرس النصل الأبيض، والباقي لجنود إقليم الرمال السوداء. وكان عناصره يذهبون ويجيئون لجمع الجثث وإخلاء المكان.
الفصل 191: كُفَّ عن التدخّل في شؤون الكبار
***
***
تجمّدت آيدا.
(دم…)
لوّحت آيدا بسيفها المقوّس أربع مرّات سريعة في الهواء.
(دمٌ من جديد…)
Arisu-san
مدَّ تاليس يده اليمنى المرتجفة ولمس وجهه اللزج. وحين حدّق بالدم على راحته، الذي بدأ يبرد حد التجمد، شعر بأنّ أنفاسه لم تعد له.
“أول قبيلة واجهها والدي حين قاد الجيوش لمعاونة البشر كانت قبيلة داركستورم.” تمتمت الجنية بازدراء. “حين كان والدي يطيح برؤوسهم…”
“منطقة الدرع مليء برجالهم… الشماليون الحقيرون…”
“مهلًا، لستُ أكذب!” صاحت الجنية وهي تراقب وضع خصمها وتنفسه بدقة.
دوّى صوت آيدا.
بالحديث عن قبيلة داركستورم التي تضرب جذورها في التاريخ، فقد كانت في الماضي قبيلة قوية تملك حقّ المنافسة على العرش.” ضيّقت الجنية عينيها وضحكت ضحكة مصطنعة. ومع اقتراب العجوز أكثر، اتخذت وضعًا قتاليًا دون أن تشعر. “لا بد أنّ الأمر كان شاقًا عليك.”
بدا كأنه يأتي من مكان بعيد.
“الخصم قوي للغاية، أليس كذلك؟” قال تاليس شاردًا.
“اسمع يا فتى، رغم أن الكارثة كانت هناك… بيوتراي أرسل كل مرؤوسيك للبحث عنك؛ ذلك الصبي المتعجرف من عائلة كاسو، وذلك الأبكم المقنّع الذي يلازمك دائمًا، وحتى المخضرم من لواء ضوء النجوم…”
“أرسل رسالة إلى الوحدات الأخرى التي تنظّف الفوضى وفق الخطة. تولجا، فلاد، كروُش؛ اطلب منهم الالتحاق بليفان وفيك… ينبغي أنهم أنهوا الاستعداد.” أمر الآرشيدوق ببرود وهو يسير.
كانت الحارسة الجنية تحمل الأمير الثاني تحت ذراعها وتتقدّم بسرعة. مرّ الركام وقطع الخشب وحتى الجثث أمام بصر تاليس كالبرق.
تذكّر وجوه أولئك الحرّاس.
بذل تاليس جهدًا ليتمكّن من التنفّس. التفت ورأى أنّ الشقية تُحمَل تحت ذراع آيدا الأخرى. كانت تقبض على نظّارتها بشدة، مذهولة.
تشنّجت حدقتا آيدا قليلًا.
“كنتُ الوحيدة التي جاءت تبحث عنك في منطقة الدرع. لم أتوقع شيئًا كهذا. ما أمر هؤلاء الجنود؟ لماذا يهاجمونكما أنت وحرس النصل الأبيض؟”
(متى كانت آخر مرة واجهت فيها خصمًا بهذه القوة؟)
(لا…لم يكونوا يهاجمونني أنا وحرس النصل الأبيض)، هكذا فكّر تاليس وهو غارق في دواره.
وتوقّف رأس السهم الأحمر اللامع أمام عين تاليس اليُمنى مباشرة.
ظلّت رائحة الدم عالقة في أنفه.
ظهر من المنعطف جسد طويل ضخم، ووقف أمامها.
ذكّرته بالخنادق قرب البيت المهجور، وبداخل مجسّات جيزا؛ الرائحة تكاد تتطابق.
تابعت الحارسة الجنية شقّ طريقها في الشوارع التي كانت أفضل حالًا بكثير من تلك التي في منطقة الدرع. استدارت بمهارة في عدة منعطفات، تبحث بلياقة عن طريقٍ مفتوح.
(كانوا يستهدفون الملك نوڤين).
وبعد ثوانٍ، تنفّست بامتعاض وخفضت يدها.
“قل شيئًا يا فتى!” قالت آيدا بضيق وهي تستدير عبر زقاق. “ماذا حدث بحق السماء؟”
كينتفيدا وبقية الأتباع قادوا الجنود خلفه.
(ما…)
“تلك المعركة هي أكثر ما أفخر به حتى اليوم.” هز كاسلان رأسه وتقدّم خطوة نحو آيدا.
(الذي…)
تبادلوا النظرات، وكانت نظراتهم تفيض حنقًا واستنكارًا. لكنه تذكّر كيف، في النهاية، هدأت أعينهم كأنهم استسلموا لمصيرهم.
(حدث؟)
أمام الحصن، حمله آراكا إلى برّ الأمان باندفاعته التي لا تُوقَف.
شعر تاليس بالإرهاق والاجتياح. حاول جاهدًا ترتيب ذاكرته الممزّقة.
نفخت بضيق، وسحبت سيفها المقوّس الأنيق.
تذكّر ابتسامة كينتڤيدا؛ وصوت السهام التي كانت تُقذَف من مقابض جنود إقليم الرمال السوداء؛ وتلك الظلال السوداء التي انطلقت نحوه بلا عدد؛ والتنميل والارتجاف الممتدّ من فروة رأسه حتى كتفيه ورقبته.
“أول قبيلة واجهها والدي حين قاد الجيوش لمعاونة البشر كانت قبيلة داركستورم.” تمتمت الجنية بازدراء. “حين كان والدي يطيح برؤوسهم…”
حملت آيدا كليهما تحت ذراعيها، وبالأخير خرجوا من أنقاض منطقة الدرع. ظهرت أمامه شوارع نظيفة سليمة، ومنازل بلا ضرر. لم يكن في المكان روح واحدة. كانت أوامر الملك بالإخلاء وحظر التجول ناجعة للغاية.
(منذ متى…)
تابعت الحارسة الجنية شقّ طريقها في الشوارع التي كانت أفضل حالًا بكثير من تلك التي في منطقة الدرع. استدارت بمهارة في عدة منعطفات، تبحث بلياقة عن طريقٍ مفتوح.
لم يقل لامبارد شيئًا.
لكن تاليس ظلّ أسير صدمة الذكريات التي ابتلعته، غير قادر على الخلاص منها.
لكن تاليس لم يتحرك قيد أنملة.
في لحظة لا تتعدّى طرفة عين، لم يكن لدى الحرّاس الأربعة المتبقّين من حرس النصل الأبيض الوقت حتى لإتمام حركتهم، الحركة التي يركعون فيها ويرفعون دروعهم.
“تبدين خبيرة جدًّا في شأن الأورك؟” قال كاسلان بصوت غليظ، وقد أبْطأ خطواته.
بل استداروا ومدّوا أذرعهم من غير تردّد، وركعوا وتعانقوا في دائرة، يحجبون تاليس والشقية بأجسادهم.
رفع لامبارد رأسه، محرِّكًا بصره بعيدًا عن الملك، الذي كان أيضًا عمّه.
تذكّر تاليس نفسه والشقية الصغيرة وهما يعانقان بعضهما البعض من غير وعي، مرتعدين عاجزين، وقد حُجبت الرؤية عنهما تمامًا بأجساد أولئك الحرّاس.
“هناك من يتعقّبنا”، جاء صوت آيدا الهادئ من تحت عباءتها. “حاولتُ التخلّص منه، لكن النتيجة ليست كما أريد.”
ثم دوّى صوت السهام التي لا تُحصى وهي تمزّق اللحم.
Arisu-san
كان يشبه صوت الجزّار عند باب المدينة الغربية في مدينة النجم الأبدي، وهو يقطع اللحم كل صباح، قطعة بعد قطعة.
“سواء بالسرقة أو بالقوة، يجب أن نستولي على البوّابة بين منطقة الفأس وقصر الروح البطولية قبل الثامنة!”
ارتجف تاليس وارتعش حين ابتلع جرعة من الهواء البارد.
تغيّر وجه تاليس. وعلى الجانب الآخر، خفَضت الفتاة الصغيرة رأسها وحدّقت في نظّارتها المتلطّخة بالدم.
تذكّر وجوه أولئك الحرّاس.
تذكّر وجوه أولئك الحرّاس.
بينما كانت السهام تمزّق أجسادهم، ارتجفوا بلا توقّف وبهتت وجوههم شيئًا فشيئًا.
(عندما اعتليتُ قمة الجبل الواسع البري مع كيرا؟)
تبادلوا النظرات، وكانت نظراتهم تفيض حنقًا واستنكارًا. لكنه تذكّر كيف، في النهاية، هدأت أعينهم كأنهم استسلموا لمصيرهم.
كان كينتفيدا مطّلعًا على كل التفاصيل. وواصل المستشار الرئيسي حديثه:
كأنّ المطر والثلج يهوي على أجسادهم لا السهام.
تبادلوا النظرات، وكانت نظراتهم تفيض حنقًا واستنكارًا. لكنه تذكّر كيف، في النهاية، هدأت أعينهم كأنهم استسلموا لمصيرهم.
وتذكّر تاليس كيف خرجت السهام من أجسادهم، تشقّ الكتفين، والرقاب، والبطون، وتسحب الدم معها.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
بل إن سهمًا واحدًا اخترق رأس أحدهم، وخرج من محجر عينه اليسرى. تطاير الدم الدافئ على وجه تاليس فصبغه بالأحمر.
شعر تاليس بحرارة الألم على جبينه. هزّ رأسه بوجه متجهّم.
وتوقّف رأس السهم الأحمر اللامع أمام عين تاليس اليُمنى مباشرة.
كان يشبه صوت الجزّار عند باب المدينة الغربية في مدينة النجم الأبدي، وهو يقطع اللحم كل صباح، قطعة بعد قطعة.
حينها، كانت الشقية قد أطبقت عينيها وعانقته وهي تبكي.
“هل لي أن أعرف ما إذا كنتِ…”
بأعين متّسعة، تنفّس الحرس دمهم، وبعضهم بسط له ابتسامة مرتاحة.
مسحت بعينيها الشارع الخالي، من المنعطف إلى السطوح، ومن الزقاق إلى الجدران المنخفضة، دون أن تغفل شيئًا.
تعانقوا وانطرحوا على الأرض واحدًا تلو الآخر، دون أن ينهضوا ثانية.
“عليك أن تنجو، يا مواطن الإمبراطورية.” تذكّر تاليس ذلك الحرّاس الذي قبض على ياقة ثوبه وقال بأسنان مشدودة وبأنفاس تحتضر. “احمها جيدًا… واجعلهم يدفعون الثمن…”
“هيه، آيدا.” استدار تاليس بجهد. “أعلم أنك قد لا تحبين هذا السؤال، لكنني حقًا أريد أن أعرف…”
وتذكّر أيضًا ذلك الحارس الأخير، الشاب، وقد نهض وسط جثث رفاقه الثلاثة. خمسة أو ستة سهام مغروزة في جسده، ومع ذلك استجمع ما تبقّى لديه من قوة، رفع نصل سيفه وترنّح نحو أعدائه.
“كم تبقى من الوقت؟” قال ببرود، لكن نبرته حملت ثِقل السلطة.
ضحّى بحياته وشنّ هجومًا أخيرًا، مبثوثًا في صفوف رماة السهام، ناشرًا الفوضى.
“قبيلة داركستورم؟ بالطبع.”
صرخة كينتفيدا الهائجة دوّت بين الجموع.
“كان الأمر أشبه بتقطيع الخضار!”
تذكّر تاليس كيف أمسك يد الشقية الصغيرة وزحف مبتعدًا عن جثث الحرس.
انساب هواء الصباح البارد عبر الشارع الخالي الضبابي. كانت الشمس تشرق، تبثّ ذلك الضوء الأخضر الشاحب الذي يخصّ الفجر وحده.
تذكّر كيف كان في غيبوبة، وكان على شفا الانهيار، وكيف أطلق الحرس الذين يحرسون ظهره صرخة أخيرة، مليئة بالحزن.
ولم يدرك كيف ظهرت آيدا بين الأنقاض إلى جانبه وانتشلته هو والشقية الصغيرة من ذلك الاضطراب الجارف.
ولم يدرك كيف ظهرت آيدا بين الأنقاض إلى جانبه وانتشلته هو والشقية الصغيرة من ذلك الاضطراب الجارف.
“هذا امتحان لك… منّي.”
حتى… الآن.
“كان الأمر أشبه بتقطيع الخضار!”
بعينين غائمتين وقلبٍ مضطرب، التفت تاليس وحدّق في الشقية الصغيرة المذعورة مثله.
أطرق تاليس برأسه.
ومن غير أن يشعر، مدّ يده يمسح الدم عن وجهه مرة أخرى.
حتى… الآن.
لكن الدم كان قد جفّ.
***
كان يظنّ أنّ معركة غابة البتولا بلغت من الفظاعة مداها، وأنّ الهروب من الحصار أمام الحصن كان مغازلةً للموت، وأنّ مبارزته مع جيزا بلغت حدّ الصدمة.
“همف.” كانت آيدا، كعادتها، معبّرة. هزّت كتفيها وفتحت ذراعيها في مبالغة ساخرة، تصطنع اللامبالاة.
لكن…
وهشّت نفسها براحتها. “ما مقدار قوّة شخص متخفٍّ يختبئ في الظلال؟
في غابة البتولا، انتشلته سيرينا من قلب المعركة.
واستدار ينظر نحو الجهة التي اختفى فيها تاليس وآيدا، وكأنه غرق في التفكير.
أمام الحصن، حمله آراكا إلى برّ الأمان باندفاعته التي لا تُوقَف.
“إن تعذّر غير ذلك، اختبئا قليلًا. الآخرون يبحثون عنكما أيضًا، وسيولون اهتمامًا خاصًا بالأطفال… ستكونان آمنين حين تقابلان رالف أو وايا…”
وقبل هذا كلّه، كان تحت حماية السيف الأسود ومهارته، وطاقة الصوفي الغامضة، ونصل التطهير العجيب.
كان جسد الملك نوڤين البارد يرقد إلى جانب الآرشيدوق، مغطّى بعباءة رماديّة خاصة بحرس النصل الأبيض.
لمّا اقترب الدم منه، ومات الحرّاس أمام عينيه واحدًا واحدًا… لما أُبيد حرس النصل الأبيض تمامًا، وتردّدت الصرخات الحزينة والزأرات الغاضبة تباعًا… حينها فقط أدرك تاليس—أدرك حقارة الأمر، ومرارته، وكم إنه امرٌ لا يُحتمل.
(هذه ليست عصًا.)
توقّفت آيدا فجأة، وأنزلت تاليس والفتاة الصغيرة على شارعٍ فارغ نظيف.
أطرق تاليس رأسه دون كلمة.
وقفوا عند زاوية الطريق، لكن آيدا لم تُبدِ أي نيّة للمتابعة.
“حيًا.”
استدارت الجنية ذات الرداء وحدّقت في الشارع الخالي.
خرج العجوز تمامًا من الظلّ، وظهر وهو يحمل عصًا طويلة.
“ما الأمر؟” قال تاليس، لا يزال في ذهوله، رافعًا رأسه محاولًا لملمة نفسه.
حدّق كاسلان في آيدا بنظرة باردة لا مبالاة فيها.
“هناك من يتعقّبنا”، جاء صوت آيدا الهادئ من تحت عباءتها. “حاولتُ التخلّص منه، لكن النتيجة ليست كما أريد.”
أومأ كينتفيدا باحترام.
كانت كلماتها سلسة، لكن نبرتها كانت جادّة على نحو غير مسبوق.
وفي اللحظة التالية، كأن عزمه قد اشتد، جرّ الشقية الصغيرة واندفع راكضًا.
تغيّر وجه تاليس. وعلى الجانب الآخر، خفَضت الفتاة الصغيرة رأسها وحدّقت في نظّارتها المتلطّخة بالدم.
صرخة كينتفيدا الهائجة دوّت بين الجموع.
“إذًا؟” سأل الأمير بتوجّس.
نفخت بضيق، وسحبت سيفها المقوّس الأنيق.
“إذًا عليكما أنتما الاثنان المضيّ أولًا.” ربّتت آيدا على كتفه بارتياحٍ مصطنع.
خرج العجوز تمامًا من الظلّ، وظهر وهو يحمل عصًا طويلة.
“سأذهب للعثور عليه.” كانت راحتها مكسوّة بدماء كثيرة من على جسد تاليس. فركت كفّيها باشمئزاز. “سألحق بكما بعد أن أتخلّص من هذا الذيل.”
وضعت آيدا يديها على خصرها.
تجمّد تاليس.
“ما الأمر؟” قال تاليس، لا يزال في ذهوله، رافعًا رأسه محاولًا لملمة نفسه.
(اذهبا أولًا…)
(يا ابن الـ…!)
تذكّر ليلة سوق الشارع الأحمر.
(متى كانت آخر مرة واجهت فيها خصمًا بهذه القوة؟)
الفتاة ذات النصل المزدوج قالت له الجملة نفسها.
“لأنه إن لم أفعل… فلن تطمئنّي لفرارنا وحدنا.” قال بصوت منخفض.
“الخصم قوي للغاية، أليس كذلك؟” قال تاليس شاردًا.
(كأن هذا الألم وحده ما يثبت أنّني ما زلت حيا…)
“لستِ واثقة من النصر، وليس أمامك سوى أن تدعينا نغادر أولًا؟”
صرخة كينتفيدا الهائجة دوّت بين الجموع.
لم تتحرك آيدا تحت العباءة. بدت مدهوشة.
وبعد ثوانٍ، تنفّست بامتعاض وخفضت يدها.
انساب هواء الصباح البارد عبر الشارع الخالي الضبابي. كانت الشمس تشرق، تبثّ ذلك الضوء الأخضر الشاحب الذي يخصّ الفجر وحده.
“همف.” كانت آيدا، كعادتها، معبّرة. هزّت كتفيها وفتحت ذراعيها في مبالغة ساخرة، تصطنع اللامبالاة.
بعد لحظات، رفعت آيدا يدها اليمنى فجأة وضربت جبهة تاليس.
“قبيلة داركستورم؟ بالطبع.”
طقطق!
(عندما اعتليتُ قمة الجبل الواسع البري مع كيرا؟)
وخزته بسبابتها مرّة أخرى.
“قطع، قطع، قطع، قطع. رأسين في كل ضربة!” ثرثرت دون توقف.
لكن هذه المرة، لم يحاول تاليس صدّها. بل تركها تفعلها بصمت.
تجمّدت آيدا.
“هاه؟” قالت آيدا بدهشة طفيفة. “لماذا لم تحاول منعي هذه المرة؟”
الأرض أمامه كانت مغطاة بالجثث. بعضها لحرس النصل الأبيض، والباقي لجنود إقليم الرمال السوداء. وكان عناصره يذهبون ويجيئون لجمع الجثث وإخلاء المكان.
شعر تاليس بحرارة الألم على جبينه. هزّ رأسه بوجه متجهّم.
“اسمع يا فتى، رغم أن الكارثة كانت هناك… بيوتراي أرسل كل مرؤوسيك للبحث عنك؛ ذلك الصبي المتعجرف من عائلة كاسو، وذلك الأبكم المقنّع الذي يلازمك دائمًا، وحتى المخضرم من لواء ضوء النجوم…”
(كأن هذا الألم وحده ما يثبت أنّني ما زلت حيا…)
عقدت آيدا حاجبيها.
“لأنه إن لم أفعل… فلن تطمئنّي لفرارنا وحدنا.” قال بصوت منخفض.
تذكّر تاليس نفسه والشقية الصغيرة وهما يعانقان بعضهما البعض من غير وعي، مرتعدين عاجزين، وقد حُجبت الرؤية عنهما تمامًا بأجساد أولئك الحرّاس.
بدت آيدا غاضبة قليلًا. رفعت يدها مجددًا تريد ضربه.
(متى كانت آخر مرة واجهت فيها خصمًا بهذه القوة؟)
لكن تاليس لم يتحرك قيد أنملة.
لدينا أقل من ألفي رجل. وحتى لو استولينا على بوّابة حصينة، لن نصمد لأكثر من نصف يوم.” ختم كينتفيدا بدقة: “علينا خوض معركة خاطفة.”
وتوقفت يد آيدا في الهواء.
“آه، بلا متعة. أنت سمكة ميّتة مثل مينديس.”
وبعد ثوانٍ، تنفّست بامتعاض وخفضت يدها.
تجمّد تاليس.
“آه، بلا متعة. أنت سمكة ميّتة مثل مينديس.”
تذكّر ليلة سوق الشارع الأحمر.
“إذًا الأمر صحيح؟” قال تاليس بشهيق عميق وصوت عميق. “أنّ العدو قوي فعلًا؟”
“ضحّى حرس النصل الأبيض بأرواحهم لشنّ هجوم انتحاري. لقد أسأنا تقدير قوتهم العسكرية، وأفرطنا في تقدير قوّتنا نحن، في الوقت ذاته،” تنهد كينتفيدا وتابع. “ظهور التنين أرعب الجنود. ولولا أننا درّبناهم وغرسنا العقيدة فيهم طوال السنوات، لأخشى أنهم كانوا سيغيّرون ولاءهم.”
“همف.” كانت آيدا، كعادتها، معبّرة. هزّت كتفيها وفتحت ذراعيها في مبالغة ساخرة، تصطنع اللامبالاة.
“منطقة الدرع مليء برجالهم… الشماليون الحقيرون…”
وهشّت نفسها براحتها. “ما مقدار قوّة شخص متخفٍّ يختبئ في الظلال؟
صرخة كينتفيدا الهائجة دوّت بين الجموع.
“أما أنت، فكفّ عن التدخّل في شؤون الكبار.” قالت آيدا وهي تروّح لنفسها بغرابة في هذا البرد. “ثم إنك، كأمير، ستكبر يومًا ما. لا يمكنني حمايتك دائمًا.”
بل استداروا ومدّوا أذرعهم من غير تردّد، وركعوا وتعانقوا في دائرة، يحجبون تاليس والشقية بأجسادهم.
أطرق تاليس برأسه.
“أمر آخر…” قال كينتفيدا بهدوء. “تلقّيت للتو خبرًا بشأن أمير الكوكبة.”
“لا تُجهد نفسك بالتفكير”، هبطت نبرة آيدا، وخفضت يدها التي كانت تروّح بها.
نفخت بضيق، وسحبت سيفها المقوّس الأنيق.
“هذا امتحان لك… منّي.”
لكن تاليس ظلّ أسير صدمة الذكريات التي ابتلعته، غير قادر على الخلاص منها.
في تلك اللحظة، شعر تاليس بالحزن…
بعد لحظات، رفعت آيدا يدها اليمنى فجأة وضربت جبهة تاليس.
(كأن شيئًا كان عالقًا في صدره…)
“هيه، أيها الغِرّ الأحمق.” رفعت آيدا رأسها، فتمكّن تاليس من رؤية ذقنها الناعم شديد البياض على غير العادة.
“فهمت.” أمسك بيد الشقية الصغيرة وقال بصوت مختنق، “سنمضي أولًا وننتظرك هناك.”
“انشروا الشائعات حسب الخطة. هذا سيمنحنا الوقت.”
(لقد اعتدتُ هذا منذ زمن… أليس كذلك؟)
“مهلًا، لستُ أكذب!” صاحت الجنية وهي تراقب وضع خصمها وتنفسه بدقة.
عادت نبرة آيدا مشرقة.
استنشقت آيدا بعمق، وضعت يدًا على خصرها محاوِلة إظهار اللامبالاة.
“أسرعا إذًا. بعد هذه الزاوية، امضيا مباشرة وستصلان إلى شارع وست-إكسبرس. في آخر الشارع، سترون الحاجز. لا أنصح بالتوجّه للدوريات؛ لا نعلم ما موقفهم الآن…”
(متى كانت آخر مرة واجهت فيها خصمًا بهذه القوة؟)
“إن تعذّر غير ذلك، اختبئا قليلًا. الآخرون يبحثون عنكما أيضًا، وسيولون اهتمامًا خاصًا بالأطفال… ستكونان آمنين حين تقابلان رالف أو وايا…”
“هذا امتحان لك… منّي.”
“أما أنا…” توقفت لحظة.
“هل لي أن أعرف ما إذا كنتِ…”
“سألحق بكما قريبًا.”
(الذي…)
أطرق تاليس رأسه دون كلمة.
(كانوا يستهدفون الملك نوڤين).
وفي اللحظة التالية، كأن عزمه قد اشتد، جرّ الشقية الصغيرة واندفع راكضًا.
(الذي…)
ثم توقّف فجأة.
كأنّ المطر والثلج يهوي على أجسادهم لا السهام.
حدّقت آيدا فيه وهي تميل برأسها باستغراب.
“أظهِر نفسك،” قالت آيدا ببرود. “أشعر بوجودك.”
“هيه، آيدا.” استدار تاليس بجهد. “أعلم أنك قد لا تحبين هذا السؤال، لكنني حقًا أريد أن أعرف…”
لوّحت آيدا بسيفها المقوّس أربع مرّات سريعة في الهواء.
وضعت آيدا يديها على خصرها.
لمّا اقترب الدم منه، ومات الحرّاس أمام عينيه واحدًا واحدًا… لما أُبيد حرس النصل الأبيض تمامًا، وتردّدت الصرخات الحزينة والزأرات الغاضبة تباعًا… حينها فقط أدرك تاليس—أدرك حقارة الأمر، ومرارته، وكم إنه امرٌ لا يُحتمل.
“هل لي أن أعرف ما إذا كنتِ…”
“همف.” كانت آيدا، كعادتها، معبّرة. هزّت كتفيها وفتحت ذراعيها في مبالغة ساخرة، تصطنع اللامبالاة.
تنفّس تاليس بعمق وقال بجدّية، “صائنة القَسَم، ملكة مينديس الرابع—إحدى جدّاتي الكبرى الكبرى الكبرى…؟”
تبادلوا النظرات، وكانت نظراتهم تفيض حنقًا واستنكارًا. لكنه تذكّر كيف، في النهاية، هدأت أعينهم كأنهم استسلموا لمصيرهم.
عند سماع ذلك، لم تستطع الشقية، رغم ذهولها، إلا أن ترفع رأسها.
“آه، بلا متعة. أنت سمكة ميّتة مثل مينديس.”
ساد الصمت.
(متى كانت آخر مرة واجهت فيها خصمًا بهذه القوة؟)
لم يكن ممكنًا رؤية ملامح آيدا تحت العباءة.
(كأن هذا الألم وحده ما يثبت أنّني ما زلت حيا…)
وبعد بضع ثوانٍ، تنهدت الحارسة الجنية.
استدارت الجنية ذات الرداء وحدّقت في الشارع الخالي.
“هيه، أيها الغِرّ الأحمق.” رفعت آيدا رأسها، فتمكّن تاليس من رؤية ذقنها الناعم شديد البياض على غير العادة.
ثم دوّى صوت السهام التي لا تُحصى وهي تمزّق اللحم.
قالت بنبرة مُحايدة، “كفّ عن التدخّل في شؤون الكبار.”
كينتفيدا وبقية الأتباع قادوا الجنود خلفه.
تجمّد تاليس لحظة.
“قل شيئًا يا فتى!” قالت آيدا بضيق وهي تستدير عبر زقاق. “ماذا حدث بحق السماء؟”
ثم ضمّ شفتيه وابتسم ابتسامة قسرية.
“إنهم هم،” رفع كينتفيدا رأسه، وقد ارتسمت على وجهه نظرة مريبة. “أرسلوا يطلبون الصبي…”
في اللحظة التالية، أمسك بالشقية واندفع جريًا دون أن يلتفت، واختفى جسده عند المنعطف.
“أمر آخر…” قال كينتفيدا بهدوء. “تلقّيت للتو خبرًا بشأن أمير الكوكبة.”
حدّقت آيدا في ظلّ تاليس المتلاشي، وأطلقت زفرة حادة.
أومأ كينتفيدا، وأعطى التعليمات للشخص الذي بجانبه.
لكنها فورًا استدارت. وارتجّ جسدها كله.
بل إن سهمًا واحدًا اخترق رأس أحدهم، وخرج من محجر عينه اليسرى. تطاير الدم الدافئ على وجه تاليس فصبغه بالأحمر.
(ذلك الشخص قادم.)
“لستِ واثقة من النصر، وليس أمامك سوى أن تدعينا نغادر أولًا؟”
أصبحت آيدا في أعلى درجات اليقظة.
ساد الصمت.
مسحت بعينيها الشارع الخالي، من المنعطف إلى السطوح، ومن الزقاق إلى الجدران المنخفضة، دون أن تغفل شيئًا.
“أسرعا إذًا. بعد هذه الزاوية، امضيا مباشرة وستصلان إلى شارع وست-إكسبرس. في آخر الشارع، سترون الحاجز. لا أنصح بالتوجّه للدوريات؛ لا نعلم ما موقفهم الآن…”
(يا لها من ورطة مقرفة.)
“تلك المعركة هي أكثر ما أفخر به حتى اليوم.” هز كاسلان رأسه وتقدّم خطوة نحو آيدا.
كان الألم النافذ والخَدَر على جلدها يخبرانها بأن العدو شخص لا يرحم.
(منذ متى…)
تابعت الحارسة الجنية شقّ طريقها في الشوارع التي كانت أفضل حالًا بكثير من تلك التي في منطقة الدرع. استدارت بمهارة في عدة منعطفات، تبحث بلياقة عن طريقٍ مفتوح.
(متى كانت آخر مرة واجهت فيها خصمًا بهذه القوة؟)
أطرق تاليس رأسه دون كلمة.
(عندما اعتليتُ قمة الجبل الواسع البري مع كيرا؟)
“لقد كانت يومًا رفيقتي وصديقتي.”
“أظهِر نفسك،” قالت آيدا ببرود. “أشعر بوجودك.”
وتذكّر تاليس كيف خرجت السهام من أجسادهم، تشقّ الكتفين، والرقاب، والبطون، وتسحب الدم معها.
دوّى وقع خطوات.
“هذا امتحان لك… منّي.”
ظهر من المنعطف جسد طويل ضخم، ووقف أمامها.
توقّف كاسلان عن التقدّم. ضيّق عينيه وهو يحدّق في الجنية التي تلوّح بسيفها.
تشنّجت حدقتا آيدا قليلًا.
كان يشبه صوت الجزّار عند باب المدينة الغربية في مدينة النجم الأبدي، وهو يقطع اللحم كل صباح، قطعة بعد قطعة.
“أنت.” زفرت الجنية، وقد امتلأت نبرتها بالسخرية والازدراء. “صاحب الحانة.”
(ذلك الشخص قادم.)
حدّق كاسلان في آيدا بنظرة باردة لا مبالاة فيها.
الأرض أمامه كانت مغطاة بالجثث. بعضها لحرس النصل الأبيض، والباقي لجنود إقليم الرمال السوداء. وكان عناصره يذهبون ويجيئون لجمع الجثث وإخلاء المكان.
“سمعتُ أنّك عضوٌ كبير في حرس النصل الأبيض.” همست آيدا باستخفاف، مع التشديد على كلمة كبير. “مُزلزل الأرض، صحيح؟”
حينها، كانت الشقية قد أطبقت عينيها وعانقته وهي تبكي.
“رغم أنّك ترتدين عباءة، أرى أنك جان،” قال كاسلان ببطء. كان صوته شامخًا قاسيًا. “وبحكم كونك كائنًا أبديًا، فلا شك أنك تملكين خبرة أكثر مني.”
(دمٌ من جديد…)
وقفت آيدا عاجزة عن الرد.
كان يشبه صوت الجزّار عند باب المدينة الغربية في مدينة النجم الأبدي، وهو يقطع اللحم كل صباح، قطعة بعد قطعة.
نفخت بضيق، وسحبت سيفها المقوّس الأنيق.
“هناك من يتعقّبنا”، جاء صوت آيدا الهادئ من تحت عباءتها. “حاولتُ التخلّص منه، لكن النتيجة ليست كما أريد.”
“سمعتُ أنك أنت من قتل زيرا داركستورم، قاتل البشر؟” قالت بلا مبالاة. “أنت قوي جدًّا، أليس كذلك؟”
“أما أنا…” توقفت لحظة.
“تلك المعركة هي أكثر ما أفخر به حتى اليوم.” هز كاسلان رأسه وتقدّم خطوة نحو آيدا.
لم يكن ممكنًا رؤية ملامح آيدا تحت العباءة.
“بالطبع، جزء من المجد يعود لهذا الشيء…”
أومأ كينتفيدا باحترام.
خرج العجوز تمامًا من الظلّ، وظهر وهو يحمل عصًا طويلة.
تغيّر وجه تاليس. وعلى الجانب الآخر، خفَضت الفتاة الصغيرة رأسها وحدّقت في نظّارتها المتلطّخة بالدم.
(لا.)
ثم توقّف فجأة.
عقدت آيدا حاجبيها.
“هل لي أن أعرف ما إذا كنتِ…”
(هذه ليست عصًا.)
“كان الأمر أشبه بتقطيع الخضار!”
“لقد كانت يومًا رفيقتي وصديقتي.”
(حدث؟)
“ومات زيرا داركستورم بها.” رفع كاسلان السلاحَ بيده، كاشفًا رأسه الأسود المخيف.
وقفوا عند زاوية الطريق، لكن آيدا لم تُبدِ أي نيّة للمتابعة.
ثم قال ببطء، “رمحُ قاتل الأرواح.”
(حدث؟)
تجمّدت آيدا.
أصبحت آيدا في أعلى درجات اليقظة.
(روح…
“إذًا الأمر صحيح؟” قال تاليس بشهيق عميق وصوت عميق. “أنّ العدو قوي فعلًا؟”
قاتل الأرواح…)
كانت الحارسة الجنية تحمل الأمير الثاني تحت ذراعها وتتقدّم بسرعة. مرّ الركام وقطع الخشب وحتى الجثث أمام بصر تاليس كالبرق.
ارتعش وجه الجنية.
ارتجف تاليس وارتعش حين ابتلع جرعة من الهواء البارد.
وفي اللحظة التالية، أرغمت نفسها على الابتسام.
“مهلًا، لستُ أكذب!” صاحت الجنية وهي تراقب وضع خصمها وتنفسه بدقة.
(يا أمّاه…)
(الذي…)
(يا ابن الـ…!)
ظلّت رائحة الدم عالقة في أنفه.
استنشقت آيدا بعمق، وضعت يدًا على خصرها محاوِلة إظهار اللامبالاة.
“قبيلة داركستورم؟ بالطبع.”
“أوه، أوه…
شعر تاليس بالإرهاق والاجتياح. حاول جاهدًا ترتيب ذاكرته الممزّقة.
بالحديث عن قبيلة داركستورم التي تضرب جذورها في التاريخ، فقد كانت في الماضي قبيلة قوية تملك حقّ المنافسة على العرش.” ضيّقت الجنية عينيها وضحكت ضحكة مصطنعة. ومع اقتراب العجوز أكثر، اتخذت وضعًا قتاليًا دون أن تشعر. “لا بد أنّ الأمر كان شاقًا عليك.”
مدَّ تاليس يده اليمنى المرتجفة ولمس وجهه اللزج. وحين حدّق بالدم على راحته، الذي بدأ يبرد حد التجمد، شعر بأنّ أنفاسه لم تعد له.
“تبدين خبيرة جدًّا في شأن الأورك؟” قال كاسلان بصوت غليظ، وقد أبْطأ خطواته.
تعانقوا وانطرحوا على الأرض واحدًا تلو الآخر، دون أن ينهضوا ثانية.
“قبيلة داركستورم؟ بالطبع.”
خرج العجوز تمامًا من الظلّ، وظهر وهو يحمل عصًا طويلة.
لوّحت آيدا بسيفها المقوّس واتخذت وضعية متراخية على نحو متعمّد.
“رغم أنّك ترتدين عباءة، أرى أنك جان،” قال كاسلان ببطء. كان صوته شامخًا قاسيًا. “وبحكم كونك كائنًا أبديًا، فلا شك أنك تملكين خبرة أكثر مني.”
“أول قبيلة واجهها والدي حين قاد الجيوش لمعاونة البشر كانت قبيلة داركستورم.” تمتمت الجنية بازدراء. “حين كان والدي يطيح برؤوسهم…”
خرج العجوز تمامًا من الظلّ، وظهر وهو يحمل عصًا طويلة.
“كان الأمر أشبه بتقطيع الخضار!”
طقطق!
لوّحت آيدا بسيفها المقوّس أربع مرّات سريعة في الهواء.
واستدار ينظر نحو الجهة التي اختفى فيها تاليس وآيدا، وكأنه غرق في التفكير.
“قطع، قطع، قطع، قطع. رأسين في كل ضربة!” ثرثرت دون توقف.
وتوقّف رأس السهم الأحمر اللامع أمام عين تاليس اليُمنى مباشرة.
توقّف كاسلان عن التقدّم. ضيّق عينيه وهو يحدّق في الجنية التي تلوّح بسيفها.
وتوقّف رأس السهم الأحمر اللامع أمام عين تاليس اليُمنى مباشرة.
وأدار الرمح في يده ببطء.
(عندما اعتليتُ قمة الجبل الواسع البري مع كيرا؟)
“مهلًا، لستُ أكذب!” صاحت الجنية وهي تراقب وضع خصمها وتنفسه بدقة.
تذكّر ليلة سوق الشارع الأحمر.
(نعم، لم أكذب…باستثناء تفصيلة واحدة.) فكرت آيدا.
قالت بنبرة مُحايدة، “كفّ عن التدخّل في شؤون الكبار.”
(في ذلك الوقت…لم أكن قد وُلدت بعد.)
دوّى وقع خطوات.
***
بعينين غائمتين وقلبٍ مضطرب، التفت تاليس وحدّق في الشقية الصغيرة المذعورة مثله.
وقف لامبارد وسط الأنقاض وقد علا جبينه تجعّد عابس. كان صارمًا صامتًا، كعادته.
(ذلك الشخص قادم.)
الأرض أمامه كانت مغطاة بالجثث. بعضها لحرس النصل الأبيض، والباقي لجنود إقليم الرمال السوداء. وكان عناصره يذهبون ويجيئون لجمع الجثث وإخلاء المكان.
(روح…
كان جسد الملك نوڤين البارد يرقد إلى جانب الآرشيدوق، مغطّى بعباءة رماديّة خاصة بحرس النصل الأبيض.
(كأن شيئًا كان عالقًا في صدره…)
خفض لامبارد رأسه وحدّق في الملك، ووضع يده على مقبض سيفه البالي وهو يحمل تعبيرًا معقدًا.
(دم…)
“فقدنا ثمانيةً وعشرين رجلاً،” اقترب الفيكونت كينتفيدا من خلف الآرشيدوق وقال بصوت منخفض. “وخمسة عشر أصيبوا بجراح خطيرة تلزمهم الأرض. وأربعة بإصابات طفيفة وما زالوا قادرين على القتال.”
لم يقل لامبارد شيئًا.
لم يقل لامبارد شيئًا.
كينتفيدا وبقية الأتباع قادوا الجنود خلفه.
“ضحّى حرس النصل الأبيض بأرواحهم لشنّ هجوم انتحاري. لقد أسأنا تقدير قوتهم العسكرية، وأفرطنا في تقدير قوّتنا نحن، في الوقت ذاته،” تنهد كينتفيدا وتابع. “ظهور التنين أرعب الجنود. ولولا أننا درّبناهم وغرسنا العقيدة فيهم طوال السنوات، لأخشى أنهم كانوا سيغيّرون ولاءهم.”
بالحديث عن قبيلة داركستورم التي تضرب جذورها في التاريخ، فقد كانت في الماضي قبيلة قوية تملك حقّ المنافسة على العرش.” ضيّقت الجنية عينيها وضحكت ضحكة مصطنعة. ومع اقتراب العجوز أكثر، اتخذت وضعًا قتاليًا دون أن تشعر. “لا بد أنّ الأمر كان شاقًا عليك.”
رفع لامبارد رأسه، محرِّكًا بصره بعيدًا عن الملك، الذي كان أيضًا عمّه.
واستدار ينظر نحو الجهة التي اختفى فيها تاليس وآيدا، وكأنه غرق في التفكير.
“أكثر من عشرة من حرس النصل الأبيض كانوا كافين لبثّ الذعر في صفوف قوات الحدود التي نفخر بها.” حرّك الآرشيدوق عنقه ببطء واستنشق هواء فجر مدينة سحب التنين البارد. “كيف استطاع تشارلتون أن يخترق حماية هؤلاء الرجال ليغتال الملك نوڤين؟”
(في ذلك الوقت…لم أكن قد وُلدت بعد.)
خفض كينتفيدا رأسه.
حملت آيدا كليهما تحت ذراعيها، وبالأخير خرجوا من أنقاض منطقة الدرع. ظهرت أمامه شوارع نظيفة سليمة، ومنازل بلا ضرر. لم يكن في المكان روح واحدة. كانت أوامر الملك بالإخلاء وحظر التجول ناجعة للغاية.
“كما تعلم، إنهم آل تشارلتون.” أومأ الفيكونت باحترام. “ولحسن الحظ، كثير من حرس النصل الأبيض قُتلوا أو جُرحوا أو تاهوا في الفوضى التي سببتها الكوارث.”
“أنت.” زفرت الجنية، وقد امتلأت نبرتها بالسخرية والازدراء. “صاحب الحانة.”
“دعك من هذا. على الأقل تأكّدنا من موت الملك.” كان وجه الآرشيدوق صارمًا. رفع رأسه وحدّق في أعلى مبنى في مدينة سحب التنين.
(دمٌ من جديد…)
“كم تبقى من الوقت؟” قال ببرود، لكن نبرته حملت ثِقل السلطة.
حدّقت آيدا في ظلّ تاليس المتلاشي، وأطلقت زفرة حادة.
انحنى كينتفيدا باحترام.
توقّف كاسلان عن التقدّم. ضيّق عينيه وهو يحدّق في الجنية التي تلوّح بسيفها.
“ساعتان على الأكثر،” أجاب بسرعة. “سيشكّ رئيس قاعة الانضباط ورئيس الحامية في الأمر عندما لا يتلقّون ردّ الملك وسيُرسلون رجالًا للبحث عنه في منطقة الدرع. بالطبع، رجال فلاد قادرون على تأخيرهم، كما يستطيع أهل ساحة أجنحة التنين وحتى منطقة الدرع إرباكهم.”
اجتاز لامبارد حفرة ترابية وقال بحسم: “بحلول التاسعة، أو العاشرة في أقصى تقدير… يجب أن ينتهي كل شيء!”
كان كينتفيدا مطّلعًا على كل التفاصيل. وواصل المستشار الرئيسي حديثه:
“دعك من هذا. على الأقل تأكّدنا من موت الملك.” كان وجه الآرشيدوق صارمًا. رفع رأسه وحدّق في أعلى مبنى في مدينة سحب التنين.
“إن لم تظهر نتيجة خلال أربع ساعات، سيتنبّه رئيس الوزراء ليسبان إلى الخطر. وسيبدأ بجمع قوّاته وربما القوات النظامية لاحتواء الفوضى الناتجة عن اختفاء الملك. لكنه لا يملك أمرًا مباشرًا من الملك، ومع حظر التجول بسبب الكوارث، فلن يتمكن من جمع عدد كبير من المجندين.
“إذًا الأمر صحيح؟” قال تاليس بشهيق عميق وصوت عميق. “أنّ العدو قوي فعلًا؟”
وإن امتد الأمر إلى ست ساعات، فلن يعود بالإمكان إخفاء الحقيقة. وستُكشف تحركات رجالنا الذين يفوق عددهم الألف بقليل. يحتاج ليسبان فقط إصدار أمر واحد، فيقود الكونتات الإقطاعيون خارج المدينة—الذين ما زالوا مخلصين لأسرة والتون—جيوشهم إلى داخل المدينة. لن يكون بمقدورنا مواجهتهم وجهًا لوجه. جنودنا أصلاً في حالة عدم استقرار عاطفي. وفي لحظة، سنتلقى هزيمة ساحقة بسبب الخسائر والإرهاق وانهيار الروح المعنوية.
“لقد كانت يومًا رفيقتي وصديقتي.”
لدينا أقل من ألفي رجل. وحتى لو استولينا على بوّابة حصينة، لن نصمد لأكثر من نصف يوم.” ختم كينتفيدا بدقة: “علينا خوض معركة خاطفة.”
“أكثر من عشرة من حرس النصل الأبيض كانوا كافين لبثّ الذعر في صفوف قوات الحدود التي نفخر بها.” حرّك الآرشيدوق عنقه ببطء واستنشق هواء فجر مدينة سحب التنين البارد. “كيف استطاع تشارلتون أن يخترق حماية هؤلاء الرجال ليغتال الملك نوڤين؟”
وقف الآرشيدوق لامبارد تحت السماء الملبّدة بالغيوم وهو يحدّق في ظلّ قصر الروح البطولية. وبقيت ملامحه باردة كالجليد.
“هيه، أيها الغِرّ الأحمق.” رفعت آيدا رأسها، فتمكّن تاليس من رؤية ذقنها الناعم شديد البياض على غير العادة.
“نصف يوم،” تمتم لامبارد بسخرية باردة. “يكفينا.”
“سواء بالسرقة أو بالقوة، يجب أن نستولي على البوّابة بين منطقة الفأس وقصر الروح البطولية قبل الثامنة!”
استدار الآرشيدوق ولوّح بردائه، كاشفًا درعه. وسار بخطوات ثابتة كمقاتلٍ يتقدّم نحو قصر الروح البطولية.
“أوه، أوه…
كينتفيدا وبقية الأتباع قادوا الجنود خلفه.
“إذًا؟” سأل الأمير بتوجّس.
“أرسل رسالة إلى الوحدات الأخرى التي تنظّف الفوضى وفق الخطة. تولجا، فلاد، كروُش؛ اطلب منهم الالتحاق بليفان وفيك… ينبغي أنهم أنهوا الاستعداد.” أمر الآرشيدوق ببرود وهو يسير.
عند سماع ذلك، لم تستطع الشقية، رغم ذهولها، إلا أن ترفع رأسها.
“سواء بالسرقة أو بالقوة، يجب أن نستولي على البوّابة بين منطقة الفأس وقصر الروح البطولية قبل الثامنة!”
“فقدنا ثمانيةً وعشرين رجلاً،” اقترب الفيكونت كينتفيدا من خلف الآرشيدوق وقال بصوت منخفض. “وخمسة عشر أصيبوا بجراح خطيرة تلزمهم الأرض. وأربعة بإصابات طفيفة وما زالوا قادرين على القتال.”
أومأ كينتفيدا باحترام.
ساد الصمت.
“انشروا الشائعات حسب الخطة. هذا سيمنحنا الوقت.”
“أنت.” زفرت الجنية، وقد امتلأت نبرتها بالسخرية والازدراء. “صاحب الحانة.”
اجتاز لامبارد حفرة ترابية وقال بحسم: “بحلول التاسعة، أو العاشرة في أقصى تقدير… يجب أن ينتهي كل شيء!”
استدارت الجنية ذات الرداء وحدّقت في الشارع الخالي.
أومأ كينتفيدا، وأعطى التعليمات للشخص الذي بجانبه.
أصبحت آيدا في أعلى درجات اليقظة.
وبعد ثوانٍ، انطلق رسول الجيش.
“أنت.” زفرت الجنية، وقد امتلأت نبرتها بالسخرية والازدراء. “صاحب الحانة.”
“أمر آخر…” قال كينتفيدا بهدوء. “تلقّيت للتو خبرًا بشأن أمير الكوكبة.”
وبعد بضع ثوانٍ، تنهدت الحارسة الجنية.
استدار الآرشيدوق لامبارد وحدّق في مستشاره بنظرة غريبة.
“هيه، أيها الغِرّ الأحمق.” رفعت آيدا رأسها، فتمكّن تاليس من رؤية ذقنها الناعم شديد البياض على غير العادة.
“إنهم هم،” رفع كينتفيدا رأسه، وقد ارتسمت على وجهه نظرة مريبة. “أرسلوا يطلبون الصبي…”
“حيًا.”
“أوه، أوه…
توقّف لامبارد.
طقطق!
واستدار ينظر نحو الجهة التي اختفى فيها تاليس وآيدا، وكأنه غرق في التفكير.
وخزته بسبابتها مرّة أخرى.
“كان الأمر أشبه بتقطيع الخضار!”
