كُفَّ عن التدخّل في شؤون الكبار
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
استدار الآرشيدوق لامبارد وحدّق في مستشاره بنظرة غريبة.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
وفي اللحظة التالية، أرغمت نفسها على الابتسام.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
دوّى صوت آيدا.
Arisu-san
الفتاة ذات النصل المزدوج قالت له الجملة نفسها.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
وضعت آيدا يديها على خصرها.
الفصل 191: كُفَّ عن التدخّل في شؤون الكبار
استدار الآرشيدوق ولوّح بردائه، كاشفًا درعه. وسار بخطوات ثابتة كمقاتلٍ يتقدّم نحو قصر الروح البطولية.
***
“هل لي أن أعرف ما إذا كنتِ…”
(دم…)
بعينين غائمتين وقلبٍ مضطرب، التفت تاليس وحدّق في الشقية الصغيرة المذعورة مثله.
(دمٌ من جديد…)
بل استداروا ومدّوا أذرعهم من غير تردّد، وركعوا وتعانقوا في دائرة، يحجبون تاليس والشقية بأجسادهم.
مدَّ تاليس يده اليمنى المرتجفة ولمس وجهه اللزج. وحين حدّق بالدم على راحته، الذي بدأ يبرد حد التجمد، شعر بأنّ أنفاسه لم تعد له.
“إذًا الأمر صحيح؟” قال تاليس بشهيق عميق وصوت عميق. “أنّ العدو قوي فعلًا؟”
“منطقة الدرع مليء برجالهم… الشماليون الحقيرون…”
وقفوا عند زاوية الطريق، لكن آيدا لم تُبدِ أي نيّة للمتابعة.
دوّى صوت آيدا.
بالحديث عن قبيلة داركستورم التي تضرب جذورها في التاريخ، فقد كانت في الماضي قبيلة قوية تملك حقّ المنافسة على العرش.” ضيّقت الجنية عينيها وضحكت ضحكة مصطنعة. ومع اقتراب العجوز أكثر، اتخذت وضعًا قتاليًا دون أن تشعر. “لا بد أنّ الأمر كان شاقًا عليك.”
بدا كأنه يأتي من مكان بعيد.
“لقد كانت يومًا رفيقتي وصديقتي.”
“اسمع يا فتى، رغم أن الكارثة كانت هناك… بيوتراي أرسل كل مرؤوسيك للبحث عنك؛ ذلك الصبي المتعجرف من عائلة كاسو، وذلك الأبكم المقنّع الذي يلازمك دائمًا، وحتى المخضرم من لواء ضوء النجوم…”
وبعد ثوانٍ، انطلق رسول الجيش.
كانت الحارسة الجنية تحمل الأمير الثاني تحت ذراعها وتتقدّم بسرعة. مرّ الركام وقطع الخشب وحتى الجثث أمام بصر تاليس كالبرق.
“أما أنت، فكفّ عن التدخّل في شؤون الكبار.” قالت آيدا وهي تروّح لنفسها بغرابة في هذا البرد. “ثم إنك، كأمير، ستكبر يومًا ما. لا يمكنني حمايتك دائمًا.”
بذل تاليس جهدًا ليتمكّن من التنفّس. التفت ورأى أنّ الشقية تُحمَل تحت ذراع آيدا الأخرى. كانت تقبض على نظّارتها بشدة، مذهولة.
Arisu-san
“كنتُ الوحيدة التي جاءت تبحث عنك في منطقة الدرع. لم أتوقع شيئًا كهذا. ما أمر هؤلاء الجنود؟ لماذا يهاجمونكما أنت وحرس النصل الأبيض؟”
وفي اللحظة التالية، كأن عزمه قد اشتد، جرّ الشقية الصغيرة واندفع راكضًا.
(لا…لم يكونوا يهاجمونني أنا وحرس النصل الأبيض)، هكذا فكّر تاليس وهو غارق في دواره.
وتذكّر أيضًا ذلك الحارس الأخير، الشاب، وقد نهض وسط جثث رفاقه الثلاثة. خمسة أو ستة سهام مغروزة في جسده، ومع ذلك استجمع ما تبقّى لديه من قوة، رفع نصل سيفه وترنّح نحو أعدائه.
ظلّت رائحة الدم عالقة في أنفه.
“أرسل رسالة إلى الوحدات الأخرى التي تنظّف الفوضى وفق الخطة. تولجا، فلاد، كروُش؛ اطلب منهم الالتحاق بليفان وفيك… ينبغي أنهم أنهوا الاستعداد.” أمر الآرشيدوق ببرود وهو يسير.
ذكّرته بالخنادق قرب البيت المهجور، وبداخل مجسّات جيزا؛ الرائحة تكاد تتطابق.
لدينا أقل من ألفي رجل. وحتى لو استولينا على بوّابة حصينة، لن نصمد لأكثر من نصف يوم.” ختم كينتفيدا بدقة: “علينا خوض معركة خاطفة.”
(كانوا يستهدفون الملك نوڤين).
(ما…)
“قل شيئًا يا فتى!” قالت آيدا بضيق وهي تستدير عبر زقاق. “ماذا حدث بحق السماء؟”
(يا ابن الـ…!)
(ما…)
ومن غير أن يشعر، مدّ يده يمسح الدم عن وجهه مرة أخرى.
(الذي…)
بل إن سهمًا واحدًا اخترق رأس أحدهم، وخرج من محجر عينه اليسرى. تطاير الدم الدافئ على وجه تاليس فصبغه بالأحمر.
(حدث؟)
“أول قبيلة واجهها والدي حين قاد الجيوش لمعاونة البشر كانت قبيلة داركستورم.” تمتمت الجنية بازدراء. “حين كان والدي يطيح برؤوسهم…”
شعر تاليس بالإرهاق والاجتياح. حاول جاهدًا ترتيب ذاكرته الممزّقة.
شعر تاليس بحرارة الألم على جبينه. هزّ رأسه بوجه متجهّم.
تذكّر ابتسامة كينتڤيدا؛ وصوت السهام التي كانت تُقذَف من مقابض جنود إقليم الرمال السوداء؛ وتلك الظلال السوداء التي انطلقت نحوه بلا عدد؛ والتنميل والارتجاف الممتدّ من فروة رأسه حتى كتفيه ورقبته.
وتذكّر تاليس كيف خرجت السهام من أجسادهم، تشقّ الكتفين، والرقاب، والبطون، وتسحب الدم معها.
حملت آيدا كليهما تحت ذراعيها، وبالأخير خرجوا من أنقاض منطقة الدرع. ظهرت أمامه شوارع نظيفة سليمة، ومنازل بلا ضرر. لم يكن في المكان روح واحدة. كانت أوامر الملك بالإخلاء وحظر التجول ناجعة للغاية.
دوّى وقع خطوات.
تابعت الحارسة الجنية شقّ طريقها في الشوارع التي كانت أفضل حالًا بكثير من تلك التي في منطقة الدرع. استدارت بمهارة في عدة منعطفات، تبحث بلياقة عن طريقٍ مفتوح.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
لكن تاليس ظلّ أسير صدمة الذكريات التي ابتلعته، غير قادر على الخلاص منها.
استدار الآرشيدوق ولوّح بردائه، كاشفًا درعه. وسار بخطوات ثابتة كمقاتلٍ يتقدّم نحو قصر الروح البطولية.
في لحظة لا تتعدّى طرفة عين، لم يكن لدى الحرّاس الأربعة المتبقّين من حرس النصل الأبيض الوقت حتى لإتمام حركتهم، الحركة التي يركعون فيها ويرفعون دروعهم.
وقفت آيدا عاجزة عن الرد.
بل استداروا ومدّوا أذرعهم من غير تردّد، وركعوا وتعانقوا في دائرة، يحجبون تاليس والشقية بأجسادهم.
طقطق!
تذكّر تاليس نفسه والشقية الصغيرة وهما يعانقان بعضهما البعض من غير وعي، مرتعدين عاجزين، وقد حُجبت الرؤية عنهما تمامًا بأجساد أولئك الحرّاس.
“أول قبيلة واجهها والدي حين قاد الجيوش لمعاونة البشر كانت قبيلة داركستورم.” تمتمت الجنية بازدراء. “حين كان والدي يطيح برؤوسهم…”
ثم دوّى صوت السهام التي لا تُحصى وهي تمزّق اللحم.
“سواء بالسرقة أو بالقوة، يجب أن نستولي على البوّابة بين منطقة الفأس وقصر الروح البطولية قبل الثامنة!”
كان يشبه صوت الجزّار عند باب المدينة الغربية في مدينة النجم الأبدي، وهو يقطع اللحم كل صباح، قطعة بعد قطعة.
(ذلك الشخص قادم.)
ارتجف تاليس وارتعش حين ابتلع جرعة من الهواء البارد.
وبعد بضع ثوانٍ، تنهدت الحارسة الجنية.
تذكّر وجوه أولئك الحرّاس.
“أوه، أوه…
بينما كانت السهام تمزّق أجسادهم، ارتجفوا بلا توقّف وبهتت وجوههم شيئًا فشيئًا.
(عندما اعتليتُ قمة الجبل الواسع البري مع كيرا؟)
تبادلوا النظرات، وكانت نظراتهم تفيض حنقًا واستنكارًا. لكنه تذكّر كيف، في النهاية، هدأت أعينهم كأنهم استسلموا لمصيرهم.
أمام الحصن، حمله آراكا إلى برّ الأمان باندفاعته التي لا تُوقَف.
كأنّ المطر والثلج يهوي على أجسادهم لا السهام.
تجمّد تاليس لحظة.
وتذكّر تاليس كيف خرجت السهام من أجسادهم، تشقّ الكتفين، والرقاب، والبطون، وتسحب الدم معها.
لم يكن ممكنًا رؤية ملامح آيدا تحت العباءة.
بل إن سهمًا واحدًا اخترق رأس أحدهم، وخرج من محجر عينه اليسرى. تطاير الدم الدافئ على وجه تاليس فصبغه بالأحمر.
(يا ابن الـ…!)
وتوقّف رأس السهم الأحمر اللامع أمام عين تاليس اليُمنى مباشرة.
حدّقت آيدا فيه وهي تميل برأسها باستغراب.
حينها، كانت الشقية قد أطبقت عينيها وعانقته وهي تبكي.
“فقدنا ثمانيةً وعشرين رجلاً،” اقترب الفيكونت كينتفيدا من خلف الآرشيدوق وقال بصوت منخفض. “وخمسة عشر أصيبوا بجراح خطيرة تلزمهم الأرض. وأربعة بإصابات طفيفة وما زالوا قادرين على القتال.”
بأعين متّسعة، تنفّس الحرس دمهم، وبعضهم بسط له ابتسامة مرتاحة.
وقف لامبارد وسط الأنقاض وقد علا جبينه تجعّد عابس. كان صارمًا صامتًا، كعادته.
تعانقوا وانطرحوا على الأرض واحدًا تلو الآخر، دون أن ينهضوا ثانية.
استدارت الجنية ذات الرداء وحدّقت في الشارع الخالي.
“عليك أن تنجو، يا مواطن الإمبراطورية.” تذكّر تاليس ذلك الحرّاس الذي قبض على ياقة ثوبه وقال بأسنان مشدودة وبأنفاس تحتضر. “احمها جيدًا… واجعلهم يدفعون الثمن…”
“إذًا الأمر صحيح؟” قال تاليس بشهيق عميق وصوت عميق. “أنّ العدو قوي فعلًا؟”
وتذكّر أيضًا ذلك الحارس الأخير، الشاب، وقد نهض وسط جثث رفاقه الثلاثة. خمسة أو ستة سهام مغروزة في جسده، ومع ذلك استجمع ما تبقّى لديه من قوة، رفع نصل سيفه وترنّح نحو أعدائه.
(لا.)
ضحّى بحياته وشنّ هجومًا أخيرًا، مبثوثًا في صفوف رماة السهام، ناشرًا الفوضى.
لكن هذه المرة، لم يحاول تاليس صدّها. بل تركها تفعلها بصمت.
صرخة كينتفيدا الهائجة دوّت بين الجموع.
لوّحت آيدا بسيفها المقوّس واتخذت وضعية متراخية على نحو متعمّد.
تذكّر تاليس كيف أمسك يد الشقية الصغيرة وزحف مبتعدًا عن جثث الحرس.
استدارت الجنية ذات الرداء وحدّقت في الشارع الخالي.
تذكّر كيف كان في غيبوبة، وكان على شفا الانهيار، وكيف أطلق الحرس الذين يحرسون ظهره صرخة أخيرة، مليئة بالحزن.
توقّف كاسلان عن التقدّم. ضيّق عينيه وهو يحدّق في الجنية التي تلوّح بسيفها.
ولم يدرك كيف ظهرت آيدا بين الأنقاض إلى جانبه وانتشلته هو والشقية الصغيرة من ذلك الاضطراب الجارف.
لكن تاليس لم يتحرك قيد أنملة.
حتى… الآن.
وبعد بضع ثوانٍ، تنهدت الحارسة الجنية.
بعينين غائمتين وقلبٍ مضطرب، التفت تاليس وحدّق في الشقية الصغيرة المذعورة مثله.
“ومات زيرا داركستورم بها.” رفع كاسلان السلاحَ بيده، كاشفًا رأسه الأسود المخيف.
ومن غير أن يشعر، مدّ يده يمسح الدم عن وجهه مرة أخرى.
ساد الصمت.
لكن الدم كان قد جفّ.
ذكّرته بالخنادق قرب البيت المهجور، وبداخل مجسّات جيزا؛ الرائحة تكاد تتطابق.
كان يظنّ أنّ معركة غابة البتولا بلغت من الفظاعة مداها، وأنّ الهروب من الحصار أمام الحصن كان مغازلةً للموت، وأنّ مبارزته مع جيزا بلغت حدّ الصدمة.
(هذه ليست عصًا.)
لكن…
وخزته بسبابتها مرّة أخرى.
في غابة البتولا، انتشلته سيرينا من قلب المعركة.
وفي اللحظة التالية، أرغمت نفسها على الابتسام.
أمام الحصن، حمله آراكا إلى برّ الأمان باندفاعته التي لا تُوقَف.
شعر تاليس بحرارة الألم على جبينه. هزّ رأسه بوجه متجهّم.
وقبل هذا كلّه، كان تحت حماية السيف الأسود ومهارته، وطاقة الصوفي الغامضة، ونصل التطهير العجيب.
“هيه، آيدا.” استدار تاليس بجهد. “أعلم أنك قد لا تحبين هذا السؤال، لكنني حقًا أريد أن أعرف…”
لمّا اقترب الدم منه، ومات الحرّاس أمام عينيه واحدًا واحدًا… لما أُبيد حرس النصل الأبيض تمامًا، وتردّدت الصرخات الحزينة والزأرات الغاضبة تباعًا… حينها فقط أدرك تاليس—أدرك حقارة الأمر، ومرارته، وكم إنه امرٌ لا يُحتمل.
بعينين غائمتين وقلبٍ مضطرب، التفت تاليس وحدّق في الشقية الصغيرة المذعورة مثله.
توقّفت آيدا فجأة، وأنزلت تاليس والفتاة الصغيرة على شارعٍ فارغ نظيف.
“هناك من يتعقّبنا”، جاء صوت آيدا الهادئ من تحت عباءتها. “حاولتُ التخلّص منه، لكن النتيجة ليست كما أريد.”
وقفوا عند زاوية الطريق، لكن آيدا لم تُبدِ أي نيّة للمتابعة.
لكن تاليس ظلّ أسير صدمة الذكريات التي ابتلعته، غير قادر على الخلاص منها.
استدارت الجنية ذات الرداء وحدّقت في الشارع الخالي.
توقّفت آيدا فجأة، وأنزلت تاليس والفتاة الصغيرة على شارعٍ فارغ نظيف.
“ما الأمر؟” قال تاليس، لا يزال في ذهوله، رافعًا رأسه محاولًا لملمة نفسه.
خفض كينتفيدا رأسه.
“هناك من يتعقّبنا”، جاء صوت آيدا الهادئ من تحت عباءتها. “حاولتُ التخلّص منه، لكن النتيجة ليست كما أريد.”
“قل شيئًا يا فتى!” قالت آيدا بضيق وهي تستدير عبر زقاق. “ماذا حدث بحق السماء؟”
كانت كلماتها سلسة، لكن نبرتها كانت جادّة على نحو غير مسبوق.
حتى… الآن.
تغيّر وجه تاليس. وعلى الجانب الآخر، خفَضت الفتاة الصغيرة رأسها وحدّقت في نظّارتها المتلطّخة بالدم.
“إذًا عليكما أنتما الاثنان المضيّ أولًا.” ربّتت آيدا على كتفه بارتياحٍ مصطنع.
“إذًا؟” سأل الأمير بتوجّس.
تذكّر وجوه أولئك الحرّاس.
“إذًا عليكما أنتما الاثنان المضيّ أولًا.” ربّتت آيدا على كتفه بارتياحٍ مصطنع.
لوّحت آيدا بسيفها المقوّس أربع مرّات سريعة في الهواء.
“سأذهب للعثور عليه.” كانت راحتها مكسوّة بدماء كثيرة من على جسد تاليس. فركت كفّيها باشمئزاز. “سألحق بكما بعد أن أتخلّص من هذا الذيل.”
(كأن هذا الألم وحده ما يثبت أنّني ما زلت حيا…)
تجمّد تاليس.
“إن لم تظهر نتيجة خلال أربع ساعات، سيتنبّه رئيس الوزراء ليسبان إلى الخطر. وسيبدأ بجمع قوّاته وربما القوات النظامية لاحتواء الفوضى الناتجة عن اختفاء الملك. لكنه لا يملك أمرًا مباشرًا من الملك، ومع حظر التجول بسبب الكوارث، فلن يتمكن من جمع عدد كبير من المجندين.
(اذهبا أولًا…)
أطرق تاليس رأسه دون كلمة.
تذكّر ليلة سوق الشارع الأحمر.
الفتاة ذات النصل المزدوج قالت له الجملة نفسها.
الفتاة ذات النصل المزدوج قالت له الجملة نفسها.
“كم تبقى من الوقت؟” قال ببرود، لكن نبرته حملت ثِقل السلطة.
“الخصم قوي للغاية، أليس كذلك؟” قال تاليس شاردًا.
وأدار الرمح في يده ببطء.
“لستِ واثقة من النصر، وليس أمامك سوى أن تدعينا نغادر أولًا؟”
لمّا اقترب الدم منه، ومات الحرّاس أمام عينيه واحدًا واحدًا… لما أُبيد حرس النصل الأبيض تمامًا، وتردّدت الصرخات الحزينة والزأرات الغاضبة تباعًا… حينها فقط أدرك تاليس—أدرك حقارة الأمر، ومرارته، وكم إنه امرٌ لا يُحتمل.
لم تتحرك آيدا تحت العباءة. بدت مدهوشة.
(هذه ليست عصًا.)
انساب هواء الصباح البارد عبر الشارع الخالي الضبابي. كانت الشمس تشرق، تبثّ ذلك الضوء الأخضر الشاحب الذي يخصّ الفجر وحده.
“انشروا الشائعات حسب الخطة. هذا سيمنحنا الوقت.”
بعد لحظات، رفعت آيدا يدها اليمنى فجأة وضربت جبهة تاليس.
“أول قبيلة واجهها والدي حين قاد الجيوش لمعاونة البشر كانت قبيلة داركستورم.” تمتمت الجنية بازدراء. “حين كان والدي يطيح برؤوسهم…”
طقطق!
بعينين غائمتين وقلبٍ مضطرب، التفت تاليس وحدّق في الشقية الصغيرة المذعورة مثله.
وخزته بسبابتها مرّة أخرى.
تعانقوا وانطرحوا على الأرض واحدًا تلو الآخر، دون أن ينهضوا ثانية.
لكن هذه المرة، لم يحاول تاليس صدّها. بل تركها تفعلها بصمت.
ولم يدرك كيف ظهرت آيدا بين الأنقاض إلى جانبه وانتشلته هو والشقية الصغيرة من ذلك الاضطراب الجارف.
“هاه؟” قالت آيدا بدهشة طفيفة. “لماذا لم تحاول منعي هذه المرة؟”
مسحت بعينيها الشارع الخالي، من المنعطف إلى السطوح، ومن الزقاق إلى الجدران المنخفضة، دون أن تغفل شيئًا.
شعر تاليس بحرارة الألم على جبينه. هزّ رأسه بوجه متجهّم.
كأنّ المطر والثلج يهوي على أجسادهم لا السهام.
(كأن هذا الألم وحده ما يثبت أنّني ما زلت حيا…)
خفض لامبارد رأسه وحدّق في الملك، ووضع يده على مقبض سيفه البالي وهو يحمل تعبيرًا معقدًا.
“لأنه إن لم أفعل… فلن تطمئنّي لفرارنا وحدنا.” قال بصوت منخفض.
“نصف يوم،” تمتم لامبارد بسخرية باردة. “يكفينا.”
بدت آيدا غاضبة قليلًا. رفعت يدها مجددًا تريد ضربه.
الفتاة ذات النصل المزدوج قالت له الجملة نفسها.
لكن تاليس لم يتحرك قيد أنملة.
في لحظة لا تتعدّى طرفة عين، لم يكن لدى الحرّاس الأربعة المتبقّين من حرس النصل الأبيض الوقت حتى لإتمام حركتهم، الحركة التي يركعون فيها ويرفعون دروعهم.
وتوقفت يد آيدا في الهواء.
“كما تعلم، إنهم آل تشارلتون.” أومأ الفيكونت باحترام. “ولحسن الحظ، كثير من حرس النصل الأبيض قُتلوا أو جُرحوا أو تاهوا في الفوضى التي سببتها الكوارث.”
وبعد ثوانٍ، تنفّست بامتعاض وخفضت يدها.
“كان الأمر أشبه بتقطيع الخضار!”
“آه، بلا متعة. أنت سمكة ميّتة مثل مينديس.”
تجمّد تاليس.
“إذًا الأمر صحيح؟” قال تاليس بشهيق عميق وصوت عميق. “أنّ العدو قوي فعلًا؟”
“بالطبع، جزء من المجد يعود لهذا الشيء…”
“همف.” كانت آيدا، كعادتها، معبّرة. هزّت كتفيها وفتحت ذراعيها في مبالغة ساخرة، تصطنع اللامبالاة.
تجمّد تاليس.
وهشّت نفسها براحتها. “ما مقدار قوّة شخص متخفٍّ يختبئ في الظلال؟
حدّقت آيدا فيه وهي تميل برأسها باستغراب.
“أما أنت، فكفّ عن التدخّل في شؤون الكبار.” قالت آيدا وهي تروّح لنفسها بغرابة في هذا البرد. “ثم إنك، كأمير، ستكبر يومًا ما. لا يمكنني حمايتك دائمًا.”
“فهمت.” أمسك بيد الشقية الصغيرة وقال بصوت مختنق، “سنمضي أولًا وننتظرك هناك.”
أطرق تاليس برأسه.
وفي اللحظة التالية، كأن عزمه قد اشتد، جرّ الشقية الصغيرة واندفع راكضًا.
“لا تُجهد نفسك بالتفكير”، هبطت نبرة آيدا، وخفضت يدها التي كانت تروّح بها.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“هذا امتحان لك… منّي.”
“إذًا؟” سأل الأمير بتوجّس.
في تلك اللحظة، شعر تاليس بالحزن…
وبعد بضع ثوانٍ، تنهدت الحارسة الجنية.
(كأن شيئًا كان عالقًا في صدره…)
“إن تعذّر غير ذلك، اختبئا قليلًا. الآخرون يبحثون عنكما أيضًا، وسيولون اهتمامًا خاصًا بالأطفال… ستكونان آمنين حين تقابلان رالف أو وايا…”
“فهمت.” أمسك بيد الشقية الصغيرة وقال بصوت مختنق، “سنمضي أولًا وننتظرك هناك.”
حينها، كانت الشقية قد أطبقت عينيها وعانقته وهي تبكي.
(لقد اعتدتُ هذا منذ زمن… أليس كذلك؟)
توقّفت آيدا فجأة، وأنزلت تاليس والفتاة الصغيرة على شارعٍ فارغ نظيف.
عادت نبرة آيدا مشرقة.
(لا…لم يكونوا يهاجمونني أنا وحرس النصل الأبيض)، هكذا فكّر تاليس وهو غارق في دواره.
“أسرعا إذًا. بعد هذه الزاوية، امضيا مباشرة وستصلان إلى شارع وست-إكسبرس. في آخر الشارع، سترون الحاجز. لا أنصح بالتوجّه للدوريات؛ لا نعلم ما موقفهم الآن…”
وبعد ثوانٍ، تنفّست بامتعاض وخفضت يدها.
“إن تعذّر غير ذلك، اختبئا قليلًا. الآخرون يبحثون عنكما أيضًا، وسيولون اهتمامًا خاصًا بالأطفال… ستكونان آمنين حين تقابلان رالف أو وايا…”
حدّقت آيدا فيه وهي تميل برأسها باستغراب.
“أما أنا…” توقفت لحظة.
خفض كينتفيدا رأسه.
“سألحق بكما قريبًا.”
“حيًا.”
أطرق تاليس رأسه دون كلمة.
“تبدين خبيرة جدًّا في شأن الأورك؟” قال كاسلان بصوت غليظ، وقد أبْطأ خطواته.
وفي اللحظة التالية، كأن عزمه قد اشتد، جرّ الشقية الصغيرة واندفع راكضًا.
حينها، كانت الشقية قد أطبقت عينيها وعانقته وهي تبكي.
ثم توقّف فجأة.
***
حدّقت آيدا فيه وهي تميل برأسها باستغراب.
(ذلك الشخص قادم.)
“هيه، آيدا.” استدار تاليس بجهد. “أعلم أنك قد لا تحبين هذا السؤال، لكنني حقًا أريد أن أعرف…”
لم تتحرك آيدا تحت العباءة. بدت مدهوشة.
وضعت آيدا يديها على خصرها.
(دم…)
“هل لي أن أعرف ما إذا كنتِ…”
“مهلًا، لستُ أكذب!” صاحت الجنية وهي تراقب وضع خصمها وتنفسه بدقة.
تنفّس تاليس بعمق وقال بجدّية، “صائنة القَسَم، ملكة مينديس الرابع—إحدى جدّاتي الكبرى الكبرى الكبرى…؟”
وبعد بضع ثوانٍ، تنهدت الحارسة الجنية.
عند سماع ذلك، لم تستطع الشقية، رغم ذهولها، إلا أن ترفع رأسها.
تذكّر كيف كان في غيبوبة، وكان على شفا الانهيار، وكيف أطلق الحرس الذين يحرسون ظهره صرخة أخيرة، مليئة بالحزن.
ساد الصمت.
“حيًا.”
لم يكن ممكنًا رؤية ملامح آيدا تحت العباءة.
“أرسل رسالة إلى الوحدات الأخرى التي تنظّف الفوضى وفق الخطة. تولجا، فلاد، كروُش؛ اطلب منهم الالتحاق بليفان وفيك… ينبغي أنهم أنهوا الاستعداد.” أمر الآرشيدوق ببرود وهو يسير.
وبعد بضع ثوانٍ، تنهدت الحارسة الجنية.
“ساعتان على الأكثر،” أجاب بسرعة. “سيشكّ رئيس قاعة الانضباط ورئيس الحامية في الأمر عندما لا يتلقّون ردّ الملك وسيُرسلون رجالًا للبحث عنه في منطقة الدرع. بالطبع، رجال فلاد قادرون على تأخيرهم، كما يستطيع أهل ساحة أجنحة التنين وحتى منطقة الدرع إرباكهم.”
“هيه، أيها الغِرّ الأحمق.” رفعت آيدا رأسها، فتمكّن تاليس من رؤية ذقنها الناعم شديد البياض على غير العادة.
(كانوا يستهدفون الملك نوڤين).
قالت بنبرة مُحايدة، “كفّ عن التدخّل في شؤون الكبار.”
“رغم أنّك ترتدين عباءة، أرى أنك جان،” قال كاسلان ببطء. كان صوته شامخًا قاسيًا. “وبحكم كونك كائنًا أبديًا، فلا شك أنك تملكين خبرة أكثر مني.”
تجمّد تاليس لحظة.
“اسمع يا فتى، رغم أن الكارثة كانت هناك… بيوتراي أرسل كل مرؤوسيك للبحث عنك؛ ذلك الصبي المتعجرف من عائلة كاسو، وذلك الأبكم المقنّع الذي يلازمك دائمًا، وحتى المخضرم من لواء ضوء النجوم…”
ثم ضمّ شفتيه وابتسم ابتسامة قسرية.
كانت الحارسة الجنية تحمل الأمير الثاني تحت ذراعها وتتقدّم بسرعة. مرّ الركام وقطع الخشب وحتى الجثث أمام بصر تاليس كالبرق.
في اللحظة التالية، أمسك بالشقية واندفع جريًا دون أن يلتفت، واختفى جسده عند المنعطف.
(كأن شيئًا كان عالقًا في صدره…)
حدّقت آيدا في ظلّ تاليس المتلاشي، وأطلقت زفرة حادة.
صرخة كينتفيدا الهائجة دوّت بين الجموع.
لكنها فورًا استدارت. وارتجّ جسدها كله.
ارتجف تاليس وارتعش حين ابتلع جرعة من الهواء البارد.
(ذلك الشخص قادم.)
ثم قال ببطء، “رمحُ قاتل الأرواح.”
أصبحت آيدا في أعلى درجات اليقظة.
رفع لامبارد رأسه، محرِّكًا بصره بعيدًا عن الملك، الذي كان أيضًا عمّه.
مسحت بعينيها الشارع الخالي، من المنعطف إلى السطوح، ومن الزقاق إلى الجدران المنخفضة، دون أن تغفل شيئًا.
***
(يا لها من ورطة مقرفة.)
انحنى كينتفيدا باحترام.
كان الألم النافذ والخَدَر على جلدها يخبرانها بأن العدو شخص لا يرحم.
أومأ كينتفيدا باحترام.
(منذ متى…)
بدا كأنه يأتي من مكان بعيد.
(متى كانت آخر مرة واجهت فيها خصمًا بهذه القوة؟)
في غابة البتولا، انتشلته سيرينا من قلب المعركة.
(عندما اعتليتُ قمة الجبل الواسع البري مع كيرا؟)
ومن غير أن يشعر، مدّ يده يمسح الدم عن وجهه مرة أخرى.
“أظهِر نفسك،” قالت آيدا ببرود. “أشعر بوجودك.”
حدّقت آيدا في ظلّ تاليس المتلاشي، وأطلقت زفرة حادة.
دوّى وقع خطوات.
“أكثر من عشرة من حرس النصل الأبيض كانوا كافين لبثّ الذعر في صفوف قوات الحدود التي نفخر بها.” حرّك الآرشيدوق عنقه ببطء واستنشق هواء فجر مدينة سحب التنين البارد. “كيف استطاع تشارلتون أن يخترق حماية هؤلاء الرجال ليغتال الملك نوڤين؟”
ظهر من المنعطف جسد طويل ضخم، ووقف أمامها.
“الخصم قوي للغاية، أليس كذلك؟” قال تاليس شاردًا.
تشنّجت حدقتا آيدا قليلًا.
ثم دوّى صوت السهام التي لا تُحصى وهي تمزّق اللحم.
“أنت.” زفرت الجنية، وقد امتلأت نبرتها بالسخرية والازدراء. “صاحب الحانة.”
بل إن سهمًا واحدًا اخترق رأس أحدهم، وخرج من محجر عينه اليسرى. تطاير الدم الدافئ على وجه تاليس فصبغه بالأحمر.
حدّق كاسلان في آيدا بنظرة باردة لا مبالاة فيها.
“انشروا الشائعات حسب الخطة. هذا سيمنحنا الوقت.”
“سمعتُ أنّك عضوٌ كبير في حرس النصل الأبيض.” همست آيدا باستخفاف، مع التشديد على كلمة كبير. “مُزلزل الأرض، صحيح؟”
(كأن هذا الألم وحده ما يثبت أنّني ما زلت حيا…)
“رغم أنّك ترتدين عباءة، أرى أنك جان،” قال كاسلان ببطء. كان صوته شامخًا قاسيًا. “وبحكم كونك كائنًا أبديًا، فلا شك أنك تملكين خبرة أكثر مني.”
“انشروا الشائعات حسب الخطة. هذا سيمنحنا الوقت.”
وقفت آيدا عاجزة عن الرد.
في لحظة لا تتعدّى طرفة عين، لم يكن لدى الحرّاس الأربعة المتبقّين من حرس النصل الأبيض الوقت حتى لإتمام حركتهم، الحركة التي يركعون فيها ويرفعون دروعهم.
نفخت بضيق، وسحبت سيفها المقوّس الأنيق.
“سمعتُ أنّك عضوٌ كبير في حرس النصل الأبيض.” همست آيدا باستخفاف، مع التشديد على كلمة كبير. “مُزلزل الأرض، صحيح؟”
“سمعتُ أنك أنت من قتل زيرا داركستورم، قاتل البشر؟” قالت بلا مبالاة. “أنت قوي جدًّا، أليس كذلك؟”
وبعد ثوانٍ، تنفّست بامتعاض وخفضت يدها.
“تلك المعركة هي أكثر ما أفخر به حتى اليوم.” هز كاسلان رأسه وتقدّم خطوة نحو آيدا.
طقطق!
“بالطبع، جزء من المجد يعود لهذا الشيء…”
تنفّس تاليس بعمق وقال بجدّية، “صائنة القَسَم، ملكة مينديس الرابع—إحدى جدّاتي الكبرى الكبرى الكبرى…؟”
خرج العجوز تمامًا من الظلّ، وظهر وهو يحمل عصًا طويلة.
رفع لامبارد رأسه، محرِّكًا بصره بعيدًا عن الملك، الذي كان أيضًا عمّه.
(لا.)
حينها، كانت الشقية قد أطبقت عينيها وعانقته وهي تبكي.
عقدت آيدا حاجبيها.
حدّق كاسلان في آيدا بنظرة باردة لا مبالاة فيها.
(هذه ليست عصًا.)
لوّحت آيدا بسيفها المقوّس واتخذت وضعية متراخية على نحو متعمّد.
“لقد كانت يومًا رفيقتي وصديقتي.”
“لقد كانت يومًا رفيقتي وصديقتي.”
“ومات زيرا داركستورم بها.” رفع كاسلان السلاحَ بيده، كاشفًا رأسه الأسود المخيف.
في تلك اللحظة، شعر تاليس بالحزن…
ثم قال ببطء، “رمحُ قاتل الأرواح.”
لدينا أقل من ألفي رجل. وحتى لو استولينا على بوّابة حصينة، لن نصمد لأكثر من نصف يوم.” ختم كينتفيدا بدقة: “علينا خوض معركة خاطفة.”
تجمّدت آيدا.
“انشروا الشائعات حسب الخطة. هذا سيمنحنا الوقت.”
(روح…
ومن غير أن يشعر، مدّ يده يمسح الدم عن وجهه مرة أخرى.
قاتل الأرواح…)
الأرض أمامه كانت مغطاة بالجثث. بعضها لحرس النصل الأبيض، والباقي لجنود إقليم الرمال السوداء. وكان عناصره يذهبون ويجيئون لجمع الجثث وإخلاء المكان.
ارتعش وجه الجنية.
Arisu-san
وفي اللحظة التالية، أرغمت نفسها على الابتسام.
كان الألم النافذ والخَدَر على جلدها يخبرانها بأن العدو شخص لا يرحم.
(يا أمّاه…)
“عليك أن تنجو، يا مواطن الإمبراطورية.” تذكّر تاليس ذلك الحرّاس الذي قبض على ياقة ثوبه وقال بأسنان مشدودة وبأنفاس تحتضر. “احمها جيدًا… واجعلهم يدفعون الثمن…”
(يا ابن الـ…!)
أصبحت آيدا في أعلى درجات اليقظة.
استنشقت آيدا بعمق، وضعت يدًا على خصرها محاوِلة إظهار اللامبالاة.
خرج العجوز تمامًا من الظلّ، وظهر وهو يحمل عصًا طويلة.
“أوه، أوه…
وقفوا عند زاوية الطريق، لكن آيدا لم تُبدِ أي نيّة للمتابعة.
بالحديث عن قبيلة داركستورم التي تضرب جذورها في التاريخ، فقد كانت في الماضي قبيلة قوية تملك حقّ المنافسة على العرش.” ضيّقت الجنية عينيها وضحكت ضحكة مصطنعة. ومع اقتراب العجوز أكثر، اتخذت وضعًا قتاليًا دون أن تشعر. “لا بد أنّ الأمر كان شاقًا عليك.”
“هناك من يتعقّبنا”، جاء صوت آيدا الهادئ من تحت عباءتها. “حاولتُ التخلّص منه، لكن النتيجة ليست كما أريد.”
“تبدين خبيرة جدًّا في شأن الأورك؟” قال كاسلان بصوت غليظ، وقد أبْطأ خطواته.
(ذلك الشخص قادم.)
“قبيلة داركستورم؟ بالطبع.”
بينما كانت السهام تمزّق أجسادهم، ارتجفوا بلا توقّف وبهتت وجوههم شيئًا فشيئًا.
لوّحت آيدا بسيفها المقوّس واتخذت وضعية متراخية على نحو متعمّد.
رفع لامبارد رأسه، محرِّكًا بصره بعيدًا عن الملك، الذي كان أيضًا عمّه.
“أول قبيلة واجهها والدي حين قاد الجيوش لمعاونة البشر كانت قبيلة داركستورم.” تمتمت الجنية بازدراء. “حين كان والدي يطيح برؤوسهم…”
خفض لامبارد رأسه وحدّق في الملك، ووضع يده على مقبض سيفه البالي وهو يحمل تعبيرًا معقدًا.
“كان الأمر أشبه بتقطيع الخضار!”
“آه، بلا متعة. أنت سمكة ميّتة مثل مينديس.”
لوّحت آيدا بسيفها المقوّس أربع مرّات سريعة في الهواء.
رفع لامبارد رأسه، محرِّكًا بصره بعيدًا عن الملك، الذي كان أيضًا عمّه.
“قطع، قطع، قطع، قطع. رأسين في كل ضربة!” ثرثرت دون توقف.
“أوه، أوه…
توقّف كاسلان عن التقدّم. ضيّق عينيه وهو يحدّق في الجنية التي تلوّح بسيفها.
ومن غير أن يشعر، مدّ يده يمسح الدم عن وجهه مرة أخرى.
وأدار الرمح في يده ببطء.
(نعم، لم أكذب…باستثناء تفصيلة واحدة.) فكرت آيدا.
“مهلًا، لستُ أكذب!” صاحت الجنية وهي تراقب وضع خصمها وتنفسه بدقة.
تذكّر ابتسامة كينتڤيدا؛ وصوت السهام التي كانت تُقذَف من مقابض جنود إقليم الرمال السوداء؛ وتلك الظلال السوداء التي انطلقت نحوه بلا عدد؛ والتنميل والارتجاف الممتدّ من فروة رأسه حتى كتفيه ورقبته.
(نعم، لم أكذب…باستثناء تفصيلة واحدة.) فكرت آيدا.
“همف.” كانت آيدا، كعادتها، معبّرة. هزّت كتفيها وفتحت ذراعيها في مبالغة ساخرة، تصطنع اللامبالاة.
(في ذلك الوقت…لم أكن قد وُلدت بعد.)
تعانقوا وانطرحوا على الأرض واحدًا تلو الآخر، دون أن ينهضوا ثانية.
***
دوّى وقع خطوات.
وقف لامبارد وسط الأنقاض وقد علا جبينه تجعّد عابس. كان صارمًا صامتًا، كعادته.
“فهمت.” أمسك بيد الشقية الصغيرة وقال بصوت مختنق، “سنمضي أولًا وننتظرك هناك.”
الأرض أمامه كانت مغطاة بالجثث. بعضها لحرس النصل الأبيض، والباقي لجنود إقليم الرمال السوداء. وكان عناصره يذهبون ويجيئون لجمع الجثث وإخلاء المكان.
“هيه، أيها الغِرّ الأحمق.” رفعت آيدا رأسها، فتمكّن تاليس من رؤية ذقنها الناعم شديد البياض على غير العادة.
كان جسد الملك نوڤين البارد يرقد إلى جانب الآرشيدوق، مغطّى بعباءة رماديّة خاصة بحرس النصل الأبيض.
“مهلًا، لستُ أكذب!” صاحت الجنية وهي تراقب وضع خصمها وتنفسه بدقة.
خفض لامبارد رأسه وحدّق في الملك، ووضع يده على مقبض سيفه البالي وهو يحمل تعبيرًا معقدًا.
“كان الأمر أشبه بتقطيع الخضار!”
“فقدنا ثمانيةً وعشرين رجلاً،” اقترب الفيكونت كينتفيدا من خلف الآرشيدوق وقال بصوت منخفض. “وخمسة عشر أصيبوا بجراح خطيرة تلزمهم الأرض. وأربعة بإصابات طفيفة وما زالوا قادرين على القتال.”
(كأن هذا الألم وحده ما يثبت أنّني ما زلت حيا…)
لم يقل لامبارد شيئًا.
“هل لي أن أعرف ما إذا كنتِ…”
“ضحّى حرس النصل الأبيض بأرواحهم لشنّ هجوم انتحاري. لقد أسأنا تقدير قوتهم العسكرية، وأفرطنا في تقدير قوّتنا نحن، في الوقت ذاته،” تنهد كينتفيدا وتابع. “ظهور التنين أرعب الجنود. ولولا أننا درّبناهم وغرسنا العقيدة فيهم طوال السنوات، لأخشى أنهم كانوا سيغيّرون ولاءهم.”
أومأ كينتفيدا، وأعطى التعليمات للشخص الذي بجانبه.
رفع لامبارد رأسه، محرِّكًا بصره بعيدًا عن الملك، الذي كان أيضًا عمّه.
لكنها فورًا استدارت. وارتجّ جسدها كله.
“أكثر من عشرة من حرس النصل الأبيض كانوا كافين لبثّ الذعر في صفوف قوات الحدود التي نفخر بها.” حرّك الآرشيدوق عنقه ببطء واستنشق هواء فجر مدينة سحب التنين البارد. “كيف استطاع تشارلتون أن يخترق حماية هؤلاء الرجال ليغتال الملك نوڤين؟”
“تبدين خبيرة جدًّا في شأن الأورك؟” قال كاسلان بصوت غليظ، وقد أبْطأ خطواته.
خفض كينتفيدا رأسه.
“الخصم قوي للغاية، أليس كذلك؟” قال تاليس شاردًا.
“كما تعلم، إنهم آل تشارلتون.” أومأ الفيكونت باحترام. “ولحسن الحظ، كثير من حرس النصل الأبيض قُتلوا أو جُرحوا أو تاهوا في الفوضى التي سببتها الكوارث.”
عقدت آيدا حاجبيها.
“دعك من هذا. على الأقل تأكّدنا من موت الملك.” كان وجه الآرشيدوق صارمًا. رفع رأسه وحدّق في أعلى مبنى في مدينة سحب التنين.
وفي اللحظة التالية، كأن عزمه قد اشتد، جرّ الشقية الصغيرة واندفع راكضًا.
“كم تبقى من الوقت؟” قال ببرود، لكن نبرته حملت ثِقل السلطة.
“إذًا؟” سأل الأمير بتوجّس.
انحنى كينتفيدا باحترام.
“سأذهب للعثور عليه.” كانت راحتها مكسوّة بدماء كثيرة من على جسد تاليس. فركت كفّيها باشمئزاز. “سألحق بكما بعد أن أتخلّص من هذا الذيل.”
“ساعتان على الأكثر،” أجاب بسرعة. “سيشكّ رئيس قاعة الانضباط ورئيس الحامية في الأمر عندما لا يتلقّون ردّ الملك وسيُرسلون رجالًا للبحث عنه في منطقة الدرع. بالطبع، رجال فلاد قادرون على تأخيرهم، كما يستطيع أهل ساحة أجنحة التنين وحتى منطقة الدرع إرباكهم.”
“قل شيئًا يا فتى!” قالت آيدا بضيق وهي تستدير عبر زقاق. “ماذا حدث بحق السماء؟”
كان كينتفيدا مطّلعًا على كل التفاصيل. وواصل المستشار الرئيسي حديثه:
ظلّت رائحة الدم عالقة في أنفه.
“إن لم تظهر نتيجة خلال أربع ساعات، سيتنبّه رئيس الوزراء ليسبان إلى الخطر. وسيبدأ بجمع قوّاته وربما القوات النظامية لاحتواء الفوضى الناتجة عن اختفاء الملك. لكنه لا يملك أمرًا مباشرًا من الملك، ومع حظر التجول بسبب الكوارث، فلن يتمكن من جمع عدد كبير من المجندين.
“كما تعلم، إنهم آل تشارلتون.” أومأ الفيكونت باحترام. “ولحسن الحظ، كثير من حرس النصل الأبيض قُتلوا أو جُرحوا أو تاهوا في الفوضى التي سببتها الكوارث.”
وإن امتد الأمر إلى ست ساعات، فلن يعود بالإمكان إخفاء الحقيقة. وستُكشف تحركات رجالنا الذين يفوق عددهم الألف بقليل. يحتاج ليسبان فقط إصدار أمر واحد، فيقود الكونتات الإقطاعيون خارج المدينة—الذين ما زالوا مخلصين لأسرة والتون—جيوشهم إلى داخل المدينة. لن يكون بمقدورنا مواجهتهم وجهًا لوجه. جنودنا أصلاً في حالة عدم استقرار عاطفي. وفي لحظة، سنتلقى هزيمة ساحقة بسبب الخسائر والإرهاق وانهيار الروح المعنوية.
لدينا أقل من ألفي رجل. وحتى لو استولينا على بوّابة حصينة، لن نصمد لأكثر من نصف يوم.” ختم كينتفيدا بدقة: “علينا خوض معركة خاطفة.”
وفي اللحظة التالية، أرغمت نفسها على الابتسام.
وقف الآرشيدوق لامبارد تحت السماء الملبّدة بالغيوم وهو يحدّق في ظلّ قصر الروح البطولية. وبقيت ملامحه باردة كالجليد.
لكنها فورًا استدارت. وارتجّ جسدها كله.
“نصف يوم،” تمتم لامبارد بسخرية باردة. “يكفينا.”
الفصل 191: كُفَّ عن التدخّل في شؤون الكبار
استدار الآرشيدوق ولوّح بردائه، كاشفًا درعه. وسار بخطوات ثابتة كمقاتلٍ يتقدّم نحو قصر الروح البطولية.
لم يكن ممكنًا رؤية ملامح آيدا تحت العباءة.
كينتفيدا وبقية الأتباع قادوا الجنود خلفه.
شعر تاليس بحرارة الألم على جبينه. هزّ رأسه بوجه متجهّم.
“أرسل رسالة إلى الوحدات الأخرى التي تنظّف الفوضى وفق الخطة. تولجا، فلاد، كروُش؛ اطلب منهم الالتحاق بليفان وفيك… ينبغي أنهم أنهوا الاستعداد.” أمر الآرشيدوق ببرود وهو يسير.
(كانوا يستهدفون الملك نوڤين).
“سواء بالسرقة أو بالقوة، يجب أن نستولي على البوّابة بين منطقة الفأس وقصر الروح البطولية قبل الثامنة!”
لكن تاليس لم يتحرك قيد أنملة.
أومأ كينتفيدا باحترام.
بذل تاليس جهدًا ليتمكّن من التنفّس. التفت ورأى أنّ الشقية تُحمَل تحت ذراع آيدا الأخرى. كانت تقبض على نظّارتها بشدة، مذهولة.
“انشروا الشائعات حسب الخطة. هذا سيمنحنا الوقت.”
كينتفيدا وبقية الأتباع قادوا الجنود خلفه.
اجتاز لامبارد حفرة ترابية وقال بحسم: “بحلول التاسعة، أو العاشرة في أقصى تقدير… يجب أن ينتهي كل شيء!”
كينتفيدا وبقية الأتباع قادوا الجنود خلفه.
أومأ كينتفيدا، وأعطى التعليمات للشخص الذي بجانبه.
بدت آيدا غاضبة قليلًا. رفعت يدها مجددًا تريد ضربه.
وبعد ثوانٍ، انطلق رسول الجيش.
كان جسد الملك نوڤين البارد يرقد إلى جانب الآرشيدوق، مغطّى بعباءة رماديّة خاصة بحرس النصل الأبيض.
“أمر آخر…” قال كينتفيدا بهدوء. “تلقّيت للتو خبرًا بشأن أمير الكوكبة.”
تابعت الحارسة الجنية شقّ طريقها في الشوارع التي كانت أفضل حالًا بكثير من تلك التي في منطقة الدرع. استدارت بمهارة في عدة منعطفات، تبحث بلياقة عن طريقٍ مفتوح.
استدار الآرشيدوق لامبارد وحدّق في مستشاره بنظرة غريبة.
كان كينتفيدا مطّلعًا على كل التفاصيل. وواصل المستشار الرئيسي حديثه:
“إنهم هم،” رفع كينتفيدا رأسه، وقد ارتسمت على وجهه نظرة مريبة. “أرسلوا يطلبون الصبي…”
ثم دوّى صوت السهام التي لا تُحصى وهي تمزّق اللحم.
“حيًا.”
اجتاز لامبارد حفرة ترابية وقال بحسم: “بحلول التاسعة، أو العاشرة في أقصى تقدير… يجب أن ينتهي كل شيء!”
توقّف لامبارد.
لكن الدم كان قد جفّ.
واستدار ينظر نحو الجهة التي اختفى فيها تاليس وآيدا، وكأنه غرق في التفكير.
تذكّر تاليس نفسه والشقية الصغيرة وهما يعانقان بعضهما البعض من غير وعي، مرتعدين عاجزين، وقد حُجبت الرؤية عنهما تمامًا بأجساد أولئك الحرّاس.
تشنّجت حدقتا آيدا قليلًا.
