Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 191

كُفَّ عن التدخّل في شؤون الكبار
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

كُفَّ عن التدخّل في شؤون الكبار

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

وبعد ثوانٍ، انطلق رسول الجيش.

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

“اسمع يا فتى، رغم أن الكارثة كانت هناك… بيوتراي أرسل كل مرؤوسيك للبحث عنك؛ ذلك الصبي المتعجرف من عائلة كاسو، وذلك الأبكم المقنّع الذي يلازمك دائمًا، وحتى المخضرم من لواء ضوء النجوم…”

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

(لا.)

Arisu-san

“الخصم قوي للغاية، أليس كذلك؟” قال تاليس شاردًا.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

وفي اللحظة التالية، كأن عزمه قد اشتد، جرّ الشقية الصغيرة واندفع راكضًا.

الفصل 191: كُفَّ عن التدخّل في شؤون الكبار

(هذه ليست عصًا.)

***

نفخت بضيق، وسحبت سيفها المقوّس الأنيق.

(دم…)

كان كينتفيدا مطّلعًا على كل التفاصيل. وواصل المستشار الرئيسي حديثه:

(دمٌ من جديد…)

بأعين متّسعة، تنفّس الحرس دمهم، وبعضهم بسط له ابتسامة مرتاحة.

مدَّ تاليس يده اليمنى المرتجفة ولمس وجهه اللزج. وحين حدّق بالدم على راحته، الذي بدأ يبرد حد التجمد، شعر بأنّ أنفاسه لم تعد له.

لم تتحرك آيدا تحت العباءة. بدت مدهوشة.

“منطقة الدرع مليء برجالهم… الشماليون الحقيرون…”

وقف لامبارد وسط الأنقاض وقد علا جبينه تجعّد عابس. كان صارمًا صامتًا، كعادته.

دوّى صوت آيدا.

(نعم، لم أكذب…باستثناء تفصيلة واحدة.) فكرت آيدا.

بدا كأنه يأتي من مكان بعيد.

“ما الأمر؟” قال تاليس، لا يزال في ذهوله، رافعًا رأسه محاولًا لملمة نفسه.

“اسمع يا فتى، رغم أن الكارثة كانت هناك… بيوتراي أرسل كل مرؤوسيك للبحث عنك؛ ذلك الصبي المتعجرف من عائلة كاسو، وذلك الأبكم المقنّع الذي يلازمك دائمًا، وحتى المخضرم من لواء ضوء النجوم…”

كانت كلماتها سلسة، لكن نبرتها كانت جادّة على نحو غير مسبوق.

كانت الحارسة الجنية تحمل الأمير الثاني تحت ذراعها وتتقدّم بسرعة. مرّ الركام وقطع الخشب وحتى الجثث أمام بصر تاليس كالبرق.

“هناك من يتعقّبنا”، جاء صوت آيدا الهادئ من تحت عباءتها. “حاولتُ التخلّص منه، لكن النتيجة ليست كما أريد.”

بذل تاليس جهدًا ليتمكّن من التنفّس. التفت ورأى أنّ الشقية تُحمَل تحت ذراع آيدا الأخرى. كانت تقبض على نظّارتها بشدة، مذهولة.

كان يظنّ أنّ معركة غابة البتولا بلغت من الفظاعة مداها، وأنّ الهروب من الحصار أمام الحصن كان مغازلةً للموت، وأنّ مبارزته مع جيزا بلغت حدّ الصدمة.

“كنتُ الوحيدة التي جاءت تبحث عنك في منطقة الدرع. لم أتوقع شيئًا كهذا. ما أمر هؤلاء الجنود؟ لماذا يهاجمونكما أنت وحرس النصل الأبيض؟”

تنفّس تاليس بعمق وقال بجدّية، “صائنة القَسَم، ملكة مينديس الرابع—إحدى جدّاتي الكبرى الكبرى الكبرى…؟”

(لا…لم يكونوا يهاجمونني أنا وحرس النصل الأبيض)، هكذا فكّر تاليس وهو غارق في دواره.

عند سماع ذلك، لم تستطع الشقية، رغم ذهولها، إلا أن ترفع رأسها.

ظلّت رائحة الدم عالقة في أنفه.

وتوقفت يد آيدا في الهواء.

ذكّرته بالخنادق قرب البيت المهجور، وبداخل مجسّات جيزا؛ الرائحة تكاد تتطابق.

بعينين غائمتين وقلبٍ مضطرب، التفت تاليس وحدّق في الشقية الصغيرة المذعورة مثله.

(كانوا يستهدفون الملك نوڤين).

لم يكن ممكنًا رؤية ملامح آيدا تحت العباءة.

“قل شيئًا يا فتى!” قالت آيدا بضيق وهي تستدير عبر زقاق. “ماذا حدث بحق السماء؟”

“فهمت.” أمسك بيد الشقية الصغيرة وقال بصوت مختنق، “سنمضي أولًا وننتظرك هناك.”

(ما…)

عقدت آيدا حاجبيها.

(الذي…)

“أسرعا إذًا. بعد هذه الزاوية، امضيا مباشرة وستصلان إلى شارع وست-إكسبرس. في آخر الشارع، سترون الحاجز. لا أنصح بالتوجّه للدوريات؛ لا نعلم ما موقفهم الآن…”

(حدث؟)

الفتاة ذات النصل المزدوج قالت له الجملة نفسها.

شعر تاليس بالإرهاق والاجتياح. حاول جاهدًا ترتيب ذاكرته الممزّقة.

ظهر من المنعطف جسد طويل ضخم، ووقف أمامها.

تذكّر ابتسامة كينتڤيدا؛ وصوت السهام التي كانت تُقذَف من مقابض جنود إقليم الرمال السوداء؛ وتلك الظلال السوداء التي انطلقت نحوه بلا عدد؛ والتنميل والارتجاف الممتدّ من فروة رأسه حتى كتفيه ورقبته.

(منذ متى…)

حملت آيدا كليهما تحت ذراعيها، وبالأخير خرجوا من أنقاض منطقة الدرع. ظهرت أمامه شوارع نظيفة سليمة، ومنازل بلا ضرر. لم يكن في المكان روح واحدة. كانت أوامر الملك بالإخلاء وحظر التجول ناجعة للغاية.

عند سماع ذلك، لم تستطع الشقية، رغم ذهولها، إلا أن ترفع رأسها.

تابعت الحارسة الجنية شقّ طريقها في الشوارع التي كانت أفضل حالًا بكثير من تلك التي في منطقة الدرع. استدارت بمهارة في عدة منعطفات، تبحث بلياقة عن طريقٍ مفتوح.

رفع لامبارد رأسه، محرِّكًا بصره بعيدًا عن الملك، الذي كان أيضًا عمّه.

لكن تاليس ظلّ أسير صدمة الذكريات التي ابتلعته، غير قادر على الخلاص منها.

“قل شيئًا يا فتى!” قالت آيدا بضيق وهي تستدير عبر زقاق. “ماذا حدث بحق السماء؟”

في لحظة لا تتعدّى طرفة عين، لم يكن لدى الحرّاس الأربعة المتبقّين من حرس النصل الأبيض الوقت حتى لإتمام حركتهم، الحركة التي يركعون فيها ويرفعون دروعهم.

بدت آيدا غاضبة قليلًا. رفعت يدها مجددًا تريد ضربه.

بل استداروا ومدّوا أذرعهم من غير تردّد، وركعوا وتعانقوا في دائرة، يحجبون تاليس والشقية بأجسادهم.

عادت نبرة آيدا مشرقة.

تذكّر تاليس نفسه والشقية الصغيرة وهما يعانقان بعضهما البعض من غير وعي، مرتعدين عاجزين، وقد حُجبت الرؤية عنهما تمامًا بأجساد أولئك الحرّاس.

بل استداروا ومدّوا أذرعهم من غير تردّد، وركعوا وتعانقوا في دائرة، يحجبون تاليس والشقية بأجسادهم.

ثم دوّى صوت السهام التي لا تُحصى وهي تمزّق اللحم.

أطرق تاليس برأسه.

كان يشبه صوت الجزّار عند باب المدينة الغربية في مدينة النجم الأبدي، وهو يقطع اللحم كل صباح، قطعة بعد قطعة.

الفصل 191: كُفَّ عن التدخّل في شؤون الكبار

ارتجف تاليس وارتعش حين ابتلع جرعة من الهواء البارد.

وضعت آيدا يديها على خصرها.

تذكّر وجوه أولئك الحرّاس.

***

بينما كانت السهام تمزّق أجسادهم، ارتجفوا بلا توقّف وبهتت وجوههم شيئًا فشيئًا.

“هذا امتحان لك… منّي.”

تبادلوا النظرات، وكانت نظراتهم تفيض حنقًا واستنكارًا. لكنه تذكّر كيف، في النهاية، هدأت أعينهم كأنهم استسلموا لمصيرهم.

“الخصم قوي للغاية، أليس كذلك؟” قال تاليس شاردًا.

كأنّ المطر والثلج يهوي على أجسادهم لا السهام.

ارتجف تاليس وارتعش حين ابتلع جرعة من الهواء البارد.

وتذكّر تاليس كيف خرجت السهام من أجسادهم، تشقّ الكتفين، والرقاب، والبطون، وتسحب الدم معها.

بدا كأنه يأتي من مكان بعيد.

بل إن سهمًا واحدًا اخترق رأس أحدهم، وخرج من محجر عينه اليسرى. تطاير الدم الدافئ على وجه تاليس فصبغه بالأحمر.

“حيًا.”

وتوقّف رأس السهم الأحمر اللامع أمام عين تاليس اليُمنى مباشرة.

“ضحّى حرس النصل الأبيض بأرواحهم لشنّ هجوم انتحاري. لقد أسأنا تقدير قوتهم العسكرية، وأفرطنا في تقدير قوّتنا نحن، في الوقت ذاته،” تنهد كينتفيدا وتابع. “ظهور التنين أرعب الجنود. ولولا أننا درّبناهم وغرسنا العقيدة فيهم طوال السنوات، لأخشى أنهم كانوا سيغيّرون ولاءهم.”

حينها، كانت الشقية قد أطبقت عينيها وعانقته وهي تبكي.

“رغم أنّك ترتدين عباءة، أرى أنك جان،” قال كاسلان ببطء. كان صوته شامخًا قاسيًا. “وبحكم كونك كائنًا أبديًا، فلا شك أنك تملكين خبرة أكثر مني.”

بأعين متّسعة، تنفّس الحرس دمهم، وبعضهم بسط له ابتسامة مرتاحة.

ذكّرته بالخنادق قرب البيت المهجور، وبداخل مجسّات جيزا؛ الرائحة تكاد تتطابق.

تعانقوا وانطرحوا على الأرض واحدًا تلو الآخر، دون أن ينهضوا ثانية.

قالت بنبرة مُحايدة، “كفّ عن التدخّل في شؤون الكبار.”

“عليك أن تنجو، يا مواطن الإمبراطورية.” تذكّر تاليس ذلك الحرّاس الذي قبض على ياقة ثوبه وقال بأسنان مشدودة وبأنفاس تحتضر. “احمها جيدًا… واجعلهم يدفعون الثمن…”

طقطق!

وتذكّر أيضًا ذلك الحارس الأخير، الشاب، وقد نهض وسط جثث رفاقه الثلاثة. خمسة أو ستة سهام مغروزة في جسده، ومع ذلك استجمع ما تبقّى لديه من قوة، رفع نصل سيفه وترنّح نحو أعدائه.

أطرق تاليس برأسه.

ضحّى بحياته وشنّ هجومًا أخيرًا، مبثوثًا في صفوف رماة السهام، ناشرًا الفوضى.

حينها، كانت الشقية قد أطبقت عينيها وعانقته وهي تبكي.

صرخة كينتفيدا الهائجة دوّت بين الجموع.

ذكّرته بالخنادق قرب البيت المهجور، وبداخل مجسّات جيزا؛ الرائحة تكاد تتطابق.

تذكّر تاليس كيف أمسك يد الشقية الصغيرة وزحف مبتعدًا عن جثث الحرس.

“حيًا.”

تذكّر كيف كان في غيبوبة، وكان على شفا الانهيار، وكيف أطلق الحرس الذين يحرسون ظهره صرخة أخيرة، مليئة بالحزن.

لوّحت آيدا بسيفها المقوّس واتخذت وضعية متراخية على نحو متعمّد.

ولم يدرك كيف ظهرت آيدا بين الأنقاض إلى جانبه وانتشلته هو والشقية الصغيرة من ذلك الاضطراب الجارف.

تعانقوا وانطرحوا على الأرض واحدًا تلو الآخر، دون أن ينهضوا ثانية.

حتى… الآن.

“سمعتُ أنك أنت من قتل زيرا داركستورم، قاتل البشر؟” قالت بلا مبالاة. “أنت قوي جدًّا، أليس كذلك؟”

بعينين غائمتين وقلبٍ مضطرب، التفت تاليس وحدّق في الشقية الصغيرة المذعورة مثله.

في لحظة لا تتعدّى طرفة عين، لم يكن لدى الحرّاس الأربعة المتبقّين من حرس النصل الأبيض الوقت حتى لإتمام حركتهم، الحركة التي يركعون فيها ويرفعون دروعهم.

ومن غير أن يشعر، مدّ يده يمسح الدم عن وجهه مرة أخرى.

خفض كينتفيدا رأسه.

لكن الدم كان قد جفّ.

“هذا امتحان لك… منّي.”

كان يظنّ أنّ معركة غابة البتولا بلغت من الفظاعة مداها، وأنّ الهروب من الحصار أمام الحصن كان مغازلةً للموت، وأنّ مبارزته مع جيزا بلغت حدّ الصدمة.

طقطق!

لكن…

كان كينتفيدا مطّلعًا على كل التفاصيل. وواصل المستشار الرئيسي حديثه:

في غابة البتولا، انتشلته سيرينا من قلب المعركة.

تشنّجت حدقتا آيدا قليلًا.

أمام الحصن، حمله آراكا إلى برّ الأمان باندفاعته التي لا تُوقَف.

“سمعتُ أنّك عضوٌ كبير في حرس النصل الأبيض.” همست آيدا باستخفاف، مع التشديد على كلمة كبير. “مُزلزل الأرض، صحيح؟”

وقبل هذا كلّه، كان تحت حماية السيف الأسود ومهارته، وطاقة الصوفي الغامضة، ونصل التطهير العجيب.

تجمّدت آيدا.

لمّا اقترب الدم منه، ومات الحرّاس أمام عينيه واحدًا واحدًا… لما أُبيد حرس النصل الأبيض تمامًا، وتردّدت الصرخات الحزينة والزأرات الغاضبة تباعًا… حينها فقط أدرك تاليس—أدرك حقارة الأمر، ومرارته، وكم إنه امرٌ لا يُحتمل.

الفصل 191: كُفَّ عن التدخّل في شؤون الكبار

توقّفت آيدا فجأة، وأنزلت تاليس والفتاة الصغيرة على شارعٍ فارغ نظيف.

“مهلًا، لستُ أكذب!” صاحت الجنية وهي تراقب وضع خصمها وتنفسه بدقة.

وقفوا عند زاوية الطريق، لكن آيدا لم تُبدِ أي نيّة للمتابعة.

في اللحظة التالية، أمسك بالشقية واندفع جريًا دون أن يلتفت، واختفى جسده عند المنعطف.

استدارت الجنية ذات الرداء وحدّقت في الشارع الخالي.

تغيّر وجه تاليس. وعلى الجانب الآخر، خفَضت الفتاة الصغيرة رأسها وحدّقت في نظّارتها المتلطّخة بالدم.

“ما الأمر؟” قال تاليس، لا يزال في ذهوله، رافعًا رأسه محاولًا لملمة نفسه.

“سألحق بكما قريبًا.”

“هناك من يتعقّبنا”، جاء صوت آيدا الهادئ من تحت عباءتها. “حاولتُ التخلّص منه، لكن النتيجة ليست كما أريد.”

وبعد بضع ثوانٍ، تنهدت الحارسة الجنية.

كانت كلماتها سلسة، لكن نبرتها كانت جادّة على نحو غير مسبوق.

وتذكّر أيضًا ذلك الحارس الأخير، الشاب، وقد نهض وسط جثث رفاقه الثلاثة. خمسة أو ستة سهام مغروزة في جسده، ومع ذلك استجمع ما تبقّى لديه من قوة، رفع نصل سيفه وترنّح نحو أعدائه.

تغيّر وجه تاليس. وعلى الجانب الآخر، خفَضت الفتاة الصغيرة رأسها وحدّقت في نظّارتها المتلطّخة بالدم.

كان الألم النافذ والخَدَر على جلدها يخبرانها بأن العدو شخص لا يرحم.

“إذًا؟” سأل الأمير بتوجّس.

“أنت.” زفرت الجنية، وقد امتلأت نبرتها بالسخرية والازدراء. “صاحب الحانة.”

“إذًا عليكما أنتما الاثنان المضيّ أولًا.” ربّتت آيدا على كتفه بارتياحٍ مصطنع.

مسحت بعينيها الشارع الخالي، من المنعطف إلى السطوح، ومن الزقاق إلى الجدران المنخفضة، دون أن تغفل شيئًا.

“سأذهب للعثور عليه.” كانت راحتها مكسوّة بدماء كثيرة من على جسد تاليس. فركت كفّيها باشمئزاز. “سألحق بكما بعد أن أتخلّص من هذا الذيل.”

تذكّر كيف كان في غيبوبة، وكان على شفا الانهيار، وكيف أطلق الحرس الذين يحرسون ظهره صرخة أخيرة، مليئة بالحزن.

تجمّد تاليس.

خفض لامبارد رأسه وحدّق في الملك، ووضع يده على مقبض سيفه البالي وهو يحمل تعبيرًا معقدًا.

(اذهبا أولًا…)

لم تتحرك آيدا تحت العباءة. بدت مدهوشة.

تذكّر ليلة سوق الشارع الأحمر.

استدار الآرشيدوق ولوّح بردائه، كاشفًا درعه. وسار بخطوات ثابتة كمقاتلٍ يتقدّم نحو قصر الروح البطولية.

الفتاة ذات النصل المزدوج قالت له الجملة نفسها.

(الذي…)

“الخصم قوي للغاية، أليس كذلك؟” قال تاليس شاردًا.

Arisu-san

“لستِ واثقة من النصر، وليس أمامك سوى أن تدعينا نغادر أولًا؟”

“فهمت.” أمسك بيد الشقية الصغيرة وقال بصوت مختنق، “سنمضي أولًا وننتظرك هناك.”

لم تتحرك آيدا تحت العباءة. بدت مدهوشة.

“ضحّى حرس النصل الأبيض بأرواحهم لشنّ هجوم انتحاري. لقد أسأنا تقدير قوتهم العسكرية، وأفرطنا في تقدير قوّتنا نحن، في الوقت ذاته،” تنهد كينتفيدا وتابع. “ظهور التنين أرعب الجنود. ولولا أننا درّبناهم وغرسنا العقيدة فيهم طوال السنوات، لأخشى أنهم كانوا سيغيّرون ولاءهم.”

انساب هواء الصباح البارد عبر الشارع الخالي الضبابي. كانت الشمس تشرق، تبثّ ذلك الضوء الأخضر الشاحب الذي يخصّ الفجر وحده.

***

بعد لحظات، رفعت آيدا يدها اليمنى فجأة وضربت جبهة تاليس.

“سمعتُ أنّك عضوٌ كبير في حرس النصل الأبيض.” همست آيدا باستخفاف، مع التشديد على كلمة كبير. “مُزلزل الأرض، صحيح؟”

طقطق!

كأنّ المطر والثلج يهوي على أجسادهم لا السهام.

وخزته بسبابتها مرّة أخرى.

دوّى صوت آيدا.

لكن هذه المرة، لم يحاول تاليس صدّها. بل تركها تفعلها بصمت.

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

“هاه؟” قالت آيدا بدهشة طفيفة. “لماذا لم تحاول منعي هذه المرة؟”

تبادلوا النظرات، وكانت نظراتهم تفيض حنقًا واستنكارًا. لكنه تذكّر كيف، في النهاية، هدأت أعينهم كأنهم استسلموا لمصيرهم.

شعر تاليس بحرارة الألم على جبينه. هزّ رأسه بوجه متجهّم.

تنفّس تاليس بعمق وقال بجدّية، “صائنة القَسَم، ملكة مينديس الرابع—إحدى جدّاتي الكبرى الكبرى الكبرى…؟”

(كأن هذا الألم وحده ما يثبت أنّني ما زلت حيا…)

حينها، كانت الشقية قد أطبقت عينيها وعانقته وهي تبكي.

“لأنه إن لم أفعل… فلن تطمئنّي لفرارنا وحدنا.” قال بصوت منخفض.

(يا ابن الـ…!)

بدت آيدا غاضبة قليلًا. رفعت يدها مجددًا تريد ضربه.

“أما أنت، فكفّ عن التدخّل في شؤون الكبار.” قالت آيدا وهي تروّح لنفسها بغرابة في هذا البرد. “ثم إنك، كأمير، ستكبر يومًا ما. لا يمكنني حمايتك دائمًا.”

لكن تاليس لم يتحرك قيد أنملة.

“آه، بلا متعة. أنت سمكة ميّتة مثل مينديس.”

وتوقفت يد آيدا في الهواء.

“إذًا عليكما أنتما الاثنان المضيّ أولًا.” ربّتت آيدا على كتفه بارتياحٍ مصطنع.

وبعد ثوانٍ، تنفّست بامتعاض وخفضت يدها.

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

“آه، بلا متعة. أنت سمكة ميّتة مثل مينديس.”

“أول قبيلة واجهها والدي حين قاد الجيوش لمعاونة البشر كانت قبيلة داركستورم.” تمتمت الجنية بازدراء. “حين كان والدي يطيح برؤوسهم…”

“إذًا الأمر صحيح؟” قال تاليس بشهيق عميق وصوت عميق. “أنّ العدو قوي فعلًا؟”

رفع لامبارد رأسه، محرِّكًا بصره بعيدًا عن الملك، الذي كان أيضًا عمّه.

“همف.” كانت آيدا، كعادتها، معبّرة. هزّت كتفيها وفتحت ذراعيها في مبالغة ساخرة، تصطنع اللامبالاة.

“أظهِر نفسك،” قالت آيدا ببرود. “أشعر بوجودك.”

وهشّت نفسها براحتها. “ما مقدار قوّة شخص متخفٍّ يختبئ في الظلال؟

لكن تاليس لم يتحرك قيد أنملة.

“أما أنت، فكفّ عن التدخّل في شؤون الكبار.” قالت آيدا وهي تروّح لنفسها بغرابة في هذا البرد. “ثم إنك، كأمير، ستكبر يومًا ما. لا يمكنني حمايتك دائمًا.”

“أرسل رسالة إلى الوحدات الأخرى التي تنظّف الفوضى وفق الخطة. تولجا، فلاد، كروُش؛ اطلب منهم الالتحاق بليفان وفيك… ينبغي أنهم أنهوا الاستعداد.” أمر الآرشيدوق ببرود وهو يسير.

أطرق تاليس برأسه.

“آه، بلا متعة. أنت سمكة ميّتة مثل مينديس.”

“لا تُجهد نفسك بالتفكير”، هبطت نبرة آيدا، وخفضت يدها التي كانت تروّح بها.

بل استداروا ومدّوا أذرعهم من غير تردّد، وركعوا وتعانقوا في دائرة، يحجبون تاليس والشقية بأجسادهم.

“هذا امتحان لك… منّي.”

“كان الأمر أشبه بتقطيع الخضار!”

في تلك اللحظة، شعر تاليس بالحزن…

طقطق!

(كأن شيئًا كان عالقًا في صدره…)

خفض لامبارد رأسه وحدّق في الملك، ووضع يده على مقبض سيفه البالي وهو يحمل تعبيرًا معقدًا.

“فهمت.” أمسك بيد الشقية الصغيرة وقال بصوت مختنق، “سنمضي أولًا وننتظرك هناك.”

تعانقوا وانطرحوا على الأرض واحدًا تلو الآخر، دون أن ينهضوا ثانية.

(لقد اعتدتُ هذا منذ زمن… أليس كذلك؟)

لم يقل لامبارد شيئًا.

عادت نبرة آيدا مشرقة.

“اسمع يا فتى، رغم أن الكارثة كانت هناك… بيوتراي أرسل كل مرؤوسيك للبحث عنك؛ ذلك الصبي المتعجرف من عائلة كاسو، وذلك الأبكم المقنّع الذي يلازمك دائمًا، وحتى المخضرم من لواء ضوء النجوم…”

“أسرعا إذًا. بعد هذه الزاوية، امضيا مباشرة وستصلان إلى شارع وست-إكسبرس. في آخر الشارع، سترون الحاجز. لا أنصح بالتوجّه للدوريات؛ لا نعلم ما موقفهم الآن…”

صرخة كينتفيدا الهائجة دوّت بين الجموع.

“إن تعذّر غير ذلك، اختبئا قليلًا. الآخرون يبحثون عنكما أيضًا، وسيولون اهتمامًا خاصًا بالأطفال… ستكونان آمنين حين تقابلان رالف أو وايا…”

الفصل 191: كُفَّ عن التدخّل في شؤون الكبار

“أما أنا…” توقفت لحظة.

لكن تاليس ظلّ أسير صدمة الذكريات التي ابتلعته، غير قادر على الخلاص منها.

“سألحق بكما قريبًا.”

(كأن هذا الألم وحده ما يثبت أنّني ما زلت حيا…)

أطرق تاليس رأسه دون كلمة.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

وفي اللحظة التالية، كأن عزمه قد اشتد، جرّ الشقية الصغيرة واندفع راكضًا.

لم يكن ممكنًا رؤية ملامح آيدا تحت العباءة.

ثم توقّف فجأة.

وتوقّف رأس السهم الأحمر اللامع أمام عين تاليس اليُمنى مباشرة.

حدّقت آيدا فيه وهي تميل برأسها باستغراب.

تذكّر تاليس كيف أمسك يد الشقية الصغيرة وزحف مبتعدًا عن جثث الحرس.

“هيه، آيدا.” استدار تاليس بجهد. “أعلم أنك قد لا تحبين هذا السؤال، لكنني حقًا أريد أن أعرف…”

“أنت.” زفرت الجنية، وقد امتلأت نبرتها بالسخرية والازدراء. “صاحب الحانة.”

وضعت آيدا يديها على خصرها.

الفصل 191: كُفَّ عن التدخّل في شؤون الكبار

“هل لي أن أعرف ما إذا كنتِ…”

قالت بنبرة مُحايدة، “كفّ عن التدخّل في شؤون الكبار.”

تنفّس تاليس بعمق وقال بجدّية، “صائنة القَسَم، ملكة مينديس الرابع—إحدى جدّاتي الكبرى الكبرى الكبرى…؟”

بعد لحظات، رفعت آيدا يدها اليمنى فجأة وضربت جبهة تاليس.

عند سماع ذلك، لم تستطع الشقية، رغم ذهولها، إلا أن ترفع رأسها.

ظلّت رائحة الدم عالقة في أنفه.

ساد الصمت.

“قبيلة داركستورم؟ بالطبع.”

لم يكن ممكنًا رؤية ملامح آيدا تحت العباءة.

“رغم أنّك ترتدين عباءة، أرى أنك جان،” قال كاسلان ببطء. كان صوته شامخًا قاسيًا. “وبحكم كونك كائنًا أبديًا، فلا شك أنك تملكين خبرة أكثر مني.”

وبعد بضع ثوانٍ، تنهدت الحارسة الجنية.

توقّف لامبارد.

“هيه، أيها الغِرّ الأحمق.” رفعت آيدا رأسها، فتمكّن تاليس من رؤية ذقنها الناعم شديد البياض على غير العادة.

ثم دوّى صوت السهام التي لا تُحصى وهي تمزّق اللحم.

قالت بنبرة مُحايدة، “كفّ عن التدخّل في شؤون الكبار.”

أومأ كينتفيدا باحترام.

تجمّد تاليس لحظة.

أطرق تاليس رأسه دون كلمة.

ثم ضمّ شفتيه وابتسم ابتسامة قسرية.

كان جسد الملك نوڤين البارد يرقد إلى جانب الآرشيدوق، مغطّى بعباءة رماديّة خاصة بحرس النصل الأبيض.

في اللحظة التالية، أمسك بالشقية واندفع جريًا دون أن يلتفت، واختفى جسده عند المنعطف.

لكن الدم كان قد جفّ.

حدّقت آيدا في ظلّ تاليس المتلاشي، وأطلقت زفرة حادة.

تذكّر ابتسامة كينتڤيدا؛ وصوت السهام التي كانت تُقذَف من مقابض جنود إقليم الرمال السوداء؛ وتلك الظلال السوداء التي انطلقت نحوه بلا عدد؛ والتنميل والارتجاف الممتدّ من فروة رأسه حتى كتفيه ورقبته.

لكنها فورًا استدارت. وارتجّ جسدها كله.

(حدث؟)

(ذلك الشخص قادم.)

حدّقت آيدا في ظلّ تاليس المتلاشي، وأطلقت زفرة حادة.

أصبحت آيدا في أعلى درجات اليقظة.

أصبحت آيدا في أعلى درجات اليقظة.

مسحت بعينيها الشارع الخالي، من المنعطف إلى السطوح، ومن الزقاق إلى الجدران المنخفضة، دون أن تغفل شيئًا.

(كأن شيئًا كان عالقًا في صدره…)

(يا لها من ورطة مقرفة.)

(لا.)

كان الألم النافذ والخَدَر على جلدها يخبرانها بأن العدو شخص لا يرحم.

وضعت آيدا يديها على خصرها.

(منذ متى…)

“هناك من يتعقّبنا”، جاء صوت آيدا الهادئ من تحت عباءتها. “حاولتُ التخلّص منه، لكن النتيجة ليست كما أريد.”

(متى كانت آخر مرة واجهت فيها خصمًا بهذه القوة؟)

وبعد ثوانٍ، تنفّست بامتعاض وخفضت يدها.

(عندما اعتليتُ قمة الجبل الواسع البري مع كيرا؟)

لكن…

“أظهِر نفسك،” قالت آيدا ببرود. “أشعر بوجودك.”

“قل شيئًا يا فتى!” قالت آيدا بضيق وهي تستدير عبر زقاق. “ماذا حدث بحق السماء؟”

دوّى وقع خطوات.

أومأ كينتفيدا، وأعطى التعليمات للشخص الذي بجانبه.

ظهر من المنعطف جسد طويل ضخم، ووقف أمامها.

خفض كينتفيدا رأسه.

تشنّجت حدقتا آيدا قليلًا.

حملت آيدا كليهما تحت ذراعيها، وبالأخير خرجوا من أنقاض منطقة الدرع. ظهرت أمامه شوارع نظيفة سليمة، ومنازل بلا ضرر. لم يكن في المكان روح واحدة. كانت أوامر الملك بالإخلاء وحظر التجول ناجعة للغاية.

“أنت.” زفرت الجنية، وقد امتلأت نبرتها بالسخرية والازدراء. “صاحب الحانة.”

بعينين غائمتين وقلبٍ مضطرب، التفت تاليس وحدّق في الشقية الصغيرة المذعورة مثله.

حدّق كاسلان في آيدا بنظرة باردة لا مبالاة فيها.

حدّقت آيدا في ظلّ تاليس المتلاشي، وأطلقت زفرة حادة.

“سمعتُ أنّك عضوٌ كبير في حرس النصل الأبيض.” همست آيدا باستخفاف، مع التشديد على كلمة كبير. “مُزلزل الأرض، صحيح؟”

مسحت بعينيها الشارع الخالي، من المنعطف إلى السطوح، ومن الزقاق إلى الجدران المنخفضة، دون أن تغفل شيئًا.

“رغم أنّك ترتدين عباءة، أرى أنك جان،” قال كاسلان ببطء. كان صوته شامخًا قاسيًا. “وبحكم كونك كائنًا أبديًا، فلا شك أنك تملكين خبرة أكثر مني.”

توقّف كاسلان عن التقدّم. ضيّق عينيه وهو يحدّق في الجنية التي تلوّح بسيفها.

وقفت آيدا عاجزة عن الرد.

“أما أنا…” توقفت لحظة.

نفخت بضيق، وسحبت سيفها المقوّس الأنيق.

(لقد اعتدتُ هذا منذ زمن… أليس كذلك؟)

“سمعتُ أنك أنت من قتل زيرا داركستورم، قاتل البشر؟” قالت بلا مبالاة. “أنت قوي جدًّا، أليس كذلك؟”

قاتل الأرواح…)

“تلك المعركة هي أكثر ما أفخر به حتى اليوم.” هز كاسلان رأسه وتقدّم خطوة نحو آيدا.

أطرق تاليس رأسه دون كلمة.

“بالطبع، جزء من المجد يعود لهذا الشيء…”

(متى كانت آخر مرة واجهت فيها خصمًا بهذه القوة؟)

خرج العجوز تمامًا من الظلّ، وظهر وهو يحمل عصًا طويلة.

(روح…

(لا.)

(في ذلك الوقت…لم أكن قد وُلدت بعد.)

عقدت آيدا حاجبيها.

“هيه، آيدا.” استدار تاليس بجهد. “أعلم أنك قد لا تحبين هذا السؤال، لكنني حقًا أريد أن أعرف…”

(هذه ليست عصًا.)

“أرسل رسالة إلى الوحدات الأخرى التي تنظّف الفوضى وفق الخطة. تولجا، فلاد، كروُش؛ اطلب منهم الالتحاق بليفان وفيك… ينبغي أنهم أنهوا الاستعداد.” أمر الآرشيدوق ببرود وهو يسير.

“لقد كانت يومًا رفيقتي وصديقتي.”

“قل شيئًا يا فتى!” قالت آيدا بضيق وهي تستدير عبر زقاق. “ماذا حدث بحق السماء؟”

“ومات زيرا داركستورم بها.” رفع كاسلان السلاحَ بيده، كاشفًا رأسه الأسود المخيف.

في تلك اللحظة، شعر تاليس بالحزن…

ثم قال ببطء، “رمحُ قاتل الأرواح.”

كان يشبه صوت الجزّار عند باب المدينة الغربية في مدينة النجم الأبدي، وهو يقطع اللحم كل صباح، قطعة بعد قطعة.

تجمّدت آيدا.

“ساعتان على الأكثر،” أجاب بسرعة. “سيشكّ رئيس قاعة الانضباط ورئيس الحامية في الأمر عندما لا يتلقّون ردّ الملك وسيُرسلون رجالًا للبحث عنه في منطقة الدرع. بالطبع، رجال فلاد قادرون على تأخيرهم، كما يستطيع أهل ساحة أجنحة التنين وحتى منطقة الدرع إرباكهم.”

(روح…

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

قاتل الأرواح…)

وفي اللحظة التالية، أرغمت نفسها على الابتسام.

ارتعش وجه الجنية.

“سواء بالسرقة أو بالقوة، يجب أن نستولي على البوّابة بين منطقة الفأس وقصر الروح البطولية قبل الثامنة!”

وفي اللحظة التالية، أرغمت نفسها على الابتسام.

“حيًا.”

(يا أمّاه…)

شعر تاليس بالإرهاق والاجتياح. حاول جاهدًا ترتيب ذاكرته الممزّقة.

(يا ابن الـ…!)

بأعين متّسعة، تنفّس الحرس دمهم، وبعضهم بسط له ابتسامة مرتاحة.

استنشقت آيدا بعمق، وضعت يدًا على خصرها محاوِلة إظهار اللامبالاة.

ظلّت رائحة الدم عالقة في أنفه.

“أوه، أوه…

شعر تاليس بالإرهاق والاجتياح. حاول جاهدًا ترتيب ذاكرته الممزّقة.

بالحديث عن قبيلة داركستورم التي تضرب جذورها في التاريخ، فقد كانت في الماضي قبيلة قوية تملك حقّ المنافسة على العرش.” ضيّقت الجنية عينيها وضحكت ضحكة مصطنعة. ومع اقتراب العجوز أكثر، اتخذت وضعًا قتاليًا دون أن تشعر. “لا بد أنّ الأمر كان شاقًا عليك.”

وبعد ثوانٍ، انطلق رسول الجيش.

“تبدين خبيرة جدًّا في شأن الأورك؟” قال كاسلان بصوت غليظ، وقد أبْطأ خطواته.

أصبحت آيدا في أعلى درجات اليقظة.

“قبيلة داركستورم؟ بالطبع.”

“أما أنا…” توقفت لحظة.

لوّحت آيدا بسيفها المقوّس واتخذت وضعية متراخية على نحو متعمّد.

بذل تاليس جهدًا ليتمكّن من التنفّس. التفت ورأى أنّ الشقية تُحمَل تحت ذراع آيدا الأخرى. كانت تقبض على نظّارتها بشدة، مذهولة.

“أول قبيلة واجهها والدي حين قاد الجيوش لمعاونة البشر كانت قبيلة داركستورم.” تمتمت الجنية بازدراء. “حين كان والدي يطيح برؤوسهم…”

(ما…)

“كان الأمر أشبه بتقطيع الخضار!”

“حيًا.”

لوّحت آيدا بسيفها المقوّس أربع مرّات سريعة في الهواء.

(لقد اعتدتُ هذا منذ زمن… أليس كذلك؟)

“قطع، قطع، قطع، قطع. رأسين في كل ضربة!” ثرثرت دون توقف.

وقفت آيدا عاجزة عن الرد.

توقّف كاسلان عن التقدّم. ضيّق عينيه وهو يحدّق في الجنية التي تلوّح بسيفها.

“كنتُ الوحيدة التي جاءت تبحث عنك في منطقة الدرع. لم أتوقع شيئًا كهذا. ما أمر هؤلاء الجنود؟ لماذا يهاجمونكما أنت وحرس النصل الأبيض؟”

وأدار الرمح في يده ببطء.

(يا أمّاه…)

“مهلًا، لستُ أكذب!” صاحت الجنية وهي تراقب وضع خصمها وتنفسه بدقة.

في غابة البتولا، انتشلته سيرينا من قلب المعركة.

(نعم، لم أكذب…باستثناء تفصيلة واحدة.) فكرت آيدا.

تذكّر ليلة سوق الشارع الأحمر.

(في ذلك الوقت…لم أكن قد وُلدت بعد.)

“حيًا.”

***

(دمٌ من جديد…)

وقف لامبارد وسط الأنقاض وقد علا جبينه تجعّد عابس. كان صارمًا صامتًا، كعادته.

لم تتحرك آيدا تحت العباءة. بدت مدهوشة.

الأرض أمامه كانت مغطاة بالجثث. بعضها لحرس النصل الأبيض، والباقي لجنود إقليم الرمال السوداء. وكان عناصره يذهبون ويجيئون لجمع الجثث وإخلاء المكان.

(لقد اعتدتُ هذا منذ زمن… أليس كذلك؟)

كان جسد الملك نوڤين البارد يرقد إلى جانب الآرشيدوق، مغطّى بعباءة رماديّة خاصة بحرس النصل الأبيض.

“أمر آخر…” قال كينتفيدا بهدوء. “تلقّيت للتو خبرًا بشأن أمير الكوكبة.”

خفض لامبارد رأسه وحدّق في الملك، ووضع يده على مقبض سيفه البالي وهو يحمل تعبيرًا معقدًا.

ساد الصمت.

“فقدنا ثمانيةً وعشرين رجلاً،” اقترب الفيكونت كينتفيدا من خلف الآرشيدوق وقال بصوت منخفض. “وخمسة عشر أصيبوا بجراح خطيرة تلزمهم الأرض. وأربعة بإصابات طفيفة وما زالوا قادرين على القتال.”

وقف الآرشيدوق لامبارد تحت السماء الملبّدة بالغيوم وهو يحدّق في ظلّ قصر الروح البطولية. وبقيت ملامحه باردة كالجليد.

لم يقل لامبارد شيئًا.

ثم توقّف فجأة.

“ضحّى حرس النصل الأبيض بأرواحهم لشنّ هجوم انتحاري. لقد أسأنا تقدير قوتهم العسكرية، وأفرطنا في تقدير قوّتنا نحن، في الوقت ذاته،” تنهد كينتفيدا وتابع. “ظهور التنين أرعب الجنود. ولولا أننا درّبناهم وغرسنا العقيدة فيهم طوال السنوات، لأخشى أنهم كانوا سيغيّرون ولاءهم.”

في اللحظة التالية، أمسك بالشقية واندفع جريًا دون أن يلتفت، واختفى جسده عند المنعطف.

رفع لامبارد رأسه، محرِّكًا بصره بعيدًا عن الملك، الذي كان أيضًا عمّه.

عند سماع ذلك، لم تستطع الشقية، رغم ذهولها، إلا أن ترفع رأسها.

“أكثر من عشرة من حرس النصل الأبيض كانوا كافين لبثّ الذعر في صفوف قوات الحدود التي نفخر بها.” حرّك الآرشيدوق عنقه ببطء واستنشق هواء فجر مدينة سحب التنين البارد. “كيف استطاع تشارلتون أن يخترق حماية هؤلاء الرجال ليغتال الملك نوڤين؟”

“إذًا؟” سأل الأمير بتوجّس.

خفض كينتفيدا رأسه.

تابعت الحارسة الجنية شقّ طريقها في الشوارع التي كانت أفضل حالًا بكثير من تلك التي في منطقة الدرع. استدارت بمهارة في عدة منعطفات، تبحث بلياقة عن طريقٍ مفتوح.

“كما تعلم، إنهم آل تشارلتون.” أومأ الفيكونت باحترام. “ولحسن الحظ، كثير من حرس النصل الأبيض قُتلوا أو جُرحوا أو تاهوا في الفوضى التي سببتها الكوارث.”

في لحظة لا تتعدّى طرفة عين، لم يكن لدى الحرّاس الأربعة المتبقّين من حرس النصل الأبيض الوقت حتى لإتمام حركتهم، الحركة التي يركعون فيها ويرفعون دروعهم.

“دعك من هذا. على الأقل تأكّدنا من موت الملك.” كان وجه الآرشيدوق صارمًا. رفع رأسه وحدّق في أعلى مبنى في مدينة سحب التنين.

كان الألم النافذ والخَدَر على جلدها يخبرانها بأن العدو شخص لا يرحم.

“كم تبقى من الوقت؟” قال ببرود، لكن نبرته حملت ثِقل السلطة.

عند سماع ذلك، لم تستطع الشقية، رغم ذهولها، إلا أن ترفع رأسها.

انحنى كينتفيدا باحترام.

تجمّد تاليس لحظة.

“ساعتان على الأكثر،” أجاب بسرعة. “سيشكّ رئيس قاعة الانضباط ورئيس الحامية في الأمر عندما لا يتلقّون ردّ الملك وسيُرسلون رجالًا للبحث عنه في منطقة الدرع. بالطبع، رجال فلاد قادرون على تأخيرهم، كما يستطيع أهل ساحة أجنحة التنين وحتى منطقة الدرع إرباكهم.”

حملت آيدا كليهما تحت ذراعيها، وبالأخير خرجوا من أنقاض منطقة الدرع. ظهرت أمامه شوارع نظيفة سليمة، ومنازل بلا ضرر. لم يكن في المكان روح واحدة. كانت أوامر الملك بالإخلاء وحظر التجول ناجعة للغاية.

كان كينتفيدا مطّلعًا على كل التفاصيل. وواصل المستشار الرئيسي حديثه:

كان يظنّ أنّ معركة غابة البتولا بلغت من الفظاعة مداها، وأنّ الهروب من الحصار أمام الحصن كان مغازلةً للموت، وأنّ مبارزته مع جيزا بلغت حدّ الصدمة.

“إن لم تظهر نتيجة خلال أربع ساعات، سيتنبّه رئيس الوزراء ليسبان إلى الخطر. وسيبدأ بجمع قوّاته وربما القوات النظامية لاحتواء الفوضى الناتجة عن اختفاء الملك. لكنه لا يملك أمرًا مباشرًا من الملك، ومع حظر التجول بسبب الكوارث، فلن يتمكن من جمع عدد كبير من المجندين.

وإن امتد الأمر إلى ست ساعات، فلن يعود بالإمكان إخفاء الحقيقة. وستُكشف تحركات رجالنا الذين يفوق عددهم الألف بقليل. يحتاج ليسبان فقط إصدار أمر واحد، فيقود الكونتات الإقطاعيون خارج المدينة—الذين ما زالوا مخلصين لأسرة والتون—جيوشهم إلى داخل المدينة. لن يكون بمقدورنا مواجهتهم وجهًا لوجه. جنودنا أصلاً في حالة عدم استقرار عاطفي. وفي لحظة، سنتلقى هزيمة ساحقة بسبب الخسائر والإرهاق وانهيار الروح المعنوية.

(الذي…)

لدينا أقل من ألفي رجل. وحتى لو استولينا على بوّابة حصينة، لن نصمد لأكثر من نصف يوم.” ختم كينتفيدا بدقة: “علينا خوض معركة خاطفة.”

نفخت بضيق، وسحبت سيفها المقوّس الأنيق.

وقف الآرشيدوق لامبارد تحت السماء الملبّدة بالغيوم وهو يحدّق في ظلّ قصر الروح البطولية. وبقيت ملامحه باردة كالجليد.

“أوه، أوه…

“نصف يوم،” تمتم لامبارد بسخرية باردة. “يكفينا.”

استنشقت آيدا بعمق، وضعت يدًا على خصرها محاوِلة إظهار اللامبالاة.

استدار الآرشيدوق ولوّح بردائه، كاشفًا درعه. وسار بخطوات ثابتة كمقاتلٍ يتقدّم نحو قصر الروح البطولية.

(يا لها من ورطة مقرفة.)

كينتفيدا وبقية الأتباع قادوا الجنود خلفه.

(الذي…)

“أرسل رسالة إلى الوحدات الأخرى التي تنظّف الفوضى وفق الخطة. تولجا، فلاد، كروُش؛ اطلب منهم الالتحاق بليفان وفيك… ينبغي أنهم أنهوا الاستعداد.” أمر الآرشيدوق ببرود وهو يسير.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“سواء بالسرقة أو بالقوة، يجب أن نستولي على البوّابة بين منطقة الفأس وقصر الروح البطولية قبل الثامنة!”

“الخصم قوي للغاية، أليس كذلك؟” قال تاليس شاردًا.

أومأ كينتفيدا باحترام.

حدّقت آيدا في ظلّ تاليس المتلاشي، وأطلقت زفرة حادة.

“انشروا الشائعات حسب الخطة. هذا سيمنحنا الوقت.”

“قطع، قطع، قطع، قطع. رأسين في كل ضربة!” ثرثرت دون توقف.

اجتاز لامبارد حفرة ترابية وقال بحسم: “بحلول التاسعة، أو العاشرة في أقصى تقدير… يجب أن ينتهي كل شيء!”

عادت نبرة آيدا مشرقة.

أومأ كينتفيدا، وأعطى التعليمات للشخص الذي بجانبه.

لكن الدم كان قد جفّ.

وبعد ثوانٍ، انطلق رسول الجيش.

“كما تعلم، إنهم آل تشارلتون.” أومأ الفيكونت باحترام. “ولحسن الحظ، كثير من حرس النصل الأبيض قُتلوا أو جُرحوا أو تاهوا في الفوضى التي سببتها الكوارث.”

“أمر آخر…” قال كينتفيدا بهدوء. “تلقّيت للتو خبرًا بشأن أمير الكوكبة.”

“إنهم هم،” رفع كينتفيدا رأسه، وقد ارتسمت على وجهه نظرة مريبة. “أرسلوا يطلبون الصبي…”

استدار الآرشيدوق لامبارد وحدّق في مستشاره بنظرة غريبة.

وتذكّر أيضًا ذلك الحارس الأخير، الشاب، وقد نهض وسط جثث رفاقه الثلاثة. خمسة أو ستة سهام مغروزة في جسده، ومع ذلك استجمع ما تبقّى لديه من قوة، رفع نصل سيفه وترنّح نحو أعدائه.

“إنهم هم،” رفع كينتفيدا رأسه، وقد ارتسمت على وجهه نظرة مريبة. “أرسلوا يطلبون الصبي…”

“أكثر من عشرة من حرس النصل الأبيض كانوا كافين لبثّ الذعر في صفوف قوات الحدود التي نفخر بها.” حرّك الآرشيدوق عنقه ببطء واستنشق هواء فجر مدينة سحب التنين البارد. “كيف استطاع تشارلتون أن يخترق حماية هؤلاء الرجال ليغتال الملك نوڤين؟”

“حيًا.”

ارتجف تاليس وارتعش حين ابتلع جرعة من الهواء البارد.

توقّف لامبارد.

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

واستدار ينظر نحو الجهة التي اختفى فيها تاليس وآيدا، وكأنه غرق في التفكير.

في اللحظة التالية، أمسك بالشقية واندفع جريًا دون أن يلتفت، واختفى جسده عند المنعطف.

“إذًا؟” سأل الأمير بتوجّس.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط