كُفَّ عن التدخّل في شؤون الكبار
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“أسرعا إذًا. بعد هذه الزاوية، امضيا مباشرة وستصلان إلى شارع وست-إكسبرس. في آخر الشارع، سترون الحاجز. لا أنصح بالتوجّه للدوريات؛ لا نعلم ما موقفهم الآن…”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
انساب هواء الصباح البارد عبر الشارع الخالي الضبابي. كانت الشمس تشرق، تبثّ ذلك الضوء الأخضر الشاحب الذي يخصّ الفجر وحده.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
“الخصم قوي للغاية، أليس كذلك؟” قال تاليس شاردًا.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
وبعد بضع ثوانٍ، تنهدت الحارسة الجنية.
الفصل 191: كُفَّ عن التدخّل في شؤون الكبار
“إن تعذّر غير ذلك، اختبئا قليلًا. الآخرون يبحثون عنكما أيضًا، وسيولون اهتمامًا خاصًا بالأطفال… ستكونان آمنين حين تقابلان رالف أو وايا…”
***
لكن تاليس ظلّ أسير صدمة الذكريات التي ابتلعته، غير قادر على الخلاص منها.
(دم…)
“ومات زيرا داركستورم بها.” رفع كاسلان السلاحَ بيده، كاشفًا رأسه الأسود المخيف.
(دمٌ من جديد…)
طقطق!
مدَّ تاليس يده اليمنى المرتجفة ولمس وجهه اللزج. وحين حدّق بالدم على راحته، الذي بدأ يبرد حد التجمد، شعر بأنّ أنفاسه لم تعد له.
حينها، كانت الشقية قد أطبقت عينيها وعانقته وهي تبكي.
“منطقة الدرع مليء برجالهم… الشماليون الحقيرون…”
“ومات زيرا داركستورم بها.” رفع كاسلان السلاحَ بيده، كاشفًا رأسه الأسود المخيف.
دوّى صوت آيدا.
تعانقوا وانطرحوا على الأرض واحدًا تلو الآخر، دون أن ينهضوا ثانية.
بدا كأنه يأتي من مكان بعيد.
تذكّر ليلة سوق الشارع الأحمر.
“اسمع يا فتى، رغم أن الكارثة كانت هناك… بيوتراي أرسل كل مرؤوسيك للبحث عنك؛ ذلك الصبي المتعجرف من عائلة كاسو، وذلك الأبكم المقنّع الذي يلازمك دائمًا، وحتى المخضرم من لواء ضوء النجوم…”
حتى… الآن.
كانت الحارسة الجنية تحمل الأمير الثاني تحت ذراعها وتتقدّم بسرعة. مرّ الركام وقطع الخشب وحتى الجثث أمام بصر تاليس كالبرق.
استدار الآرشيدوق ولوّح بردائه، كاشفًا درعه. وسار بخطوات ثابتة كمقاتلٍ يتقدّم نحو قصر الروح البطولية.
بذل تاليس جهدًا ليتمكّن من التنفّس. التفت ورأى أنّ الشقية تُحمَل تحت ذراع آيدا الأخرى. كانت تقبض على نظّارتها بشدة، مذهولة.
“انشروا الشائعات حسب الخطة. هذا سيمنحنا الوقت.”
“كنتُ الوحيدة التي جاءت تبحث عنك في منطقة الدرع. لم أتوقع شيئًا كهذا. ما أمر هؤلاء الجنود؟ لماذا يهاجمونكما أنت وحرس النصل الأبيض؟”
خفض كينتفيدا رأسه.
(لا…لم يكونوا يهاجمونني أنا وحرس النصل الأبيض)، هكذا فكّر تاليس وهو غارق في دواره.
بأعين متّسعة، تنفّس الحرس دمهم، وبعضهم بسط له ابتسامة مرتاحة.
ظلّت رائحة الدم عالقة في أنفه.
لوّحت آيدا بسيفها المقوّس أربع مرّات سريعة في الهواء.
ذكّرته بالخنادق قرب البيت المهجور، وبداخل مجسّات جيزا؛ الرائحة تكاد تتطابق.
ساد الصمت.
(كانوا يستهدفون الملك نوڤين).
“هناك من يتعقّبنا”، جاء صوت آيدا الهادئ من تحت عباءتها. “حاولتُ التخلّص منه، لكن النتيجة ليست كما أريد.”
“قل شيئًا يا فتى!” قالت آيدا بضيق وهي تستدير عبر زقاق. “ماذا حدث بحق السماء؟”
“بالطبع، جزء من المجد يعود لهذا الشيء…”
(ما…)
بدت آيدا غاضبة قليلًا. رفعت يدها مجددًا تريد ضربه.
(الذي…)
“آه، بلا متعة. أنت سمكة ميّتة مثل مينديس.”
(حدث؟)
عقدت آيدا حاجبيها.
شعر تاليس بالإرهاق والاجتياح. حاول جاهدًا ترتيب ذاكرته الممزّقة.
في تلك اللحظة، شعر تاليس بالحزن…
تذكّر ابتسامة كينتڤيدا؛ وصوت السهام التي كانت تُقذَف من مقابض جنود إقليم الرمال السوداء؛ وتلك الظلال السوداء التي انطلقت نحوه بلا عدد؛ والتنميل والارتجاف الممتدّ من فروة رأسه حتى كتفيه ورقبته.
“سمعتُ أنك أنت من قتل زيرا داركستورم، قاتل البشر؟” قالت بلا مبالاة. “أنت قوي جدًّا، أليس كذلك؟”
حملت آيدا كليهما تحت ذراعيها، وبالأخير خرجوا من أنقاض منطقة الدرع. ظهرت أمامه شوارع نظيفة سليمة، ومنازل بلا ضرر. لم يكن في المكان روح واحدة. كانت أوامر الملك بالإخلاء وحظر التجول ناجعة للغاية.
“قبيلة داركستورم؟ بالطبع.”
تابعت الحارسة الجنية شقّ طريقها في الشوارع التي كانت أفضل حالًا بكثير من تلك التي في منطقة الدرع. استدارت بمهارة في عدة منعطفات، تبحث بلياقة عن طريقٍ مفتوح.
(يا لها من ورطة مقرفة.)
لكن تاليس ظلّ أسير صدمة الذكريات التي ابتلعته، غير قادر على الخلاص منها.
خرج العجوز تمامًا من الظلّ، وظهر وهو يحمل عصًا طويلة.
في لحظة لا تتعدّى طرفة عين، لم يكن لدى الحرّاس الأربعة المتبقّين من حرس النصل الأبيض الوقت حتى لإتمام حركتهم، الحركة التي يركعون فيها ويرفعون دروعهم.
استدار الآرشيدوق لامبارد وحدّق في مستشاره بنظرة غريبة.
بل استداروا ومدّوا أذرعهم من غير تردّد، وركعوا وتعانقوا في دائرة، يحجبون تاليس والشقية بأجسادهم.
“مهلًا، لستُ أكذب!” صاحت الجنية وهي تراقب وضع خصمها وتنفسه بدقة.
تذكّر تاليس نفسه والشقية الصغيرة وهما يعانقان بعضهما البعض من غير وعي، مرتعدين عاجزين، وقد حُجبت الرؤية عنهما تمامًا بأجساد أولئك الحرّاس.
وفي اللحظة التالية، كأن عزمه قد اشتد، جرّ الشقية الصغيرة واندفع راكضًا.
ثم دوّى صوت السهام التي لا تُحصى وهي تمزّق اللحم.
أمام الحصن، حمله آراكا إلى برّ الأمان باندفاعته التي لا تُوقَف.
كان يشبه صوت الجزّار عند باب المدينة الغربية في مدينة النجم الأبدي، وهو يقطع اللحم كل صباح، قطعة بعد قطعة.
ارتجف تاليس وارتعش حين ابتلع جرعة من الهواء البارد.
“انشروا الشائعات حسب الخطة. هذا سيمنحنا الوقت.”
تذكّر وجوه أولئك الحرّاس.
(دمٌ من جديد…)
بينما كانت السهام تمزّق أجسادهم، ارتجفوا بلا توقّف وبهتت وجوههم شيئًا فشيئًا.
“أرسل رسالة إلى الوحدات الأخرى التي تنظّف الفوضى وفق الخطة. تولجا، فلاد، كروُش؛ اطلب منهم الالتحاق بليفان وفيك… ينبغي أنهم أنهوا الاستعداد.” أمر الآرشيدوق ببرود وهو يسير.
تبادلوا النظرات، وكانت نظراتهم تفيض حنقًا واستنكارًا. لكنه تذكّر كيف، في النهاية، هدأت أعينهم كأنهم استسلموا لمصيرهم.
(منذ متى…)
كأنّ المطر والثلج يهوي على أجسادهم لا السهام.
تذكّر ليلة سوق الشارع الأحمر.
وتذكّر تاليس كيف خرجت السهام من أجسادهم، تشقّ الكتفين، والرقاب، والبطون، وتسحب الدم معها.
“أنت.” زفرت الجنية، وقد امتلأت نبرتها بالسخرية والازدراء. “صاحب الحانة.”
بل إن سهمًا واحدًا اخترق رأس أحدهم، وخرج من محجر عينه اليسرى. تطاير الدم الدافئ على وجه تاليس فصبغه بالأحمر.
“لستِ واثقة من النصر، وليس أمامك سوى أن تدعينا نغادر أولًا؟”
وتوقّف رأس السهم الأحمر اللامع أمام عين تاليس اليُمنى مباشرة.
(في ذلك الوقت…لم أكن قد وُلدت بعد.)
حينها، كانت الشقية قد أطبقت عينيها وعانقته وهي تبكي.
دوّى وقع خطوات.
بأعين متّسعة، تنفّس الحرس دمهم، وبعضهم بسط له ابتسامة مرتاحة.
(في ذلك الوقت…لم أكن قد وُلدت بعد.)
تعانقوا وانطرحوا على الأرض واحدًا تلو الآخر، دون أن ينهضوا ثانية.
“تلك المعركة هي أكثر ما أفخر به حتى اليوم.” هز كاسلان رأسه وتقدّم خطوة نحو آيدا.
“عليك أن تنجو، يا مواطن الإمبراطورية.” تذكّر تاليس ذلك الحرّاس الذي قبض على ياقة ثوبه وقال بأسنان مشدودة وبأنفاس تحتضر. “احمها جيدًا… واجعلهم يدفعون الثمن…”
وبعد ثوانٍ، تنفّست بامتعاض وخفضت يدها.
وتذكّر أيضًا ذلك الحارس الأخير، الشاب، وقد نهض وسط جثث رفاقه الثلاثة. خمسة أو ستة سهام مغروزة في جسده، ومع ذلك استجمع ما تبقّى لديه من قوة، رفع نصل سيفه وترنّح نحو أعدائه.
مدَّ تاليس يده اليمنى المرتجفة ولمس وجهه اللزج. وحين حدّق بالدم على راحته، الذي بدأ يبرد حد التجمد، شعر بأنّ أنفاسه لم تعد له.
ضحّى بحياته وشنّ هجومًا أخيرًا، مبثوثًا في صفوف رماة السهام، ناشرًا الفوضى.
“أمر آخر…” قال كينتفيدا بهدوء. “تلقّيت للتو خبرًا بشأن أمير الكوكبة.”
صرخة كينتفيدا الهائجة دوّت بين الجموع.
“فهمت.” أمسك بيد الشقية الصغيرة وقال بصوت مختنق، “سنمضي أولًا وننتظرك هناك.”
تذكّر تاليس كيف أمسك يد الشقية الصغيرة وزحف مبتعدًا عن جثث الحرس.
(عندما اعتليتُ قمة الجبل الواسع البري مع كيرا؟)
تذكّر كيف كان في غيبوبة، وكان على شفا الانهيار، وكيف أطلق الحرس الذين يحرسون ظهره صرخة أخيرة، مليئة بالحزن.
عند سماع ذلك، لم تستطع الشقية، رغم ذهولها، إلا أن ترفع رأسها.
ولم يدرك كيف ظهرت آيدا بين الأنقاض إلى جانبه وانتشلته هو والشقية الصغيرة من ذلك الاضطراب الجارف.
(اذهبا أولًا…)
حتى… الآن.
“لأنه إن لم أفعل… فلن تطمئنّي لفرارنا وحدنا.” قال بصوت منخفض.
بعينين غائمتين وقلبٍ مضطرب، التفت تاليس وحدّق في الشقية الصغيرة المذعورة مثله.
تذكّر كيف كان في غيبوبة، وكان على شفا الانهيار، وكيف أطلق الحرس الذين يحرسون ظهره صرخة أخيرة، مليئة بالحزن.
ومن غير أن يشعر، مدّ يده يمسح الدم عن وجهه مرة أخرى.
“همف.” كانت آيدا، كعادتها، معبّرة. هزّت كتفيها وفتحت ذراعيها في مبالغة ساخرة، تصطنع اللامبالاة.
لكن الدم كان قد جفّ.
ظلّت رائحة الدم عالقة في أنفه.
كان يظنّ أنّ معركة غابة البتولا بلغت من الفظاعة مداها، وأنّ الهروب من الحصار أمام الحصن كان مغازلةً للموت، وأنّ مبارزته مع جيزا بلغت حدّ الصدمة.
أصبحت آيدا في أعلى درجات اليقظة.
لكن…
وتوقّف رأس السهم الأحمر اللامع أمام عين تاليس اليُمنى مباشرة.
في غابة البتولا، انتشلته سيرينا من قلب المعركة.
في غابة البتولا، انتشلته سيرينا من قلب المعركة.
أمام الحصن، حمله آراكا إلى برّ الأمان باندفاعته التي لا تُوقَف.
وأدار الرمح في يده ببطء.
وقبل هذا كلّه، كان تحت حماية السيف الأسود ومهارته، وطاقة الصوفي الغامضة، ونصل التطهير العجيب.
توقّف لامبارد.
لمّا اقترب الدم منه، ومات الحرّاس أمام عينيه واحدًا واحدًا… لما أُبيد حرس النصل الأبيض تمامًا، وتردّدت الصرخات الحزينة والزأرات الغاضبة تباعًا… حينها فقط أدرك تاليس—أدرك حقارة الأمر، ومرارته، وكم إنه امرٌ لا يُحتمل.
في لحظة لا تتعدّى طرفة عين، لم يكن لدى الحرّاس الأربعة المتبقّين من حرس النصل الأبيض الوقت حتى لإتمام حركتهم، الحركة التي يركعون فيها ويرفعون دروعهم.
توقّفت آيدا فجأة، وأنزلت تاليس والفتاة الصغيرة على شارعٍ فارغ نظيف.
حملت آيدا كليهما تحت ذراعيها، وبالأخير خرجوا من أنقاض منطقة الدرع. ظهرت أمامه شوارع نظيفة سليمة، ومنازل بلا ضرر. لم يكن في المكان روح واحدة. كانت أوامر الملك بالإخلاء وحظر التجول ناجعة للغاية.
وقفوا عند زاوية الطريق، لكن آيدا لم تُبدِ أي نيّة للمتابعة.
كأنّ المطر والثلج يهوي على أجسادهم لا السهام.
استدارت الجنية ذات الرداء وحدّقت في الشارع الخالي.
“سمعتُ أنّك عضوٌ كبير في حرس النصل الأبيض.” همست آيدا باستخفاف، مع التشديد على كلمة كبير. “مُزلزل الأرض، صحيح؟”
“ما الأمر؟” قال تاليس، لا يزال في ذهوله، رافعًا رأسه محاولًا لملمة نفسه.
“أما أنت، فكفّ عن التدخّل في شؤون الكبار.” قالت آيدا وهي تروّح لنفسها بغرابة في هذا البرد. “ثم إنك، كأمير، ستكبر يومًا ما. لا يمكنني حمايتك دائمًا.”
“هناك من يتعقّبنا”، جاء صوت آيدا الهادئ من تحت عباءتها. “حاولتُ التخلّص منه، لكن النتيجة ليست كما أريد.”
(لا…لم يكونوا يهاجمونني أنا وحرس النصل الأبيض)، هكذا فكّر تاليس وهو غارق في دواره.
كانت كلماتها سلسة، لكن نبرتها كانت جادّة على نحو غير مسبوق.
(اذهبا أولًا…)
تغيّر وجه تاليس. وعلى الجانب الآخر، خفَضت الفتاة الصغيرة رأسها وحدّقت في نظّارتها المتلطّخة بالدم.
كان الألم النافذ والخَدَر على جلدها يخبرانها بأن العدو شخص لا يرحم.
“إذًا؟” سأل الأمير بتوجّس.
بل إن سهمًا واحدًا اخترق رأس أحدهم، وخرج من محجر عينه اليسرى. تطاير الدم الدافئ على وجه تاليس فصبغه بالأحمر.
“إذًا عليكما أنتما الاثنان المضيّ أولًا.” ربّتت آيدا على كتفه بارتياحٍ مصطنع.
(هذه ليست عصًا.)
“سأذهب للعثور عليه.” كانت راحتها مكسوّة بدماء كثيرة من على جسد تاليس. فركت كفّيها باشمئزاز. “سألحق بكما بعد أن أتخلّص من هذا الذيل.”
لمّا اقترب الدم منه، ومات الحرّاس أمام عينيه واحدًا واحدًا… لما أُبيد حرس النصل الأبيض تمامًا، وتردّدت الصرخات الحزينة والزأرات الغاضبة تباعًا… حينها فقط أدرك تاليس—أدرك حقارة الأمر، ومرارته، وكم إنه امرٌ لا يُحتمل.
تجمّد تاليس.
لوّحت آيدا بسيفها المقوّس أربع مرّات سريعة في الهواء.
(اذهبا أولًا…)
“أكثر من عشرة من حرس النصل الأبيض كانوا كافين لبثّ الذعر في صفوف قوات الحدود التي نفخر بها.” حرّك الآرشيدوق عنقه ببطء واستنشق هواء فجر مدينة سحب التنين البارد. “كيف استطاع تشارلتون أن يخترق حماية هؤلاء الرجال ليغتال الملك نوڤين؟”
تذكّر ليلة سوق الشارع الأحمر.
حدّقت آيدا فيه وهي تميل برأسها باستغراب.
الفتاة ذات النصل المزدوج قالت له الجملة نفسها.
“لأنه إن لم أفعل… فلن تطمئنّي لفرارنا وحدنا.” قال بصوت منخفض.
“الخصم قوي للغاية، أليس كذلك؟” قال تاليس شاردًا.
وبعد بضع ثوانٍ، تنهدت الحارسة الجنية.
“لستِ واثقة من النصر، وليس أمامك سوى أن تدعينا نغادر أولًا؟”
في تلك اللحظة، شعر تاليس بالحزن…
لم تتحرك آيدا تحت العباءة. بدت مدهوشة.
تابعت الحارسة الجنية شقّ طريقها في الشوارع التي كانت أفضل حالًا بكثير من تلك التي في منطقة الدرع. استدارت بمهارة في عدة منعطفات، تبحث بلياقة عن طريقٍ مفتوح.
انساب هواء الصباح البارد عبر الشارع الخالي الضبابي. كانت الشمس تشرق، تبثّ ذلك الضوء الأخضر الشاحب الذي يخصّ الفجر وحده.
بأعين متّسعة، تنفّس الحرس دمهم، وبعضهم بسط له ابتسامة مرتاحة.
بعد لحظات، رفعت آيدا يدها اليمنى فجأة وضربت جبهة تاليس.
وخزته بسبابتها مرّة أخرى.
طقطق!
“أكثر من عشرة من حرس النصل الأبيض كانوا كافين لبثّ الذعر في صفوف قوات الحدود التي نفخر بها.” حرّك الآرشيدوق عنقه ببطء واستنشق هواء فجر مدينة سحب التنين البارد. “كيف استطاع تشارلتون أن يخترق حماية هؤلاء الرجال ليغتال الملك نوڤين؟”
وخزته بسبابتها مرّة أخرى.
لكنها فورًا استدارت. وارتجّ جسدها كله.
لكن هذه المرة، لم يحاول تاليس صدّها. بل تركها تفعلها بصمت.
(الذي…)
“هاه؟” قالت آيدا بدهشة طفيفة. “لماذا لم تحاول منعي هذه المرة؟”
“حيًا.”
شعر تاليس بحرارة الألم على جبينه. هزّ رأسه بوجه متجهّم.
لوّحت آيدا بسيفها المقوّس واتخذت وضعية متراخية على نحو متعمّد.
(كأن هذا الألم وحده ما يثبت أنّني ما زلت حيا…)
(نعم، لم أكذب…باستثناء تفصيلة واحدة.) فكرت آيدا.
“لأنه إن لم أفعل… فلن تطمئنّي لفرارنا وحدنا.” قال بصوت منخفض.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
بدت آيدا غاضبة قليلًا. رفعت يدها مجددًا تريد ضربه.
“الخصم قوي للغاية، أليس كذلك؟” قال تاليس شاردًا.
لكن تاليس لم يتحرك قيد أنملة.
(يا لها من ورطة مقرفة.)
وتوقفت يد آيدا في الهواء.
“عليك أن تنجو، يا مواطن الإمبراطورية.” تذكّر تاليس ذلك الحرّاس الذي قبض على ياقة ثوبه وقال بأسنان مشدودة وبأنفاس تحتضر. “احمها جيدًا… واجعلهم يدفعون الثمن…”
وبعد ثوانٍ، تنفّست بامتعاض وخفضت يدها.
ارتجف تاليس وارتعش حين ابتلع جرعة من الهواء البارد.
“آه، بلا متعة. أنت سمكة ميّتة مثل مينديس.”
صرخة كينتفيدا الهائجة دوّت بين الجموع.
“إذًا الأمر صحيح؟” قال تاليس بشهيق عميق وصوت عميق. “أنّ العدو قوي فعلًا؟”
تذكّر وجوه أولئك الحرّاس.
“همف.” كانت آيدا، كعادتها، معبّرة. هزّت كتفيها وفتحت ذراعيها في مبالغة ساخرة، تصطنع اللامبالاة.
بعينين غائمتين وقلبٍ مضطرب، التفت تاليس وحدّق في الشقية الصغيرة المذعورة مثله.
وهشّت نفسها براحتها. “ما مقدار قوّة شخص متخفٍّ يختبئ في الظلال؟
(اذهبا أولًا…)
“أما أنت، فكفّ عن التدخّل في شؤون الكبار.” قالت آيدا وهي تروّح لنفسها بغرابة في هذا البرد. “ثم إنك، كأمير، ستكبر يومًا ما. لا يمكنني حمايتك دائمًا.”
أطرق تاليس برأسه.
“إن لم تظهر نتيجة خلال أربع ساعات، سيتنبّه رئيس الوزراء ليسبان إلى الخطر. وسيبدأ بجمع قوّاته وربما القوات النظامية لاحتواء الفوضى الناتجة عن اختفاء الملك. لكنه لا يملك أمرًا مباشرًا من الملك، ومع حظر التجول بسبب الكوارث، فلن يتمكن من جمع عدد كبير من المجندين.
“لا تُجهد نفسك بالتفكير”، هبطت نبرة آيدا، وخفضت يدها التي كانت تروّح بها.
وأدار الرمح في يده ببطء.
“هذا امتحان لك… منّي.”
ثم توقّف فجأة.
في تلك اللحظة، شعر تاليس بالحزن…
في اللحظة التالية، أمسك بالشقية واندفع جريًا دون أن يلتفت، واختفى جسده عند المنعطف.
(كأن شيئًا كان عالقًا في صدره…)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“فهمت.” أمسك بيد الشقية الصغيرة وقال بصوت مختنق، “سنمضي أولًا وننتظرك هناك.”
(لا.)
(لقد اعتدتُ هذا منذ زمن… أليس كذلك؟)
وفي اللحظة التالية، كأن عزمه قد اشتد، جرّ الشقية الصغيرة واندفع راكضًا.
عادت نبرة آيدا مشرقة.
لكن تاليس ظلّ أسير صدمة الذكريات التي ابتلعته، غير قادر على الخلاص منها.
“أسرعا إذًا. بعد هذه الزاوية، امضيا مباشرة وستصلان إلى شارع وست-إكسبرس. في آخر الشارع، سترون الحاجز. لا أنصح بالتوجّه للدوريات؛ لا نعلم ما موقفهم الآن…”
“سألحق بكما قريبًا.”
“إن تعذّر غير ذلك، اختبئا قليلًا. الآخرون يبحثون عنكما أيضًا، وسيولون اهتمامًا خاصًا بالأطفال… ستكونان آمنين حين تقابلان رالف أو وايا…”
حدّق كاسلان في آيدا بنظرة باردة لا مبالاة فيها.
“أما أنا…” توقفت لحظة.
“هناك من يتعقّبنا”، جاء صوت آيدا الهادئ من تحت عباءتها. “حاولتُ التخلّص منه، لكن النتيجة ليست كما أريد.”
“سألحق بكما قريبًا.”
“نصف يوم،” تمتم لامبارد بسخرية باردة. “يكفينا.”
أطرق تاليس رأسه دون كلمة.
“هاه؟” قالت آيدا بدهشة طفيفة. “لماذا لم تحاول منعي هذه المرة؟”
وفي اللحظة التالية، كأن عزمه قد اشتد، جرّ الشقية الصغيرة واندفع راكضًا.
“فهمت.” أمسك بيد الشقية الصغيرة وقال بصوت مختنق، “سنمضي أولًا وننتظرك هناك.”
ثم توقّف فجأة.
“فهمت.” أمسك بيد الشقية الصغيرة وقال بصوت مختنق، “سنمضي أولًا وننتظرك هناك.”
حدّقت آيدا فيه وهي تميل برأسها باستغراب.
(حدث؟)
“هيه، آيدا.” استدار تاليس بجهد. “أعلم أنك قد لا تحبين هذا السؤال، لكنني حقًا أريد أن أعرف…”
“دعك من هذا. على الأقل تأكّدنا من موت الملك.” كان وجه الآرشيدوق صارمًا. رفع رأسه وحدّق في أعلى مبنى في مدينة سحب التنين.
وضعت آيدا يديها على خصرها.
“ومات زيرا داركستورم بها.” رفع كاسلان السلاحَ بيده، كاشفًا رأسه الأسود المخيف.
“هل لي أن أعرف ما إذا كنتِ…”
(لا.)
تنفّس تاليس بعمق وقال بجدّية، “صائنة القَسَم، ملكة مينديس الرابع—إحدى جدّاتي الكبرى الكبرى الكبرى…؟”
لدينا أقل من ألفي رجل. وحتى لو استولينا على بوّابة حصينة، لن نصمد لأكثر من نصف يوم.” ختم كينتفيدا بدقة: “علينا خوض معركة خاطفة.”
عند سماع ذلك، لم تستطع الشقية، رغم ذهولها، إلا أن ترفع رأسها.
“تبدين خبيرة جدًّا في شأن الأورك؟” قال كاسلان بصوت غليظ، وقد أبْطأ خطواته.
ساد الصمت.
استنشقت آيدا بعمق، وضعت يدًا على خصرها محاوِلة إظهار اللامبالاة.
لم يكن ممكنًا رؤية ملامح آيدا تحت العباءة.
(يا أمّاه…)
وبعد بضع ثوانٍ، تنهدت الحارسة الجنية.
بل استداروا ومدّوا أذرعهم من غير تردّد، وركعوا وتعانقوا في دائرة، يحجبون تاليس والشقية بأجسادهم.
“هيه، أيها الغِرّ الأحمق.” رفعت آيدا رأسها، فتمكّن تاليس من رؤية ذقنها الناعم شديد البياض على غير العادة.
تذكّر وجوه أولئك الحرّاس.
قالت بنبرة مُحايدة، “كفّ عن التدخّل في شؤون الكبار.”
“سمعتُ أنّك عضوٌ كبير في حرس النصل الأبيض.” همست آيدا باستخفاف، مع التشديد على كلمة كبير. “مُزلزل الأرض، صحيح؟”
تجمّد تاليس لحظة.
لكنها فورًا استدارت. وارتجّ جسدها كله.
ثم ضمّ شفتيه وابتسم ابتسامة قسرية.
بل إن سهمًا واحدًا اخترق رأس أحدهم، وخرج من محجر عينه اليسرى. تطاير الدم الدافئ على وجه تاليس فصبغه بالأحمر.
في اللحظة التالية، أمسك بالشقية واندفع جريًا دون أن يلتفت، واختفى جسده عند المنعطف.
“هذا امتحان لك… منّي.”
حدّقت آيدا في ظلّ تاليس المتلاشي، وأطلقت زفرة حادة.
قاتل الأرواح…)
لكنها فورًا استدارت. وارتجّ جسدها كله.
وأدار الرمح في يده ببطء.
(ذلك الشخص قادم.)
ولم يدرك كيف ظهرت آيدا بين الأنقاض إلى جانبه وانتشلته هو والشقية الصغيرة من ذلك الاضطراب الجارف.
أصبحت آيدا في أعلى درجات اليقظة.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
مسحت بعينيها الشارع الخالي، من المنعطف إلى السطوح، ومن الزقاق إلى الجدران المنخفضة، دون أن تغفل شيئًا.
أمام الحصن، حمله آراكا إلى برّ الأمان باندفاعته التي لا تُوقَف.
(يا لها من ورطة مقرفة.)
“تبدين خبيرة جدًّا في شأن الأورك؟” قال كاسلان بصوت غليظ، وقد أبْطأ خطواته.
كان الألم النافذ والخَدَر على جلدها يخبرانها بأن العدو شخص لا يرحم.
لدينا أقل من ألفي رجل. وحتى لو استولينا على بوّابة حصينة، لن نصمد لأكثر من نصف يوم.” ختم كينتفيدا بدقة: “علينا خوض معركة خاطفة.”
(منذ متى…)
أطرق تاليس برأسه.
(متى كانت آخر مرة واجهت فيها خصمًا بهذه القوة؟)
ثم دوّى صوت السهام التي لا تُحصى وهي تمزّق اللحم.
(عندما اعتليتُ قمة الجبل الواسع البري مع كيرا؟)
“إنهم هم،” رفع كينتفيدا رأسه، وقد ارتسمت على وجهه نظرة مريبة. “أرسلوا يطلبون الصبي…”
“أظهِر نفسك،” قالت آيدا ببرود. “أشعر بوجودك.”
دوّى وقع خطوات.
“كان الأمر أشبه بتقطيع الخضار!”
ظهر من المنعطف جسد طويل ضخم، ووقف أمامها.
“هذا امتحان لك… منّي.”
تشنّجت حدقتا آيدا قليلًا.
ولم يدرك كيف ظهرت آيدا بين الأنقاض إلى جانبه وانتشلته هو والشقية الصغيرة من ذلك الاضطراب الجارف.
“أنت.” زفرت الجنية، وقد امتلأت نبرتها بالسخرية والازدراء. “صاحب الحانة.”
وبعد ثوانٍ، تنفّست بامتعاض وخفضت يدها.
حدّق كاسلان في آيدا بنظرة باردة لا مبالاة فيها.
وضعت آيدا يديها على خصرها.
“سمعتُ أنّك عضوٌ كبير في حرس النصل الأبيض.” همست آيدا باستخفاف، مع التشديد على كلمة كبير. “مُزلزل الأرض، صحيح؟”
“كان الأمر أشبه بتقطيع الخضار!”
“رغم أنّك ترتدين عباءة، أرى أنك جان،” قال كاسلان ببطء. كان صوته شامخًا قاسيًا. “وبحكم كونك كائنًا أبديًا، فلا شك أنك تملكين خبرة أكثر مني.”
استدار الآرشيدوق ولوّح بردائه، كاشفًا درعه. وسار بخطوات ثابتة كمقاتلٍ يتقدّم نحو قصر الروح البطولية.
وقفت آيدا عاجزة عن الرد.
وهشّت نفسها براحتها. “ما مقدار قوّة شخص متخفٍّ يختبئ في الظلال؟
نفخت بضيق، وسحبت سيفها المقوّس الأنيق.
تجمّد تاليس.
“سمعتُ أنك أنت من قتل زيرا داركستورم، قاتل البشر؟” قالت بلا مبالاة. “أنت قوي جدًّا، أليس كذلك؟”
نفخت بضيق، وسحبت سيفها المقوّس الأنيق.
“تلك المعركة هي أكثر ما أفخر به حتى اليوم.” هز كاسلان رأسه وتقدّم خطوة نحو آيدا.
“أول قبيلة واجهها والدي حين قاد الجيوش لمعاونة البشر كانت قبيلة داركستورم.” تمتمت الجنية بازدراء. “حين كان والدي يطيح برؤوسهم…”
“بالطبع، جزء من المجد يعود لهذا الشيء…”
بدت آيدا غاضبة قليلًا. رفعت يدها مجددًا تريد ضربه.
خرج العجوز تمامًا من الظلّ، وظهر وهو يحمل عصًا طويلة.
“إن تعذّر غير ذلك، اختبئا قليلًا. الآخرون يبحثون عنكما أيضًا، وسيولون اهتمامًا خاصًا بالأطفال… ستكونان آمنين حين تقابلان رالف أو وايا…”
(لا.)
وإن امتد الأمر إلى ست ساعات، فلن يعود بالإمكان إخفاء الحقيقة. وستُكشف تحركات رجالنا الذين يفوق عددهم الألف بقليل. يحتاج ليسبان فقط إصدار أمر واحد، فيقود الكونتات الإقطاعيون خارج المدينة—الذين ما زالوا مخلصين لأسرة والتون—جيوشهم إلى داخل المدينة. لن يكون بمقدورنا مواجهتهم وجهًا لوجه. جنودنا أصلاً في حالة عدم استقرار عاطفي. وفي لحظة، سنتلقى هزيمة ساحقة بسبب الخسائر والإرهاق وانهيار الروح المعنوية.
عقدت آيدا حاجبيها.
نفخت بضيق، وسحبت سيفها المقوّس الأنيق.
(هذه ليست عصًا.)
ضحّى بحياته وشنّ هجومًا أخيرًا، مبثوثًا في صفوف رماة السهام، ناشرًا الفوضى.
“لقد كانت يومًا رفيقتي وصديقتي.”
لكن تاليس ظلّ أسير صدمة الذكريات التي ابتلعته، غير قادر على الخلاص منها.
“ومات زيرا داركستورم بها.” رفع كاسلان السلاحَ بيده، كاشفًا رأسه الأسود المخيف.
تشنّجت حدقتا آيدا قليلًا.
ثم قال ببطء، “رمحُ قاتل الأرواح.”
توقّف لامبارد.
تجمّدت آيدا.
(كأن شيئًا كان عالقًا في صدره…)
(روح…
وفي اللحظة التالية، كأن عزمه قد اشتد، جرّ الشقية الصغيرة واندفع راكضًا.
قاتل الأرواح…)
عادت نبرة آيدا مشرقة.
ارتعش وجه الجنية.
لدينا أقل من ألفي رجل. وحتى لو استولينا على بوّابة حصينة، لن نصمد لأكثر من نصف يوم.” ختم كينتفيدا بدقة: “علينا خوض معركة خاطفة.”
وفي اللحظة التالية، أرغمت نفسها على الابتسام.
ظلّت رائحة الدم عالقة في أنفه.
(يا أمّاه…)
وتذكّر تاليس كيف خرجت السهام من أجسادهم، تشقّ الكتفين، والرقاب، والبطون، وتسحب الدم معها.
(يا ابن الـ…!)
“لستِ واثقة من النصر، وليس أمامك سوى أن تدعينا نغادر أولًا؟”
استنشقت آيدا بعمق، وضعت يدًا على خصرها محاوِلة إظهار اللامبالاة.
Arisu-san
“أوه، أوه…
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
بالحديث عن قبيلة داركستورم التي تضرب جذورها في التاريخ، فقد كانت في الماضي قبيلة قوية تملك حقّ المنافسة على العرش.” ضيّقت الجنية عينيها وضحكت ضحكة مصطنعة. ومع اقتراب العجوز أكثر، اتخذت وضعًا قتاليًا دون أن تشعر. “لا بد أنّ الأمر كان شاقًا عليك.”
(حدث؟)
“تبدين خبيرة جدًّا في شأن الأورك؟” قال كاسلان بصوت غليظ، وقد أبْطأ خطواته.
وبعد ثوانٍ، تنفّست بامتعاض وخفضت يدها.
“قبيلة داركستورم؟ بالطبع.”
استدار الآرشيدوق لامبارد وحدّق في مستشاره بنظرة غريبة.
لوّحت آيدا بسيفها المقوّس واتخذت وضعية متراخية على نحو متعمّد.
كينتفيدا وبقية الأتباع قادوا الجنود خلفه.
“أول قبيلة واجهها والدي حين قاد الجيوش لمعاونة البشر كانت قبيلة داركستورم.” تمتمت الجنية بازدراء. “حين كان والدي يطيح برؤوسهم…”
شعر تاليس بالإرهاق والاجتياح. حاول جاهدًا ترتيب ذاكرته الممزّقة.
“كان الأمر أشبه بتقطيع الخضار!”
حملت آيدا كليهما تحت ذراعيها، وبالأخير خرجوا من أنقاض منطقة الدرع. ظهرت أمامه شوارع نظيفة سليمة، ومنازل بلا ضرر. لم يكن في المكان روح واحدة. كانت أوامر الملك بالإخلاء وحظر التجول ناجعة للغاية.
لوّحت آيدا بسيفها المقوّس أربع مرّات سريعة في الهواء.
ارتجف تاليس وارتعش حين ابتلع جرعة من الهواء البارد.
“قطع، قطع، قطع، قطع. رأسين في كل ضربة!” ثرثرت دون توقف.
دوّى وقع خطوات.
توقّف كاسلان عن التقدّم. ضيّق عينيه وهو يحدّق في الجنية التي تلوّح بسيفها.
كان الألم النافذ والخَدَر على جلدها يخبرانها بأن العدو شخص لا يرحم.
وأدار الرمح في يده ببطء.
عقدت آيدا حاجبيها.
“مهلًا، لستُ أكذب!” صاحت الجنية وهي تراقب وضع خصمها وتنفسه بدقة.
بل استداروا ومدّوا أذرعهم من غير تردّد، وركعوا وتعانقوا في دائرة، يحجبون تاليس والشقية بأجسادهم.
(نعم، لم أكذب…باستثناء تفصيلة واحدة.) فكرت آيدا.
حينها، كانت الشقية قد أطبقت عينيها وعانقته وهي تبكي.
(في ذلك الوقت…لم أكن قد وُلدت بعد.)
وبعد بضع ثوانٍ، تنهدت الحارسة الجنية.
***
“لأنه إن لم أفعل… فلن تطمئنّي لفرارنا وحدنا.” قال بصوت منخفض.
وقف لامبارد وسط الأنقاض وقد علا جبينه تجعّد عابس. كان صارمًا صامتًا، كعادته.
خفض لامبارد رأسه وحدّق في الملك، ووضع يده على مقبض سيفه البالي وهو يحمل تعبيرًا معقدًا.
الأرض أمامه كانت مغطاة بالجثث. بعضها لحرس النصل الأبيض، والباقي لجنود إقليم الرمال السوداء. وكان عناصره يذهبون ويجيئون لجمع الجثث وإخلاء المكان.
اجتاز لامبارد حفرة ترابية وقال بحسم: “بحلول التاسعة، أو العاشرة في أقصى تقدير… يجب أن ينتهي كل شيء!”
كان جسد الملك نوڤين البارد يرقد إلى جانب الآرشيدوق، مغطّى بعباءة رماديّة خاصة بحرس النصل الأبيض.
“قطع، قطع، قطع، قطع. رأسين في كل ضربة!” ثرثرت دون توقف.
خفض لامبارد رأسه وحدّق في الملك، ووضع يده على مقبض سيفه البالي وهو يحمل تعبيرًا معقدًا.
تغيّر وجه تاليس. وعلى الجانب الآخر، خفَضت الفتاة الصغيرة رأسها وحدّقت في نظّارتها المتلطّخة بالدم.
“فقدنا ثمانيةً وعشرين رجلاً،” اقترب الفيكونت كينتفيدا من خلف الآرشيدوق وقال بصوت منخفض. “وخمسة عشر أصيبوا بجراح خطيرة تلزمهم الأرض. وأربعة بإصابات طفيفة وما زالوا قادرين على القتال.”
لكنها فورًا استدارت. وارتجّ جسدها كله.
لم يقل لامبارد شيئًا.
حينها، كانت الشقية قد أطبقت عينيها وعانقته وهي تبكي.
“ضحّى حرس النصل الأبيض بأرواحهم لشنّ هجوم انتحاري. لقد أسأنا تقدير قوتهم العسكرية، وأفرطنا في تقدير قوّتنا نحن، في الوقت ذاته،” تنهد كينتفيدا وتابع. “ظهور التنين أرعب الجنود. ولولا أننا درّبناهم وغرسنا العقيدة فيهم طوال السنوات، لأخشى أنهم كانوا سيغيّرون ولاءهم.”
لوّحت آيدا بسيفها المقوّس واتخذت وضعية متراخية على نحو متعمّد.
رفع لامبارد رأسه، محرِّكًا بصره بعيدًا عن الملك، الذي كان أيضًا عمّه.
طقطق!
“أكثر من عشرة من حرس النصل الأبيض كانوا كافين لبثّ الذعر في صفوف قوات الحدود التي نفخر بها.” حرّك الآرشيدوق عنقه ببطء واستنشق هواء فجر مدينة سحب التنين البارد. “كيف استطاع تشارلتون أن يخترق حماية هؤلاء الرجال ليغتال الملك نوڤين؟”
“آه، بلا متعة. أنت سمكة ميّتة مثل مينديس.”
خفض كينتفيدا رأسه.
ظلّت رائحة الدم عالقة في أنفه.
“كما تعلم، إنهم آل تشارلتون.” أومأ الفيكونت باحترام. “ولحسن الحظ، كثير من حرس النصل الأبيض قُتلوا أو جُرحوا أو تاهوا في الفوضى التي سببتها الكوارث.”
أومأ كينتفيدا، وأعطى التعليمات للشخص الذي بجانبه.
“دعك من هذا. على الأقل تأكّدنا من موت الملك.” كان وجه الآرشيدوق صارمًا. رفع رأسه وحدّق في أعلى مبنى في مدينة سحب التنين.
“أكثر من عشرة من حرس النصل الأبيض كانوا كافين لبثّ الذعر في صفوف قوات الحدود التي نفخر بها.” حرّك الآرشيدوق عنقه ببطء واستنشق هواء فجر مدينة سحب التنين البارد. “كيف استطاع تشارلتون أن يخترق حماية هؤلاء الرجال ليغتال الملك نوڤين؟”
“كم تبقى من الوقت؟” قال ببرود، لكن نبرته حملت ثِقل السلطة.
حدّق كاسلان في آيدا بنظرة باردة لا مبالاة فيها.
انحنى كينتفيدا باحترام.
وتذكّر تاليس كيف خرجت السهام من أجسادهم، تشقّ الكتفين، والرقاب، والبطون، وتسحب الدم معها.
“ساعتان على الأكثر،” أجاب بسرعة. “سيشكّ رئيس قاعة الانضباط ورئيس الحامية في الأمر عندما لا يتلقّون ردّ الملك وسيُرسلون رجالًا للبحث عنه في منطقة الدرع. بالطبع، رجال فلاد قادرون على تأخيرهم، كما يستطيع أهل ساحة أجنحة التنين وحتى منطقة الدرع إرباكهم.”
تذكّر وجوه أولئك الحرّاس.
كان كينتفيدا مطّلعًا على كل التفاصيل. وواصل المستشار الرئيسي حديثه:
***
“إن لم تظهر نتيجة خلال أربع ساعات، سيتنبّه رئيس الوزراء ليسبان إلى الخطر. وسيبدأ بجمع قوّاته وربما القوات النظامية لاحتواء الفوضى الناتجة عن اختفاء الملك. لكنه لا يملك أمرًا مباشرًا من الملك، ومع حظر التجول بسبب الكوارث، فلن يتمكن من جمع عدد كبير من المجندين.
(كأن شيئًا كان عالقًا في صدره…)
وإن امتد الأمر إلى ست ساعات، فلن يعود بالإمكان إخفاء الحقيقة. وستُكشف تحركات رجالنا الذين يفوق عددهم الألف بقليل. يحتاج ليسبان فقط إصدار أمر واحد، فيقود الكونتات الإقطاعيون خارج المدينة—الذين ما زالوا مخلصين لأسرة والتون—جيوشهم إلى داخل المدينة. لن يكون بمقدورنا مواجهتهم وجهًا لوجه. جنودنا أصلاً في حالة عدم استقرار عاطفي. وفي لحظة، سنتلقى هزيمة ساحقة بسبب الخسائر والإرهاق وانهيار الروح المعنوية.
بدا كأنه يأتي من مكان بعيد.
لدينا أقل من ألفي رجل. وحتى لو استولينا على بوّابة حصينة، لن نصمد لأكثر من نصف يوم.” ختم كينتفيدا بدقة: “علينا خوض معركة خاطفة.”
وأدار الرمح في يده ببطء.
وقف الآرشيدوق لامبارد تحت السماء الملبّدة بالغيوم وهو يحدّق في ظلّ قصر الروح البطولية. وبقيت ملامحه باردة كالجليد.
توقّف كاسلان عن التقدّم. ضيّق عينيه وهو يحدّق في الجنية التي تلوّح بسيفها.
“نصف يوم،” تمتم لامبارد بسخرية باردة. “يكفينا.”
***
استدار الآرشيدوق ولوّح بردائه، كاشفًا درعه. وسار بخطوات ثابتة كمقاتلٍ يتقدّم نحو قصر الروح البطولية.
“نصف يوم،” تمتم لامبارد بسخرية باردة. “يكفينا.”
كينتفيدا وبقية الأتباع قادوا الجنود خلفه.
وقفت آيدا عاجزة عن الرد.
“أرسل رسالة إلى الوحدات الأخرى التي تنظّف الفوضى وفق الخطة. تولجا، فلاد، كروُش؛ اطلب منهم الالتحاق بليفان وفيك… ينبغي أنهم أنهوا الاستعداد.” أمر الآرشيدوق ببرود وهو يسير.
(دمٌ من جديد…)
“سواء بالسرقة أو بالقوة، يجب أن نستولي على البوّابة بين منطقة الفأس وقصر الروح البطولية قبل الثامنة!”
(لا…لم يكونوا يهاجمونني أنا وحرس النصل الأبيض)، هكذا فكّر تاليس وهو غارق في دواره.
أومأ كينتفيدا باحترام.
نفخت بضيق، وسحبت سيفها المقوّس الأنيق.
“انشروا الشائعات حسب الخطة. هذا سيمنحنا الوقت.”
صرخة كينتفيدا الهائجة دوّت بين الجموع.
اجتاز لامبارد حفرة ترابية وقال بحسم: “بحلول التاسعة، أو العاشرة في أقصى تقدير… يجب أن ينتهي كل شيء!”
لم يكن ممكنًا رؤية ملامح آيدا تحت العباءة.
أومأ كينتفيدا، وأعطى التعليمات للشخص الذي بجانبه.
بأعين متّسعة، تنفّس الحرس دمهم، وبعضهم بسط له ابتسامة مرتاحة.
وبعد ثوانٍ، انطلق رسول الجيش.
بل إن سهمًا واحدًا اخترق رأس أحدهم، وخرج من محجر عينه اليسرى. تطاير الدم الدافئ على وجه تاليس فصبغه بالأحمر.
“أمر آخر…” قال كينتفيدا بهدوء. “تلقّيت للتو خبرًا بشأن أمير الكوكبة.”
كان الألم النافذ والخَدَر على جلدها يخبرانها بأن العدو شخص لا يرحم.
استدار الآرشيدوق لامبارد وحدّق في مستشاره بنظرة غريبة.
ثم دوّى صوت السهام التي لا تُحصى وهي تمزّق اللحم.
“إنهم هم،” رفع كينتفيدا رأسه، وقد ارتسمت على وجهه نظرة مريبة. “أرسلوا يطلبون الصبي…”
انساب هواء الصباح البارد عبر الشارع الخالي الضبابي. كانت الشمس تشرق، تبثّ ذلك الضوء الأخضر الشاحب الذي يخصّ الفجر وحده.
“حيًا.”
“ما الأمر؟” قال تاليس، لا يزال في ذهوله، رافعًا رأسه محاولًا لملمة نفسه.
توقّف لامبارد.
“أمر آخر…” قال كينتفيدا بهدوء. “تلقّيت للتو خبرًا بشأن أمير الكوكبة.”
واستدار ينظر نحو الجهة التي اختفى فيها تاليس وآيدا، وكأنه غرق في التفكير.
(ذلك الشخص قادم.)
ظلّت رائحة الدم عالقة في أنفه.
