▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
Arisu-san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 200: مواجهة
***
حدّقت الجنية بهدوء في عيني كاسلان، وكما حدث مرارًا وتكرارًا، شعرت بالحضور الخافت الذي لا يكاد يُدرك في الهواء.
وبحسب خبرتها، فإنها كانت تلتقط أولًا شذرات مختلطة ومشاهد مبعثرة، تشبه مياه نهر فائضة عكرة محمّلة بالطين والرمل.
وبعد جزء من الثانية، كانت تلك الشذرات المضطربة تتبع إيقاعًا قويًا يعتمد على الحالة النفسية لمن يتمّ قراءة وعيه، ثم تتكتل لتشكل وعياً مميزاً وهادفاً ومنطقياً يتم الحصول عليه عبر “مرشح تنظيمي”.
لقد كانت هذه طريقتها، عبر سنواتٍ لا تُحصى، في قراءة عقول الآخرين بسرعة ودقّة. قوة المحاربين، ضعف الجبناء، خطط الملوك، بطش النبلاء، جشع التجار، وانحلال الكهنة.
وبالطبع، فإن هذه الطريقة التي صمدت أمام الزمن كانت تفشل أحيانًا… ونادرًا.
كما يحدث الآن.
عقدت آيدا حاجبيها قليلًا وهي تراقب كاسلان يلوّح برمحه. الشيء الوحيد الذي استطاعت أن تشعر به كان نوايا قتل، عميقة بلا قرار.
كانت نظرات كاسلان عصيّة على الفهم. لوّح برمحه، تاركًا خلف طرفه أثرًا متلألئًا في الهواء.
ششخ!
ظهر الرمح أمام عيني آيدا.
لم يكن الهواء يشعّ إلا بنية القتل.
فتحت آيدا ذراعيها كطائر. خفّضت ركبتيها، وانثنت بجسدها إلى الخلف، ورفعت رأسها في حركة لا يُصدّق أنها ممكنة.
مرّ طرف الرمح الأسود—رمح قاتل الأرواح—عبر الهواء، فلامس طرفُه ذقنَ آيدا. وفي اللحظة التالية انكمشت حدقتا الجنية الفضّيتين قليلًا، ثم أمالت جسدها بانسياب إلى الجانب وتجنّبت رأس الرمح، قبل أن تعود بجسدها إلى وضعه الأصلي، كقوسٍ عاد فجأة إلى استقامته بعد أن شُدَّ بحدٍّ بالغ.
انبثقت منها روعة آسرة، وشَعرُها الأبيض الساطع يصفع الهواء. حتى جسدها الذي راح ينحني ويتمطّى إلى أقصى حدود قدرته كان مشبعًا بحضور القوة.
تدحرجت إلى الجانب، صانعة مسافة آمنة بينها وبين خصمها. استعاد كاسلان رمحه وراح يحدّق بها ببرود.
تنفّست آيدا بعمق في سرّها. فعلى الرغم من أنّ رمح قاتل الأرواح قد دفعها مرارًا إلى حافة الموت، فإنها من البداية إلى النهاية لم تشعر منه إلا بنية قتل نقية خالصة.
لم يكن في ذهنه—ولا في أفعاله ولا في ملامحه—أدنى أثر لفكرة واحدة. كان مختلفًا تمامًا عن كاسلان الذي عرفته في الماضي.
(حتى الطائر الأكثر غباءً، والحيوان، والحشرة، والزاحف، لا بدّ أن يمتلك قدرًا واضحًا من الوعي وسلسلة واضحة من الأفكار، أليس كذلك؟)
ركزت الجنية نظرتها على طرف رمح خصمها، وأوقفت بحزم شذرات الوعي التي اندفعت إلى إدراكها. لقد علمت أنّها لن تجد سوى نية قتل خالصة طاهرة.
كان هذا رجلًا يملك سيطرة كاملة على وعيه؛ يخلو ذهنه من كل الأفكار والغايات أثناء القتال، مطلقًا نفسه بحرية كاملة، خاضعًا لغريزة القتل. وهذا يُعطّل قدرتها على استخدام قوتها النفسية.
لوّحت آيدا بساطورها بحركة رسمية، ثم عدّلت المسافة بين ساقيها.
(ثمة حالة واحدة فقط يمكن أن تُشكّل محاربًا كهذا)، فكرت آيدا وهي تحدّق بكاسلان الخالي من الانفعال.
إنها ساحة القتال؛ ليست المعارك السريعة التي تتضمن الكمائن والهجمات والمطاردات والإبادات، بل تلك المعارك الدموية العسيرة التي تحصد آلاف الأرواح وتمتد لأيام.
ميادين واسعة، قتال لا ينقطع، تهديدات ومخاطر تتربّص في كل مكان؛ موجات تلو موجات من المجازر، وطبقات فوق طبقات من الخصوم. إن هذا الجحيم المرعب المعذّب قادر على أن يصهر الإنسان العادي فيجعله وحشًا لا يهتم إلا بالقتال والبقاء. وبفعل جنون العطش إلى الدم، يستطيع المحاربون أن يتحولوا إلى آلات قتل لا تُقهر.
كانت آيدا قد عاشت زمنًا طويلًا، وواجهت من قبل خصومًا كهؤلاء. أغمضت عينيها برفق.
(لقد حان الوقت.)
وقت التخلّي عن كل المعارك غير الضرورية والأحمال الزائدة… وخوض معركة بدائية. كما فعل أسلافها.
عادت كلمات شقيقتها الكبرى على ساحة التدريب ترنّ في أذنها بوضوحٍ كما كانت.
“آيدا، عليك أن تتذكّري أنّنا، نحن الجان، نحب الجمال والطبيعة.”
تحت شجرة النور البيضاء الساطعة، كان صوت شقيقتها الكبرى جادًا على نحو غير مألوف، يحمل سلطان الأب. ومع أنها شعرت بوعي والدها قبل مئة عام من ولادتها، فإنها لم تسمع صوته قط بأذنيها.
وضعت شقيقتها الكبرى يديها خلف ظهرها وقالت بنبرة ثابتة للجنية المرتجفة:
“لكنّ الجان ليسوا ضعفاء ولا عاجزين. وعلى الرغم من كوننا هراطقة مملكة الجان القديمة، فإننا أقوى فروع نسلهم.”
“من بين جميع سلالات الجان المتبقية في هذا العالم، نحن ليس فقط الأكثر ميلاً للقتال، بل الأفضل قتالًا… نحن الجان المقدّسون.”
اشتدّت ملامح شقيقتها الكبرى وهي تستدير إلى الجانب… كاشفة عن ثلاثة أسرى مقيّدين.
كان البشر ذوو الآذان المستديرة يرتجفون بعنف وقد استولى عليهم الذعر. أحدهم كان رأسه محلوقًا إلا خصلة في الوسط تشبه عُرف الديك. والثاني كان شعره مدهونًا بطبقة سميكة من الزيت. والثالث أصلع تمامًا. كانوا يثرثرون إلى الجنية بلغتهم البشرية.
كان صاحب العرف قبيحًا جدًّا. أما ذو الزيت فكان أقل قبحًا. وأما الأصلع… يا الهي، بالكاد استطاعت أن تكتم غثيانها.
“آيدا، اتّبعي التقليد.” ما تزال تتذكر كلمات شقيقتها الكبرى، ووجوه الرجال الثلاثة وهم يتخبطون بكل طاقتهم، وابتسامة شقيقتها الباردة. “ارفعي ساطورك، واطرحي رؤوسهم… وأتمّي مراسم بلوغك.”
فتحت آيدا عينيها. لقد سمح لها إرث الجان الاستثنائي بأن تسترجع كل تفصيلة بوضوح تام.
عادت إليها مناورات القتال التي كانت متمرّسة بها—لكنها ضعفت بسبب اعتمادها الطويل على القوة النفسية—وعادت إلى جسدها.
وبالساطور مشدودًا في يدها، انطلقت نحو كاسلان.
…
كان يشعر بعطش شديد، حنجرته تكاد تلتهب. لسانه الجاف يحتك بأسنانه، محدثًا إحساسًا غريبًا يشبه احتكاك قماش خشن بخشب.
كان يلهث وهو ممدّد فوق الرمال الحارقة. يختبئ خلف كثيب كبير ليتفادى التهديدات القاتلة—الشمس، والرمال الملتهبة، والأعداء.
شدّ بقبضته اليمنى على مقبض السيف الذي ورثته عائلته جيلًا بعد جيل؛ كان السيف مغطّى بالغبار والدم.
(متعب جدًّا… مؤلم جدًّا.)
حرّك معصمه المنتفخ المرهق، وشعر بألم حارق في كتفه. عضّ على أسنانه وصمد.
(اللعنة، مطرقة ذلك الهجين الرمادي وسلسلتها كانت مليئة بالنتوءات.)
ومع ذلك، مقارنة بقائده واندا، الذي تفوق قدرته الفئة العليا، فقد كان محظوظًا للغاية.
(لا بدّ أن بعضًا من دماغ القائد ما يزال عالقًا بطرف تلك المطرقة والسلسلة.)
(يا للشفقة على حبيبة القائد، ما تزال تنتظره بقلق عند حصن الجناح. سمعتُ أنّ القائد أنقذها من أيدي قطاع الطرق دون تردّد. يا للأسف…)
زفر في نفسه. ثم عاد الألم.
خفّف قليلًا من درعه المحروق بالشمس، وفتح طوقه المبتل بالعرق والدم.
(مهما كان، ينبغي أن أعالج جراحي)، فكّر.
تدحرجت قارورة في الهواء وسقطت بجانبه، محفورة في الرمل. استدار في حيرة.
“استعمل هذه. خمر شاكا الرديء الذي لا تشربه حتى الضباع. رشوتُ ضابط التموين لأجلها.”
جنديٌ مخضرم، لفافةٌ على عينه اليسرى، كان يستند إلى الكثيب وهو يخرج قدّاحته بيده غير المضمّدة. أشعل السيجارة الملفوفة بين شفتيه بمهارة.
“إنها ليست سيئة إذا استعملتها لغسل الجرح. فقط إيّاك أن تشربها.”
“شكرًا.” استدار بفتور، وبلهاث، تناول القارورة وفتحها بصعوبة.
أخيرًا أشعل المخضرم لفافة التبغ السميكة بين شفتيه، ثم رمى القدّاحة من يده بلا تردّد.
تسرّب الدخان من السيجارة اليدوية. أخذ الجندي المخضرم نفسًا عميقًا وأطلق تنهيدة رضا، ثم مدّ يده الملطخة بالدم واقتلع رأس اللفافة، خالطًا إيّاها بالرمل ودفنها. فبالنسبة للكشّافة ذوي البصر الحادّ كالصقور، فإن أضعف خيط دخان قد يجذب الانتباه.
“ذلك التعبير لا يُستعمل كثيرًا هنا.” دفن الجنديّ المخضرم وجهه في الرمل وزفر في ارتياح نفخة دخانه الوحيدة.
قبض كوهين على أسنانه وهو يحدّق في انعكاس الشمس خلال خمر الشاكا داخل القارورة، ثم لحس شفتيه المتشققتين. قاوم رغبة شديدة في شربها ورفع رأسه ليسأل: “ماذا؟”
“نحن لا نقول شكرًا.” انقلب الجنديّ المخضرم على جنبه ودفع بالمرفق الذي غزا جزءًا من مساحته. ثم أدار رأسه نحو كوهين وقال: “تبدو مبتذلة.”
ألقى كوهين نظرة على القارورة في يده، ثم على الجرح الفظيع في كتفه. تردّد وزفر.
(سينتهي الأمر قريبًا. اصبر.)
“حسنًا.” فتح فمه وانتزع الغطاء بأسنانه. أخذ ثلاثة أنفاس عميقة وتمتم بصوت خافت: “إذًا… لي دَين لك.”
وفي اللحظة التالية، أغمض عينيه بقوة وسكب الخمر على جرحه. كان الألم المحترق في كتفه كأنه لهب متواصل. ارتجف وتفلت منه أنينٌ عالٍ. شعر بغطاء القارورة بين أسنانه يبدأ بالتشوّه.
وأخيرًا انتهى الألم.
يتصبّب عرقًا، بصق غطاء القارورة، وبيدين مرتجفتين مزّق جزءًا من ثيابه. ضمّد جرحه بالطريقة نفسها التي علّمهم إيّاها قائدهم.
راقبه الجنديّ المخضرم من الجانب وابتسم بسخرية.
“هاه، أن أموت مع ابن نبيلٍ نافذ.” ضحك المخضرم وقال بنبرة استهزاء: “ما كنت أظنّ نفسي محظوظًا إلى هذا الحد.”
تجاهل كوهين الجنديّ المخضرم.
منذ اليوم الأول لوصوله إلى معسكر أنياب الشفرة في الصحارى الغربية، وهو يتحمّل هذا النوع من السخرية، بقصد أو بدون قصد.
(اعتدتُ على هذا.)
“أحقًا؟” قالها بفتور وجذب رباط الضماد آخر شدّة.
“ليس غريبًا أنّهم وضعوك في فرقة جيدة رغم أنّك وصلت حديثًا.” حرّك الجنديّ المخضرم يده وزفر. “كان بإمكانك أن تصبح قائدًا، أو على الأقل نقيبًا في غضون سنة أو اثنتين.”
أطلق شخيرًا ساخرًا.
“يا للأسف أنّ حظك ليس حسنًا، أيها المبتدئ.” هزّ رأسه.
شعر كوهين بالانزعاج قليلًا رغم امتنانه للمساعدة قبل قليل.
“لا أحد هنا محظوظًا.” قرّر تغيير الموضوع، فرفع رأسه ونظر إلى الجنود العشرة تقريبًا الذين يستريحون أسفل الكثيب. كان معظمهم مغطّين بالجراح ويبدون في ضيق شديد. “هل هؤلاء فقط من نجا؟”
“بالطبع لا.” بدا على الجنديّ المخضرم شيء من الانزعاج. “بعضهم أُسروا—وهذا مصير أسوأ من الموت. سمعت أن هناك نقصًا في الطعام بين ذوي السلالات المختلطة، ونقصًا في الرجال بين ذوي السلالات العقيمة.”
(الطعام.)
استعاد كوهين صور الجماجم المصفوفة في المخيمات المهجورة، مغروسة في الأرض. غمره الغثيان، لكنه حاول إبعاد ذلك الشعور. “نقص في الرجال؟”
“قبيلة السلالات العقيمة تعاني انكماشًا خطيرًا في عدد السكان، لكن لا تفهمني خطأً”—قال المخضرم باستهزاء—”سيجبرونك على تناول عقار يبقيك صلبًا في الأسفل إلى أن ينتهوا، أو إلى أن تموت. وفي الظروف المعتادة، ستكون قد متّ قبل أن ينتهوا.”
حدّق في نظرة المخضرم الموحية، وزفر. ثم كفّ عن التفكير في الأمر.
“لماذا تجعل الأمور صعبة على نفسك؟” ارتفع صوت المخضرم مجددًا. “لماذا تركت قصرك وحصنك المريح كالأحمق لتسعى إلى الموت هنا؟”
(يا الهي، كم انه امر مزعج.)
فكّر بضيق. لكنه، مهما يكن، فإن المخضرم أعطاه الخمر قبل قليل، ولم يشأ أن يكون فظًا.
بدأ كتفه يتحسّن. خفت بريق عينيه. (حقًا… لماذا جعلت الأمور صعبة على نفسي؟)
في تلك اللحظة، افتقد منزله في تل والا. القلعة العتيقة الممتلئة بالأبواب والأقفال. التي كانت تُستخدم في منع بيع المشروبات الكحولية. القصر الخالي من الروح..
افتقد شقيقتيه الصغيرتين الثرثارتين اللتين لطالما رغب في إمساكهما والدوران بهما ثم رميهما بعيدًا، وذلك الشيخ ذو الملامح الصارمة.
ابتسم بمرارة.
“على الأقل…” زفر وأسند رأسه إلى الرمل الحارق. “أملك هنا حرية اختيار طريقة موتي.”
حدّق الجنديّ المخضرم بكوهين بصمت، ثم ضحك فجأة.
“كان عليك البقاء في قصرك الهانئ.” هزّ المخضرم رأسه. “كل شيء هنا غير عادل بالنسبة لك، أيها المدلّل.”
اشتعلت نفحة من الغيظ في صدره.
استدار وقال بزفرة: “غير عادل؟ ماذا عنك أنت؟ لماذا جئت إلى الصحارى الغربية، إلى هذا الجحيم؟”
تجمّد الجنديّ لوهلة.
“أنا؟ هاه…” ضيّق المخضرم عينيه، كأنه يسترجع ماضيًا بعيدًا. كان صوته متعبًا مُنهَكًا. “لرجلٍ كان يجب أن يموت منذ زمن طويل، فإن المخاطرة بحياتي لمحاربة الهجنة الرمادية… هو العدل الوحيد. لا عدل أعظم منه.”
أصغى كوهين لكلمات المخضرم دون ردّ. وبعد وقت طال، زفر.
“أيها المبتدئ.” قال المخضرم وهو يحدّق في السماء بنبرة باهتة، “تذكّر هذا: لا مجد في ساحة القتال.” زفر ببطء. “هناك فقط حياة وموت.”
“الفضل لا يُمنح لقطع الشطرنج.” تمتم الجنديّ بنظرة شاردة. “بل يُمنح للاعبي الشطرنج.”
شدّ كوهين قبضته على سيفه.
(هذا هو مجد كارابيان. أو على الأقل، مجده الماضي…)
(لقد تجاوزت الساعة الثالثة، ولم تصل التعزيزات بعد. إذًا…)
“متى ستكون المطاردة التالية؟” حدّق في السماء وشعر بموجة من اليأس.
“قريبًا.” قال المخضرم بلا مبالاة. “السلالات الهجينة لا يردعها الحر. سنموت جميعًا هنا.”
وفي اللحظة التالية، ظهر على الأفق ظلّ أسود. كان جسدًا ضخمًا يرتدي درعًا قبيحًا ويحمل مطرقة وسلسلة بدتا مألوفتين جدًا لكوهين.
(مطرقة وسلسلة. تلك المطرقة والسلسلة… ما يزال دماغ القائد عالقًا بهما.)
ارتفع الرعب في قلبه. نصف الرأس المتبقّي على عنق القائد واندا بدا وكأنه يبتسم له.
اندفع ذلك الجسد الهائل نحوهم بخطوات ثقيلة.
دمدم! دمدم! دمدم!
كل خطوة كانت تقذف ذرات من الرمل إلى الأعلى.
لوّح بمطرقته وسلسلته.
حاول كوهين أن ينهض لا إراديًا، فداهمه دوار شديد. شعر بألم حاد في ذراعه اليمنى. وبفعل الغريزة، فتح فمه.
“عـ…” تنفّس هواءً باردًا وصرخ باضطراب: “هجوم!”
“الأوركيّون!” صرخ كوهين كارابيان بغضب وهو ينهض في الظلام رغم الألم المبرّح. صاح بكل ما أوتي من قوة: “السلالات الهجينة الرمادية وصلوا!”
لكن هذه المرة لم يأتِه صراخٌ فجّ ولا شتائم، بل كان هناك فقط صرير الحديد البارد، وصدى صوته…
والألم العنيف الذي لا يتوقف في ذراعه اليمنى.
يلهث في صدمة، يخفق قلب الضابط بقوّة.
لم تكن هناك صحراء. لا شمس حارقة. لا سلالات هجينة رمادية. لا… معارك كهذه.
انتزعته الصدمة من كابوسه. وفجأة أدرك أنه يستنشق رائحة زيت المصابيح الثقيلة بدل الهواء الجاف الخاص بالصحارى.
أدرك حينها أنه ليس على الجبهة الخطرة للصحارى الغربية.
هزّ الضابط رأسه بقوة. يلهث ليُعيد وعيه إلى الحاضر.
(يا إلهي.)
“استيقظ، كوهين. انتبه لذراعك اليمنى…”
كان صوت ميراندا واهيًا ضعيفًا.
تحمّل كوهين الألم الشديد. يتصبّب عرقًا باردًا، وأدرك في ذهول أنّ نصفه العلوي مكبّل بسلسلة حديدية محكمة. حتى أصابعه معقودة داخلها. لم يستطع الحركة أبدًا.
“أين نحن؟”
أدار كوهين رأسه، وكما توقّع، رأى ميراندا مكبّلة بالطريقة نفسها في الزنزانة المقابلة في العتمة الخافتة. صرخ بخوف: “أين كاسلان؟”
“لا أعلم.” ظهر نصف وجه السيّافة شاحبًا مضطربًا. “يبدو أنّ هذا المكان قريب من قصر الروح البطولية.”
“اخرس، أيها مواطن الإمبراطورية.” التفت جنديّ خارج الزنزانة، يرتدي زيّ الدورية، وقال ببرود لكوهين: “كلمة أخرى وسأخلع فكّك.”
التقت ميراندا عيني كوهين وهزّت رأسها قليلًا. كان هناك ما لا يقل عن ستة رجال يحرسون زنزانته.
حرّك الضابط كاحله المربوط أيضًا. استنتج أنّه بلا فرصة.
زفر واتّكأ على الأرض.
وفي تلك اللحظة، على مسافة قليلة، فُتح باب حديديّ ثقيل. تدفّق الضوء من الفتحة.
رفع كوهين رأسه وضيّق عينيه ليتأقلم مع الضوء. دخلت مجموعة جديدة من الجنود، يجرّون خلفهم شخصين صغيرين.
“راقبوهم جيدًا.” قال القائد—وهو فارس مدرّع ذو هيئة طويلة ضخمة—بصرامة للجنود داخل الزنزانة: “هذان من أهم أسرى الآرشيدوق.”
عقد كوهين حاجبيه.
(أهم الأسرى؟)
ثم جاء صوتٌ فتِيّ من الزنزانة المجاورة لكوهين.
“أنت… أنت؟!”
انقذف الفتى المشتبه بانتمائه إلى سيوف الكارثة نحو باب زنزانته بكل ما أوتي من قوة. مرتجفًا متألمًا، صرخ على الطفلين المصدومين بالقدر نفسه.
“الأمير تاليس؟!”
تحت أنظار كوهين المذهول، جِيءَ بالأمير الثاني للكوكبة—الذي التقاه كوهين مرة في قاعة النجوم—إلى الزنزانة، ويداه مقيدتان خلف ظهره. وكانت معه فتاة صغيرة.
مرتبكًا ومصدومًا، رفع الأمير رأسه.
“وايا؟”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
