الرجل في العالم القريب
الرجل في العالم القريب
ولا إلى الأمام.
كان كل ما حوله مظلمًا، لكنه في الوقت نفسه مشرق. خافتًا، ومع ذلك مبهرًا. بدا فارغًا، لكنه أيضًا بدا قادرًا على احتواء كل ما تحت الشمس.
ومع كل خطوة، اقترب من الخطوة الأخيرة التي طالما أرادها.
العشب الأخضر تحت ضوء النجوم، الأمواج أمام الشعاب، النقوش على جدران القصر، الأطلال الغارقة تحت البحر… مشاهد لا حصر لها مرت أمام عينيه.
شاهد الفضاء المظلم العميق الذي يحتوي أسرارًا لا نهاية لها، والذي كان قبل لحظات على بعد خطوة واحدة منه.
توقفت أفكاره للحظة، ثم بدأت تتحرك ببطء.
نسخة أقوى.
لقد كان هنا من قبل.
كان الأمر سحريًا بحق.
وكما حدث في الماضي، نسي بعض الأشياء، لكنه تذكر أشياء أخرى.
شعر بالضيق والانزعاج.
نسي الأمور الثانوية وغير المهمة، تلك الأشياء المرهقة التي لا قيمة لها.
لكن كلما حاول النظر إليها، لم ير شيئًا.
وتذكر الأشياء السحرية والحقيقية والمهمة.
لكن ذلك لم يكن مهمًا، ولذلك لم يهتم به، تمامًا كما لم يهتم ببقية الأمور التافهة.
لكن ذلك لم يكن الأهم.
«الظلاميون؟
المهم أنه كان هنا.
«أنا… أنا…»
هو.
«الأمر ليس هكذا!»
ومع دوران أفكاره ببطء، انكشف كل شيء أمامه بلا حجب.
ومع كل خطوة، اقترب من الخطوة الأخيرة التي طالما أرادها.
رأى نهاية العالم، وقوة الطبيعة، والشمس الحارقة، والتيارات الخفية، والسكون الذي يشبه الموت.
ولا يهبط.
كان الشعور مريحًا للغاية.
طريق.
محررًا للغاية.
وكان أصحابها حائرين مثله تمامًا.
كأنه تخلص من كل تحفظاته، وكسر جميع قيوده، وألقى كل الأعباء عن قلبه.
بدأ ضوء فضي متدفق يتسرب من جسده شيئًا فشيئًا، كوهج يراعات خافتة.
لم تكن هناك جاذبية.
تردد صوت الرجل مرة أخرى.
ولا زمن.
«وماذا يعني العالم بالنسبة إليك؟»
ولا أي شيء آخر.
هو.
لم يعد هناك ما يستطيع تقييد أفكاره.
وصل صوت مكتوم.
لم يوجد هنا سواه، كحصان جامح يركض بلا قيود، أو طائر يحلق في قبة السماء الزرقاء، أو سمكة في أعماق البحر تسبح وحيدة بحرية.
لا.
كان يتجول في هذا العالم بلا قيود.
ظهر صوت بارد ومنعزل.
كان في كل مكان.
«ما الذي يحدث بحق الجحيم؟»
ولم يكن عليه أن يقلق بشأن أي شيء.
«وماذا يعني العالم بالنسبة إليك؟»
ثم…
«ماذا؟»
أصبح هو العالم نفسه.
أن يدخل الضباب والضوء الأبيض.
«العالـ… م…»
بدا الرجل وكأنه يدرسه بعناية لبعض الوقت.
مر شعور خفيف بعدم الارتياح في ذهنه.
ومتسرعًا بعض الشيء، كصوت فتى لم ينضج بعد.
لكن ذلك لم يكن مهمًا، ولذلك لم يهتم به، تمامًا كما لم يهتم ببقية الأمور التافهة.
ظلام.
إلا أن هناك شعورًا واحدًا ظل متعلقًا به بعناد.
هيئة بشرية ضبابية، داكنة، عديمة اللون وغريبة مثل كل شيء في هذا المكان.
اندفاع.
«ما هذا المكان بحق الجحيم؟»
لم يكن هذا كافيًا.
ثم الخوف والارتباك من فقدان كل شيء.
ظهر ذلك الاندفاع فجأة، ولم يعد من الممكن إيقافه.
«ولماذا أشعر بالقلق عندما أفكر فيه؟»
«ليس كافيًا.»
أصبح هو العالم نفسه.
ظهر انزعاج طفيف في قلبه.
تدفقت تلك الأشعة اللامعة كالماء الجاري، تتلألأ بخفة.
«ليس كافيًا على الإطلاق!»
اجتاحت هذه المشاعر عقله دفعة واحدة.
أراد المزيد.
لم يكن أمامه سوى النظر إلى الأعلى بيأس.
أراد أن يعرف أكثر.
نظر تاليس حوله دون وعي.
أن يفهم أكثر.
سأل نفسه وهو مشوش.
أن يحصل على المزيد!
ومع دوران أفكاره ببطء، انكشف كل شيء أمامه بلا حجب.
ومع ظهور هذه الفكرة…
كأن ستارًا مائيًا كثيفًا وثقيلًا يغطي كل شيء.
بدأ يصعد.
كان في كل مكان.
كان الأمر سحريًا بحق.
«مرشد…»
كأنه شمس تشرق في الصباح، تحمل معها ضوءًا وحرارة لا حدود لهما بينما ترتفع في سماء لا نهاية لها.
«فشلت خطتهما.»
أعلى فأعلى.
«ما هو العالم…؟»
أسرع فأسرع.
ومع دوران أفكاره ببطء، انكشف كل شيء أمامه بلا حجب.
وكل ما كان يراه ويشمه ويراقبه ويشعر به… ازداد.
وأصبحت النظرات الموجودة في الظلام أكثر حدة.
تدفقت الأحاسيس إليه بوتيرة أسرع وأسرع، حتى ظهرت عند أطراف إدراكه مساحة عميقة لا نهاية لها.
لكنه لم ير سوى الفضاء الضبابي نفسه.
ظلام.
واقترب الضباب.
سكون.
أصبح هو العالم نفسه.
وحزن.
لو كانت له ذراعان، لمدهما بكل قوته نحو الضباب داخل الفضاء العميق.
كانت جميلة وساحرة إلى درجة تعجز الكلمات عن وصفها.
«أين كنت؟»
كأنها مركز كل شيء في الوجود.
كأن شخصًا حفر ثقبًا صغيرًا في طبقة جليد متجمدة، وسمح له أخيرًا بالتنفس.
سُحر بها.
«زنزانة.»
لكنها لم تكن أكثر ما جذبه.
ثم ظهر صوت البطة مجددًا:
في تلك اللحظة، رأى ضبابًا داخل ذلك الفضاء العميق.
كان ضائعًا تمامًا.
كان رماديًا باهتًا وضبابيًا، يحجب أشياء كثيرة عن الرؤية.
«مهلًا يا أسدا؟ السيد ساكيرن؟ ماذا بك؟ ألست المعلم هنا؟ هل الصوفيون يسرحون بأفكارهم أيضًا؟
لكن أشعة بيضاء مبهرة لا حصر لها اخترقت الضباب.
ورغم أنه كان لا يزال حائرًا، ولا تزال ذاكرته مليئة بالفراغات…
تدفقت تلك الأشعة اللامعة كالماء الجاري، تتلألأ بخفة.
كأن الضباب يناديه.
«ما هذا؟»
الهلع.
ما إن ظهرت الفكرة في ذهنه، حتى تحرك الضباب الذي يخترقه الضوء الأبيض.
«مرشد…»
كأنه يمتلك حياة خاصة به.
لم يكن ذلك منذ زمن بعيد.
وبدأ ينتشر نحوه.
ومتسرعًا بعض الشيء، كصوت فتى لم ينضج بعد.
«غريب.»
ازداد ظهور ذلك الصوت البغيض والجاهل والمتعجرف الشبيه بالبطة في ذهنه.
راقب الضباب داخل الفضاء المظلم العميق، وشعر بأن المسافة بينهما تتقلص ببطء.
«لكن كيف أصل إليه؟»
«لماذا…
أو جلس في قارب صغير جرفته تيارات عنيفة.
«لماذا أشعر بأنه قريب مني إلى هذه الدرجة؟»
«تحت الأرض…
كأن الضباب يناديه.
شعر كأنه ركب عربة خيول تزداد سرعتها بلا توقف.
وبينما شاهده يتحرك ويتدفق مقتربًا منه، تحركت في داخله مشاعر خافتة.
ذلك الضوء الأبيض الغريب المتدفق من جسده حمله، ثم دفعه نحو الطريق المصنوع من الضوء الفضي.
أراد…
واختفى الضباب.
أن يعبر طبقة الضوء الأبيض.
الأرض تحولت إلى ذرات تربة.
أن يدخل ذلك الضباب.
وقف خلف تاليس بلا حركة.
وأن يكتشف ما يوجد بداخله.
أراد أن يضحك.
وما إن ظهرت هذه الفكرة، حتى شعر وكأن ملايين النمل تزحف داخل قلبه.
والاختناق.
لم يستطع مقاومة الرغبة في الاقتراب.
شعر بالضيق والانزعاج.
أن يغوص في الظلام.
قال بهدوء:
أن يدخل الضباب والضوء الأبيض.
بدأ ضوء فضي متدفق يتسرب من جسده شيئًا فشيئًا، كوهج يراعات خافتة.
شعر وكأن أعظم جائزة يمكن أن يحصل عليها موجودة هناك.
«عندما كنت على وشك طرق الباب، أعادتك تلك المعرفة على عجل، ومنعتك من فقدان ذاتك والسقوط في حالة لن تتمكن من تحرير نفسك منها.»
عاد ذلك الشعور السحري.
وبالنسبة إليه، كان كصاعقة رعد انفجرت في ليلة هادئة.
وكلما اقترب من الضباب، أصبحت حواسه تجاه العالم أكثر وضوحًا، وأصبح أكثر يقينًا من مشاعره.
«من هو السيف الأسود؟
خفض نظره.
أو صعد فوق سحابة بدأت تتفكك.
فاكتشف أن كل ما رآه سابقًا قد تغير.
«أو يسقطوا إلى الأسفل، ويغادروا العتبة والعالم القريب، ثم يعودوا إلى أجسادهم المادية…»
أصبح يرى الأشياء على مستوى أدق بكثير.
ومع ظهور هذا الحوار الغريب في ذهنه، شعر بالتوتر.
البحر تحول في عينيه إلى قطرات ماء.
وفجأة، أدرك أنه لم يعد يستطيع التحكم في اتجاهه.
الغابات أصبحت عروقًا داخل أوراق الشجر.
«ولماذا أشعر بالقلق عندما أفكر فيه؟»
الأرض تحولت إلى ذرات تربة.
«اللعنة.
والكائنات الحية ظهرت أمامه كوجود قائم بذاته.
«إنه كأنه…
وكأن العالم، بأمر منه، أعاد تقديم نفسه أمامه بطريقة جديدة تمامًا.
«وأين مدينة سحب التنين؟
اقترب الفضاء العميق أكثر.
ولا زمن.
واقترب الضباب.
«لا تتوقف!»
أما هو…
ابتعد الظلام في مجال رؤيته.
فأصبح أكثر…
«ما هذا المكان بحق الجحيم؟»
كمالًا؟
حدق تاليس في طريق ضوء النجوم بذهول.
أراد أن يضحك.
لم يكن من الممكن تمييزها إلا من خلال حدودها الخارجية.
لكنه اكتشف أن الضحك لم يعد قادرًا على التعبير عن شعوره.
بدأ يصعد.
أراد أن يتنهد.
لم يعد أي شيء آخر مهمًا!
لكنه تجاوز منذ زمن حدود تلك المشاعر.
ثم مرة أخرى:
بل أراد أن يفتح ذراعيه…
أن ذكرياته بدأت تعود.
لكن الجسد نفسه لم يعد مهمًا هنا.
«فقط عندها يصبح له معنى بالنسبة إلينا.»
أراد ذلك.
كان الشعور مريحًا للغاية.
أراد الوصول إليه.
«اللعنة… ما هو طريق الظلال أصلًا؟
وفي الفضاء المظلم العميق، انفتحت عدة أزواج من العيون.
لكن الجسد نفسه لم يعد مهمًا هنا.
وجهت أنظارها إليه من بعيد.
«زنزانة.»
راقبته وهو يواصل تقدمه.
…
لكن…
وبدأ ينتشر نحوه.
هذا لا يهم، أليس كذلك؟
ثم الخوف والارتباك من فقدان كل شيء.
في تلك اللحظة، لم يعد يرى سوى الضباب في ذلك الفضاء العميق.
انعدام الوزن.
أراد فقط أن يزيحه ويدخل.
هيئة بشرية ضبابية، داكنة، عديمة اللون وغريبة مثل كل شيء في هذا المكان.
لم يعد أي شيء آخر مهمًا!
«كان يمكن أن يصبح معلمًا جيدًا.
اقترب أكثر فأكثر.
وبدأ القلق يتصاعد داخله.
بدا الفضاء العميق أكثر واقعية.
كان لا يزال يريد…
وبدا الضباب أكثر ألفة.
«انتظر.»
كان متأكدًا أنه أصبح قريبًا جدًا.
سمع رنينًا خفيفًا.
إذا استطاع الوصول إليه واكتشافه…
وفي اللحظة التالية…
فسيصبح أكثر كمالًا.
«لماذا…
قريب جدًا.
وبدأ القلق يتصاعد داخله.
قريبًا…
كان رماديًا باهتًا وضبابيًا، يحجب أشياء كثيرة عن الرؤية.
«هاها.»
«تفوقت إنجازاته حتى على كثير من السحرة المؤهلين.
كان يجب أن يأتي إلى هنا منذ وقت طويل، أليس كذلك؟
«ما أعطاك إياه كان مناسبًا تمامًا.
لماذا استغرق كل هذا الوقت؟
وشعر كأن شرنقة داخل قلبه بدأت تتشقق ببطء.
كان يجب أن يدخل ذلك الفضاء المظلم العميق منذ زمن.
لكنه اكتشف أن الضحك لم يعد قادرًا على التعبير عن شعوره.
أن يزيح الضباب وسط الضوء.
أراد…
وأن يواجه نسخة أفضل من نفسه.
«لا!
نسخة أقوى.
«أستطيع أن أرى أن أسدا علّمك جيدًا.»
أسمى.
«صوفيون؟
أكثر قدرة على كل شيء.
«ما هي… الآلهة؟»
وأكثر كمالًا!
الدوار.
كان يقترب من الفضاء العميق.
ثم أدرك فجأة أنه لا يستطيع حتى رؤية جسده.
وأصبحت النظرات الموجودة في الظلام أكثر حدة.
قال تاليس بحدة، محاولًا كبت قلقه:
لكنه لم يهتم.
ازدادت سرعته نحو الفضاء العميق.
في تلك اللحظة، انفجرت في قلبه مشاعر الجنون والسعادة والاندفاع والمتعة التي طال انتظارها.
«لكنني أدركت فجأة أن العالم الذي نعيش فيه ونعرفه ليس مادة بلا روح، ولا مفهومًا كئيبًا ومحايدًا.
كأن أفكاره المبعثرة والضائعة وجدت أخيرًا مركزها.
ظهر بوضوح في ذهنه.
ازدادت سرعته نحو الفضاء العميق.
أسمى.
كأن أمنياته تتحقق واحدة تلو الأخرى.
«الفتاتان… غاضبتان جدًا.»
ومع كل خطوة، اقترب من الخطوة الأخيرة التي طالما أرادها.
لا يعرف.
وكأن كل ما حدث له حتى الآن…
عقد تاليس حاجبيه بشدة.
وكل سبب وجوده هنا…
«وأين هي أصلًا…؟»
كان من أجل هذه اللحظة تحديدًا!
وفي الفضاء المظلم العميق، انفتحت عدة أزواج من العيون.
ألم يمر بمثل هذه اللحظة السحرية من قبل؟
«لا تتوقف.
لم يكن ذلك منذ زمن بعيد.
استيقظ تاليس فجأة من ذلك العالم الغريب!
كان في حالة لم يرغب في مغادرتها.
وبعد لحظات، انتشرت الأضواء الفضية كضوء النجوم، ثم تجمعت لتصنع خطًا مشرقًا يمتد عبر الفضاء نحو مكان بعيد.
وكان يمتلك قوة تجعله فوق كل شيء.
توقف الصوت قليلًا.
شعر وكأنه إله كل العوالم.
فزع تاليس!
إله كل شيء في الكون.
«لكن للأسف…»
الكائن الأسمى—
أن يعبر طبقة الضوء الأبيض.
«إله…»
وبدا كأنه يتنهد بعجز.
فجأة، ظهر صوت رجل مألوف بشكل غامض من أعماق قلبه.
كأن أمنياته تتحقق واحدة تلو الأخرى.
كان صوته رشيقًا، راضيًا، ومسترخيًا.
«إذن من أنت بالضبط؟
لكن ما حدث بعد ذلك كان كأن دلوًا من الماء المتجمد صُب فوق رأسه!
«أين كنت؟»
توقف.
في اللحظة التي سمع فيها تلك الهمسة الغريبة…
وكان على وشك الوصول إلى هدفه.
نظر حوله فورًا بحثًا عن مصدر الصوت.
لكن الفضاء العميق والضباب اللذين كان يشعر قبل لحظة أنهما في متناول يده…
«من أنت؟»
ابتعدا فجأة.
ولا يتحرك إلى الخلف.
عادت المسافة بينه وبينهما كالمسافة بين السماء والأرض.
كأن أفكاره المبعثرة والضائعة وجدت أخيرًا مركزها.
«لا.»
عدم الفهم.
تنهد بخيبة أمل في داخله.
ظل صوته باردًا.
«لا.
«عندما تفكر في الآلهة، ما أول شيء يخطر في بالك؟»
«لا تتوقف.
واستمر الصوت:
«لا تتوقف!»
كان متأكدًا أنه أصبح قريبًا جدًا.
كان لا يزال يريد…
الحيرة.
يريد بشدة…
يشبه صوت بطة.
لو كانت له ذراعان، لمدهما بكل قوته نحو الضباب داخل الفضاء العميق.
«الأمر ليس هكذا!»
«ما هي… الآلهة؟»
راقب الضباب داخل الفضاء المظلم العميق، وشعر بأن المسافة بينهما تتقلص ببطء.
تردد صوت الرجل مرة أخرى.
«ليس كافيًا على الإطلاق!»
كان كصوت روح بعيدة.
«لا!
بالكاد يمكن سماعه.
«لكن كيف أصل إليه؟»
يظهر أحيانًا، ويختفي أحيانًا أخرى.
بدأت كلمات أكثر فأكثر تغزو أفكاره.
تجمد قليلًا وهو يحاول «مد يده» بكل قوته.
تردد صوت الرجل مرة أخرى.
«مـ… ماذا؟»
كان كأنه يهوي من السماء.
وفجأة، شعر بالخوف.
«حتى يومنا هذا، عدد قليل جدًا من الصوفيين استطاع البقاء هنا.»
خوف ظهر من العدم وتركه ضائعًا.
لم يعد هناك ما يستطيع تقييد أفكاره.
«العالم…»
الحيرة.
عاد ذلك الصوت الرشيق يتردد في ذهنه، كأنه يحدث نفسه.
اهتز ذهنه.
«ما هو العالم…؟»
وبينما شاهده يتحرك ويتدفق مقتربًا منه، تحركت في داخله مشاعر خافتة.
وفي تلك اللحظة…
«إذا تقدمت خطوة أخرى، فستصل إلى الحالة التي يتوجب عليك فيها طرق الباب، وستدخل هيئتك الأساسية.»
شعر وكأن ضربة هائلة أصابته!
«ولماذا يبدو مألوفًا؟
اهتز مجال رؤيته بعنف.
هيئة بشرية ضبابية، داكنة، عديمة اللون وغريبة مثل كل شيء في هذا المكان.
وتحطمت حواسه دفعة واحدة.
لم يكن من الممكن تمييزها إلا من خلال حدودها الخارجية.
المشاهد التي كانت تمر أمامه بسرعة، والقوة المطلقة التي سمحت له بمعرفة كل شيء…
تنهد بخيبة أمل في داخله.
اختفت فجأة!
أراد الوصول إليه.
حتى الفضاء المظلم العميق البعيد أصبح ضبابيًا.
«إذن من أنت بالضبط؟
أما النظرات الموجهة إليه من داخله، فقد امتلأت بالحيرة بسبب تصرفه الغريب.
لكن ذلك لم يكن مهمًا، ولذلك لم يهتم به، تمامًا كما لم يهتم ببقية الأمور التافهة.
وكان أصحابها حائرين مثله تمامًا.
«أنا…
«ما هذا؟»
ظل صوته باردًا.
الحيرة.
عاد ذلك الشعور السحري.
عدم الفهم.
وجهت أنظارها إليه من بعيد.
الإحباط.
لكنه لم يستطع التذكر.
شعور غريب بأن هناك شيئًا خاطئًا.
وكان أصحابها حائرين مثله تمامًا.
إحساس مألوف وكأنه عاش هذا من قبل.
لم يكن أمامه سوى النظر إلى الأعلى بيأس.
ثم الخوف والارتباك من فقدان كل شيء.
أما الآن، فكان يهوي كجبل جليدي انهار دفعة واحدة.
اجتاحت هذه المشاعر عقله دفعة واحدة.
وعبر به الفضاء الضبابي.
«إله.
ولا إلى الأمام.
«سيّد.
وجهت أنظارها إليه من بعيد.
«عالم.
«اللعنة… ما هو طريق الظلال أصلًا؟
«كل الأشياء.»
كان يفترض أن يكون…
بدأت كلمات أكثر فأكثر تغزو أفكاره.
ازدادت الأصوات التي تصل إليه.
«ما هذه الأشياء أصلًا…؟
«هاها.»
«لماذا تبدو مألوفة؟»
«لا.
شعر بالضيق والانزعاج.
صمت لحظة، ثم أنزل نظره عن أطراف ذلك الفضاء.
ثم…
كمالًا؟
«عندما تفكر في الآلهة، ما أول شيء يخطر في بالك؟»
تدفقت الأحاسيس إليه بوتيرة أسرع وأسرع، حتى ظهرت عند أطراف إدراكه مساحة عميقة لا نهاية لها.
ذلك الصوت مجددًا.
«لماذا أشعر بأنه قريب مني إلى هذه الدرجة؟»
ظهر بوضوح في ذهنه.
«هاها.»
وبالنسبة إليه، كان كصاعقة رعد انفجرت في ليلة هادئة.
وفجأة أدرك…
في تلك اللحظة، خمد سيل أفكاره الجامح.
لم يعد أي شيء آخر مهمًا!
«آه!»
المشاهد التي كانت تمر أمامه بسرعة، والقوة المطلقة التي سمحت له بمعرفة كل شيء…
لو كان يملك صوتًا، لصرخ بالتأكيد.
خفق قلب تاليس بقوة.
«ما هو الإله؟»
بدأ يلهث بقوة.
لم يكن يعرف.
«كل هذا…؟»
لكن صوتًا آخر في ذهنه قدم الإجابة بهدوء:
نظر تاليس حوله، لكنه لم يتعرف على أي شيء.
«إنه وجود لا يتوافق معنا، ويقف بعيدًا عنا.»
بدأ يصعد.
كان ذلك الصوت خشنًا وجافًا قليلًا.
وأصبحت النظرات الموجودة في الظلام أكثر حدة.
يشبه صوت بطة.
بدا الرجل وكأنه يدرسه بعناية لبعض الوقت.
ومتسرعًا بعض الشيء، كصوت فتى لم ينضج بعد.
هز الرجل رأسه ببطء.
ومع ظهور هذا الحوار الغريب في ذهنه، شعر بالتوتر.
الرجل في العالم القريب
«لا!
«كان أسدا أكثر المتدربين السحرة موهبةً وامتلاكًا للمستقبل، وتتلمذ على يد السيد غوغول الشهير.»
«الأمر ليس هكذا!»
هيئة بشرية ضبابية، داكنة، عديمة اللون وغريبة مثل كل شيء في هذا المكان.
الإله الذي كان يتخيله في هذه الحالة…
توقف سقوطه فورًا.
كان يفترض أن يكون…
«مغطى بالموزاييك.»
«خالقًا رحيمًا؟ أمم… أم كائنًا باردًا يعرف كل شيء ويقدر على كل شيء؟ هاها، لا شيء. كنت أفكر فقط… حسنًا، إلهة الغروب تبدو باردة فعلًا، أما القمر المشرق…»
لم يستطع فعل أي شيء.
ثم ظهر صوت البطة مجددًا:
ولم تعد حائرة.
«ربما الشخص الذي يتحكم بالدمى يراقبنا بهدوء؟ بالمناسبة، لدي سؤال: هل بقية الصوفيين يحبون التلصص على الناس مثلك… أحم، أقصد المراقبة سرًا؟»
وكأن كل ما حدث له حتى الآن…
ثم مرة أخرى:
ثم…
«هل يمكن أن يكونوا كائنات متطورة من عالم آخر؟ حسنًا يا أسدا، هل أنت متأكد أن بشرًا محليين أنجبوك؟ أعني، ربما في أحد الأيام خرجت والدتك للتنزه وصادفت طبقًا طائرًا، وكان بداخله شخص وسيم مثلك… آآآه! أخطأت يا معلمي… أخ، هـ-هواء، أحتاج هواء…»
اجتاحت هذه المشاعر عقله دفعة واحدة.
ثم:
وكل ما كان يراه ويشمه ويراقبه ويشعر به… ازداد.
«ربما قصدت كاهنات القمر المشرق أن الإلهة تستجيب أحيانًا لدعوات البشر وأحيانًا لا. وهذا جعلني أفكر: ماذا لو كانت الآلهة مجموعة علماء يجرون تجربة؟
في تلك اللحظة، رأى ضبابًا داخل ذلك الفضاء العميق.
«ربما يرتدون ملابس بيضاء ويزرعون عينات مثلنا في أطباق مختبرية، ثم يقفون فوقها ويتناقشون في مؤامرات مرعبة مثل: “ماذا سنتناول على الغداء اليوم؟”…»
«لا.»
ازداد ظهور ذلك الصوت البغيض والجاهل والمتعجرف الشبيه بالبطة في ذهنه.
صمت الرجل للحظة.
«الإله…
وكان أصحابها حائرين مثله تمامًا.
«ما هو الإله؟»
«هذا…»
ارتجف قليلًا.
فزع تاليس!
ثم أدرك برعب أنه…
«وكان برج الروح سيفتخر به…
لا يعرف.
«لماذا أعرف هذه الأشياء؟
وكان هذا الإدراك كأن الحصان الذي يمتطيه فقد توازنه على حافة جرف، وأسقطه مباشرة في هاوية عميقة.
كأن الضباب يناديه.
لكن الحوار لم ينتهِ.
لكنه لم يهتم.
«وماذا يعني العالم بالنسبة إليك؟»
«لماذا أشعر بأنه قريب مني إلى هذه الدرجة؟»
…
آلم رأس تاليس مجددًا.
ازدادت الأصوات التي تصل إليه.
«إله.
أصبحت أكثر تكرارًا، وأكثر اختلاطًا.
وأخيرًا، توقف تاليس داخل مساحة خافتة وهادئة وعديمة اللون.
الصوت الرجولي الأنيق وصوت البطة العصبي تبادلا الحديث باستمرار.
«لا.»
أما هو…
شعر وكأنه إله كل العوالم.
فلم يكن بخير.
عند هذه النقطة، أصبح صوت الهيئة الضبابية أكثر جدية.
شعر كأنه ركب عربة خيول تزداد سرعتها بلا توقف.
ثم أصبح مشرقًا.
أو صعد فوق سحابة بدأت تتفكك.
سُحر بها.
أو جلس في قارب صغير جرفته تيارات عنيفة.
أن يغوص في الظلام.
وفجأة، أدرك أنه لم يعد يستطيع التحكم في اتجاهه.
«ما اسمك الأصلي؟
واختفى ذلك الشعور بالإنجاز والسيطرة على العالم وكل ما فيه.
هذا الشيء الوحيد الذي استطاع الإحساس به.
ابتعد الظلام في مجال رؤيته.
والكائنات الحية ظهرت أمامه كوجود قائم بذاته.
واختفى الضباب.
كان كصوت روح بعيدة.
كان يسقط.
«ولو استمر أسدا في طريقه، فربما أصبح سيدًا يومًا ما.
أدرك ذلك برعب.
كان هناك قلق لا يمكن تفسيره يعذبه باستمرار.
قبل قليل كان يصعد كالشمس المشرقة.
فجأة، ظهر صوت رجل مألوف بشكل غامض من أعماق قلبه.
أما الآن، فكان يهوي كجبل جليدي انهار دفعة واحدة.
«اللعنة.
ولا سبيل لإيقافه.
ثم أدرك فجأة أنه لا يستطيع حتى رؤية جسده.
لم يستطع فعل أي شيء.
حدق تاليس في طريق ضوء النجوم بذهول.
لم يكن أمامه سوى النظر إلى الأعلى بيأس.
ظهر بوضوح في ذهنه.
شاهد الفضاء المظلم العميق الذي يحتوي أسرارًا لا نهاية لها، والذي كان قبل لحظات على بعد خطوة واحدة منه.
مثل…
وشاهد الضباب المغري.
«أم الإمبراطورَتان؟»
والضوء الأبيض الرائع الذي كاد يلمسه…
ثم أدرك برعب أنه…
كل ذلك أصبح بعيدًا.
«من يصلون إلى هذا المكان يتحركون فيه كقوارب تبحر عكس التيار.
«اللعنة.»
توقف الصوت قليلًا.
ولا يزال صوت البطة المزعج يثرثر دون توقف.
…
«العالم؟ هاها. ربما تمتلك كل الأشياء في الوجود قوة غامضة، لكنها لا تعرف عنها شيئًا ولا تكترث لها. السماء والأرض لا تعرفان الرحمة؛ تتركان الأشياء مجرد أشياء، والموضوعية مجرد موضوعية…
إلا أن هناك شعورًا واحدًا ظل متعلقًا به بعناد.
«لكنني أدركت فجأة أن العالم الذي نعيش فيه ونعرفه ليس مادة بلا روح، ولا مفهومًا كئيبًا ومحايدًا.
ومتسرعًا بعض الشيء، كصوت فتى لم ينضج بعد.
«إنه لوحة تتكون من فهمنا وانعكاس العالم الخارجي علينا.
بدأ يصعد.
«وإذا نظرنا إليه بهذه الطريقة، فلا بد أن تكون له ألوان وحرارة.
وتحطمت حواسه دفعة واحدة.
«فقط عندها يصبح له معنى بالنسبة إلينا.»
فقد عرف بطريقة ما أن هذا هو الطريق الصحيح.
«آه، لا أحتمل هذا الصوت…
كأن الضباب يناديه.
«لماذا لا يذهب صاحب صوت البطة هذا ويموت؟!»
ظهر انزعاج طفيف في قلبه.
واستمر الصوت:
قريبًا…
«رأيت العالم. لكنني لا أعرف كم تبعد الصورة التي أراها عن “الحقيقة”، إذا كان هناك فعلًا عالم موضوعي موجود…
«ما هو الإله؟»
«أو ربما يمكنني صياغتها هكذا: العالم الذي أراه موجود بسببي أنا…
«كنت في مكان مظلم…
«مهلًا يا أسدا؟ السيد ساكيرن؟ ماذا بك؟ ألست المعلم هنا؟ هل الصوفيون يسرحون بأفكارهم أيضًا؟
«مغطى بالموزاييك.»
«مرحبًا، إنها تمطر، سنأكل قريبًا، مرت فتاة جميلة للتو… هيا! استيقظ!
شعر وكأن ضربة هائلة أصابته!
«آه… لا، لا، لم أفعلها عمدًا… أمم، تنفس… دعني… أتنفس…»
كان كصوت روح بعيدة.
ومع استمرار سقوطه، تغيرت النظرات التي كانت مثبتة عليه.
«ما هي… الآلهة؟»
لم تعد حادة.
شعور غريب بأن هناك شيئًا خاطئًا.
ولم تعد حائرة.
كأنه شمس تشرق في الصباح، تحمل معها ضوءًا وحرارة لا حدود لهما بينما ترتفع في سماء لا نهاية لها.
بل امتلأت بغضب هائل.
لو كانت له ذراعان، لمدهما بكل قوته نحو الضباب داخل الفضاء العميق.
وكأن أصحابها غير راضين عما يحدث.
تنهد بخيبة أمل في داخله.
واصل السقوط.
وتحطمت حواسه دفعة واحدة.
كان كأنه يهوي من السماء.
وفجأة أدرك…
انعدام الوزن.
وشاهد الضباب المغري.
الدوار.
ظلام.
الهلع.
«اللعنة.
والاختناق.
«هل يمكن أن يكونوا كائنات متطورة من عالم آخر؟ حسنًا يا أسدا، هل أنت متأكد أن بشرًا محليين أنجبوك؟ أعني، ربما في أحد الأيام خرجت والدتك للتنزه وصادفت طبقًا طائرًا، وكان بداخله شخص وسيم مثلك… آآآه! أخطأت يا معلمي… أخ، هـ-هواء، أحتاج هواء…»
اجتاحت حواسه كلها.
«ما الذي يحدث بحق الجحيم؟»
كان الشعور تمامًا مثل المرة التي سقط فيها هو والسيف الأسود من جرف السماء في مدينة سحب التنين.
ولا يزال صوت البطة المزعج يثرثر دون توقف.
«انتظر.»
«أو ربما يمكنني صياغتها هكذا: العالم الذي أراه موجود بسببي أنا…
اهتز ذهنه.
كمالًا؟
«من هو السيف الأسود؟
«مغطى بالموزاييك.»
«وأين مدينة سحب التنين؟
أن يدخل ذلك الضباب.
«لماذا…
«عندما تراجعت عن طرق الباب واختفيت…
«لماذا أعرف هذه الأشياء؟
ظهر صوت بارد ومنعزل.
«أنا…
لكن ذلك لم يكن الأهم.
«من أنا أصلًا؟
الغابات أصبحت عروقًا داخل أوراق الشجر.
«أنا… أنا…»
أراد أن يعرف أكثر.
وفي اللحظة التالية…
«وإذا نظرنا إليه بهذه الطريقة، فلا بد أن تكون له ألوان وحرارة.
استيقظ تاليس فجأة من ذلك العالم الغريب!
عدم الفهم.
كأن شخصًا حفر ثقبًا صغيرًا في طبقة جليد متجمدة، وسمح له أخيرًا بالتنفس.
ازدادت الأصوات التي تصل إليه.
بدأ يلهث بقوة.
كان رماديًا باهتًا وضبابيًا، يحجب أشياء كثيرة عن الرؤية.
«لكن…»
وجهت أنظارها إليه من بعيد.
نظر تاليس حوله دون وعي.
هذا الشيء الوحيد الذي استطاع الإحساس به.
«أين أنا؟»
وتذكر الأشياء السحرية والحقيقية والمهمة.
كل ما حوله كان ضبابيًا.
«أنا… أنا…»
كأن ستارًا مائيًا كثيفًا وثقيلًا يغطي كل شيء.
«تحت الأرض…
بدا وكأن أضواء تتدفق عند أطراف رؤيته، وتحمل أسرارًا خفية.
أراد المزيد.
لكن كلما حاول النظر إليها، لم ير شيئًا.
عاد ذلك الشعور السحري.
كل شيء كان ساكنًا.
ابتعد الظلام في مجال رؤيته.
«أين كنت؟»
واقترب الضباب.
سأل نفسه وهو مشوش.
خوف ظهر من العدم وتركه ضائعًا.
لكنه لم يستطع التذكر.
اختفت فجأة!
كان لا يزال يسقط.
«لا!
هذا الشيء الوحيد الذي استطاع الإحساس به.
الصوت الرجولي الأنيق وصوت البطة العصبي تبادلا الحديث باستمرار.
وكانت سرعة سقوطه تزداد باستمرار.
لكنه لم ير سوى الفضاء الضبابي نفسه.
«ماذا أفعل؟»
محررًا للغاية.
تسارع نبض قلبه.
الصوت الرجولي الأنيق وصوت البطة العصبي تبادلا الحديث باستمرار.
وعادت موجات الخوف والحيرة التي كانت قد ضعفت قبل قليل.
عاد صاحب الصوت البارد للكلام.
«ما الذي يحدث بحق الجحيم؟»
الهلع.
ازداد هلع تاليس.
كان لا يزال يريد…
لم يعرف أين هو.
ثم مرة أخرى:
ولا كيف وصل إلى هنا.
لم يعد أي شيء آخر مهمًا!
ولا حتى ماذا كان يفعل.
أراد أن يضحك.
كان كمريض فقد ذاكرته واستيقظ على سرير مستشفى غريب وجسده مغطى بالإصابات.
هز تاليس رأسه بقوة.
«اللعنة.
كان الأمر سحريًا بحق.
«وما هو المستشفى أصلًا؟»
«لا تتوقف.
ظل كل شيء ضبابيًا.
«تفوقت إنجازاته حتى على كثير من السحرة المؤهلين.
كان ضائعًا تمامًا.
هيئة بشرية ضبابية، داكنة، عديمة اللون وغريبة مثل كل شيء في هذا المكان.
مثلما شعر عندما سار وحيدًا في الصحراء الكبرى خلال تلك الرحلة القاسية.
واستعاد المزيد من ذكرياته.
هز تاليس رأسه بقوة.
كان من أجل هذه اللحظة تحديدًا!
«انتظر…
كان كل ما حوله مظلمًا، لكنه في الوقت نفسه مشرق. خافتًا، ومع ذلك مبهرًا. بدا فارغًا، لكنه أيضًا بدا قادرًا على احتواء كل ما تحت الشمس.
«الصحراء الكبرى؟
ازدادت سرعته نحو الفضاء العميق.
«وأين هي أصلًا…؟»
«سيّد.
وفي تلك اللحظة بالضبط…
لكن الحوار لم ينتهِ.
شعر تاليس ببرودة على جبهته!
ازداد هلع تاليس.
بدأ ضوء فضي متدفق يتسرب من جسده شيئًا فشيئًا، كوهج يراعات خافتة.
«من أنت؟»
سمع رنينًا خفيفًا.
فأصبح أكثر…
ثم همسة بالكاد يمكن تمييزها:
أما هو…
«عسى… ألا تضل طريقك أبدًا.»
كان تاليس مذهولًا.
ارتجف تاليس.
لكن أشعة بيضاء مبهرة لا حصر لها اخترقت الضباب.
«هذا…»
«شعرت بذلك أنت أيضًا؟»
في اللحظة التي سمع فيها تلك الهمسة الغريبة…
كان الشعور مريحًا للغاية.
توقف سقوطه فورًا.
«وما هو المستشفى أصلًا؟»
كأنه أصبح معلقًا في الهواء.
شاهد الفضاء المظلم العميق الذي يحتوي أسرارًا لا نهاية لها، والذي كان قبل لحظات على بعد خطوة واحدة منه.
صُدم تاليس لدرجة أن أفكاره نفسها تجمدت.
لكنه لم ير سوى الفضاء الضبابي نفسه.
وبعد لحظات، انتشرت الأضواء الفضية كضوء النجوم، ثم تجمعت لتصنع خطًا مشرقًا يمتد عبر الفضاء نحو مكان بعيد.
ظهر شعور مرير في قلبه.
مثل…
«لا تتوقف.
طريق.
«عالم.
حدق تاليس في طريق ضوء النجوم بذهول.
عدم الفهم.
ورغم أنه كان لا يزال حائرًا، ولا تزال ذاكرته مليئة بالفراغات…
في تلك اللحظة، لم يعد يرى سوى الضباب في ذلك الفضاء العميق.
فقد عرف بطريقة ما أن هذا هو الطريق الصحيح.
ثم أدرك برعب أنه…
«لكن كيف أصل إليه؟»
واقترب الضباب.
وما إن ظهرت الفكرة…
اجتاحت حواسه كلها.
حتى ارتجف تاليس!
كل ما حوله كان ضبابيًا.
في تلك اللحظة، شعر وكأنه عاد إلى طريق الظلال.
وكأن أصحابها غير راضين عما يحدث.
«اللعنة… ما هو طريق الظلال أصلًا؟
المشاهد التي كانت تمر أمامه بسرعة، والقوة المطلقة التي سمحت له بمعرفة كل شيء…
«ولماذا يبدو مألوفًا؟
كأنه أصبح معلقًا في الهواء.
«ولماذا أشعر بالقلق عندما أفكر فيه؟»
وما إن ظهرت هذه الفكرة، حتى شعر وكأن ملايين النمل تزحف داخل قلبه.
بدأ المشهد الضبابي أمامه يفقد وضوحه أكثر…
«من أنا أصلًا؟
ثم أصبح مشرقًا.
«هذا…»
لا.
وفي تلك اللحظة…
لم يكن العالم الخارجي هو الذي أصبح مشرقًا.
لكن الحوار لم ينتهِ.
بل كان هناك ضوء ساطع ملأ مجال رؤيته.
لم يكن ذلك منذ زمن بعيد.
فكر تاليس بشرود.
وكانت سرعة سقوطه تزداد باستمرار.
ذلك الضوء الأبيض الغريب المتدفق من جسده حمله، ثم دفعه نحو الطريق المصنوع من الضوء الفضي.
كان ذلك الصوت خشنًا وجافًا قليلًا.
وعبر به الفضاء الضبابي.
فزع تاليس!
فتح تاليس عينيه على اتساعهما.
في تلك اللحظة، رأى ضبابًا داخل ذلك الفضاء العميق.
ثم أدرك فجأة أنه لا يستطيع حتى رؤية جسده.
«أنت…
وشعر أن عقله لم يعد قادرًا على تحمل المزيد من هذه الظواهر الغريبة.
وكان هناك…
وبينما حمله الضوء الغريب ببطء إلى الأمام، شعر بألم خفيف في رأسه.
كان هناك قلق لا يمكن تفسيره يعذبه باستمرار.
ثم اختفى الضوء الفضي والأبيض معًا.
«من أنا أصلًا؟
وأخيرًا، توقف تاليس داخل مساحة خافتة وهادئة وعديمة اللون.
«ليس كافيًا على الإطلاق!»
لم يعد يصعد.
وفجأة، شعر بالخوف.
ولا يهبط.
لم يكن من الممكن تمييزها إلا من خلال حدودها الخارجية.
ولا يتحرك إلى الخلف.
واختفى الضباب.
ولا إلى الأمام.
«وما هو المستشفى أصلًا؟»
ظهر شعور مرير في قلبه.
صمت الرجل للحظة.
«ما هذا المكان بحق الجحيم؟»
وأخيرًا، توقف تاليس داخل مساحة خافتة وهادئة وعديمة اللون.
وفجأة…
«ما هذا؟»
ظهر صوت بارد ومنعزل.
وبعد فترة، همس:
«هذا هو العالم القريب الأول للعتبة الأولى.»
كان في كل مكان.
توقف الصوت قليلًا.
أدرك ذلك برعب.
«إذا تقدمت خطوة أخرى، فستصل إلى الحالة التي يتوجب عليك فيها طرق الباب، وستدخل هيئتك الأساسية.»
«ما الذي يحدث بحق الجحيم؟»
«وإذا تراجعت خطوة واحدة، فستعود إلى جسدك المادي.»
ولا حتى ماذا كان يفعل.
فزع تاليس!
ثم ظهر صوت البطة مجددًا:
نظر حوله فورًا بحثًا عن مصدر الصوت.
«من يصلون إلى هذا المكان يتحركون فيه كقوارب تبحر عكس التيار.
وكان هناك…
سكون.
شخص.
كان هناك قلق لا يمكن تفسيره يعذبه باستمرار.
هيئة بشرية ضبابية، داكنة، عديمة اللون وغريبة مثل كل شيء في هذا المكان.
وبعد فترة، همس:
لم يكن من الممكن تمييزها إلا من خلال حدودها الخارجية.
«شعرت بذلك أنت أيضًا؟»
وقف خلف تاليس بلا حركة.
ثم اختفى الضوء الفضي والأبيض معًا.
كأنه تمثال.
ما إن ظهرت الفكرة في ذهنه، حتى تحرك الضباب الذي يخترقه الضوء الأبيض.
«إنه كأنه…
بدأ المشهد الضبابي أمامه يفقد وضوحه أكثر…
«مغطى بالموزاييك.»
واستمر الصوت:
آلم رأس تاليس مجددًا.
«ربما يرتدون ملابس بيضاء ويزرعون عينات مثلنا في أطباق مختبرية، ثم يقفون فوقها ويتناقشون في مؤامرات مرعبة مثل: “ماذا سنتناول على الغداء اليوم؟”…»
«ما هو الموزاييك أصلًا؟ اللعنة.»
ثم همسة بالكاد يمكن تمييزها:
عاد صاحب الصوت البارد للكلام.
كان رماديًا باهتًا وضبابيًا، يحجب أشياء كثيرة عن الرؤية.
«حتى يومنا هذا، عدد قليل جدًا من الصوفيين استطاع البقاء هنا.»
ومع ظهور هذا الحوار الغريب في ذهنه، شعر بالتوتر.
قال بهدوء:
كأنه أصبح معلقًا في الهواء.
«من يصلون إلى هذا المكان يتحركون فيه كقوارب تبحر عكس التيار.
«عندما تراجعت عن طرق الباب واختفيت…
«إما أن يبحثوا عن أسمائهم الأصلية مسترشدين بطاقتهم الصوفية، ويتحولوا إلى هيئاتهم الأساسية ويطرقوا الباب…
واقترب الضباب.
«أو يسقطوا إلى الأسفل، ويغادروا العتبة والعالم القريب، ثم يعودوا إلى أجسادهم المادية…»
البحر تحول في عينيه إلى قطرات ماء.
كان تاليس مذهولًا.
أو جلس في قارب صغير جرفته تيارات عنيفة.
«صوفيون؟
ابتعد الظلام في مجال رؤيته.
«كل هذا…؟»
«لا تتوقف!»
عند هذه النقطة، أصبح صوت الهيئة الضبابية أكثر جدية.
فقد عرف بطريقة ما أن هذا هو الطريق الصحيح.
وشعر تاليس وكأن ذلك الشخص يراقبه من خلف «الستار المائي».
وفي تلك اللحظة بالضبط…
«…إلى أن ظهرت أنت، أيها الطفل.»
أن يعبر طبقة الضوء الأبيض.
حدق تاليس فيه بلا فهم.
ولا يهبط.
«ماذا؟»
«سيّد.
بدا الرجل وكأنه يدرسه بعناية لبعض الوقت.
لم يكن يعرف.
ثم قال:
وكأن العالم، بأمر منه، أعاد تقديم نفسه أمامه بطريقة جديدة تمامًا.
«أستطيع أن أرى أن أسدا علّمك جيدًا.»
بدأ ضوء فضي متدفق يتسرب من جسده شيئًا فشيئًا، كوهج يراعات خافتة.
ظل صوته باردًا.
«فقط عندها يصبح له معنى بالنسبة إلينا.»
«ما أعطاك إياه كان مناسبًا تمامًا.
كان الشعور تمامًا مثل المرة التي سقط فيها هو والسيف الأسود من جرف السماء في مدينة سحب التنين.
«المعرفة التي منحك إياها استطاعت حمايتك.
«لا تتوقف.
«عندما كنت على وشك طرق الباب، أعادتك تلك المعرفة على عجل، ومنعتك من فقدان ذاتك والسقوط في حالة لن تتمكن من تحرير نفسك منها.»
«لا.
«أسدا؟»
بوم.
خفق قلب تاليس بقوة.
أعلى فأعلى.
وشعر كأن شرنقة داخل قلبه بدأت تتشقق ببطء.
«عسى… ألا تضل طريقك أبدًا.»
صوفي الهواء، أسدا ساكيرن.
ولا إلى الأمام.
وفجأة أدرك…
فاكتشف أن كل ما رآه سابقًا قد تغير.
أن ذكرياته بدأت تعود.
«من أنا أصلًا؟
«من أنت؟»
سأل نفسه وهو مشوش.
نظر تاليس حوله، لكنه لم يتعرف على أي شيء.
لم يعد يصعد.
كانت المساحة الضبابية ساكنة، ومع ذلك بدت مليئة بأضواء وألوان متحركة.
لم يكمل.
فسأل دون وعي:
بوم.
«هل أنت صوفي؟
«الصحراء الكبرى؟
«ما اسمك الأصلي؟
أراد أن يعرف أكثر.
«وإلى أي فصيل تنتمي؟
«إله…»
«المتطرفون؟
لم يكن هذا كافيًا.
«المعتدلون؟
«لماذا…
«الظلاميون؟
«وإذا تراجعت خطوة واحدة، فستعود إلى جسدك المادي.»
«أم الإمبراطورَتان؟»
وبعد لحظات، انتشرت الأضواء الفضية كضوء النجوم، ثم تجمعت لتصنع خطًا مشرقًا يمتد عبر الفضاء نحو مكان بعيد.
لم يجبه الرجل مباشرة.
وكأن أصحابها غير راضين عما يحدث.
صمت قليلًا، كأنه يفكر.
«آه، لا أحتمل هذا الصوت…
وبعد فترة، همس:
وحزن.
«جيد جدًا.
«غريب.»
«لقد علمك أسدا الكثير، وبطريقة عملية أيضًا.
ظهر شعور مرير في قلبه.
«رغم أنها المرة الأولى له، فقد أدى دوره كـمرشد بشكل جيد.»
لم يكمل.
«مرشد…»
«خالقًا رحيمًا؟ أمم… أم كائنًا باردًا يعرف كل شيء ويقدر على كل شيء؟ هاها، لا شيء. كنت أفكر فقط… حسنًا، إلهة الغروب تبدو باردة فعلًا، أما القمر المشرق…»
بدأ تركيز تاليس يعود ببطء.
كان كأنه يهوي من السماء.
واستعاد المزيد من ذكرياته.
«ليس كافيًا.»
«كنت في مكان مظلم…
ابتعد الظلام في مجال رؤيته.
«تحت الأرض…
وفجأة، أدرك أنه لم يعد يستطيع التحكم في اتجاهه.
«زنزانة.»
«ما أعطاك إياه كان مناسبًا تمامًا.
وبدأ القلق يتصاعد داخله.
أو جلس في قارب صغير جرفته تيارات عنيفة.
تحمل تاليس صداعه وصر على أسنانه.
لكن ذلك لم يكن الأهم.
«أنت…
«وكان برج الروح سيفتخر به…
«أنت تعرف أسدا؟»
«ولو استمر أسدا في طريقه، فربما أصبح سيدًا يومًا ما.
صمت الرجل للحظة.
«العالم…»
ثم أومأ وكأن ذكريات قديمة مرت في ذهنه.
«المعرفة التي منحك إياها استطاعت حمايتك.
«كان يمكن أن يصبح معلمًا جيدًا.
أن يحصل على المزيد!
«كان أسدا أكثر المتدربين السحرة موهبةً وامتلاكًا للمستقبل، وتتلمذ على يد السيد غوغول الشهير.»
نسي الأمور الثانوية وغير المهمة، تلك الأشياء المرهقة التي لا قيمة لها.
هز الرجل رأسه ببطء.
اقترب الفضاء العميق أكثر.
وكان صوته متزنًا؛ لا سريعًا ولا بطيئًا، لا مرتفعًا ولا منخفضًا.
ورغم أنه كان لا يزال حائرًا، ولا تزال ذاكرته مليئة بالفراغات…
«تفوقت إنجازاته حتى على كثير من السحرة المؤهلين.
«الظلاميون؟
«ولو استمر أسدا في طريقه، فربما أصبح سيدًا يومًا ما.
«ما هذا المكان بحق الجحيم؟»
«وكان برج الروح سيفتخر به…
وشعر تاليس وكأن ذلك الشخص يراقبه من خلف «الستار المائي».
«لكن للأسف…»
عقد تاليس حاجبيه بشدة.
لم يكمل.
تحمل تاليس صداعه وصر على أسنانه.
عقد تاليس حاجبيه بشدة.
وأصبحت النظرات الموجودة في الظلام أكثر حدة.
لم تدخل أي من كلمات الرجل إلى ذهنه فعلًا.
هز الرجل رأسه ببطء.
كان هناك قلق لا يمكن تفسيره يعذبه باستمرار.
«ما اسمك الأصلي؟
كأنه…
«مهلًا يا أسدا؟ السيد ساكيرن؟ ماذا بك؟ ألست المعلم هنا؟ هل الصوفيون يسرحون بأفكارهم أيضًا؟
نسي شيئًا مهمًا جدًا.
الإله الذي كان يتخيله في هذه الحالة…
«لكن ماذا؟»
توقف سقوطه فورًا.
قال تاليس بحدة، محاولًا كبت قلقه:
«كل الأشياء.»
«إذن من أنت بالضبط؟
«زنزانة.»
«وما الذي يحدث لي؟»
«هل أنت صوفي؟
وفي تلك اللحظة…
لم يكن ذلك منذ زمن بعيد.
بوم.
وفي اللحظة ذاتها، رفع الرجل الغريب رأسه أيضًا.
وصل صوت مكتوم.
«من أنت؟»
شعر تاليس به بطريقة ما، فرفع رأسه بسرعة.
اجتاحت حواسه كلها.
لكنه لم ير سوى الفضاء الضبابي نفسه.
وكان أصحابها حائرين مثله تمامًا.
وفي اللحظة ذاتها، رفع الرجل الغريب رأسه أيضًا.
خفق قلب تاليس بقوة.
«شعرت بذلك أنت أيضًا؟»
«هذا هو العالم القريب الأول للعتبة الأولى.»
حدق الرجل في البعيد.
«ماذا؟»
«عندما تراجعت عن طرق الباب واختفيت…
لم يجبه الرجل مباشرة.
«فشلت خطتهما.»
وأن يكتشف ما يوجد بداخله.
صمت لحظة، ثم أنزل نظره عن أطراف ذلك الفضاء.
كأنه تخلص من كل تحفظاته، وكسر جميع قيوده، وألقى كل الأعباء عن قلبه.
وبدا كأنه يتنهد بعجز.
لم يكن العالم الخارجي هو الذي أصبح مشرقًا.
«الفتاتان… غاضبتان جدًا.»
كان في حالة لم يرغب في مغادرتها.
توقف.
