البعث (1)
البعث (1)
«لكن ذلك كله لم يعد مهمًا…»
خفق…
«أنا أفهم.»
دوّى صوت نبضة قلب، كأن مطرقة ثقيلة تهوي بقوة.
«وسوف… سوف أرقد حتمًا إلى جوار الإمبراطور…»
ألم.
كأنهم يحضرون أكثر المراسم قداسة.
ألم مبرح.
قال بيلدين الكلمات في قلبه.
وقف تاليس بصعوبة بالغة، متشبثًا بكويك روب ليستند إليه، وقد غمر العرق البارد جسده.
وانطلقت منه شهقات ونشيج شديدان نحو تاليس، كأن في صدره كلامًا لا نهاية له يريد قوله.
«لا.»
ألم.
خفق…
«لا أستطيع فعل شيء؟… لا.»
دوّت نبضة أخرى.
«ولا يهم أين وقفت في الماضي أو أين تقف الآن…»
بعد أن بذل كل ما لديه لانتزاع سيف بارني، عادت الآثار المرعبة لاستخدام طاقته الصوفية لتنهش جسده من جديد. صار كل نفس يأخذه، بل كل نبضة من قلبه، مصحوبة بألم ممزق يوحي بأن جسده يُشق إربًا.
قالها تاليس لنفسه بألم.
واشتد الألم مع كل موجة جديدة، كأن عبّار نهر الجحيم يستدعيها واحدة تلو الأخرى، فتجتاح جسده شبرًا شبرًا من رأسه حتى أخمص قدميه.
وبدأ جسده المثخن بالجراح يفقد إحساسه.
لكن ذلك لم يعد مهمًا.
فما إن سقط كانون حتى هوى تاردين على ركبتيه، وغطى وجهه بألم وندم.
لا يمكنه أن يسقط…
فتح فمه بصعوبة شديدة، وعلى وجهه ابتسامة غارقة بالدموع.
على الأقل، ليس الآن.
لكن بعد أقل من ثانية، أخذ صدر نالجي يعلو ويهبط بعنف.
كان تاليس على شفا الانهيار حين مرر نظره على الرجال التسعة أمامه، أولئك الحرس الملكيين السابقين، وقد أثخنتهم الجراح وملأ اليأس عيونهم.
وأخيرًا، رأى تاليس الابتسامة على وجه ناير الشاحب تسترخي.
خفق…
«الحرس الملكي… خاض إحدى عشرة مرة اقتتالًا بين الإخوة.»
ومع النبضة التالية، اندفعت خطيئة نهر الجحيم، التي أوشكت على النفاد، مرة أخرى، كأنها تنتزعه من بين أنياب الموت. تدفقت في أطرافه، ثم اندفعت نحو قلبه الذي أنهكه العبء الهائل الناتج عن استخدام الطاقة الصوفية، ونحو جسده الذي أوشك على الانهيار.
«إنه فقط…
وعادت تلك التموجات المألوفة على نحو غامض لتجتاحه.
«وليكن هذا اليوم نهاية كابوسك.
فحضرت في ذهنه مشاهد قتاله مع قاتل النجوم، وتلك الليلة التي عاشها في ليلة دم التنين.
لكن فارس الحكم المصاب بشدة ظل صامتًا.
بدأت خطيئة نهر الجحيم تستهلك كميات هائلة من طاقته، مسرعةً تجدد الأنسجة المتضررة في جسده وتعافيها.
وبعضهم بقلق.
وتبع ذلك ألم تضاعف بلا حدود.
«لم أستطع إلا مشاهدة كل شيء يحدث أمامي، عاجزًا وبلا حول… أنا آسف…»
لم يستطع تاليس منع نفسه من الارتجاف.
«أفهمكما.
لكن هذه المرة كانت مختلفة.
بدأت خطيئة نهر الجحيم تستهلك كميات هائلة من طاقته، مسرعةً تجدد الأنسجة المتضررة في جسده وتعافيها.
فبينما كان يصغي إلى اعتراف زاكريل، وبكاء بارني الابن، وغرغرة نالجي المختنق بدمه، وأنفاس ناير المضطربة، أدرك تاليس فجأة أنه يستطيع تجاهل الألم الذي كاد في الماضي أن يعذبه حتى الموت.
وبدأ جسده المثخن بالجراح يفقد إحساسه.
ظلت كلمات زاكريل ترن في أذنيه.
ابتعد تاليس عنه بدهشة.
بدت كأنها قيلت منذ عمر كامل، لكنها بقيت واضحة في ذهنه.
«ومثل ناير…
«منذ ذلك الحين، أخذ أفراد الحرس الملكي يخدم كل منهم سيده، وصار رفاق الأمس يستقبلون بعضهم بعضًا بالسلاح…
«لا، يا صاحب السمو…»
«الحرس الملكي… خاض إحدى عشرة مرة اقتتالًا بين الإخوة.»
رأى بيلدين أن نالجي توقف عن التنفس، فكبت ما يعتمل في صدره وهمّ بالكلام.
خفق…
وللحظة، طغى الحزن في قلبه حتى أنساه ألم جسده.
ومن خلال رؤيته التي أخذت تظلم تدريجيًا، رأى تاليس فارس الحكم يحدق في العتمة بعينين خاويتين.
«لا يهم إلى أين مال قلبك، ولا الطريق الذي اخترته.
«لم أستطع إلا مشاهدة كل شيء يحدث أمامي، عاجزًا وبلا حول… أنا آسف…»
أطبق تاليس دون وعي على ذراع كويك روب، ثم أغمض عينيه.
قال زاكريل بصوت أجوف:
انتحب بحرقة، عاجزًا عن إكمال كلامه.
«لم أستطع أن أفعل شيئًا.»
هز بيلدين رأسه، ثم منح الأمير أكثر ابتسامة ممتنة ومتحفظة استطاع إظهارها.
أطبق تاليس دون وعي على ذراع كويك روب، ثم أغمض عينيه.
كأن طاعته أمر غريزي.
كانت خطيئة نهر الجحيم كوحش بري اقتفى أثر فريسته لتوه، وواصلت الاندفاع بجنون في جسده.
في تلك اللحظة، أجبر بيلدين نفسه على ابتسامة حزينة، ثم هز رأسه.
لكن في تلك اللحظة، شعر تاليس كأنه عاد إلى تلك الليلة في المنزل المهجور.
«نالجي الكسول، من قسم الدفاع… صحيح؟»
كان مستلقيًا بوهن فوق الأرضية المتهالكة، يسمع ضحكات كويد المجنونة.
ثم ألقى نظرة مترددة نحو جثمان نالجي الملقى في الجهة المقابلة.
كيليت، نيد، أورسولا…
دفن كانون وجهه في صدر نالجي وهو يبكي بلا توقف.
رأى في ذهنه أطفال الشوارع الذين ماتوا، عائمين في الهواء، يراقبونه بوجوه خالية من التعبير.
وبدأ وجه نالجي الهزيل يضيع أمام عينيه.
ورأى كويد يمر بجانب جسده ويتجه نحو كوريا الضعيفة المرتجفة.
ولثوانٍ، لم يُسمع سوى فرقعة شرر المشعل واختلاط الأنفاس.
لم يكن لديها أحد تعتمد عليه.
وقف تاليس بصعوبة بالغة، متشبثًا بكويك روب ليستند إليه، وقد غمر العرق البارد جسده.
أما هو…
تفاجأ تاليس قليلًا.
فلم يستطع سوى مشاهدة كل ذلك يحدث أمام عينيه.
«ربما ما سأقوله الآن لا قيمة له…
عاجزًا.
أخذ تاليس نفسًا عميقًا، ثم أبعد نظره عن نالجي واتجه إلى الجانب الآخر.
لا يستطيع فعل شيء.
«أرقد إلى جوار الإمبراطور.»
قبض تاليس يديه.
قابله تاليس بهدوء.
«لا أستطيع فعل شيء؟… لا.»
مرت بضع ثوانٍ.
همس صوت في أعماقه:
استمع السجناء إلى كلماته الأخيرة بصمت.
«لا.»
«وربما جاء متأخرًا جدًا…»
خفق…
كان صوت الفتى خافتًا، كأنه لا يكفي لتحريك سوى ذرات الغبار.
ترك تاليس ذراع كويك روب، ثم أجبر جسده المرتجف على الاستقامة وسط الألم، كأنه يصدر إليه أمرًا لا يقبل العصيان.
«لا يهم من خنت، ولا لمن كنت وفيًا.
ومرت في ذهنه فوضى مدينة سحب التنين وسفك الدماء في تلك الليلة.
«واجهت الحقيقة القبيحة مباشرة.
«لم أستطع… أن أفعل… شيئًا…»
كأن طاعته أمر غريزي.
وفجأة فهم.
«يا صاحب السمو—»
ما تعلمه من تعاليم تاوروس لم يقتصر على استخدام الطاقة الصوفية، أو كون الصوفيين «متعاقدين»، أو مرحلة «المادة»…
وبدأ وجه نالجي الهزيل يضيع أمام عينيه.
بل كان هناك شيء أهم من ذلك بكثير.
فأجاب:
فتح تاليس عينيه فجأة.
«لقد أديت واجبك بكل ما تملك من إخلاص.»
«لا.»
«تحطم سيفي، واكتملت مهمتي.»
تردد صوت الفتى خافتًا.
«لقد تورطتم جميعًا في مؤامرة وفوضى ذلك العام.
لكنه كان ثابتًا وحازمًا، فاجتذب أنظار الجميع.
«هذه…
نظر كويك روب بدهشة إلى أمير الكوكبة، الذي كان قبل لحظات عاجزًا عن الوقوف دون التشبث به، فإذا به يتقدم خطوة تلو الأخرى، والعرق البارد يغطي جسده.
«لقد تورطتم جميعًا في مؤامرة وفوضى ذلك العام.
«الأمر لا يتعلق بما نستطيع فعله أو نعجز عنه.»
«شاهدًا على الأبدية.»
ترنح تاليس، ثم تجاوز سيف بارني.
«عذبك ضميرك، وحملت وسم المجرمين على وجهك، وعشت بين الذنب والسخط والغضب.
التقط المشعل الذي أوشك على الانطفاء ولوّح به في الهواء حتى اشتعل لهبه من جديد.
«ولطخت يديك بدَين من الدم لا يمكن غسله.
فأضاء النور غرفة التخزين المعتمة.
واصلت الدموع الانهمار من عيني ناير، لكن ابتسامته ازدادت إشراقًا.
رمقه زاكريل بعينين فاقدتين للحياة، بينما ظل بارني الابن ممددًا على الأرض يبكي بصمت.
ارتفع صوت تاليس قليلًا.
أخذت نظرة نالجي تفقد تركيزها شيئًا فشيئًا وهو يتأرجح على حافة الموت.
«وليكن هذا اليوم نهاية كابوسك.
أما سعال ناير، فضعف حتى كاد يختفي.
قال بيلدين الكلمات في قلبه.
«بل يتعلق الأمر بما إذا كنا، حين تحين اللحظة…
قال بيلدين الكلمات في قلبه.
«سنتمكن من اتخاذ القرار الصحيح.»
«وحتى لو لم تعترف المملكة به…
استجمع تاليس كل ما تبقى له من قوة وأخذ نفسًا عميقًا، دافعًا إلى مؤخرة ذهنه ألم خطيئة نهر الجحيم وهي ترمم جسده، وآثار استخدام الطاقة الصوفية.
«ربما ما سأقوله الآن لا قيمة له…
رفع المشعل، ومشى خطوة تلو الأخرى نحو بركة الدم في الظلام أمامه.
«ليذهب ماضيك مع الريح.
سخر ساميل:
«واجهت الحقيقة القبيحة مباشرة.
«مهما كنت تنوي فعله، فقد فات الأوان.»
والحيرة…
كان صوته مشبعًا بحزن وسخرية لا نهاية لهما.
التقط المشعل الذي أوشك على الانطفاء ولوّح به في الهواء حتى اشتعل لهبه من جديد.
«هذه هي الحقيقة.»
«لم أستطع إلا مشاهدة كل شيء يحدث أمامي، عاجزًا وبلا حول… أنا آسف…»
هز تاليس رأسه، لكنه لم يتوقف.
«لا، يا صاحب السمو…»
لطخ دم نالجي نعلي حذائه…
خفق…
تمامًا كما وطئت قدماه بركة الدم في المنزل المهجور تلك الليلة.
كيليت، نيد، أورسولا…
تحولت أنظار الجميع إلى الأمير.
وعندها فقط لاحظ أن جميع الموجودين، دون أن يدري متى بدأ ذلك، كانوا يحدقون فيه.
واصل تاليس تقدمه وسط الدم وهو يلهث.
«لن تأتي أبدًا.
وفي اللحظة التالية، انفجر الألم في جسده فجأة!
سمع الفتى صوته المرتجف.
زلت قدمه.
«لم ينتهِ بعد.»
ولم يعد جسده الواهن قادرًا على حمله، فسقط على ركبة واحدة أمام نالجي وكانون.
راقب بيلدين تاليس من بعيد، وقال في أعماق قلبه:
«تاليس!»
حتى ساميل عقد حاجبيه.
صرخ كويك روب بفزع، وهمّ بالاندفاع إليه، لكن الأمير رفع ذراعه بحزم وأوقفه.
بذل بارني كل ما لديه ليبقي صوته ثابتًا، رغم اختلال نبرته.
«على الأقل… الآن…»
«سنتمكن من اتخاذ القرار الصحيح.»
التقط تاليس أنفاسه، ثم تقدم بضع خطوات على ركبتيه حتى اقترب من نالجي، والتقت عيناه بنظرة الرجل التي كادت الحياة تفارقها تمامًا.
كأن حملًا ثقيلًا أُزيح عن كتفيه.
«ما زال هناك شيء أخير يمكننا فعله.»
خفق…
«شيء أخير؟»
بدأ جسد نالجي يرتجف بين ذراعي كانون.
تجمد كويك روب.
وتبدلت نظرته إلى الأمير، كما تبدلت ملامحه.
نظر تاليس إلى الرجل الذي كانت حياته تنزلق من بين أصابعه.
والفراغ…
«نالجي الكسول، من قسم الدفاع… صحيح؟»
بل كان هناك شيء أهم من ذلك بكثير.
قاوم موجات الألم.
«لا أستطيع فعل شيء؟… لا.»
وبينما كان كانون يسنده، رمق نالجي تاليس بعينين باهتتين.
«يا صاحب السمو… أنا… أنا…»
ظل الدم يتدفق من عنقه بلا توقف، متسللًا من بين أصابع كانون المرتجفة.
ارتجفت شفتا بروولي، لكن لم يخرج منه صوت.
ثم أدار نالجي عينيه بعيدًا بارتجاف.
لم يبقَ سوى الضعف…
كانت حركته ضعيفة ومتهربة، كأنه لا يجرؤ على مواجهة فتى جادستار الجاثي أمامه.
وما إن انتهت الكلمات حتى ارتخت ذراع ناير التي كانت تسند وجه تاليس.
«أنا أفهم.
«حتى أنا أستطيع أن أرى أي نوع من الرجال أنتم.
«وأعرف ما فعلته.»
رأى بيلدين أن نالجي توقف عن التنفس، فكبت ما يعتمل في صدره وهمّ بالكلام.
ارتجف نالجي قليلًا.
بدت كأنها قيلت منذ عمر كامل، لكنها بقيت واضحة في ذهنه.
أضاء المشعل وجهه وهو يوشك على مغادرة هذا العالم؛ وجه أصفر جاف، حفرت فيه التجاعيد سنوات من اليأس والألم.
قويًا.
راقب تاليس الدم الذي لا يتوقف عن النزف من عنقه، ثم صر على أسنانه وأجبر نفسه على ابتسامة هادئة، محاولًا تثبيت صوته.
حاول تاليس أن يبدد الحزن في أعماقه، ورفع طرفي شفتيه.
«شاركت في مؤامرة وفي صراع داخلي هز المملكة. وفي تلك السنوات المضطربة، ترددت… بين عائلتك والسلطة الملكية.
«وأرى أن ما تقولانه منطقي.»
«وفي النهاية، أنكرت ملكك الراحل، وأقسمت الولاء والإخلاص لجادستار آخر.
«أنا آسف.
«اخترت… المستقبل الذي كان يمثله.
وبضوء اللهب، بدت هيئته أوضح أمامهم.
«ولطخت يديك بدَين من الدم لا يمكن غسله.
وشعر تاليس بالحزن وهو يراه هكذا.
«وكذلك فعل إخوتك الآخرون في الحرس الملكي.»
بعد أن بذل كل ما لديه لانتزاع سيف بارني، عادت الآثار المرعبة لاستخدام طاقته الصوفية لتنهش جسده من جديد. صار كل نفس يأخذه، بل كل نبضة من قلبه، مصحوبة بألم ممزق يوحي بأن جسده يُشق إربًا.
بدأ جسد نالجي يرتجف بين ذراعي كانون.
فما إن سقط كانون حتى هوى تاردين على ركبتيه، وغطى وجهه بألم وندم.
كانت عيناه قاتمتين من الأصل، لكن حين ثبتهما على تاليس امتلأتا بالندم والألم.
تجمد تاليس للحظة، وما زال غارقًا في شروده.
قابله تاليس بهدوء.
انتفض بيلدين وساميل في اللحظة نفسها.
وللحظة، طغى الحزن في قلبه حتى أنساه ألم جسده.
ومع النبضة التالية، اندفعت خطيئة نهر الجحيم، التي أوشكت على النفاد، مرة أخرى، كأنها تنتزعه من بين أنياب الموت. تدفقت في أطرافه، ثم اندفعت نحو قلبه الذي أنهكه العبء الهائل الناتج عن استخدام الطاقة الصوفية، ونحو جسده الذي أوشك على الانهيار.
«ودفعت ثمن ذلك.
قبض تاليس يديه.
«عذبك ضميرك، وحملت وسم المجرمين على وجهك، وعشت بين الذنب والسخط والغضب.
«الثامن والثلاثون…»
«لم تر ضوء النهار مرة أخرى، وقضيت النصف الباقي من حياتك ممزقًا بين ما فعلته وما تؤمن به.»
تردد صوت الفتى خافتًا.
تنهد الفتى.
«إنه فقط…
«وهكذا مضت سنواتك.»
رأى في ذهنه أطفال الشوارع الذين ماتوا، عائمين في الهواء، يراقبونه بوجوه خالية من التعبير.
فتح نالجي فمه بألم، لكن لم يخرج منه سوى غرغرة مختنقة بالدم.
لكن تاليس أمسك بها قبل أن تهوي.
وازداد اليأس في نظرته إلى تاليس.
«من هذه اللحظة.»
حدق الحرس في الأمير بنظرات مختلفة؛ بعضها يائس، وبعضها حزين، وبعضها بارد، وبعضها خاوٍ.
خفق…
لكن تاليس تجاهلهم.
دوي.
لم يشم سوى رائحة الدم.
وطغى صوتها حتى على صوت الدم المتدفق من عنقه.
وظلت عيناه مثبتتين على نالجي الملقى في بركة دمه، كأنه يحاول أن ينظر إلى آخر ما تبقى من روحه.
«ومهما كان القرار الذي اتخذتموه آنذاك، فإنكم اليوم لم تتركوا زاكريل يحمل جرائمكم وحده.
أجبر تاليس نفسه على ابتسامة ضعيفة.
واصل تاليس تقدمه وسط الدم وهو يلهث.
«لكنني أعرف أيضًا أنك حين رفضت الاعتراف بجرائمك في الماضي، ودخلت السجن حاملًا وسم المجرمين، لم تفعل ذلك بدافع الأنانية.
ترنح تاليس، ثم تجاوز سيف بارني.
«بل لأنك أردت أن تتمسك بقرارك حتى النهاية، وأن تدفن فضيحة عائلة جادستار الملكية.
قابله تاليس بهدوء.
«ربما كان ذلك خيارًا مؤلمًا…
وطغى صوتها حتى على صوت الدم المتدفق من عنقه.
«لكنه كان مشرفًا.»
حاول تاليس أن يبدد الحزن في أعماقه، ورفع طرفي شفتيه.
وما إن نطق الكلمة الأخيرة حتى تغيرت ملامح الحرس جميعًا.
«واجهت ألمك.
حتى كانون رفع رأسه بدهشة وهو يحتضن نالجي.
«حتى أنا أستطيع أن أرى أي نوع من الرجال أنتم.
ظهر صراع شديد على وجه نالجي المغطى بالأوساخ.
لكن فارس الحكم المصاب بشدة ظل صامتًا.
حدق في تاليس غير مصدق، ثم قبض يده.
ارتجف جسد ناير قليلًا، رغم أن الحياة لم يبق منها فيه إلا القليل.
تنهد تاليس.
ثلاث…
«لكن ذلك كله لم يعد مهمًا…»
«بل على العكس.
نظر إليه بجدية.
رفع تاليس رأسه ونظر إليه بشرود.
وعلى الرغم من وجهه المضروب وهيئته البائسة، بدا تاليس هادئًا تحت ضوء النار.
أخذ تاليس نفسًا عميقًا، ثم ابتسم.
«لأنك، بعد ثمانية عشر عامًا، وحين لم يعد يفصلك عن الهرب من هذا السجن سوى خطوة واحدة، وحين صارت الحرية في متناول يدك…
وبعضهم بانفعال.
«قررت التخلي عن القناع الذي عشت خلفه، وعن نعمة بقاء ما فعلته في الماضي سرًا لا يعرفه أحد.
«هي نقطة ارتكازي الحقيقية.»
«واجهت كابوسك.
وما إن نطق الكلمة الأخيرة حتى تغيرت ملامح الحرس جميعًا.
«واجهت ألمك.
أما هو…
«واجهت الحقيقة القبيحة مباشرة.
«شكرًا لك، يا صاحب السمو.
«وقررت أن تواجه نفسك القديمة من جديد.»
«فإن أرواحنا…
كان زاكريل يصغي بصمت، فترنح قليلًا.
«لقد نلتم عفوي.
حتى بارني الابن هدأ.
كانت رؤية ناير قد أصبحت ضبابية للغاية.
أما أنفاس نالجي، التي كانت سريعة بسبب النزيف، فأخذت تضطرب أكثر.
عض بيلدين شفته.
«ربما ما سأقوله الآن لا قيمة له…
«الأمر لا يتعلق بما نستطيع فعله أو نعجز عنه.»
«وربما جاء متأخرًا جدًا…»
«فأنتم، على خلاف بارني…
مد تاليس يده اليسرى بوهن، ووضع كفه برفق فوق وسم المجرمين القبيح على وجه نالجي.
«ما زال هناك شيء أخير يمكننا فعله.»
استقرت راحته فوق اللحم الذي حُرق عليه حرف «S» من أبجدية الإمبراطورية القديمة.
لكنه بدا في أعينهم طويلًا.
وكأن في لمسته سحرًا، بدأ نالجي يهدأ شيئًا فشيئًا.
ظهر صراع شديد على وجه نالجي المغطى بالأوساخ.
صر تاليس على أسنانه برفق.
لكن في النهاية، أخذ نفسًا عميقًا وهز رأسه.
«لكنني أريدك، على الأقل، أن تعرف…
أخذ تاليس نفسًا عميقًا، ثم أبعد نظره عن نالجي واتجه إلى الجانب الآخر.
«أنه حتى لو لم يعرف أحد هذا…
وما إن انتهت الكلمات حتى ارتخت ذراع ناير التي كانت تسند وجه تاليس.
«وحتى لو لم تعترف المملكة به…
«أنا أفهم.
«وحتى لو استحال أن يعرف العالم الحقيقة يومًا…
خفض الأمير رأسه.
«فأنا أعرف.»
كان زاكريل يصغي بصمت، فترنح قليلًا.
أخذ تاليس نفسًا عميقًا، ثم ابتسم.
لا يستطيع فعل شيء.
«ومن أعماق قلبي…
كأن حملًا ثقيلًا أُزيح عن كتفيه.
«لا أراك إنسانًا سيئًا يا نالجي.»
لم يكن ألمًا.
في تلك اللحظة، انكمشت حدقتا نالجي فجأة.
كأنه ينتظر شيئًا.
وتبدلت نظرته إلى الأمير، كما تبدلت ملامحه.
جثا زاكريل وهو يحدق في تاليس بشرود.
«لست خائنًا أنانيًا شريرًا لا أكثر.»
ساد الصمت.
كان صوت الفتى خافتًا، كأنه لا يكفي لتحريك سوى ذرات الغبار.
بدأت خطيئة نهر الجحيم تستهلك كميات هائلة من طاقته، مسرعةً تجدد الأنسجة المتضررة في جسده وتعافيها.
ومع ذلك، انتقلت كلماته بوضوح في أرجاء السجن، ووصلت إلى مسامع الجميع.
وبضوء اللهب، بدت هيئته أوضح أمامهم.
«بل على العكس.
«رئيس ضباط العقوبات، لوتون بيلدين.
«أنت رجل يستحق الاحترام.
«قررت التخلي عن القناع الذي عشت خلفه، وعن نعمة بقاء ما فعلته في الماضي سرًا لا يعرفه أحد.
«اتخذت قرارك بنفسك، ثم تحملت عواقبه دون أن تتنصل منها أو تلقيها على غيرك.
فاجأ رد فعله العنيف كانون، الذي كان لا يزال يضغط على عنقه.
«وتمسكت بمبادئك حتى النهاية.»
«ارقد بسلام.»
تسارعت أنفاس نالجي.
«أنا أفهم.»
وطغى صوتها حتى على صوت الدم المتدفق من عنقه.
ثم استدار بجسده الضعيف نحو الرجال الثلاثة الآخرين.
ظل يحدق في تاليس، يفتح فمه ويغلقه، مطلقًا همهمات متقطعة.
«بل لأنك أردت أن تتمسك بقرارك حتى النهاية، وأن تدفن فضيحة عائلة جادستار الملكية.
بدا أنه يحاول قول شيء بانفعال، لكن صوت دمه المتدفق ابتلع كلماته.
«ولن تحمل كلماتي وزنًا يُذكر…
ابتسم تاليس.
هدأ ببطء…
«أعرف يا نالجي.
بعضهم تأثر.
«أنا أفهم.»
فما إن سقط كانون حتى هوى تاردين على ركبتيه، وغطى وجهه بألم وندم.
ضغط الأمير برفق على جبينه، وانحنى نحوه.
«بل لأنك أردت أن تتمسك بقرارك حتى النهاية، وأن تدفن فضيحة عائلة جادستار الملكية.
استمرت همهمات نالجي، لكنها أخذت تضعف.
«سواء بموت إخوتكم…
«ولهذا، في هذه اللحظة…
زفر تاليس، وربت على كانون الذي تجمد في مكانه، ثم ترك نالجي.
«في آخر لحظات حياتك…»
«لقد رحل.»
لاحظ تاليس أن صوته يرتجف.
خفق…
بل كان ارتجافه أشد من ارتجاف نالجي المحتضر.
همس صوت في أعماقه:
«تاي نالجي.»
«يا صاحب السمو… أنا… أنا…»
تنفس تاليس بشرود.
«لكنني لا أملك سلطة أبي، ولا مكانته.
وبدأ وجه نالجي الهزيل يضيع أمام عينيه.
مع أن إنقاذه لم يعد ممكنًا.
«باسم السليل الشرعي لعائلة جادستار، والوريث الوحيد لتاج النجمة التساعية…
التقط المشعل الذي أوشك على الانطفاء ولوّح به في الهواء حتى اشتعل لهبه من جديد.
«أنا، الأمير الثاني، تاليس جادستار…»
لكن في النهاية، أخذ نفسًا عميقًا وهز رأسه.
سمع الفتى صوته المرتجف.
«ولهذا…
«…أغفر لك.»
لكن في النهاية، أخذ نفسًا عميقًا وهز رأسه.
غرق السجن في صمت مخيف.
ارتجف ناير بلا توقف، وحدقت عيناه الباهتتان في السقف الخالي.
ظل الجميع عاجزين عن الكلام، يراقبون الفتى وهو يخاطب الرجل الجريح بصوت خافت.
أخذ تاليس نفسًا عميقًا، ثم ابتسم.
«أغفر لك كل جريمة وكل خطيئة ارتكبتها في الماضي…
كان صوته مشبعًا بحزن وسخرية لا نهاية لهما.
«وكل ما فعلته…
فأضاء النور غرفة التخزين المعتمة.
«وكل ما لم تفعله.»
كأنهم يحضرون أكثر المراسم قداسة.
تردد صوت الأمير.
انتفض بيلدين وساميل في اللحظة نفسها.
وللحظة، لم يحدث شيء.
«وذنوبكم لا يمكن محوها ببساطة.»
ظل السجن ساكنًا كما كان.
ترنح تاليس، ثم تجاوز سيف بارني.
لكن بعد أقل من ثانية، أخذ صدر نالجي يعلو ويهبط بعنف.
ثم انهار.
بدا كأنه يحاول النهوض.
وبعضهم بانفعال.
«آه…»
«الحرس الملكي… خاض إحدى عشرة مرة اقتتالًا بين الإخوة.»
ثم انهار.
«ولم تستطع أن ترفع صوتك بألمك.
كأن سدًا عظيمًا ظل يحبس المياه سنوات طويلة قد تحطم أخيرًا.
لكن بعد أقل من ثانية، أخذ صدر نالجي يعلو ويهبط بعنف.
كانت عيناه قد فقدتا التركيز، ومع ذلك مد يده اليسرى الواهنة، المرتجفة بعنف، محاولًا الإمساك بشيء في الهواء.
«وحتى لو استحال أن يعرف العالم الحقيقة يومًا…
لكن لم يكن هناك شيء.
واستند بارني الابن إلى الجدار بلا حراك.
التوت شفتاه وارتجفتا.
«على الأقل… الآن…»
وانطلقت منه شهقات ونشيج شديدان نحو تاليس، كأن في صدره كلامًا لا نهاية له يريد قوله.
«بل شاركتم فيها بأنفسكم.
«آه…»
«في قلبي، سقطت عنكما كل التهم منذ زمن.»
فاجأ رد فعله العنيف كانون، الذي كان لا يزال يضغط على عنقه.
«لا.»
ولم يستطع سوى محاولة تثبيته حتى لا تسوء حالته أكثر…
«وأعرف طبيعة أبي.
مع أن إنقاذه لم يعد ممكنًا.
ودون أن يبالي بالدم الذي غطى جسده، أمسك بيد نالجي الممدودة في الفراغ، تلك اليد التي لم تجد شيئًا تتشبث به.
وضع تاليس المشعل جانبًا.
وفي تلك اللحظة، لم يُسمع سوى تنفس نالجي.
ودون أن يبالي بالدم الذي غطى جسده، أمسك بيد نالجي الممدودة في الفراغ، تلك اليد التي لم تجد شيئًا تتشبث به.
لكن تاليس رفع يده اليمنى وأوقفه.
ثم انحنى واحتضن الرجل المحتضر.
«بل تُصهر في…
«لا يهم من خنت، ولا لمن كنت وفيًا.
وبضوء اللهب، بدت هيئته أوضح أمامهم.
«لا يهم إلى أين مال قلبك، ولا الطريق الذي اخترته.
«لقد تورطتم جميعًا في مؤامرة وفوضى ذلك العام.
«ولا يهم أين وقفت في الماضي أو أين تقف الآن…»
وسقطت فجأة بلا قوة.
ألصق خده بجبهة نالجي، وبدأت مقاومة الرجل تهدأ تدريجيًا مع صوته.
«أنا أفهم.»
«أتمنى ألّا تبقى أسير الحيرة والصراع والعذاب والذنب.
وبينما كان يتكلم، لم يعرف تاليس إن كانت قوة الإبادة قد بدأت تؤدي أثرها، أم أن مدة عذاب آثار الطاقة الصوفية قد انتهت أخيرًا.
«وأن تصبح حرًا من هذه اللحظة فصاعدًا.»
نظر تاليس إلى الثلاثة، ومشاعر معقدة تضطرب في قلبه.
التقط تاليس أنفاسه، وقاوم رغبته في البكاء.
«وأعرف ما فعلته.»
«ليذهب ماضيك مع الريح.
صرخ كويك روب بفزع، وهمّ بالاندفاع إليه، لكن الأمير رفع ذراعه بحزم وأوقفه.
«وليكن هذا اليوم نهاية كابوسك.
«من هذه اللحظة.»
«ارقد بسلام.»
سخر ساميل:
لم يصدر أحد صوتًا.
«ومع ذلك…»
وفي تلك اللحظة، لم يُسمع سوى تنفس نالجي.
كان صوت الفتى خافتًا، كأنه لا يكفي لتحريك سوى ذرات الغبار.
هدأ ببطء…
«إنه فقط…
ثم خفت…
«لقد رحل.»
ثم ضعف أكثر فأكثر.
ثم أدرك فجأة أن الحرس من حولهم، سواء زاكريل أو بارني الابن أو بيلدين أو ساميل، قد فردوا صدورهم واعتدلوا بملامح مهيبة.
ثانية.
«وسوف… سوف أرقد حتمًا إلى جوار الإمبراطور…»
ثانيتان.
سمع الفتى صوته المرتجف.
ثلاث…
وازداد اليأس في نظرته إلى تاليس.
لم يعرف أحد كم مضى من الوقت.
كان بارني الابن قد أفاق من كابوسه، وإن ظلت الكآبة تغطي وجهه.
لكن مقاومة نالجي توقفت أخيرًا.
وأخيرًا، رأى تاليس الابتسامة على وجه ناير الشاحب تسترخي.
زفر تاليس، وربت على كانون الذي تجمد في مكانه، ثم ترك نالجي.
ظل الجميع عاجزين عن الكلام، يراقبون الفتى وهو يخاطب الرجل الجريح بصوت خافت.
خفض تاليس نظره بشرود.
«ربما كان ذلك خيارًا مؤلمًا…
لم يعرف متى أغمض الرجل بين ذراعيه عينيه.
في ظلمة السجن، استلقى جسدان بسلام فوق الأرض.
لكنه لم يتحرك بعدها.
كانت يد ناير باردة كالجليد، كأن الدم لم يمر بها قط.
«لقد رحل.»
وأخفى الدموع التي اندفعت من عينيه.
قالها تاليس لنفسه بألم.
«ولا يهم أين وقفت في الماضي أو أين تقف الآن…»
«بعد ثمانية عشر عامًا من العذاب…
وبعضهم بقلق.
«رحل.»
ثانيتان.
لكن تاليس ارتجف فجأة.
«سواء بموت إخوتكم…
كانت دموع لا تنتهي تنساب على وجه نالجي الخالي من الحياة.
قاطعًا.
تدفقت فوق وجنتيه بكثرة، حتى بدت أغزر من الدم الذي سال من عنقه.
«تاليس!»
شعر تاليس برغبة جارفة في البكاء.
«وربما جاء متأخرًا جدًا…»
«شكرًا لك.»
«لكنني أعرف أيضًا أنك حين رفضت الاعتراف بجرائمك في الماضي، ودخلت السجن حاملًا وسم المجرمين، لم تفعل ذلك بدافع الأنانية.
قال كانون وهو ينتحب، وما زال يحتضن جسد رفيقه.
«بل واجهتم ماضيكم، وتقدمتم واعترفتم بما فعلتم في ذلك العام.»
«شكرًا لك، يا صاحب السمو.
أدار ساميل رأسه، كأنه يريد أن يغرق وجهه في الظلام فلا يراه أحد.
«نالجي… نالجي…»
لكنه بدا في أعينهم طويلًا.
رفع تاليس رأسه ونظر إليه بشرود.
بعد أن بذل كل ما لديه لانتزاع سيف بارني، عادت الآثار المرعبة لاستخدام طاقته الصوفية لتنهش جسده من جديد. صار كل نفس يأخذه، بل كل نبضة من قلبه، مصحوبة بألم ممزق يوحي بأن جسده يُشق إربًا.
كانت وجنتا نالجي غارقتين بالدموع.
تردد صوت الفتى خافتًا.
لكن قوسًا صغيرًا ارتسم على شفتيه.
ارتجف ناير بلا توقف، وحدقت عيناه الباهتتان في السقف الخالي.
بدا للوهلة الأولى كأن الألم قد لوى وجهه.
«هي نقطة ارتكازي الحقيقية.»
لكن تاليس عرف…
ساد الصمت.
لم يكن ألمًا.
«يا صاحب السمو… أنا… أنا…»
بل كانت…
«لقد… لقد أديت واجبي بكل ما أملك من إخلاص…»
ابتسامة.
لكن في النهاية، أخذ نفسًا عميقًا وهز رأسه.
ابتسامة لم تظهر على وجه نالجي طوال ثمانية عشر عامًا.
زلت قدمه.
تجمد تاليس للحظة، وما زال غارقًا في شروده.
خفق…
ثم نهض مترنحًا، ورفع المشعل من جديد.
ثم ألقى نظرة مترددة نحو جثمان نالجي الملقى في الجهة المقابلة.
وعندها فقط لاحظ أن جميع الموجودين، دون أن يدري متى بدأ ذلك، كانوا يحدقون فيه.
نظر إلى جثماني نالجي وناير وقال بهدوء:
بعضهم بدهشة.
مع أن إنقاذه لم يعد ممكنًا.
وبعضهم بانفعال.
«لا أعرف كل ما مررت به خلال هذه السنوات الثماني عشرة.
وبعضهم بقلق.
تنهد تاليس.
وبعضهم بحزن.
لم يبالِ بالألم ولا بالعبء الذي ستضيفه تلك الحركة إلى جسده المحتضر.
وفي تلك اللحظة، بدا الفتى كأنه بطل مسرحية وقفت كل الأنظار عليه.
ولم يستطع سوى محاولة تثبيته حتى لا تسوء حالته أكثر…
حتى زاكريل ظل يراقب تاليس مذهولًا، دون حراك.
«هذه…
أما كويك روب فبقي صامتًا.
كانت رؤية ناير قد أصبحت ضبابية للغاية.
وكان في نظرته إلى تاليس معنى جديد لم يكن فيها من قبل.
راقب تاليس الدم الذي لا يتوقف عن النزف من عنقه، ثم صر على أسنانه وأجبر نفسه على ابتسامة هادئة، محاولًا تثبيت صوته.
أخذ تاليس نفسًا عميقًا، ثم أبعد نظره عن نالجي واتجه إلى الجانب الآخر.
لم يكن لديها أحد تعتمد عليه.
لم يعرف إن كانت آثار الطاقة الصوفية قد قررت أخيرًا أن ترحمه، أم أن خطيئة نهر الجحيم أنهت ترميم جسده، لكن الألم بدأ يخفت ويتبلد.
كانت دموع لا تنتهي تنساب على وجه نالجي الخالي من الحياة.
وأمام ما يواجهه الآن…
ثلاث…
لم يعد له وزن.
حاول تاليس أن يبدد الحزن في أعماقه، ورفع طرفي شفتيه.
تقدم تاليس بوهن نحو بيلدين، الذي كان يحتضن ناير.
ثم قال الأمير بصوت خافت، امتزج فيه الألم بالأمل:
كان ناير يسعل بألم، وانعكس ضوء المشعل في عينيه وهو ينظر إلى تاليس.
«نالجي الكسول، من قسم الدفاع… صحيح؟»
«يا صاحب السمو، نحن…»
كان كويك روب يقف جانبًا، يراقب كل شيء بذهول.
رأى بيلدين أن نالجي توقف عن التنفس، فكبت ما يعتمل في صدره وهمّ بالكلام.
«سنتمكن من اتخاذ القرار الصحيح.»
لكن تاليس رفع يده اليمنى وأوقفه.
«لقد… لقد أديت واجبي بكل ما أملك من إخلاص…»
«انتظر لحظة.»
حتى بارني الابن هدأ.
هز الفتى رأسه.
مد تاليس يده اليسرى بوهن، ووضع كفه برفق فوق وسم المجرمين القبيح على وجه نالجي.
أغلق بيلدين فمه فورًا، دون أدنى اعتراض على أمر تاليس.
ومع النبضة التالية، اندفعت خطيئة نهر الجحيم، التي أوشكت على النفاد، مرة أخرى، كأنها تنتزعه من بين أنياب الموت. تدفقت في أطرافه، ثم اندفعت نحو قلبه الذي أنهكه العبء الهائل الناتج عن استخدام الطاقة الصوفية، ونحو جسده الذي أوشك على الانهيار.
كأن طاعته أمر غريزي.
أما عينا ساميل فتلألأتا وهو ينظر إلى الأمير بنظرة يصعب وصفها.
وربما بتأثير ما حدث قبل قليل، لم يحاول أحد مقاطعة تاليس.
وفي اللحظة التالية، أزهرت على وجهه أشحب ابتسامة وألطفها.
كما فعل مع نالجي، جثا تاليس على ركبة واحدة أمام ناير، ونظر إلى الرجل الذي ظل يبتسم رغم سعاله المتواصل.
كان صوت الفتى خافتًا، كأنه لا يكفي لتحريك سوى ذرات الغبار.
قال ناير بصعوبة:
أخذ ناير نفسًا عميقًا.
«نزيف داخلي شديد بعد ضربة رضّية… لن أتعافى منه.
قال الجملة الأخيرة بشيء من الأسى.
«وأنا أعرف ذلك جيدًا بصفتي ضابط إمداد.»
«سواء بموت إخوتكم…
كان وجهه شاحبًا، والعرق البارد ينساب باستمرار على جسده.
«قررت التخلي عن القناع الذي عشت خلفه، وعن نعمة بقاء ما فعلته في الماضي سرًا لا يعرفه أحد.
أغمض بيلدين عينيه بجانبه، عاجزًا عن احتمال رؤية رفيقه يعاني هكذا.
وعلى حافة الموت، فتح ناير قبضته الموضوعة على صدره.
نظر إليه تاليس بحزن.
«ارقد بسلام.»
«سازل ناير، ضابط الإمداد الثاني.»
ما إن سمعوا أسماءهم حتى ارتجف كانون وهو يحتضن جثمان نالجي، ولم يجرؤ على رفع رأسه.
قالها بنبرة جادة.
فأضاء النور غرفة التخزين المعتمة.
دفع ناير نفسه دون وعي عن ذراع بيلدين التي تسنده، ونفخ صدره، كأنه يريد أن يبدو في هيئة تليق بمنصبه.
تنفس تاليس بشرود.
قال الأمير الشاب بهدوء:
ارتجف ناير بلا توقف، وحدقت عيناه الباهتتان في السقف الخالي.
«لا أعرف كل ما مررت به خلال هذه السنوات الثماني عشرة.
تقدم تاليس بوهن نحو بيلدين، الذي كان يحتضن ناير.
«لكنني أعرف أن ما حدث لك كان ظلمًا.»
ثانية.
نظر ناير إلى الأمير بهدوء.
اختنق نفسه في منتصف الجملة.
وبدأ جسده المثخن بالجراح يفقد إحساسه.
ثم ألقى نظرة مترددة نحو جثمان نالجي الملقى في الجهة المقابلة.
كبت تاليس الغضب الذي ولده الحزن في قلبه.
«فأنتم، على خلاف بارني…
«ثمانية عشر عامًا…
لكن تاليس عرف…
«حملت فيها، بقلب ممتلئ بالمرارة والألم، عواقب لا تتناسب مع ما فعلته.
لم يشم سوى رائحة الدم.
«أعرف أنك لم تجد مكانًا تشكو فيه ظلمك.
«في آخر لحظات حياتك…»
«ولم تستطع أن ترفع صوتك بألمك.
لكن قوسًا صغيرًا ارتسم على شفتيه.
«وربما العدالة التي كان ينبغي أن تنالها…
«باسم السليل الشرعي لعائلة جادستار، والوريث الوحيد لتاج النجمة التساعية…
«لن تأتي أبدًا.
كان وجهه شاحبًا، والعرق البارد ينساب باستمرار على جسده.
«وربما لن يُبرأ اسمك يومًا.»
«ظل يؤمن برفاقه ويعتز بهم.
وبينما كان يصغي إليه، أخذت عينا ناير تفقدان تركيزهما، وامتلأتا بالحزن.
«تحطم سيفي، واكتملت مهمتي.»
لكن تاليس أمسك بيده.
أما تاليس، فحاول أن يبتسم.
كانت يد ناير باردة كالجليد، كأن الدم لم يمر بها قط.
البعث (1)
«لكن يا ضابط الإمداد…
ولم يستطع سوى محاولة تثبيته حتى لا تسوء حالته أكثر…
«اطمئن.»
«رحل.»
ارتفع صوت تاليس قليلًا.
«أعرف ماضيكما.
«لأنني، على الأقل…
«كنتم جزءًا من السنة الدموية.
«على الأقل، سأظل أتذكر براءتك واستقامتك.»
ثم نهض مترنحًا، ورفع المشعل من جديد.
ارتجفت يد ناير الباردة.
أما هو…
«سأتذكر دائمًا أن هناك رجلًا، مهما تحمل من ألم وظلم، في الماضي أو الحاضر، حيًا كان أم ميتًا…
رفع الأمير المشعل ونهض مترنحًا.
«ظل يؤمن برفاقه ويعتز بهم.
«الثامن والثلاثون…
«وثق بهم منذ البداية…
استجمع تاليس كل ما تبقى له من قوة وأخذ نفسًا عميقًا، دافعًا إلى مؤخرة ذهنه ألم خطيئة نهر الجحيم وهي ترمم جسده، وآثار استخدام الطاقة الصوفية.
«ولم يتزعزع إيمانه بهم قط.»
«أعرف ماضيكما.
كانت رؤية ناير قد أصبحت ضبابية للغاية.
«ارقد بسلام.»
ومع ذلك، استنفد ما تبقى له من قوة ليبتسم للأمير.
«لكنه كان مشرفًا.»
شعر تاليس براحة عميقة لرؤية تلك الابتسامة، وخف قليلًا الثقل الذي تركه موت نالجي في قلبه.
«عذبك ضميرك، وحملت وسم المجرمين على وجهك، وعشت بين الذنب والسخط والغضب.
أخذ الأمير نفسًا عميقًا، ودفع حزنه إلى أعماقه.
لكن بعد أقل من ثانية، أخذ صدر نالجي يعلو ويهبط بعنف.
«سازل ناير…
وفي النهاية خفض رأسه وهزه بيأس.
«ليكن طريقك إلى نهر الجحيم سهلًا بلا عوائق.»
«لقد نلتم عفوي.
ثم وضع جبهته على جبهة ناير وهمس:
قابله تاليس بهدوء.
«ارقد بسلام.»
«ولم يتزعزع إيمانه بهم قط.»
ارتجف جسد ناير قليلًا، رغم أن الحياة لم يبق منها فيه إلا القليل.
«وأعرف ما فعلته.»
ظل السجن صامتًا.
أخذ الأمير نفسًا عميقًا، ودفع حزنه إلى أعماقه.
لكن في تلك اللحظة…
لطخ دم نالجي نعلي حذائه…
«لا، يا صاحب السمو…»
«الإمبراطورية المجيدة.»
ابتعد تاليس عنه بدهشة.
لم يستطع تاليس منع نفسه من الارتجاف.
فرغم أن الدموع غطت وجه ناير، أصر الرجل على الكلام وتصحيح قوله.
«شاركت في مؤامرة وفي صراع داخلي هز المملكة. وفي تلك السنوات المضطربة، ترددت… بين عائلتك والسلطة الملكية.
«لقد أقسمنا عهدًا.»
«سازل ناير…
ارتجف ناير بلا توقف، وحدقت عيناه الباهتتان في السقف الخالي.
وانطلقت منه شهقات ونشيج شديدان نحو تاليس، كأن في صدره كلامًا لا نهاية له يريد قوله.
فتح فمه بصعوبة شديدة، وعلى وجهه ابتسامة غارقة بالدموع.
ولم يستطع سوى محاولة تثبيته حتى لا تسوء حالته أكثر…
«بصفتنا من الحرس الإمبراطوري…
تنهد الفتى.
«فإن أرواحنا…
«وأعرف عزيمتكما أيضًا…
«لا تدخل الجنة ولا الجحيم…
«واليوم تغير الزمن.
«بل تُصهر في…
وراحة لم يعرف مثلها من قبل.
«الإمبراطورية المجيدة.»
وبعضهم بحزن.
«الأرواح؟»
وعادت تلك التموجات المألوفة على نحو غامض لتجتاحه.
تفاجأ تاليس قليلًا.
بدأت خطيئة نهر الجحيم تستهلك كميات هائلة من طاقته، مسرعةً تجدد الأنسجة المتضررة في جسده وتعافيها.
واصلت الدموع الانهمار من عيني ناير، لكن ابتسامته ازدادت إشراقًا.
«ودفعت ثمن ذلك.
وشعر تاليس بالحزن وهو يراه هكذا.
تحسس ناير وجه الأمير، وحدق فيه طويلًا.
«مثل إخوتنا الذين سبقونا…»
«بل يتعلق الأمر بما إذا كنا، حين تحين اللحظة…
لم يعد ناير قادرًا على رؤية ما أمامه بوضوح.
«ربما ما سأقوله الآن لا قيمة له…
لكنه استجمع ما تبقى له من قوة، واستدار مرتجفًا نحو رفاقه واحدًا تلو الآخر.
«أغفر لك كل جريمة وكل خطيئة ارتكبتها في الماضي…
«أنا، سازل ناير، من الحرس الملكي، وضابط الإمداد الثاني…»
عض بيلدين شفته.
دوي.
«لا…
قبض يده اليمنى بصعوبة وضرب بها صدره.
كأن حملًا ثقيلًا أُزيح عن كتفيه.
لم يبالِ بالألم ولا بالعبء الذي ستضيفه تلك الحركة إلى جسده المحتضر.
«ومن أعماق قلبي…
نظر تاليس إليه بدهشة.
تجمد تاليس للحظة، وما زال غارقًا في شروده.
ثم أدرك فجأة أن الحرس من حولهم، سواء زاكريل أو بارني الابن أو بيلدين أو ساميل، قد فردوا صدورهم واعتدلوا بملامح مهيبة.
«رحل.»
كأنهم يحضرون أكثر المراسم قداسة.
وأخيرًا، رأى تاليس الابتسامة على وجه ناير الشاحب تسترخي.
«أيها السادة!»
ألم.
فتح ناير عينيه، رغم أنهما لم تعودا تريان سوى الظلام، وقال بصوت أجش:
ثم ترك تاليس جسد ناير برفق.
«تحطم سيفي، واكتملت مهمتي.»
«أفهمكما.
كان يجبر رئتيه الضعيفتين على العمل، وينتزع الكلمات منهما انتزاعًا.
«وتمسكت بمبادئك حتى النهاية.»
لكن صوته ظل واضحًا.
«لم أستطع… أن أفعل… شيئًا…»
حازمًا.
ابتعد تاليس عنه بدهشة.
قاطعًا.
خفق…
وكل كلمة جعلت الحرس الملكيين يرتجفون.
«وتمسكت بمبادئك حتى النهاية.»
أخذ ناير نفسًا عميقًا.
«لا.»
«لقد… لقد أديت واجبي بكل ما أملك من إخلاص…»
فتح تاليس عينيه فجأة.
اختنق نفسه في منتصف الجملة.
«مثل ناير، أعرف الظلم الذي وقع عليكما.
لهث عدة مرات.
عاجزًا.
وما إن استعاد قدرًا من أنفاسه حتى تابع سريعًا:
وبعضهم بقلق.
«وسوف… سوف أرقد حتمًا إلى جوار الإمبراطور…»
ما إن سمعوا أسماءهم حتى ارتجف كانون وهو يحتضن جثمان نالجي، ولم يجرؤ على رفع رأسه.
وعلى حافة الموت، فتح ناير قبضته الموضوعة على صدره.
نظر تاليس إلى الرجل الذي كانت حياته تنزلق من بين أصابعه.
«…لا.»
تجمد الهواء.
هز رأسه.
«ولم يعد مطاردة سؤال من كان محقًا ومن كان مخطئًا آنذاك أهم ما في الأمر.»
ثم رفع يده المرتجفة ولمس وجه تاليس المتسخ.
حدق في تاليس غير مصدق، ثم قبض يده.
خفض تاليس رأسه برفق، وأسند خده إلى كف ناير.
«ظل يؤمن برفاقه ويعتز بهم.
تحسس ناير وجه الأمير، وحدق فيه طويلًا.
انتفض بيلدين وساميل في اللحظة نفسها.
وفي اللحظة التالية، أزهرت على وجهه أشحب ابتسامة وألطفها.
ثم أدار نالجي عينيه بعيدًا بارتجاف.
وقال بيقين:
فرأى جميع الحرس الملكيين يضعون أيديهم على صدورهم.
«أنا الآن…
«ومهما كان القرار الذي اتخذتموه آنذاك، فإنكم اليوم لم تتركوا زاكريل يحمل جرائمكم وحده.
«أرقد إلى جوار الإمبراطور.»
وبعد أن انتهى تاليس، أخذ نفسًا ونظر إلى بارني الابن في الجانب الآخر من الغرفة.
«تحطم سيفي. واكتملت مهمتي. وأديت واجبي بكل ما أملك من إخلاص. وأنا الآن أرقد إلى جوار الإمبراطور.»
شعر تاليس براحة عميقة لرؤية تلك الابتسامة، وخف قليلًا الثقل الذي تركه موت نالجي في قلبه.
استمع السجناء إلى كلماته الأخيرة بصمت.
اختنق نفسه في منتصف الجملة.
بعضهم تأثر.
نظر تاليس إلى الثلاثة، ومشاعر معقدة تضطرب في قلبه.
وبعضهم لم يجد إلا أن يتنهد في قلبه.
«الأهم أنكم دفعتم الثمن.
ظل ناير يحدق في الفراغ.
كان يجبر رئتيه الضعيفتين على العمل، وينتزع الكلمات منهما انتزاعًا.
وحبس أنفاسه بما تبقى له من قوة…
قال تاليس الكلمات لنفسه للمرة الثانية بصوت خافت.
كأنه ينتظر شيئًا.
ثم ترك تاليس جسد ناير برفق.
وأخيرًا، ارتفع صوت احتكاك خافت.
«لا يهم إلى أين مال قلبك، ولا الطريق الذي اخترته.
كان بارني الابن قد أفاق من كابوسه، وإن ظلت الكآبة تغطي وجهه.
لكن فارس الحكم المصاب بشدة ظل صامتًا.
أمسك بذراعه اليمنى التي يعصف بها الألم، وضغطها إلى صدره وهو يستند إلى الجدار.
خفض تاليس رأسه برفق، وأسند خده إلى كف ناير.
«ضابط الإمداد الثاني، سازل ناير.
«وفي النهاية، أنكرت ملكك الراحل، وأقسمت الولاء والإخلاص لجادستار آخر.
«لقد أديت واجبك بكل ما تملك من إخلاص.»
سخر ساميل:
بذل بارني كل ما لديه ليبقي صوته ثابتًا، رغم اختلال نبرته.
«ما زال هناك شيء أخير يمكننا فعله.»
وقال بصوت أجش:
كيليت، نيد، أورسولا…
«وسترقد حتمًا إلى جوار الإمبراطور.»
ابتسم تاليس.
وأخيرًا، رأى تاليس الابتسامة على وجه ناير الشاحب تسترخي.
ابتعد تاليس عنه بدهشة.
كأن حملًا أثقل كتفيه طويلًا قد رُفع عنه.
وما إن استعاد قدرًا من أنفاسه حتى تابع سريعًا:
رفع تاليس رأسه.
لكن هذه المرة كانت مختلفة.
فرأى جميع الحرس الملكيين يضعون أيديهم على صدورهم.
وكأن في لمسته سحرًا، بدأ نالجي يهدأ شيئًا فشيئًا.
وبمزيج من الوقار والحزن والانفعال، ألقوا معًا كلمات وداع الحرس الملكي:
«كنتم تعرفون الحقيقة.»
«ولا يبقى إلا إرثنا…
«وفوق ذلك…
«شاهدًا على الأبدية.»
«لكن ذلك كله لم يعد مهمًا…»
وما إن انتهت الكلمات حتى ارتخت ذراع ناير التي كانت تسند وجه تاليس.
مد تاليس يده اليسرى بوهن، ووضع كفه برفق فوق وسم المجرمين القبيح على وجه نالجي.
وسقطت فجأة بلا قوة.
تجمد كويك روب.
لكن تاليس أمسك بها قبل أن تهوي.
«آه…»
خفض الأمير رأسه.
«هذه…
فرأى أن آخر بريق للحياة قد اختفى من عيني ناير تمامًا.
«نزيف داخلي شديد بعد ضربة رضّية… لن أتعافى منه.
«لقد رحل.»
لكن تاليس أمسك بيده.
قال تاليس الكلمات لنفسه للمرة الثانية بصوت خافت.
وتبدلت نظرته إلى الأمير، كما تبدلت ملامحه.
خرج من حلق بيلدين نشيج مكتوم.
قال زاكريل بصوت أجوف:
وبكى كانون بصمت.
قال ناير بصعوبة:
أما بارني الابن فأغمض عينيه، وقد اجتاحته مشاعر عنيفة.
«الثامن والثلاثون…
وقال بصوت مرتجف:
كان بارني الابن قد أفاق من كابوسه، وإن ظلت الكآبة تغطي وجهه.
«الثامن والثلاثون…
راقب فارس الحكم تاليس وهو يتجه نحو بارني الابن.
«الثامن والثلاثون…»
«لقد رحل.»
توقف للحظة.
«بل لأنك أردت أن تتمسك بقرارك حتى النهاية، وأن تدفن فضيحة عائلة جادستار الملكية.
ثم ألقى نظرة مترددة نحو جثمان نالجي الملقى في الجهة المقابلة.
«على الأقل، سأظل أتذكر براءتك واستقامتك.»
وفي النهاية خفض رأسه وهزه بيأس.
وسقطت فجأة بلا قوة.
«التاسع والثلاثون.»
«هذا هو الشيء الذي ينبغي لي حقًا أن أعتز به، وأهتم به، وأتمسك به.
دفن زاكريل وجهه بين كفيه من جديد، وارتجف كتفاه.
خفق…
وبعد أن ودعوا اثنين من إخوتهم، غرق جميع الحرس في صمت ثقيل.
تنفس تاليس بشرود.
مرت بضع ثوانٍ.
«أنا، الأمير الثاني، تاليس جادستار…»
ثم ترك تاليس جسد ناير برفق.
«ليكن طريقك إلى نهر الجحيم سهلًا بلا عوائق.»
«لم ينتهِ الأمر بعد.»
«أعرف ماضيكما.
قال لنفسه وهو يحرك جسده الواهن.
«لقد أقسمنا عهدًا.»
«لم ينتهِ بعد.»
رفع تاليس رأسه ونظر إليه بشرود.
استدار تاليس، ومرر نظره على الوجوه من حوله.
«مقارنةً بالسلطة والمكانة…
«رئيس ضباط العقوبات، لوتون بيلدين.
ابتسامة.
«نائب حامل الراية، كولين ساميل.»
دوّى صوت نبضة قلب، كأن مطرقة ثقيلة تهوي بقوة.
عض بيلدين شفته.
«ضابط الإمداد الثاني، سازل ناير.
أما ساميل، فبدت ملامحه معقدة.
لكنه لم يتحرك بعدها.
رفع الأمير المشعل ونهض مترنحًا.
استجمع تاليس كل ما تبقى له من قوة وأخذ نفسًا عميقًا، دافعًا إلى مؤخرة ذهنه ألم خطيئة نهر الجحيم وهي ترمم جسده، وآثار استخدام الطاقة الصوفية.
وبضوء اللهب، بدت هيئته أوضح أمامهم.
فاجأ رد فعله العنيف كانون، الذي كان لا يزال يضغط على عنقه.
«أفهمكما.
أما تاليس، فحاول أن يبتسم.
«وأرى أن ما تقولانه منطقي.»
«تحطم سيفي، واكتملت مهمتي.»
قال تاليس بصوت أجش:
لكنه بدا في أعينهم طويلًا.
«لكنني لا أملك سلطة أبي، ولا مكانته.
كأن سدًا عظيمًا ظل يحبس المياه سنوات طويلة قد تحطم أخيرًا.
«لا أستطيع إسقاط التهم عنكما، ولا تبرئة اسميكما، ولا التوسط لكما.»
لم يعرف أحد كم مضى من الوقت.
وأثناء كلامه، ألقى نظرة على بارني الابن، الذي تحطمت كل آماله وظل صامتًا.
رأى بيلدين أن نالجي توقف عن التنفس، فكبت ما يعتمل في صدره وهمّ بالكلام.
«وأعرف طبيعة أبي.
«يا صاحب السمو—»
«حتى لو عدت إلى مدينة النجم الأبدي، فلن تكون لي سلطة حقيقية.
ازداد الرجال الثلاثة انكسارًا.
«ولن تحمل كلماتي وزنًا يُذكر…
لم يستطع حتى أن يصفها.
«وقد لا تعني شيئًا أصلًا.»
وعندها فقط لاحظ أن جميع الموجودين، دون أن يدري متى بدأ ذلك، كانوا يحدقون فيه.
بقي وجه بيلدين مهيبًا.
«بل يتعلق الأمر بما إذا كنا، حين تحين اللحظة…
أما ساميل فهز رأسه وأطلق ضحكة ساخرة خافتة.
وقال بصوت أجش:
«لا أستطيع محو الوسوم عن وجوهكم.
لكن في النهاية، أخذ نفسًا عميقًا وهز رأسه.
«ولا تبرئة أسمائكم.
«لم ينتهِ الأمر بعد.»
«ولا تغيير ما أنتم فيه.
«سنتمكن من اتخاذ القرار الصحيح.»
«ولا تعويضكم عما أصابكم.»
ترنح تاليس، ثم تجاوز سيف بارني.
أخذ تاليس نفسًا عميقًا.
بل كان هناك شيء أهم من ذلك بكثير.
«لكن على الأقل…
فرأى جميع الحرس الملكيين يضعون أيديهم على صدورهم.
«وهذا كل ما أستطيع قوله لكم باسمي أنا، باسم تاليس جادستار…»
«أنا آسف.»
خفض عينيه وقال بهدوء:
انتحب بحرقة، عاجزًا عن إكمال كلامه.
«أنا آسف.»
نظر إليه تاليس بحزن.
انتفض بيلدين وساميل في اللحظة نفسها.
تنهد تاليس.
«مثل ناير، أعرف الظلم الذي وقع عليكما.
ابتسم تاليس.
«أعرف ماضيكما.
ثم نهض مترنحًا، ورفع المشعل من جديد.
«وأعرف براءتكما.»
فرغم أن الدموع غطت وجه ناير، أصر الرجل على الكلام وتصحيح قوله.
حاول تاليس أن يجعل صوته هادئًا وصادقًا.
«لا أستطيع التحدث إلا باسمي.
«وأعرف عزيمتكما أيضًا…
وأخفى الدموع التي اندفعت من عينيه.
«وسأتذكر كل ذلك إلى الأبد، مهما قال الآخرون.»
ثم ضعف أكثر فأكثر.
في تلك اللحظة، أجبر بيلدين نفسه على ابتسامة حزينة، ثم هز رأسه.
«الثامن والثلاثون…»
أما عينا ساميل فتلألأتا وهو ينظر إلى الأمير بنظرة يصعب وصفها.
حدق الحرس في الأمير بنظرات مختلفة؛ بعضها يائس، وبعضها حزين، وبعضها بارد، وبعضها خاوٍ.
«ومثل ناير…
«وهكذا مضت سنواتك.»
«في قلبي، سقطت عنكما كل التهم منذ زمن.»
«لقد رحل.»
حاول تاليس أن يبدد الحزن في أعماقه، ورفع طرفي شفتيه.
«…لا.»
«أنتما من خيرة الحرس الملكي…
«وربما لن يُبرأ اسمك يومًا.»
«شكرًا لكما.»
«من هذه اللحظة.»
تجمدت الكلمات في فم بيلدين.
تسارعت أنفاس نالجي.
لم يستطع إخراج شيء.
صرخ كويك روب بفزع، وهمّ بالاندفاع إليه، لكن الأمير رفع ذراعه بحزم وأوقفه.
«يا صاحب السمو…»
دفن كانون وجهه في صدر نالجي وهو يبكي بلا توقف.
أدار ساميل رأسه، كأنه يريد أن يغرق وجهه في الظلام فلا يراه أحد.
«من هذه اللحظة.»
أما تاليس، فحاول أن يبتسم.
لكنه كان ثابتًا وحازمًا، فاجتذب أنظار الجميع.
ثم استدار بجسده الضعيف نحو الرجال الثلاثة الآخرين.
التقط تاليس أنفاسه، وقاوم رغبته في البكاء.
«كشاف الفرسان من قسم الطليعة، جونا كانون.
«الأرواح؟»
«حارس قسم الدفاع، سول بروولي.
«لا أستطيع التحدث إلا باسمي.
«وأنت، غوتي تاردين، النبيل المولد.»
تقدم تاليس بوهن نحو بيلدين، الذي كان يحتضن ناير.
ما إن سمعوا أسماءهم حتى ارتجف كانون وهو يحتضن جثمان نالجي، ولم يجرؤ على رفع رأسه.
«ومع ذلك…»
بكى بروولي بألم.
في تلك اللحظة، أجبر بيلدين نفسه على ابتسامة حزينة، ثم هز رأسه.
أما تاردين فأدار وجهه إلى الجانب الآخر خجلًا.
بدأت خطيئة نهر الجحيم تستهلك كميات هائلة من طاقته، مسرعةً تجدد الأنسجة المتضررة في جسده وتعافيها.
«لقد تورطتم جميعًا في مؤامرة وفوضى ذلك العام.
وكأن انهياره حطم شيئًا في الآخرين.
«بل شاركتم فيها بأنفسكم.
وضع يديه في بركة الدم، ثم خر ساجدًا على الأرض وانفجر باكيًا.
«كنتم جزءًا من السنة الدموية.
«ومثل ناير…
«وأسهمتم في مأساة العائلة الملكية، وجلبتم الكارثة على المملكة.
وبعضهم بحزن.
«وذنوبكم لا يمكن محوها ببساطة.»
رأى بيلدين أن نالجي توقف عن التنفس، فكبت ما يعتمل في صدره وهمّ بالكلام.
ازداد الرجال الثلاثة انكسارًا.
تردد صوت الفتى خافتًا.
دفن كانون وجهه في صدر نالجي وهو يبكي بلا توقف.
«ففي النهاية… أنا لست الملك.
وجثا بروولي على الأرض، وعيناه خاويتان.
اتسعت عينا بيلدين.
أما تاردين فعض شفتيه، كأنه هيأ نفسه لما سيأتي.
«واجهت الحقيقة القبيحة مباشرة.
نظر تاليس إلى الثلاثة، ومشاعر معقدة تضطرب في قلبه.
لم يعرف متى أغمض الرجل بين ذراعيه عينيه.
لم يستطع حتى أن يصفها.
وضع تاليس المشعل جانبًا.
لكن في النهاية، أخذ نفسًا عميقًا وهز رأسه.
استدار تاليس، ومرر نظره على الوجوه من حوله.
«ومع ذلك…»
قال تاليس بصوت أجش:
ظهرت ابتسامة خافتة على وجهه.
«وأعرف براءتكما.»
«…أغفر لكم.»
تردد صوت الأمير.
تجمد الهواء.
أخذ تاليس نفسًا عميقًا.
اتسعت عينا بيلدين.
هز تاليس رأسه، لكنه لم يتوقف.
حتى ساميل عقد حاجبيه.
أما ساميل، فبدت ملامحه معقدة.
أما الرجال الثلاثة، تاردين وبروولي وكانون، فظلوا في أماكنهم مذهولين تمامًا.
«ليذهب ماضيك مع الريح.
قال تاردين دون وعي:
«وأتمنى أن تولدوا من جديد…
«يا صاحب السمو—»
ووضع بيلدين جثمان ناير برفق، ثم ظل يحدق في تاليس.
لكن تاليس لم يدعه يكمل.
رفع تاليس رأسه ونظر إليه بشرود.
نظر إلى جثماني نالجي وناير وقال بهدوء:
كأنهم يحضرون أكثر المراسم قداسة.
«مثل نالجي، اخترتم بأنفسكم طريقًا من بين طرق كثيرة كانت أمامكم.
وضع تاليس المشعل جانبًا.
«واليوم تغير الزمن.
عاجزًا.
«ولم يعد مطاردة سؤال من كان محقًا ومن كان مخطئًا آنذاك أهم ما في الأمر.»
«وأعرف ما فعلته.»
ارتجف تاردين قليلًا.
ثانية.
وتابع الأمير بصوت هادئ، خالٍ من الكراهية والاحتقار:
استمرت همهمات نالجي، لكنها أخذت تضعف.
«الأهم أنكم دفعتم الثمن.
«هذا هو الشيء الذي ينبغي لي حقًا أن أعتز به، وأهتم به، وأتمسك به.
«سواء بموت إخوتكم…
لم يعرف متى أغمض الرجل بين ذراعيه عينيه.
«أو بعقاب ضمائركم…
«في قلبي، سقطت عنكما كل التهم منذ زمن.»
«أو بالذنب والكابوس اللذين سيظلان يطاردانكم.»
«وحتى لو لم تعترف المملكة به…
ظل الرجال الثلاثة يحدقون فيه غير مصدقين.
ارتجفت يد ناير الباردة.
«حتى أنا أستطيع أن أرى أي نوع من الرجال أنتم.
ثلاث…
«ومهما كان القرار الذي اتخذتموه آنذاك، فإنكم اليوم لم تتركوا زاكريل يحمل جرائمكم وحده.
تقدم تاليس بوهن نحو بيلدين، الذي كان يحتضن ناير.
«بل واجهتم ماضيكم، وتقدمتم واعترفتم بما فعلتم في ذلك العام.»
لكن لم يكن هناك شيء.
نظر بعضهم إلى زاكريل.
أدار المحارب، الذي قاتل بكل ما لديه من شراسة وقوة، رأسه فجأة إلى الجانب.
لكن فارس الحكم المصاب بشدة ظل صامتًا.
ثم وضع جبهته على جبهة ناير وهمس:
تنهد تاليس.
«أعرف يا نالجي.
«وفوق ذلك…
ثلاث…
«أنقذتم حياتي اليوم، رغم أنكم كنتم تعرفون تمامًا أن ذلك لن يجلب لكم عفوًا.
«لم أستطع إلا مشاهدة كل شيء يحدث أمامي، عاجزًا وبلا حول… أنا آسف…»
«فأنتم، على خلاف بارني…
«لا أستطيع التحدث إلا باسمي.
«كنتم تعرفون الحقيقة.»
ومرت في ذهنه فوضى مدينة سحب التنين وسفك الدماء في تلك الليلة.
وبينما كان يتكلم، لم يعرف تاليس إن كانت قوة الإبادة قد بدأت تؤدي أثرها، أم أن مدة عذاب آثار الطاقة الصوفية قد انتهت أخيرًا.
«لم تر ضوء النهار مرة أخرى، وقضيت النصف الباقي من حياتك ممزقًا بين ما فعلته وما تؤمن به.»
لكنه شعر بأن الألم اختفى من جسده تمامًا.
«واجهت ألمك.
لم يبقَ سوى الضعف…
ثم وضع جبهته على جبهة ناير وهمس:
والحيرة…
«الأرواح؟»
والفراغ…
«ليذهب ماضيك مع الريح.
وراحة لم يعرف مثلها من قبل.
«أنا، سازل ناير، من الحرس الملكي، وضابط الإمداد الثاني…»
كأن حملًا ثقيلًا أُزيح عن كتفيه.
لم يبالِ بالألم ولا بالعبء الذي ستضيفه تلك الحركة إلى جسده المحتضر.
رفع تاليس رأسه، وحاول أن يبتسم قدر استطاعته.
بعضهم بدهشة.
وقال بصوت أجش:
أما بارني الابن فأغمض عينيه، وقد اجتاحته مشاعر عنيفة.
«ولهذا…
«وربما العدالة التي كان ينبغي أن تنالها…
«أغفر لكم.
نظر تاليس إليه بدهشة.
«أغفر لكم جميعًا.
«لقد تورطتم جميعًا في مؤامرة وفوضى ذلك العام.
«لقد نلتم عفوي.
لكن في تلك اللحظة…
«عفوت عنكم كي تتحرروا من عذاب الماضي ومن الذنب الأبدي.
«لا يهم من خنت، ولا لمن كنت وفيًا.
«وأتمنى أن تولدوا من جديد…
أما الرجال الثلاثة، تاردين وبروولي وكانون، فظلوا في أماكنهم مذهولين تمامًا.
«من هذه اللحظة.»
ومن خلال رؤيته التي أخذت تظلم تدريجيًا، رأى تاليس فارس الحكم يحدق في العتمة بعينين خاويتين.
«هذا… قراري.»
«ولا يهم أين وقفت في الماضي أو أين تقف الآن…»
همس الصوت في قلب تاليس.
ألم مبرح.
«مقارنةً بالسلطة والمكانة…
ولثوانٍ، لم يُسمع سوى فرقعة شرر المشعل واختلاط الأنفاس.
«هذا هو الشيء الذي ينبغي لي حقًا أن أعتز به، وأهتم به، وأتمسك به.
وللحظة، طغى الحزن في قلبه حتى أنساه ألم جسده.
«هذه…
انتحب بحرقة، عاجزًا عن إكمال كلامه.
«هي نقطة ارتكازي الحقيقية.»
أما كويك روب فبقي صامتًا.
ساد الصمت.
ألصق خده بجبهة نالجي، وبدأت مقاومة الرجل تهدأ تدريجيًا مع صوته.
ولثوانٍ، لم يُسمع سوى فرقعة شرر المشعل واختلاط الأنفاس.
أضاء اللهب جسده النحيل الواهن…
وأخيرًا، كان كانون أول الثلاثة الذين عجزوا عن التماسك.
لم يعرف إن كانت آثار الطاقة الصوفية قد قررت أخيرًا أن ترحمه، أم أن خطيئة نهر الجحيم أنهت ترميم جسده، لكن الألم بدأ يخفت ويتبلد.
وضع يديه في بركة الدم، ثم خر ساجدًا على الأرض وانفجر باكيًا.
حاول تاليس أن يبدد الحزن في أعماقه، ورفع طرفي شفتيه.
وكأن انهياره حطم شيئًا في الآخرين.
وبعضهم بقلق.
فما إن سقط كانون حتى هوى تاردين على ركبتيه، وغطى وجهه بألم وندم.
بقي وجه بيلدين مهيبًا.
«يا صاحب السمو… أنا… أنا…»
لم يكن ألمًا.
انتحب بحرقة، عاجزًا عن إكمال كلامه.
وحبس أنفاسه بما تبقى له من قوة…
ارتجفت شفتا بروولي، لكن لم يخرج منه صوت.
فرغم أن الدموع غطت وجه ناير، أصر الرجل على الكلام وتصحيح قوله.
أغمض عينيه بقوة، ثم انحنى نحو تاليس وخفض جسده ورأسه إلى أدنى ما يستطيع.
كانت عيناه قد فقدتا التركيز، ومع ذلك مد يده اليسرى الواهنة، المرتجفة بعنف، محاولًا الإمساك بشيء في الهواء.
تنهد ساميل.
أمسك بذراعه اليمنى التي يعصف بها الألم، وضغطها إلى صدره وهو يستند إلى الجدار.
ووضع بيلدين جثمان ناير برفق، ثم ظل يحدق في تاليس.
أغمض عينيه بقوة، ثم انحنى نحو تاليس وخفض جسده ورأسه إلى أدنى ما يستطيع.
ابتسم تاليس لهم.
«لا أستطيع محو الوسوم عن وجوهكم.
«أنا آسف.
«يا صاحب السمو—»
«لا أستطيع التحدث إلا باسمي.
ظل الجميع عاجزين عن الكلام، يراقبون الفتى وهو يخاطب الرجل الجريح بصوت خافت.
«ففي النهاية… أنا لست الملك.
كان وجهه شاحبًا، والعرق البارد ينساب باستمرار على جسده.
«وهذا أقصى ما أستطيع فعله.»
«وأسهمتم في مأساة العائلة الملكية، وجلبتم الكارثة على المملكة.
قال الجملة الأخيرة بشيء من الأسى.
«الحرس الملكي… خاض إحدى عشرة مرة اقتتالًا بين الإخوة.»
هز بيلدين رأسه، ثم منح الأمير أكثر ابتسامة ممتنة ومتحفظة استطاع إظهارها.
«على الأقل… الآن…»
«لا…
«أتمنى ألّا تبقى أسير الحيرة والصراع والعذاب والذنب.
«ما فعلته يتجاوز ذلك بكثير…
«وأعرف براءتكما.»
«أبعد بكثير.»
«تاليس!»
قال بيلدين الكلمات في قلبه.
«أعرف أنك لم تجد مكانًا تشكو فيه ظلمك.
وبعد أن انتهى تاليس، أخذ نفسًا ونظر إلى بارني الابن في الجانب الآخر من الغرفة.
قال لنفسه وهو يحرك جسده الواهن.
كان كويك روب يقف جانبًا، يراقب كل شيء بذهول.
حتى بارني الابن هدأ.
في ظلمة السجن، استلقى جسدان بسلام فوق الأرض.
وتابع الأمير بصوت هادئ، خالٍ من الكراهية والاحتقار:
جثا زاكريل وهو يحدق في تاليس بشرود.
فأضاء النور غرفة التخزين المعتمة.
واستند بارني الابن إلى الجدار بلا حراك.
«ولم يتزعزع إيمانه بهم قط.»
أما السجناء الأربعة الآخرون، ومن بينهم ساميل، فكانوا في حال يرثى لها؛ بعضهم مضطرب، وبعضهم غارق في الحزن، وبعضهم يبكي ووجهه بين يديه، وبعضهم جاثٍ يتنهد.
ارتجف تاردين قليلًا.
وفي وسطهم جميعًا وقف الفتى رافعًا مشعله.
«لا.»
وعلى وجهه ابتسامة ارتياح.
«لقد نلتم عفوي.
أضاء اللهب جسده النحيل الواهن…
«أعرف أنك لم تجد مكانًا تشكو فيه ظلمك.
لكنه بدا في أعينهم طويلًا.
ألصق خده بجبهة نالجي، وبدأت مقاومة الرجل تهدأ تدريجيًا مع صوته.
راسخًا.
قال لنفسه وهو يحرك جسده الواهن.
قويًا.
تردد صوت الفتى خافتًا.
تمتم ساميل بشرود من الجانب:
خفض تاليس رأسه برفق، وأسند خده إلى كف ناير.
«ماذا يفعل؟»
كيليت، نيد، أورسولا…
سمعه بيلدين.
«كنتم تعرفون الحقيقة.»
فأجاب:
وقال بصوت أجش:
«لا شيء.»
«وتمسكت بمبادئك حتى النهاية.»
راقب فارس الحكم تاليس وهو يتجه نحو بارني الابن.
وأخفى الدموع التي اندفعت من عينيه.
ثم قال الأمير بصوت خافت، امتزج فيه الألم بالأمل:
«لا أعرف كل ما مررت به خلال هذه السنوات الثماني عشرة.
«إنه فقط…
انتفض بيلدين وساميل في اللحظة نفسها.
«رفع المشعل.»
تمتم ساميل بشرود من الجانب:
راقب بيلدين تاليس من بعيد، وقال في أعماق قلبه:
«أغفر لكم.
«ثم أضاء ظلامنا.»
«حتى أنا أستطيع أن أرى أي نوع من الرجال أنتم.
وفي اللحظة التالية، لم يعد بيلدين قادرًا على التماسك.
«ولا تعويضكم عما أصابكم.»
أدار المحارب، الذي قاتل بكل ما لديه من شراسة وقوة، رأسه فجأة إلى الجانب.
ثانية.
وأخفى الدموع التي اندفعت من عينيه.
«ودفعت ثمن ذلك.
أخذ تاليس نفسًا عميقًا.
