Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 461

البعث (2)
PDF

البعث (2)

البعث (2)

وعاد الإرهاق إليه.

لم يكن تاليس بخير.

«هل ستصبح مثل المحارب العجوز الجبان كويل بارني، الذي فقد رغبته في الحياة، وسقط في اليأس، وانكسر ولم يعد يريد سوى الموت…

لم يكن بخير على الإطلاق.

تقدم تاليس خطوة، وقاوم الدوار.

كانت الآلام تنتشر في أنحاء جسده، تشتد حينًا وتهدأ حينًا. كان البرد ينخر مفاصله حتى ترتجف، والجوع يحرق معدته كأنه على وشك أن يحفر فيها ثقبًا. أما جراحه القديمة والحديثة، التي التأم بعضها، فكانت تعذبه بمزيج من الألم والحكة والخدر، وفوق كل ذلك جاء الدوار والإرهاق بعد أن استنزف قواه الذهنية حتى آخرها…

هز بارني رأسه بشرود، وقبض يديه، كأنه يحاول بذلك إبقاء عقله يقظًا.

اجتاحت كل تلك الأحاسيس السيئة جسده كالطوفان.

أم حزنًا أعمق.

وبدت صرخات الحرس ولهاثهم في أذنيه كأصداء بعيدة.

وتذكر الدرع الذي تشبثت به بقوة…

اشتد تأثير كل شيء عليه حتى بدأت رؤيته تتمايل.

لكنه لم يفعل.

أما خطيئة نهر الجحيم، التي كانت دائمًا جامحة لا تعرف السكون، فقد خمدت داخله بلا حراك، كوحش أصابه مرض عضال ورفض أن يقدم له المزيد من العون.

فخورًا.

عرف تاليس أن ما يشعر به قد يكون أثرًا جانبيًا لقدرة خطيئة نهر الجحيم على التعافي، أو بقايا إفراطه في استخدام طاقته الصوفية، أو حتى من آثار انفجار كرة الخيمياء في وقت سابق.

آثاره.

لقد أرهق جسده الصغير أكثر مما ينبغي.

المشعل الذي التقطه تاليس من الأرض.

لكن لم يكن لديه خيار آخر.

«لقد أثبتَّ بأفعالك أن أباك كان محقًا حين لم يخبرك بالحقيقة!

لم يكن لديه أي خيار.

ما الذي قتل هذا الرجل؟

وبينما كان كويك روب يناديه بقلق، وبيلدين يراقبه بتوتر، استجمع الفتى كل ما بقي له من قوة وثبت قدميه.

وألقى السيف برفق.

«لا يمكنني أن أسقط.»

«هنا…

وسط دواره، شعر تاليس بثقل هائل يضغط على جسده وروحه.

اشتد تأثير كل شيء عليه حتى بدأت رؤيته تتمايل.

لوّح بيده رافضًا مساعدة الآخرين.

تكلم تاليس ببطء شديد.

«ليس بعد.»

«أنت لست مثل نالجي، الذي عاش مثقلًا بالندم والذنب، يتوق إلى السلام ولا يستطيع الوصول إليه.»

عض طرف لسانه عدة مرات.

اشتد تأثير كل شيء عليه حتى بدأت رؤيته تتمايل.

كان الألم الحاد كافيًا لإيقاظ حواسه، وكأنه ينتزع من ذلك الألم الذي أوشك على تخديره ما يكفي من القوة ليجمع أفكاره.

اشتدت نبرته.

وفي ذلك الصمت المختلف، استدار تاليس بصعوبة وهو يرفع المشعل في يده.

«ارفعي درعك.»

وقع نظره على الرجل الجالس مستندًا إلى الجدار، يضغط على جرح ذراعه، وقد بدا منهارًا ومقفرًا من الداخل.

صُدم الرجال خلفه.

ومع نظرة تاليس، تحولت أنظار الآخرين إليه أيضًا.

وظلت كلماته معلقة في الهواء.

إلى ذلك الرجل البائس الذي لم يقل كلمة واحدة، وظل يحدق بشرود في الجثمانين.

الأب.

كانت عينا بيلدين محمرتين وهو يراقبه، كأنه ينتظر شيئًا.

«الحقيقة يا كويل بارني…

أما كانون وتاردين فامتلأت عيناهما بالخجل، حتى إنهما لم يجرؤا على مواجهة بارني الابن.

«شرارة قامت فوق سقوط أبيك…

وحملت نظرة ساميل معنى عميقًا يصعب وصفه.

وتبادل بيلدين والآخرون النظرات في حيرة.

لكن كلما اقترب مشعل تاليس، تراجع الرجل أكثر وانكمش على نفسه.

وكان مزعجًا للغاية.

بل أدار وجهه بعيدًا عن النار…

«مثلًا…

كأنه يخشى الضوء ذاته.

«آنذاك، هم… هم لم يعطوني حتى خيارًا!

«كويل بارني… قائد الطليعة.»

أخذت نظرة بارني الابن تتصلب تدريجيًا، لكنه ظل ساكنًا.

تنهد تاليس بإرهاق.

ثم التقطه.

«أعرف أن يومك كان طويلًا.»

«كتبت لك جدتك رسالة. تريدك أن تعود…»

بدا أن ذلك الجسد الخامل شعر بشيء.

لكن وجه الرجل في ذاكرته أصبح أوضح.

فتراجع غريزيًا.

تكلم تاليس ببطء شديد.

توقف تاليس.

أخذ الأمير نفسًا عميقًا ليخفف دواره.

وفي رؤيته الضبابية، أخذت هيئة بارني الابن تتضح تدريجيًا.

تابع تاليس بصوته الأكثر وضوحًا وأسفًا:

منذ وقت ليس ببعيد، كان هذا الرجل نفسه قد مد إليه يده الخشنة المليئة بالثفن.

كانت الآلام تنتشر في أنحاء جسده، تشتد حينًا وتهدأ حينًا. كان البرد ينخر مفاصله حتى ترتجف، والجوع يحرق معدته كأنه على وشك أن يحفر فيها ثقبًا. أما جراحه القديمة والحديثة، التي التأم بعضها، فكانت تعذبه بمزيج من الألم والحكة والخدر، وفوق كل ذلك جاء الدوار والإرهاق بعد أن استنزف قواه الذهنية حتى آخرها…

لكن الآن…

«لم تضطر يومًا لاتخاذ خيار مؤلم.»

اختفى تمامًا ذلك النشاط والبريق اللذان كانا يملآن عينيه.

خفض بيلدين نظره بحيرة.

وحل محلهما ظلام قاتم.

«…إما أن تموتي أنت…

ظلام ممتلئ باليأس والندم والألم والحيرة.

«كنت أنت نور رفاقك في هذا الظلام.»

«لا، يا صاحب السمو.»

«لا، يا صاحب السمو.»

ضغط بارني الابن جانب رأسه إلى كتفه، وأسند مؤخرة رأسه إلى الجدار.

اختفى تمامًا ذلك النشاط والبريق اللذان كانا يملآن عينيه.

غرق نصف وجهه في الظلام، فبدا كأنه غير حقيقي.

أخذ تاليس نفسًا خفيفًا.

«لا.»

وعاد ذلك الصمت الذي يصعب وصفه.

امتلأت كلماته بالمرارة، حتى بدا الوسم على وجهه أكثر وضوحًا.

كان مشعلًا.

«لا تستخدم معي تلك الحيلة العاطفية…

ثم ابتسم.

«لا تواسني.

وسط دواره، شعر تاليس بثقل هائل يضغط على جسده وروحه.

«ولا تغفر لي…»

راقب تاليس رد فعله بهدوء.

ولم يكمل بارني.

«وأثبت صحة حكمه عليك:

احتضن ذراعه المصابة وانكمش في زاوية الغرفة، على شفا الانهيار، مختبئًا من أشعة الضوء كوحش يحتضر.

«كنت أنت نور رفاقك في هذا الظلام.»

بدا كأنه وصل إلى نهاية الطريق.

«كنت ساطعًا.

لم يعد سوى جثة تمشي.

المشعل الذي التقطه تاليس من الأرض.

ما الذي قتل هذا الرجل؟

وسط دواره، شعر تاليس بثقل هائل يضغط على جسده وروحه.

ما الذي انتزع الحياة منه؟

وكان صوته يرتعش حتى تغيرت نبرته.

هذا المحارب الذي كان يلوح بسيفه ودرعه بثبات وشراسة، ويقتحم صفوف أعدائه بلا تردد؟

لم يكن لديه أي خيار.

هذا المقاتل من الطبقة العليا الذي لم تتغير ملامحه حتى حين حوصر وغرق في دمه؟

ثم قلب السيف بيدين مرتجفتين، ومد المقبض نحو بارني.

ما الذي قتله؟

غرق قائد الطليعة في شروده.

أخذ تاليس نفسًا خفيفًا.

«واضطهدك…

ثم ألقى المشعل من يده برفق.

اهتز بارني الابن بعنف.

اهتز الضوء الخافت والظلال المضطربة.

خفض ساميل رأسه، وكأنه لم يتقبل كلمات تاليس تمامًا.

ومع ابتعاد وهج المشعل عن عينيه، أعاد بارني الابن وجهه أخيرًا نحو تاليس.

«وتستسلم للغضب…

«بالطبع لا.»

«كل ذلك لم يوجد إلا بسبب تصرفاتهم الحقيرة وخيانتهم!»

ظهرت على وجه الفتى ابتسامة هادئة.

تجمد بارني قليلًا.

«ولست أنوي فعل ذلك أصلًا…»

اشتد انفعاله.

ثبت تاليس عينيه على بارني الابن.

«كتبت لك جدتك رسالة. تريدك أن تعود…»

وكان صوته مستقرًا.

نادرًا ما سمعه من أبيه.

«…لأنك لم ترتكب خطأ.»

رفع عينيه.

توقف ارتجاف بارني للحظة، وبدا مذهولًا.

«امتلك شيئًا فقدوه جميعًا.

ساد الصمت في السجن.

«أجب نفسك.»

ثم تابع تاليس:

وعاد ذلك الصمت الذي يصعب وصفه.

«منذ ثمانية عشر عامًا، يا بارني، وبصفتك قائد طليعة الحرس الملكي الوفي دائمًا، كان طريقك واضحًا.

«فقد واجهت الحقيقة في النهاية.

«مستقيمًا.

«لا.»

«طريقًا واحدًا لا يتفرع.

تنهد تاليس.

«وكان دائمًا الطريق الوحيد الذي ستسلكه.

لكن تاليس قاطعه.

«عشت في أبسط عالم ممكن.

«لكنني أشعر…

«لم يكن عليك سوى أن تكون صادقًا مع نفسك وتحمي رفاقك.

«لا تسمح للآخرين بتغييرك.

«لم تضطر يومًا لاتخاذ خيار مؤلم.»

منذ وقت ليس ببعيد، كان هذا الرجل نفسه قد مد إليه يده الخشنة المليئة بالثفن.

أخذت نظرة بارني الابن تتصلب تدريجيًا، لكنه ظل ساكنًا.

ومض مشهد قديم جدًا أمام عينيه.

التفت تاليس إلى بقية الرجال في السجن.

لكن تاليس لم ينتهِ.

وانخفض صوته، كأنه يتنهد تعاطفًا.

«لا، يا صاحب السمو.»

«…على عكسهم.»

لم يجرؤوا على النظر مباشرة في عينيه.

ظل زاكريل يحدق بشرود في الجثمانين على الأرض، ونظرته عصية على الفهم.

«تبحث عن نقاط ضعفهم، ثم تعرض عليهم شيئًا لا يستطيعون رفضه مقابل ما تريده منهم.»

خفض ساميل رأسه، وكأنه لم يتقبل كلمات تاليس تمامًا.

وكان صوته مستقرًا.

«أنت لست مثل نالجي، الذي عاش مثقلًا بالندم والذنب، يتوق إلى السلام ولا يستطيع الوصول إليه.»

البعث (2)

ظهرت ملامح الألم على وجوه كانون وبروولي وتاردين.

«وسلكت الطريق الذي مهده لك.»

«ولست مثل ناير، الذي عاش مضطربًا لأنه عرف الحقيقة، وعذبته حيرته بين الكلام والصمت.»

غرق نصف وجهه في الظلام، فبدا كأنه غير حقيقي.

بقيت عينا تاليس مثبتتين على وجه بارني الابن.

خفض بيلدين نظره بحيرة.

لم تتغير ملامح الرجل.

ثم أخذ نفسًا عميقًا.

وفي النهاية، تنهد تاليس.

توقفت كفه لحظة فوق السيف المكسور الملطخ بالدم.

«ولست مثل…

احتضن ذراعه المصابة وانكمش في زاوية الغرفة، على شفا الانهيار، مختبئًا من أشعة الضوء كوحش يحتضر.

«مثل أبيك.»

“ارفع درعك.”

الأب.

استدار تاليس ومرر نظره على ساميل ذي التعبير المعقد، وبيلدين الذي ظهر الأمل في عينيه، وتاردين الذي يصعب فهم مشاعره، وزاكريل الذي تغير كثيرًا قبل قليل وظل الآن غارقًا في شروده.

بمجرد أن نطق تلك الكلمة، رأى تاليس جسد بارني الابن يهتز بعنف.

رفع بارني صوته، وخاطب الأمير بسخط ومرارة:

تنهد الأمير في قلبه.

«أعرف حيلك، يا صاحب السمو.»

«ولهذا ترى أن أباك كان يجب أن يخبرك بالحقيقة آنذاك، صحيح؟»

القرار.

راقب تاليس ملامح بارني المتضاربة والمتغيرة.

وأحس بألم الكسر في عظامه يزداد.

ثم قال برفق:

خدر…

«لكن السؤال هو…

تنهد.

«لو أخبرك بالحقيقة، ماذا كنت ستفعل؟

وكيف خاطب «المتدربة» التي أوكلها إليه ولي العهد بكل ازدراء ونفور:

«وأي قرار كنت ستتخذ؟»

مرهقًا، ممزق الهيئة.

«لو أخبرني بالحقيقة…»

ولم يعرف أحد أنه في تلك اللحظة، كان تاليس يقبض يديه بعنف.

التوت ملامح بارني الابن تحت ضوء النار.

«كنت تمثل أنصع وأجمل ما في الحرس الملكي.

لكنه أدار رأسه بعنف، وعاد يواجه الجدار بعناد.

«كنت ساطعًا.

هرب من الضوء.

استدار تاليس ببطء.

ولم يقل شيئًا.

«هل هذا ممكن؟»

لم يُظهر للنيران سوى الوسم…

«متوهجًا.

أقبح جزء في وجهه.

«أن الحقيقة عكس ذلك تمامًا.»

راقب تاليس رد فعله بهدوء.

اشتد تأثير كل شيء عليه حتى بدأت رؤيته تتمايل.

«دعني أخمن.

متباهيًا.

«هل كنت ستصغي إليه وهو يشرح لك موقفه، ثم تقف إلى جانبه، وتقاتل معه حتى آخر نفس، وتموت أمام القصر، وتُدفن مع قراراتك وذنوبك؟

ارتجف.

«هل كنت ستدخل راحتك الأبدية حاملًا فوق كتفيك دَين دم قتل الملك؟»

ثم، وكأن بارني لم يعد قادرًا على تحمل نظرة الأمير المليئة بالأمل والنور، خفض رأسه دون وعي وتهرب من عينيه.

ظل بارني الابن صامتًا، ووجهه إلى الجدار.

«لقد أثبتَّ بأفعالك أن أباك كان محقًا حين لم يخبرك بالحقيقة!

لكن الوسم على جانب وجهه ارتعش لسبب ما.

«اتخذ القرار نيابةً عنك.»

ازدادت نبرة تاليس ثقلًا.

«الحقيقة يا كويل بارني…

«أم كنت ستظل وفيًا للملك الراحل وتقف ضد أبيك؟

ازدادت نبرة تاليس ثقلًا.

«هل كنت سترفع سلاحك في وجه عائلتك باسم العدالة، وأنت تحمل معك الخيبة والحزن والحيرة والغضب والألم؟

«لا تواسني.

«هل كنت ستعيش بقية حياتك في كابوس، حاملًا عار أبيك؟»

«عندها ستفهم أن كل ما مررت به في الماضي…

تحرك وجه بارني قليلًا.

«لأن هذا…

وبرزت العروق فوق قبضته.

فتراجع غريزيًا.

ضحك تاليس بخفة.

تلك الفتاة المتعجرفة التي ظن يومًا أنها تزوجت فوق مقامها إلى العائلة الملكية، ونالت حظوة ولي العهد.

«أم كنت ستفعل ما تفعله الآن؟

«هل كنت ستحمل ألم الجبان وذنبه، وتهدر حياتك؟»

«تضيع في الحيرة والتردد، وترفض تقبل الواقع، ثم تنسحب وحدك وتهرب من كل ما سيحدث؟

«كنت تمثل أنصع وأجمل ما في الحرس الملكي.

«هل كنت ستحمل ألم الجبان وذنبه، وتهدر حياتك؟»

ولم يعرف ماذا يفعل.

انتقلت عينا الفتى إلى السيف الملقى على الأرض، ذلك الذي انتزعه من بارني باستخدام طاقته الصوفية.

عاد جسد بارني الابن إلى الارتجاف.

«وربما…

وهشاشة.

«تفكر حتى في إنهاء كل شيء بقتل نفسك؟»

ثم استدار مجددًا.

ارتجف قائد الطليعة قليلًا.

«لا يمكننا الهرب…

بدا أنه يرفض كلمات تاليس، لكنه لم يستطع إخراج سوى تمتمة مبهمة.

لم يكن تاليس بخير.

«لم يعد ذلك مهمًا—»

والتي سلّمها الأمير إليه شخصيًا، بنبرة بدت أقرب إلى المزاح، كي «تتعلم بعض المهارات العسكرية».

لكن تاليس قاطعه.

وفي اللحظة التالية، تحركت ذراع تاليس!

«أظن أن هذا تحديدًا ما كان يخشاه أبوك.»

«كل ما عليك فعله…

انخفض صوت الأمير.

وانتشر في الهواء حزن لا يمكن وصفه.

«كان يعرفك ويفهمك.

«قلت إن إخوتك الذين تعتز بهم هم السبب الذي جعلك تقاوم للبقاء حيًا حتى الآن في هذا الظلام.

«ولهذا خاف أنه إذا أخبرك بالحقيقة وبقراره، فلن يترك لك سوى خيارات قليلة…»

وانخفض صوته أيضًا، وقد امتلأ بالحزن.

كان تاليس في حالة يرثى لها.

ظل يحدق بثبات في الأمير.

مرهقًا، ممزق الهيئة.

ساد الصمت في السجن.

لكن عينيه وحدهما بقيتا لامعتين.

ثبتت عينا بارني الابن على السيف في يد تاليس.

«وأظن أن هذا كان الاتفاق الصامت بين أبيك وإخوتك الذين أبقوك بعيدًا عن الحقيقة.»

«وأن تقابل الكراهية بالكراهية…

توقفت أنفاس بارني الابن لثوانٍ.

«ومهما فعل بك الواقع…

ثم تجاهل إصابات كتفه وذراعه، واستدار نحو تاردين والآخرين.

استدار تاليس ببطء.

لكنهم جميعًا خفضوا رؤوسهم.

«سواء اعترفت بذلك أم لا، يا كويل بارني الابن…»

وتهربوا من عينيه.

«لو اضطررت إلى المرور بكل هذا…

لم يلتفت تاليس إلى الألم والحيرة في نظرته.

«لقد قلتها بنفسك من قبل، يا بارني.»

بل حدق في نقطة بعيدة غير موجودة، وتنهد.

كان كويك روب، الذي يراقب كل شيء بصمت من الجانب، أول من لاحظ التغير في مشاعر تاليس.

«لم يكن أبوك يريد خيانتك أو خداعك، يا قائد الطليعة بارني.

«وما يعجبون به ويتوقون إليه…

«ولم يفعل ما قاله نالجي أيضًا.

«…على عكسهم.»

«لم يراهن على الطرفين ويحاول إرضاءهما معًا.»

وكان مزعجًا للغاية.

كان الندم والحزن واضحين في صوت تاليس.

«هل كنت ستدخل راحتك الأبدية حاملًا فوق كتفيك دَين دم قتل الملك؟»

«الحقيقة أنه أحبك.

وأطرق تاردين بألم.

«وأراد حمايتك.»

«لا…

توقف صوته قليلًا، بينما ازدادت أنفاس بارني اضطرابًا.

«وحين تُمزق كل الأقنعة بلا رحمة…

«هو فقط…

توقف قليلًا.

«لم يعرف كيف يُظهر ذلك.»

«لو كنت مكاني…

كان صوت الأمير هادئًا، لكنه حمل معنى عميقًا ومشاعر يصعب تحديدها.

بدا أنه يرفض كلمات تاليس، لكنه لم يستطع إخراج سوى تمتمة مبهمة.

«ولهذا…

«منذ اليوم الأول…

«اتخذ القرار نيابةً عنك.»

وواثقًا من نفسه.

ولم يعرف أحد أنه في تلك اللحظة، كان تاليس يقبض يديه بعنف.

بقيت عينا تاليس مثبتتين على وجه بارني الابن.

«اتخذ القرار نيابةً عني…»

«حين يملؤك السخط بسبب الأكاذيب؟

توقفت أفكار بارني الابن للحظة.

تابع تاليس بصوته الأكثر وضوحًا وأسفًا:

غرق قائد الطليعة في شروده.

«أن أباك كان محقًا.»

ومن أعماق ذكرياته البعيدة، عادت تلك الهيئة المألوفة التي زارته مرارًا في كوابيسه طوال ثمانية عشر عامًا.

«الخيانة.

ذلك الرجل الصلب القوي…

وازدادت أنفاسه اضطرابًا.

الذي ظن أنه لن يسقط أبدًا.

«هل كنت سترفع سلاحك في وجه عائلتك باسم العدالة، وأنت تحمل معك الخيبة والحزن والحيرة والغضب والألم؟

وعاد صوته القديم.

لكنه رد بسرعة والتقط الشيء الذي رماه إليه.

جادًا.

«هذا هو الشيء الذي فقدوه منذ زمن بعيد.

قويًا.

«لكنني أشعر…

مهيبًا.

«صدقيني يا سيدتي، مقدار كرهي لهذه المهمة يساوي تمامًا مقدار كرهك لي.»

وصادقًا.

اهتز اللهب بعنف وتمايل في يده.

«كتبت لك جدتك رسالة. تريدك أن تعود… أظن أن هذا قرار ينبغي أن تتخذه بنفسك.»

كان صوت الأمير لطيفًا وأجش، كأنه يخشى إيقاظ شخص غارق في نوم عميق.

شردت عينا بارني تحت ضوء النار.

لكن لم يكن لديه خيار آخر.

«…تعود… قرار ينبغي أن تتخذه بنفسك.»

«أبي…»

احتضن بارني نفسه غريزيًا.

وظلت كلماته معلقة في الهواء.

ارتجف.

استدار بارني نحو الجثمانين على الأرض، ونظر إليهما بشك وحزن.

وتسلل خوف لا يستطيع وصفه إلى قلبه.

«أنت النقطة الوحيدة التي ظلت ثابتة حين غرقوا في لوم أنفسهم وذنوبهم، وشكوا في ذواتهم أمام مستقبل بلا معنى.

لكن في اللحظة التالية، سمع صوتًا آخر.

«لا يملك الحق في اتخاذ قراره بنفسه؟»

صوتًا ضعيفًا وعاجزًا…

قبض بارني يده دون وعي.

نادرًا ما سمعه من أبيه.

«لم يجرؤوا على مد أيديهم إلى تلك الشرارة…

لم يعد حازمًا ولا صلبًا.

استدار تاليس ومرر نظره على ساميل ذي التعبير المعقد، وبيلدين الذي ظهر الأمل في عينيه، وتاردين الذي يصعب فهم مشاعره، وزاكريل الذي تغير كثيرًا قبل قليل وظل الآن غارقًا في شروده.

«لا…

ما الذي قتله؟

«لا يمكننا الهرب…

«أنه قبل مجيئي إلى هنا…

«يا بني.»

«تفكر حتى في إنهاء كل شيء بقتل نفسك؟»

ازداد الصوت ضبابية.

فك أسنانه، والعرق البارد يسيل على وجهه.

لكن وجه الرجل في ذاكرته أصبح أوضح.

وكان تعبيره معقدًا، يصعب فهم ما وراءه.

«ينبغي أن أتخذ القرار بنفسي…

وظلت كلماته معلقة في الهواء.

«لا.»

انخفض صوت الأمير.

بدأت ملامح بارني الابن تتغير.

وفي ذلك الصمت المختلف، استدار تاليس بصعوبة وهو يرفع المشعل في يده.

احتضن ذراعه المصابة، متحملًا ألمًا لا يطاق، واختل تنفسه.

اشتعل اللهب بعناد أمام عيني بارني الابن.

«لا…»

وفي اللحظة التالية، تحركت ذراع تاليس!

ضغط بارني وجهه إلى كتفه.

«أبي.»

لم يستطع منع ملامحه من الارتجاف.

«وكان دائمًا الطريق الوحيد الذي ستسلكه.

وكان صوته يرتعش حتى تغيرت نبرته.

ظهرت ملامح الألم على وجوه كانون وبروولي وتاردين.

«أبي…»

«الأمر بسيط.»

وكأنه يخشى أن يبدو ضعيفًا، أدخل سبابة يده اليسرى بين أسنانه وعضها بقوة، مانعًا النشيج المحتبس في حلقه من الخروج.

كان كويك روب، الذي يراقب كل شيء بصمت من الجانب، أول من لاحظ التغير في مشاعر تاليس.

راقبه الحرس وهو يغرق في الألم والحزن والمرارة.

«والأكاذيب.

وانتشر في الهواء حزن لا يمكن وصفه.

والتقطت المشعل.

تنهد تاليس ببطء.

قال تاليس بصوت خافت:

وكان قلبه يعج بمشاعر شتى.

بل أدار وجهه بعيدًا عن النار…

«من الواضح أن خطته فشلت.»

«لو أخبرني بالحقيقة…»

حاول الأمير أن يجعل صوته ألطف ما يمكن وأكثره جدية.

حزن.

«حتى لو تأخرت ثمانية عشر عامًا…

ظل يحدق بثبات في الأمير.

«فقد واجهت الحقيقة في النهاية.

ارتجف.

«الحقيقة القاسية…

وأغمض عينيه، كأن ذلك سيمنع شيئًا من الحدوث.

«لكن الحقيقية.»

ما الذي قتل هذا الرجل؟

عاد جسد بارني الابن إلى الارتجاف.

ثم قال برفق:

وأغمض عينيه، كأن ذلك سيمنع شيئًا من الحدوث.

«حين كان بينهم…

«أعرف حيلك، يا صاحب السمو.»

اضطربت أنفاس جميع الحرس عند سماع ذلك.

أطلق شخيرًا عنيدًا.

تجمد بارني.

«حيلة النبلاء المعتادة.

تكلم تاليس ببطء شديد.

«تمامًا كما فعلت مع الآخرين قبل قليل.

«أم كنت ستظل وفيًا للملك الراحل وتقف ضد أبيك؟

«تبحث عن نقاط ضعفهم، ثم تعرض عليهم شيئًا لا يستطيعون رفضه مقابل ما تريده منهم.»

أحدهما ممزق ومتردد.

تغيرت تعابير عدد من الحرس قليلًا، ومن بينهم كانون وبروولي وتاردين وحتى بيلدين.

«اتخذ القرار نيابةً عني…»

تابع بارني بسخرية:

«لا.»

«والآن تستغل مشاعري تجاه أبي.»

«إنه زائف.»

صمت تاليس قليلًا.

اشتدت نبرته.

بدا كأنه لا يرغب في مواصلة الحديث.

وعاد ذلك الصمت الذي يصعب وصفه.

لكنه في النهاية أخذ نفسًا عميقًا وقال ببطء:

بقيت عينا تاليس مثبتتين على وجه بارني الابن.

«إذًا…

أصبحت نبرته مترددة.

«هل أبوك هو نقطة ضعفك؟»

مرهقًا، ممزق الهيئة.

توقف بارني.

«وكان دائمًا الطريق الوحيد الذي ستسلكه.

«حين حرمك من فرصة اتخاذ قرارك، حتى يعفيك من ألم الاختيار، وربما يجنبك عواقب القرار أيضًا…

تمايلت هيئة بارني الابن تحت ضوء النار.

«هل جعله ذلك نقطة ضعفك؟»

«لا.»

«أبي.»

«ماذا لو كنت كذلك فعلًا؟

اشتدت ذراعا بارني حول جسده.

كان الندم والحزن واضحين في صوت تاليس.

وأحس بألم الكسر في عظامه يزداد.

«والفشل…»

«لا.»

لكنه لم يفعل.

فك أسنانه، والعرق البارد يسيل على وجهه.

ظهرت على وجه الفتى ابتسامة هادئة.

فتح عينيه المحمرتين وحدق في الأمير بسخط.

أخذ تاليس نفسًا.

بدا كأنه يريد الرد…

أما بارني الابن فظل مذهولًا.

لكنه لم يفعل.

«لا يمكنني أن أسقط.»

هز تاليس رأسه.

«تمامًا كما فعلت مع الآخرين قبل قليل.

«هل ما فعله يعني لك الكثير؟»

انحنى بصعوبة.

ثم أضاف فورًا:

في السجن الصامت القاتم، حدق بارني الابن في تاليس بوجه خالٍ من التعبير.

«لا تجبني.

استدار تاليس ومد يده بصعوبة نحو السيف على الأرض.

«أجب نفسك.»

تنهد.

تجمد بارني قليلًا.

وخفض الآخرون رؤوسهم وتنهدوا.

استدار تاليس ومرر نظره على ساميل ذي التعبير المعقد، وبيلدين الذي ظهر الأمل في عينيه، وتاردين الذي يصعب فهم مشاعره، وزاكريل الذي تغير كثيرًا قبل قليل وظل الآن غارقًا في شروده.

ثم تابع تاليس:

أخذ الأمير نفسًا عميقًا ليخفف دواره.

اشتدت ذراعا بارني حول جسده.

«مثلًا…

ازداد الصوت ضبابية.

«هل ستفعل ما فعلته قبل قليل؟»

توقفت نظرة بارني.

استدار تاليس ومد يده بصعوبة نحو السيف على الأرض.

«وأي قرار كنت ستتخذ؟»

ثم التقطه.

«لو أخبرك بالحقيقة، ماذا كنت ستفعل؟

«هل ستصبح مثل المحارب العجوز الجبان كويل بارني، الذي فقد رغبته في الحياة، وسقط في اليأس، وانكسر ولم يعد يريد سوى الموت…

وحل محلهما ظلام قاتم.

«تمامًا كما توقع أبوك وخشي؟»

«بعد ثمانية عشر عامًا.»

ثبتت عينا بارني الابن على السيف في يد تاليس.

تنهد تاليس ببطء.

أخذ نشيجه يخفت.

وكان مزعجًا للغاية.

وتوقف ارتجافه.

تابع بارني بسخرية:

تنهد تاليس.

لم يستطع منع ملامحه من الارتجاف.

«هل ستفعل؟»

اهتز اللهب بعنف وتمايل في يده.

خفض الأمير نظره.

«كله زائف!

وانخفض صوته أيضًا، وقد امتلأ بالحزن.

اشتعل اللهب بعناد أمام عيني بارني الابن.

«لأنك إن فعلت…

وكان صوته يرتعش حتى تغيرت نبرته.

«فلن يعني ذلك سوى شيء واحد.»

لكن في اللحظة التالية، سمع صوتًا آخر.

رفع عينيه.

أما كانون وبروولي فظلا صامتين.

«أن أباك كان محقًا.»

تشوشت رؤية بارني الابن.

اهتز بارني الابن بعنف.

«هل أنت كذلك فعلًا؟»

«سواء اعترفت بذلك أم لا، فقد فعلت بالضبط ما كان أبوك يخشاه.

قعقعة.

«وأثبت صحة حكمه عليك:

«…إما أن تموتي أنت…

«أنك لا تستطيع تحمل ما اضطر هو إلى تحمله.»

مرت بضع ثوانٍ.

تقدم تاليس خطوة، وقاوم الدوار.

لم يكن لديه أي خيار.

«وهذا يعني أنك وافقت على رأيه.

«وأشد أثرًا.

«وقبلت القرار الذي اتخذه نيابةً عنك.

«وكان دائمًا الطريق الوحيد الذي ستسلكه.

«وسلكت الطريق الذي مهده لك.»

خفض ساميل رأسه، وكأنه لم يتقبل كلمات تاليس تمامًا.

صر قائد الطليعة على أسنانه.

وتسارعت أنفاسه.

ازداد الألم في ملامحه، والتوى وجهه أكثر.

ازداد الألم في ملامحه، والتوى وجهه أكثر.

تنقلت عيناه بين السيف الملطخ بالدم وبين الأمير الثابت أمامه، الذي لم تترك كلماته مجالًا للهروب.

ارتطم بالأرض.

«لقد أثبتَّ بأفعالك أن أباك كان محقًا حين لم يخبرك بالحقيقة!

وما زال يتذكر نظرة تلك الفتاة وهي تصر على أسنانها وتنهض من جديد.

«وأنه لم يكن ينبغي له أن يشاركك عبء اتخاذ القرار!

«لا تستخدم معي تلك الحيلة العاطفية…

«وأنك، بضعفك، لم يكن ينبغي لك أن تعرف هذا السر أصلًا…

فتح عينيه المحمرتين وحدق في الأمير بسخط.

«ولا تستحق معرفته!»

ما الذي قتله؟

كانت كلمات تاليس حادة لا تلين، ونظرته شرسة.

وفي ذلك الصمت المختلف، استدار تاليس بصعوبة وهو يرفع المشعل في يده.

صُدم الرجال خلفه.

«هل أنت كذلك فعلًا؟»

وتبادل بيلدين والآخرون النظرات في حيرة.

نظر الأمير بحزن شديد إلى جسدي نالجي وناير وهما يبردان ببطء فوق الأرض.

لكن تاليس لم ينتهِ.

«حين حرمك من فرصة اتخاذ قرارك، حتى يعفيك من ألم الاختيار، وربما يجنبك عواقب القرار أيضًا…

اشتدت نبرته.

ووضع ساميل يده على مقبض سيفه.

«لأنك، يا قائد الطليعة كويل بارني، لا تستطيع تحمل هذا الألم!

«طريقًا واحدًا لا يتفرع.

«ولا تستطيع تحمل العواقب!

«كنت أنت نور رفاقك في هذا الظلام.»

«ولا تملك الحق في اتخاذ قراراتك بنفسك!»

وتذكر العرق على وجهها، مختلطًا بالغبار وآثار الدم.

قبض بارني يده دون وعي.

التفت تاليس إلى بقية الرجال في السجن.

وتسارعت أنفاسه.

ثم تابع:

ظل قائد الطليعة والأمير يحدقان في بعضهما بصمت.

لم يكن لديه أي خيار.

أحدهما ممزق ومتردد.

وواثقًا من نفسه.

والآخر ثابت وبارد.

«تضيع في الحيرة والتردد، وترفض تقبل الواقع، ثم تنسحب وحدك وتهرب من كل ما سيحدث؟

لكن على غير المتوقع، انخفض صوت تاليس في اللحظة التالية.

استدار تاليس ونظر إلى كل شخص في الغرفة.

وعاد الإرهاق إليه.

«ومهما كانت الخيارات التي تمنحك إياها الحياة قليلة ومؤلمة…

«لكن…

لم يُظهر للنيران سوى الوسم…

«هل أنت كذلك فعلًا؟»

«وحتى الأخير.»

أخذ نفسًا عميقًا.

«…تعود… قرار ينبغي أن تتخذه بنفسك.»

ثم قلب السيف بيدين مرتجفتين، ومد المقبض نحو بارني.

«احتفظت أنت دائمًا بأنقى عزيمة.

«هل أنت كذلك؟»

قعقعة.

تجمد بارني.

تجمد بارني قليلًا.

وعاد ذلك الصوت المألوف يرن في أذنيه:

الأب.

«كتبت لك جدتك رسالة. تريدك أن تعود…»

بمجرد أن نطق تلك الكلمة، رأى تاليس جسد بارني الابن يهتز بعنف.

ثم:

رفع بارني يديه غريزيًا ليحجب عينيه عنه.

«…حسنًا. لا تعد إذًا.»

وعاد ذلك الصوت المألوف يرن في أذنيه:

ظل يحدق في السيف.

أسى.

وتقلبت نظراته بين الحيرة والألم والحزن.

«وطعنك من الخلف…

ثم خفض تاليس المقبض الذي لم تمتد إليه أي يد.

وتذكر العرق على وجهها، مختلطًا بالغبار وآثار الدم.

غرق السجن في الصمت من جديد.

وألقى السيف برفق.

ولم يبقَ سوى صوت الأنفاس.

وتبع نظرة تاليس إلى جثماني رفيقيه.

بدا كأن عشر سنوات مرت قبل أن يفتح بارني الابن فمه، ويسحب نفسًا ثقيلًا محاولًا تهدئة نفسه.

استدار تاليس ببطء.

«لكن ماذا لو…»

قويًا.

حملت كلماته التالية سخرية مريرة وخيبة عميقة.

ما الذي انتزع الحياة منه؟

«ماذا لو كنت كذلك فعلًا؟

«أعرف حيلك، يا صاحب السمو.»

«ماذا لو كنت ذلك الرجل الذي لا يستطيع تحمل الحقيقة حين تظهر؟»

«آنذاك، هم… هم لم يعطوني حتى خيارًا!

كان صوته أنفيًا، خشنًا، كئيبًا.

كان الألم الحاد كافيًا لإيقاظ حواسه، وكأنه ينتزع من ذلك الألم الذي أوشك على تخديره ما يكفي من القوة ليجمع أفكاره.

«ماذا لو كنت فعلًا جبانًا…

«حين يدفعك الفشل إلى اليأس؟

«لا يملك الحق في اتخاذ قراره بنفسه؟»

«عاش في المكان الوحيد الذي وصل إليه الضوء.»

ابتسم تاليس.

وهشاشة.

وألقى السيف برفق.

وخفض الآخرون رؤوسهم وتنهدوا.

قعقعة.

اهتز الضوء الخافت والظلال المضطربة.

ارتطم بالأرض.

وابتسم.

«لقد قلتها بنفسك من قبل، يا بارني.»

«كويل بارني… قائد الطليعة.»

كان صوت الأمير لطيفًا وأجش، كأنه يخشى إيقاظ شخص غارق في نوم عميق.

اشتد انفعاله.

«قلت إن إخوتك الذين تعتز بهم هم السبب الذي جعلك تقاوم للبقاء حيًا حتى الآن في هذا الظلام.

ظل يحدق في السيف.

«وأنهم السبب الذي جعلك تتمسك بحياتك الواهنة…

«كان تمهيدًا للقرار الذي ستتخذه اليوم.»

«أليس كذلك؟»

كان الخجل ظاهرًا عليه، لكنه خجل ولد من الغضب.

اضطربت أنفاس جميع الحرس عند سماع ذلك.

“ارفع درعك.”

تمايلت هيئة بارني الابن تحت ضوء النار.

خفض بيلدين نظره بحيرة.

وتبع نظرة تاليس إلى جثماني رفيقيه.

«هل كنت ستعيش بقية حياتك في كابوس، حاملًا عار أبيك؟»

بدت عيناه مخدرتين، غارقتين في التفكير.

«كله كذب!

نظر الأمير بحزن شديد إلى جسدي نالجي وناير وهما يبردان ببطء فوق الأرض.

وكان مزعجًا للغاية.

ثم قال:

«…لأنك لم ترتكب خطأ.»

«لكنني أشعر…

وانخفض صوته أيضًا، وقد امتلأ بالحزن.

«أن الحقيقة عكس ذلك تمامًا.»

«حين تواجه كل ظلام هذا العالم؟

انقبضت أصابع بارني قليلًا.

تكلم تاليس ببطء شديد.

وازدادت أنفاسه اضطرابًا.

بدأ صدر بارني يعلو ويهبط مع كل جملة.

رفع تاليس رأسه ونظر حول غرفة التخزين تحت سجن العظام.

«…إما أن تموتي أنت…

لم يرَ سوى الغبار والفوضى.

«وأثبت صحة حكمه عليك:

ولاحظ الحرس أن عيني الأمير أخذتا تفقدان تركيزهما، وأن الحيرة ظهرت على وجهه.

انخفض صوت الأمير.

«قال نالجي إن الجميع عانوا بما يكفي في هذا السجن العميق الذي لا تُرى له نهاية، والمغمور بالظلام…

«وطعنك من الخلف…

«لكنه قال أيضًا إن هناك رجلًا واحدًا فقط…

لكن تاليس قاطعه.

«عاش في المكان الوحيد الذي وصل إليه الضوء.»

وتسارعت أنفاسه.

توقفت نظرة بارني.

«وقبلت القرار الذي اتخذه نيابةً عنك.

وتفاجأ الحرس للحظة.

لكن كلما اقترب مشعل تاليس، تراجع الرجل أكثر وانكمش على نفسه.

كان صوت تاليس خافتًا، وانتقى كلماته بعناية.

استدار تاليس ومد يده بصعوبة نحو السيف على الأرض.

«حين كان بينهم…

«متوهجًا.

«امتلك شيئًا فقدوه جميعًا.

منذ وقت ليس ببعيد، كان هذا الرجل نفسه قد مد إليه يده الخشنة المليئة بالثفن.

«شيئًا كانوا يتمنونه أكثر من أي شيء آخر.»

كانت كلمات تاليس حادة لا تلين، ونظرته شرسة.

خفض الفتى، بوجهه المكدوم المتسخ، رأسه.

«لم يعرف كيف يُظهر ذلك.»

وظهرت على وجهه ابتسامة هادئة وهو ينظر إلى بارني.

«وكنت تمثل رفضهم للاستسلام.»

أما بارني الابن فظل مذهولًا.

«في الكوكبة، قالت لي معلمتي التي علمتني السيف هذا في أول يوم من تدريبي.»

«على عكس الآخرين، الذين عرفوا الحقيقة واختاروا الصمت، أو حمل كل منهم أسراره الخاصة…

«حتى لو تأخرت ثمانية عشر عامًا…

«احتفظت أنت دائمًا بأنقى عزيمة.

«تمامًا كما فعلت مع الآخرين قبل قليل.

«وبأنقى إيمان.

حتى زاكريل، الغارق في كآبته.

«وبأصدق إخلاص.»

صمت تاليس بضع ثوانٍ.

خفض بيلدين نظره بحيرة.

ابتسم تاليس.

وأطرق تاردين بألم.

«إنها الشرارة التي تجعلهم يخجلون من أنفسهم.

ووضع ساميل يده على مقبض سيفه.

احتضن ذراعه المصابة وانكمش في زاوية الغرفة، على شفا الانهيار، مختبئًا من أشعة الضوء كوحش يحتضر.

أما كانون وبروولي فظلا صامتين.

ثبتت عينا بارني الابن على السيف في يد تاليس.

تابع تاليس بصوته الأكثر وضوحًا وأسفًا:

«والفشل…»

«هذا هو الشيء الذي فقدوه منذ زمن بعيد.

«وحين يتركك كل شيء كنت تقاتل من أجله؟»

«وهو ما يحسدونك عليه.

استدار بارني نحو الجثمانين على الأرض، ونظر إليهما بشك وحزن.

«وما يغارون منك بسببه.

«لكن ماذا لو…»

«وما يعجبون به ويتوقون إليه…

«لم يكن عليك سوى أن تكون صادقًا مع نفسك وتحمي رفاقك.

«مع أنهم يعرفون أنه بعيد عن متناولهم.

«ولا تملك الحق في اتخاذ قراراتك بنفسك!»

«إنه أثمن شيء لديهم.

«ومهما هاجمك الآخرون وآذوك وعذبوك…

«إنها الشرارة التي حافظوا عليها من أجلك.

«الشيء الذي يبحثون عنه ولا يستطيعون الحصول عليه…

«شرارة قامت فوق سقوط أبيك…

لم يلتفت تاليس إلى الألم والحيرة في نظرته.

«وكان ثمنها ذنب إخوتك الذي حملوه طوال حياتهم.

وبينما كان يتحمل ألم جسده، تذكر تاليس كل ما حدث في العالم القريب، ذلك العالم الذي بدا الآن كالحلم.

«إنها الشرارة التي تجعلهم يخجلون من أنفسهم.

هذا المقاتل من الطبقة العليا الذي لم تتغير ملامحه حتى حين حوصر وغرق في دمه؟

«الشيء الذي يبحثون عنه ولا يستطيعون الحصول عليه…

لم يكن تاليس بخير.

«ولا يجرؤون حتى على النظر إليه مباشرة.»

«لو أخبرك بالحقيقة، ماذا كنت ستفعل؟

نطق تاليس كل كلمة بوضوح.

«…لأنك لم ترتكب خطأ.»

وظلت كلماته معلقة في الهواء.

راقب تاليس ملامح بارني المتضاربة والمتغيرة.

لم يتحدث بارني الابن.

«وترضخ لليأس…

ظل واقفًا مذهولًا.

«لو اضطررت إلى المرور بكل هذا…

أما بقية الحرس فتباينت وجوههم بين الحيرة والسخط والألم.

«هذا هو الشيء الذي فقدوه منذ زمن بعيد.

ألقى تاليس نظرة خفية على نالجي وناير، المستلقيين بأعين مغلقة.

«وأي شخص كنت ستصبح؟»

ثم ابتسم.

وكان صوته يرتعش حتى تغيرت نبرته.

«الحقيقة يا كويل بارني…

ولم يبقَ سوى صوت الأنفاس.

«أنه قبل مجيئي إلى هنا…

«لكنني أشعر…

«كنت أنت نور رفاقك في هذا الظلام.»

«ارفعي درعك.»

توقف قليلًا.

مرت بضع ثوانٍ.

«كنت ساطعًا.

انخفض صوت الأمير.

«متوهجًا.

ثبت تاليس عينيه على بارني الابن.

«تحترق وتضيء.

خفض ساميل رأسه، وكأنه لم يتقبل كلمات تاليس تمامًا.

«كنت تمثل أنصع وأجمل ما في الحرس الملكي.

أخذ تاليس نفسًا.

«وكنت تمثل رفضهم للاستسلام.»

«وترضخ لليأس…

بدأ صدر بارني يعلو ويهبط مع كل جملة.

وحملت نظرة ساميل معنى عميقًا يصعب وصفه.

وخفض الآخرون رؤوسهم وتنهدوا.

«يا بني.»

حتى زاكريل لم يكن استثناءً.

ما الذي قتل هذا الرجل؟

«لم يجرؤوا على مد أيديهم إلى تلك الشرارة…

كان مشعلًا.

«فضلًا عن امتلاك الشجاعة لإطفائها.»

وفي تلك اللحظة…

أخذ تاليس نفسًا.

راقب تاليس ملامح بارني المتضاربة والمتغيرة.

«سواء اعترفت بذلك أم لا، يا كويل بارني الابن…»

وتذكر العرق على وجهها، مختلطًا بالغبار وآثار الدم.

انحنى بصعوبة.

لكنهم جميعًا خفضوا رؤوسهم.

توقفت كفه لحظة فوق السيف المكسور الملطخ بالدم.

«أنه قبل مجيئي إلى هنا…

ثم تحركت جانبًا…

لم يكن لديه أي خيار.

والتقطت المشعل.

وخفض الآخرون رؤوسهم وتنهدوا.

«أنت الشخص الوحيد الذي ما زال يأمل في البقاء وفيًا، في عالم يائس أصبحت فيه الخيانة أمرًا مألوفًا.

«وهو ما يحسدونك عليه.

«أنت النقطة الوحيدة التي ظلت ثابتة حين غرقوا في لوم أنفسهم وذنوبهم، وشكوا في ذواتهم أمام مستقبل بلا معنى.

«ولا تستحق معرفته!»

«أنت الضوء الوحيد الذي استطاعوا رؤيته حين رفعوا رؤوسهم وهم يصارعون داخل هذا الظلام المشبع برائحة الدم، وأجسادهم مغطاة بالجروح.

أما بقية الحرس فتباينت وجوههم بين الحيرة والسخط والألم.

«أنت الشخص الوحيد الذي يستطيعون احترامه، ومحبته، والإعجاب به، والغيرة منه، والتطلع إليه…

غرق السجن في الصمت من جديد.

«دون تحفظ أو خوف.

بدأ صدر بارني يعلو ويهبط مع كل جملة.

«أنت آخر عزاء بقي لهم حين ينظرون إلى ما تبقى من حياتهم المريرة والباردة والمظلمة.»

وابتسم.

أطلق تاليس تنهيدة طويلة.

ذلك الرجل الصلب القوي…

«طوال هذه السنوات الثماني عشرة…

«لكن حياتك أعطتك واحدًا.»

«كنت أنت السبب الذي جعلهم يواصلون الحياة.

وفي ذلك الصمت المختلف، استدار تاليس بصعوبة وهو يرفع المشعل في يده.

«وبعد أن ينتهي كل ما حدث اليوم، هل ست—»

لكن كلما اقترب مشعل تاليس، تراجع الرجل أكثر وانكمش على نفسه.

قاطعه بارني الابن.

ظلام ممتلئ باليأس والندم والألم والحيرة.

«إنه زائف.»

وكان قلبه يعج بمشاعر شتى.

كان الخجل ظاهرًا عليه، لكنه خجل ولد من الغضب.

«ولا يجرؤون حتى على النظر إليه مباشرة.»

وبدا من حركاته وملامحه أنه لا يعرف كيف يتصرف.

اشتعل اللهب بعناد أمام عيني بارني الابن.

«كله زائف!

وابتسم ابتسامة خافتة.

«كله كذب!

«كنت أنت نور رفاقك في هذا الظلام.»

«كل ذلك لم يوجد إلا بسبب تصرفاتهم الحقيرة وخيانتهم!»

«تحترق وتضيء.

هز بارني رأسه بشرود، وقبض يديه، كأنه يحاول بذلك إبقاء عقله يقظًا.

قال الفتى بهدوء:

«لم يوجد أصلًا.»

«كله كذب!

خرج صوته خشنًا وضعيفًا.

«واضطهدك…

«سواء أبي أو غيره…

«آنذاك، هم… هم لم يعطوني حتى خيارًا!

ووضع ساميل يده على مقبض سيفه.

«لم يعطوني!»

وبينما كان كويك روب يناديه بقلق، وبيلدين يراقبه بتوتر، استجمع الفتى كل ما بقي له من قوة وثبت قدميه.

اشتد انفعاله.

«يا بني.»

وجعلت كلماته معظم الحرس يشيحون بوجوههم خجلًا.

انحنى بصعوبة.

لم يجرؤوا على النظر مباشرة في عينيه.

نظر الأمير بحزن شديد إلى جسدي نالجي وناير وهما يبردان ببطء فوق الأرض.

وفي تلك اللحظة…

ورفع المشعل عاليًا.

تقدم تاليس فجأة.

«والآن تستغل مشاعري تجاه أبي.»

ورفع المشعل عاليًا.

«هل ستفعل؟»

اقترب اللهب المتراقص من بارني، فأغرقه الضوء.

لم يتحدث أحد.

رفع بارني يديه غريزيًا ليحجب عينيه عنه.

«لا يمكنني أن أسقط.»

قال الفتى بهدوء:

منذ وقت ليس ببعيد، كان هذا الرجل نفسه قد مد إليه يده الخشنة المليئة بالثفن.

«صحيح.

تقدم تاليس خطوة، وقاوم الدوار.

«لم يعطوك خيارًا.»

آثاره.

ثم تابع:

«إنها الشرارة التي حافظوا عليها من أجلك.

«لكن حياتك أعطتك واحدًا.»

«لا…

تكلم تاليس ببطء شديد.

«وما يعجبون به ويتوقون إليه…

ومع كلماته، بدأ بارني المنفعل يهدأ دون أن يشعر.

ولم يعرف ماذا يفعل.

تنهد تاليس.

وتسارعت أنفاسه.

«لكن مقارنةً بالآخرين…

أم حزنًا أعمق.

«جاء خيارك أنت متأخرًا كثيرًا.

مشاعر لم يتخيل كويك روب أن يراها على تاليس، ذلك الفتى المتفائل الساخر، العنيد، صاحب الحيل التي لا تنتهي.

«لكنه أهم من خياراتهم.

أمام نظرة بارني التي جمعت بين الحيرة وبداية الفهم، ظهرت على وجه تاليس ابتسامة خافتة.

«وأشد أثرًا.

«الحقيقة أنه أحبك.

«وقد جاء الآن تحديدًا…

وحملت نظرة ساميل معنى عميقًا يصعب وصفه.

«هنا…

اهتز اللهب بعنف وتمايل في يده.

«بعد ثمانية عشر عامًا.»

«وأي قرار كنت ستتخذ؟»

استدار تاليس ونظر إلى كل شخص في الغرفة.

كان صوت تاليس خافتًا، وانتقى كلماته بعناية.

حتى زاكريل، الغارق في كآبته.

عض طرف لسانه عدة مرات.

«نعم يا بارني.

بدأ صدر بارني يعلو ويهبط مع كل جملة.

«حين تظهر الحقيقة…

استدار تاليس ومرر نظره على ساميل ذي التعبير المعقد، وبيلدين الذي ظهر الأمل في عينيه، وتاردين الذي يصعب فهم مشاعره، وزاكريل الذي تغير كثيرًا قبل قليل وظل الآن غارقًا في شروده.

«وحين تُمزق كل الأقنعة بلا رحمة…

«إنه زائف.»

«وحين يصبح لا مفر من المواجهة القاسية…»

أما بقية الحرس فتباينت وجوههم بين الحيرة والسخط والألم.

قال تاليس بصوت خافت:

«وأنهم السبب الذي جعلك تتمسك بحياتك الواهنة…

«عندها ستفهم أن كل ما مررت به في الماضي…

من أيامه الأولى بعد انضمامه إلى الحرس الملكي.

«كان تمهيدًا للقرار الذي ستتخذه اليوم.»

ضحك تاليس بخفة.

القرار.

ما الذي قتل هذا الرجل؟

وبينما كان يتحمل ألم جسده، تذكر تاليس كل ما حدث في العالم القريب، ذلك العالم الذي بدا الآن كالحلم.

وابتسم.

ثم استدار مجددًا.

وعاد ذلك الصمت الذي يصعب وصفه.

وثبت عينيه على بارني الابن، الذي كان يتهرب من الحديث معه.

ثم قلب السيف بيدين مرتجفتين، ومد المقبض نحو بارني.

وقال الأمير الثاني بهدوء:

«وكان ثمنها ذنب إخوتك الذي حملوه طوال حياتهم.

«وهذا هو القرار:

كان الخجل ظاهرًا عليه، لكنه خجل ولد من الغضب.

«أي شخص ستختار أن تكون…

استدار بارني نحو الجثمانين على الأرض، ونظر إليهما بشك وحزن.

«حين تواجه كل ظلام هذا العالم؟

ووضع ساميل يده على مقبض سيفه.

«حين تمتلئ بالغضب بسبب الخيانة؟

نطق تاليس كل كلمة بوضوح.

«حين يملؤك السخط بسبب الأكاذيب؟

ولم يكمل بارني.

«حين يؤلمك الحقد؟

توقفت أفكار بارني الابن للحظة.

«حين يدفعك الفشل إلى اليأس؟

«هل هذا ممكن؟»

«وحين يتركك كل شيء كنت تقاتل من أجله؟»

تلك الفتاة المتعجرفة التي ظن يومًا أنها تزوجت فوق مقامها إلى العائلة الملكية، ونالت حظوة ولي العهد.

لم يتحدث أحد.

هز تاليس رأسه.

وعاد ذلك الصمت الذي يصعب وصفه.

كأنه يخشى الضوء ذاته.

لكن عيني بارني الابن لم تعودا شاردتين.

أطلق شخيرًا حزينًا مستسلمًا.

ظل يحدق بثبات في الأمير.

وكأنه يخشى أن يبدو ضعيفًا، أدخل سبابة يده اليسرى بين أسنانه وعضها بقوة، مانعًا النشيج المحتبس في حلقه من الخروج.

وكان تعبيره معقدًا، يصعب فهم ما وراءه.

لكنه في النهاية أخذ نفسًا عميقًا وقال ببطء:

أطلق شخيرًا حزينًا مستسلمًا.

وعاد ذلك الصمت الذي يصعب وصفه.

«الكلام أسهل من الفعل…»

كان تاليس في حالة يرثى لها.

صر على أسنانه، وأمال جسده إلى الأمام كأنه يقاوم شيئًا بكل قوته.

تجمد بارني.

«…لأنك لم تكن هناك!»

ما الذي انتزع الحياة منه؟

اشتد ضغط أسنانه.

أما كانون وتاردين فامتلأت عيناهما بالخجل، حتى إنهما لم يجرؤا على مواجهة بارني الابن.

«لو كنت مكاني…

صمت تاليس بضع ثوانٍ.

«لو اضطررت إلى المرور بكل هذا…

التفت تاليس إلى بقية الرجال في السجن.

«الخيانة.

تكلم تاليس ببطء شديد.

«والأكاذيب.

فتراجع غريزيًا.

«والكراهية.

ثم ألقى المشعل من يده برفق.

«والفشل…»

«لكن الحقيقية.»

رفع بارني صوته، وخاطب الأمير بسخط ومرارة:

رفع عينيه.

«ماذا عنك أنت؟

احتضن بارني نفسه غريزيًا.

«أي قرار كنت ستتخذ؟

رفع رأسه.

«وأي شخص كنت ستصبح؟»

«هو ما فعلته أنا.»

لكنه لم يكد ينتهي حتى قاطعه تاليس.

«حين تمتلئ بالغضب بسبب الخيانة؟

«الأمر بسيط.»

«وما يعجبون به ويتوقون إليه…

تنهد.

«هو فقط…

«في الكوكبة، قالت لي معلمتي التي علمتني السيف هذا في أول يوم من تدريبي.»

وكان صوته يرتعش حتى تغيرت نبرته.

وفي اللحظة التالية، تحركت ذراع تاليس!

«صحيح.

تفاجأ بارني الابن.

ظل يحدق بثبات في الأمير.

لكنه رد بسرعة والتقط الشيء الذي رماه إليه.

«أنت لا تحتاج إلى كلمات المواساة أو الغفران، يا قائد الطليعة.

كان مشعلًا.

ثم قال برفق:

المشعل الذي التقطه تاليس من الأرض.

انتقلت عينا الفتى إلى السيف الملقى على الأرض، ذلك الذي انتزعه من بارني باستخدام طاقته الصوفية.

اشتعل اللهب بعناد أمام عيني بارني الابن.

لكن كلما اقترب مشعل تاليس، تراجع الرجل أكثر وانكمش على نفسه.

وأضاء جسده من رأسه حتى قدميه.

وثبت عينيه على بارني الابن، الذي كان يتهرب من الحديث معه.

كشف الدم السائل منه.

ارتطم بالأرض.

ندوبه.

توقفت أفكار بارني الابن للحظة.

جروحه.

«ولست مثل…

آثاره.

«أنت آخر عزاء بقي لهم حين ينظرون إلى ما تبقى من حياتهم المريرة والباردة والمظلمة.»

ووسمه.

بدأ صدر بارني يعلو ويهبط مع كل جملة.

وتراجع الظلام من حوله.

تمايلت هيئة بارني الابن تحت ضوء النار.

قال تاليس بهدوء لا يقبل الشك:

«أنت لست مثل نالجي، الذي عاش مثقلًا بالندم والذنب، يتوق إلى السلام ولا يستطيع الوصول إليه.»

«قالت لي:

أصبحت نبرته مترددة.

“ارفع درعك.”

«…على عكسهم.»

«ولا يحق لي إنزاله إلا في حالتين.»

ما الذي انتزع الحياة منه؟

ارتجف بارني وهو يمسك المشعل.

ثم تابع:

اهتز اللهب بعنف وتمايل في يده.

تقدم تاليس خطوة، وقاوم الدوار.

لكنه لم يخفضه.

تنهد الأمير في قلبه.

«مهما كان هذا العالم قذرًا يا بارني…

لكن في اللحظة التالية، سمع صوتًا آخر.

«ومهما حاولوا إقناعك، والكذب عليك، وإغرائك بأن تفتح قلبك للعداء…

«يا بني.»

«وأن تقابل الكراهية بالكراهية…

«لكن ماذا لو…»

«وتستسلم للغضب…

قال تاليس بهدوء لا يقبل الشك:

«وترضخ لليأس…

كان قلبه في فوضى.

«وتتحول إلى أسير وعبد لقواعدهم…»

في السجن الصامت القاتم، حدق بارني الابن في تاليس بوجه خالٍ من التعبير.

كان كويك روب، الذي يراقب كل شيء بصمت من الجانب، أول من لاحظ التغير في مشاعر تاليس.

«اتخذ القرار نيابةً عنك.»

«ومهما فعل بك الواقع…

«ومهما كانت الخيارات التي تمنحك إياها الحياة قليلة ومؤلمة…

«ومهما هاجمك الآخرون وآذوك وعذبوك…

«لم يراهن على الطرفين ويحاول إرضاءهما معًا.»

«ومهما كانت الخيارات التي تمنحك إياها الحياة قليلة ومؤلمة…

«أعرف حيلك، يا صاحب السمو.»

«ومهما خانك هذا العالم اللعين…

«وأنك، بضعفك، لم يكن ينبغي لك أن تعرف هذا السر أصلًا…

«وطعنك من الخلف…

«لم يوجد أصلًا.»

«وآذاك…

القرار.

«واضطهدك…

في ذلك اليوم، لوّح بسيف خشبي وأشار به إلى الفتاة القادمة من القرية، التي بدت في حالة مزرية بعد أن سقطت مرات عديدة فوق الرمل، والألم يغطي وجهها…

«مرة بعد مرة…»

استدار تاليس ببطء.

تحت ضوء النار، ظهر على وجه الأمير تاليس، الذي خاض مع كويك روب خلال الأيام الماضية مغامرات عديدة، تعبير نادر ومعقد.

وجعلت كلماته معظم الحرس يشيحون بوجوههم خجلًا.

حزن.

انتقلت عينا الفتى إلى السيف الملقى على الأرض، ذلك الذي انتزعه من بارني باستخدام طاقته الصوفية.

أسى.

ظل قائد الطليعة والأمير يحدقان في بعضهما بصمت.

خدر…

استدار تاليس ومد يده بصعوبة نحو السيف على الأرض.

وهشاشة.

بدا كأن عشر سنوات مرت قبل أن يفتح بارني الابن فمه، ويسحب نفسًا ثقيلًا محاولًا تهدئة نفسه.

مشاعر لم يتخيل كويك روب أن يراها على تاليس، ذلك الفتى المتفائل الساخر، العنيد، صاحب الحيل التي لا تنتهي.

لكن كلما اقترب مشعل تاليس، تراجع الرجل أكثر وانكمش على نفسه.

صمت تاليس بضع ثوانٍ.

«لو اضطررت إلى المرور بكل هذا…

ثم أخذ نفسًا عميقًا.

غرق السجن في الصمت من جديد.

«هناك شيء واحد فقط…

«احتفظت أنت دائمًا بأنقى عزيمة.

«هو الأهم.»

«لم يعد ذلك مهمًا—»

أمام نظرة بارني التي جمعت بين الحيرة وبداية الفهم، ظهرت على وجه تاليس ابتسامة خافتة.

«على عكس الآخرين، الذين عرفوا الحقيقة واختاروا الصمت، أو حمل كل منهم أسراره الخاصة…

لم يعرف أحد إن كانت تحمل استسلامًا أكبر…

لكن على غير المتوقع، انخفض صوت تاليس في اللحظة التالية.

أم حزنًا أعمق.

«أن أباك كان محقًا.»

«لا تسمح للآخرين بتغييرك.

«كله زائف!

«ولا تسمح لهم بأن يجعلوك تُنزل درعك.»

«هل كنت ستعيش بقية حياتك في كابوس، حاملًا عار أبيك؟»

في السجن الصامت القاتم، حدق بارني الابن في تاليس بوجه خالٍ من التعبير.

لم يُظهر للنيران سوى الوسم…

وفجأة…

«جاء خيارك أنت متأخرًا كثيرًا.

ومض مشهد قديم جدًا أمام عينيه.

تنهد تاليس.

من أيامه الأولى بعد انضمامه إلى الحرس الملكي.

تنقلت عيناه بين السيف الملطخ بالدم وبين الأمير الثابت أمامه، الذي لم تترك كلماته مجالًا للهروب.

كان شابًا آنذاك.

«أم كنت ستفعل ما تفعله الآن؟

مغرورًا.

وجعلت كلماته معظم الحرس يشيحون بوجوههم خجلًا.

متباهيًا.

«ولا تستحق معرفته!»

فخورًا.

«طريقًا واحدًا لا يتفرع.

وواثقًا من نفسه.

«بعد ثمانية عشر عامًا.»

وكان مزعجًا للغاية.

«وبأصدق إخلاص.»

في ذلك اليوم، لوّح بسيف خشبي وأشار به إلى الفتاة القادمة من القرية، التي بدت في حالة مزرية بعد أن سقطت مرات عديدة فوق الرمل، والألم يغطي وجهها…

«لا تسمح للآخرين بتغييرك.

تلك الفتاة المتعجرفة التي ظن يومًا أنها تزوجت فوق مقامها إلى العائلة الملكية، ونالت حظوة ولي العهد.

ظل قائد الطليعة والأمير يحدقان في بعضهما بصمت.

والتي سلّمها الأمير إليه شخصيًا، بنبرة بدت أقرب إلى المزاح، كي «تتعلم بعض المهارات العسكرية».

«دون تحفظ أو خوف.

«صدقيني يا سيدتي، مقدار كرهي لهذه المهمة يساوي تمامًا مقدار كرهك لي.»

اشتد تأثير كل شيء عليه حتى بدأت رؤيته تتمايل.

ما زال يتذكر كيف تحمل إشارات رفاقه وتعليقاتهم في ساحة التدريب.

ومن أعماق ذكرياته البعيدة، عادت تلك الهيئة المألوفة التي زارته مرارًا في كوابيسه طوال ثمانية عشر عامًا.

وكيف خاطب «المتدربة» التي أوكلها إليه ولي العهد بكل ازدراء ونفور:

وكان تعبيره معقدًا، يصعب فهم ما وراءه.

«والآن، يا ليدي جينس المحترمة…

«صدقيني يا سيدتي، مقدار كرهي لهذه المهمة يساوي تمامًا مقدار كرهك لي.»

«ارفعي درعك.»

«ولا تملك الحق في اتخاذ قراراتك بنفسك!»

وما زال يتذكر نظرة تلك الفتاة وهي تصر على أسنانها وتنهض من جديد.

وجعلت كلماته معظم الحرس يشيحون بوجوههم خجلًا.

«لا يمكنك إنزاله إلا في حالتين…»

وبرزت العروق فوق قبضته.

وتذكر العرق على وجهها، مختلطًا بالغبار وآثار الدم.

وبرزت العروق فوق قبضته.

وتذكر الدرع الذي تشبثت به بقوة…

في ذلك اليوم، لوّح بسيف خشبي وأشار به إلى الفتاة القادمة من القرية، التي بدت في حالة مزرية بعد أن سقطت مرات عديدة فوق الرمل، والألم يغطي وجهها…

ولم تتركه مهما أوسعها ضربًا.

«إنها الشرارة التي تجعلهم يخجلون من أنفسهم.

«…إما أن تموتي أنت…

بل أدار وجهه بعيدًا عن النار…

«أو يموت عدوك.»

ثم خفض تاليس المقبض الذي لم تمتد إليه أي يد.

تشوشت رؤية بارني الابن.

وتقلبت نظراته بين الحيرة والألم والحزن.

رفع تاليس صوته.

اشتد ضغط أسنانه.

«أنت لا تحتاج إلى كلمات المواساة أو الغفران، يا قائد الطليعة.

ومض مشهد قديم جدًا أمام عينيه.

«كل ما عليك فعله…

«ارفعي درعك.»

«هو أن تواجه نفسك.»

«كان تمهيدًا للقرار الذي ستتخذه اليوم.»

مرت بضع ثوانٍ.

لم يُظهر للنيران سوى الوسم…

ثم، وكأن بارني لم يعد قادرًا على تحمل نظرة الأمير المليئة بالأمل والنور، خفض رأسه دون وعي وتهرب من عينيه.

«ولست مثل ناير، الذي عاش مضطربًا لأنه عرف الحقيقة، وعذبته حيرته بين الكلام والصمت.»

كان قلبه في فوضى.

لكن تاليس لم ينتهِ.

ولم يعرف ماذا يفعل.

ثم خفض تاليس المقبض الذي لم تمتد إليه أي يد.

«هل هذا ممكن؟»

وانخفض صوته أيضًا، وقد امتلأ بالحزن.

استدار بارني نحو الجثمانين على الأرض، ونظر إليهما بشك وحزن.

التوت ملامح بارني الابن تحت ضوء النار.

أصبحت نبرته مترددة.

«مرة بعد مرة…»

نظر تاليس إلى بارني الابن، الذي كان يصر على أسنانه ويرفع المشعل عاليًا.

احتضن ذراعه المصابة وانكمش في زاوية الغرفة، على شفا الانهيار، مختبئًا من أشعة الضوء كوحش يحتضر.

وابتسم ابتسامة خافتة.

وتبع نظرة تاليس إلى جثماني رفيقيه.

«بالطبع.»

فخورًا.

ثم قال:

رفع تاليس صوته.

«لأن هذا…

خرج صوته خشنًا وضعيفًا.

«هو ما فعلته أنا.»

«وأن تقابل الكراهية بالكراهية…

استدار تاليس ببطء.

ظل زاكريل يحدق بشرود في الجثمانين على الأرض، ونظرته عصية على الفهم.

وترك قائد الطليعة يراقب ظهره المتمايل وهو يتحرك بصعوبة.

لم يتحدث أحد.

وأمام أنظار الجميع، تقدم الفتى خطوة إلى الأمام.

تنهد تاليس ببطء.

رفع رأسه.

ثم تحركت جانبًا…

وابتسم.

ومع ابتعاد وهج المشعل عن عينيه، أعاد بارني الابن وجهه أخيرًا نحو تاليس.

«منذ اليوم الأول…

ازداد الألم في ملامحه، والتوى وجهه أكثر.

«وحتى الأخير.»

«ماذا عنك أنت؟

لكن عينيه وحدهما بقيتا لامعتين.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط