Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 475

آمر السجن
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

آمر السجن

آمر السجن

ثم ألقى نظرة على المرتزقة وأفراد الحرس الملكي من ورائه، كأن شيئًا لم يحدث. كانت ملامحه هادئة خالية من الانفعال، ومع ذلك شد الجميع أعصابهم تحت نظرته.

شحب وجوه المرتزقة في الميدان.

ما إن لمح بارني جونيور بارقة أمل حتى همّ بالكلام، لكن ساميل أمسكه من الخلف.

«فرسان!»

«اصمت!»

كان كانون، الممدد بجوار تاليس وقد ألصق أذنه بالأرض، أول من صاح. ولم يستطع إخفاء الابتهاج في صوته.

وتحت أنظار الجميع المشدودة، تقدم الفارس الأبيض الوسيم حتى وقف أمام زاكريل.

«مجموعة كبيرة من الفرسان… إنهم قريبون!»

لكن الفارس الأبيض بدا كأن له عينين في مؤخرة رأسه. سحب رمحه واستدار في لمح البصر!

وسرعان ما شعر تاليس بذلك أيضًا، حتى إنه لم يعد بحاجة إلى تنبيه كانون. فقد بدأت الرمال تحت قدميه ترتجف.

وسرعان ما شعر تاليس بذلك أيضًا، حتى إنه لم يعد بحاجة إلى تنبيه كانون. فقد بدأت الرمال تحت قدميه ترتجف.

اقتربت الاهتزازات الغريبة مسرعة نحوهم من وراء الكثبان الرملية التي تعالت حولهم كأمواج البحر. وحين أدرك المرتزقة وأفراد الحرس الملكي ما يوشك على الوصول، أنزلوا أسلحتهم على الفور.

وعند سفح الكثيب، وما إن أحس ريكي بالخطر حتى أطلق زئيرًا غاضبًا. تفجرت القوة في جسده، فانقلب وألقى زاكريل على الأرض بعنف.

حدّق ريكي في الضوء المتوهج، وأصغى إلى صوت البوق، وشعر بالاهتزازات تحت قدميه، فتوقف عما كان يفعله. وخمد قليلًا الجنون والتعطش للدماء في عينيه.

دوم!

«هذا…»

استدار إليه بيقظة.

تووووووت!

وبعد قليل، بدا وقع الحوافر أوضح وأبطأ.

ومع اقتراب الضوء وصوت البوق، ضيّق تاليس عينيه. لقد شعر بشيء.

وتحت نظرته، أخفى يودل السيف الأسمى، ثم اختفى على الفور في الهواء.

«كما توقعت…»

وكان صوته وحده قادرًا على شق زئير ريكي المرعب.

فجأة، ظهر ظل فوق قمة الكثيب خلف ريكي، أسفل الضوء المتوهج مباشرة.

وكالآخرين، أخذ تاليس يلتفت يمينًا ويسارًا، يحدق في الفرسان الذين ظهروا فجأة فوقهم. شاهدهم يشدون الأعنة وينحدرون ببطء عن الكثبان وسط صوت البوق الطويل الواضح.

كان شبحًا أبيض يندفع إلى الأمام… منحدرًا بأقصى سرعة نحو الفوضى أسفل الكثيب.

هدير…

تووووووت!

وسيمًا إلى درجة أن التفاته نحو تاليس بدت كصاعقة تشق السماء وتطرد الظلام، رغم أن النهار كان قد بدأ بالفعل.

وسط دوي البوق، انقضّ الشبح الأبيض عليهم بسرعة نسر يهوي من السماء، ولم يستغرق سوى ثانيتين حتى بلغهم.

شراااك!

وعندها استطاع تاليس تمييزه.

بدا كصاعقة تشق ظلمة الليل.

كان حصانًا أبيض ناصعًا، بلا شائبة، رشيق الهيئة. راحت حوافره تضرب الرمال وهو يعدو بسرعة أذهلت كل من رآه.

استمر صوت البوق.

بدا كصاعقة تشق ظلمة الليل.

استمر صوت البوق، واستؤنف القتال بين الثلاثة.

ومع ذلك، بدت حركته هادئة رشيقة إلى حد جعلهم يكادون يغفلون عن وقع حوافره المتسارعة.

غاص السيف الطويل في لوح كتف ريكي.

تووووووت!

لكن الفارس الأبيض بدا كأن له عينين في مؤخرة رأسه. سحب رمحه واستدار في لمح البصر!

استمر صوت البوق.

استمر صوت البوق.

ذهل الجميع.

ضرب الرمح الأبيض صدر ريكي.

«هذا…» حدّق بارني جونيور في الشبح الأبيض فاغرًا فاه، لكن ساميل سرعان ما دفعه جانبًا.

«جسد رشيق، هجمات شرسة، ورمح يمزق الهواء مع كل ضربة… إنه لا يحتاج حتى إلى الدفاع عن نفسه. يكفيه أن يدفع خصومه خارج المسافة التي تسمح لهم بتهديده.»

مسح ساميل الدم عن خده، حيث شقته السلسلة قبل قليل، وقال وهو يلهث: «إنه هو. إن أردتم البقاء أحياء، فلا تتحركوا!»

…لأنه أدرك فجأة أن الرجل الذي ترجل عن الحصان الأبيض كان، بلا مبالغة، وسيمًا على نحو مفرط.

ظل تاليس يحدق في الشبح الأبيض هو الآخر. وما إن رأى الشخص فوق الحصان حتى أدرك أنه فارس، فارس لا تقل هيئته رشاقة عن جواده، غير أن سرعته حالت دون تمييز ملامحه.

«اصمت!»

وبعد قليل، بدا وقع الحوافر أوضح وأبطأ.

وكان صوته وحده قادرًا على شق زئير ريكي المرعب.

رفع تاليس رأسه بلا وعي، وعندها اكتشف أن عددًا لا يحصى من الظلال السوداء قد ظهر فوق الكثبان المحيطة بهم، تحت الضوء الخافت الذي أخذ يسطع تدريجيًا من الشرق، وكانت كلها تنظر إليهم من علٍ.

وأخيرًا، بعد ما يقارب عشر ثوانٍ من القتال الفوضوي، وجد زاكريل فرصة.

«فرسان. أجل، إنهم فرسان… وعددهم هائل.»

رن صوت معدني حاد، وحدث أمر مدهش.

اجتاحوا الكثبان وسط هدير مدوٍّ.

وكالآخرين، أخذ تاليس يلتفت يمينًا ويسارًا، يحدق في الفرسان الذين ظهروا فجأة فوقهم. شاهدهم يشدون الأعنة وينحدرون ببطء عن الكثبان وسط صوت البوق الطويل الواضح.

وكالآخرين، أخذ تاليس يلتفت يمينًا ويسارًا، يحدق في الفرسان الذين ظهروا فجأة فوقهم. شاهدهم يشدون الأعنة وينحدرون ببطء عن الكثبان وسط صوت البوق الطويل الواضح.

شراااك!

طوقوا البقعة الصغيرة من الرمال التي وقف فيها تاليس والآخرون، كأمواج البحر حين تنقض على الصخور، لا شيء يستطيع إيقافها.

كان يعرف تمامًا أن السيف في وضع غير مواتٍ أمام الرمح، فسحب سلاحه غريزيًا وتراجع ثلاث خطوات، بالكاد متفاديًا الطعنة التي بدت كأن لا مهرب منها.

إن كان تاليس، حين وقف قبل ست سنوات أمام الدوقات في مدينة سحب التنين وتحدث بثقة، لم يدرك يومها حقًا معنى «آلاف الفرسان»…

اقتربت الاهتزازات الغريبة مسرعة نحوهم من وراء الكثبان الرملية التي تعالت حولهم كأمواج البحر. وحين أدرك المرتزقة وأفراد الحرس الملكي ما يوشك على الوصول، أنزلوا أسلحتهم على الفور.

فقد أدركه الآن.

استمر صوت البوق، واستؤنف القتال بين الثلاثة.

«آلاف الفرسان…»

اعترض طريق ريكي وضرب ركبتيه ليوقفه.

كان معناها أنه مهما اتسع مجال رؤيتك، فلن ترى حين ترفع رأسك سوى فرسان يرتدون السواد، يملؤون الأفق بلا فراغ بينهم.

ومع ضخامة خيولهم، بدوا من بعيد كنمل أسود، ثم اندفعوا كمد أسود قادم من كل الجهات، ضاغطين على من في الأسفل بهيبة ساحقة.

وكان معناها أنه مهما بلغت حدة سمعك، فلن تسمع حين يتقدمون معًا إلا هدير الحوافر المتلاحق كالأمواج.

ومع اقتراب تاليس ببطء، استطاع أخيرًا رؤية وجه الفارس بوضوح.

وكان معناها أنه مهما بلغ ثبات قلبك ورسوخ أعصابك، فحين تنقض عليك آلاف الخيول الحربية، وقد اهتزت الرمال تحت أوزانها المخيفة، لن يبقى ما تسمعه سوى ضربات قلبك المتسارعة بلا سيطرة، حتى يخيل إليك أنه سيقفز من صدرك، ولن تجد حتى فرصة لالتقاط أنفاسك.

تحرك الفارس الأبيض وسط الفوضى بلا أدنى تردد. تمايل رمحه يمينًا ويسارًا ورقص في الهواء بسرعة، فضرب ريكي الغاضب مرات متتالية وأوقف هجماته.

ذهل الجميع.

وبعد قليل، بدا وقع الحوافر أوضح وأبطأ.

الجميع باستثناء زاكريل.

حدّق ريكي في الضوء المتوهج، وأصغى إلى صوت البوق، وشعر بالاهتزازات تحت قدميه، فتوقف عما كان يفعله. وخمد قليلًا الجنون والتعطش للدماء في عينيه.

كان فارس الحكم الوحيد الذي لم يتأثر بالمشهد مثل الآخرين، وظل أكثرهم تركيزًا. بقيت عيناه معلقتين بريكي الذي كان لا يزال ممسكًا بيودل.

لكن ما حدث بعدها فاجأ تاليس.

وفي اللحظة التالية، انتهز شرود خصمه، فانقض عليه وظهر خلف ريكي، ثم لف ذراعيه حول عنقه!

وعند سفح الكثيب، وما إن أحس ريكي بالخطر حتى أطلق زئيرًا غاضبًا. تفجرت القوة في جسده، فانقلب وألقى زاكريل على الأرض بعنف.

دوم!

وفي اللحظة التي أدار فيها رأسه، شعر تاليس كأن نصلًا شق سطح ماء صافٍ؛ انحسرت الهالة الحادة المحيطة بالفارس فورًا، لكنها بقيت عصية على النسيان.

اضطر ريكي إلى إفلات يودل، واشتعل القتال من جديد.

اقتربت الاهتزازات الغريبة مسرعة نحوهم من وراء الكثبان الرملية التي تعالت حولهم كأمواج البحر. وحين أدرك المرتزقة وأفراد الحرس الملكي ما يوشك على الوصول، أنزلوا أسلحتهم على الفور.

تغيّرت نغمة البوق. وتوقف الفرسان المجهولو الملامح فوق الكثبان، كأنهم ترددوا حين رأوا الاشتباك المفاجئ، لكن الشبح الأبيض الذي ظهر أولًا واصل اندفاعه إلى أسفل.

استدار إليه بيقظة.

وعند سفح الكثيب، وما إن أحس ريكي بالخطر حتى أطلق زئيرًا غاضبًا. تفجرت القوة في جسده، فانقلب وألقى زاكريل على الأرض بعنف.

ومع ضخامة خيولهم، بدوا من بعيد كنمل أسود، ثم اندفعوا كمد أسود قادم من كل الجهات، ضاغطين على من في الأسفل بهيبة ساحقة.

«أنت مزعج على نحو لا يُطاق، يا فارس الحكم.»

وفي الوقت نفسه، كلما انتهز زاكريل فرصة للهجوم المضاد، كان الفارس الأبيض يصد ضرباته بدقة كاملة، ثم يوجه هجومه إلى نقاط الضعف في حركته، فيفسد محاولاته الواحدة تلو الأخرى.

التقط ريكي سيفه الطويل، وانطلق صوته المرعب مرة أخرى، فارتجف كثيرون.

هدأ القتال بصمت.

لكن قبل أن يرفع سيفه، ظهر يودل من جديد، ومعه سيفه القصير الرمادي الغريب، وغرس نصله في صدر ريكي.

صوت لا يقبل سؤالًا، ولا تحديًا، ولا عصيانًا.

«آآآرغ!»

كان فارس الحكم الوحيد الذي لم يتأثر بالمشهد مثل الآخرين، وظل أكثرهم تركيزًا. بقيت عيناه معلقتين بريكي الذي كان لا يزال ممسكًا بيودل.

زأر ريكي من الألم والغضب، واستدار وطعن بسيفه، لكن يودل ارتجف ثم تدحرج على الأرض متفاديًا الضربة.

قفز الفارس الأبيض عن صهوة جواده ولوّح بذراعه، وفجأة ظهر في يده رمح أبيض ناصع متوهج!

ولم يتمكن ريكي من توجيه هجوم ثانٍ، لأن الشبح الأبيض الذي ظهر أولًا على الكثيب وصل إليهم في اللحظة التالية، واقتحم قلب المعركة الثلاثية مباشرة!

كانتا بلون الكهرمان الفاتح، وكأنهما تخفيان أجمل السيوف وأشدها فتكًا؛ تجذبان من يعشق الجمال، لكنهما في الوقت نفسه تطعنان كل من يطيل التحديق فيهما أكثر مما ينبغي.

اندفع كهبّة ريح تشق الغبار والرمال، ولم يملك ريكي سوى القفز جانبًا ليتفادى الحصان الأبيض بصعوبة.

«وعلاماتكم أيضًا.»

لكن ما حدث بعدها فاجأ تاليس.

بدأت عينا تاليس تؤلمانه من فرط متابعة الظلال المتحركة وسط الغبار والرمال.

قفز الفارس الأبيض عن صهوة جواده ولوّح بذراعه، وفجأة ظهر في يده رمح أبيض ناصع متوهج!

رفع تاليس رأسه بلا وعي، وعندها اكتشف أن عددًا لا يحصى من الظلال السوداء قد ظهر فوق الكثبان المحيطة بهم، تحت الضوء الخافت الذي أخذ يسطع تدريجيًا من الشرق، وكانت كلها تنظر إليهم من علٍ.

ومع حركة الفارس، اجتاح الرمح الهواء.

ومع اقتراب الضوء وصوت البوق، ضيّق تاليس عينيه. لقد شعر بشيء.

دوم!

«أنت مزعج على نحو لا يُطاق، يا فارس الحكم.»

ضرب الرمح الأبيض صدر ريكي.

حاول يودل التقدم، لكن ذلك الصوت المفزع أفقده توازنه هو الآخر.

وبفعل زخم الحصان المسرع، طار ريكي إلى الخلف وهو يصرخ ألمًا، ثم سقط على المنحدر الرملي خلفه، فتناثرت الرمال عاليًا.

ومن حين إلى آخر، كان الرمح الأبيض ينطلق من زاوية خبيثة غير متوقعة، يشق الهواء بصوت حاد، ويجبر يودل، الذي كان يتأهب للمباغتة، على التراجع إلى الظلال في وضع بالغ الحرج.

اهتز جسد الفارس الأبيض نفسه في الهواء بفعل قوة الارتداد، لكنه عدّل وضعه، ورسم برمحه قوسًا فوق الرمل، ثم هبط بخفة وأناقة.

وبعد قليل، بدا وقع الحوافر أوضح وأبطأ.

انبثق الأمل في قلب تاليس. أدرك أن النجدة وصلت.

مسح ساميل الدم عن خده، حيث شقته السلسلة قبل قليل، وقال وهو يلهث: «إنه هو. إن أردتم البقاء أحياء، فلا تتحركوا!»

لكن في اللحظة التالية، استدار الفارس الأبيض فجأة، والتف رأس رمحه كأفعى نحو يودل الذي كان قد باغت ريكي لتوه.

توقف الفارس الوسيم عن الاهتمام بريكي، والتفت بدلًا منه إلى الرجلين الآخرين.

تشنج تاليس.

كان شبحًا أبيض يندفع إلى الأمام… منحدرًا بأقصى سرعة نحو الفوضى أسفل الكثيب.

«إلى صف مَن يقف هذا الرجل أصلًا؟»

وزاكريل كان يدافع بهدوء، باحثًا عن فرصة للرد، على أمل أن يتمكن من قطع رأس الشيطان مرة أخرى.

صد الحامي المقنّع الرمح بسرعة، ثم أفلت منه بتدحرج مرن، وإن بدا محرجًا بعض الشيء.

«أيها الشاب… أنت آمر السجن الحالي.»

في الوقت نفسه، قطب زاكريل حاجبيه والتقط سيف ريكي الطويل، عازمًا على مساعدة يودل.

الجميع باستثناء زاكريل.

لكن الفارس الأبيض بدا كأن له عينين في مؤخرة رأسه. سحب رمحه واستدار في لمح البصر!

فجأة، ظهر ظل فوق قمة الكثيب خلف ريكي، أسفل الضوء المتوهج مباشرة.

رن صوت معدني حاد، وحدث أمر مدهش.

كان جميع الفرسان في الصف الأمامي يحملون الأقواس، ويوجهونها بعدائية نحو المجموعة أسفل الكثبان، وكأنهم مستعدون لإطلاق وابل من آلاف السهام بمجرد صدور الأمر.

كان محور الرمح الأبيض قبل لحظة قريبًا من رأسه، بينما امتد ذراعه الطويل خلف صاحبه، لكنه تغير فجأة؛ انكمش الرأس الأول، وفي اللحظة نفسها اندفع الطرف الخلفي إلى الأمام، وبرز منه رأس رمح ثانٍ هاجم زاكريل من الخلف!

ومع حركة الفارس، اجتاح الرمح الهواء.

عندها فقط أدرك تاليس أن الرمح مزدوج الرأس، وأن طوله قابل للتغيير…

تووووووت!

وبينما كانت هذه الأفكار تمر في ذهنه، كان الفارس الأبيض قد استدار بالفعل، وبدّل موضع قبضته، وسدد ضربة نحو زاكريل.

دوم!

وقبل أن يلتقي السيف بالرمح، تغير وجه فارس الحكم.

دوم!

كان يعرف تمامًا أن السيف في وضع غير مواتٍ أمام الرمح، فسحب سلاحه غريزيًا وتراجع ثلاث خطوات، بالكاد متفاديًا الطعنة التي بدت كأن لا مهرب منها.

عندها فقط أدرك تاليس أن الرمح مزدوج الرأس، وأن طوله قابل للتغيير…

«همم؟»

وسيمًا إلى درجة أن التفاته نحو تاليس بدت كصاعقة تشق السماء وتطرد الظلام، رغم أن النهار كان قد بدأ بالفعل.

بدا الفارس الأبيض مندهشًا قليلًا، وكأنه لم يتوقع أن يتفادى زاكريل بهذه الدقة ضربةً كان واثقًا منها.

ولم يتمكن ريكي من توجيه هجوم ثانٍ، لأن الشبح الأبيض الذي ظهر أولًا على الكثيب وصل إليهم في اللحظة التالية، واقتحم قلب المعركة الثلاثية مباشرة!

في تلك اللحظة، انطلق من ريكي صراخ حاد آخر جعل قلوب الجميع ترتجف خوفًا.

رن صوت مكتوم كأنه انطلق من أعماق قلوبهم.

ومن وسط سحابة الرمال، نهض ريكي مجددًا وانقض نحو المعركة، مندفعًا مباشرة إلى زاكريل قبل أن يستعيد توازنه!

آمر السجن

عض فارس الحكم على أسنانه، لكن قبل أن يتحرك، ظهر شبح من العدم.

لم يتأثر بها على الإطلاق.

كان يودل.

كان معناها أنه مهما اتسع مجال رؤيتك، فلن ترى حين ترفع رأسك سوى فرسان يرتدون السواد، يملؤون الأفق بلا فراغ بينهم.

اعترض طريق ريكي وضرب ركبتيه ليوقفه.

انتزع ريكي سيف «الحقيقة الخالدة» من كتفه بملامح وحشية، وانقض على فارس الحكم الذي لم يعد قادرًا حتى على الوقوف بثبات.

تووووووت!

لكن قبل أن يستوعب تاليس ما يجري، تحرك الفارس الأبيض مجددًا.

استمر صوت البوق، واستؤنف القتال بين الثلاثة.

هدير…

كانت هالة ريكي جارفة. وقد بلغ غضبه ذروته بعد كل ما تعرض له، فلم يكن يريد سوى قتل زاكريل.

دوم!

أما يودل، المتواري في الظلام، فكان يتحرك بحرية حوله، يحاول منعه من مهاجمة زاكريل بينما يتفادى ضرباته بشق الأنفس.

وفي تلك اللحظة، تشوش بصر تاليس من سرعة ما رآه.

وزاكريل كان يدافع بهدوء، باحثًا عن فرصة للرد، على أمل أن يتمكن من قطع رأس الشيطان مرة أخرى.

سحب الفارس الأبيض يده اليمنى. وانكمش الرمح السحري حتى صار بطول ساعد، فوضعه خلف ظهره.

لكن قبل أن يستوعب تاليس ما يجري، تحرك الفارس الأبيض مجددًا.

وفي اللحظة التالية، انتهز شرود خصمه، فانقض عليه وظهر خلف ريكي، ثم لف ذراعيه حول عنقه!

وضع رمحه خلف ظهره، وعبر ساحة القتال بسرعة مذهلة، مقتحمًا الاشتباك بين الرجال الثلاثة!

وفي تلك اللحظة، تشوش بصر تاليس من سرعة ما رآه.

وفي تلك اللحظة، تشوش بصر تاليس من سرعة ما رآه.

دوم!

تحرك الفارس الأبيض وسط الفوضى بلا أدنى تردد. تمايل رمحه يمينًا ويسارًا ورقص في الهواء بسرعة، فضرب ريكي الغاضب مرات متتالية وأوقف هجماته.

وعند سفح الكثيب، وما إن أحس ريكي بالخطر حتى أطلق زئيرًا غاضبًا. تفجرت القوة في جسده، فانقلب وألقى زاكريل على الأرض بعنف.

وفي الوقت نفسه، كلما انتهز زاكريل فرصة للهجوم المضاد، كان الفارس الأبيض يصد ضرباته بدقة كاملة، ثم يوجه هجومه إلى نقاط الضعف في حركته، فيفسد محاولاته الواحدة تلو الأخرى.

فجأة، ظهر ظل فوق قمة الكثيب خلف ريكي، أسفل الضوء المتوهج مباشرة.

ومن حين إلى آخر، كان الرمح الأبيض ينطلق من زاوية خبيثة غير متوقعة، يشق الهواء بصوت حاد، ويجبر يودل، الذي كان يتأهب للمباغتة، على التراجع إلى الظلال في وضع بالغ الحرج.

هدير…

كان الرجال الثلاثة كذئاب تريد تمزيق بعضها بعضًا، لكن قبل أن يبلغ أحدهم الآخر، كان ذلك الرمح الغريب يعترض طريقه.

كان فارس الحكم الوحيد الذي لم يتأثر بالمشهد مثل الآخرين، وظل أكثرهم تركيزًا. بقيت عيناه معلقتين بريكي الذي كان لا يزال ممسكًا بيودل.

ظل الجميع، ومن بينهم تاليس، يتابعون المعركة في ذهول.

وعند سفح الكثيب، وما إن أحس ريكي بالخطر حتى أطلق زئيرًا غاضبًا. تفجرت القوة في جسده، فانقلب وألقى زاكريل على الأرض بعنف.

«الفارس الأبيض… إنه يقاتل الثلاثة وحده؟»

أما يودل، المتواري في الظلام، فكان يتحرك بحرية حوله، يحاول منعه من مهاجمة زاكريل بينما يتفادى ضرباته بشق الأنفس.

بدأت عينا تاليس تؤلمانه من فرط متابعة الظلال المتحركة وسط الغبار والرمال.

كانت هالة ريكي جارفة. وقد بلغ غضبه ذروته بعد كل ما تعرض له، فلم يكن يريد سوى قتل زاكريل.

كان جسد الفارس الأبيض بالغ الرشاقة. ولم تكن قدماه وحدهما محور حركته؛ ففي بعض الأحيان كان يغرس أحد طرفي رمحه في الرمال، ويتخذه نقطة ارتكاز لينتقل إلى الأمام أو الخلف، متفاديًا الخطر في اللحظة الأخيرة دائمًا.

كان صوته فريدًا إلى حد مخيف. حتى تاليس، الذي وقف بعيدًا نسبيًا، تأوه وسقط على ركبته من الألم.

وعندما رأى تاليس ذلك، لم يستطع إلا أن يتذكر «نصل الجراد المهاجر» الذي شاهده من قبل.

كان حصانًا أبيض ناصعًا، بلا شائبة، رشيق الهيئة. راحت حوافره تضرب الرمال وهو يعدو بسرعة أذهلت كل من رآه.

أما رمح الفارس الأبيض المزدوج فبدا كسلاح سحري بحق. كان يستطيع أن يقصر أو يطول كما يشاء، نحو اليمين أو اليسار، الأمام أو الخلف، ليطلق أشرس الهجمات وأكثرها دقة من أي زاوية وأي وضع.

لكن ما حدث بعدها فاجأ تاليس.

«جسد رشيق، هجمات شرسة، ورمح يمزق الهواء مع كل ضربة… إنه لا يحتاج حتى إلى الدفاع عن نفسه. يكفيه أن يدفع خصومه خارج المسافة التي تسمح لهم بتهديده.»

اندفع كهبّة ريح تشق الغبار والرمال، ولم يملك ريكي سوى القفز جانبًا ليتفادى الحصان الأبيض بصعوبة.

وأخيرًا، بعد ما يقارب عشر ثوانٍ من القتال الفوضوي، وجد زاكريل فرصة.

عاد وقع الحوافر.

اندفع إلى الأمام، وحوّل مسار سيفه فجأة، مغيرًا هدفه من ريكي إلى الفارس الأبيض.

كان شبحًا أبيض يندفع إلى الأمام… منحدرًا بأقصى سرعة نحو الفوضى أسفل الكثيب.

قطب الفارس، الذي دخل المعركة حديثًا، حاجبيه، وغيّر وضعه ليصد الضربة، لكنه أدرك بعد لحظة أنه يقف في موضع سيئ.

شحب وجوه المرتزقة في الميدان.

ودفعه يودل جانبًا، فلم يستطع سوى مشاهدة زاكريل يندفع نحو ريكي.

غاص السيف الطويل في لوح كتف ريكي.

شراااك!

تووووووت!

غاص السيف الطويل في لوح كتف ريكي.

ظل تاليس يحدق في الشبح الأبيض هو الآخر. وما إن رأى الشخص فوق الحصان حتى أدرك أنه فارس، فارس لا تقل هيئته رشاقة عن جواده، غير أن سرعته حالت دون تمييز ملامحه.

رفع ريكي رأسه بعنف، وانطلق منه صوت قاسٍ لم يسمعوا مثله من قبل، جعل زاكريل نفسه يرتجف ويتراجع عابسًا.

رمق الفارس الأبيض تاليس بنظرة، ثم أشاح بوجهه.

«هذا كل ما لديك؟»

«أنت مزعج على نحو لا يُطاق، يا فارس الحكم.»

كان صوته فريدًا إلى حد مخيف. حتى تاليس، الذي وقف بعيدًا نسبيًا، تأوه وسقط على ركبته من الألم.

وأشار بذقنه نحو الفارس الأبيض.

«إن كان هذا كل شيء… فقد انتهى أمرك.»

كان حصانًا أبيض ناصعًا، بلا شائبة، رشيق الهيئة. راحت حوافره تضرب الرمال وهو يعدو بسرعة أذهلت كل من رآه.

انتزع ريكي سيف «الحقيقة الخالدة» من كتفه بملامح وحشية، وانقض على فارس الحكم الذي لم يعد قادرًا حتى على الوقوف بثبات.

وسيمًا إلى درجة أن التفاته نحو تاليس بدت كصاعقة تشق السماء وتطرد الظلام، رغم أن النهار كان قد بدأ بالفعل.

حاول يودل التقدم، لكن ذلك الصوت المفزع أفقده توازنه هو الآخر.

وضع رمحه خلف ظهره، وعبر ساحة القتال بسرعة مذهلة، مقتحمًا الاشتباك بين الرجال الثلاثة!

وفي تلك اللحظة، كان الفارس الأبيض الوحيد القادر على الحركة بينما عانى الجميع من الصرخة.

وكان معناها أنه مهما بلغ ثبات قلبك ورسوخ أعصابك، فحين تنقض عليك آلاف الخيول الحربية، وقد اهتزت الرمال تحت أوزانها المخيفة، لن يبقى ما تسمعه سوى ضربات قلبك المتسارعة بلا سيطرة، حتى يخيل إليك أنه سيقفز من صدرك، ولن تجد حتى فرصة لالتقاط أنفاسك.

لم يتأثر بها على الإطلاق.

بدأت عينا تاليس تؤلمانه من فرط متابعة الظلال المتحركة وسط الغبار والرمال.

تقدم رغم كل شيء، وجسده كريشة بيضاء تحملها الريح، فمر بجوار يودل برشاقة وهدوء.

«فرسان!»

وكان صوته وحده قادرًا على شق زئير ريكي المرعب.

…لأنه أدرك فجأة أن الرجل الذي ترجل عن الحصان الأبيض كان، بلا مبالغة، وسيمًا على نحو مفرط.

«اصمت!»

ما إن لمح بارني جونيور بارقة أمل حتى همّ بالكلام، لكن ساميل أمسكه من الخلف.

كان صوتًا باردًا، واضحًا، جهوريًا، كجدول صافٍ يشق مستنقعًا لا نهاية له، فيغسل ما يمر به.

توقف الفارس الوسيم عن الاهتمام بريكي، والتفت بدلًا منه إلى الرجلين الآخرين.

صوت لا يقبل سؤالًا، ولا تحديًا، ولا عصيانًا.

«فرسان!»

فتوقف ريكي، الذي كان قبل لحظة يغلي غضبًا، عن الصراخ فورًا رغمًا عنه!

وأخيرًا، بعد ما يقارب عشر ثوانٍ من القتال الفوضوي، وجد زاكريل فرصة.

وفي اللحظة التالية، هبط الرمح الأبيض كالصاعقة وضرب كتفه.

صوت لا يقبل سؤالًا، ولا تحديًا، ولا عصيانًا.

دوم!

دوم!

رن صوت مكتوم كأنه انطلق من أعماق قلوبهم.

ومع اقتراب الضوء وصوت البوق، ضيّق تاليس عينيه. لقد شعر بشيء.

سقط سيف ريكي من يده، وانهار على ركبتيه.

دوم!

قال الفارس الأبيض وهو يسحب رمحه:

دوم!

«جيد.»

«جيد.»

لم ينهض ريكي مجددًا.

«همم؟»

هز رأسه كأنه يحاول الإفاقة، ثم رفعه أخيرًا وحدق في الفارس الأبيض أمامه غير مصدق.

«هذا كل ما لديك؟»

تلاشى الوهج الأصفر من عينيه تدريجيًا، وبدأت جروح وجهه تلتئم.

«أيها الشاب… أنت آمر السجن الحالي.»

«أنت…» تمتم ريكي.

وسيمًا إلى درجة أن التفاته نحو تاليس بدت كصاعقة تشق السماء وتطرد الظلام، رغم أن النهار كان قد بدأ بالفعل.

ومع اقتراب تاليس ببطء، استطاع أخيرًا رؤية وجه الفارس بوضوح.

ثم ألقى نظرة على المرتزقة وأفراد الحرس الملكي من ورائه، كأن شيئًا لم يحدث. كانت ملامحه هادئة خالية من الانفعال، ومع ذلك شد الجميع أعصابهم تحت نظرته.

كان متوسط القامة، نحيل البنية، ويبدو في نحو الثلاثين. ارتدى ثياب ركوب بيضاء نظيفة ومرتبة، وكان في مشيته وقار وثقة، كأن الفوضى التي جرت قبل قليل لم تمسه بشيء.

في تلك اللحظة، انطلق من ريكي صراخ حاد آخر جعل قلوب الجميع ترتجف خوفًا.

«الشيء الوحيد الذي يبدو خارج مكانه…»

«لا تتكلم.»

فعلى كتفه الأيسر، حيث يفترض أن تكون واقية الكتف، استقرت جمجمة ضخمة بشعة رمادية مائلة إلى البياض، تضفي على هيئته مسحة من القسوة.

رن صوت مكتوم كأنه انطلق من أعماق قلوبهم.

وبدا أن الفارس الأبيض شعر بنظرات تاليس.

وكان صوت الرجل الوسيم باردًا أجوف، كأنه موجة صقيع تعبر فراغًا صامتًا.

استدار إليه بيقظة.

ودفعه يودل جانبًا، فلم يستطع سوى مشاهدة زاكريل يندفع نحو ريكي.

وفي اللحظة التي أدار فيها رأسه، شعر تاليس كأن نصلًا شق سطح ماء صافٍ؛ انحسرت الهالة الحادة المحيطة بالفارس فورًا، لكنها بقيت عصية على النسيان.

انبثق الأمل في قلب تاليس. أدرك أن النجدة وصلت.

تحت ضوء الفجر، تجمد تاليس في مكانه.

«آلاف الفرسان…»

…لأنه أدرك فجأة أن الرجل الذي ترجل عن الحصان الأبيض كان، بلا مبالغة، وسيمًا على نحو مفرط.

وانطلقت عيناه الحادتان كعيني صقر حتى عثرتا على بارني جونيور والبقية وسط الحشد.

وسيمًا إلى درجة أن التفاته نحو تاليس بدت كصاعقة تشق السماء وتطرد الظلام، رغم أن النهار كان قد بدأ بالفعل.

تووووووت!

كان شعره الأسود الفاحم يشبه أجود حبر يمكن لرسام أن يتمناه، يتناقض مع ثيابه البيضاء ويكملها في الوقت ذاته.

«لا تتكلم.»

وبشرته فاتحة، لكنها وسط صحراء لا تنتهي من الرمال الصفراء منحته هيئة بطولية صلبة.

تووووووت!

تدلى من أذنه اليسرى قرط فضي فريد، دقيق الصنع، يتلألأ فوق الجمجمة البشعة.

رفع تاليس رأسه بلا وعي، وعندها اكتشف أن عددًا لا يحصى من الظلال السوداء قد ظهر فوق الكثبان المحيطة بهم، تحت الضوء الخافت الذي أخذ يسطع تدريجيًا من الشرق، وكانت كلها تنظر إليهم من علٍ.

أما عيناه…

لكن ما حدث بعدها فاجأ تاليس.

ظل تاليس يحدق فيهما بلا وعي.

ولم يتمكن ريكي من توجيه هجوم ثانٍ، لأن الشبح الأبيض الذي ظهر أولًا على الكثيب وصل إليهم في اللحظة التالية، واقتحم قلب المعركة الثلاثية مباشرة!

كانتا بلون الكهرمان الفاتح، وكأنهما تخفيان أجمل السيوف وأشدها فتكًا؛ تجذبان من يعشق الجمال، لكنهما في الوقت نفسه تطعنان كل من يطيل التحديق فيهما أكثر مما ينبغي.

اندفع إلى الأمام، وحوّل مسار سيفه فجأة، مغيرًا هدفه من ريكي إلى الفارس الأبيض.

رمق الفارس الأبيض تاليس بنظرة، ثم أشاح بوجهه.

ضرب الرمح الأبيض صدر ريكي.

وعندها فقط أدرك تاليس أنه ظل يحدق فيه لثوانٍ، وهو تصرف بالغ الوقاحة.

كان محور الرمح الأبيض قبل لحظة قريبًا من رأسه، بينما امتد ذراعه الطويل خلف صاحبه، لكنه تغير فجأة؛ انكمش الرأس الأول، وفي اللحظة نفسها اندفع الطرف الخلفي إلى الأمام، وبرز منه رأس رمح ثانٍ هاجم زاكريل من الخلف!

توقف الفارس الوسيم عن الاهتمام بريكي، والتفت بدلًا منه إلى الرجلين الآخرين.

اعترض طريق ريكي وضرب ركبتيه ليوقفه.

وتحت نظرته، أخفى يودل السيف الأسمى، ثم اختفى على الفور في الهواء.

صد الحامي المقنّع الرمح بسرعة، ثم أفلت منه بتدحرج مرن، وإن بدا محرجًا بعض الشيء.

قال الفارس الأبيض ببرود:

وكان صوت الرجل الوسيم باردًا أجوف، كأنه موجة صقيع تعبر فراغًا صامتًا.

«ذكي.»

كان جميع الفرسان في الصف الأمامي يحملون الأقواس، ويوجهونها بعدائية نحو المجموعة أسفل الكثبان، وكأنهم مستعدون لإطلاق وابل من آلاف السهام بمجرد صدور الأمر.

هدأ القتال بصمت.

وعندها استطاع تاليس تمييزه.

وعاد السكون إلى الساحة الواسعة أسفل الكثبان.

«جسد رشيق، هجمات شرسة، ورمح يمزق الهواء مع كل ضربة… إنه لا يحتاج حتى إلى الدفاع عن نفسه. يكفيه أن يدفع خصومه خارج المسافة التي تسمح لهم بتهديده.»

سحب الفارس الأبيض يده اليمنى. وانكمش الرمح السحري حتى صار بطول ساعد، فوضعه خلف ظهره.

عندها فقط أدرك تاليس أن الرمح مزدوج الرأس، وأن طوله قابل للتغيير…

ثم ألقى نظرة على المرتزقة وأفراد الحرس الملكي من ورائه، كأن شيئًا لم يحدث. كانت ملامحه هادئة خالية من الانفعال، ومع ذلك شد الجميع أعصابهم تحت نظرته.

وكان معناها أنه مهما بلغ ثبات قلبك ورسوخ أعصابك، فحين تنقض عليك آلاف الخيول الحربية، وقد اهتزت الرمال تحت أوزانها المخيفة، لن يبقى ما تسمعه سوى ضربات قلبك المتسارعة بلا سيطرة، حتى يخيل إليك أنه سيقفز من صدرك، ولن تجد حتى فرصة لالتقاط أنفاسك.

لم يتكلم.

صد الحامي المقنّع الرمح بسرعة، ثم أفلت منه بتدحرج مرن، وإن بدا محرجًا بعض الشيء.

استدار فقط وأشار بيده نحو السماء.

«هذا…» حدّق بارني جونيور في الشبح الأبيض فاغرًا فاه، لكن ساميل سرعان ما دفعه جانبًا.

هدير…

وتحت نظرته، أخفى يودل السيف الأسمى، ثم اختفى على الفور في الهواء.

عاد وقع الحوافر.

صوت لا يقبل سؤالًا، ولا تحديًا، ولا عصيانًا.

واستأنف الفرسان فوق الكثبان تقدمهم.

اعترض طريق ريكي وضرب ركبتيه ليوقفه.

رفع المرتزقة والحرس الملكي أبصارهم بحذر.

وبعد قليل، بدا وقع الحوافر أوضح وأبطأ.

اقترب الفرسان المحيطون بهم أكثر فأكثر. كان عددهم هائلًا؛ ظهر نحو ألف منهم بالفعل في مجال الرؤية، وما زال المزيد يخرج من خلف الكثبان بلا انقطاع، منحدرين ببطء.

اهتز جسد الفارس الأبيض نفسه في الهواء بفعل قوة الارتداد، لكنه عدّل وضعه، ورسم برمحه قوسًا فوق الرمل، ثم هبط بخفة وأناقة.

ومع ضخامة خيولهم، بدوا من بعيد كنمل أسود، ثم اندفعوا كمد أسود قادم من كل الجهات، ضاغطين على من في الأسفل بهيبة ساحقة.

شحب وجوه المرتزقة في الميدان.

وأخيرًا، ميّزهم تاليس بوضوح.

عاد وقع الحوافر.

كان جميع الفرسان في الصف الأمامي يحملون الأقواس، ويوجهونها بعدائية نحو المجموعة أسفل الكثبان، وكأنهم مستعدون لإطلاق وابل من آلاف السهام بمجرد صدور الأمر.

«آآآرغ!»

ازداد توتر كل من في الأسفل.

عاد وقع الحوافر.

«مهلًا—»

مسح ساميل الدم عن خده، حيث شقته السلسلة قبل قليل، وقال وهو يلهث: «إنه هو. إن أردتم البقاء أحياء، فلا تتحركوا!»

ما إن لمح بارني جونيور بارقة أمل حتى همّ بالكلام، لكن ساميل أمسكه من الخلف.

«مهلًا—»

همس ساميل محذرًا، وهو يرمق رفاقه السابقين بنظرة ذات مغزى:

كانتا بلون الكهرمان الفاتح، وكأنهما تخفيان أجمل السيوف وأشدها فتكًا؛ تجذبان من يعشق الجمال، لكنهما في الوقت نفسه تطعنان كل من يطيل التحديق فيهما أكثر مما ينبغي.

«لا تتكلم.»

استدار فقط وأشار بيده نحو السماء.

وأشار بذقنه نحو الفارس الأبيض.

وفي تلك اللحظة، كان الفارس الأبيض الوحيد القادر على الحركة بينما عانى الجميع من الصرخة.

«ذلك الوغد يكره أن يقاطعه أحد وهو يؤدي عمله.»

لكن قبل أن يرفع سيفه، ظهر يودل من جديد، ومعه سيفه القصير الرمادي الغريب، وغرس نصله في صدر ريكي.

وتحت أنظار الجميع المشدودة، تقدم الفارس الأبيض الوسيم حتى وقف أمام زاكريل.

بدأت عينا تاليس تؤلمانه من فرط متابعة الظلال المتحركة وسط الغبار والرمال.

نظر إلى المحارب المكدوم، الجريح، الرث، الذي ظل رغم كل شيء صلبًا لا ينحني.

هز رأسه كأنه يحاول الإفاقة، ثم رفعه أخيرًا وحدق في الفارس الأبيض أمامه غير مصدق.

وكان صوت الرجل الوسيم باردًا أجوف، كأنه موجة صقيع تعبر فراغًا صامتًا.

«هذا كل ما لديك؟»

«أتذكر العلامة على وجهك.»

عض فارس الحكم على أسنانه، لكن قبل أن يتحرك، ظهر شبح من العدم.

ثم رفع رأسه.

عندها فقط أدرك تاليس أن الرمح مزدوج الرأس، وأن طوله قابل للتغيير…

وانطلقت عيناه الحادتان كعيني صقر حتى عثرتا على بارني جونيور والبقية وسط الحشد.

اهتز جسد الفارس الأبيض نفسه في الهواء بفعل قوة الارتداد، لكنه عدّل وضعه، ورسم برمحه قوسًا فوق الرمل، ثم هبط بخفة وأناقة.

«وعلاماتكم أيضًا.»

اندفع كهبّة ريح تشق الغبار والرمال، ولم يملك ريكي سوى القفز جانبًا ليتفادى الحصان الأبيض بصعوبة.

اكفهرت وجوه أفراد الحرس الملكي على الفور.

«آآآرغ!»

أما زاكريل، فحدق في الفارس الأبيض أمامه، وضيّق عينيه كأنه تذكر شيئًا.

ضرب الرمح الأبيض صدر ريكي.

«آه، لقد تذكرتك أنت أيضًا.»

صد الحامي المقنّع الرمح بسرعة، ثم أفلت منه بتدحرج مرن، وإن بدا محرجًا بعض الشيء.

وبعد بضع ثوانٍ، ضحك فارس الحكم.

وبفعل زخم الحصان المسرع، طار ريكي إلى الخلف وهو يصرخ ألمًا، ثم سقط على المنحدر الرملي خلفه، فتناثرت الرمال عاليًا.

ثم تنهد زاكريل وقال:

كان شبحًا أبيض يندفع إلى الأمام… منحدرًا بأقصى سرعة نحو الفوضى أسفل الكثيب.

«أيها الشاب… أنت آمر السجن الحالي.»

وفي اللحظة التي أدار فيها رأسه، شعر تاليس كأن نصلًا شق سطح ماء صافٍ؛ انحسرت الهالة الحادة المحيطة بالفارس فورًا، لكنها بقيت عصية على النسيان.

«إلى صف مَن يقف هذا الرجل أصلًا؟»

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط