مرتفع اكثر من اللازم
مرتفع اكثر من اللازم
تحسن مزاجه.
كان كل شيء ضبابيًا، كأنه غارق في سديم أبيض شاحب، مبهم المعالم، بلا أرض يستند إليها.
ارتفع الصوت الحاد مجددًا.
ولم يكن واضحًا سوى ذلك الصوت الرقيق، كأنه يهمس بجوار أذنه مباشرة.
ظهر سيف رمادي من الهواء.
“تشيرن، أرجوك… لا تخف.”
وفي اللحظة التالية، شعر بإحساس مألوف في يده اليمنى.
“كيف يمكن أن يكون هذا؟”
جاءه الرد المألوف من الهواء:
امتلأ قلبه بمزيج غريب من السخط والحزن، لكنه لم يجد سبيلًا للتنفيس عنهما.
أخذ تاليس نفسًا عميقًا، وأدار رأسه متفحصًا الغرفة الضيقة المعتمة.
كان الأمر أشبه بأنه… يفقد شيئًا.
لكن يودل بدا وكأنه فهمه.
“أنا فقط… أنا فقط…”
عقد تاليس حاجبيه.
بدا ذلك الصوت عاجزًا وبائسًا إلى حد مؤلم…
هذه المرة، حمل صوته إلحاحًا واضحًا.
كأنه يبتعد عنه.
“يا إله الصحراء، إن أخبرني أحد بعد اليوم أن نبلاء الصحراء الغربية يعيشون في أرض نائية قاحلة، تمزقها الاضطرابات والمخاطر، وأنها فقيرة والحياة فيها بائسة…
“أنا فقط… أعيش في عالم مختلف عن عالمك.”
عقد تاليس حاجبيه.
تلاشى صوتها.
دهشة أولًا…
وفجأة، شعر بفراغ هائل، وانقبض قلبه ألمًا.
لم يجبه سوى الصمت.
مد يده نحو مصدر الصوت، راغبًا في لمسها، واحتضانها بقوة، وإجبارها على البقاء.
وُضع مكتب صغير بجانب السرير، وإلى جواره نافذة خشبية مغلقة بإحكام.
لكن ما إن ظن أنه أوشك على الوصول إليها، وأنها ستظل إلى جانبه…
وهكذا…
حتى اخترق ضوء أحمر الضباب فجأة!
تجمدت الابتسامة التي حاول تاليس رسمها على وجهه.
تبدد الضباب الأبيض، وتلاشى المشهد المشوش.
ربما ظل اللوح مثبتًا هناك سنوات طويلة حتى اهترأ.
وكأن دمًا هطل من السماء وصبغ الجدران بالحمرة.
تبدد الضباب الأبيض، وتلاشى المشهد المشوش.
تحول كل ما حوله إلى لون أحمر صارخ، كثيف يكاد يبدو لزجًا للناظر، يحمل في طياته تعطشًا للدم وكآبة خانقة!
وتابع بلهجة لا تقبل الجدال:
تغير كل شيء.
كان ضوء الشمس، الذي لم يره منذ وقت طويل، أشبه بموجة عاتية عثرت أخيرًا على منفذ.
ولسبب لا يعرفه…
ظل صاحب العصا يحدق فيه طويلًا.
توتر.
لاحظ أن لوح السرير والمكتب نظيفان، لكن الجدران الأربعة بدت قاتمة وكئيبة، بل ظهرت بعض خيوط العنكبوت في زوايا السقف.
“مضى وقت طويل…”
ولم تتحرك ظلال الغرفة المعتمة ولو قليلًا.
وسط الحمرة الدموية المحيطة به، انبعث من العدم صوت غريب بارد، جهوري ومفعم بالحماسة.
“بالفعل.”
“مضى وقت طويل…”
كرر تاليس النصيحة لنفسه وهو يراقب الرجل يقترب.
هبط عليه فجأة ضغط مرعب، فسحقه حتى كاد يعجز عن التنفس.
وذلك القناع الأرجواني، الغريب والمألوف في آن واحد…
“لا.”
“لا…
“مضى وقت طويل… وقت طويل… طويل… طويل…”
“يبدو أن علينا إعادة النظر في رأينا بأهل نورثلاند. ربما ليسوا مجرد برابرة لا يعرفون سوى استخدام قبضاتهم لقلب الموائد.”
ترددت الأصداء بثقل، وتكررت بلا نهاية، كأن أحدهم يقرع طبول حرب مهيبة، وكل ضربة تجعل قلبه يرتجف.
طَق!
“لا.”
“إصاباته… شُفيت.”
“يا…”
“أقصد، يا صاحب السمو الموقر والوسيم، بعد أن استيقظتم، تأثرنا جميعًا في معسكر أنياب النصل حتى كدنا نسقط موتى من شدة التأثر!”
كان صاحب الصوت متحمسًا للغاية.
تذكر كيف حمى يودل تاليس بجسده من ثلاثة سهام تحمل سمًا قاتلًا قبل سنوات، وأصيب إصابة بالغة.
أما هو…
لكن ما إن ظن أنه أوشك على الوصول إليها، وأنها ستظل إلى جانبه…
فكان مذعورًا.
لم يستطع الهرب.
“لا.”
وبعد سلسلة من وقع الخطوات، وصل صراخ رامي الأفاعي خافتًا من خارج الغرفة.
“يا…”
ولسبب لا يعرفه…
ازدادت الحمرة الدموية من حوله قتامةً وكآبة…
نزل عن الكرسي وألقى الخنجر، ثم نفض الغبار عن كفيه.
واقتربت أكثر.
لقد بدأت ثرثرة رامي الأفاعي تصيبه بالصداع.
“يا… يا… يا…”
أجبر تاليس نفسه على عدم النظر إلى حالة رامي الأفاعي.
لم يكن ثمة مفر.
“أرسل الطعام إلى الأعلى! وتوقف عن التسلل… أهم، التسلل، أقصد، التسلل من أجل «التحقيق» في الأشياء!”
زحفت الحمرة التي لا تنتهي على جسده وحواسه، ولم يستطع التحرر منها.
اندفع عبر النافذة وأضاء الغرفة بأكملها.
لم يستطع الهرب.
لم يستطع الهرب.
“لا.”
“هذه الغرفة صغيرة جدًا.
اندفعت بعنف إلى أفكاره، واستولت على ذهنه.
توقفت عيناه على تاليس.
وملأت…
“أعرف، أعرف. انتهى الأمر الآن.”
كل ما فيه.
بل سمعا في طريقه أصوات ارتطام وتحطم، إذ بدا أنه يصطدم بالأشياء في هلعه.
“لا!”
“إذن، هل جئت لمساعدتي…”
“يا يا يا يا يا يا يا يا…”
أجبر نفسه على تجاهل الجوع في بطنه.
وأخيرًا، حين ملأ ذلك الأحمر اللامتناهي كيانه من الداخل، صار الصوت الغريب البعيد واضحًا إلى حد مخيف.
“الشمس…
كأنه يهمس عند أذنه مباشرة…
وبعد سلسلة من وقع الخطوات، وصل صراخ رامي الأفاعي خافتًا من خارج الغرفة.
لكنه في الحقيقة كان ينبعث من داخله!
لكن هذه المرة، كان الإيقاع أكثر انتظامًا من خطوات الغراب العجوز، وأسرع من خطوات المتنبئ الأسود.
“يا…”
“أمر الأمير الثاني، تاليس جادستار!”
تلاشى كل تشوش في الصوت، واختفى ذلك الحاجز الذي كان يفصل بينهما.
أما ذلك اللون الأحمر الدموي الذي صبغ تاليس والعالم بأسره في حلمه…
وانفجر الصوت من فمه في زئير، كبركان يثور، أو موجة عاتية تنهار من السماء.
ذلك الظل الخالي ظاهريًا من أي شخص خلفه لم يعد يمنحه شعورًا بالأمان.
“…أخي في الدم!”
وانتهى الكلام.
“آآآآآآه!”
حتى صُدم!
صرخ مذعورًا وانتفض جالسًا.
“هناك أيضًا اللهب الغريب، ونصل الروح، وقد أنهت هي نوبتها للتو. أما العيون المحيرة فلم يصل بعد. نصعد للاطمئنان عليكم كل نصف ساعة، لأننا نخشى أن تسلب الأشباح حياتكم، أو أن تتسلل نصل الروح، التي جُن جنونها بسبب المال، إلى فراشكم وتعانقكم…”
الهلع، والعجز، والرعب…
وكانت بضعة خيوط من ضوء الشمس تتسلل بالكاد عبر شقوقها.
كان يلهث بجنون، كأنه يحاول التشبث بشيء ما.
زفر تاليس وارتمى إلى الخلف، لكن الحامي المقنع أسرع بإسناد ظهره، ووضع رأسه برفق على الوسادة.
وفي تلك اللحظة، ظهر فوق رأسه فجأة ظل أسود ثقيل.
“أعتذر، صاحب السمو.”
بدا كطيف هبط عليه مع الظلام نفسه، يريد أن يغطيه ويلتهمه.
وتذكر نيكولاس وليسبان، اللذين يبدوان وكأنهما يخدمان إلى جانبها ويطيعان أوامرها.
وفي اللحظة التالية، شعر بإحساس مألوف في يده اليمنى.
وكان يحمل شعورًا يصعب تفسيره.
كان متوترًا إلى حد أنه لم يفكر.
وانصب كل انتباهه على القادم الجديد.
اندفع بالسلاح في يده مباشرة نحو الظل الأسود!
حتى تجمد.
صفعة!
تموج جسده…
صدر صوت خافت.
“هاه، لقد كبرت كثيرًا خلال السنوات الست الماضية.”
أُمسكت يده اليمنى بإحكام، فلم يستطع دفعها إلى الأمام ولا سحبها إلى الخلف!
“أنا فقط… أعيش في عالم مختلف عن عالمك.”
“تاليس.”
مشى حافي القدمين إلى المقعد الخشبي الذي يحمل المصباح الأبدي، وأخذ خنجر JC، ثم عاد مسرعًا.
خرج صوت أجش مألوف من بين شفتي الظل الأسود.
كان الرجل يستخدم العصا لإسناد ساقه اليسرى المعاقة بوضوح، ويلقي بثقل جسده كله عليها.
ناداه باسمه.
ثم أضاف:
فانتبه تاليس فجأة!
وفور انتهاء الجندي من كلامه، أدرك أن شيئًا ما ليس على ما يرام.
“يو… يودل؟”
“أم معسكر أنياب النصل؟”
لهث المراهق، وحاول بكل قوته فصل الحمرة الدموية في حلمه عن الظل الأسود أمامه.
لم يُتح لتاليس حتى إكمال سؤاله.
وبعد جهد، استطاع تمييز عدستين تعكسان بريقًا باردًا.
رن… رن… رن…
تحت ضوء النار الخافت، خفف الظل الأسود قبضته على ذراعه قليلًا.
لكن حركاته المطمئنة بدت خالية من الخبرة.
“نعم. أنا… أنا هنا.”
تغير كل شيء.
قال الظل الأسود بصوته الأجش، محاولًا تهدئة تاليس الذي لم يفق بعد من صدمته.
لكن تاليس سبق أن التقى رافائيل وميكي، لذلك سرعان ما تعرف إلى أصله.
لكن حركاته المطمئنة بدت خالية من الخبرة.
“تبًا.
“أنا هنا.”
تنهد تاليس وارتشف قليلًا من الحساء.
رفع يده المغطاة بالقفاز عن معصم تاليس، وربت على ذراع المراهق بحركات جامدة ومترددة، محاولًا دفعه إلى الاسترخاء.
“إنها خانقة.”
أما ذلك اللون الأحمر الدموي الذي صبغ تاليس والعالم بأسره في حلمه…
وفي النهاية، أخذ تاليس نفسًا عميقًا.
فلم يكن هنا.
قال الأمير ساخرًا:
تراخت أعصاب تاليس المشدودة حين شرد ذهنه للحظة.
“أم يخشون أن أهرب؟
وانزلق خنجر JC من يده، فتلقفه يودل.
“أقسم بحياتي إني سمعته! قالت فيليشيا إن هكذا يصرخ السادة وهم في أسرّتهم… أهم، أقصد هكذا يوقظون خدمهم… لا، لا أظنها أشباحًا… حسنًا يا حفنة الجبناء، سأذهب بنفسي!”
“أنا هنا… أنا هنا…”
ثم طقطق بلسانه.
كرر الظل الأسود كلماته بارتباك.
“كيف يمكن أن يكون هذا؟”
وبعد بضع ثوانٍ، وجد أخيرًا العبارة التالية التي يمكنه قولها.
“…أخي في الدم!”
“لقد… انتهى الأمر الآن.”
“إنه لا يريد الاستمرار.”
زفر تاليس وارتمى إلى الخلف، لكن الحامي المقنع أسرع بإسناد ظهره، ووضع رأسه برفق على الوسادة.
“ما زلت تتذكر هذه الكومة من العظام العجوز!”
وقعت عينا الأمير على خنجر JC في يد يودل، فشعر بالقلق والذنب.
ثم رفع ساقه اليسرى مع عصاه، وأخذ يعرج إلى داخل الغرفة.
“الخنجر… أنا آسف جدًا.”
“ما زال يتحدث كالدبلوماسيين.”
فتح تاليس عينيه إلى نصفهما.
ومع صوته البارد الحاد وعينيه الحادتين المفعمتين بالحيوية…
كان جسده كله واهنًا، وأنفاسه غير منتظمة.
وبعد بضع ثوانٍ، جاءه الصوت الأجش.
“كان مجرد… كابوس. كما تعرف، أنا…”
وصمت قليلًا.
لكن يودل قاطعه.
“لا أطيع إلا…
“أعرف، أعرف. انتهى الأمر الآن.”
“وماذا عن إدارة الاستخبارات السرية؟”
ساعد الحامي المقنع تاليس على رفع الوسادة ليستند إليها، ولم ينسَ أن يدثره جيدًا.
“لا بأس.”
وحين عاد تاليس إلى الاستلقاء، أدرك أن طبقة من العرق البارد تغطي جسده.
اندفع بالسلاح في يده مباشرة نحو الظل الأسود!
كان العرق قد بلل قميصه الداخلي، الذي يبدو أن أحدهم ألبسه إياه في وقت ما.
“ما زلت تتذكر هذه الكومة من العظام العجوز!”
تحسس تاليس الضمادات تحت القميص.
لكن الجواب ظل صمتًا.
لم يشم سوى رائحة الأدوية.
غرق المكان في صمت مميت.
شهق من الألم، وعندها فقط أدرك أنهما في غرفة غريبة.
توقف الجندي.
كانت مظلمة، كئيبة وضيقة.
تصاعدت كمية كبيرة من الغبار، فدخل تاليس في نوبة سعال عنيفة.
لم تكن الغرفة كبيرة؛ لم تزد المسافة بين رأس السرير والباب على عشر خطوات تقريبًا.
في كف مغطاة بقفاز أمسكت به بثبات.
وُضع مكتب صغير بجانب السرير، وإلى جواره نافذة خشبية مغلقة بإحكام.
أما الرجل، فظل يبتسم ابتسامته المخيفة وينتظر جوابه.
وكانت بضعة خيوط من ضوء الشمس تتسلل بالكاد عبر شقوقها.
“الخنجر… أنا آسف جدًا.”
وفي الجهة البعيدة، وُضع مصباح أبدي فوق مقعد خشبي، بالكاد يمنح الغرفة شيئًا من الضوء.
وكانت فيه لمحة خفيفة من لهجة الصحراء الغربية.
“لكن…”
ناداه باسمه.
ضيق تاليس عينيه وهو مستلقٍ.
كانت مظلمة، كئيبة وضيقة.
لاحظ أن لوح السرير والمكتب نظيفان، لكن الجدران الأربعة بدت قاتمة وكئيبة، بل ظهرت بعض خيوط العنكبوت في زوايا السقف.
“أم يخشون أن أهرب؟
“أين نحن؟”
وتوتر جسده كله.
أجبر تاليس الكلمات على الخروج من حلقه الجاف.
دب! دب! دب!
“معسكر أنياب النصل.”
كان ضوء الشمس، الذي لم يره منذ وقت طويل، أشبه بموجة عاتية عثرت أخيرًا على منفذ.
توجه الحامي المقنع إلى المقعد الخشبي، وعندما عاد كان يحمل كوبًا من الماء.
مد تاليس ذراعه.
“نمت يومًا وليلة كاملين.”
شهق من الألم، وعندها فقط أدرك أنهما في غرفة غريبة.
“إذن عدنا.
ثم أضاف بنبرة عابثة:
“يوم وليلة كاملان…
أمسك صاحب الصوت الحاد بإطار الباب.
“كل هذا الوقت؟”
كان وجهه ذابلًا شاحبًا، وفمه مائلًا.
أخذ تاليس كوب الماء بامتنان، ورطب حلقه الذي بلغ من الجفاف حدًا جعله يشعر بأنه على وشك الاحتراق.
وأعاد في حرج الورقة “المساعدة” المليئة بالكلمات والرسومات، التي كان يرفعها عند خصره، إلى جيب سرواله.
راقبه يودل وهو يشرب، ثم أمسك بحبل بجوار السرير وجذبه برفق.
“لا أطيع إلا…
رن… رن… رن…
ارتفع الصوت الحاد مجددًا.
وصل من خلف الباب صوت جرس خافت.
ظهر سيف رمادي من الهواء.
“قال الطبيب إن عليك أن تأكل.”
قاسيًا وباردًا.
قدم يودل هذا التفسير المختصر تحت نظرة تاليس المتسائلة.
اندفعت بعنف إلى أفكاره، واستولت على ذهنه.
وقبل أن يتمكن الأمير من الرد، ارتفعت من خلف الباب أصوات جدال وخطوات غير واضحة.
مشى حافي القدمين إلى المقعد الخشبي الذي يحمل المصباح الأبدي، وأخذ خنجر JC، ثم عاد مسرعًا.
“الجرس! إنه الجرس!”
“مضى وقت طويل، يا صاحب السعادة.”
“أقسم بحياتي إني سمعته! قالت فيليشيا إن هكذا يصرخ السادة وهم في أسرّتهم… أهم، أقصد هكذا يوقظون خدمهم… لا، لا أظنها أشباحًا… حسنًا يا حفنة الجبناء، سأذهب بنفسي!”
توتر.
كان صاحب الصوت يقترب على عجل.
انقضت عبر النافذة بشراهة، وملأت الغرفة، وعبثت بكل ما فيها.
بل سمعا في طريقه أصوات ارتطام وتحطم، إذ بدا أنه يصطدم بالأشياء في هلعه.
ثم قال بلا اكتراث:
دوي!
وصل صوت ارتطام مكتوم إلى أذني تاليس.
وفي اللحظة التالية، اندفع باب الغرفة مفتوحًا.
وكان يحمل شعورًا يصعب تفسيره.
واختفى يودل في الهواء.
وبدلًا من ذلك، ثبت نظره بهدوء على الضيف أمامه.
ضيق تاليس عينيه وهو مستند إلى السرير.
وبعد جهد، استطاع تمييز عدستين تعكسان بريقًا باردًا.
راقب الرجل الذي اقتحم الغرفة مسرعًا وهو يتخبط محاولًا استعادة توازنه.
في تلك اللحظة، شعر تاليس فجأة بأن الجو من حوله قد برد.
كان…
لم تكن الغرفة كبيرة؛ لم تزد المسافة بين رأس السرير والباب على عشر خطوات تقريبًا.
جنديًا.
“قال إن قناعك أحد الكنوز السرية للعائلة الملكية.”
وبدت ملابسه مألوفة بعض الشيء.
أغلق الأمير فمه وأخذ عدة أنفاس عميقة.
“أنت…؟”
فكشف عن وجه رجل في منتصف العمر يكاد لا يبدو بشريًا.
وضع تاليس الكوب الفارغ وسأله بحيرة.
وسقط اللوح…
تمكن الجندي أخيرًا من استعادة توازنه.
وبعد سلسلة من وقع الخطوات، وصل صراخ رامي الأفاعي خافتًا من خارج الغرفة.
وحين رأى تاليس، تغير وجهه.
ضيق تاليس عينيه وهو مستلقٍ.
دهشة أولًا…
وهكذا…
ثم فرح غامر.
“اهدأ…”
“تبًا لمؤخرتي، لقد استيقظت! استيقظت أخيرًا!”
“لكن ويليامز لم يكن ينبغي له حقًا أن يجلبك إلى هنا لتكون هذه أول محطة لك في رحلة عودتك إلى المملكة.”
كانت لهجة الصحراء الغربية ثقيلة في كلامه، لكنه بدا وكأنه أدرك شيئًا فجأة.
كان وراء السؤال معنى آخر.
فسعل بعنف عدة مرات، ثم انتصب غريزيًا.
حتى اخترق ضوء أحمر الضباب فجأة!
وتحول إلى صيغة أكثر فصاحة من اللغة المشتركة لشبه الجزيرة الغربية، وهي الطريقة التي يستخدمها عادة رسل الجيش.
“…شقيق أبيك ذاك.”
“أقصد، يا صاحب السمو الموقر والوسيم، بعد أن استيقظتم، تأثرنا جميعًا في معسكر أنياب النصل حتى كدنا نسقط موتى من شدة التأثر!”
وفي اللحظة التالية، شعر بإحساس مألوف في يده اليمنى.
تجمدت الابتسامة التي حاول تاليس رسمها على وجهه.
“تبًا لك.
حدق الجندي المتحمس في تاليس، الذي ما يزال مستلقيًا بضعف على السرير، وكأنه يخشى أن يختفي الأمير إن رمش.
“ماذا؟”
وفي الوقت نفسه، أخذ يتلو سلسلة طويلة من الكلمات بصوت جامد آلي.
“اللعنة عليك يا رومان.
“أهم، حضوركم… آآه، هل هي حضور أم وجود… نحن، أهم… يضفي… بريقًا…؟”
جنديًا.
مع كل عبارة، كان الجندي يخفض رأسه.
وبعد سلسلة من وقع الخطوات، وصل صراخ رامي الأفاعي خافتًا من خارج الغرفة.
وكانت تعابير وجهه تتغير كلما وصل إلى جزء لا يجيد صياغته، حتى إنه كان يتلعثم أحيانًا.
رسم قوسًا جميلًا، واخترق اللوح الخشبي، ثم غير اتجاهه بسرعة وقطع أطرافه!
“على أي حال، سنبذل بالتأكيد قصارى جهدنا لحماية حدود المملكة. سنراقب الصحراء ونصد الأورك. لذا اطمئنوا، يا صاحب الجلالة… آخ، أليست هذه الجملة في النهاية؟ أهم…
“وقال أيضًا إن استخدامك لذلك القناع الغريب يفرض عليك ثمنًا، أليس كذلك؟”
“أنا وفريقي نتشرف كثيرًا بأن نحظى بـ… أعني، أن نأخذ… لا، أن نستقبل…”
وقبل أن يبدأ بتأنيب نفسه على مدى خسته وتقلبه…
سعل تاليس بصوت مرتفع، قاطعًا خطاب الترحيب المليء بالأخطاء.
في الخارج، استدار غوثام ببرود.
“حسنًا، شكرًا لك أيها الجندي. فهمت حماسك.”
تعالت عدة أصوات متتابعة.
وأشار تاليس بضعف إلى خصر الجندي.
“لقد رأيت ما حدث!”
“لا داعي لأن تكمل قراءة بقية النص.”
قاسيًا وباردًا.
احمر وجه الجندي.
كان…
وأعاد في حرج الورقة “المساعدة” المليئة بالكلمات والرسومات، التي كان يرفعها عند خصره، إلى جيب سرواله.
كان الرجل دائمًا ينفذ أوامر جلالته.
“أمم… الناسخ المسؤول عن كتابة رسائلنا مات قبل نصف شهر…”
تبدد الضباب الأبيض، وتلاشى المشهد المشوش.
“هل أنت وحدك هنا؟”
ولسبب ما، شعر بوخز في ظهره، وكأن شوكة تغرس فيه، وبشيء عالق في حلقه.
نظر تاليس إلى خارج الباب، لكنه لم يرَ سوى إضاءة خافتة.
عض تاليس الملعقة في فمه، وانحرف حاجباه في استسلام.
انتبه الجندي، الذي كان غارقًا في إحراجه، وسرعان ما انتصب وقال:
انفصل أحد أطراف اللوح، وظهر المسمار تحته.
“هناك أيضًا اللهب الغريب، ونصل الروح، وقد أنهت هي نوبتها للتو. أما العيون المحيرة فلم يصل بعد. نصعد للاطمئنان عليكم كل نصف ساعة، لأننا نخشى أن تسلب الأشباح حياتكم، أو أن تتسلل نصل الروح، التي جُن جنونها بسبب المال، إلى فراشكم وتعانقكم…”
“أنا هنا.”
رفع تاليس حاجبًا.
قال الظل الأسود بصوته الأجش، محاولًا تهدئة تاليس الذي لم يفق بعد من صدمته.
وفور انتهاء الجندي من كلامه، أدرك أن شيئًا ما ليس على ما يرام.
وتذكر شيئًا.
تغير وجهه.
بل صفق بقوة، وكأنه رأى شيئًا مذهلًا.
“أعتذر! أنتم تعرفون أنني لم أقصد ذلك…”
“أعتذر، صاحب السمو.”
ابتسم بتكلف وسط هلعه، وأخذ يلوح بذراعيه لأنه لم يعرف أين يضعهما.
بدا ذلك الصوت عاجزًا وبائسًا إلى حد مؤلم…
“ما أقصده هو، يا صاحب السمو الموقر والوسيم، أننا اعتنينا بكم جيدًا جدًا، وأحببناكم كما لو كنتم ابننا…”
أما هو…
كلما تحدث، ازداد الأمر سوءًا.
ثم ارتفع صوت آخر.
كان تاليس مرهقًا في البداية، لكن ثرثرة الجندي جعلته يستعيد بعض نشاطه بطريقة غريبة.
أخذ تاليس نفسًا عميقًا.
تنهد ومد يده ليوقف أي شيء آخر كان الرجل على وشك قوله.
“أنا فقط… أعيش في عالم مختلف عن عالمك.”
“أتذكرك.”
وقبل أن يتمكن الأمير من الرد، ارتفعت من خلف الباب أصوات جدال وخطوات غير واضحة.
توقف الجندي.
لكن الجواب ظل صمتًا.
“أنت رامي الأفاعي، أحد النفسانيين. وأنت… القائد الجديد في خدمة البارون ويليامز.”
تغير وجهه.
ظل رامي الأفاعي مذهولًا للحظات، ثم غمره الفرح.
وُضع مكتب صغير بجانب السرير، وإلى جواره نافذة خشبية مغلقة بإحكام.
“آه! تتذكر اسمي! كما هو متوقع من الأمير الموقر والوسيم…”
وما إن تذكر وجه رومان المتعجرف، المغرور والبارد…
اعتدل بحماس.
شهق من الألم، وعندها فقط أدرك أنهما في غرفة غريبة.
“نعم، صاحب السمو، أرجو أن تتذكروني جيدًا. أنا رامي الأفاعي، أخدم البارون ويليامز، وأنا مخلص تمامًا، ولم أمارس التهريب قط، ولا تهربت من الضرائب، ولا شاركت في أي نوع من الجرائم المنظمة. ومنذ أن جندني البارون، نزفت وتعرقت وبكيت من أجل المملكة…”
صوت رجل في منتصف العمر، حاد ومفاجئ وكريه إلى حد لا يطاق.
كان رامي الأفاعي قد غرق مجددًا في استعراض ولائه، لكنه لاحظ أن وجه تاليس يزداد قتامة.
وكان فيه أثر خافت جدًا من المرح.
فسعل سريعًا وعاد إلى الموضوع.
استدار تاليس بحذر والتقط خنجره.
“كان البارون يريد أصلًا إحضار بعض العاهرات الجميلات، أو بعض خادمات النبلاء، لكي تستمتعوا… أهم، أقصد لكي يخدمنكم ويدفئن فراشكم وما شابه، لكن كما تعلمون، لم يستعد المعسكر هدوءه إلا مؤخرًا، ولذلك أمر ذلك المسخ… آآه، أعني، أمرنا نحن، لواء الصدمة الثالث المجيد من وحدة غبار النجوم، بأن نعتني بكم ونحبكم ونريحكم إلى حد يجعلكم ترفضون الرحيل في النهاية—”
توقفت كلماته لحظة.
مد تاليس ذراعه.
ثم تكلم بنبرة نصفها سخرية ونصفها حنين.
لقد بدأت ثرثرة رامي الأفاعي تصيبه بالصداع.
وملأت…
وقاطعه قبل أن يكمل ذلك الخطاب الطويل الذي من الواضح أنه أمضى يومًا كاملًا في إعداده.
عادت شهية تاليس، فأخذ يلتهم ما بقي في الصينية بسرور.
“شكرًا لك. أبلغ البارون امتناني.”
“يا إله الصحراء، إن أخبرني أحد بعد اليوم أن نبلاء الصحراء الغربية يعيشون في أرض نائية قاحلة، تمزقها الاضطرابات والمخاطر، وأنها فقيرة والحياة فيها بائسة…
أجبر الأمير نفسه على الابتسام.
“أنا جائع قليلًا.”
“والآن…”
قال تاليس بنبرة تحمل شيئًا من المزاح:
توقف لحظة.
“أتذكرك.”
“أنا جائع قليلًا.”
خرج صوت أجش مألوف من بين شفتي الظل الأسود.
ظل رامي الأفاعي مذهولًا بضع ثوانٍ، ثم ضرب جبهته بيده.
ثم جاءه صوت يودل الأجش من الهواء، دون أن يتمكن من تحديد اتجاهه.
“آه، صحيح! الطعام!”
وفي اللحظة التالية، شعر بإحساس مألوف في يده اليمنى.
ثم ابتسم ابتسامة عريضة.
تلاشى صوتها.
“نعم، البارون انتزع… أعني، السادة… أعني، النبلاء تبرعوا بسخاء بالكثير من الطعام لكم وللبارون!”
لم يعرف تاليس ماذا حدث بعد ذلك.
ثم اندفع خارج الغرفة مسرعًا، تاركًا تاليس يحدق خلفه بحيرة.
عرج الرجل حتى وصل إلى الكرسي الذي أخرجه تاليس له.
“يا لهب غريب!”
كان مزاجه سيئًا أصلًا…
وبعد سلسلة من وقع الخطوات، وصل صراخ رامي الأفاعي خافتًا من خارج الغرفة.
زحفت الحمرة التي لا تنتهي على جسده وحواسه، ولم يستطع التحرر منها.
“أرسل الطعام إلى الأعلى! وتوقف عن التسلل… أهم، التسلل، أقصد، التسلل من أجل «التحقيق» في الأشياء!”
ضُفرت خصل شعره في ضفائر متشابكة، وانتشرت وشوم سوداء على وجهه.
بعد نحو عشر دقائق، أُغلق باب الغرفة.
حدق تاليس في النافذة التي لا يستطيع فتحها.
جلس تاليس أمام المكتب، محدقًا في الطعام الذي أرسله رامي الأفاعي.
رفع تاليس حاجبًا.
خبز أبيض من القمح، وعصيدة شوفان، وحليب ماعز، وعسل، وسمك مشوي، ودجاج، ولحم خنزير، وبعض التوابل التي لا يمكن العثور عليها في نورثلاند.
“أقصد، يا صاحب السمو الموقر والوسيم، بعد أن استيقظتم، تأثرنا جميعًا في معسكر أنياب النصل حتى كدنا نسقط موتى من شدة التأثر!”
كانت كلها مرتبة فوق صينية.
تغير وجهه.
“ألم يقل رامي الأفاعي إن الجناح الأسطوري انتزع كل هذا من نبلاء الصحراء الغربية؟”
“هل يخشون دخول أحد؟
تنهد تاليس وارتشف قليلًا من الحساء.
على الأرجح.
“همم، مذاقه جيد فعلًا…
وما إن خطرت له هذه الفكرة حتى غير تاليس الموضوع فجأة.
“مقارنة بالعقارب والعناكب وسحالي الشوك الدموية، على الأقل.”
“أمم… الناسخ المسؤول عن كتابة رسائلنا مات قبل نصف شهر…”
ثم تنهد في داخله.
فلم يحتج تاليس حتى إلى استخدام قوى الإبادة.
“يا إله الصحراء، إن أخبرني أحد بعد اليوم أن نبلاء الصحراء الغربية يعيشون في أرض نائية قاحلة، تمزقها الاضطرابات والمخاطر، وأنها فقيرة والحياة فيها بائسة…
وفي الجهة البعيدة، وُضع مصباح أبدي فوق مقعد خشبي، بالكاد يمنح الغرفة شيئًا من الضوء.
“فسأقطع علاقتي بذلك الشخص.”
أخذ تاليس نفسًا عميقًا.
وبينما شعر بمعدته تمتلئ تدريجيًا، سأل تاليس الهواء:
وما إن تذكر وجه رومان المتعجرف، المغرور والبارد…
“إذن، ماذا حدث لمعسكر أنياب النصل بعد ذلك؟”
“بالطبع.”
انتظر بضع ثوانٍ.
لم يكن فيها أي أثر لكائن حي آخر.
ثم جاءه صوت يودل الأجش من الهواء، دون أن يتمكن من تحديد اتجاهه.
“انتصر ويليامز…”
“في النهاية، انتصر ويليامز.”
“يا لها من تفاصيل غزيرة.”
“انتصر ويليامز…”
نظر حوله.
عض تاليس الملعقة في فمه، وانحرف حاجباه في استسلام.
وبقي هناك ست سنوات.
“يا لها من تفاصيل غزيرة.”
قال الظل الأسود بصوته الأجش، محاولًا تهدئة تاليس الذي لم يفق بعد من صدمته.
كان الأمر تمامًا كما حدث حين سأل يودل، عند لقائهما الأول، عن هوية أبيه.
بل صفق بقوة، وكأنه رأى شيئًا مذهلًا.
“ما زال يتحدث كالدبلوماسيين.”
تلاشى كل تشوش في الصوت، واختفى ذلك الحاجز الذي كان يفصل بينهما.
وحين تذكر الماضي، ارتفعت زاوية شفتي تاليس دون إرادة منه.
“لم تعد لديهم خيول، واضطروا إلى العودة سيرًا.”
“يا إلهي، ما زلت صغيرًا، وبدأت بالفعل أحن إلى الماضي؟”
“أعرف، أعرف. انتهى الأمر الآن.”
ثم تذكر شيئًا، فتلاشى مزاجه الجيد.
ظل رامي الأفاعي مذهولًا بضع ثوانٍ، ثم ضرب جبهته بيده.
“وماذا عن إدارة الاستخبارات السرية؟”
لم تكن الغرفة كبيرة؛ لم تزد المسافة بين رأس السرير والباب على عشر خطوات تقريبًا.
كان وراء السؤال معنى آخر.
لاحظ أن لوح السرير والمكتب نظيفان، لكن الجدران الأربعة بدت قاتمة وكئيبة، بل ظهرت بعض خيوط العنكبوت في زوايا السقف.
لكن يودل بدا وكأنه فهمه.
ثم افترقا منذ ذلك الحين.
“لم تعد لديهم خيول، واضطروا إلى العودة سيرًا.”
.shola-widget, .shola-lb-wrap, .shola-pb-wrap { background: var(--bg-color, #fff); border: 1px solid var(--border-color, #e5e2e2); border-radius: 4px; padding: 15px; color: var(--text-color, #333); font-family: inherit; direction: rtl; box-sizing: border-box; margin-bottom: 20px; } .darkmode .shola-widget, .darkmode .shola-lb-wrap, .darkmode .shola-pb-wrap { background: #1a1a1a; border-color: #333; color: #ddd; } .shola-progress-wrap { margin-bottom: 20px; } .shola-progress-header, .shola-pb-header { display: flex; justify-content: space-between; align-items: center; font-size: .95em; margin-bottom: 6px; font-weight: bold; } .shola-days-left, .shola-pb-days { color: #f5a623; font-size: .85em; font-weight: normal; } .shola-numbers, .shola-pb-numbers { display: flex; justify-content: space-between; font-size: .85em; color: inherit; margin-bottom: 8px; opacity: 0.8; } .shola-bar-bg, .shola-pb-bg { background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 20px; height: 25px; overflow: hidden; } .shola-bar-fill, .shola-pb-fill { background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); height: 100%; border-radius: 20px; display: flex; align-items: center; justify-content: flex-end; padding-left: 10px; min-width: 4px; transition: width 1s ease; font-size: .8em; font-weight: bold; color:#fff; } .shola-completed, .shola-pb-done { text-align: center; color: #2ecc71; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; } .shola-pre-goal, .shola-pb-pre { text-align: center; color: inherit; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; opacity: 0.9; } .shola-tabs { display: flex; gap: 8px; margin-bottom: 14px; border-bottom: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); padding-bottom: 10px; flex-wrap: wrap; } .shola-tab { background: rgba(150,150,150,0.1); border: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); color: inherit; padding: 5px 12px; border-radius: 3px; cursor: pointer; font-family: inherit; font-size: .85em; transition: all .3s; } .shola-tab.active { background: #366ad3; border-color: #366ad3; color: #fff; } .shola-tab:hover:not(.active) { background: rgba(150,150,150,0.2); } .shola-row, .shola-lb-row { display: flex; align-items: center; gap: 10px; padding: 8px 10px; border-radius: 4px; margin-bottom: 6px; background: rgba(150,150,150,0.05); transition: background .2s; border:1px solid rgba(150,150,150,0.1); } .shola-top3, .shola-lb-top3 { background: rgba(54,106,211,0.08); border-color:rgba(54,106,211,0.2); } .shola-row:hover, .shola-lb-row:hover { background: rgba(150,150,150,0.1); } .shola-rank, .shola-lb-rank { min-width: 30px; text-align: center; font-size: 1.1em; } .shola-num, .shola-lb-num { display: inline-block; width: 22px; height: 22px; line-height: 22px; text-align: center; background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 50%; font-size: .8em; color: inherit; opacity:0.8; } .shola-avatar { width: 32px; height: 32px; border-radius: 50%; object-fit: cover; border: 1px solid rgba(150,150,150,0.3); flex-shrink: 0; } .shola-uname, .shola-lb-uname { flex: 1; font-size: .95em; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; white-space: nowrap; font-weight:600;} .shola-score, .shola-lb-score { color: #f5a623; font-weight: bold; font-size: .9em; white-space: nowrap; } .shola-empty, .shola-lb-empty { text-align: center; color: inherit; opacity:0.7; padding: 20px 0; font-size: .9em; } .shola-btn-support { display: block; width: 100%; background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); color: #fff; text-align: center; padding: 10px; border-radius: 4px; font-weight: bold; cursor: pointer; border: none; margin-top: 15px; font-family: inherit; font-size: 1.05em; transition: opacity 0.3s; } .shola-btn-support:hover { opacity: 0.9; color: #fff; } .shola-modal-overlay { position: fixed; top: 0; left: 0; width: 100%; height: 100%; background: rgba(0,0,0,0.6); z-index: 999999; display: none; align-items: center; justify-content: center; backdrop-filter: blur(3px); } .shola-modal-box { background: var(--bg-color, #fff); color: var(--text-color, #333); padding: 25px; border-radius: 8px; width: 90%; max-width: 400px; position: relative; box-shadow: 0 10px 30px rgba(0,0,0,0.5); } .darkmode .shola-modal-box { background: #1a1a1a; color: #ddd; border: 1px solid #333; } .shola-modal-close { position: absolute; top: 10px; left: 15px; font-size: 24px; cursor: pointer; color: inherit; opacity: 0.7; font-weight: bold; line-height: 1; } .shola-modal-close:hover { opacity: 1; } function sholaTab(btn, id) { var widget = btn.closest(".shola-widget"); widget.querySelectorAll(".shola-tab").forEach(function(b){ b.classList.remove("active"); }); widget.querySelectorAll(".shola-board").forEach(function(b){ b.style.display = "none"; }); btn.classList.add("active"); document.getElementById("shola-" + id).style.display = "block"; } function sholaOpenModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "flex"; } function sholaCloseModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "none"; } 🔥 تحدي أغسطس 2026 ⏳ 11 يوم متبقي 69,410 شعلة الهدف: 66,666 104.1% 🎉 حققنا هدف الشهر، شكرًا لكل الداعمين! إدعمنا × شراء عملة الشعلة 🏆 أكبر الداعمين هذا الشهر 💎 أكبر الداعمين كل الأوقات 🥇M. K🔥 40,000🥈Yazeed Alsaedi🔥 105🥉عويض المطيري🔥 1004G A🔥 1005Ali Alshamsi🔥 1006Abdulla Alkalbani🔥 1007ahmad aa🔥 1008Ali Souidan🔥 1009mohammad alazmi🔥 10010Gehrman Sparrow🔥 100 🥇M. K💎 52,000🥈Fares saeed💎 1,100🥉Hamood Mahemed💎 5004Abdullah K💎 5005ibrahim shazly💎 5006Yazeed Alsaedi💎 1057الخال!💎 1008F A💎 1009mohaamned alrehaili💎 10010محمد جبران💎 100
تنفس الأمير الصعداء.
“قليل الكلام، صامت، وكلماته أثمن من الذهب.
“إذن كويك روب، وبارني جونيور، وبيلدين، وتاردين، وكانون، وبرولي، وزاكريل…”
وأدار جسده إلى الجانب، محدقًا في تاليس ببرود.
تحسن مزاجه.
حدق الجندي المتحمس في تاليس، الذي ما يزال مستلقيًا بضعف على السرير، وكأنه يخشى أن يختفي الأمير إن رمش.
قال تاليس بنبرة تحمل شيئًا من المزاح:
عقد تاليس حاجبيه.
“كان يومًا حافلًا ومثيرًا للاهتمام حقًا، أليس كذلك؟”
وأعاد في حرج الورقة “المساعدة” المليئة بالكلمات والرسومات، التي كان يرفعها عند خصره، إلى جيب سرواله.
وبعد بضع ثوانٍ، جاءه الصوت الأجش.
“لا توجد تهوية إطلاقًا، فلا عجب أن المكان خانق.
وكان فيه أثر خافت جدًا من المرح.
ثم اندفع خارج الغرفة مسرعًا، تاركًا تاليس يحدق خلفه بحيرة.
“بالفعل.”
“لقد نسيت.”
عادت شهية تاليس، فأخذ يلتهم ما بقي في الصينية بسرور.
وصل صوت ارتطام مكتوم إلى أذني تاليس.
“بالمناسبة يا يودل، إصاباتك…”
“…تسقط من هنا مصادفة.”
“شُفيت. لا تقلق.”
“أم معسكر أنياب النصل؟”
جاء الجواب بسرعة مذهلة.
مد يده نحو مصدر الصوت، راغبًا في لمسها، واحتضانها بقوة، وإجبارها على البقاء.
لم يُتح لتاليس حتى إكمال سؤاله.
اجتاحته ذكريات الماضي ومعها شعور غريب بالكآبة.
لكن ذلك جعله يعقد حاجبيه.
ثم قال بلا اكتراث:
“شُفيت؟”
تلاشى صوتها.
وضع تاليس رغيف الخبز الذي أكل نصفه.
لكن تاليس سبق أن التقى رافائيل وميكي، لذلك سرعان ما تعرف إلى أصله.
“إصاباته… شُفيت.”
بعد نحو عشر دقائق، أُغلق باب الغرفة.
تذكر كيف حمى يودل تاليس بجسده من ثلاثة سهام تحمل سمًا قاتلًا قبل سنوات، وأصيب إصابة بالغة.
صرخ مذعورًا وانتفض جالسًا.
ثم افترقا منذ ذلك الحين.
“أهم، حضوركم… آآه، هل هي حضور أم وجود… نحن، أهم… يضفي… بريقًا…؟”
لم يعرف تاليس ماذا حدث بعد ذلك.
وعدل الرداء المدرع على جسده، ثم ضحك ضحكة قاتمة.
فواجبه بصفته أميرًا دفعه إلى التوجه شمالًا…
كان وراء السؤال معنى آخر.
وبقي هناك ست سنوات.
“لقد… انتهى الأمر الآن.”
اجتاحته ذكريات الماضي ومعها شعور غريب بالكآبة.
ذلك الظل الخالي ظاهريًا من أي شخص خلفه لم يعد يمنحه شعورًا بالأمان.
“ست سنوات.”
“أنا هنا.”
اختفت ابتسامته.
شهق من الألم، وعندها فقط أدرك أنهما في غرفة غريبة.
وصمت قليلًا.
مرتفع اكثر من اللازم
“يودل…”
وضع تاليس رغيف الخبز الذي أكل نصفه.
تردد لحظة.
حدق الرجل المرعب في تاليس، الذي بدا هادئًا مسترخيًا.
“هل كنت… بخير خلال السنوات الماضية؟”
“مرتفع إلى درجة تجعلني أخشى أن…”
جاء الجواب من الهواء مقتضبًا وقاطعًا كعادته.
بدا كطيف هبط عليه مع الظلام نفسه، يريد أن يغطيه ويلتهمه.
“نعم.”
“من هذا؟”
أومأ تاليس قليلًا، وارتفعت زاوية شفتيه.
ترددت الأصداء بثقل، وتكررت بلا نهاية، كأن أحدهم يقرع طبول حرب مهيبة، وكل ضربة تجعل قلبه يرتجف.
“نعم، ما زال كما هو.
“والريح الباردة…”
“قليل الكلام، صامت، وكلماته أثمن من الذهب.
شِك!
“ما زال الحامي المقنع نفسه الذي عرفته، أليس كذلك؟”
“إن كان الأمر هكذا…”
وما إن خطرت له هذه الفكرة حتى غير تاليس الموضوع فجأة.
“شُفيت. لا تقلق.”
“أنت تعرف زاكريل، صحيح؟”
لذلك أدركه على الفور.
هذه المرة، لم يأتِ الجواب إلا بعد بضع ثوانٍ.
قال الظل الأسود بصوته الأجش، محاولًا تهدئة تاليس الذي لم يفق بعد من صدمته.
وكان يحمل شعورًا يصعب تفسيره.
تحول كل ما حوله إلى لون أحمر صارخ، كثيف يكاد يبدو لزجًا للناظر، يحمل في طياته تعطشًا للدم وكآبة خانقة!
“…منذ زمن بعيد.”
اجتاحته ذكريات الماضي ومعها شعور غريب بالكآبة.
عقد تاليس حاجبيه.
زحفت الحمرة التي لا تنتهي على جسده وحواسه، ولم يستطع التحرر منها.
وامتلأ صوته بالقلق.
اختفت ابتسامته.
“قال إن قناعك أحد الكنوز السرية للعائلة الملكية.”
وحول الغرفة مرة أخرى إلى قفص مغلق بإحكام.
ساد الصمت الغرفة.
“لكن ويليامز لم يكن ينبغي له حقًا أن يجلبك إلى هنا لتكون هذه أول محطة لك في رحلة عودتك إلى المملكة.”
لم يأتِ جواب.
“أنا جائع قليلًا.”
أخذ تاليس نفسًا عميقًا، وأدار رأسه متفحصًا الغرفة الضيقة المعتمة.
في الخارج، استدار غوثام ببرود.
لم يكن فيها أي أثر لكائن حي آخر.
“أنت تعرف زاكريل، صحيح؟”
ولما لم يجبه يودل، لم يجد تاليس سوى التنهد ومواصلة السؤال.
“أهم، حضوركم… آآه، هل هي حضور أم وجود… نحن، أهم… يضفي… بريقًا…؟”
“وقال أيضًا إن استخدامك لذلك القناع الغريب يفرض عليك ثمنًا، أليس كذلك؟”
وانتهى الكلام.
مرت بضع ثوانٍ أخرى من الصمت.
في تلك اللحظة، شعر تاليس فجأة بأن الجو من حوله قد برد.
وحين أوشك تاليس على فقدان صبره والكلام مجددًا، وصل صوت الحامي المقنع إلى أذنيه.
“جيد جدًا.”
“لا بأس.”
“لا أطيع إلا…
ظل صوته أجش كعادته، لكن كلماته حملت معنى عميقًا مجهولًا.
ابتسم بتكلف وسط هلعه، وأخذ يلوح بذراعيه لأنه لم يعرف أين يضعهما.
“كل إنسان يدفع ثمن أفعاله.”
فلم يكن هنا.
وكان في نبرته تصميم واضح على إنهاء الحديث.
“يا…”
“إنه لا يريد الاستمرار.”
طَق… طَق… طَق…
فهم المراهق المعنى.
“هاه، لقد كبرت كثيرًا خلال السنوات الست الماضية.”
لكنه لم يرضَ به.
“لقد نسيت.”
“وما هذا الثمن بالضبط؟”
“حسنًا، شكرًا لك أيها الجندي. فهمت حماسك.”
نظر خلفه بقلق، وشعر بشيء من السخافة وهو يتحدث إلى الهواء.
“إصاباتك لم تكن بسيطة عندما كاد أروند يغتالك قبل ست سنوات، ولا عندما أصبت في السجن تحت الأرض… لكنك الآن… إن كان هناك ثمن لهذا…”
لم يأتِ جواب.
كان صاحب الصوت متحمسًا للغاية.
“يودل!”
“فسأقطع علاقتي بذلك الشخص.”
هذه المرة، حمل صوته إلحاحًا واضحًا.
زفر تاليس وارتمى إلى الخلف، لكن الحامي المقنع أسرع بإسناد ظهره، ووضع رأسه برفق على الوسادة.
“إصاباتك لم تكن بسيطة عندما كاد أروند يغتالك قبل ست سنوات، ولا عندما أصبت في السجن تحت الأرض… لكنك الآن… إن كان هناك ثمن لهذا…”
لم يأتِ جواب.
لم يجبه سوى الصمت.
“مرتفع أكثر مما ينبغي…”
تنهد تاليس بعجز.
وحين أوشك تاليس على فقدان صبره والكلام مجددًا، وصل صوت الحامي المقنع إلى أذنيه.
“لقد رأيت ما حدث!”
كانت بشرة الرجل داكنة نسبيًا، وملامحه لا تشبه ملامح البشر المعتادة.
قطب المراهق حاجبيه وحدق في الهواء، ممتلئًا بالقلق والاستياء.
أخذ تاليس كوب الماء بامتنان، ورطب حلقه الذي بلغ من الجفاف حدًا جعله يشعر بأنه على وشك الاحتراق.
“حين حاول ريكي نزع القناع، تصرفت وكأنه كان على وشك سلخ جلدك! إن كنت بخير حقًا، فلماذا لم أرك قط من دون…”
وكان يحمل شعورًا يصعب تفسيره.
توقف تاليس فجأة.
ثم ابتسم ابتسامة عريضة.
غرق المكان في صمت مميت.
ولم تتحرك ظلال الغرفة المعتمة ولو قليلًا.
ولم تتحرك ظلال الغرفة المعتمة ولو قليلًا.
وضع تاليس رغيف الخبز الذي أكل نصفه.
بقي كل شيء ساكنًا كما كان.
بقي كل شيء ساكنًا كما كان.
“حسنًا.
فسعل بعنف عدة مرات، ثم انتصب غريزيًا.
“إن كان الأمر هكذا…”
حتى تجمد.
أخذ تاليس نفسًا عميقًا.
وقبل أن يتمكن الأمير من الرد، ارتفعت من خلف الباب أصوات جدال وخطوات غير واضحة.
اختفى الاستياء من وجهه.
زفر تاليس وارتمى إلى الخلف، لكن الحامي المقنع أسرع بإسناد ظهره، ووضع رأسه برفق على الوسادة.
واستعاد الهيئة التي تعلمها قبل ست سنوات.
“يودل…”
في لحظة، عاد ذلك الأمير السامي المتكبر، النبيل البارد المتعالي، أمير الكوكبة الذي واجه النبلاء العدائيين في مدينة سحاب التنين.
لكنه ما إن حاول دفعها…
قال تاليس بوقار وبرود:
وتحول إلى صيغة أكثر فصاحة من اللغة المشتركة لشبه الجزيرة الغربية، وهي الطريقة التي يستخدمها عادة رسل الجيش.
“يودل كاتو، آمرك أن تخبرني.”
وامتلأ صوته بالقلق.
رفع ذقنه وضبط ملامحه، ثم علا صوته.
“هذا المكان…”
“هذا أمري.”
“هذا أمري.”
وتابع بلهجة لا تقبل الجدال:
وضع تاليس أدوات الطعام ورفع رأسه بضيق.
“أمر الأمير الثاني، تاليس جادستار!”
“يا…”
كان صوته باردًا، ونبرته صارمة.
تبدد الضباب الأبيض، وتلاشى المشهد المشوش.
لكن الجواب ظل صمتًا.
“يودل؟”
وفجأة، أحس تاليس بأن ظلًا في العتمة تحرك قليلًا.
وبدت عليه الحيرة.
ثم جاءه صوت بارد أجش.
“إنه لا يريد الاستمرار.”
“أعتذر، صاحب السمو.”
استدار رجل عظام القفر المدعو غوثام وأومأ برأسه، ثم غادر.
كان الصوت متقطعًا وخافتًا…
“تشيرن، أرجوك… لا تخف.”
قاسيًا وباردًا.
ترك الرجل وحده مع تاليس…
“أنا لا أطيع إلا أوامر جلالته.”
دهشة أولًا…
وانتهى الكلام.
“لقد… انتهى الأمر الآن.”
في تلك اللحظة، شعر تاليس فجأة بأن الجو من حوله قد برد.
“شكرًا لك. أبلغ البارون امتناني.”
“لا أطيع إلا…
“تبًا لمؤخرتي، لقد استيقظت! استيقظت أخيرًا!”
“أوامر جلالته.”
“هل يريدون حبسي هنا؟
حدق في الهواء مذهولًا.
“ماذا؟”
وبدت عليه الحيرة.
“لا أطيع إلا…
“هكذا إذن؟”
تغير وجهه.
سحب تاليس نفسًا مشوشًا، ثم أدار رأسه بتيبس.
وهكذا…
لم يعد ينظر خلفه.
قاسيًا وباردًا.
وبعد بضع ثوانٍ…
توتر.
“حسنًا.”
توقف لحظة.
سمع نفسه يقولها بطريقة غير طبيعية.
تحسن مزاجه.
شعر أن لسانه متصلب، كأنه نسي كيف يستخدمه.
ولم تتحرك ظلال الغرفة المعتمة ولو قليلًا.
بل بدا أسوأ من رامي الأفاعي حين كان يتحدث هنا قبل قليل.
وألقى نظرة على تاليس.
“بالطبع.”
توقف تاليس فجأة.
أجبر الكلمات على الخروج.
تنفس الأمير الصعداء.
“أوامر جلالته… بالطبع.”
عقد تاليس حاجبيه.
أخذ تاليس عدة أنفاس عميقة، ثم تناول أدوات الطعام وعاد إلى الأكل كما كان يفعل قبل لحظات.
“آه! تتذكر اسمي! كما هو متوقع من الأمير الموقر والوسيم…”
لكن للمرة الأولى…
ذلك الظل الخالي ظاهريًا من أي شخص خلفه لم يعد يمنحه شعورًا بالأمان.
ذلك الظل الخالي ظاهريًا من أي شخص خلفه لم يعد يمنحه شعورًا بالأمان.
وسط الحمرة الدموية المحيطة به، انبعث من العدم صوت غريب بارد، جهوري ومفعم بالحماسة.
وذلك القناع الأرجواني، الغريب والمألوف في آن واحد…
وفي أعلى غرفة من برج الأمير الشبح.
لم يعد يمنحه الشعور نفسه بأنه يستطيع الاعتماد عليه.
كان الرجل يستخدم العصا لإسناد ساقه اليسرى المعاقة بوضوح، ويلقي بثقل جسده كله عليها.
“أوامر جلالته…
وكان في نبرته تصميم واضح على إنهاء الحديث.
“نعم.
لم يكن فيها أي أثر لكائن حي آخر.
“لقد نسيت.”
“…منذ زمن بعيد.”
منذ اليوم الأول الذي التقى فيه يودل…
“أمر الأمير الثاني، تاليس جادستار!”
كان الرجل دائمًا ينفذ أوامر جلالته.
سحب تاليس نفسًا مشوشًا، ثم أدار رأسه بتيبس.
وفجأة تذكر تاليس سارومة، الموجودة الآن في مدينة سحاب التنين.
شهق من الألم، وعندها فقط أدرك أنهما في غرفة غريبة.
وتذكر نيكولاس وليسبان، اللذين يبدوان وكأنهما يخدمان إلى جانبها ويطيعان أوامرها.
كان…
شعر في تلك اللحظة بالكآبة والبرد.
وتذكر نيكولاس وليسبان، اللذين يبدوان وكأنهما يخدمان إلى جانبها ويطيعان أوامرها.
وفي شروده، أجبر نفسه على استخدام أكثر آداب المائدة انضباطًا، كما علمته جينيس، ليتناول لقمته التالية، سواء كانت لحمًا أم خبزًا.
لقد بدأت ثرثرة رامي الأفاعي تصيبه بالصداع.
ولسبب ما، شعر بوخز في ظهره، وكأن شوكة تغرس فيه، وبشيء عالق في حلقه.
قال الأمير ساخرًا:
كان شديد الانزعاج.
“أوامر جلالته…
“هذه الغرفة صغيرة جدًا.
“يظن أنه يستطيع حبسي بهذا الشيء؟”
“إنها خانقة.”
كانت نية الخطر الخافتة المنبعثة منه كافية لجعل الأمير يرفع خنجره غريزيًا.
وضع تاليس أدوات الطعام ورفع رأسه بضيق.
امتلأ قلبه بمزيج غريب من السخط والحزن، لكنه لم يجد سبيلًا للتنفيس عنهما.
إلى جانب المصباح الأبدي الخافت، لم يكن ثمة مصدر آخر للضوء سوى ثلاث نوافذ مغلقة بإحكام، تتسرب الأشعة من أطرافها.
وفور انتهاء الجندي من كلامه، أدرك أن شيئًا ما ليس على ما يرام.
“لا توجد تهوية إطلاقًا، فلا عجب أن المكان خانق.
غرق المكان في صمت مميت.
“إنه مظلم إلى حد أنني لا أرى السماء ولا الضوء.
عرج الرجل حتى وصل إلى الكرسي الذي أخرجه تاليس له.
“حتى إنني لا أعرف كم الساعة.”
“أقسم بحياتي إني سمعته! قالت فيليشيا إن هكذا يصرخ السادة وهم في أسرّتهم… أهم، أقصد هكذا يوقظون خدمهم… لا، لا أظنها أشباحًا… حسنًا يا حفنة الجبناء، سأذهب بنفسي!”
ثم عبس.
وأشار تاليس بضعف إلى خصر الجندي.
“ما هذا المكان أصلًا؟
لم يكن ثمة مفر.
“«المنزل الجميل» للجناح الأسطوري؟”
كان الأمر أشبه بأنه… يفقد شيئًا.
وما إن تذكر وجه رومان المتعجرف، المغرور والبارد…
“لكن ويليامز لم يكن ينبغي له حقًا أن يجلبك إلى هنا لتكون هذه أول محطة لك في رحلة عودتك إلى المملكة.”
حتى توقفت أنفاسه لحظة.
“هوووه… هذا اختبار حقيقي لساقي.”
“ذلك الفتى الوسيم اللعين.”
كرر الظل الأسود كلماته بارتباك.
ضبط تاليس ملامحه ونهض.
“انتصر ويليامز…”
كان ينوي فتح النافذة أمام المكتب.
كرر الظل الأسود كلماته بارتباك.
لكنه ما إن حاول دفعها…
مد تاليس ذراعه.
حتى تجمد.
“قليل الكلام، صامت، وكلماته أثمن من الذهب.
كان مقبض النافذة مثبتًا بإحكام بواسطة لوح خشبي إضافي مسمر عليها.
ضبط تاليس ملامحه ونهض.
“ماذا؟”
“ظننت أنك لا تطيع إلا أوامر جلالته.”
قطب تاليس حاجبيه وحدق في النافذة المسدودة.
قاسيًا وباردًا.
“ما هذا؟
“اللعنة عليك يا رومان.
“هل يخشون دخول أحد؟
“نعم.
“أم يخشون أن أهرب؟
“أنا لا أطيع إلا أوامر جلالته.”
“هل أغلقوا جميع المخارج والمداخل لهذا السبب؟
وهكذا…
“هل يريدون حبسي هنا؟
تنفس الأمير الصعداء.
“تمامًا مثل…
وانزلق خنجر JC من يده، فتلقفه يودل.
“السجن؟”
لكن حركاته المطمئنة بدت خالية من الخبرة.
وما إن تذكر السجن الأسود الذي عذبه معظم تلك الليلة، حتى أدار تاليس رأسه غريزيًا، وقد ازداد مزاجه سوءًا.
رفع تاليس حاجبًا.
“يودل—”
ثم جاءه صوت بارد أجش.
لكنه توقف في منتصف الكلمة.
عض تاليس الملعقة في فمه، وانحرف حاجباه في استسلام.
“تبًا.”
“هل أنت وحدك هنا؟”
أغلق الأمير فمه وأخذ عدة أنفاس عميقة.
ولم تتحرك ظلال الغرفة المعتمة ولو قليلًا.
ولم يتكلم مجددًا.
تنهد ومد يده ليوقف أي شيء آخر كان الرجل على وشك قوله.
بل عاد وجلس، ثم تناول أدوات الطعام.
وقعت عينا الأمير على خنجر JC في يد يودل، فشعر بالقلق والذنب.
حدق تاليس في النافذة التي لا يستطيع فتحها.
“يا لها من تفاصيل غزيرة.”
وتسارعت أنفاسه.
“نعم، البارون انتزع… أعني، السادة… أعني، النبلاء تبرعوا بسخاء بالكثير من الطعام لكم وللبارون!”
كان مزاجه سيئًا أصلًا…
“يودل—”
والآن ازداد سوءًا.
وبدلًا من ذلك، ثبت نظره بهدوء على الضيف أمامه.
“اللعنة عليك يا رومان.
لكنه توقف في منتصف الكلمة.
“اللعنة عليك، أيها الفتى الوسيم.”
“مضى وقت طويل، يا صاحب السعادة.”
ولم تمر خمس ثوانٍ حتى ألقى تاليس أدوات الطعام بعنف.
وأخيرًا، حين ملأ ذلك الأحمر اللامتناهي كيانه من الداخل، صار الصوت الغريب البعيد واضحًا إلى حد مخيف.
مشى حافي القدمين إلى المقعد الخشبي الذي يحمل المصباح الأبدي، وأخذ خنجر JC، ثم عاد مسرعًا.
مد تاليس ذراعه.
أدخل النصل في الشق بين اللوح والنافذة…
“أوامر جلالته… بالطبع.”
وبدأ يخلعه بالقوة!
ارتفع الصوت الحاد مجددًا.
طَق!
“إنه لا يريد الاستمرار.”
ربما ظل اللوح مثبتًا هناك سنوات طويلة حتى اهترأ.
جلس تاليس أمام المكتب، محدقًا في الطعام الذي أرسله رامي الأفاعي.
فلم يحتج تاليس حتى إلى استخدام قوى الإبادة.
“ماذا يفعل رجل من عظام القفر هنا؟”
انفصل أحد أطراف اللوح، وظهر المسمار تحته.
“هذا الصوت…”
لم يتوقف تاليس.
“«المنزل الجميل» للجناح الأسطوري؟”
وقف فوق الكرسي بوجه بارد، وبدأ يفك الأطراف الأخرى.
“ماذا يفعل رجل من عظام القفر هنا؟”
“يظن أنه يستطيع حبسي بهذا الشيء؟”
“لا، لا، لا، يا صاحب السعادة! هذه أوامر البارون. حتى شخص بمكانتكم لا يستطيع أن… آخ!”
أجبر نفسه على تجاهل الجوع في بطنه.
رفع ذقنه وضبط ملامحه، ثم علا صوته.
وواصل، بغيظ، اقتلاع أطراف اللوح.
ظهر سيف رمادي من الهواء.
“تبًا لك.
أما الرجل، فظل يبتسم ابتسامته المخيفة وينتظر جوابه.
“احلم فقط…”
ظهر سيف رمادي من الهواء.
لكن في تلك اللحظة…
وبقي هناك ست سنوات.
ظهر سيف رمادي من الهواء.
وضع تاليس الكوب الفارغ وسأله بحيرة.
رسم قوسًا جميلًا، واخترق اللوح الخشبي، ثم غير اتجاهه بسرعة وقطع أطرافه!
انتبه الجندي، الذي كان غارقًا في إحراجه، وسرعان ما انتصب وقال:
شِك!
“أنا هنا.”
تعالت عدة أصوات متتابعة.
ثم اندفع خارج الغرفة مسرعًا، تاركًا تاليس يحدق خلفه بحيرة.
وسقط اللوح…
حتى صُدم!
في كف مغطاة بقفاز أمسكت به بثبات.
“أهم، حضوركم… آآه، هل هي حضور أم وجود… نحن، أهم… يضفي… بريقًا…؟”
عقد تاليس حاجبيه.
ولسبب ما، شعر بوخز في ظهره، وكأن شوكة تغرس فيه، وبشيء عالق في حلقه.
وراقب الظل الأسود إلى جواره وهو يزيل اللوح بسرعة وكفاءة، كاشفًا شيئًا من الضوء القادم من الخارج.
منذ اليوم الأول الذي التقى فيه يودل…
“كان يمكنك أن تطلب مني فعل ذلك.”
وصمت قليلًا.
وضع الرجل المقنع اللوح برفق.
أطلق الرجل المرعب زفرة خافتة وهو يتفحص تاليس.
أطلق تاليس همهمة ساخرة.
“بالفعل.”
نزل عن الكرسي وألقى الخنجر، ثم نفض الغبار عن كفيه.
“شكرًا لك. أبلغ البارون امتناني.”
“هل أستطيع؟”
“أنا لا أطيع إلا أوامر جلالته.”
قال الأمير ساخرًا:
حتى تجمد.
“ظننت أنك لا تطيع إلا أوامر جلالته.”
انتبه الجندي، الذي كان غارقًا في إحراجه، وسرعان ما انتصب وقال:
لم يجب الحامي المقنع.
توقف الجندي.
تموج جسده…
“أنا وفريقي نتشرف كثيرًا بأن نحظى بـ… أعني، أن نأخذ… لا، أن نستقبل…”
واختفى في الهواء.
قاسيًا وباردًا.
همهم الأمير بغيظ، ثم استدار ودفع النافذة.
كان الرجل يستخدم العصا لإسناد ساقه اليسرى المعاقة بوضوح، ويلقي بثقل جسده كله عليها.
تصاعدت كمية كبيرة من الغبار، فدخل تاليس في نوبة سعال عنيفة.
“لا…
“تبًا.
في كف مغطاة بقفاز أمسكت به بثبات.
“كان يجب أن أرتدي قناعًا…”
بقي يودل ساكنًا في الظلام.
ضيق عينيه، وأخذ يلوح بيده ليبعد الغبار، بينما يحاول التكيف مع الضوء القوي والريح الباردة اللذين اندفعا فجأة إلى الداخل.
ثم أضاف بنبرة عابثة:
“الشمس…
ظل رامي الأفاعي مذهولًا بضع ثوانٍ، ثم ضرب جبهته بيده.
“والريح الباردة…”
“إنه من شعب عظام القفر.”
كان ضوء الشمس، الذي لم يره منذ وقت طويل، أشبه بموجة عاتية عثرت أخيرًا على منفذ.
وبعد جهد، استطاع تمييز عدستين تعكسان بريقًا باردًا.
اندفع عبر النافذة وأضاء الغرفة بأكملها.
خبز أبيض من القمح، وعصيدة شوفان، وحليب ماعز، وعسل، وسمك مشوي، ودجاج، ولحم خنزير، وبعض التوابل التي لا يمكن العثور عليها في نورثلاند.
أما الريح الباردة التي تقشعر لها العظام، فبدت كقطيع ذئاب شم رائحة الدم.
حتى تجمد.
انقضت عبر النافذة بشراهة، وملأت الغرفة، وعبثت بكل ما فيها.
وقعت عينا الأمير على خنجر JC في يد يودل، فشعر بالقلق والذنب.
رفع تاليس رأسه ونظر إلى المشهد خارج النافذة…
ناداه باسمه.
فتجمد.
“معسكر أنياب النصل.”
“لا…
“هل أنت وحدك هنا؟”
“هذا…
“أنا فقط… أعيش في عالم مختلف عن عالمك.”
“هذا المكان…”
سبق لتاليس أن سمع الغراب العجوز يمشي بعصاه.
دب! دب! دب!
وحول الغرفة مرة أخرى إلى قفص مغلق بإحكام.
وفي تلك اللحظة، جاء وقع خطوات سريعة من خلف الباب.
أخذ تاليس نفسًا عميقًا.
استدار تاليس بحذر والتقط خنجره.
كان الرجل دائمًا ينفذ أوامر جلالته.
ثم ارتفع صوت رامي الأفاعي من الخارج، مذعورًا ومتوترًا.
لقد بدأت ثرثرة رامي الأفاعي تصيبه بالصداع.
“لا، لا، لا، يا صاحب السعادة! هذه أوامر البارون. حتى شخص بمكانتكم لا يستطيع أن… آخ!”
لم يعد يمنحه الشعور نفسه بأنه يستطيع الاعتماد عليه.
وصل صوت ارتطام مكتوم إلى أذني تاليس.
فضربه رجل عظام القفر وأسقطه فاقدًا للوعي مرة أخرى.
وانقطع كلام رامي الأفاعي فجأة.
هبط عليه فجأة ضغط مرعب، فسحقه حتى كاد يعجز عن التنفس.
توتر جسد تاليس.
تمكن الجندي أخيرًا من استعادة توازنه.
“ماذا؟
وأخيرًا، ظهر عند باب الغرفة رجل يتكئ على عصا، يعرج في مشيته، ويقف بانحناءة واضحة.
“هل جاء أحد…
ولم يتكلم مجددًا.
“لاغتيالي؟”
أجبر نفسه على تجاهل الجوع في بطنه.
لم يعد المراهق يبالي بالإحراج الذي نشأ بينهما قبل قليل.
“وقال أيضًا إن استخدامك لذلك القناع الغريب يفرض عليك ثمنًا، أليس كذلك؟”
فناداه بصوت خافت:
أومأ تاليس قليلًا، وارتفعت زاوية شفتيه.
“يودل؟”
ثم تنهد في داخله.
جاءه الرد المألوف من الهواء:
“إنها خانقة.”
“لا تقلق.”
توقف الجندي.
ثم أضاف:
وتحول إلى صيغة أكثر فصاحة من اللغة المشتركة لشبه الجزيرة الغربية، وهي الطريقة التي يستخدمها عادة رسل الجيش.
“أنا هنا.”
“أرسل الطعام إلى الأعلى! وتوقف عن التسلل… أهم، التسلل، أقصد، التسلل من أجل «التحقيق» في الأشياء!”
عاد إلى قلب تاليس في لحظة ذلك الشعور بالأمان والارتياح الذي افتقده منذ زمن.
“في النهاية، انتصر ويليامز.”
كان مألوفًا على نحو يكاد يشبه تكرار الماضي.
“أعرف، أعرف. انتهى الأمر الآن.”
تنفس الأمير الصعداء.
ثم اندفع خارج الغرفة مسرعًا، تاركًا تاليس يحدق خلفه بحيرة.
وقبل أن يبدأ بتأنيب نفسه على مدى خسته وتقلبه…
حدق تاليس في النافذة التي لا يستطيع فتحها.
دوي!
“جيد جدًا.”
فُتح باب الغرفة بعنف!
“يودل كاتو، آمرك أن تخبرني.”
تشنجت عضلات تاليس كلها!
بقي كل شيء ساكنًا كما كان.
خفض رجل ضخم رأسه ودخل الغرفة الضيقة.
لكنه لم يرضَ به.
كان الدخيل محاربًا مدججًا بالدروع، وتنبعث منه هالة شخص لا ينبغي العبث معه.
وفي تلك اللحظة، جاء وقع خطوات سريعة من خلف الباب.
حرك الرجل عينيه…
لكنه ما إن حاول دفعها…
وألقى نظرة على تاليس.
“لا تقلق.”
كانت نية الخطر الخافتة المنبعثة منه كافية لجعل الأمير يرفع خنجره غريزيًا.
“لقد نسيت.”
“من هذا؟”
راقب الرجل الذي اقتحم الغرفة مسرعًا وهو يتخبط محاولًا استعادة توازنه.
كانت بشرة الرجل داكنة نسبيًا، وملامحه لا تشبه ملامح البشر المعتادة.
“أنا وفريقي نتشرف كثيرًا بأن نحظى بـ… أعني، أن نأخذ… لا، أن نستقبل…”
ضُفرت خصل شعره في ضفائر متشابكة، وانتشرت وشوم سوداء على وجهه.
“يا لهب غريب!”
وعلى عنقه وشم غريب يشبه المنشار.
واختفى في الهواء.
لكن تاليس سبق أن التقى رافائيل وميكي، لذلك سرعان ما تعرف إلى أصله.
وبعد جهد، استطاع تمييز عدستين تعكسان بريقًا باردًا.
“إنه من شعب عظام القفر.”
“ما الذي يحدث؟
حدق تاليس فيه بصدمة.
اجتاحته ذكريات الماضي ومعها شعور غريب بالكآبة.
“ما الذي يحدث؟
“أين نحن؟”
“ماذا يفعل رجل من عظام القفر هنا؟”
مد تاليس ذراعه.
بقي يودل ساكنًا في الظلام.
طَق!
“اهدأ…”
عاد إلى قلب تاليس في لحظة ذلك الشعور بالأمان والارتياح الذي افتقده منذ زمن.
لم يجد تاليس سوى استجماع شجاعته وتذكير نفسه بالهدوء.
ضبط تاليس ملامحه ونهض.
لا بد أن لدى يودل سببًا لبقائه مختبئًا.
كان صوته باردًا، ونبرته صارمة.
كما أنه لن يغضب منه بسبب ما حدث قبل قليل…
ضيق تاليس عينيه وهو مستلقٍ.
على الأرجح.
اختفى قلق تاليس من غوثام تمامًا.
لكن رجل عظام القفر، الذي بدا خطيرًا، لم يفعل سوى إلقاء نظرة عابرة على الغرفة.
قال تاليس بوقار وبرود:
ولم تتوقف عيناه على تاليس حتى لثانية إضافية.
“تبًا لك.
ثم ارتفع صوت آخر.
همهم الأمير بغيظ، ثم استدار ودفع النافذة.
صوت رجل في منتصف العمر، حاد ومفاجئ وكريه إلى حد لا يطاق.
وحين أوشك تاليس على فقدان صبره والكلام مجددًا، وصل صوت الحامي المقنع إلى أذنيه.
وكانت فيه سخرية باردة تبعث الضيق في نفس كل من يسمعه.
لكن رجل عظام القفر، الذي بدا خطيرًا، لم يفعل سوى إلقاء نظرة عابرة على الغرفة.
“لا تدع غوثام يخيفك. الوشوم على عنقه ليست سوى جزء من تقاليد قبيلة شارلورن.”
لكن يودل قاطعه.
ثم أضاف بنبرة عابثة:
“وصولك كان مفاجئًا بالفعل…”
“إنها تعني فحسب أنه انتصر في ست وثلاثين معركة.”
“ما هذا المكان أصلًا؟
عقد تاليس حاجبيه.
لكن في تلك اللحظة…
“قبيلة شارلورن؟
ضحك بطريقة تثير نفور من يسمعها.
“ست وثلاثون معركة؟”
طَق… طَق… طَق…
استدار رجل عظام القفر المدعو غوثام وأومأ برأسه، ثم غادر.
أطلق الرجل المرعب زفرة خافتة وهو يتفحص تاليس.
طَق… طَق… طَق…
اجتاحته ذكريات الماضي ومعها شعور غريب بالكآبة.
“هذا الصوت…”
منذ اليوم الأول الذي التقى فيه يودل…
سبق لتاليس أن سمع الغراب العجوز يمشي بعصاه.
“وصولك كان مفاجئًا بالفعل…”
وسمع كذلك وقع خطوات المتنبئ الأسود.
“هاه، لقد كبرت كثيرًا خلال السنوات الست الماضية.”
لذلك أدركه على الفور.
“لقد نسيت.”
“صوت خشب يطرق الأرض.”
لهث المراهق، وحاول بكل قوته فصل الحمرة الدموية في حلمه عن الظل الأسود أمامه.
لكن هذه المرة، كان الإيقاع أكثر انتظامًا من خطوات الغراب العجوز، وأسرع من خطوات المتنبئ الأسود.
كان متوترًا إلى حد أنه لم يفكر.
“يا إلهي… هيه هيه، مضى وقت طويل منذ جئت إلى هنا.”
كان كل شيء ضبابيًا، كأنه غارق في سديم أبيض شاحب، مبهم المعالم، بلا أرض يستند إليها.
ارتفع الصوت الحاد مجددًا.
أما الرجل، فظل يبتسم ابتسامته المخيفة وينتظر جوابه.
وكانت فيه لمحة خفيفة من لهجة الصحراء الغربية.
صرخ مذعورًا وانتفض جالسًا.
لكن تاليس كان مستعدًا لأن يقسم بحياته أن هذه أفصح وأدق وأكثر لهجات اللغة المشتركة لشبه الجزيرة الغربية اتساقًا سمعها منذ دخوله الصحراء الكبرى.
لكن تاليس سبق أن التقى رافائيل وميكي، لذلك سرعان ما تعرف إلى أصله.
بل إن اختيار الرجل لكلماته كان مألوفًا بين سكان مدينة النجم الأبدي.
وبينما شعر بمعدته تمتلئ تدريجيًا، سأل تاليس الهواء:
“كنت أظن ذات يوم أنني لن أعود إلى هذا المكان المرهق والمشؤوم أبدًا.”
تشنجت عضلات تاليس كلها!
وأخيرًا، ظهر عند باب الغرفة رجل يتكئ على عصا، يعرج في مشيته، ويقف بانحناءة واضحة.
واختفى يودل في الهواء.
ومنذ اللحظة التي دخل فيها…
“…أخي في الدم!”
اختفى قلق تاليس من غوثام تمامًا.
“انتصر ويليامز…”
وانصب كل انتباهه على القادم الجديد.
وصمت قليلًا.
كان الرجل يستخدم العصا لإسناد ساقه اليسرى المعاقة بوضوح، ويلقي بثقل جسده كله عليها.
وحين رأى تاليس، تغير وجهه.
والغريب أن سيفًا طويلًا ذا طراز مميز كان مثبتًا بالعصا، وكأن صاحبه يستطيع أن يتكئ عليها ويستل سيفه للقتال في اللحظة نفسها.
وكذلك المباني الكثيرة البعيدة، الصغيرة والدقيقة، التي بدت من هذا الارتفاع كأنها قطع لعب.
أمسك صاحب الصوت الحاد بإطار الباب.
“يا إله الصحراء، إن أخبرني أحد بعد اليوم أن نبلاء الصحراء الغربية يعيشون في أرض نائية قاحلة، تمزقها الاضطرابات والمخاطر، وأنها فقيرة والحياة فيها بائسة…
وعدل الرداء المدرع على جسده، ثم ضحك ضحكة قاتمة.
جاء الجواب بسرعة مذهلة.
“هوووه… هذا اختبار حقيقي لساقي.”
“يبدو أن علينا إعادة النظر في رأينا بأهل نورثلاند. ربما ليسوا مجرد برابرة لا يعرفون سوى استخدام قبضاتهم لقلب الموائد.”
رفع رأسه وهو ما يزال متكئًا على عصاه.
ثم قال بلا اكتراث:
فكشف عن وجه رجل في منتصف العمر يكاد لا يبدو بشريًا.
“إنها تعني فحسب أنه انتصر في ست وثلاثين معركة.”
كان وجهه ذابلًا شاحبًا، وفمه مائلًا.
راقب الرجل الذي اقتحم الغرفة مسرعًا وهو يتخبط محاولًا استعادة توازنه.
ومع صوته البارد الحاد وعينيه الحادتين المفعمتين بالحيوية…
وأعاد في حرج الورقة “المساعدة” المليئة بالكلمات والرسومات، التي كان يرفعها عند خصره، إلى جيب سرواله.
كان حضوره كفيلًا بأن يبعث القشعريرة في جسد كل من يراه.
“أمم… الناسخ المسؤول عن كتابة رسائلنا مات قبل نصف شهر…”
وما إن رأى تاليس الرجل…
وبقي هناك ست سنوات.
حتى صُدم!
سمع نفسه يقولها بطريقة غير طبيعية.
أطلق الرجل المرعب زفرة خافتة وهو يتفحص تاليس.
كان ضوء الشمس، الذي لم يره منذ وقت طويل، أشبه بموجة عاتية عثرت أخيرًا على منفذ.
“هاه، لقد كبرت كثيرًا خلال السنوات الست الماضية.”
وكانت فيه لمحة خفيفة من لهجة الصحراء الغربية.
ضحك بطريقة تثير نفور من يسمعها.
لكن حركاته المطمئنة بدت خالية من الخبرة.
كانت ضحكته أشبه بإبرة مسمومة تغرس نفسها في القلب.
ابتسم ابتسامة واسعة.
“دعني أخمن… لا بد أن أهل نورثلاند أطعموك جيدًا، أليس كذلك؟”
وواصل، بغيظ، اقتلاع أطراف اللوح.
ساد الصمت بضع ثوانٍ.
راقب تاليس السيف الطويل المثبت إلى عصاه.
حدق تاليس في الزخارف على جسد الرجل.
لم يشم سوى رائحة الأدوية.
وتذكر شيئًا.
انفصل أحد أطراف اللوح، وظهر المسمار تحته.
أما الرجل، فظل يبتسم ابتسامته المخيفة وينتظر جوابه.
جلس تاليس أمام المكتب، محدقًا في الطعام الذي أرسله رامي الأفاعي.
وفي النهاية، أخذ تاليس نفسًا عميقًا.
وراقب الظل الأسود إلى جواره وهو يزيل اللوح بسرعة وكفاءة، كاشفًا شيئًا من الضوء القادم من الخارج.
“مضى وقت طويل، يا صاحب السعادة.”
“الجرس! إنه الجرس!”
أعاد الأمير خنجره، ثم رتب ملابسه الخفيفة قبل أن يتحدث بجدية.
فكشف عن وجه رجل في منتصف العمر يكاد لا يبدو بشريًا.
ظل صاحب العصا يحدق فيه طويلًا.
وحين أوشك تاليس على فقدان صبره والكلام مجددًا، وصل صوت الحامي المقنع إلى أذنيه.
ثم انفجر ضاحكًا.
“السجن؟”
“هاهاهاها! ممتاز!”
“يودل!”
ابتسم ابتسامة واسعة.
“لا توجد تهوية إطلاقًا، فلا عجب أن المكان خانق.
“ما زلت تتذكر هذه الكومة من العظام العجوز!”
“لم تعد لديهم خيول، واضطروا إلى العودة سيرًا.”
كانت تعابيره مبالغًا فيها، ما جعل وجهه غير البشري يبدو أشد رعبًا.
توجه الحامي المقنع إلى المقعد الخشبي، وعندما عاد كان يحمل كوبًا من الماء.
بل صفق بقوة، وكأنه رأى شيئًا مذهلًا.
كرر الظل الأسود كلماته بارتباك.
في الخارج، استدار غوثام ببرود.
وما إن تذكر السجن الأسود الذي عذبه معظم تلك الليلة، حتى أدار تاليس رأسه غريزيًا، وقد ازداد مزاجه سوءًا.
وكان رامي الأفاعي قد بدأ يستعيد وعيه للتو…
لكنه لم يرضَ به.
فضربه رجل عظام القفر وأسقطه فاقدًا للوعي مرة أخرى.
تلاشى كل تشوش في الصوت، واختفى ذلك الحاجز الذي كان يفصل بينهما.
“ابقَ هادئًا.”
وسمع كذلك وقع خطوات المتنبئ الأسود.
قال الأمير لنفسه.
“كان يجب أن أرتدي قناعًا…”
أجبر تاليس نفسه على عدم النظر إلى حالة رامي الأفاعي.
“تبًا.
وبدلًا من ذلك، ثبت نظره بهدوء على الضيف أمامه.
بل صفق بقوة، وكأنه رأى شيئًا مذهلًا.
“وصولك كان مفاجئًا بالفعل…”
“هاه، لقد كبرت كثيرًا خلال السنوات الست الماضية.”
سحب الأمير كرسيًا من أمام المكتب برفق وأشار إليه.
أخذ تاليس كوب الماء بامتنان، ورطب حلقه الذي بلغ من الجفاف حدًا جعله يشعر بأنه على وشك الاحتراق.
ثم جلس هو بهدوء على السرير.
وحين أوشك تاليس على فقدان صبره والكلام مجددًا، وصل صوت الحامي المقنع إلى أذنيه.
“إذن، هل جئت لمساعدتي…”
توتر جسد تاليس.
توقف لحظة.
ظهرت عقدة خفيفة بين حاجبي تاليس.
“…أم لمساعدة البارون ويليامز؟”
كانت بشرة الرجل داكنة نسبيًا، وملامحه لا تشبه ملامح البشر المعتادة.
ثم أضاف:
“أنا فقط… أعيش في عالم مختلف عن عالمك.”
“أم معسكر أنياب النصل؟”
تغير كل شيء.
في تلك اللحظة، توقفت ضحكة الرجل الحادة الباردة فجأة.
لا بد أن لدى يودل سببًا لبقائه مختبئًا.
وكأنه فهم شيئًا.
“نعم، البارون انتزع… أعني، السادة… أعني، النبلاء تبرعوا بسخاء بالكثير من الطعام لكم وللبارون!”
حدق الرجل المرعب في تاليس، الذي بدا هادئًا مسترخيًا.
“ابقَ هادئًا.”
ثم طقطق بلسانه.
ظل رامي الأفاعي مذهولًا للحظات، ثم غمره الفرح.
“جيد جدًا.”
أخذ تاليس كوب الماء بامتنان، ورطب حلقه الذي بلغ من الجفاف حدًا جعله يشعر بأنه على وشك الاحتراق.
تمعنه من أعلى إلى أسفل.
“كان يومًا حافلًا ومثيرًا للاهتمام حقًا، أليس كذلك؟”
“لا تفوح منك تلك الرائحة المميزة التي تحول أبناء النبلاء المدللين إلى قطع قمامة عديمة النفع…”
قطب تاليس حاجبيه وحدق في النافذة المسدودة.
ابتسم.
“أنا هنا.”
“جيد جدًا.”
فناداه بصوت خافت:
ثم قال بسخرية:
أجبر نفسه على تجاهل الجوع في بطنه.
“يبدو أن علينا إعادة النظر في رأينا بأهل نورثلاند. ربما ليسوا مجرد برابرة لا يعرفون سوى استخدام قبضاتهم لقلب الموائد.”
حدق الجندي المتحمس في تاليس، الذي ما يزال مستلقيًا بضعف على السرير، وكأنه يخشى أن يختفي الأمير إن رمش.
ظهرت عقدة خفيفة بين حاجبي تاليس.
ثم أضاف:
أطلق الرجل في منتصف العمر همهمة خافتة.
قطب تاليس حاجبيه وحدق في النافذة المسدودة.
ثم رفع ساقه اليسرى مع عصاه، وأخذ يعرج إلى داخل الغرفة.
لم يكن ثمة مفر.
طَق… طَق…
“ما زلت تتذكر هذه الكومة من العظام العجوز!”
وخلفه، أغلق غوثام الباب بتفاهم صامت.
طَق!
ترك الرجل وحده مع تاليس…
وفي أعلى غرفة من برج الأمير الشبح.
وحول الغرفة مرة أخرى إلى قفص مغلق بإحكام.
وكان فيه أثر خافت جدًا من المرح.
“ابقَ هادئًا.”
هذه المرة، حمل صوته إلحاحًا واضحًا.
كرر تاليس النصيحة لنفسه وهو يراقب الرجل يقترب.
ولسبب ما، شعر بوخز في ظهره، وكأن شوكة تغرس فيه، وبشيء عالق في حلقه.
عرج الرجل حتى وصل إلى الكرسي الذي أخرجه تاليس له.
طَق… طَق…
ثم تكلم بنبرة نصفها سخرية ونصفها حنين.
ظل رامي الأفاعي مذهولًا بضع ثوانٍ، ثم ضرب جبهته بيده.
“لكن ويليامز لم يكن ينبغي له حقًا أن يجلبك إلى هنا لتكون هذه أول محطة لك في رحلة عودتك إلى المملكة.”
عقد تاليس حاجبيه.
نظر حوله.
“من هذا؟”
“هذا المكان مرتفع جدًا.”
وما إن تذكر السجن الأسود الذي عذبه معظم تلك الليلة، حتى أدار تاليس رأسه غريزيًا، وقد ازداد مزاجه سوءًا.
ثم تمتم:
أغلق الأمير فمه وأخذ عدة أنفاس عميقة.
“مرتفع أكثر مما ينبغي…”
وسمع كذلك وقع خطوات المتنبئ الأسود.
توقف الرجل أمام المكتب.
تحول كل ما حوله إلى لون أحمر صارخ، كثيف يكاد يبدو لزجًا للناظر، يحمل في طياته تعطشًا للدم وكآبة خانقة!
وأدار جسده إلى الجانب، محدقًا في تاليس ببرود.
ظهر سيف رمادي من الهواء.
وبذلك كشف النافذة خلفه…
“يبدو أن علينا إعادة النظر في رأينا بأهل نورثلاند. ربما ليسوا مجرد برابرة لا يعرفون سوى استخدام قبضاتهم لقلب الموائد.”
وكذلك المباني الكثيرة البعيدة، الصغيرة والدقيقة، التي بدت من هذا الارتفاع كأنها قطع لعب.
اختفى الاستياء من وجهه.
“مرتفع إلى درجة تجعلني أخشى أن…”
وبينما شعر بمعدته تمتلئ تدريجيًا، سأل تاليس الهواء:
توقفت كلماته لحظة.
سحب الأمير كرسيًا من أمام المكتب برفق وأشار إليه.
“…تسقط من هنا مصادفة.”
“لقد… انتهى الأمر الآن.”
راقب تاليس السيف الطويل المثبت إلى عصاه.
حتى تجمد.
وتوتر جسده كله.
ثم أضاف:
وهكذا…
نظر تاليس إلى خارج الباب، لكنه لم يرَ سوى إضاءة خافتة.
وقف سيريل فاكنهاز، سيد عائلة فاكنهاز، إحدى العائلات الست الكبرى في الكوكبة، وصاحب شعار الجمجمة ذات العيون الأربع، ودوق حراسة الصحراء الغربية، وسيد الأطلال، والملقب بـ”غير المرحب به”…
أما هو…
عند أعلى نقطة في معسكر أنياب النصل.
وعلى عنقه وشم غريب يشبه المنشار.
وفي أعلى غرفة من برج الأمير الشبح.
“أنا فقط… أعيش في عالم مختلف عن عالمك.”
ثم قال بلا اكتراث:
كانت نية الخطر الخافتة المنبعثة منه كافية لجعل الأمير يرفع خنجره غريزيًا.
“تمامًا مثل…”
تنهد تاليس بعجز.
توقفت عيناه على تاليس.
بل سمعا في طريقه أصوات ارتطام وتحطم، إذ بدا أنه يصطدم بالأشياء في هلعه.
“…شقيق أبيك ذاك.”
حدق تاليس في النافذة التي لا يستطيع فتحها.
مرتفع اكثر من اللازم
