Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 490

افعل شيئًا

افعل شيئًا

افعل شيئًا

“وحين واجهت الأفق اللامتناهي الذي ترسمه الصحراء الكبرى…”

“لم يخلُ تاريخ الكوكبة يومًا من سفك الدماء.”

أشاح تاليس بنظره، محاولًا ألا يركز على الثمرة التي كان سيريل يمضغها ويسحقها في فمه بينما يتكلم.

ترددت كلمات غيلبرت في أذني الفتى.

“بعد السنة الدموية، استولت العائلة الملكية على معسكر أنياب النصل، وحولته إلى بلدة عسكرية بحتة.”

“لقد حمّلت كلامي أكثر مما يحتمل، يا صاحب السمو.”

“كلها جعلت الحياة جحيمًا لأمثالنا، نحن الذين موطننا الحقيقي هو الصحراء الغربية.”

ابتسم سيريل بسخرية، ومد يده ليلتقط ثمرة حمراء بحجم قبضة اليد لم يعرف تاليس نوعها، ثم مسحها بكمه.

ولم يستطع منع صورة الجناح الأسطوري المتعجرفة من الظهور في ذهنه.

“ما قصدته هو أن عائلة فاكنهاز، بوصفها أقدم أتباع جادستار، شهدت تحت ظل «الحارس» الكثير من المآسي المتشابهة. وسنظل نشاهد حتى اليوم الأخير، كما فعلنا منذ اليوم الأول.”

“ويعيش على الدمار.”

توقف دوق الصحراء الغربية قليلًا.

“لقد بدأنا نتحدث أخيرًا.”

“لقد رأينا الكثير… حتى فقدنا الإحساس.”

“وهل يهم إن كان لا يعرف شيئًا أصلًا؟”

ثم قضم الثمرة بسعادة ورضا، متجاهلًا تمامًا نظرات تاليس المرتابة.

“…ووقح.”

لكن تاليس ظل يراقبه بحذر.

“…ستكون التالية.”

“حقًا؟”

بدا وجهه الجاف الذابل كجمجمة يابسة.

تحرك خدا سيريل وهو يستمتع بمضغ الثمرة، لكن وجهه الذابل المرعب جعل المشهد أشد إثارة للنفور.

توقف لحظة.

“وبالمثل، لم تعد حقيقة السنة الدموية مهمة، مثلما لم يعد أحد يهتم بعد ستين عامًا بالأزمة التي أحاطت بتتويج جدك.”

“الإنذارات التي لا تنتهي، والتمردات، وخطوط الدفاع التي لا تحصى…”

استند سيريل إلى ظهر الكرسي.

“وليست مرعبة أيضًا، لأن قسوتها…”

وثبتت عيناه المتقدتان على تاليس كأفعى سامة.

نظر إلى البعيد.

جاء صوته مبهمًا:

“حان دورك لتخبرني.”

“المهم هو ما جلبته السنة الدموية علينا…”

تردد صوته خفيفًا في الغرفة الضيقة المضيئة أعلى البرج، بينما كانت الرياح الباردة تعصف فيها بلا توقف.

ثم أردف:

“ألا تشعر بذلك؟”

“…وما ينبغي لنا فعله حيال ذلك.”

رفع يديه غريزيًا وتلقى…

أشاح تاليس بنظره، محاولًا ألا يركز على الثمرة التي كان سيريل يمضغها ويسحقها في فمه بينما يتكلم.

أخذ تاليس نفسًا عميقًا.

قال الأمير بجدية:

توقف لحظة.

“لا أحب إحاطة الأمور بالغموض دون داعٍ، ولا أحب الدوران حول الموضوع.”

ضاقت عيناه.

ابتلع سيريل ما في فمه وأطلق همهمة.

استدار وأشار إلى تاليس.

أسند مرفقه الأيسر إلى ذراع الكرسي، وأمال جسده كله إلى الجانب.

“في تلك الأيام، كان بعض رجال عظام القفر يتوقون إلى الحضارة ويهاجرون إلى الصحراء الغربية.”

وفجأة، أصبحت نظرته مخيفة.

“في تلك الأيام، كان بعض رجال عظام القفر يتوقون إلى الحضارة ويهاجرون إلى الصحراء الغربية.”

“إذن ربما لا تصلح لأن تكون من آل جادستار.”

“…إلى شيء آخر.”

أدار تاليس رأسه ببطء نحوه.

“تحولت أرض الصحراء الغربية…”

ظل سيريل ينظر إليه بشيء من التهكم، بينما حافظ الأمير على هدوء ملامحه.

لقد فهم الآن.

تبادلا النظرات بصمت.

افعل شيئًا

وكان ثمة شيء يصعب وصفه يملأ الأجواء.

خفض الفتى رأسه، وسار مع الدوق في مسار حديثه.

وبعد بضع ثوانٍ، خفض تاليس رأسه وحدق في الدوق بفضول.

“أساطير.

ثم همس:

“التالية؟”

“أبي كان يعرف، أليس كذلك؟”

وبدا كأنه أفاق أخيرًا من شروده.

توقفت يد فاكنهاز اليمنى للحظة عن العبث بنصف الثمرة.

“معسكر أنياب النصل؟”

وخبا البريق في عينيه تدريجيًا.

“…بالقدر المناسب تمامًا.”

استنشق تاليس بخفة، وقال بلهجة جادة:

لمعت عينا سيريل.

“بغض النظر عن الطريقة التي ساعدت بها هيرمان آنذاك، أو كيفية تعاونه مع درع الظل، أو حتى ما حدث في تلك الليلة…”

تنهد الدوق.

ثبت عينيه عليه.

“إذن ربما لا تصلح لأن تكون من آل جادستار.”

“كان يعرف كل شيء.”

شخر دوق فاكنهاز ببرود.

قال الأمير ذلك بيقين.

“المهم هو ما جلبته السنة الدموية علينا…”

وتلاشت انحناءة شفتي سيريل ببطء.

ولم ينته الدوق بعد.

“وماذا لو كان يعرف؟”

“حان دورك لتخبرني.”

تكلم الدوق ببطء، كوحش مفترس يقترب من فريسته.

وبالمقارنة، كان تفسير الدوق سيريل للمقولة يبعث القشعريرة، لكنه بدا أكثر…

“وهل يهم إن كان لا يعرف شيئًا أصلًا؟”

“معسكر أنياب النصل؟”

أطلق تاليس زفيرًا.

ثم أصبحت نظرته مركزة تدريجيًا.

لقد فهم الآن.

“لن يفيدك هذا.”

“منذ قليل، كشفت أمامي سرًا تلو الآخر، من هيرمان إلى درع الظل.”

“لم يخطر لي قط أن الصحراء الغربية، الأرض التي ولدت وترعرعت فيها…”

رفع تاليس رأسه، وكانت نظرته ثابتة حازمة.

“إذا عمّت الفوضى العالم، وبدا أن الكوارث لا تنتهي، فلا بأس.”

“فعلت ذلك لتختبر مقدار ما أعرفه.”

“يتواصلون ويتاجرون ويتنافسون ويتقاتلون ويتصادمون ويمتزجون بقطاع طرق الصحراء والمنفيين والأورك ورجال عظام القفر، بل وحتى بأصحاب المهن نفسها القادمين من الطرف الآخر للصحراء.”

توقف لحظة.

أمال رأسه وقضم الثمرة.

“وبالأخص… مقدار ما أخبرني به أبي.”

بدا سيريل كأنه يرثي شيئًا.

لم يتكلم سيريل.

“واستمر ذلك التوازن الغريب والمثير، ليمنح هذه الأرض التي عانت الجفاف آلاف السنين شيئًا من الحياة.”

لكن نظرته إلى الأمير ازدادت حدة.

هز تاليس رأسه بحزم.

“والسبب في فعلك ذلك هو…”

“…لا تريد أن تفهم؟”

لم يكمل تاليس.

استنشق تاليس بعمق، متذكرًا كيف كسر الجناح الأسطوري ساق نورب، وكيف وصف الملك بازدراء بأنه “ابن عاهرة”.

اكتفى بالتحديق في الدوق بعينين متقدتين.

“السبب أن رومان ويليامز نفسه، الجناح الأسطوري، يخفي تحت ذلك الوجه الوسيم رجلًا لا يأبه بالقواعد ولا بالمصالح، ولا يعرف الرحمة ولا الولاء.”

“كان يريد اختبار مقدار ثقة الملك كيسيل بولي عهده.

“طباعه اللعينة، ونظرته المتعالية، وعاداته المزعجة بحق…”

“واختبار مدى رسوخ عائلة جادستار الملكية.”

حدق تاليس في وجه سيريل الفريد، وبذل جهده لكبت حرجه.

وبعد وقت، ظهرت على وجه سيريل ابتسامة خافتة.

لم يجب تاليس.

استدار وأشار إلى تاليس.

“فالصحراء الكبرى تشهد كل يوم صراعات دامية، ونظامًا قاسيًا لا يرحم يحفظ توازنها.”

“كما قلت.”

“ما رأيي فيه؟”

ضاقت عيناه.

اختفت تعابير الدوق تدريجيًا.

“لقد بدأنا نتحدث أخيرًا.”

توالى وقع العصا.

ازداد وجه تاليس جدية.

“ألا تشعر بذلك؟”

خفض الفتى رأسه، وسار مع الدوق في مسار حديثه.

لكن تاليس ظل يراقبه بحذر.

“إذن، بحسب كلامك، إذا تجاهلنا التفاصيل والحقيقة…”

استمع تاليس بصمت، حتى نسي الخبز في يده.

رفع نظره.

“انهارت جميع القواعد.”

“ماذا جلبت لنا السنة الدموية؟”

“فالصحراء الكبرى تشهد كل يوم صراعات دامية، ونظامًا قاسيًا لا يرحم يحفظ توازنها.”

ضحك سيريل.

نظر سيريل إلى تعبيره، ولم يعد قادرًا على كتم ضحكته.

لكنه لم يجبه مباشرة.

“وباتت القوانين والأنظمة التي تحكمه مختلفة عن قوانين الصحراء الغربية والصحراء الكبرى.”

أمال رأسه وقضم الثمرة.

وبينما يضحك، مد يده إلى صينية الطعام وأخذ ثمرة ثانية.

“سمعت أن البارون ويليامز كان أول من وجدك، يا صاحب السمو.”

“هذه هي ذكرياتي عن الصحراء الغربية القديمة.”

تكلم وهو يمضغ، فلم تكن كلماته واضحة تمامًا.

تذكر تحذير رافائيل، رجل عظام القفر، له قبل مغادرته مدينة سحاب التنين.

“ما رأيك فيه؟”

ثم همس:

تحرك حاجبا تاليس.

“أم أنك…”

“ويليامز؟

ترددت كلمات غيلبرت في أذني الفتى.

“ما رأيي فيه؟”

خفض صوته.

وأول ما خطر بباله كان ذلك المشهد حين لف الرجل ذراعه حول جسده وهما على صهوة الحصان.

توقف لحظة.

ارتجف الفتى وهو يحاول طرد ذكرى أخذه في جولة على الحصان من ذهنه.

توقف.

“البارون…”

ضاقت عيناه.

لكن ما إن فتح فمه حتى عجز عن إيجاد الكلمات.

“وحين بلغت السن التي تسمح لي بركوب حصان حرب وبدأت دورياتي في الصحراء، كنت أرى هجناء القفر عند الحدود كثيرًا.”

استرخى الدوق وانتظر جوابه باهتمام.

“…وما ينبغي لنا فعله حيال ذلك.”

ظهرت في ذهن تاليس عينا رومان القاتلتان، ووجهه الذي كان يصرخ في وجه العالم كله:

هز رأسه وطقطق بلسانه.

“اقترب وسأقتلك.”

“ودون أن ينتظر أحد عفوه، فإن مجرد وجود الصحراء الكبرى هو أعظم أشكال رحمته.”

شعر الأمير بالضيق.

رفع يديه غريزيًا وتلقى…

“كيف يمكن للمرء أن يمدح شخصًا لا يجد فيه شيئًا يستحق المديح؟

اختفت تعابير الدوق تدريجيًا.

“بحق إله الصحراء، لا يمكنني أن أقول إنه «لطيف»، أليس كذلك؟”

تذكر تاليس هدوء الرجل وهو يقتلع عيني ستيك والدم يتناثر في كل مكان، ثم حين انتزع فك الجثة.

سعل الأمير بخفة، وحاول إبقاء ملامحه ثابتة.

وفي اللحظة التالية، تغيرت نبرة دوق الصحراء الغربية.

“أظن أنه…”

لقد فهم الآن.

تردد.

“ماذا؟”

“حسنًا، يمتلك مهارات قيادية جيدة، ويتمتع بهدوء ورباطة جأش تامين أثناء قيادة الجيش، كما أنه…”

“وماذا لو كان يعرف؟”

توقف تاليس مجددًا.

أمال رأسه وقضم الثمرة.

لم يجد الصفة التالية.

تسللت البرودة إلى عيني سيريل، فعقد تاليس حاجبيه.

لم ينظر إليه سيريل، واكتفى بهمهمة خافتة دون تعليق.

وبدا كأنه أفاق أخيرًا من شروده.

وبعد أن عصر تاليس ذهنه بحثًا عن كلمات مناسبة، بدا كأنه تذكر شيئًا.

أما تاليس، فظل جادًا متأهبًا بالكامل.

فأضاف بسرعة:

وبالمقارنة، كان تفسير الدوق سيريل للمقولة يبعث القشعريرة، لكنه بدا أكثر…

“وأيضًا… يتمتع بموهبة ومهارة استثنائيتين، وهو وسيم؟”

“ماذا صنعت بالصحراء الغربية؟”

“الحمد لإله الصحراء.

“قل ما تفكر فيه مباشرة.”

“وجدت أخيرًا شيئًا أمدحه به.”

ابتسم سيريل بسخرية.

أطلق سيريل همهمة وأومأ، ثم استدار وبصق نواة الثمرة.

“ما رأيي فيه؟”

تحركت عضلات وجهه المرعب، وارتعشت شفتاه الغائرتان بشدة.

ابتلع تاليس ريقه بصعوبة.

ضيق عينيه ونظر إلى تاليس.

“السبب أن رومان ويليامز نفسه، الجناح الأسطوري، يخفي تحت ذلك الوجه الوسيم رجلًا لا يأبه بالقواعد ولا بالمصالح، ولا يعرف الرحمة ولا الولاء.”

“حسنًا، لا بد أن أعترف…”

نظر تاليس بدهشة إلى سيريل، الذي سحب يده اليسرى بهدوء ووضع ثمرة أخرى في فمه.

رغم أن تاليس بدأ يعتاد وجه الدوق، فإن نظرته ما تزال تبعث القشعريرة في قلبه.

توقف وهز رأسه.

ضحك سيريل ببرود.

ترددت كلمات غيلبرت في أذني الفتى.

“ويليامز…”

وكان ثمة شيء يصعب وصفه يملأ الأجواء.

توقف.

“لم يخطر لي قط أن الصحراء الغربية، الأرض التي ولدت وترعرعت فيها…”

“ذلك الرجل أوسم مني فعلًا…”

رغم أن تاليس رأى الدوق يضغط على الكرسي وينهض بحزم، فإنه انتفض حين ضربت العصا الأرض.

ابتسم ورفع يده اليمنى.

“لم نتعدَّ على أراضيهم، وهم أيضًا، سواء قبائل الأورك الثماني الكبرى أو قبائل عظام القفر الخمس الكبرى، لم يتعدوا على أراضينا.”

وقرّب إبهامه وسبابته حتى كادا يتلامسان، بينما تجمعت الحفر والتجاعيد العميقة في وجهه.

“إنه مسخ حقيقي.”

“…بقليل ضئيل جدًا.”

ثم أردف:

حدق تاليس في وجه سيريل الفريد، وبذل جهده لكبت حرجه.

ابتسم ورفع يده اليمنى.

“آه… حقًا؟”

توقفت يد فاكنهاز اليمنى للحظة عن العبث بنصف الثمرة.

نظر سيريل إلى تعبيره، ولم يعد قادرًا على كتم ضحكته.

“في كل مرة يستيقظ فيها ذلك الوحش داخل قلب أحدهم…”

وبينما يضحك، مد يده إلى صينية الطعام وأخذ ثمرة ثانية.

“كنا نلتزم بقواعدنا في الدوريات وفرض الضرائب، وهم يلتزمون بقواعدهم في الرعي والغارات.”

“قل ما تفكر فيه مباشرة.”

“…وما ينبغي لنا فعله حيال ذلك.”

تأمل وجه تاليس بعناية.

ثبت عينيه عليه.

وتسللت البرودة إلى ملامحه المرعبة.

تابع:

“كل من تعامل معه يعرف حقيقته.”

وبالمقارنة، كان تفسير الدوق سيريل للمقولة يبعث القشعريرة، لكنه بدا أكثر…

ثم قال:

“أبي كان يعرف، أليس كذلك؟”

“رومان ويليامز.”

“…أن يفعل أحدهم شيئًا.”

لمع بريق بارد في عينيه.

نظر سيريل إلى تعبيره، ولم يعد قادرًا على كتم ضحكته.

“إنه حقير انطوائي، بارد، متغطرس، عدواني…”

“ويعيش على الدمار.”

توقف لحظة.

“ما قصدته هو أن عائلة فاكنهاز، بوصفها أقدم أتباع جادستار، شهدت تحت ظل «الحارس» الكثير من المآسي المتشابهة. وسنظل نشاهد حتى اليوم الأخير، كما فعلنا منذ اليوم الأول.”

“…ووقح.”

“ماذا؟”

“وقح؟”

ونظرته ثابتة لا تتزعزع.

كبح تاليس رغبته في الإيماء، وحافظ على العبوس الخفيف فوق وجهه.

“كان يعرف كل شيء.”

لكن سيريل لم يعد يهتم برد فعله.

“حقًا؟”

ابتسم دوق الصحراء الغربية بسخرية، ونظر من النافذة.

“لكن…”

“اعترف بالأمر. حين التحق بالجيش لأول مرة خلال السنة الدموية، كان أكثر إزعاجًا من أولئك الصبية المتهورين الذين لا يعرفون الخوف، وأشد إثارة للنفور من المتنمرين المتغطرسين الذين لا يقبلون المنطق.”

ونظرته ثابتة لا تتزعزع.

ازدادت نبرته حدة.

عقد تاليس حاجبيه.

“كان أفظع من أفراد العصابات القساة عديمي الرحمة، وأقدر على إثارة الضغائن من جباة الضرائب الذين يستنزفون المدنيين طبقة بعد طبقة، وأكثر إثارة للاشمئزاز من طاغية يرى نفسه فوق الجميع.”

ضحك سيريل ببرود.

أخذ تاليس نفسًا عميقًا.

“سمعت أن البارون ويليامز كان أول من وجدك، يا صاحب السمو.”

ولم يستطع منع صورة الجناح الأسطوري المتعجرفة من الظهور في ذهنه.

“بحق إله الصحراء، لا يمكنني أن أقول إنه «لطيف»، أليس كذلك؟”

لم يهتم الدوق بصورته أو وقاره.

“صحيح!”

كانت نظرته إلى الخارج حادة محتقرة، وكأنه استعاد ذكرى مزعجة.

وتابع:

“كل من تعامل معه عانى بسبب أفعاله.”

ثم أردف:

اشتدت ملامحه.

“ومع تقدم القوات النظامية منتصرة داخل الصحراء الكبرى…”

“طباعه اللعينة، ونظرته المتعالية، وعاداته المزعجة بحق…”

للمرة الأولى، شعر أن دوق الصحراء الغربية، الذي اعتاد السخرية والمزاح اللاذع والتهكم، يملك جانبًا مخيفًا إلى هذا الحد.

سخر بمرارة.

تحرك حاجبا تاليس.

“لم يبقَ إلا أن ينقش على وجهه: «أنا أحمق لعين».”

“لا أفهم.”

رفع تاليس حاجبيه عند سماع ألفاظ سيريل الفظة.

“ما خسرته؟”

“ربما لا يجيد البارون التعامل مع الناس…”

“ماذا صنعت بالصحراء الغربية؟”

شخر دوق فاكنهاز ببرود.

أما تاليس، فظل جادًا متأهبًا بالكامل.

“لا يجيد التعامل مع الناس؟”

“لقد بدأنا نتحدث أخيرًا.”

قضم سيريل الثمرة بعنف، وكأنه لا يعض طعامًا، بل عدوًا لن يتصالح معه أبدًا.

“ومع تقدم القوات النظامية منتصرة داخل الصحراء الكبرى…”

“هل رأيته يدفن أسرى الحرب أحياء ويجمع رؤوس القتلى؟”

ثم سأل:

ثم أردف:

ابتلع سيريل ما في فمه وأطلق همهمة.

“هل رأيت بروده وهو يمسح الدم عن جسده؟ يفعل ذلك بعفوية، وكأن ما حدث أمر طبيعي تمامًا؟”

دق، دق، دق.

ازدادت عيناه برودة.

اشتدت عيناه.

“وهل تعرف أنه لا يرحم حتى حين يقتل رجاله؟”

رغم أن تاليس بدأ يعتاد وجه الدوق، فإن نظرته ما تزال تبعث القشعريرة في قلبه.

تذكر تاليس هدوء الرجل وهو يقتلع عيني ستيك والدم يتناثر في كل مكان، ثم حين انتزع فك الجثة.

“سمعت أن البارون ويليامز كان أول من وجدك، يا صاحب السمو.”

تسلل إليه شعور بالانزعاج.

ابتسم ابتسامة خافتة.

شخر سيريل.

تابع:

“أتظن أن كتيبة الصدمة التي أنشأها ضمن وحدة غبار النجوم سميت «فرقة المسوخ» بسبب بعض السجناء النفسانيين الذين أخرجهم من السجن؟”

وبعد أن عصر تاليس ذهنه بحثًا عن كلمات مناسبة، بدا كأنه تذكر شيئًا.

هز رأسه.

“كان دائم التردد على الأطلال، ويمكن القول إننا نشأنا معًا وكنا كالأخوين.”

“لا.”

“في ذلك الوقت، كان حاكم هذه الأرض، بارون كثيب أنياب النصل، غاريت لوهمان، أحد أهم أتباع عمي وضيوفه.”

زم تاليس شفتيه ولم يتكلم.

“إذن تعرفها.”

واصل دوق الصحراء الغربية مضغ الثمرة وهو يهز رأسه ضاحكًا ببرود.

“يراقب كل طرف الآخر من بعيد، ويتعامل معه بحذر مكتوم، ثم يمضي كل منا في حياته ولا يتدخل في شؤون الآخر.”

“السبب أن رومان ويليامز نفسه، الجناح الأسطوري، يخفي تحت ذلك الوجه الوسيم رجلًا لا يأبه بالقواعد ولا بالمصالح، ولا يعرف الرحمة ولا الولاء.”

توقفت يد فاكنهاز اليمنى للحظة عن العبث بنصف الثمرة.

وتابع:

“إذا عمّت الفوضى العالم، وبدا أن الكوارث لا تنتهي، فلا بأس.”

“طباعه غريبة، ولا يمكن التنبؤ بأفعاله. بارد، قاسٍ، وذوقه شاذ.”

“وإله الصحراء لا يحتاج إلى أن يغفر للصحراء، ومع ذلك تنجو جميع الكائنات فيها.”

ضاقت عيناه.

ساد الصمت الغرفة لبضع ثوانٍ.

“يخضع تفكيره لمنطق غريب يفوق قدرتنا على الفهم، ولا يستطيع قصر النهضة التحكم فيه.”

بدا وجهه الجاف الذابل كجمجمة يابسة.

حسم كلماته:

أشاح تاليس بنظره، محاولًا ألا يركز على الثمرة التي كان سيريل يمضغها ويسحقها في فمه بينما يتكلم.

“إنه مسخ حقيقي.”

توقف وهز رأسه.

ازدادت نظرة سيريل فاكنهاز برودة.

“حكايات.

استنشق تاليس بعمق، متذكرًا كيف كسر الجناح الأسطوري ساق نورب، وكيف وصف الملك بازدراء بأنه “ابن عاهرة”.

“كان عدد لا يحصى من التجار الرحالة والرعاة والمرتزقة والمغامرين يدخلون الصحراء الكبرى ويخرجون منها بحرية.”

“ربما لا تخلو العبقرية من بعض الأطوار الغريبة؟”

“هذه هي ذكرياتي عن الصحراء الغربية القديمة.”

نظر سيريل إلى الثمرة نصف المأكولة.

“كما قلت.”

وارتفعت زاوية فمه.

تسلل إليه شعور بالانزعاج.

“عبقرية؟”

“كان عدد لا يحصى من التجار الرحالة والرعاة والمرتزقة والمغامرين يدخلون الصحراء الكبرى ويخرجون منها بحرية.”

رفع رأسه، وأصبحت نظرته عميقة.

“التالية؟”

“إذن لا بد أن أقول إن ترقية مسخ كثير العيوب، ارتكب جرائم لا تحصى، ولا تستطيع العائلة الملكية السيطرة عليه…”

ضيق دوق الصحراء الغربية عينيه.

تابع:

وفي اللحظة التالية، تغيرت نبرة دوق الصحراء الغربية.

“ثم إرساله إلى الصحراء الغربية، إلى أقصى أطرافها، ووضعه على الجبهة الغربية المضطربة، وإمداده بلا تحفظ بالقوات النظامية…”

“لم نتعدَّ على أراضيهم، وهم أيضًا، سواء قبائل الأورك الثماني الكبرى أو قبائل عظام القفر الخمس الكبرى، لم يتعدوا على أراضينا.”

أدار سيريل ظهره إلى تاليس، ونظر إلى معسكر أنياب النصل بعينين عميقتين.

“ماذا جلبت لنا السنة الدموية؟”

هز رأسه وطقطق بلسانه.

رفع يديه غريزيًا وتلقى…

“لا بد أن أباك أيضًا…”

ونظرته ثابتة لا تتزعزع.

توقف.

تحرك خدا سيريل وهو يستمتع بمضغ الثمرة، لكن وجهه الذابل المرعب جعل المشهد أشد إثارة للنفور.

“…عبقري.”

ابتسم سيريل بسخرية.

عقد تاليس حاجبيه.

“أو أسطورة الكنوز التي لا تحصى، المتبقية من الإمبراطورية والمخبأة في أعماق الصحراء؟”

لم يعرف هل كان ذلك مديحًا صادقًا، أم سخرية لاذعة، أم الاثنين معًا.

“ماذا صنعت السنة الدموية بنا؟”

لكنه فهم أشياء كثيرة الآن.

“فلم تفعلا سوى التعمق.”

هز تاليس رأسه بحزم.

“لقد بدأنا نتحدث أخيرًا.”

“لن يفيدك هذا.”

توقف لحظة.

برد وجهه حتى بدا عصيًا على الاقتراب.

“في ذلك الوقت، كانت هذه حكايات آسرة جاءت من الصحراء الكبرى الغامضة.”

“كما قلت، لا سلطة لي على هذه الأمور.”

أمال رأسه وقضم الثمرة.

وتابع بوضوح:

“ربما لا يجيد البارون التعامل مع الناس…”

“لن تستطيع استخدامي لاستعادة معسكر أنياب النصل، ولا لاسترجاع ما خسرتَه لصالح أبي.”

“لم يخلُ تاريخ الكوكبة يومًا من سفك الدماء.”

ثم أشار إلى الباب.

ضحك سيريل ببرود.

“عليك الرحيل.”

“معسكر أنياب النصل؟”

وأضاف:

“كان عدد لا يحصى من التجار الرحالة والرعاة والمرتزقة والمغامرين يدخلون الصحراء الكبرى ويخرجون منها بحرية.”

“هذا وقت طعامي، ولست معتادًا تناوله بصحبة الآخرين.”

“ماذا؟”

لكن على عكس ما توقعه تاليس، لم يغضب سيريل من رفضه الصريح، ولم يرد عليه بالمثل، ولم يطلق إحدى سخرياته المعتادة.

“طباعه غريبة، ولا يمكن التنبؤ بأفعاله. بارد، قاسٍ، وذوقه شاذ.”

اختفت تعابير الدوق تدريجيًا.

“وهكذا، كان أهل الصحراء الغربية وأهل الصحراء الكبرى يحذر بعضهم بعضًا، لكنهم كانوا يحتاجون إلى بعضهم أيضًا.”

لا ابتسامة.

ضرب سيريل الأرض بعصاه بعنف.

لا تهكم.

تغير تعبير تاليس وغرق في التفكير.

اعتدل في جلسته، ونظر بهدوء من النافذة.

“بعد مرور ثمانية عشر عامًا، لم يعد كثير من الشباب يعرفون كيف كانت الصحراء الغربية قبل معارك السنة الدموية، وقبل ظهور الجناح الأسطوري، وحين كان عمي لا يزال دوق الصحراء الغربية.”

“معسكر أنياب النصل؟”

توقف.

رددها بخفوت.

كان يشعر أن شيئًا ما على وشك الحدوث.

“ما خسرته؟”

رمق تاليس وجهه الجانبي، وفجأة بدا له دوق فاكنهاز شاردًا.

ثم سأل:

“لن يفيدك هذا.”

“يا صاحب السمو، هل رأيت الصحراء الغربية القديمة؟”

“وبالأخص… مقدار ما أخبرني به أبي.”

ظل ينظر إلى الحياة الصاخبة خارج النافذة.

لمع بريق بارد في عينيه.

رمق تاليس وجهه الجانبي، وفجأة بدا له دوق فاكنهاز شاردًا.

كان وجهه باردًا.

“الصحراء الغربية القديمة؟”

توقف.

أطلق الدوق همهمة وهز رأسه بخفة، كأنه تذكر شيئًا.

“فعلت ذلك لتختبر مقدار ما أعرفه.”

“تعرف، حين ورثت منصبي قبل ثمانية عشر عامًا، وحين صدر المرسوم العام للكوكبة، هرعت طوال الليل إلى مدينة النجم الأبدي لأسمع حكم جدك بتعبئة الجيش وقمع التمرد.”

“ربما لا يجيد البارون التعامل مع الناس…”

توقف.

لا تهكم.

“كنت هناك مع ثمانية عشر نبيلًا آخر.”

كان ظهر الدوق مواجهًا للضوء.

تنهد.

وحملت عيناه معنى واضحًا:

“لم يخطر لي قط أن الصحراء الغربية، الأرض التي ولدت وترعرعت فيها…”

“كلها جعلت الحياة جحيمًا لأمثالنا، نحن الذين موطننا الحقيقي هو الصحراء الغربية.”

خفض صوته.

“…بقليل ضئيل جدًا.”

“…ستكون التالية.”

وتذكر رافائيل ذا العينين الحمراوين الداكنتين.

تغير تعبير تاليس وغرق في التفكير.

رغم أن تاليس بدأ يعتاد وجه الدوق، فإن نظرته ما تزال تبعث القشعريرة في قلبه.

“قبل ثمانية عشر عامًا.

وبعد أن عصر تاليس ذهنه بحثًا عن كلمات مناسبة، بدا كأنه تذكر شيئًا.

“المرسوم العام للكوكبة.

ثم سأل:

“تعبئة الجيش لقمع التمرد.

لكن سيريل لم يعد يهتم برد فعله.

“لكن…”

ظهرت في صوته مسحة حنين.

رفع الأمير رأسه وسأل بريبة:

نظر تاليس بدهشة إلى سيريل، الذي سحب يده اليسرى بهدوء ووضع ثمرة أخرى في فمه.

“التالية؟”

“إله الصحراء لا ينزل الكوارث، ومع ذلك تفنى جميع الكائنات في العالم…”

لكن رؤيته تشوشت في اللحظة التالية.

“ثم تحولت تلك الحكايات إلى أساطير تناقلتها الأجيال.”

رفع يديه غريزيًا وتلقى…

لم يعرف هل كان ذلك مديحًا صادقًا، أم سخرية لاذعة، أم الاثنين معًا.

قطعة خبز أبيض رماها إليه دوق الصحراء الغربية.

أما تاليس، فظل جادًا متأهبًا بالكامل.

نظر تاليس بدهشة إلى سيريل، الذي سحب يده اليسرى بهدوء ووضع ثمرة أخرى في فمه.

تأمل وجه تاليس بعناية.

“بعد مرور ثمانية عشر عامًا، لم يعد كثير من الشباب يعرفون كيف كانت الصحراء الغربية قبل معارك السنة الدموية، وقبل ظهور الجناح الأسطوري، وحين كان عمي لا يزال دوق الصحراء الغربية.”

ابتلع سيريل ما في فمه وأطلق همهمة.

قال الدوق ذلك وهو يمضغ الثمرة.

“وعلى امتداد الثمانية عشر عامًا الماضية…”

زم تاليس شفتيه وعبس.

توقف لحظة.

كان الدوق يرفض الرحيل بوضوح، وإن لم يعرف تاليس هل الذي يمنعه هو الأمير أم طعام الأمير.

تذكر تحذير رافائيل، رجل عظام القفر، له قبل مغادرته مدينة سحاب التنين.

فتح فمه بغضب واستسلام، وقضم الخبز الأبيض الطري.

حملت كلماته تسلية وحنينًا يصعب وصفهما.

“في ذلك الوقت، كان حاكم هذه الأرض، بارون كثيب أنياب النصل، غاريت لوهمان، أحد أهم أتباع عمي وضيوفه.”

“وفي قبور أسلافك.”

ضحك الدوق حين رأى تاليس يرفع عينيه عن الخبز بانزعاج.

“يخضع تفكيره لمنطق غريب يفوق قدرتنا على الفهم، ولا يستطيع قصر النهضة التحكم فيه.”

“كان دائم التردد على الأطلال، ويمكن القول إننا نشأنا معًا وكنا كالأخوين.”

“وهل تعرف أنه لا يرحم حتى حين يقتل رجاله؟”

ثم أصبحت نظرته مركزة تدريجيًا.

“إذن، بحسب كلامك، إذا تجاهلنا التفاصيل والحقيقة…”

“آنذاك، كنا نعيش سلامًا نادرًا مع الصحراء الكبرى.”

“كان هذا ما تخبرني به.”

“سلام؟”

توقف دوق الصحراء الغربية قليلًا.

توقف تاليس للحظة وهو يمزق الخبز بأسنانه.

“أتظن أن كتيبة الصدمة التي أنشأها ضمن وحدة غبار النجوم سميت «فرقة المسوخ» بسبب بعض السجناء النفسانيين الذين أخرجهم من السجن؟”

تكلم فاكنهاز ببطء:

اشتدت عيناه.

“لم نتعدَّ على أراضيهم، وهم أيضًا، سواء قبائل الأورك الثماني الكبرى أو قبائل عظام القفر الخمس الكبرى، لم يتعدوا على أراضينا.”

وتلاشت انحناءة شفتي سيريل ببطء.

وتابع:

“«وحدهم من يتخلون عن الضعف والاتكال على الحظ يستطيعون تثبيت أقدامهم في الصحراء الكبرى القاسية.»”

“كنا نلتزم بقواعدنا في الدوريات وفرض الضرائب، وهم يلتزمون بقواعدهم في الرعي والغارات.”

ابتلع سيريل ما في فمه وأطلق همهمة.

“يراقب كل طرف الآخر من بعيد، ويتعامل معه بحذر مكتوم، ثم يمضي كل منا في حياته ولا يتدخل في شؤون الآخر.”

توقف لحظة.

ابتسم ابتسامة خافتة.

“…انظر إليها الآن.”

“كان الأمر عادلًا، متفقًا عليه، وطبيعيًا.”

ابتلع تاليس ريقه بصعوبة.

أكمل:

ثم أردف:

“كان عدد لا يحصى من التجار الرحالة والرعاة والمرتزقة والمغامرين يدخلون الصحراء الكبرى ويخرجون منها بحرية.”

ابتسم دوق الصحراء الغربية بسخرية، ونظر من النافذة.

“يتواصلون ويتاجرون ويتنافسون ويتقاتلون ويتصادمون ويمتزجون بقطاع طرق الصحراء والمنفيين والأورك ورجال عظام القفر، بل وحتى بأصحاب المهن نفسها القادمين من الطرف الآخر للصحراء.”

كبح الأمير تخميناته وأجاب بصعوبة:

“وكل منهم كان يكتب قصة حياته بطريقته.”

ازداد وجه تاليس جدية.

ظل تاليس يمضغ الخبز عابسًا.

وكأن ريحًا جليدية تتسرب من أعماق عينيه.

وتذكر تامبا، صاحب حانة «بيتي»، وما أخبره به عن تاريخ معسكر أنياب النصل.

“إذن، بحسب كلامك، إذا تجاهلنا التفاصيل والحقيقة…”

كان ذلك عصر المرتزقة.

“سلام؟”

“صحيح…

استند سيريل إلى ظهر الكرسي.

“ماذا حدث لتامبا بعد ذلك؟”

عاد صوت الدوق حادًا نافذًا، حتى إن تاليس أراد غريزيًا تغطية أذنيه.

تابع الدوق:

لكن لم يبقَ في صوته شيء من خفة حديثه السابق أو مزاحه.

“في تلك الأيام، كان بعض رجال عظام القفر يتوقون إلى الحضارة ويهاجرون إلى الصحراء الغربية.”

“حقًا؟”

“وحين بلغت السن التي تسمح لي بركوب حصان حرب وبدأت دورياتي في الصحراء، كنت أرى هجناء القفر عند الحدود كثيرًا.”

كان وجهه باردًا.

ثم قال:

تسللت البرودة إلى عيني سيريل، فعقد تاليس حاجبيه.

“وإذا تحلى المرء بشيء من الجرأة وتبع القوافل التجارية إلى الصحراء، أتيحت له فرصة رؤية وجوه من نسميهم «أعداء البشرية».”

ازداد وجه تاليس جدية.

“لم يكن غريبًا ولا مستهجنًا أن ترى التجار والهجناء الرماديين تحمر وجوههم وهم يلوحون بأيديهم، يتجادلون ويساومون على الأسعار.”

تذكر تاليس كيف كان تامبا، صاحب الحانة، يتحسر على كساد تجارته.

“هجناء القفر…

وكأن ريحًا جليدية تتسرب من أعماق عينيه.

“الهجناء الرماديون…”

“منذ قليل، كشفت أمامي سرًا تلو الآخر، من هيرمان إلى درع الظل.”

تذكر تاليس ميكي، رجل عظام القفر في سيف دانتي العظيم.

جاء صوته مبهمًا:

وتذكر رافائيل ذا العينين الحمراوين الداكنتين.

“وسمعت أن بعض القوافل افتتحت طريقًا تجاريًا أسطوريًا يصل إلى واحات لا تحصى، ويمتد إلى أعمق مناطق الصحراء، بل وحتى إلى الممر الذهبي.”

و…

“…بقليل ضئيل جدًا.”

كاندارل نوشان، الأوركي الاستثنائي الذي منح تاليس “اسمه” عند بلوغه سن الرشد.

رفع نظره.

“وفي بعض الأحيان، كانت الغرف التجارية تحدد يومًا ثابتًا للتجارة في الصحراء، تمامًا كأسواق قرانا.”

“أتظن أن كتيبة الصدمة التي أنشأها ضمن وحدة غبار النجوم سميت «فرقة المسوخ» بسبب بعض السجناء النفسانيين الذين أخرجهم من السجن؟”

واصل سيريل:

لم يجب تاليس.

“وسمعت أن بعض القوافل افتتحت طريقًا تجاريًا أسطوريًا يصل إلى واحات لا تحصى، ويمتد إلى أعمق مناطق الصحراء، بل وحتى إلى الممر الذهبي.”

“دون أن ينتظر العالم إله الصحراء لينزل عليه الكارثة، تمتلئ الدنيا بالكوارث أصلًا.”

ظهرت في صوته مسحة حنين.

“لقد بدأنا نتحدث أخيرًا.”

“وكان ذلك دليلًا على أن الصحراء الكبرى لا تقل اتساعًا عن الكوكبة التي نفخر بها.”

لكن نظرته إلى الأمير ازدادت حدة.

ثم سأل:

توقفت يد فاكنهاز اليمنى للحظة عن العبث بنصف الثمرة.

“هل سمعت القصيدة الغنائية عن أبطال الفجر الثلاثة الذين بحثوا عن التنانين في الصحراء؟”

“…وفي قلب كل فرد من آل جادستار وقف يومًا في صف ورثة التاج.”

“هل سمعت قصة كاليغري، حاضرة الصحراء الكبرى التي تضم كنوزًا لا تحصى؟”

ثم أصبحت نظرته مركزة تدريجيًا.

“هل سمعت أسطورة الحرب القديمة لدى رجال عظام القفر عن إله حرب الصحراء؟”

“لقد رأينا الكثير… حتى فقدنا الإحساس.”

“أو قصة الرعب عن الإله المهرطق الذي يختبئ تحت الرمال الذهبية ويلتهم كل الكائنات الحية في العالم؟”

لكن نظرته إلى الأمير ازدادت حدة.

“أو أسطورة الكنوز التي لا تحصى، المتبقية من الإمبراطورية والمخبأة في أعماق الصحراء؟”

“ماذا جلبت لنا السنة الدموية؟”

حملت كلماته تسلية وحنينًا يصعب وصفهما.

“…بالقدر المناسب تمامًا.”

كان واضحًا أنه ما يزال يفتقد تلك الأيام.

عاد صوت الدوق حادًا نافذًا، حتى إن تاليس أراد غريزيًا تغطية أذنيه.

“في ذلك الوقت، كانت هذه حكايات آسرة جاءت من الصحراء الكبرى الغامضة.”

توقف.

“حملها معهم كثير ممن انطلقوا من الصحراء الغربية والكوكبة إلى أعماق الصحراء.”

ضحك الدوق حين رأى تاليس يرفع عينيه عن الخبز بانزعاج.

“ثم تحولت تلك الحكايات إلى أساطير تناقلتها الأجيال.”

“بحق إله الصحراء، لا يمكنني أن أقول إنه «لطيف»، أليس كذلك؟”

“قصائد.

ابتلع تاليس ريقه بصعوبة.

“حكايات.

و…

“أساطير.

“المهم هو ما جلبته السنة الدموية علينا…”

“الصحراء الكبرى القديمة والصحراء الغربية القديمة…”

“وحدها راية غبار النجوم الحمراء للجناح الأسطوري ترتفع في السماء.”

استمع تاليس بصمت، حتى نسي الخبز في يده.

زم تاليس شفتيه وعبس.

تنهد الدوق.

وكان ثمة شيء يصعب وصفه يملأ الأجواء.

“وهكذا، كان أهل الصحراء الغربية وأهل الصحراء الكبرى يحذر بعضهم بعضًا، لكنهم كانوا يحتاجون إلى بعضهم أيضًا.”

“وحين واجهت الأفق اللامتناهي الذي ترسمه الصحراء الكبرى…”

“كنا نتصادم أحيانًا، ونتعاون أحيانًا أخرى.”

لا ابتسامة.

“واستمر ذلك التوازن الغريب والمثير، ليمنح هذه الأرض التي عانت الجفاف آلاف السنين شيئًا من الحياة.”

ثم سأل:

ساد الصمت الغرفة لبضع ثوانٍ.

الصحراء المرعبة مليئة بالخطر في كل مكان.

قال فاكنهاز بخفوت:

“وعلى امتداد الثمانية عشر عامًا الماضية…”

“في الصحراء، كان من يعبدون إله الصحراء، أو ربما الأصح أن نقول من يخشونه، يرددون مقولة قديمة.”

“تاليس.”

ثم تلا:

“…ستظل الصحراء كما كانت.”

“إله الصحراء لا ينزل الكوارث، ومع ذلك تفنى جميع الكائنات في العالم…”

بدا سيريل كأنه يرثي شيئًا.

تحرك حاجبا تاليس، وأكمل غريزيًا:

“ويليامز؟

“وإله الصحراء لا يحتاج إلى أن يغفر للصحراء، ومع ذلك تنجو جميع الكائنات فيها.”

“طباعه غريبة، ولا يمكن التنبؤ بأفعاله. بارد، قاسٍ، وذوقه شاذ.”

لمعت عينا سيريل.

ثم أصبحت نظرته مركزة تدريجيًا.

وبدا متفاجئًا من معرفة تاليس بها.

فتح فمه بغضب واستسلام، وقضم الخبز الأبيض الطري.

“إذن تعرفها.”

“…ويبتلعه.”

ابتسم بخفة.

“وحدها راية غبار النجوم الحمراء للجناح الأسطوري ترتفع في السماء.”

“دون أن ينتظر العالم إله الصحراء لينزل عليه الكارثة، تمتلئ الدنيا بالكوارث أصلًا.”

“لا.”

“ودون أن ينتظر أحد عفوه، فإن مجرد وجود الصحراء الكبرى هو أعظم أشكال رحمته.”

“الصحراء الغربية القديمة؟”

بدا سيريل كأنه يرثي شيئًا.

لكن نظرته إلى الأمير ازدادت حدة.

“ألا تشعر بذلك؟”

“ماذا صنعت بالصحراء الغربية؟”

“إله الصحراء في هذه الكلمات محايد، متعالٍ، لا مبالٍ، يرى العالم كما هو ويفهمه تمامًا.”

اشتدت نبرته.

ثم سأل:

ثم تلا:

“ألا يشبه هذا الوصف الصحراء الكبرى نفسها؟”

“في ذلك الوقت، كانت هذه حكايات آسرة جاءت من الصحراء الكبرى الغامضة.”

لم يجب تاليس.

شخر دوق فاكنهاز ببرود.

تذكر تحذير رافائيل، رجل عظام القفر، له قبل مغادرته مدينة سحاب التنين.

“ما رأيي فيه؟”

لكن تفسير رافائيل للمقولة آنذاك كان:

“فالصحراء الكبرى تشهد كل يوم صراعات دامية، ونظامًا قاسيًا لا يرحم يحفظ توازنها.”

الصحراء المرعبة مليئة بالخطر في كل مكان.

“…والرؤوس المتدحرجة على الأرض.”

الضعفاء يخشون الكوارث.

“…ينهار.”

والمحظوظون يرجون النجاة.

“ماذا صنعت السنة الدموية بنا؟”

“«وحدهم من يتخلون عن الضعف والاتكال على الحظ يستطيعون تثبيت أقدامهم في الصحراء الكبرى القاسية.»”

“كلها جعلت الحياة جحيمًا لأمثالنا، نحن الذين موطننا الحقيقي هو الصحراء الغربية.”

وبالمقارنة، كان تفسير الدوق سيريل للمقولة يبعث القشعريرة، لكنه بدا أكثر…

“الصحراء الغربية القديمة؟”

اتزانًا وحيادًا.

“…أن يفعل أحدهم شيئًا.”

ولم ينته الدوق بعد.

“حسنًا، لا بد أن أعترف…”

تردد صوته خفيفًا في الغرفة الضيقة المضيئة أعلى البرج، بينما كانت الرياح الباردة تعصف فيها بلا توقف.

ابتسم ابتسامة خافتة.

“إذا عمّت الفوضى العالم، وبدا أن الكوارث لا تنتهي، فلا بأس.”

وبعد وقت، ظهرت على وجه سيريل ابتسامة خافتة.

“لأن أي كارثة، مهما بلغت، حين تصل إلى الصحراء ستدفنها الشمس التي لا ترحم والعواصف الرملية التي تهب منذ آلاف السنين.”

اشتدت عيناه.

“وإذا ساد السلام العالم، وغرق الجميع في الترف والرخاء، فلا بأس أيضًا.”

ثم تابع:

“فالصحراء الكبرى تشهد كل يوم صراعات دامية، ونظامًا قاسيًا لا يرحم يحفظ توازنها.”

استدار وأشار إلى تاليس.

“وستجبرك على تعلم كل ما تحتاج إليه للبقاء حيًا من جديد.”

والمحظوظون يرجون النجاة.

ضيق دوق الصحراء الغربية عينيه.

“…هو وجود وحش.”

“لا يمكن وصف العيش فيها بالمريح، لأن رحمتها ليست سوى وجه واحد من وجوهها.”

“وستجبرك على تعلم كل ما تحتاج إليه للبقاء حيًا من جديد.”

“وليست مرعبة أيضًا، لأن قسوتها…”

“لم نتعدَّ على أراضيهم، وهم أيضًا، سواء قبائل الأورك الثماني الكبرى أو قبائل عظام القفر الخمس الكبرى، لم يتعدوا على أراضينا.”

توقف قليلًا.

كان يشعر أن شيئًا ما على وشك الحدوث.

“…بالقدر المناسب تمامًا.”

“لم يكن غريبًا ولا مستهجنًا أن ترى التجار والهجناء الرماديين تحمر وجوههم وهم يلوحون بأيديهم، يتجادلون ويساومون على الأسعار.”

غرق تاليس في التفكير.

شخر ببرود.

رمى سيريل نواة الثمرة.

“وحش يتغذى على السلطة.”

وظهر بريق حاد في عينيه.

“…لا تريد أن تفهم؟”

“حتى لو غرق العالم كله بالطوفان…”

“المرسوم العام للكوكبة.

خفض صوته.

“ويليامز…”

“…ستظل الصحراء كما كانت.”

“الإنذارات التي لا تنتهي، والتمردات، وخطوط الدفاع التي لا تحصى…”

أطلق الدوق زفيرًا طويلًا، ثم التفت إلى تاليس.

“وستجبرك على تعلم كل ما تحتاج إليه للبقاء حيًا من جديد.”

وبدا كأنه أفاق أخيرًا من شروده.

“والسبب في كل ما اضطررنا إلى مواجهته…”

خفض تاليس رأسه فورًا، وتظاهر بعدم التأثر وانشغل بأكل خبزه.

“وفي كل مرة يخرج فيها لدورية في الصحراء، ترافقها أصوات حوافر الخيل…”

لكن سيريل لم يهتم.

“…ستظل الصحراء كما كانت.”

“حين كنت شابًا أقف في الصحراء الغربية، فوق هذه الأرض التي توارثتها أجيال عائلة فاكنهاز…”

ترددت كلمات غيلبرت في أذني الفتى.

نظر إلى البعيد.

وجسده المعاق.

“وحين واجهت الأفق اللامتناهي الذي ترسمه الصحراء الكبرى…”

توالى وقع العصا.

قال بهدوء:

وتسللت البرودة إلى ملامحه المرعبة.

“كان هذا ما تخبرني به.”

“وباتت القوانين والأنظمة التي تحكمه مختلفة عن قوانين الصحراء الغربية والصحراء الكبرى.”

ثم أضاف:

تغيرت نظرة سيريل.

“هذه هي ذكرياتي عن الصحراء الغربية القديمة.”

“سلام؟”

“الأرض التي ولدت ونشأت فيها.”

ابتسم ابتسامة خافتة.

وفي اللحظة التالية، تغيرت نبرة دوق الصحراء الغربية.

“اعترف بالأمر. حين التحق بالجيش لأول مرة خلال السنة الدموية، كان أكثر إزعاجًا من أولئك الصبية المتهورين الذين لا يعرفون الخوف، وأشد إثارة للنفور من المتنمرين المتغطرسين الذين لا يقبلون المنطق.”

“لكن…”

الصحراء المرعبة مليئة بالخطر في كل مكان.

تسللت البرودة إلى عيني سيريل، فعقد تاليس حاجبيه.

استمع تاليس بصمت، حتى نسي الخبز في يده.

“…انظر إليها الآن.”

رفع رأسه، وأصبحت نظرته عميقة.

في تلك اللحظة، شعر تاليس كأن السكون الثقيل في الغرفة اكتسب جسدًا.

“ألا يشبه هذا الوصف الصحراء الكبرى نفسها؟”

عاد صوت الدوق حادًا نافذًا، حتى إن تاليس أراد غريزيًا تغطية أذنيه.

دق، دق، دق.

“بعد السنة الدموية، استولت العائلة الملكية على معسكر أنياب النصل، وحولته إلى بلدة عسكرية بحتة.”

“هل رأيته يدفن أسرى الحرب أحياء ويجمع رؤوس القتلى؟”

“وباتت القوانين والأنظمة التي تحكمه مختلفة عن قوانين الصحراء الغربية والصحراء الكبرى.”

تكلم وهو يمضغ، فلم تكن كلماته واضحة تمامًا.

اشتدت نبرته.

لكن تاليس ظل يراقبه بحذر.

“لم يعد بيننا إنصاف ولا تعاون.”

ضاقت عيناه.

“ومع تقدم القوات النظامية منتصرة داخل الصحراء الكبرى…”

“تحولت أرض الصحراء الغربية…”

برد صوته.

تكلم الدوق ببطء، كوحش مفترس يقترب من فريسته.

“…ازداد كل شيء سوءًا.”

“الصحراء الغربية القديمة؟”

عقد تاليس حاجبيه قليلًا.

“ماذا حدث لتامبا بعد ذلك؟”

وتذكر الصدام بين القوات النظامية والمجندين المحليين.

وتابع بوضوح:

“المكان الذي كان يومًا خارج نطاق الحضارة تحول إلى ساحة حرب خطرة.”

“حملها معهم كثير ممن انطلقوا من الصحراء الغربية والكوكبة إلى أعماق الصحراء.”

“تناقص عدد التجار الرحالة.”

سخر بمرارة.

“وفقد المرتزقة مجدهم القديم.”

“ماذا جلبت لنا السنة الدموية؟”

“واختفى هجناء القفر من الحدود.”

“وفي تاج الملك الأعلى.”

“والتخوم التي كانت تضج بالحياة والصخب أصبحت خطرة، يلفها صمت الموت.”

“حكايات.

ثم قال:

وفي اللحظة التالية، تغيرت نبرة دوق الصحراء الغربية.

“انهارت جميع القواعد.”

كان يشعر أن شيئًا ما على وشك الحدوث.

“ولم يبقَ سوى الفوضى والدم.”

“كان أفظع من أفراد العصابات القساة عديمي الرحمة، وأقدر على إثارة الضغائن من جباة الضرائب الذين يستنزفون المدنيين طبقة بعد طبقة، وأكثر إثارة للاشمئزاز من طاغية يرى نفسه فوق الجميع.”

تذكر تاليس كيف كان تامبا، صاحب الحانة، يتحسر على كساد تجارته.

تكلم فاكنهاز ببطء:

“أما الأورك ورجال عظام القفر في الصحراء الكبرى، فكلما ظهروا، جاؤوا بأعداد هائلة ومدججين بالسلاح.”

وكأن ريحًا جليدية تتسرب من أعماق عينيه.

“ولا يتركون حيًا وراءهم أينما مروا.”

توقف.

تغيرت نظرة سيريل.

“سلام؟”

“الإنذارات التي لا تنتهي، والتمردات، وخطوط الدفاع التي لا تحصى…”

“لا أحب إحاطة الأمور بالغموض دون داعٍ، ولا أحب الدوران حول الموضوع.”

شخر ببرود.

“تناقص عدد التجار الرحالة.”

“كلها جعلت الحياة جحيمًا لأمثالنا، نحن الذين موطننا الحقيقي هو الصحراء الغربية.”

بدا وجهه الجاف الذابل كجمجمة يابسة.

ثم تابع:

“وبسببه، تنهار الصحراء الغربية…”

“وحدها راية غبار النجوم الحمراء للجناح الأسطوري ترتفع في السماء.”

“لا أفهم.”

“وفي كل مرة يخرج فيها لدورية في الصحراء، ترافقها أصوات حوافر الخيل…”

اشتدت عيناه.

اشتدت عيناه.

استدار وأشار إلى تاليس.

“…والرؤوس المتدحرجة على الأرض.”

رفع تاليس رأسه، وكانت نظرته ثابتة حازمة.

“ويترك وراءه مجد العائلة الملكية…”

وبدا متفاجئًا من معرفة تاليس بها.

توقف.

دوي!

“…ودم الصحراء الغربية.”

“إنه يختبئ في أعمق زوايا قصر النهضة.”

خفض صوته.

كانت نظرته إلى الخارج حادة محتقرة، وكأنه استعاد ذكرى مزعجة.

“أما الكراهية والضغينة بين القبائل الثماني الكبرى والقبائل الخمس الكبرى وبيننا…”

استرخى الدوق وانتظر جوابه باهتمام.

“فلم تفعلا سوى التعمق.”

“فعلت ذلك لتختبر مقدار ما أعرفه.”

ابتلع تاليس آخر لقمة من الخبز.

هز رأسه وطقطق بلسانه.

ولم يتكلم.

“كان يعرف كل شيء.”

كان يشعر أن شيئًا ما على وشك الحدوث.

لكن تاليس ظل يراقبه بحذر.

وفجأة ارتفع صوت سيريل:

وبدأ يفهم تدريجيًا.

“ماذا جلبت لنا السنة الدموية؟”

“فالصحراء الكبرى تشهد كل يوم صراعات دامية، ونظامًا قاسيًا لا يرحم يحفظ توازنها.”

ثم قال:

“كان دائم التردد على الأطلال، ويمكن القول إننا نشأنا معًا وكنا كالأخوين.”

“لا أعرف.”

تكلم فاكنهاز ببطء:

جعل صوته البارد الحاد ووجهه المرعب تاليس يشعر بالخطر.

“كان الأمر عادلًا، متفقًا عليه، وطبيعيًا.”

“كل ما أعرفه هو أنه بعد السنة الدموية، وبعد مقتل هيرمان واندلاع الحرب…”

“لا أعرف.”

توقف.

“كل من تعامل معه عانى بسبب أفعاله.”

“وعلى امتداد الثمانية عشر عامًا الماضية…”

“قل ما تفكر فيه مباشرة.”

بدأ ينطق كلماته واحدة تلو الأخرى بقوة هائلة.

“يراقب كل طرف الآخر من بعيد، ويتعامل معه بحذر مكتوم، ثم يمضي كل منا في حياته ولا يتدخل في شؤون الآخر.”

“تحولت أرض الصحراء الغربية…”

تغير تعبير تاليس وغرق في التفكير.

اشتدت نظرته.

أطلق سيريل همهمة وأومأ، ثم استدار وبصق نواة الثمرة.

“…إلى شيء آخر.”

“يتواصلون ويتاجرون ويتنافسون ويتقاتلون ويتصادمون ويمتزجون بقطاع طرق الصحراء والمنفيين والأورك ورجال عظام القفر، بل وحتى بأصحاب المهن نفسها القادمين من الطرف الآخر للصحراء.”

دوي!

“وفي تاج الملك الأعلى.”

رغم أن تاليس رأى الدوق يضغط على الكرسي وينهض بحزم، فإنه انتفض حين ضربت العصا الأرض.

“لا بد أن أباك أيضًا…”

دق، دق، دق.

لمعت عينا سيريل.

توالى وقع العصا.

تذكر تاليس هدوء الرجل وهو يقتلع عيني ستيك والدم يتناثر في كل مكان، ثم حين انتزع فك الجثة.

لم يكن دوق الصحراء الغربية طويلًا ولا ضخم الجسد، لكن اقترابه حمل برودة غريبة تبعث القشعريرة.

توقف دوق الصحراء الغربية قليلًا.

حتى توقف أمام تاليس.

“كلها جعلت الحياة جحيمًا لأمثالنا، نحن الذين موطننا الحقيقي هو الصحراء الغربية.”

“والآن، يا صاحب السمو.”

“وفي تاج الملك الأعلى.”

نظر سيريل فاكنهاز إليه ببرود.

خفض الفتى رأسه، وسار مع الدوق في مسار حديثه.

وحملت عيناه معنى واضحًا:

“وماذا صنعت بمن عاشوا على هذه الأرض جيلًا بعد جيل؟”

لن يسمح له بالتهرب.

رمق تاليس وجهه الجانبي، وفجأة بدا له دوق فاكنهاز شاردًا.

“حان دورك لتخبرني.”

“البارون…”

توقف لحظة.

هز تاليس رأسه بحزم.

“ماذا صنعت السنة الدموية بنا؟”

رغم وجهه القبيح…

“ماذا صنعت بالصحراء الغربية؟”

“أبي كان يعرف، أليس كذلك؟”

“وماذا صنعت بمن عاشوا على هذه الأرض جيلًا بعد جيل؟”

لكن تفسير رافائيل للمقولة آنذاك كان:

ابتلع تاليس ريقه بصعوبة.

“…وما ينبغي لنا فعله حيال ذلك.”

للمرة الأولى، شعر أن دوق الصحراء الغربية، الذي اعتاد السخرية والمزاح اللاذع والتهكم، يملك جانبًا مخيفًا إلى هذا الحد.

تذكر تاليس هدوء الرجل وهو يقتلع عيني ستيك والدم يتناثر في كل مكان، ثم حين انتزع فك الجثة.

رغم وجهه القبيح…

“لا أفهم.”

وجسده المعاق.

لم يكمل تاليس.

كبح الأمير تخميناته وأجاب بصعوبة:

توقف لحظة.

“لا أفهم.”

تنهد الدوق.

“لا تفهم؟”

رمش تاليس.

ابتسم سيريل بسخرية.

شخر سيريل.

لكن لم يبقَ في صوته شيء من خفة حديثه السابق أو مزاحه.

“المرسوم العام للكوكبة.

“أم أنك…”

“منذ قليل، كشفت أمامي سرًا تلو الآخر، من هيرمان إلى درع الظل.”

ضاقت عيناه.

“ربما لا تخلو العبقرية من بعض الأطوار الغريبة؟”

“…لا تريد أن تفهم؟”

“ويليامز…”

بدا وجهه الجاف الذابل كجمجمة يابسة.

عاد صوت الدوق حادًا نافذًا، حتى إن تاليس أراد غريزيًا تغطية أذنيه.

وكأن ريحًا جليدية تتسرب من أعماق عينيه.

“وفي قبور أسلافك.”

أراد تاليس الكلام.

لكن تفسير رافائيل للمقولة آنذاك كان:

لكن الدوق لم يمنحه الفرصة.

رفع يديه غريزيًا وتلقى…

“السبب في وقوع السنة الدموية…”

ساد الصمت الغرفة لبضع ثوانٍ.

قال دوق الصحراء الغربية ببرود:

“كان دائم التردد على الأطلال، ويمكن القول إننا نشأنا معًا وكنا كالأخوين.”

“والسبب في كل ما اضطررنا إلى مواجهته…”

“…وفي قلب كل فرد من آل جادستار وقف يومًا في صف ورثة التاج.”

توقف.

نظر سيريل فاكنهاز إليه ببرود.

“…هو وجود وحش.”

أطلق الدوق همهمة وهز رأسه بخفة، كأنه تذكر شيئًا.

“ماذا؟”

رددها بخفوت.

عقد تاليس حاجبيه في حيرة.

“وحدها راية غبار النجوم الحمراء للجناح الأسطوري ترتفع في السماء.”

“وحش؟”

وكان ثمة شيء يصعب وصفه يملأ الأجواء.

دوي!

“وهكذا، كان أهل الصحراء الغربية وأهل الصحراء الكبرى يحذر بعضهم بعضًا، لكنهم كانوا يحتاجون إلى بعضهم أيضًا.”

ضرب سيريل الأرض بعصاه بعنف.

“…انظر إليها الآن.”

“صحيح!”

“لقد رأينا الكثير… حتى فقدنا الإحساس.”

لم تترك نبرته مجالًا للشك.

“كان عدد لا يحصى من التجار الرحالة والرعاة والمرتزقة والمغامرين يدخلون الصحراء الكبرى ويخرجون منها بحرية.”

وكانت كراهيته عميقة واضحة.

ابتسم سيريل بسخرية، ومد يده ليلتقط ثمرة حمراء بحجم قبضة اليد لم يعرف تاليس نوعها، ثم مسحها بكمه.

“وحش يتغذى على السلطة.”

“ولم يبقَ سوى الفوضى والدم.”

“يقيس الأشياء بالأرواح.”

لم ينظر إليه سيريل، واكتفى بهمهمة خافتة دون تعليق.

“ويعيش على الدمار.”

رفع يديه غريزيًا وتلقى…

كان ظهر الدوق مواجهًا للضوء.

“وأيضًا… يتمتع بموهبة ومهارة استثنائيتين، وهو وسيم؟”

وبدت الأخاديد العميقة في وجهه موحشة بصورة لا توصف، بينما رفرفت ثيابه في الريح الباردة التي اجتاحت البرج.

أشاح تاليس بنظره، محاولًا ألا يركز على الثمرة التي كان سيريل يمضغها ويسحقها في فمه بينما يتكلم.

“تاليس.”

“ويليامز؟

ثبت عينيه عليه.

“وحين واجهت الأفق اللامتناهي الذي ترسمه الصحراء الكبرى…”

“إنه يختبئ في أعمق زوايا قصر النهضة.”

ثم قال:

“وفي تاج الملك الأعلى.”

وبالمقارنة، كان تفسير الدوق سيريل للمقولة يبعث القشعريرة، لكنه بدا أكثر…

“وفي قبور أسلافك.”

وتذكر الصدام بين القوات النظامية والمجندين المحليين.

ثم قال:

“في ذلك الوقت، كانت هذه حكايات آسرة جاءت من الصحراء الكبرى الغامضة.”

“…وفي قلب كل فرد من آل جادستار وقف يومًا في صف ورثة التاج.”

ظهرت في صوته مسحة حنين.

رمش تاليس.

ابتلع تاليس آخر لقمة من الخبز.

وبدأ يفهم تدريجيًا.

لن يسمح له بالتهرب.

كان يتحدث مجازًا.

لكن الدوق لم يمنحه الفرصة.

“في كل مرة يستيقظ فيها ذلك الوحش داخل قلب أحدهم…”

“…ازداد كل شيء سوءًا.”

خفض سيريل صوته.

“…ستظل الصحراء كما كانت.”

“…ويمد مخالبه وأنيابه…”

ظل ينظر إلى الحياة الصاخبة خارج النافذة.

“يصنع دوامة مرعبة.”

ضحك سيريل.

“ويحاول أن يمتص كل شيء في المملكة، ويسحقه، وينخره…”

“ربما لا تخلو العبقرية من بعض الأطوار الغريبة؟”

اشتدت عيناه.

تسلل إليه شعور بالانزعاج.

“…ويبتلعه.”

“وحدها راية غبار النجوم الحمراء للجناح الأسطوري ترتفع في السماء.”

“وبسببه، تنهار الصحراء الغربية…”

خفض صوته.

توقف وهز رأسه.

“السبب أن رومان ويليامز نفسه، الجناح الأسطوري، يخفي تحت ذلك الوجه الوسيم رجلًا لا يأبه بالقواعد ولا بالمصالح، ولا يعرف الرحمة ولا الولاء.”

“لا.”

خفض سيريل صوته.

“ليس الصحراء الغربية وحدها.”

“ماذا؟”

“كل ما كان يشكل الكوكبة القديمة…”

“السبب في وقوع السنة الدموية…”

أخذ يسرد الكلمات ببطء.

ضحك سيريل ببرود.

“…ينهار.”

“لا تفهم؟”

“…ويتداعى.”

وتابع:

“…ويختفي.”

“يراقب كل طرف الآخر من بعيد، ويتعامل معه بحذر مكتوم، ثم يمضي كل منا في حياته ولا يتدخل في شؤون الآخر.”

“…ويتلاشى.”

كان ذلك عصر المرتزقة.

وفي أعلى البرج، رفع سيريل فاكنهاز، دوق الصحراء الغربية، إصبعه نحو الأمير تاليس.

رمى سيريل نواة الثمرة.

كان وجهه باردًا.

“طباعه غريبة، ولا يمكن التنبؤ بأفعاله. بارد، قاسٍ، وذوقه شاذ.”

ونظرته ثابتة لا تتزعزع.

“الهجناء الرماديون…”

أما تاليس، فظل جادًا متأهبًا بالكامل.

“عليك الرحيل.”

قال الدوق:

تسللت البرودة إلى عيني سيريل، فعقد تاليس حاجبيه.

“ولا بد…”

“…ووقح.”

توقف.

في تلك اللحظة، شعر تاليس كأن السكون الثقيل في الغرفة اكتسب جسدًا.

“…أن يفعل أحدهم شيئًا.”

“ولا يتركون حيًا وراءهم أينما مروا.”

🔥 تحدي أغسطس 2026 ⏳ 12 يوم متبقي
69,410 شعلة الهدف: 66,666
104.1%
🎉 حققنا هدف الشهر، شكرًا لكل الداعمين!
×

شراء عملة الشعلة

🥇M. K🔥 40,000
🥈Yazeed Alsaedi🔥 105
🥉Ahmed khirallh🔥 100
4السيد الشاب🔥 100
5med abda🔥 100
6ABDULWAHAB ALKHALAF🔥 100
7A k🔥 100
8Wassim Sun🔥 100
9Arhama Alnuaimi🔥 100
10lsas xzpo🔥 100

ثم قضم الثمرة بسعادة ورضا، متجاهلًا تمامًا نظرات تاليس المرتابة.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط