السلطة تنبع من العنف (1)
السلطة تنبع من العنف (1)
قال:
وحش يتغذى على السلطة.
“ميريل هيكس عبر الصحراء وسافر شمالًا إلى إيكستيدت…
لم يستطع تاليس منع صورة شخص غاب عن ذهنه منذ زمن طويل من الظهور مجددًا.
رجل يحمل صولجانًا ويعتمر تاجًا.
“هل لأننا، نحن الحكام، نتمتع بحكمة كافية، ولا يضاهينا أحد في الحيلة والتدبير؟ وهل يحكم زعيم أهل الشمال شعبه لأنه شجاع، ويتقدم دائمًا إلى الأمام حين يظهر الخطر؟”
والده.
ارتفع صوت سيريل مجددًا، فأعاد تاليس من ذكرياته إلى الحاضر.
رجل تملؤه مهابة تجعل الاقتراب منه أمرًا عسيرًا.
قال الدوق بتأمل:
غرق الأمير في التفكير لبضع ثوانٍ.
“واعتاد الملوك الجلوس على عروشهم في مكان مرتفع فوق الجميع…”
“أنت لا يعجبك الوضع الحالي في الصحراء الغربية، ولا تريد أن تنسى كيف كانت في الماضي، حين كانت تنتمي إلى عائلة فاكنهاز وحدها، أليس كذلك؟ ولهذا تأمل أن أفعل شيئًا.”
“وهي السبب الذي يجعل عددًا لا يحصى من الناس مستعدين للخضوع لنا.”
رفع الأمير رأسه ونظر إلى سيريل، وازدادت نبرته حذرًا.
لم يبتسم سيريل.
“هل تعلم أن أحدهم قال لي كلامًا مشابهًا قبل ست سنوات، عندما غادرت مدينة النجم الأبدي؟”
قال سيريل:
ثبت دوق الصحراء الغربية عينيه على تاليس لبضع ثوانٍ قبل أن يبتسم.
“لكننا عاجزون عن فعل أي شيء.”
“لا، يا صاحب السمو.”
“لماذا هذا الوجه؟”
أطلق فاكنهاز زفيرًا بطيئًا واستدار نحو النافذة.
“إذن دوق الصحراء الغربية الحامي وهيكس الغراب العجوز…”
“أرجوك ألا تضعني في خانة أولئك الحمقى المحافظين المتشبثين بالتقاليد والقواعد القديمة، أو المهووسين بأمجاد الماضي إلى درجة يرفضون معها فتح أعينهم والنظر إلى المستقبل… وإن كان بين أقراني عدد لا بأس به من هؤلاء.”
أو كأنه يتأمل رقعة شطرنج.
طقطق تاليس بلسانه.
لسبب ما، تذكر تاليس الملك نوفين.
“إذن ما الذي يجعلك مختلفًا عنهم؟”
“ولم ينتصر في ذلك المؤتمر وحده.”
هذه المرة، ظل سيريل صامتًا طويلًا.
أشار إلى الخارج.
وقف ساكنًا، يطل من الأعلى على الحركة الصاخبة في المعسكر الذي بدا غارقًا في الفوضى.
وتذكر قصر الروح البطولية الذي فقد أساسه المستقر، وأصبح وضعه هشًا بعد موت الملك المولود.
“لماذا يا تاليس…”
“أما كلامك عن أنها مجرد عقبات علينا تجاوزها، وطريق لا بد أن نسلكه قبل بلوغ القمة…”
تكلم دوق الصحراء الغربية أخيرًا، وفي صوته شيء من التأمل.
ثم سأله:
“لماذا يحق لنا حكم هذه الأرض؟”
“أتقول إن أفعال أبي ستؤدي في النهاية إلى فوضى يصعب احتواؤها، حتى بأساليبه في حكم البلاد؟”
عبس أمير الكوكبة، ولم يتخلَّ عن حذره.
عقد تاليس حاجبيه ببطء.
قال سيد عائلة فاكنهاز بفتور:
لكن…
“لماذا يحق لنا التمتع بمكانة تضعنا فوق الجميع؟ أنا، بصفتي الدوق الحالي الذي يحكم الصحراء الغربية، وأنت، الذي سيحكم الكوكبة كلها مستقبلًا عندما تعتلي العرش؟”
“خلال بضعة قرون فقط، جرّد قصر النهضة النبلاء، خطوة بعد خطوة، بلطف وببطء ولكن بثبات، من سلطاتهم.”
كان سيريل ينتقل بين المواضيع بسرعة مزعجة، ويخفي السخرية بين كلماته، بل ويلقي على تاليس شيئًا من التهكم بالكاد يُلحظ.
“سلطة توريث إرث العائلة.”
وبالنسبة إلى الأمير الذي اعتاد أسلوب أهل الشمال المباشر، كان التعامل معه مرهقًا للغاية.
وتوقفت كلماته فجأة.
“هل لأننا، نحن الحكام، نتمتع بحكمة كافية، ولا يضاهينا أحد في الحيلة والتدبير؟ وهل يحكم زعيم أهل الشمال شعبه لأنه شجاع، ويتقدم دائمًا إلى الأمام حين يظهر الخطر؟”
وكما توقع، غير دوق الصحراء الغربية مسار الحديث.
وقف الدوق أمام النافذة، وامتد ظل جسده النحيل الواهن على الأرض.
هذه المرة، ظل سيريل صامتًا طويلًا.
“أم أنك قادر على حكم الناس لأنك رحيم ونزيه وتهتم بهم؟ أم لأن هذا مجد ورثته عن أسلافك، وسلطة تنتقل من جيل إلى آخر؟”
“لذلك اعتادوا هم بدورهم أن يفعلوه، ثم أصبح عليهم إقناع أطفالهم بأن يفعلوا الشيء نفسه.”
تحولت نبرته إلى ذلك التهكم الذي يحبه.
وفجأة استدار سيريل.
“أم لعلها حقًا دعوة القدر، وقد اختارك الناس بإرادتهم، والدم الذي يجري في عروقك يستطيع فعلًا أن…”
“كل ما تفعله أنك تستخدم نبرة توحي بأنك لا يمكن أن تخطئ، دون أن تقدم أي معلومة مفيدة.”
ابتسم.
قال سيريل:
“…يتوهج؟”
“بل انتصر على المملكة بأكملها.”
وكعادته، لم يقل الدوق سوى نصف ما يريد قوله.
“هل فتحت عينيك؟”
حدق في تاليس كمن ينتظر عرضًا مسليًا.
في الصراعات السياسية داخل المملكة، كان أبوه دائمًا صاحب اليد العليا.
ظل الفتى صامتًا لبضع ثوانٍ.
“إنه ضعيف ومثير للشفقة…”
ثم تنهد تاليس بعمق.
“واعتاد الكهنة الثرثرة عن الآلهة.”
“منذ بداية حديثنا وحتى الآن… من الذي علمك الكلام بهذه الطريقة، يا دوق فاكنهاز؟ هل تخصصه تعليم الحمقى؟”
“عائلات ازدهرت قرونًا سقطت.
“ماذا؟”
ازداد القلق على وجه تاليس.
تجمدت ابتسامة سيريل.
رفع الدوق رأسه وضيق عينيه.
هز تاليس كتفيه باستسلام.
لم يستطع تاليس منع صورة شخص غاب عن ذهنه منذ زمن طويل من الظهور مجددًا.
“تعرف، لم أدرك إلا اليوم مدى كرهي للأسئلة البلاغية.”
اشتدت نظرته.
“الأسئلة البلاغية؟”
توقف وصحح:
ازدادت الحيرة على وجه الدوق.
“وفقد النبلاء القدامى سلطتهم، وحل محلهم نبلاء جدد.”
لكن الأمير لم يسايره.
خفض صوته.
بل نظر إليه بوجه خالٍ من التعبير.
“ذكر الغراب العجوز في رسالته أنك كنت مهتمًا إلى حد ما بالملك الفاضل.”
“نصيحة مني، أيها الدوق غير المرحب به: عندما تناقش أحدًا أو تفاوضه، فإن طرح الأسئلة البلاغية لتبدو غامضًا لا يجعلك سوى مهرج يضحك ويستعرض أمام الجمهور.”
تنهد الدوق.
رفع حاجبيه.
“بالنسبة إليّ، هذا هو الشيء الوحيد الذي يسمح لنا بالحفاظ على حكمنا.”
“كل ما تفعله أنك تستخدم نبرة توحي بأنك لا يمكن أن تخطئ، دون أن تقدم أي معلومة مفيدة.”
في الصراعات السياسية داخل المملكة، كان أبوه دائمًا صاحب اليد العليا.
ومع إجابة تاليس الباردة، توتر وجه فاكنهاز تدريجيًا.
لكن…
“إذا كنت تعرف الجواب، فقله بصيغة تقريرية. وإذا كنت ترفض شيئًا، فقل «لا» وانتهى الأمر.”
“والناس بدورهم يجعلون العالم يستمر بهذه الطريقة، لأنهم يكررون تلك العادات ويمارسونها طوال أعمارهم المحدودة.”
ثم أضاف:
“على أطفالهم، وشيوخهم، وأقاربهم، وجيرانهم، والغرباء، والسادة، والخدم، والأقران، والرؤساء، والمرؤوسين.”
“لأن أحدًا لا يهتم بفك ألغاز أسئلتك البلاغية، سوى أنك تستفز مشاعر من يسمعها.”
“أبوك انتصر.”
وبعد أن انتهى، غرس تاليس خنجره في لوح رأس السرير.
لسبب ما، تذكر تاليس الملك نوفين.
ساد الصمت طويلًا.
“واعتاد المسؤولون إصدار الأوامر وتلقيها.”
ولم يُسمع سوى صفير الريح الباردة.
“يا صاحب السمو، بيني وبينك روابط كثيرة لا نراها بأعيننا.”
حدق سيريل في تاليس وكأنه يراه للمرة الأولى.
وقال:
ارتفعت زاويتا شفتيه، ثم هبطتا من جديد.
“وسلطة حشد الجيوش.”
بدا كأنه يريد الكلام، لكنه لا يعرف ماذا يقول.
“طريق لا بد أن نسلكه قبل بلوغ القمة؟”
أما تاليس، فعقد ذراعيه أمام صدره كأن الأمر لا يعنيه.
كان الدوق يتكلم بسرعة، تمامًا كخطواته.
أمال رأسه ببراءة، وزم شفتيه وهو ينتظر جواب سيريل.
عاد سيريل يمشي بمحاذاة الجدار.
في النهاية، أغمض سيريل عينيه وخفض رأسه، ثم أطلق تنهيدة طويلة.
“تعرف، رغم أن كلا اللاعبين يرى تحركات الآخر بوضوح، فإن ما يجعل هذه اللعبة ممتعة حقًا هو أن كل حركة نراها تفتح أمامنا عددًا لا ينتهي من النتائج المحتملة.”
“لهذا لا أحب أهل الشمال.”
ابتسم.
رفع تاليس حاجبيه وقاطعه فورًا:
توقف قليلًا.
“لا، السبب ببساطة أن وجودك غير مرحب به.”
“والدمار الذي يسبق انقضاء الإعصار…”
توقف سيريل مرة أخرى.
لكنه رفع رأسه في النهاية.
وللحظة، عجز عن الرد.
أدرك فجأة أن التاريخ الذي يتحدث عنه سيريل يمتد إلى ما هو أبعد بكثير مما ذكره لامبارد قبل سنوات في قصر الروح البطولية بمدينة سحاب التنين.
“لنواصل.”
وقف الدوق أمام النافذة، وامتد ظل جسده النحيل الواهن على الأرض.
أطلق تاليس زفيرًا بعدما قال ما أراد.
“وفقد النبلاء القدامى سلطتهم، وحل محلهم نبلاء جدد.”
جلس على السرير واتكأ إلى لوح الرأس، ثم بسط ذراعيه براحة.
رفع حاجبيه.
“بأي أساس يحق لنا الحكم؟ تفضل، لا تدعني أقاطعك.”
“وهي السبب الذي يجعل عددًا لا يحصى من الناس مستعدين للخضوع لنا.”
تنهد سيريل في داخله.
توقف.
“لقد قاطعتني منذ زمن أصلًا.”
ردد تاليس الكلمة في ذهنه.
ظل الدوق صامتًا قليلًا، ثم عاد إلى الكلام.
كان سيريل ينتقل بين المواضيع بسرعة مزعجة، ويخفي السخرية بين كلماته، بل ويلقي على تاليس شيئًا من التهكم بالكاد يُلحظ.
“في الحقيقة، لا أؤمن بأن حقنا في الحكم يأتي من أي سبب مما ذكرته، يا تاليس.”
بذل تاليس جهده لتجاهل المعنى الخفي في كلمات سيريل.
توقف.
اشتدت نبرته.
“لا أؤمن بذلك إطلاقًا.”
وتذكر تلك الفتاة المسكينة التي جلست مرتجفة على مقعد الدوقة الكبرى…
قال تاليس، مشددًا على كل مقطع:
“نصيحة مني، أيها الدوق غير المرحب به: عندما تناقش أحدًا أو تفاوضه، فإن طرح الأسئلة البلاغية لتبدو غامضًا لا يجعلك سوى مهرج يضحك ويستعرض أمام الجمهور.”
“ممتاز!”
توقف.
تجمد سيريل مرة أخرى.
وفي تلك اللحظة، تخلى دوق الصحراء الغربية عن أسلوبه الساخر العابث، وربما المتعمد في إظهار الجهل، وهو أمر نادر منه.
رفع تاليس سبابته نحوه وهو يشعر براحة كبيرة.
“وربما يكون هذا هو التيار العام الذي تسير فيه الكوكبة، تيارًا لم يتوقف يومًا.”
“الآن نستطيع التحدث أخيرًا.”
رفع تاليس حاجبيه دون وعي، ثم أطلق همهمة خافتة.
وأضاف:
“أظن أنني بدأت أفهم ما تريد فعله.”
“أرأيت؟ ليس من الصعب إجراء حوار طبيعي. تابع هكذا.”
خفض صوته.
كان سيريل قد استعاد رباطة جأشه لتوه، لكن كلمات تاليس أصابته بالإحباط من جديد.
“إنه ضعيف ومثير للشفقة…”
تنهد الدوق.
ثم أضاف:
“الفتى أمامي لم يعد ذلك اللقيط الذي عرفته قبل ست سنوات، ذلك الصغير الذي كان يحب استعراض ذكائه، ويقبض يديه محمر الوجه متظاهرًا بأنه أمير…”
واحتاج إلى بضع ثوانٍ ليرتب القصة في ذهنه.
تغيرت نظرته.
قال تاليس، مشددًا على كل مقطع:
“إنه تاليس جادستار.
“كل قطعة تحركها لا تؤثر في الوضع الحالي وحده، بل في الوضع بعد بضع خطوات، وبعد عشرات الخطوات، وحتى بعد مئة خطوة.”
“نجم من النجوم القائمة وراء حدود الكون.”
وأخيرًا، أظلم وجه تاليس وقال ببطء:
ومع هذه الفكرة، أدار الدوق جسده قليلًا، وانعكس الضوء البارد على وجهه القبيح.
“لكن هل تظن أن أهل الإقليم الشمالي، المنحدرين من الأصل نفسه الذي ينحدر منه الإيكستيدتيون، سيشعرون بالرضا والطمأنينة عن هذه النتيجة، بعدما انكشفت مؤامرة العقل المدبر وعاد السلام إلى الشمال؟”
“الأمير تاليس، من وجهة نظري…”
“بأي أساس يحق لنا الحكم؟ تفضل، لا تدعني أقاطعك.”
قال سيريل:
“وسلطة نقل الألقاب إلى الأبناء.”
“العادة هي الحاكم الحقيقي للأرض، والمملكة، بل والعالم كله.”
“لقد قاطعتني منذ زمن أصلًا.”
ثم أردف:
توقف قليلًا.
“وهي السبب الذي يجعل عددًا لا يحصى من الناس مستعدين للخضوع لنا.”
“وهكذا سقطت عائلات ازدهرت قرونًا.”
“العادة.”
ثم تذكر كيف قاده السيف الأسود لاختراق الحصار الكثيف الذي صنعته كيلكا الهيدرا من اللحم والدم.
ردد تاليس الكلمة في ذهنه.
“لكنك قلت أيضًا إن ذلك التيار لم يتوقف يومًا، وإن كل من حاول إيقافه أحمق، ومحاولته ستنتهي بالفشل.”
“العادة… العادة…”
“واعتاد الجيش العنف.”
أخذ يتأمل كلام سيريل.
“وبصورة أدق…”
وفجأة، بدأ يدرك شيئًا.
“مجرد؟”
بعدما انتزع من سيريل حق قيادة الحديث، بدأ تاليس يلتقط تدريجيًا جوهر كلامه المتواري خلف نبرته اللامبالية، تلك النبرة التي كانت تجعل أهم كلماته تبدو عابرة.
“حين كنت شابًا طائشًا، جاء عالم غريب الأطوار من أرض قبلة التنين ليعمل معلمًا لي.”
في تلك اللحظة، اتكأ سيريل إلى عصاه، وأخذ يخطو في الغرفة بخطوات متعثرة.
توقف تاليس قليلًا.
“اعتاد الرجال الخروج للعمل وإعالة أسرهم.”
“تبًا.”
“واعتادت النساء البقاء في المنازل وتربية الأطفال.”
تذكر تاليس سلوك رومان المتغطرس والمتسلط مع كل من قابله تقريبًا.
“واعتاد التجار التنقل من مكان إلى آخر وبيع البضائع المزيفة والرديئة.”
كانت نظرته مظلمة عميقة.
“واعتاد الفلاحون دفع الضرائب والتجنيد في الجيوش.”
“أنت لا يعجبك الوضع الحالي في الصحراء الغربية، ولا تريد أن تنسى كيف كانت في الماضي، حين كانت تنتمي إلى عائلة فاكنهاز وحدها، أليس كذلك؟ ولهذا تأمل أن أفعل شيئًا.”
“واعتاد النبلاء حكم البلاد.”
ثم سأل:
“واعتاد الكهنة الثرثرة عن الآلهة.”
وللحظة، عجز عن الرد.
“واعتاد الجيش العنف.”
مر في ذهن تاليس وجه ليانا تابارك، دوقة تل حافة النصل، وقد غطاه ضباب الذاكرة.
“واعتاد المسؤولون إصدار الأوامر وتلقيها.”
ثم أضاف:
“واعتاد الكتّاب التأخر في تسليم مخطوطاتهم.”
“حين كنت شابًا طائشًا، جاء عالم غريب الأطوار من أرض قبلة التنين ليعمل معلمًا لي.”
“واعتاد السادة إصدار الأوامر بتعالٍ.”
“طريق لا بد أن نسلكه قبل بلوغ القمة؟”
“واعتاد الملوك الجلوس على عروشهم في مكان مرتفع فوق الجميع…”
كانت ملامح سيريل فاكنهاز جادة.
كان الدوق يتكلم بسرعة، تمامًا كخطواته.
“ومخالب النسر، كيسيل الثالث.”
وكأنه يتسلق جبلًا لا يرى قمته.
ازداد القلق على وجه تاليس.
“اعتاد الناس الدفع حين يشترون شيئًا، والعقاب حين يرتكبون جريمة، وخفض رؤوسهم أمام الموت، ورفعها حين تلوح فرصة للنجاة…”
هذه المرة، ظل سيريل صامتًا طويلًا.
بدا سيريل شاردًا.
وأضاف:
مرر يده اليسرى برفق على الجدار القديم، وأصبح تعبيره جادًا إلى درجة جعلت تاليس يعتدل في جلسته دون وعي.
“هل سيرتجف أتباعي أمام الجناح الأسطوري، ويعجزون عن النهوض مجددًا؟”
“العادة…”
وتذكر مدينة سحاب التنين التي تخلى عنها أتباعها وأحاط بها الأعداء.
قالها سيريل بخفوت.
“حين كنت شابًا طائشًا، جاء عالم غريب الأطوار من أرض قبلة التنين ليعمل معلمًا لي.”
“هكذا تتشكل عاداتهم.”
“أرجوك ألا تضعني في خانة أولئك الحمقى المحافظين المتشبثين بالتقاليد والقواعد القديمة، أو المهووسين بأمجاد الماضي إلى درجة يرفضون معها فتح أعينهم والنظر إلى المستقبل… وإن كان بين أقراني عدد لا بأس به من هؤلاء.”
ثم أوضح:
“لكن بالمثل…”
“وأقصد بهم جميع الكائنات الحية التي نحكمها.”
تحولت نبرته إلى ذلك التهكم الذي يحبه.
“تتشكل عاداتهم لأن هذا هو شكل العالم الذي وجدوه أمامهم منذ اللحظة التي خرجوا فيها من أرحام أمهاتهم.”
وتوقفت كلماته فجأة.
“تتشكل لأن العالم يسير بهذه الطريقة.”
“ومصيرها الفشل.”
“والناس بدورهم يجعلون العالم يستمر بهذه الطريقة، لأنهم يكررون تلك العادات ويمارسونها طوال أعمارهم المحدودة.”
لكن…
وتابع:
ضاقت عيناه.
“تتشكل عاداتهم لأنهم يرون عددًا لا يحصى من البشر يتصرفون بالطريقة نفسها، ويردون بالطريقة نفسها، مرة بعد أخرى.”
“تبدو سيرهم وكأنهم حققوا إنجازات كثيرة…
“فيحترمون تلك العادات غريزيًا، ويقلدونها، ثم يقبلونها.”
“وهو ينتصر.”
وفجأة، رفع دوق الصحراء الغربية رأسه، وإحدى يديه ما تزال على الجدار.
عقد تاليس حاجبيه ببطء.
“تاليس!”
هبّت ريح باردة، فانكمش تاليس قليلًا.
انتفض الفتى.
وقال بنبرة بدت عابرة:
حدق سيريل فيه ببرود.
“أبوك انتصر.”
“الناس يخضعون لحكمنا ويؤمنون به، ويحترمون مكانتنا ويخلصون لها، لكن ليس لأننا أقوياء، ولا لأننا ولدنا في منزلة رفيعة، ولا بسبب ما منحناهم إياه من فضل، ولا لأننا نهددهم، ولا لأن حكمنا فعال، ولا لأنه يعود عليهم بالنفع…”
ثم أوضح:
ازدادت نبرته حدة.
ثم أطلق ضحكة باردة.
“وبالتأكيد ليس لأن دمك يتوهج ببركة الآلهة!”
“لنواصل.”
توقف.
“هل سيرتجف أتباعي أمام الجناح الأسطوري، ويعجزون عن النهوض مجددًا؟”
“بل لأنهم اعتادوا ذلك فحسب!”
ابتسم.
دخلت الريح الباردة من النافذة، فجعلت رداء الدوق الجلدي وشعره يرفرفان باستمرار.
أنزل سيد عائلة فاكنهاز يده اليمنى واستدار نحو تاليس.
وبدا سيريل فاكنهاز أغرب وأشد رعبًا.
“أما الصحراء الغربية…”
ابتلع تاليس ريقه دون وعي.
توقف فاكنهاز عن الكلام وغرق في التفكير.
لم تعد لديه طاقة ليهتم بنبرة الدوق الساخرة التي بدت وكأنها جزء أصيل منه.
“ولن يؤدي ذلك إلا إلى جعل الأمور أسوأ.”
ضيق سيريل عينيه، لكن نظرته ظلت نافذة كالسهم.
تنهد الدوق.
“لأنهم منذ اللحظة الأولى التي فتحوا فيها أعينهم على العالم، وجدوا أسلافهم يفعلون ذلك.”
حملت نبرة سيريل وقارًا وكآبة لم يعرفهما تاليس فيه من قبل.
“ووجدوا آباءهم يفعلونه.”
كلاعب شطرنج يرى ساحة المعركة رقعة أمامه.
“وأقرانهم أيضًا.”
وتذكر قصر الروح البطولية الذي فقد أساسه المستقر، وأصبح وضعه هشًا بعد موت الملك المولود.
“لذلك اعتادوا هم بدورهم أن يفعلوه، ثم أصبح عليهم إقناع أطفالهم بأن يفعلوا الشيء نفسه.”
نظر إليه مباشرة.
عقد تاليس حاجبيه ببطء.
“تبًا.”
“وهؤلاء يعرضون عاداتهم على غيرهم.”
“حين كنت شابًا طائشًا، جاء عالم غريب الأطوار من أرض قبلة التنين ليعمل معلمًا لي.”
“على أطفالهم، وشيوخهم، وأقاربهم، وجيرانهم، والغرباء، والسادة، والخدم، والأقران، والرؤساء، والمرؤوسين.”
تذكر تاليس ميراندا أروند، التي شاركته زنزانة يومًا.
“يعرضونها عليهم مرة بعد أخرى.”
“وبعده جمع آيدي الأول، الشاعر، النبلاء وأبقاهم في مدينة النجم الأبدي.”
“يومًا بعد يوم.”
“واعتاد المسؤولون إصدار الأوامر وتلقيها.”
“وعامًا بعد عام.”
قال بهدوء:
توقف سيريل عن الحركة.
كانت نظرته مظلمة عميقة.
وازداد صوته عمقًا، كأنه يروي أكثر قصص الأشباح رعبًا، قصة تبعث القشعريرة حتى دون برد.
“الأمير تاليس، من وجهة نظري…”
“ويستمر التكرار حتى نصبح جميعًا، أنت وأنا معهم، نافرين من كل ما هو غريب أو غير مألوف.”
وتوقفت كلماته فجأة.
“ثم نصاب بالخمول.”
هبط قلب تاليس.
“وفي النهاية، نصل إلى هذا المنطق…”
قال بهدوء:
بردت عيناه.
جلس على السرير واتكأ إلى لوح الرأس، ثم بسط ذراعيه براحة.
“من يخالف هذه العادات شخص شاذ عن المألوف، ويجب التخلص منه.”
“يعرضونها عليهم مرة بعد أخرى.”
ازداد القلق على وجه تاليس.
صمت الدوق لثانية.
“وهكذا تنتشر تلك العادات بين مزيد من الناس، وتترسخ في أعماقنا أكثر فأكثر.”
“ماذا رأيت في المؤتمر الوطني قبل ست سنوات؟”
“تثبت.”
“أم لعلها حقًا دعوة القدر، وقد اختارك الناس بإرادتهم، والدم الذي يجري في عروقك يستطيع فعلًا أن…”
“وتتحول إلى أعراف.”
“ليس الملك الفاضل وحده.
ثم قال:
ابتسم بسخرية.
“وبعدها نسميها قوانين.”
عاد سيريل ببطء إلى النافذة، ونظر مجددًا إلى المعسكر الممتد في الصحراء أسفلها.
حملت نبرة سيريل وقارًا وكآبة لم يعرفهما تاليس فيه من قبل.
أصبح كلامه مختصرًا سريعًا، يرتفع صوته وينخفض مع كلماته.
هبّت ريح باردة، فانكمش تاليس قليلًا.
توقف قليلًا.
ولم تمنحه أشعة الشمس القادمة من النافذة أي دفء.
توقف.
فجأة، شعر أن الغرفة الواقعة في أعلى البرج شديدة البرودة.
توسعت ابتسامته.
تمامًا مثل قصر النهضة في ذكرياته.
توقف فاكنهاز عن الكلام وغرق في التفكير.
“هل تفهم ما أعنيه، يا صاحب السمو؟”
“الفتى أمامي لم يعد ذلك اللقيط الذي عرفته قبل ست سنوات، ذلك الصغير الذي كان يحب استعراض ذكائه، ويقبض يديه محمر الوجه متظاهرًا بأنه أمير…”
ارتفع صوت سيريل مجددًا، فأعاد تاليس من ذكرياته إلى الحاضر.
وتحت نظرات دوق الصحراء الغربية المنتقمة، غير تاليس الموضوع بصعوبة.
“بالنسبة إليّ، هذا هو الشيء الوحيد الذي يسمح لنا بالحفاظ على حكمنا.”
رفع تاليس حاجبيه دون وعي، ثم أطلق همهمة خافتة.
“إنه ضعيف ومثير للشفقة…”
“يعرفون…
توقف.
هز سيريل رأسه وابتسم.
“لكنه أبدي وقوي، وضارب الجذور بيننا.”
ارتفعت زاويتا شفتيه، ثم هبطتا من جديد.
ابتسم سيريل ببرود.
“…هو أشد الظلام رعبًا.”
“ولهذا، فإن من يريدون كسر هذه العادات وتحطيم تلك القواعد…”
حدق في تاليس كمن ينتظر عرضًا مسليًا.
ضاقت عيناه.
“من تظن أنه أرسل جيشه لمرافقته عبر الصحراء؟”
“…مرعبون.”
اشتدت نظرته.
“من يريدون كسر هذه العادات وتحطيم تلك القواعد…”
“لكن بالمثل…”
رفع تاليس حاجبيه دون وعي، ثم أطلق همهمة خافتة.
تحركت أذنا تاليس.
“مثلما فعل الجناح الأسطوري بمعسكر أنياب النصل هذه المرة؟”
“ولا أحد يعرف من سيعيش ومن سيموت…”
صمت الدوق لثانية.
“ومخالب النسر، كيسيل الثالث.”
“لا.”
“لأنهم منذ اللحظة الأولى التي فتحوا فيها أعينهم على العالم، وجدوا أسلافهم يفعلون ذلك.”
أظلم صوت فاكنهاز، وكأنه يحمل رثاء قرون كاملة.
“إنه تاليس جادستار.
“الأمر أكبر من ذلك بكثير، وأبعد من أن يقتصر على شأن محلي، وأقل لطفًا بكثير.”
وبدا سيريل فاكنهاز أغرب وأشد رعبًا.
ثم قال:
وتذكر مدينة سحاب التنين التي تخلى عنها أتباعها وأحاط بها الأعداء.
“على سبيل المثال، نعرف جميعًا أنه منذ زمن بعيد، ألقى أحد حكام الكوكبة…”
ثم قال:
توقف وصحح:
عاد سيريل يمشي بمحاذاة الجدار.
“لا، بل عدة أجيال من الحكام الذين أتوا بعد ذلك الملك، طُعم السلطة الملكية أمام الشعب، وحولوا آلاف الفلاحين إلى خصوم للسادة الإقطاعيين.”
حدق فيه.
توترت أعصاب تاليس.
“أعتقد فعلًا أن هيكس سبق له تعليم بعض الحمقى…”
“طُعم السلطة الملكية…”
كان صوت الدوق عميقًا غامضًا، لكنه لا يقبل الجدال.
وفي تلك اللحظة، راوده شعور مفاجئ.
“ولن يؤدي ذلك إلا إلى جعل الأمور أسوأ.”
سيريل فاكنهاز غير المرحب به، ذلك الرجل غريب الأطوار الذي يتحدث دائمًا في غير موضعه…
اشتدت نبرته.
لم يأتِ إلى هنا لمجرد استمالة الأمير الثاني إلى صفه.
بدا سيريل شاردًا.
ازدادت ملامح تاليس صرامة.
أصبح كلامه مختصرًا سريعًا، يرتفع صوته وينخفض مع كلماته.
“وباستخدام سلم صنعته السلطة الملكية، أخذوا يصعدون تدريجيًا، ويواجهوننا نحن النبلاء الذين حكم كل منا أرضه.”
ثم أضاف:
عاد سيريل ببطء إلى النافذة، ونظر مجددًا إلى المعسكر الممتد في الصحراء أسفلها.
وبالنسبة إلى الأمير الذي اعتاد أسلوب أهل الشمال المباشر، كان التعامل معه مرهقًا للغاية.
“وهكذا سقطت عائلات ازدهرت قرونًا.”
جلس على السرير واتكأ إلى لوح الرأس، ثم بسط ذراعيه براحة.
“وفقد النبلاء القدامى سلطتهم، وحل محلهم نبلاء جدد.”
“ومصيرها الفشل.”
“وتغيرت مصائر أعداد لا تحصى من الناس.”
“أبي انتصر.”
“ولم يعد أحد قادرًا على توقع من سيعيش ومن سيموت.”
ازدادت ملامح تاليس صرامة.
خفض صوته.
“تعرف، لم أدرك إلا اليوم مدى كرهي للأسئلة البلاغية.”
“ومن كل ذلك تشكلت المملكة التي تراها اليوم.”
ثم تابع:
كان صوت الدوق عميقًا غامضًا، لكنه لا يقبل الجدال.
“اعتاد الرجال الخروج للعمل وإعالة أسرهم.”
“خلال بضعة قرون فقط، جرّد قصر النهضة النبلاء، خطوة بعد خطوة، بلطف وببطء ولكن بثبات، من سلطاتهم.”
“ولم ينتصر في ذلك المؤتمر وحده.”
“سلطة توريث إرث العائلة.”
“هل تفهم ما أعنيه، يا صاحب السمو؟”
“وسلطة نقل الألقاب إلى الأبناء.”
“الظلام الذي يسبق الفجر مباشرة…”
“وسلطة جباية الضرائب.”
“ليس الملك الفاضل وحده.
“وسلطة تعيين المسؤولين.”
“بل سيتأثر عدد لا يحصى من الناس.”
“وسلطة إصدار الأحكام في المحاكم.”
حدق في تاليس كمن ينتظر عرضًا مسليًا.
“وسلطة حشد الجيوش.”
“لكن بالمثل…”
توقف قليلًا.
وتذكر أيضًا قصة الحرس الملكي السابقين التي سمعها منذ وقت ليس ببعيد.
“وقد فعل ذلك بقوة لا يمكن إيقافها.”
هز تاليس رأسه.
عند سماع هذا، لم يستطع تاليس منع نفسه من تذكر تلك الليلة قبل ست سنوات، ليلة دم التنين، حين شرح بسخاء الوضع الراهن للكوكبة أمام خمسة دوقات كبار ودوقة كبرى.
“لأن أحدًا لا يهتم بفك ألغاز أسئلتك البلاغية، سوى أنك تستفز مشاعر من يسمعها.”
وتذكر أيضًا قصة الحرس الملكي السابقين التي سمعها منذ وقت ليس ببعيد.
“أعرفه؟”
“عائلات ازدهرت قرونًا سقطت.
“ولهذا لا داعي لأن تخبره به أنت أيضًا…”
“نبلاء قدامى فقدوا سلطتهم، ونبلاء جدد حلوا محلهم…
“يعرفون…
“مصائر لا تحصى تغيرت.
“أبي انتصر.”
“ولا أحد يعرف من سيعيش ومن سيموت…”
توترت أعصاب تاليس.
غرق تاليس في التفكير ولم يقل شيئًا.
“عائلات ازدهرت قرونًا سقطت.
“تعرف، رغم أن كلا اللاعبين يرى تحركات الآخر بوضوح، فإن ما يجعل هذه اللعبة ممتعة حقًا هو أن كل حركة نراها تفتح أمامنا عددًا لا ينتهي من النتائج المحتملة.”
“كل ما تفعله أنك تستخدم نبرة توحي بأنك لا يمكن أن تخطئ، دون أن تقدم أي معلومة مفيدة.”
انحنى سيريل إلى الأمام، وكأنه يريد رؤية المشهد أسفل النافذة بوضوح أكبر.
“آه… شباب يستحق الذكر.”
أو كأنه يتأمل رقعة شطرنج.
وتذكر مدينة سحاب التنين التي تخلى عنها أتباعها وأحاط بها الأعداء.
“تحرك خطوة، وتوقع الخطوات العشر التالية.”
وثبت عينيه المتقدتين على الأمير الغارق بدوره في التفكير.
“كل قطعة تحركها لا تؤثر في الوضع الحالي وحده، بل في الوضع بعد بضع خطوات، وبعد عشرات الخطوات، وحتى بعد مئة خطوة.”
“ومن كل ذلك تشكلت المملكة التي تراها اليوم.”
“وعندها، حين يظهر خصمك بعد مئة خطوة، لن يجد وسيلة لمقاومتك.”
بدا أن سيريل أدرك حيرته.
ابتسم.
غرق تاليس في التفكير ولم يقل شيئًا.
“ولن يبقى أمامه سوى الاستسلام.”
لم يتكلم تاليس.
ثم سأل:
“من مؤتمره الوطني السخيف إلى مصرفه الملكي اللعين، ونحن أنفسنا طرف مباشر في كل ذلك؟”
“أليس ذلك أكثر متعة بكثير من تبادل اللكمات وجهًا لوجه؟”
“أبوك انتصر.”
لسبب ما، تذكر تاليس السيف الأسود.
لسبب ما، تذكر تاليس الملك نوفين.
تذكر معركته ضد غيزا.
قال:
ثم تذكر كيف قاده السيف الأسود لاختراق الحصار الكثيف الذي صنعته كيلكا الهيدرا من اللحم والدم.
“بل لأنهم اعتادوا ذلك فحسب!”
كان السيف الأسود يحسب كل عامل في المعركة.
توقف وصحح:
من نقطة الدخول الأولى…
“لأن أحدًا لا يهتم بفك ألغاز أسئلتك البلاغية، سوى أنك تستفز مشاعر من يسمعها.”
إلى اختيار المسار المناسب لاختراق الحصار.
توترت أعصاب تاليس.
حسب كل شيء منذ البداية، ثم تقدم ببطء وثبات نحو النصر.
وأضاف:
كلاعب شطرنج يرى ساحة المعركة رقعة أمامه.
“هل فتحت عينيك؟”
ظل صوت سيريل ثابتًا، بينما عبثت الريح الباردة بشعره الخفيف وثيابه.
كانت ملامح سيريل فاكنهاز جادة.
“يحرك قطعه في صمت دون أن يطرف له جفن.”
تنهد.
“يزرع البذور في الربيع، ثم يحصد محصولًا وفيرًا في الخريف.”
أطلق فاكنهاز زفيرًا بطيئًا واستدار نحو النافذة.
قال بهدوء:
“الناس يخضعون لحكمنا ويؤمنون به، ويحترمون مكانتنا ويخلصون لها، لكن ليس لأننا أقوياء، ولا لأننا ولدنا في منزلة رفيعة، ولا بسبب ما منحناهم إياه من فضل، ولا لأننا نهددهم، ولا لأن حكمنا فعال، ولا لأنه يعود عليهم بالنفع…”
“أليس هذا هو الطريق البارع للملك الفاضل؟”
“ولم يعد أحد قادرًا على توقع من سيعيش ومن سيموت.”
“الملك الفاضل.”
“وحين أصدر آلان الثالث، الدائن، قوانين الضرائب الملكية.”
توقف تاليس قليلًا.
“واعتاد السادة إصدار الأوامر بتعالٍ.”
“الملك الفاضل…؟”
توقف تاليس قليلًا.
وفجأة استدار سيريل.
ثم أضاف:
عاد إلى وجهه تعبير المهرج الذي يجعل الآخرين يعبسون، وعادت نبرته “الودودة” المعتادة.
“الغراب العجوز؟”
“ماذا؟”
“أنتم جميعًا عاجزون أمام قصر النهضة، ولهذا تأملون أن أبدأ، حين أصبح الملك الجديد، بتغيير البلاد انطلاقًا من العرش؟”
ابتسم بسخرية.
“واعتاد المسؤولون إصدار الأوامر وتلقيها.”
“هل ظننت أنه بعد كل هذه السنوات، لن يستطيع أي منا، مهما بلغ غباؤه وبطء فهمه، أن يرى ما كان الملك الفاضل يفعله بالضبط؟”
“لا.”
ثم أضاف:
ظل الفتى صامتًا لبضع ثوانٍ.
“من مؤتمره الوطني السخيف إلى مصرفه الملكي اللعين، ونحن أنفسنا طرف مباشر في كل ذلك؟”
“فعليك أن تفهم شيئًا.”
هبط قلب تاليس.
خفض صوته.
رفع الدوق رأسه وضيق عينيه.
“بأي أساس يحق لنا الحكم؟ تفضل، لا تدعني أقاطعك.”
“كثير من النبلاء يعرفون.”
“لا.”
توقف.
أطلق الدوق تنهيدة طويلة، وتسرب الحنين إلى صوته المزعج.
“مثلي تمامًا.”
“والناس بدورهم يجعلون العالم يستمر بهذه الطريقة، لأنهم يكررون تلك العادات ويمارسونها طوال أعمارهم المحدودة.”
ثم قال:
“أما سؤالك السابق، عن الشخص الذي علمني التحدث بهذه الطريقة، وهل كان متخصصًا في تعليم الحمقى…”
“لكننا عاجزون عن فعل أي شيء.”
“وأخبرني، ماذا سينال قصر النهضة من سادة الصحراء الغربية الذين يأتون بعدي في المرتبة؟”
“يعرفون…
تجمدت عيناه على تاليس.
“لكنهم عاجزون.”
“…ويخفون كراهيتهم؟”
استنشق تاليس بعمق.
“وسلطة إصدار الأحكام في المحاكم.”
ولم يستطع منع نفسه من تذكر القلق على وجه لامبارد حين ذكر الملك الفاضل داخل العربة.
عبس أمير الكوكبة، ولم يتخلَّ عن حذره.
حركة واحدة في عصره…
“إذن ما الذي يجعلك مختلفًا عنهم؟”
ولعبة شطرنج تمتد قرنًا كاملًا.
كان سيريل ينتقل بين المواضيع بسرعة مزعجة، ويخفي السخرية بين كلماته، بل ويلقي على تاليس شيئًا من التهكم بالكاد يُلحظ.
ازداد عبوس تاليس.
توقف تاليس قليلًا.
“لماذا هذا الوجه؟”
“يا أمير تاليس، حين سافر ميريل هيكس من أرض قبلة التنين إلى الكوكبة عبر ممالك بحر الغموض الثلاث، وقبل أن يقطع كل تلك المسافة شمالًا إلى إيكستيدت…”
نظر الدوق إلى المشهد خارج النافذة، وكأنه لا يبالي بما يجري حوله.
“ذكر الغراب العجوز في رسالته أنك كنت مهتمًا إلى حد ما بالملك الفاضل.”
أطلق الدوق تنهيدة طويلة، وتسرب الحنين إلى صوته المزعج.
ثم سأله:
عبس أمير الكوكبة، ولم يتخلَّ عن حذره.
“أليس كذلك؟”
“هل سيرتجف أتباعي أمام الجناح الأسطوري، ويعجزون عن النهوض مجددًا؟”
هز تاليس رأسه.
“أبوك انتصر.”
“كنت فقط…”
“مجرد؟”
وتوقفت كلماته فجأة.
ضرب سيريل الأرض بعصاه بقوة.
“لحظة…”
“وحين أصدر آلان الثالث، الدائن، قوانين الضرائب الملكية.”
حين أدرك شيئًا، اتسعت عيناه.
رفع الأمير رأسه ونظر إلى سيريل، وازدادت نبرته حذرًا.
“الغراب العجوز؟”
وتذكر أيضًا قصة الحرس الملكي السابقين التي سمعها منذ وقت ليس ببعيد.
رفع الأمير رأسه بسرعة.
“ثانيًا، تغيير البلاد؟”
“أنت تعرفه؟”
“لكن هل تظن أن أهل الإقليم الشمالي، المنحدرين من الأصل نفسه الذي ينحدر منه الإيكستيدتيون، سيشعرون بالرضا والطمأنينة عن هذه النتيجة، بعدما انكشفت مؤامرة العقل المدبر وعاد السلام إلى الشمال؟”
حملت الريح ضحكة سيريل إلى أذنيه.
“واعتاد النبلاء حكم البلاد.”
“أعرفه؟”
“طريق لا بد أن نسلكه قبل بلوغ القمة؟”
شخر.
ثم استدار مبتعدًا عن النافذة.
“يا أمير تاليس، حين سافر ميريل هيكس من أرض قبلة التنين إلى الكوكبة عبر ممالك بحر الغموض الثلاث، وقبل أن يقطع كل تلك المسافة شمالًا إلى إيكستيدت…”
قال سيد عائلة فاكنهاز بفتور:
ابتسم.
ثم سأله:
“من تظن أنه أرسل جيشه لمرافقته عبر الصحراء؟”
“من تظن أنه أرسل جيشه لمرافقته عبر الصحراء؟”
تجمد تاليس.
أطلق فاكنهاز زفيرًا بطيئًا واستدار نحو النافذة.
“ميريل هيكس عبر الصحراء وسافر شمالًا إلى إيكستيدت…
“انتصر انتصارًا كاملًا.”
“لكن كيف يعرف دوق الصحراء الغربية في الكوكبة ذلك العالم العجوز القادم من دوقية أنلينزو؟”
توقف.
بدا أن سيريل أدرك حيرته.
وقال:
أطلق الدوق تنهيدة طويلة، وتسرب الحنين إلى صوته المزعج.
“…هو الأعظم.”
“حين كنت شابًا طائشًا، جاء عالم غريب الأطوار من أرض قبلة التنين ليعمل معلمًا لي.”
“لكنهم في الحقيقة زرعوا بذور كوارث.”
تحركت أذنا تاليس.
وأضاف:
هز سيريل رأسه وابتسم.
تكلم دوق الصحراء الغربية أخيرًا، وفي صوته شيء من التأمل.
“ثم اكتشف عمي أن أوراق هيكس العلمية مزورة.”
ابتسم.
توسعت ابتسامته.
“تعرف، لم أدرك إلا اليوم مدى كرهي للأسئلة البلاغية.”
“فغضب، وجرده من ثيابه، ثم رماه في الصحراء.”
حين أدرك شيئًا، اتسعت عيناه.
تنهد بحنين.
شخر سيريل ببرود.
“آه… شباب يستحق الذكر.”
“واعتاد الكتّاب التأخر في تسليم مخطوطاتهم.”
رمش تاليس.
“وعندها، حين يظهر خصمك بعد مئة خطوة، لن يجد وسيلة لمقاومتك.”
واحتاج إلى بضع ثوانٍ ليرتب القصة في ذهنه.
“وبعده جمع آيدي الأول، الشاعر، النبلاء وأبقاهم في مدينة النجم الأبدي.”
“إذن دوق الصحراء الغربية الحامي وهيكس الغراب العجوز…”
ثم سأل:
ازداد الذهول على وجه تاليس.
“فانظر إلى ما حدث في معسكر أنياب النصل خلال الأيام القليلة الماضية، يا صاحب السمو.”
“قال بوتراي إن ذلك العجوز درّس كثيرًا من الشخصيات المهمة.
“الأمر أكبر من ذلك بكثير، وأبعد من أن يقتصر على شأن محلي، وأقل لطفًا بكثير.”
“يبدو أنه لم يكن يبالغ.”
“ولم يقتصر الأمر على عصر الملك الفاضل.”
قال دوق الصحراء الغربية ضاحكًا:
لقد بدأ يعتاد تدريجيًا أسلوب سيريل، ذلك الأسلوب الذي يوحي باللامبالاة بينما يخفي في الحقيقة يقظة شديدة لكل ما يجري.
“يا صاحب السمو، بيني وبينك روابط كثيرة لا نراها بأعيننا.”
وتذكر تلك الفتاة المسكينة التي جلست مرتجفة على مقعد الدوقة الكبرى…
ازدادت ضحكته.
“وفقد النبلاء القدامى سلطتهم، وحل محلهم نبلاء جدد.”
ثم استدار مبتعدًا عن النافذة.
“لا يمكنك أن تحمل فكرة إنجاز كل شيء دفعة واحدة، ثم تقرر مصائر الآلاف بخشونة وتهور وعدوانية.”
وقال بنبرة بدت عابرة:
ابتسم سيريل ببرود.
“أما سؤالك السابق، عن الشخص الذي علمني التحدث بهذه الطريقة، وهل كان متخصصًا في تعليم الحمقى…”
وكأنه يتسلق جبلًا لا يرى قمته.
ضيق دوق فاكنهاز عينيه ببطء.
“مثلما فعل الجناح الأسطوري بمعسكر أنياب النصل هذه المرة؟”
وفجأة شعر تاليس بأن عضلات وجهه قد توترت.
هبّت ريح باردة، فانكمش تاليس قليلًا.
دوي!
حملت الريح ضحكة سيريل إلى أذنيه.
ضرب سيريل الأرض بعصاه بقوة.
“العادة…”
“أعتقد فعلًا أن هيكس سبق له تعليم بعض الحمقى…”
ثم أطلق ضحكة باردة.
حدق الدوق في تاليس بعينين ضيقتين، ولم يحاول إخفاء الخبث فيهما.
“نصيحة مني، أيها الدوق غير المرحب به: عندما تناقش أحدًا أو تفاوضه، فإن طرح الأسئلة البلاغية لتبدو غامضًا لا يجعلك سوى مهرج يضحك ويستعرض أمام الجمهور.”
“ما رأيك، يا صاحب السمو؟”
ازدادت ضحكته.
في تلك اللحظة، بدا كأن الهواء داخل الغرفة قد تجمد.
ظل تاليس صامتًا طويلًا.
وأمام سؤال يستحيل عليه الإجابة عنه، احتاج تاليس وقتًا طويلًا حتى استطاع أن يرسم على وجهه تعبير رجل حُشرت حفنة من الذباب في فمه.
تنهد الدوق.
ثم أجبر نفسه على ابتسامة محرجة.
“تبًا.”
“تبًا.”
“وباستخدام سلم صنعته السلطة الملكية، أخذوا يصعدون تدريجيًا، ويواجهوننا نحن النبلاء الذين حكم كل منا أرضه.”
وتحت نظرات دوق الصحراء الغربية المنتقمة، غير تاليس الموضوع بصعوبة.
“نجم من النجوم القائمة وراء حدود الكون.”
“أظن أنني بدأت أفهم ما تريد فعله.”
حين أدرك شيئًا، اتسعت عيناه.
رفع رأسه.
رفع رأسه.
لقد بدأ يعتاد تدريجيًا أسلوب سيريل، ذلك الأسلوب الذي يوحي باللامبالاة بينما يخفي في الحقيقة يقظة شديدة لكل ما يجري.
“لكن الحقيقة…”
“أنتم جميعًا عاجزون أمام قصر النهضة، ولهذا تأملون أن أبدأ، حين أصبح الملك الجديد، بتغيير البلاد انطلاقًا من العرش؟”
“ذكر الغراب العجوز في رسالته أنك كنت مهتمًا إلى حد ما بالملك الفاضل.”
لكن فاكنهاز، على عكس توقعاته، هز رأسه مجددًا.
راقب سيريل تعابير تاليس.
“أولًا، لا تقل «أنتم جميعًا».”
حدق سيريل في تاليس وكأنه يراه للمرة الأولى.
قال بهدوء:
ابتسم.
“أنا وحدي.”
تجمدت عيناه على تاليس.
توقف تاليس قليلًا.
“وسلطة حشد الجيوش.”
“ثانيًا، تغيير البلاد؟”
تجمدت ابتسامة سيريل.
هز الدوق رأسه.
اشتدت نظرته.
“لا.”
ارتفعت زاويتا شفتيه، ثم هبطتا من جديد.
ثم قال:
ثم قال:
“حتى لو لم تكن موجودًا، ستواصل البلاد تغيرها.”
كان سيريل ينتقل بين المواضيع بسرعة مزعجة، ويخفي السخرية بين كلماته، بل ويلقي على تاليس شيئًا من التهكم بالكاد يُلحظ.
عاد سيريل يمشي بمحاذاة الجدار.
أشار إلى الخارج.
ومن حين إلى آخر، كان يطرق بيده اليمنى على أثاث الغرفة، كأنه يستعيد ذكريات بعيدة.
“وحين قام تورموند الرابع، القاطع، بمسح رئيس طقوس إلهة الغروب.”
“وبصورة أدق…”
لكن فاكنهاز، على عكس توقعاته، هز رأسه مجددًا.
قال:
تحولت نبرته إلى ذلك التهكم الذي يحبه.
“العالم كله يتغير.”
“إذن ما الذي يجعلك مختلفًا عنهم؟”
“ولم يبدأ ذلك الآن، ولا قبل مئة عام، ولا حتى قبل ستمئة عام.”
“ولم يعد أحد قادرًا على توقع من سيعيش ومن سيموت.”
لمعت عينا دوق الصحراء الغربية.
“بل لأنهم اعتادوا ذلك فحسب!”
“بدأ يتغير منذ اللحظة التي استخدم فيها جون ذو العين السوداء سلطته كملك لإجبار سادة البلاد على حشد جيوشهم.”
ثم أطلق ضحكة باردة.
“واستمر العالم في التغير حين أعلن سومر الثاني، كاسر الصفوف، قانون الإرث.”
حدق فيه.
“وحين قام تورموند الرابع، القاطع، بمسح رئيس طقوس إلهة الغروب.”
فاستنشق بعمق.
“وحين أصدر آلان الثالث، الدائن، قوانين الضرائب الملكية.”
ساد الصمت بينهما لبعض الوقت.
وتابع:
وفجأة، رفع دوق الصحراء الغربية رأسه، وإحدى يديه ما تزال على الجدار.
“ثم جاء الملك الفاضل، مينديس الثالث، وأجرى إصلاحات غير مسبوقة.”
كلاعب شطرنج يرى ساحة المعركة رقعة أمامه.
“وبعده جمع آيدي الأول، الشاعر، النبلاء وأبقاهم في مدينة النجم الأبدي.”
حملت نبرة سيريل وقارًا وكآبة لم يعرفهما تاليس فيه من قبل.
أنزل سيد عائلة فاكنهاز يده اليمنى واستدار نحو تاليس.
“بالنسبة إليّ، هذا هو الشيء الوحيد الذي يسمح لنا بالحفاظ على حكمنا.”
كانت نظرته مظلمة عميقة.
“وسلطة إصدار الأحكام في المحاكم.”
“أما الآن، فأبوك يحكم البلاد بقبضة من حديد، بطريقة تكاد تثير سخط الجميع.”
“أنتم جميعًا عاجزون أمام قصر النهضة، ولهذا تأملون أن أبدأ، حين أصبح الملك الجديد، بتغيير البلاد انطلاقًا من العرش؟”
توقف.
وبدا سيريل فاكنهاز أغرب وأشد رعبًا.
“العالم يتغير في كل ثانية.”
اشتدت نبرته.
“ولم يقتصر الأمر على عصر الملك الفاضل.”
“هل سيرتجف أتباعي أمام الجناح الأسطوري، ويعجزون عن النهوض مجددًا؟”
شعر تاليس بعدم الارتياح تحت نظرته، فعقد ذراعيه حول نفسه أكثر.
ثم سأله:
“من ثاني ملوك الكوكبة، جون ذو العين السوداء، وحتى كيسيل الخامس…”
توقف.
أدرك فجأة أن التاريخ الذي يتحدث عنه سيريل يمتد إلى ما هو أبعد بكثير مما ذكره لامبارد قبل سنوات في قصر الروح البطولية بمدينة سحاب التنين.
“أما سؤالك السابق، عن الشخص الذي علمني التحدث بهذه الطريقة، وهل كان متخصصًا في تعليم الحمقى…”
“ليس الملك الفاضل وحده.
“يومًا بعد يوم.”
“وليس… كيسيل وحده.”
ضيق سيريل عينيه، لكن نظرته ظلت نافذة كالسهم.
تنهد الأمير.
“مثلي تمامًا.”
“يتغير في كل ثانية… تبدو هذه الكلمات مألوفة جدًا.”
“لكنهم عاجزون.”
نظر إلى سيريل.
ضيق سيريل عينيه، لكن نظرته ظلت نافذة كالسهم.
“ربما كنت حقًا تلميذ الغراب العجوز.”
وازداد صوته عمقًا، كأنه يروي أكثر قصص الأشباح رعبًا، قصة تبعث القشعريرة حتى دون برد.
شخر سيريل.
تجمدت ابتسامة سيريل.
“هيكس فتح عينيّ، ووسّع أفكاري، وزاد قدرتي على تقبل الأشياء.”
“أليس كذلك؟”
ثم تغيرت نظرته.
“وباستخدام سلم صنعته السلطة الملكية، أخذوا يصعدون تدريجيًا، ويواجهوننا نحن النبلاء الذين حكم كل منا أرضه.”
“لكن ماذا عنك، أيها الأمير تاليس؟”
ثم أضاف:
توقف.
خفض صوته.
“يا وريث المملكة…”
كان سيريل قد استعاد رباطة جأشه لتوه، لكن كلمات تاليس أصابته بالإحباط من جديد.
حدق فيه.
ثم قال:
“هل فتحت عينيك؟”
سيريل فاكنهاز غير المرحب به، ذلك الرجل غريب الأطوار الذي يتحدث دائمًا في غير موضعه…
ساد الصمت بينهما لبعض الوقت.
جلس على السرير واتكأ إلى لوح الرأس، ثم بسط ذراعيه براحة.
وأخيرًا، أظلم وجه تاليس وقال ببطء:
هز سيريل رأسه.
“إذا فتحت عيني، ووسعت أفكاري، وزدت قدرتي على تقبل الأشياء…”
“مصائر لا تحصى تغيرت.
رفع نظره.
“الإقليم الشمالي.”
“فماذا تريدني أن أرى؟”
“وعليك أن تفهم أن كوشدر نانشستر رجل مزعج.”
لم يبتسم سيريل.
“وأخبرني، ماذا سينال قصر النهضة من سادة الصحراء الغربية الذين يأتون بعدي في المرتبة؟”
بل نظر إلى تاليس بجدية، كأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ البداية.
وكما توقع، غير دوق الصحراء الغربية مسار الحديث.
“يا صاحب السمو، أخبرني.”
أجاب مباشرة وبحذر:
خفض صوته.
وفي تلك اللحظة، تخلى دوق الصحراء الغربية عن أسلوبه الساخر العابث، وربما المتعمد في إظهار الجهل، وهو أمر نادر منه.
“ماذا رأيت في المؤتمر الوطني قبل ست سنوات؟”
ضيق دوق فاكنهاز عينيه ببطء.
“المؤتمر الوطني قبل ست سنوات…”
عاد سيريل يمشي بمحاذاة الجدار.
تذكر تاليس المؤتمر الذي قرر مصيره.
رفع نظره.
وأنزل ذراعيه دون وعي.
“هل سيرتجف أتباعي أمام الجناح الأسطوري، ويعجزون عن النهوض مجددًا؟”
لم يفرط الفتى في تحليل السؤال.
“تجعل سيرهم الأمر يبدو وكأنهم حققوا إنجازات عظيمة كثيرة.”
أجاب مباشرة وبحذر:
“ولن يؤدي ذلك إلا إلى جعل الأمور أسوأ.”
“أبي انتصر.”
كان سيريل ينتقل بين المواضيع بسرعة مزعجة، ويخفي السخرية بين كلماته، بل ويلقي على تاليس شيئًا من التهكم بالكاد يُلحظ.
شخر سيريل ببرود.
“يا وريث المملكة…”
“نعم.”
“فاقد الصبر.
قال:
“تجعل سيرهم الأمر يبدو وكأنهم حققوا إنجازات عظيمة كثيرة.”
“أبوك انتصر.”
ولم يُسمع سوى صفير الريح الباردة.
“انتصر انتصارًا كاملًا.”
كانت ملامح سيريل فاكنهاز جادة.
ثم تابع:
وتحت نظرات دوق الصحراء الغربية المنتقمة، غير تاليس الموضوع بصعوبة.
“ولم ينتصر في ذلك المؤتمر وحده.”
حدق سيريل فيه ببرود.
ضاقت عيناه.
“بل سيتأثر عدد لا يحصى من الناس.”
“بل انتصر على المملكة بأكملها.”
ومع إجابة تاليس الباردة، توتر وجه فاكنهاز تدريجيًا.
“ومنذ أن اعتلى العرش قبل ثمانية عشر عامًا وسط اليأس…”
“آه… شباب يستحق الذكر.”
خفض صوته.
“ومنذ أن اعتلى العرش قبل ثمانية عشر عامًا وسط اليأس…”
“وهو ينتصر.”
“يبدو أنه لم يكن يبالغ.”
قبض تاليس يديه.
“تتشكل لأن العالم يسير بهذه الطريقة.”
وكما توقع، غير دوق الصحراء الغربية مسار الحديث.
“لكن كيف يعرف دوق الصحراء الغربية في الكوكبة ذلك العالم العجوز القادم من دوقية أنلينزو؟”
أصبح كلامه مختصرًا سريعًا، يرتفع صوته وينخفض مع كلماته.
كانت نظرته مظلمة عميقة.
“لكن هل تظن أن أهل الإقليم الشمالي، المنحدرين من الأصل نفسه الذي ينحدر منه الإيكستيدتيون، سيشعرون بالرضا والطمأنينة عن هذه النتيجة، بعدما انكشفت مؤامرة العقل المدبر وعاد السلام إلى الشمال؟”
وأصبح صوته قاتمًا موحشًا.
“الإقليم الشمالي.”
فجأة، شعر أن الغرفة الواقعة في أعلى البرج شديدة البرودة.
تذكر تاليس ميراندا أروند، التي شاركته زنزانة يومًا.
هز تاليس كتفيه باستسلام.
“وقد يعتمد أبناء تل حافة النصل على السلطة الملكية، لكن لا تنسَ أن تلك المنطقة اشتهرت منذ عصر الإمبراطورية بأنها أرض يحكمها السيف والنصل، وتعج بقطاع الطرق.”
“وعامًا بعد عام.”
توقف.
“واعتاد السادة إصدار الأوامر بتعالٍ.”
“كما أن تمرد السنة الدموية بدأ من هناك.”
وقال بنبرة بدت عابرة:
“تل حافة النصل.”
حسب كل شيء منذ البداية، ثم تقدم ببطء وثبات نحو النصر.
مر في ذهن تاليس وجه ليانا تابارك، دوقة تل حافة النصل، وقد غطاه ضباب الذاكرة.
ظل سيريل صامتًا بعد سماع كلام تاليس.
“أما إقليم أرض الجروف، فمنذ زمن وهو مضطرب ولا يكاد يضبط نفسه.”
بذل تاليس جهده لتجاهل المعنى الخفي في كلمات سيريل.
قال سيريل:
عند سماع هذا، لم يستطع تاليس منع نفسه من تذكر تلك الليلة قبل ست سنوات، ليلة دم التنين، حين شرح بسخاء الوضع الراهن للكوكبة أمام خمسة دوقات كبار ودوقة كبرى.
“وعليك أن تفهم أن كوشدر نانشستر رجل مزعج.”
ومع هذه الفكرة، أدار الدوق جسده قليلًا، وانعكس الضوء البارد على وجهه القبيح.
“إقليم أرض الجروف.”
رجل تملؤه مهابة تجعل الاقتراب منه أمرًا عسيرًا.
تذكر تاليس ذلك الرجل ذا العين الواحدة، بطبعه العدواني وهيبته الطاغية.
“وبعدها نسميها قوانين.”
راقب سيريل تعابير تاليس.
وأصبح صوته قاتمًا موحشًا.
وامتلأ وجهه الذابل القبيح بالحذر.
“وبالتأكيد ليس لأن دمك يتوهج ببركة الآلهة!”
“أما الصحراء الغربية…”
وفجأة، رفع دوق الصحراء الغربية رأسه، وإحدى يديه ما تزال على الجدار.
أشار إلى الخارج.
ثم أوضح:
“فانظر إلى ما حدث في معسكر أنياب النصل خلال الأيام القليلة الماضية، يا صاحب السمو.”
بردت عيناه.
ثم سأله:
“تحرك خطوة، وتوقع الخطوات العشر التالية.”
“وأخبرني، ماذا سينال قصر النهضة من سادة الصحراء الغربية الذين يأتون بعدي في المرتبة؟”
“لا.”
“هل سيرتجف أتباعي أمام الجناح الأسطوري، ويعجزون عن النهوض مجددًا؟”
بل نظر إليه بوجه خالٍ من التعبير.
توقف.
“سواء أكانوا من أنصار الملك الذين يؤيدونه، أم من أمثال كوشدر الذين يعارضونه.”
“أم سيطبقون أسنانهم…”
“واعتاد الجيش العنف.”
وأظلمت عيناه.
قبض تاليس يديه.
“…ويخفون كراهيتهم؟”
“…مرعبون.”
تذكر تاليس سلوك رومان المتغطرس والمتسلط مع كل من قابله تقريبًا.
“وفقد النبلاء القدامى سلطتهم، وحل محلهم نبلاء جدد.”
فاستنشق بعمق.
“أليس كذلك؟”
وبدأ الأمير يتأمل كلام الدوق بجدية، للمرة الأولى منذ وقت طويل في هذا الحوار.
قال تاليس، مشددًا على كل مقطع:
“أتقول إن أفعال أبي ستؤدي في النهاية إلى فوضى يصعب احتواؤها، حتى بأساليبه في حكم البلاد؟”
“وهكذا تنتشر تلك العادات بين مزيد من الناس، وتترسخ في أعماقنا أكثر فأكثر.”
هز سيريل رأسه.
بدا كأنه يريد الكلام، لكنه لا يعرف ماذا يقول.
وفي تلك اللحظة، تخلى دوق الصحراء الغربية عن أسلوبه الساخر العابث، وربما المتعمد في إظهار الجهل، وهو أمر نادر منه.
ومع هذه الفكرة، أدار الدوق جسده قليلًا، وانعكس الضوء البارد على وجهه القبيح.
وأصبح صوته قاتمًا موحشًا.
تنهد الأمير.
“متى ستفهم أن أساليب أبيك في الحكم لا علاقة لها بالنهاية التي سيصل إليها حتمًا إن استمر في التصرف بهذه الإرادة المنفردة؟”
استنشق تاليس بعمق.
ثم تابع:
“لماذا يحق لنا حكم هذه الأرض؟”
“ولن يكون هو وحده من يتأثر.”
“الآن نستطيع التحدث أخيرًا.”
“بل سيتأثر عدد لا يحصى من الناس.”
“من يريدون كسر هذه العادات وتحطيم تلك القواعد…”
“سواء أكانوا من أنصار الملك الذين يؤيدونه، أم من أمثال كوشدر الذين يعارضونه.”
“وعندها، حين يظهر خصمك بعد مئة خطوة، لن يجد وسيلة لمقاومتك.”
اشتدت نظرته.
ازدادت الحيرة على وجه الدوق.
“الصراع المتصاعد بينهم سيقود إلى نهاية…”
ثم قال:
توقف.
توقف.
“…لا يستطيع أحد التنبؤ بها.”
ابتسم بسخرية.
أطبق تاليس أسنانه بخفة.
“وباستخدام سلم صنعته السلطة الملكية، أخذوا يصعدون تدريجيًا، ويواجهوننا نحن النبلاء الذين حكم كل منا أرضه.”
لفترة طويلة، كانت صورة والده، كيسيل الخامس، في ذهنه واضحة:
لسبب ما، تذكر تاليس السيف الأسود.
في الصراعات السياسية داخل المملكة، كان أبوه دائمًا صاحب اليد العليا.
“ولن يبقى أمامه سوى الاستسلام.”
ودائمًا هو من يقمع خصومه.
توقف.
لكن…
حدق فيه.
هل كان كلام فاكنهاز منطقيًا فعلًا؟
رفع نظره.
أطلق سيريل تنهيدة طويلة، وأنزل قدمه اليسرى المعاقة، ثم وضع كلتا يديه فوق عصاه.
“يا وريث المملكة…”
قال الدوق بتأمل:
وتحت نظرات دوق الصحراء الغربية المنتقمة، غير تاليس الموضوع بصعوبة.
“ربما يكون تلاشي عصر السادة الذين يحكمون أقاليمهم، وعصر كثرة الملوك والأتباع، مسارًا طبيعيًا لا مفر منه.”
تذكر تاليس ذلك الرجل ذا العين الواحدة، بطبعه العدواني وهيبته الطاغية.
“وربما يكون هذا هو التيار العام الذي تسير فيه الكوكبة، تيارًا لم يتوقف يومًا.”
توقف سيريل عن الحركة.
ثم قال:
“لا يمكنك أن تحمل فكرة إنجاز كل شيء دفعة واحدة، ثم تقرر مصائر الآلاف بخشونة وتهور وعدوانية.”
“وكل محاولة مغرورة لإيقافه حماقة…”
“وهو ينتصر.”
“ومصيرها الفشل.”
ولم تستطع حتى تثبيت «الانتصار» على إبهامها.
لكنه رفع رأسه في النهاية.
“ومنذ أن اعتلى العرش قبل ثمانية عشر عامًا وسط اليأس…”
وثبت عينيه المتقدتين على الأمير الغارق بدوره في التفكير.
“لكن الحقيقة…”
“لكن بالمثل…”
تجمدت ابتسامة سيريل.
قال:
“لكن ماذا لو كانت هذه مجرد عقبات علينا تجاوزها؟”
“كل من يفقد صبره ويحاول استغلال هذا التيار لدفع الأمور إلى الأمام…”
بل نظر إلى تاليس بجدية، كأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ البداية.
“ويختصر الزمن اللازم لاكتمال التغيير…”
وتابع:
“ويسرع كل شيء كي يرى النهاية التي يريدها بعينيه…”
“يعرضونها عليهم مرة بعد أخرى.”
اشتدت نبرته.
تذكر تاليس سلوك رومان المتغطرس والمتسلط مع كل من قابله تقريبًا.
“…فهو أحمق بالقدر نفسه.”
“ولم يبدأ ذلك الآن، ولا قبل مئة عام، ولا حتى قبل ستمئة عام.”
“فاقد الصبر.
“لماذا يحق لنا حكم هذه الأرض؟”
“أحمق بالقدر نفسه.”
وفجأة استدار سيريل.
لم يتكلم تاليس.
ومن حين إلى آخر، كان يطرق بيده اليمنى على أثاث الغرفة، كأنه يستعيد ذكريات بعيدة.
ظل سيريل جادًا صارمًا، وإن لم يكن أحد يعرف هل أخذ بنصيحة تاليس السابقة أم لا.
“والملك الأحمر، جون الثاني.”
“حين تحكم بلدًا، لا يمكنك أن تتوقع نتائج فورية بمجرد تطبيق خطط جديدة.”
“من مؤتمره الوطني السخيف إلى مصرفه الملكي اللعين، ونحن أنفسنا طرف مباشر في كل ذلك؟”
“حتى الملك الفاضل، رغم حكمته وبعد نظره، وضع قطعه بحذر، ثم انتظر النتائج مئة عام.”
فجأة، شعر أن الغرفة الواقعة في أعلى البرج شديدة البرودة.
وتابع:
توقف تاليس قليلًا.
“لا يمكنك أن تحمل فكرة إنجاز كل شيء دفعة واحدة، ثم تقرر مصائر الآلاف بخشونة وتهور وعدوانية.”
أو كأنه يتأمل رقعة شطرنج.
تنهد.
وتذكر أيضًا قصة الحرس الملكي السابقين التي سمعها منذ وقت ليس ببعيد.
“مثل ملك النصال، تورموند الثاني.”
“ومنذ أن اعتلى العرش قبل ثمانية عشر عامًا وسط اليأس…”
“ومخالب النسر، كيسيل الثالث.”
“لا يمكنك أن تحمل فكرة إنجاز كل شيء دفعة واحدة، ثم تقرر مصائر الآلاف بخشونة وتهور وعدوانية.”
“والملك الأحمر، جون الثاني.”
“هل لأننا، نحن الحكام، نتمتع بحكمة كافية، ولا يضاهينا أحد في الحيلة والتدبير؟ وهل يحكم زعيم أهل الشمال شعبه لأنه شجاع، ويتقدم دائمًا إلى الأمام حين يظهر الخطر؟”
خفض صوته.
“ولم يقتصر الأمر على عصر الملك الفاضل.”
“تجعل سيرهم الأمر يبدو وكأنهم حققوا إنجازات عظيمة كثيرة.”
“مجرد؟”
“لكن الحقيقة…”
رفع الدوق رأسه وضيق عينيه.
أظلمت نظرته.
بذل تاليس جهده لتجاهل المعنى الخفي في كلمات سيريل.
“أنهم زرعوا بذور كوارث كثيرة في أعماق البلاد.”
حين أدرك شيئًا، اتسعت عيناه.
ثم قال:
“واعتاد الكهنة الثرثرة عن الآلهة.”
“ولن يؤدي ذلك إلا إلى جعل الأمور أسوأ.”
استنشق تاليس بعمق.
توقف فاكنهاز عن الكلام وغرق في التفكير.
هذه المرة، ظل سيريل صامتًا طويلًا.
ظل واقفًا في مكانه، تاركًا الريح الباردة تعبث بردائه الجلدي.
نظر إلى سيريل.
“تبدو سيرهم وكأنهم حققوا إنجازات كثيرة…
قال:
“لكنهم في الحقيقة زرعوا بذور كوارث.”
“حتى الملك الفاضل، رغم حكمته وبعد نظره، وضع قطعه بحذر، ثم انتظر النتائج مئة عام.”
لسبب ما، تذكر تاليس الملك نوفين.
وتذكر مدينة سحاب التنين التي تخلى عنها أتباعها وأحاط بها الأعداء.
راقب سيريل تعابير تاليس.
وتذكر قصر الروح البطولية الذي فقد أساسه المستقر، وأصبح وضعه هشًا بعد موت الملك المولود.
“واعتاد النبلاء حكم البلاد.”
وتذكر تلك الفتاة المسكينة التي جلست مرتجفة على مقعد الدوقة الكبرى…
“نجم من النجوم القائمة وراء حدود الكون.”
ولم تستطع حتى تثبيت «الانتصار» على إبهامها.
عقد تاليس حاجبيه ببطء.
ظل تاليس صامتًا طويلًا.
حسب كل شيء منذ البداية، ثم تقدم ببطء وثبات نحو النصر.
ثم أطلق همهمة.
“…ويخفون كراهيتهم؟”
“لن يسر أبي سماع هذا على الأرجح.”
لم يأتِ إلى هنا لمجرد استمالة الأمير الثاني إلى صفه.
رفع سيريل رأسه.
لمعت عينا دوق الصحراء الغربية.
“ولهذا لا داعي لأن تخبره به أنت أيضًا…”
“يا وريث المملكة…”
توقف قليلًا.
“لذلك اعتادوا هم بدورهم أن يفعلوه، ثم أصبح عليهم إقناع أطفالهم بأن يفعلوا الشيء نفسه.”
“…إلا إذا جاء اليوم الذي تضطر فيه إلى ذلك.”
“بل انتصر على المملكة بأكملها.”
بذل تاليس جهده لتجاهل المعنى الخفي في كلمات سيريل.
“تتشكل لأن العالم يسير بهذه الطريقة.”
وقال:
دخلت الريح الباردة من النافذة، فجعلت رداء الدوق الجلدي وشعره يرفرفان باستمرار.
“لكنك قلت أيضًا إن ذلك التيار لم يتوقف يومًا، وإن كل من حاول إيقافه أحمق، ومحاولته ستنتهي بالفشل.”
وفجأة، رفع دوق الصحراء الغربية رأسه، وإحدى يديه ما تزال على الجدار.
نظر إليه مباشرة.
“لكنك قلت أيضًا إن ذلك التيار لم يتوقف يومًا، وإن كل من حاول إيقافه أحمق، ومحاولته ستنتهي بالفشل.”
“لكن ماذا لو كانت هذه مجرد عقبات علينا تجاوزها؟”
سيريل فاكنهاز غير المرحب به، ذلك الرجل غريب الأطوار الذي يتحدث دائمًا في غير موضعه…
وأضاف:
“وبالتأكيد ليس لأن دمك يتوهج ببركة الآلهة!”
“طريق لا بد أن نسلكه قبل بلوغ القمة؟”
في تلك اللحظة، اتكأ سيريل إلى عصاه، وأخذ يخطو في الغرفة بخطوات متعثرة.
ظل سيريل صامتًا بعد سماع كلام تاليس.
مرر يده اليسرى برفق على الجدار القديم، وأصبح تعبيره جادًا إلى درجة جعلت تاليس يعتدل في جلسته دون وعي.
ثم أطلق ضحكة باردة.
تنهد.
“مجرد؟”
رفع سيريل رأسه.
رفع الدوق عصاه مجددًا، وعرج باتجاه تاليس.
ظل سيريل جادًا صارمًا، وإن لم يكن أحد يعرف هل أخذ بنصيحة تاليس السابقة أم لا.
لكن الغريب أن وجه الدوق المرعب لم يعد منفّرًا في نظر تاليس كما كان في البداية.
وتابع:
“انتبه إلى كلماتك، يا تاليس.”
“تل حافة النصل.”
كانت ملامح سيريل فاكنهاز جادة.
لم يستطع تاليس منع صورة شخص غاب عن ذهنه منذ زمن طويل من الظهور مجددًا.
“أظن أن الغراب العجوز سبق أن حذرنا من هذا.”
اشتدت نظرته.
ثم قال:
وتابع:
“لا تدع الغرور الذي يدفعك إلى وضع نفسك فوق الآخرين يهلكك.”
رفع نظره.
“سواء جاء ذلك الغرور من الرضا الذي تشعر به وأنت جالس على العرش…”
“أرأيت؟ ليس من الصعب إجراء حوار طبيعي. تابع هكذا.”
ضاقت عيناه.
ظل الفتى صامتًا لبضع ثوانٍ.
“…أم من التعالي الذي تشعر به وأنت تنظر من فوق إلى أحداث التاريخ.”
ضيق سيريل عينيه، لكن نظرته ظلت نافذة كالسهم.
توتر تاليس دون وعي حين سمع نبرته التي لا تقبل التراجع.
رفع الدوق رأسه وضيق عينيه.
وسط الريح الباردة، ضغطت نظرة دوق الصحراء الغربية الحادة وصوته النافذ على تاليس معًا.
“الآن نستطيع التحدث أخيرًا.”
“أما كلامك عن أنها مجرد عقبات علينا تجاوزها، وطريق لا بد أن نسلكه قبل بلوغ القمة…”
وفي تلك اللحظة، تخلى دوق الصحراء الغربية عن أسلوبه الساخر العابث، وربما المتعمد في إظهار الجهل، وهو أمر نادر منه.
توقف سيريل.
“ولن يؤدي ذلك إلا إلى جعل الأمور أسوأ.”
“فعليك أن تفهم شيئًا.”
ضاقت عيناه.
اشتدت نظرته.
وحش يتغذى على السلطة.
“الظلام الذي يسبق الفجر مباشرة…”
حدق سيريل في تاليس وكأنه يراه للمرة الأولى.
قال ببطء:
قال دوق الصحراء الغربية ضاحكًا:
“…هو أشد الظلام رعبًا.”
مرر يده اليسرى برفق على الجدار القديم، وأصبح تعبيره جادًا إلى درجة جعلت تاليس يعتدل في جلسته دون وعي.
ثم أضاف:
وتذكر مدينة سحاب التنين التي تخلى عنها أتباعها وأحاط بها الأعداء.
“والدمار الذي يسبق انقضاء الإعصار…”
“ولهذا، فإن من يريدون كسر هذه العادات وتحطيم تلك القواعد…”
تجمدت عيناه على تاليس.
“يحرك قطعه في صمت دون أن يطرف له جفن.”
“…هو الأعظم.”
“لا، بل عدة أجيال من الحكام الذين أتوا بعد ذلك الملك، طُعم السلطة الملكية أمام الشعب، وحولوا آلاف الفلاحين إلى خصوم للسادة الإقطاعيين.”
لم يأتِ إلى هنا لمجرد استمالة الأمير الثاني إلى صفه.
