Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 508

شرارة صغيرة
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

شرارة صغيرة

شرارة صغيرة

«آه، الغراب العجوز.»

واصل الحرس الملكي تقدمهم دون توقف. عبروا شوارع لا تحصى، واجتازوا حي الشفق وإقليم نجمة الصباح، متجهين نحو قلب مدينة النجم الأبدي.

«لا يدركون أن المد القادم نحوهم ليس شيئًا تستطيع الجيوش والأموال إيقافه بسهولة.»

كان تاليس كئيبًا، يتحرك كالجثة الهامدة مع الآخرين حيثما قادته خطاهم.

أومأ جيلبرت.

ورغم أن المجموعة التي تتقدم لم تضم سوى نحو عشرين شخصًا، فإن أعداد رجال الشرطة وفرق الأمن العام التي صادفوها في الطريق أخذت تزداد دون أن يلاحظوا متى بدأ ذلك. بدا الأمر مصادفة، لكنهم ظلوا يظهرون تباعًا، ويبعدون العوائق والحشود عن الطريق من غير علم تاليس، حتى تتمكن المجموعة من المرور بسلاسة.

تجمد جيلبرت للحظة.

لكن تاليس لم يملك أدنى رغبة في التدقيق في الأمر.

سواء حرس بوابة القصر، أو الحراس فوق الأسوار، أو أفراد الأمن العام على الطريق…

«هل تعلم أن السيد هيكس أرسل إليّ عدة رسائل خلال الأشهر الماضية؟»

وكاد يتخيل خصمه القديم بوجهه القاتم وهو يكبح غضبه، وأنفاسه تحرك لحيته بينما يحدق…

كان جيلبرت أول من كسر ذلك الصمت الخانق.

وتحت نظرة دوق بحيرة النجوم التي قاربت الذهول، تابع جيلبرت بانزعاج:

«حدثني فيها عن دراستك.»

«وهذه ليست سوى البداية.

حمل صوته المنخفض شيئًا من الحيرة.

في اللحظة التي أصبح فيها تاليس أميرًا، حين غمرت أشعة الغروب قصر النهضة وحولته إلى لون أحمر متوهج.

أفاق تاليس من شروده.

«إذا كان كاركوغل مجرد نائب القائد، فهذا يعني…»

«آه، الغراب العجوز.»

«لقد انتصر.»

تحسنت معنويات دوق بحيرة النجوم الشاب قليلًا. وحاول جاهدًا إقناع نفسه بألا يحمل مشاعره غير الضرورية إلى أحاديثه، فيؤثر بها فيمن حوله.

«الشمال.»

«نعم، لم أشكره بعد. وما حدث في مدينة سحاب التنين يعود إليه فيه فضل كبير.»

تنهد جيلبرت.

وحين شعر جيلبرت بتغير حال الأمير، ازداد صوته حيوية.

ظهر تعبير معقد على وجه ثعلب الكوكبة الماكر، وإن غلب الفخر على صوته.

«لفت انتباهي إلى أن تقدمك يفوق الشخص العادي… قليلًا.»

«بل إن الملك جرّد الكونت والفيكونت من لقبيهما في ساحة الإعدام نفسها، وأنزل ذريتهما إلى مرتبة العامة.»

حاول تاليس، الذي أجبر نفسه على استعادة نشاطه، أن يركز.

نظر إليه جيلبرت عابسًا قليلًا، كأنه يريد قول شيء لكنه متردد.

«يفوقه؟»

أجبر نفسه على إطلاق تعجب مكتوم، رغم تصلب ملامحه.

أومأ جيلبرت.

وحده مالوس، في مقدمة المجموعة، بقي هادئًا كعادته. أمسك اللجام، وثبت قدميه في الركابين، وواصل التقدم بثبات.

«نعم. ورغم أن صدور مثل هذا التعليق منه نادر، فإنه يظل…»

لم يعرف أحد ما يدور في ذهنه في تلك اللحظة.

ضيق وزير الشؤون الخارجية عينيه، وبدا شاردًا للحظة.

«نتيجة الحرب محسومة.

«بعد أن تلقيت رسالة معلمي، فكرت أحيانًا أننا ربما… ربما كنا جميعًا متعجلين أكثر مما ينبغي.»

ألوانه العتيقة المرقطة، درجاته المتتابعة، جدرانه السوداء الثقيلة، هيبته وهو ينتصب شامخًا من الأرض، عبق القرون المتراكم فوقه، ووقاره وهو يطل على كل ما تحته.

نظر إليه تاليس بحيرة.

تنهد جيلبرت، ثم قال بجدية:

«بشأن ماذا؟»

كان تاليس كئيبًا، يتحرك كالجثة الهامدة مع الآخرين حيثما قادته خطاهم.

تنهد جيلبرت، ثم قال بجدية:

عبر الأرض والهواء، كأنه يصل إلى أعماق التراب وأعلى السماوات.

«على الأقل، في مدينة النجم الأبدي، يهتم أبناء النبلاء في مثل سنك أكثر بمظهرهم وملابسهم والولائم… والفتيات.»

ما إن سمع الاسم المألوف حتى قبض تاليس يديه.

«المظهر والملابس والولائم والفتيات، أهذا ما يفترض أن أهتم به؟»

ظل صوته فارغًا، لكن ذهنه أخذ يصفو، وبدأت أفكاره تتحرك من جديد.

توقفت أفكار تاليس للحظة.

«لفت انتباهي إلى أن تقدمك يفوق الشخص العادي… قليلًا.»

ثم تذكر حياته خلال السنوات الست الماضية.

«لقد عاد دوق بحيرة النجوم، أمير الكوكبة، الأول في ترتيب وراثة العرش الأعلى وتاج النجمة ذات الرؤوس التسعة، الأمير النبيل تاليس جاديستار.»

بماذا كان يهتم آنذاك؟

«يسعدني أنك تكن له هذا التقدير.»

وما الذي عاشه فعلًا؟

ضم جيلبرت شفتيه وأومأ.

كاد ذهن الدوق يشرد من جديد، لكنه سحب أفكاره إلى الحاضر فورًا.

استقام الفتى تحت عباءته وسط المجموعة، لكنه أبقى رأسه منخفضًا وصوته هادئًا.

وحين شعر بأن جيلبرت يستعد لإسداء نصيحة ما، ابتسم قسرًا وهز رأسه.

اكتفى بمراقبته في صمت، وانتظر رد فعله.

«عد بذاكرتك بضع سنوات. كان ويا آنذاك دون العشرين.»

«على الأقل، في مدينة النجم الأبدي، يهتم أبناء النبلاء في مثل سنك أكثر بمظهرهم وملابسهم والولائم… والفتيات.»

تجمد جيلبرت كاسو عند سماع الاسم المألوف.

في اللحظة التي أصبح فيها تاليس أميرًا، حين غمرت أشعة الغروب قصر النهضة وحولته إلى لون أحمر متوهج.

ورأى الأمير ينظر إلى السماء الشمالية وهو يقول بنبرة هادئة:

أفاق تاليس من شروده.

«لكن في تلك الأيام في الشمال، كان ابنك يهتم أكثر بسيفه… وبي.»

حين وصلت مجموعة تاليس إلى أسوار قصر النهضة، تحركت أقواس الدفاع العملاقة الداكنة والمدافع الغامضة بفعل التروس والأيدي، واستدارت نحوهم.

ابتسم تاليس وهو يتذكر ويا كاسو، حركاته وصوته وابتسامته.

ابتسم تاليس وهو يتذكر ويا كاسو، حركاته وصوته وابتسامته.

وحين سمع وقع الحوافر من حوله ورأى الحرس الملكي يحيطون به، أدرك فجأة أنه حتى بعد عودته إلى الكوكبة، إلى مدينة النجم الأبدي، فإن هؤلاء الحراس الذين يحمونه…

«آه، الغراب العجوز.»

غرباء عنه تمامًا.

«خبر؟»

فاشتاق إلى الوجوه المألوفة التي أحاطت به ذات يوم.

قصر النهضة.

ويا، رالف، بوتراي، جينارد، ويلو، وذلك الذي كان يسرق أفخاذ الدجاج ويشوي الأرانب…

قصر النهضة.

رافقوه من مدينة النجم الأبدي إلى غابة البتولا، ثم من حصن التنين المحطم إلى مدينة سحاب التنين.

ومض خاطر في ذهن تاليس.

كانوا معه منذ ذلك الحين وحتى الآن.

ما إن انتهت الكلمات حتى ساد الصمت.

فأين هم اليوم؟

«وهذه ليست سوى البداية.

لم يستطع تاليس منع نفسه من الشرود مجددًا.

هرم ضخم مسطح القمة، ظهر في أحلامه مرات لا تحصى.

«يسعدني أنك تكن له هذا التقدير.»

شعر بالمرح، وبشيء من الارتياح أيضًا.

أعادته كلمات جيلبرت إلى الواقع.

«قاد فارس النار الجيش بنفسه، وسحقهما جيش إقليم الرمال السوداء بسهولة.

«لكن ما دمنا نتحدث عنه…»

كان جيلبرت أول من كسر ذلك الصمت الخانق.

ظهر تعبير معقد على وجه ثعلب الكوكبة الماكر، وإن غلب الفخر على صوته.

ولم ينظر إلى السماء الزرقاء الصافية فوقه، بل إلى طبقات من السحب السوداء البعيدة التي بدت كأنها تتدحرج نحوهم.

«تعرف أن ويا عاد إلى مدينة النجم الأبدي عدة مرات خلال الأعوام الماضية حين كان في الشمال، أليس كذلك؟»

«العقوبة؟»

أومأ تاليس.

«لم يعد يستطيع استخدام الكوكبة كسيف يرفعه فوق رقاب أتباعه لإجبارهم على طاعته.»

فرأى جيلبرت يضيق عينيه قليلًا.

لو كان شخصًا آخر، لربما تحير أمام هذا السؤال.

«أظن أنه لم يخبرك بأنه كان يعود لزيارة خطيبته؟»

ولم يستطع أحد وصف شعوره.

كان تاليس لا يزال غارقًا في ذكريات أصدقائه القدامى، فكرر الكلمة دون وعي.

استقام الفتى تحت عباءته وسط المجموعة، لكنه أبقى رأسه منخفضًا وصوته هادئًا.

«خطيبته…»

شخر تاليس وهز كتفيه بخفة فوق حصانه.

ثم تغير وجهه فجأة!

أومأ جيلبرت، وظهرت في عينيه حذَر نادر على ثعلب الكوكبة الماكر.

«ماذا؟»

«على مستوى الإقليم… نعم، لقد انتصر.»

استدار الأمير مصدومًا.

ابتسم تاليس وهو يتذكر ويا كاسو، حركاته وصوته وابتسامته.

فرأى جيلبرت يراقبه بابتسامة عريضة.

«لكنهم لم يفهموا في النهاية.»

«ويا؟»

وانصبت عيون لا تحصى على الفرسان العشرين ونيف، وتعالت الهمسات بينهم.

اتسعت عينا تاليس.

لكن جيلبرت فهم ما يقصده.

أومأ جيلبرت، وفي عينيه ارتياح ممزوج بشيء من الأسى.

وكأن الزمن توقف للحظة.

«ويا.»

ابتسم تاليس وهو يتذكر ويا كاسو، حركاته وصوته وابتسامته.

«ويا؟»

«لحظة، جيلبرت.»

فتح تاليس فمه من شدة الصدمة، وظل يحدق في جيلبرت.

«الظلام.»

«ويا كاسو؟

تجمد تاليس قليلًا.

«هل نتحدث عن ذلك الرجل المتزمت والجاد والوقور كالعجائز؟ الذي يظل عابسًا طوال الوقت، ويتصرف بأدب مبالغ فيه، وينظر إلى رالف بحيرة لأنه لا يعرف كيف يتعامل معه؟ ويا الذي دائمًا ما “يبالغ في استخدام قوته”، ويبقى جسده كله متصلبًا؟»

كان تاليس كئيبًا، يتحرك كالجثة الهامدة مع الآخرين حيثما قادته خطاهم.

رمش تاليس محاولًا استيعاب الخبر.

قصر النهضة.

أما جيلبرت فاكتفى بابتسامة خفيفة.

«هذا…»

أخذ تاليس نفسًا عميقًا وهز رأسه.

«وبعد يوم، انتكس المرض القديم للكونت بيرونو العجوز، الذي يحظى باحترام الجميع، وكانت تربطه علاقة وثيقة بأرشيدوق الرمال السوداء السابق، وكان أشد معارضي الملك تشابمان.»

«ويا… يا ويا!

لكن جيلبرت فهم ما يقصده.

«لم أتوقع هذا.

«من النبيل الذي سيقود الجيش؟»

«لم أتوقعه إطلاقًا!»

سواء حرس بوابة القصر، أو الحراس فوق الأسوار، أو أفراد الأمن العام على الطريق…

شعر بالمرح، وبشيء من الارتياح أيضًا.

«لزم فراشه ولم يعد قادرًا على إدارة شؤون منصبه. فتولى ابنه حكم الإقطاعية، وعدل سياسات والده، ثم خرج بنفسه من المدينة ليستقبل الملك تشابمان بحفاوة أثناء جولته.»

«من كان يتوقع أنك، بتلك العينين الكبيرتين والحاجبين الكثيفين، لديك أيضًا…»

«الظلام.»

لكن جيلبرت أكمل:

«فات الأوان.»

«وهذا يعني أنك أنت أيضًا بلغت السن التي—»

وفي اللحظة التالية، استدارت الفتاة في ذهنه، وكشفت له عن نظرة مألوفة… ومختلفة.

تغير وجه تاليس مجددًا.

«من كان يتوقع أنك، بتلك العينين الكبيرتين والحاجبين الكثيفين، لديك أيضًا…»

«كح… كح!»

«لا.»

انفجر الأمير فجأة في السعال، وانحنى فوق سرجه كأنه يعاني أشد المعاناة.

ثم رفع مالوس يده عاليًا.

تصلب وجه جيلبرت العجوز، لكنه تابع:

اصطف عدد لا يحصى من الجنود والحراس ورجال الشرطة وأفراد الأمن العام أمامهم في نظام محكم. تعاون بعضهم في حفظ النظام، بينما شكل آخرون جدارًا يفصل الطريق عن المدنيين، منتظرين وصول الضيف.

«عليك أن تدرك أن من واجبك ضمان استمرار سلالة المملكة العظيمة—»

«لا.

«كح! كح كح كح!»

«أظن أنه لم يخبرك بأنه كان يعود لزيارة خطيبته؟»

ازداد سعال الأمير ارتفاعًا حتى غطى على صوت وزير الشؤون الخارجية، والتفت بعض الحرس الملكي القريبين منه لينظروا إليه باستغراب.

بينما كان تاليس يستمع، كاد يعجز عن ضبط تعبيره.

وفي النهاية، لم يجد جيلبرت إلا أن يهز رأسه بأسف.

كان جيلبرت قد تجاوز دهشته الأولى، فأومأ للأمير ببطء.

«حسنًا. لا حاجة إلى مواصلة هذا الموضوع.»

ابتسم جيلبرت وهو يتحدث، لكن تاليس شعر بأن شيئًا ما في تلك الابتسامة غير صحيح.

اختفى سعال تاليس فجأة، واستقام ظهره كرمح.

شرارة صغيرة

ضيق جيلبرت عينيه وهو يراقب تاليس يلمس صدره براحة دون أن ينتبه إلى فعلته. وارتسم على وجه الوزير استسلام يوحي بأنه فهم كل شيء.

فاستجاب لها المئات.

«إذًا، آمل أن يثير الخبر التالي اهتمامك.»

أعادته كلمات جيلبرت إلى الواقع.

عندها فقط أفاق تاليس تمامًا.

توقف تاليس فجأة.

«خبر؟»

نحيلة، ضعيفة، هشة، مظلومة، عاجزة، خجولة، وحيدة…

أومأ جيلبرت، وعاد وجهه جادًا.

«ويا؟»

وفي كل مرة يرى تاليس هذا التعبير، كان يتذكر وجه ويا حين ينظر إلى رالف.

كان تاليس لا يزال غارقًا في ذكريات أصدقائه القدامى، فكرر الكلمة دون وعي.

لكن كلمات وزير الشؤون الخارجية التالية جعلت أفكار الأمير تصبح جادة بدورها.

وما الذي عاشه فعلًا؟

«غراب المراسلة الذي وصلنا قبل قليل جاء من الشمال.»

عندها فقط أفاق تاليس تمامًا.

«الشمال.»

«كما ترى، بعد عودتك وهدوء الفوضى على الجبهة الغربية…»

عقد تاليس حاجبيه.

لكن تاليس لم يملك أدنى رغبة في التدقيق في الأمر.

«من بوتراي وويا؟»

«المعلومات التي جمعتها إدارة الاستخبارات السرية محدودة…»

«لا.»

«اكتمل حشد جيشها الاستكشافي المؤلف من عشرة آلاف جندي، وهم مستعدون الآن للتوجه إلى مدينة الصلوات البعيدة والانضمام إلى الحرب. سيتحركون غربًا لمقاتلة تحالف الحرية.»

هز جيلبرت رأسه، ولم يخف توتر وجهه.

«لكن…»

كاد ذهن الدوق يشرد من جديد، لكنه سحب أفكاره إلى الحاضر فورًا.

حث وزير الشؤون الخارجية حصانه واقترب أكثر. انخفض صوته، وثقلت كلماته.

وكاد يتخيل خصمه القديم بوجهه القاتم وهو يكبح غضبه، وأنفاسه تحرك لحيته بينما يحدق…

«قبل أيام، أنهت مدينة سحاب التنين تعبئتها للحرب.»

هبط قلب تاليس.

«مدينة سحاب التنين.»

صهلت الخيول، فعقد كثير من الحرس الملكي حواجبهم وتبادلوا النظرات بحيرة.

ما إن سمع الاسم المألوف حتى قبض تاليس يديه.

«الشمال.»

واصل جيلبرت:

ارتفعت زاوية فمه قليلًا.

«اكتمل حشد جيشها الاستكشافي المؤلف من عشرة آلاف جندي، وهم مستعدون الآن للتوجه إلى مدينة الصلوات البعيدة والانضمام إلى الحرب. سيتحركون غربًا لمقاتلة تحالف الحرية.»

ورغم أن المجموعة التي تتقدم لم تضم سوى نحو عشرين شخصًا، فإن أعداد رجال الشرطة وفرق الأمن العام التي صادفوها في الطريق أخذت تزداد دون أن يلاحظوا متى بدأ ذلك. بدا الأمر مصادفة، لكنهم ظلوا يظهرون تباعًا، ويبعدون العوائق والحشود عن الطريق من غير علم تاليس، حتى تتمكن المجموعة من المرور بسلاسة.

اشتد عبوس تاليس.

«العقوبة؟»

وفي تلك اللحظة، عادت إليه كل ذكريات الشمال: الحرب، والزواج القسري، والتعبئة، وكل ما جرى يوم جلسة شؤون الدولة في مدينة سحاب التنين.

وهذه المرة، أصبح هادئًا وجادًا.

عشرة آلاف جندي.

هرم ضخم مسطح القمة، ظهر في أحلامه مرات لا تحصى.

حاول تاليس استعادة تصوره عن قوة مدينة سحاب التنين.

«عاد الملك تشابمان مسرعًا إلى إقليم الرمال السوداء.»

لم يكن العدد كبيرًا جدًا بالنسبة إليها، لكنه لم يكن قليلًا أيضًا.

استعاد دوق بحيرة النجوم هدوء وجهه رغم شروده، وأومأ دون وعي.

«إذًا…»

قال جيلبرت بصرامة:

«من النبيل الذي سيقود الجيش؟»

استدار الأمير مصدومًا.

أصبح وجه دوق بحيرة النجوم قاتمًا.

«إذًا، بعد زوال القيود التي فرضتها الكوكبة عليهم، سيضطر تحالف الحرية الضعيف إلى الدفاع عن أراضيه وحده، في مواجهة ثلاث مدن قوية من الشمال تمثل مجتمعة قرابة نصف قوة إيكستيدت…»

«من سيقود هذه الحرب؟»

استعاد دوق بحيرة النجوم هدوء وجهه رغم شروده، وأومأ دون وعي.

أومأ جيلبرت ونقل الخبر كما وصله تمامًا.

انفرجت البوابة، فكشفت عن الوجه الحقيقي لقصر النهضة.

«سيكون حاكم مقاطعتي الصيد والأوريغامي، الكونت كان كاركوغل، نائب قائد جيش مدينة سحاب التنين الاستكشافي.»

تردد وزير الشؤون الخارجية في الكلام، فلفت انتباه تاليس.

«كاركوغل.»

وجه يحبس دموعه، وجبهة مبللة بالعرق، ومع ذلك ظلت تحاول العبوس بعناد.

ظهر في ذهن تاليس وجه الكونت ذي الذراع الواحدة، الصلب العنيد، يوم حضر إلى قاعة الأبطال.

«قبل أيام، أنهت مدينة سحاب التنين تعبئتها للحرب.»

تنهد.

أخذ دوق بحيرة النجوم نفسًا عميقًا ورفع رأسه.

«كما توقعت. أفضل مقاتلي مدينة سحاب التنين هو من سيتولى القيادة، أي…»

ظهرت خوذهم الفضية، وعكست ضوء الشمس.

توقف تاليس فجأة.

اشتدت قبضة الأمير على اللجام شيئًا فشيئًا، واستقام ظهره دون وعي.

«لحظة، جيلبرت.»

وانصبت عيون لا تحصى على الفرسان العشرين ونيف، وتعالت الهمسات بينهم.

«قلت نائب القائد؟»

عنيدة، صلبة، مثابرة، حازمة، ثابتة، قوية.

نظر إلى جيلبرت بدهشة.

«خبر؟»

ضم جيلبرت شفتيه وأومأ.

أخذ تاليس نفسًا عميقًا وهز رأسه.

«لحظة.

«أظن أنه لم يخبرك بأنه كان يعود لزيارة خطيبته؟»

«إذا كان كاركوغل مجرد نائب القائد، فهذا يعني…»

تحسنت معنويات دوق بحيرة النجوم الشاب قليلًا. وحاول جاهدًا إقناع نفسه بألا يحمل مشاعره غير الضرورية إلى أحاديثه، فيؤثر بها فيمن حوله.

«لا.»

لكن هذه المرة، لم يفعل تاليس سوى أن رفع رأسه شاردًا تحت أشعة الشمس.

ازداد الذهول وعدم التصديق على وجه تاليس.

أخرج وزير الشؤون الخارجية أنفاسه ببطء.

قال جيلبرت بصرامة:

وتحت نظرة دوق بحيرة النجوم التي قاربت الذهول، تابع جيلبرت بانزعاج:

«وفقًا لآخر الأخبار، ستكون هذه أول حملة عسكرية كبرى تطلقها مدينة سحاب التنين بعد عشرين عامًا من السكون…

«ليس نحن.»

«وستقودها الأرشيدوقة والتون الشابة بنفسها. سترتدي لباس الحرب وتتولى قيادة الجيش شخصيًا إلى ساحة القتال.»

وجه يحبس دموعه، وجبهة مبللة بالعرق، ومع ذلك ظلت تحاول العبوس بعناد.

«الأرشيدوقة…

«سيواجهون الاضطرابات التي أشعلها لامبارد في الغرب.»

«إلى الحرب بنفسها…»

«كما ترى، بعد عودتك وهدوء الفوضى على الجبهة الغربية…»

تجمد تاليس في مكانه.

بدت هيئة مألوفة وكأنها ظهرت من جديد أمام عيني تاليس.

ولم يقل جيلبرت شيئًا أيضًا.

وتحول القصر إلى لون ذهبي تحت ضوء الشمس المائلة إلى الغروب.

اكتفى بمراقبته في صمت، وانتظر رد فعله.

وراقب الضوء الذهبي المبهر يسطع فوق الجدار الخارجي لقصر النهضة.

بدت هيئة مألوفة وكأنها ظهرت من جديد أمام عيني تاليس.

تحسنت معنويات دوق بحيرة النجوم الشاب قليلًا. وحاول جاهدًا إقناع نفسه بألا يحمل مشاعره غير الضرورية إلى أحاديثه، فيؤثر بها فيمن حوله.

فتاة تنتحب في الظلام وتسأله إن كان بوسعها الهرب.

حين وصلت مجموعة تاليس إلى أسوار قصر النهضة، تحركت أقواس الدفاع العملاقة الداكنة والمدافع الغامضة بفعل التروس والأيدي، واستدارت نحوهم.

نحيلة، ضعيفة، هشة، مظلومة، عاجزة، خجولة، وحيدة…

وسط هدير مدوٍّ يصم الآذان، بدأت السلاسل الفولاذية تتحرك.

تتشبث بذراعه، تختبئ خلفه، ولا تكف عن الارتجاف.

«ولم يجرؤ أي نبيل في إقليم الرمال السوداء، كبيرًا كان أم صغيرًا، على التدخل.»

«آه… فهمت…»

وعندها فقط لاحظ تاليس أنهم، في وقت لم ينتبه إليه، اجتازوا عددًا لا يحصى من الشوارع.

استعاد دوق بحيرة النجوم هدوء وجهه رغم شروده، وأومأ دون وعي.

ضيق عينيه وتكلم بصوت خافت للغاية.

«يا للمفاجأة.»

نظر إلى السكان العاديين المفصولين على جانبي الطريق، ثم إلى الجنود والحراس الواقفين باستقامة من حولهم، وأخيرًا إلى قلب المملكة أمامه، الذي لم يعد يفصله عنه سوى أسوار القصر.

أجبر نفسه على إطلاق تعجب مكتوم، رغم تصلب ملامحه.

«تحالف الحرية هالك.»

لكن لم يعرف أحد أن ما شعر به في تلك اللحظة كان…

ورفع حامل الراية هوغو راية النجمة ذات الرؤوس التسعة عاليًا، فرفرفت مع الريح.

غريبًا إلى حد لا يوصف.

«ماذا؟»

مزيجًا من مشاعر مختلفة متشابكة.

هز جيلبرت رأسه، ولم يخف توتر وجهه.

وفي اللحظة التالية، استدارت الفتاة في ذهنه، وكشفت له عن نظرة مألوفة… ومختلفة.

اشتد عبوس تاليس.

وجه يحبس دموعه، وجبهة مبللة بالعرق، ومع ذلك ظلت تحاول العبوس بعناد.

وهذه المرة، أصبح هادئًا وجادًا.

عنيدة، صلبة، مثابرة، حازمة، ثابتة، قوية.

أومأ جيلبرت، وعاد وجهه جادًا.

وقفت أمام أعلى مقعد، ورفعت ذراعها، وهتفت أمام آلاف الجنود.

كأن كل جملة ينطق بها جيلبرت تحمل معها ثلوج الشمال وجليده.

فاستجاب لها المئات.

«من كان يتوقع أنك، بتلك العينين الكبيرتين والحاجبين الكثيفين، لديك أيضًا…»

ومر وقت بدا طويلًا.

تنهد.

طال صمت تاليس حتى كاد جيلبرت يعجز عن كبح رغبته في الكلام.

اتسعت عينا تاليس.

«إذًا نجحوا.»

تخيل تاليس وجه الملك قاتل القربى المتجهم بعد هزيمته، فتلاشى بعض الضيق الذي أثقل صدره منذ شعوره بأنه فقد وطنه.

خرج صوت تاليس خافتًا، وحاول طرد الصور غير الضرورية من ذهنه وإجبار نفسه على التفكير من منظور عملي.

قاطعه الأمير.

«روكني من مدينة الصلوات البعيدة، وليكو من مدينة الدفاع، والتون من مدينة سحاب التنين. تحالف مدن إيكستيدت الثلاث.

أومأ جيلبرت، وفي عينيه ارتياح ممزوج بشيء من الأسى.

«لقد وقفوا أخيرًا في جبهة واحدة.»

«لكن ما دمنا نتحدث عنه…»

ظل صوته فارغًا، لكن ذهنه أخذ يصفو، وبدأت أفكاره تتحرك من جديد.

ورفع حامل الراية هوغو راية النجمة ذات الرؤوس التسعة عاليًا، فرفرفت مع الريح.

«سيواجهون الاضطرابات التي أشعلها لامبارد في الغرب.»

«إذا كان كاركوغل مجرد نائب القائد، فهذا يعني…»

أخذ دوق بحيرة النجوم نفسًا عميقًا ورفع رأسه.

مزيجًا من مشاعر مختلفة متشابكة.

«وماذا عنا؟»

«لكنهم لم يفهموا في النهاية.»

لو كان شخصًا آخر، لربما تحير أمام هذا السؤال.

أخذ تاليس نفسًا عميقًا وهز رأسه.

لكن جيلبرت فهم ما يقصده.

وهذه المرة، أصبح هادئًا وجادًا.

أخرج وزير الشؤون الخارجية أنفاسه ببطء.

كأن كل جملة ينطق بها جيلبرت تحمل معها ثلوج الشمال وجليده.

«كما ترى، بعد عودتك وهدوء الفوضى على الجبهة الغربية…»

تجمد تاليس في مكانه.

ارتفعت زاوية فمه قليلًا.

ارتجف تاليس وجيلبرت معًا.

«لم يعد هناك سبب لبقاء الجنود النظاميين التابعين للعائلة المالكة تحت قيادة البارون ويليامز، ولا المجندين الذين بذل أسياد الصحراء الغربية جهدًا كبيرًا لحشدهم، في الصحراء يهدرون الوقت والجهد في الدوريات.»

ما إن سمع الاسم المألوف حتى قبض تاليس يديه.

أخذ تاليس نفسًا عميقًا وأغمض عينيه.

حاول تاليس، الذي أجبر نفسه على استعادة نشاطه، أن يركز.

«إذًا، بعد زوال القيود التي فرضتها الكوكبة عليهم، سيضطر تحالف الحرية الضعيف إلى الدفاع عن أراضيه وحده، في مواجهة ثلاث مدن قوية من الشمال تمثل مجتمعة قرابة نصف قوة إيكستيدت…»

وهذه المرة، أصبح هادئًا وجادًا.

فتح دوق بحيرة النجوم عينيه.

نظر الأمير الثاني إلى السماء وتنهد، ثم أغمض عينيه.

وهذه المرة، أصبح هادئًا وجادًا.

ثم تذكر حياته خلال السنوات الست الماضية.

«نتيجة الحرب محسومة.

أخرج وزير الشؤون الخارجية نفسًا غير طبيعي.

«تحالف الحرية هالك.»

«وفقًا لآخر الأخبار، ستكون هذه أول حملة عسكرية كبرى تطلقها مدينة سحاب التنين بعد عشرين عامًا من السكون…

لم يقل جيلبرت شيئًا.

حث مالوس حصانه إلى الأمام ببطء، وواجه أقواس الدفاع المرعبة بلا أدنى اضطراب.

اكتفى بالإيماء اعترافًا بالحقيقة.

واصل جيلبرت:

وبعد ثوانٍ، ابتسم تاليس، وتحسن مزاجه.

تنهد جيلبرت.

نظر إلى جيلبرت مبتسمًا.

شرارة صغيرة

«الآن جاء دور الملك تشابمان ليقلق. لقد هربت أنا، وانسحبت الكوكبة أيضًا. وهكذا خسر لامبارد ورقة الضغط التي يملكها وذريعته.

استقام الفتى تحت عباءته وسط المجموعة، لكنه أبقى رأسه منخفضًا وصوته هادئًا.

«لم يعد يستطيع استخدام الكوكبة كسيف يرفعه فوق رقاب أتباعه لإجبارهم على طاعته.»

تجمد تاليس قليلًا.

تخيل تاليس وجه الملك قاتل القربى المتجهم بعد هزيمته، فتلاشى بعض الضيق الذي أثقل صدره منذ شعوره بأنه فقد وطنه.

«قلعتان كاملتان…

حتى التنفس أصبح أسهل.

ثم تابع بوجه جاد، حين رأى النظرة القاتمة التي ظهرت على تاليس:

«ومن ناحية أخرى، ما إن تنضم مدينة سحاب التنين إلى روكني حتى تزول مخاوف مدينة الصلوات البعيدة.

استعاد دوق بحيرة النجوم هدوء وجهه رغم شروده، وأومأ دون وعي.

«وسيجد إقليم الرمال السوداء نفسه أمام عدو إضافي، فتزداد القوى المعارضة للملك قوة.»

تدفقت الذكريات إلى ذهن تاليس.

شخر تاليس وهز كتفيه بخفة فوق حصانه.

وصامتًا.

«خسر لامبارد على الجبهتين.»

«حدثني فيها عن دراستك.»

وكاد يتخيل خصمه القديم بوجهه القاتم وهو يكبح غضبه، وأنفاسه تحرك لحيته بينما يحدق…

ثم رفع مالوس يده عاليًا.

سعل جيلبرت.

«قبل ست سنوات، أثناء المؤتمر الوطني.»

تردد وزير الشؤون الخارجية في الكلام، فلفت انتباه تاليس.

«لا يدركون أن المد القادم نحوهم ليس شيئًا تستطيع الجيوش والأموال إيقافه بسهولة.»

«في الحقيقة، يا صاحب السمو، قبل بضعة أسابيع، بعد هروبك من إيكستيدت ووصول أخبار جلسة شؤون الدولة إلينا…»

أخرج وزير الشؤون الخارجية أنفاسه ببطء.

نظر إليه جيلبرت عابسًا قليلًا، كأنه يريد قول شيء لكنه متردد.

نحيلة، ضعيفة، هشة، مظلومة، عاجزة، خجولة، وحيدة…

هبط قلب تاليس.

ولم يقل جيلبرت شيئًا أيضًا.

أخرج وزير الشؤون الخارجية نفسًا غير طبيعي.

«أما العائلتان الأخيرتان اللتان منحهما ملوك إيكستيدت الراحلون أراضيهما، فقد قاومتا بشدة ورفضتا فتح الأبواب لاستقبال الملك…

«عاد الملك تشابمان مسرعًا إلى إقليم الرمال السوداء.»

«إذًا، بعد زوال القيود التي فرضتها الكوكبة عليهم، سيضطر تحالف الحرية الضعيف إلى الدفاع عن أراضيه وحده، في مواجهة ثلاث مدن قوية من الشمال تمثل مجتمعة قرابة نصف قوة إيكستيدت…»

شد جيلبرت اللجام وحدق في البعيد بوجه قاتم.

تخيل تاليس وجه الملك قاتل القربى المتجهم بعد هزيمته، فتلاشى بعض الضيق الذي أثقل صدره منذ شعوره بأنه فقد وطنه.

«وفي غضون أيام قليلة، زار تشابمان الأول تقريبًا كل تابع عارضه.»

«يفوقه؟»

اشتد عبوس تاليس.

«وهذه ليست سوى البداية.

«زارهم؟»

تخيل تاليس وجه الملك قاتل القربى المتجهم بعد هزيمته، فتلاشى بعض الضيق الذي أثقل صدره منذ شعوره بأنه فقد وطنه.

تذكر الأمير فورًا «زيارات» الملك تشابمان في مدينة سحاب التنين، سواء حين زاره هو أو حين دخل قاعة الأبطال.

«أعرف.»

وشعر فجأة بأن الأمر ينذر بالسوء.

فاستجاب لها المئات.

تنهد جيلبرت وهو يراقب تعبيره.

وحين شعر جيلبرت بتغير حال الأمير، ازداد صوته حيوية.

«المعلومات التي جمعتها إدارة الاستخبارات السرية محدودة…»

لم يعد في قلبه متسع لمزيد من الصدمة.

ثم تابع بوجه جاد، حين رأى النظرة القاتمة التي ظهرت على تاليس:

كأن كل جملة ينطق بها جيلبرت تحمل معها ثلوج الشمال وجليده.

«لكن المؤكد أنه، حين أمرهم بحشد جيوشهم والتقدم غربًا، كان آل مينديس وآل داونسون، اللذان رفضا دائمًا دفع الضرائب في إقليم الرمال السوداء، أول من استسلم. أعلنا رغبتهما في العودة تحت راية الملك، وإن كانت التفاصيل الحقيقية لما جرى لا تزال مجهولة.»

ظل صوته فارغًا، لكن ذهنه أخذ يصفو، وبدأت أفكاره تتحرك من جديد.

شعر تاليس بخيبة.

«لفت انتباهي إلى أن تقدمك يفوق الشخص العادي… قليلًا.»

«أما آل إيكا، الأقرب إلى برج الإصلاح والخاضعون لمراقبة لامبارد، فلعلهم خافوا من وجود تواصل سري بين الأرشيدوق ترينتيدا ولامبارد. وقبل أن يذهب الملك إليهم، سحبوا دعواتهم إلى رفض الضرائب، وأرسلوا ضريبة الحبوب لهذا الموسم طوعًا إلى مدينة الرمال السوداء.»

اشتدت قبضة الأمير على اللجام شيئًا فشيئًا، واستقام ظهره دون وعي.

«عد بذاكرتك بضع سنوات. كان ويا آنذاك دون العشرين.»

لكن جيلبرت واصل حديثه متنهدًا.

حاول تاليس، الذي أجبر نفسه على استعادة نشاطه، أن يركز.

«وبعد يوم، انتكس المرض القديم للكونت بيرونو العجوز، الذي يحظى باحترام الجميع، وكانت تربطه علاقة وثيقة بأرشيدوق الرمال السوداء السابق، وكان أشد معارضي الملك تشابمان.»

وانصبت عيون لا تحصى على الفرسان العشرين ونيف، وتعالت الهمسات بينهم.

بدأ تاليس يسمع صوت أنفاسه.

بماذا كان يهتم آنذاك؟

«لزم فراشه ولم يعد قادرًا على إدارة شؤون منصبه. فتولى ابنه حكم الإقطاعية، وعدل سياسات والده، ثم خرج بنفسه من المدينة ليستقبل الملك تشابمان بحفاوة أثناء جولته.»

وتحت نظرة دوق بحيرة النجوم التي قاربت الذهول، تابع جيلبرت بانزعاج:

وتحت نظرة دوق بحيرة النجوم التي قاربت الذهول، تابع جيلبرت بانزعاج:

«نحن، خمسة وعشرون من الحرس الملكي، امتثلنا لأمر الملك ورافقنا شخصية جليلة.»

«أما العائلتان الأخيرتان اللتان منحهما ملوك إيكستيدت الراحلون أراضيهما، فقد قاومتا بشدة ورفضتا فتح الأبواب لاستقبال الملك…

«المعلومات التي جمعتها إدارة الاستخبارات السرية محدودة…»

«فنالتهما العقوبة.»

«العقوبة؟»

صر تاليس على أسنانه.

استعاد دوق بحيرة النجوم هدوء وجهه رغم شروده، وأومأ دون وعي.

«العقوبة؟»

«تعرف أن ويا عاد إلى مدينة النجم الأبدي عدة مرات خلال الأعوام الماضية حين كان في الشمال، أليس كذلك؟»

أومأ جيلبرت، وظهرت في عينيه حذَر نادر على ثعلب الكوكبة الماكر.

تنهد جيلبرت.

«تحت حماية العائلات الأربع الكبرى، هاجم جيش الملك تشابمان المدينتين، وسُفكت الدماء إعلانًا للحرب.

ولم يستطع أحد وصف شعوره.

«قلعتان كاملتان…

كعملاق يسير بلا صوت، لكنه يحجب السماء.

«قاد فارس النار الجيش بنفسه، وسحقهما جيش إقليم الرمال السوداء بسهولة.

عندها فقط أفاق تاليس تمامًا.

«حققوا النصر في اليوم الأول، وسيطروا على المدينتين خلال ثلاثة أيام.»

«الشمال.»

بلغ الحذر والجدية في وجه جيلبرت ذروتهما.

قصر النهضة.

«ووفقًا لطقوس الشماليين القديمة، عُلقت رؤوس من خالفوا أمر الملك على البوابات، تحذيرًا لكل من يفكر في عصيانه.

ومر وقت بدا طويلًا.

«بل إن الملك جرّد الكونت والفيكونت من لقبيهما في ساحة الإعدام نفسها، وأنزل ذريتهما إلى مرتبة العامة.»

«خبر؟»

بينما كان تاليس يستمع، كاد يعجز عن ضبط تعبيره.

اصطف عدد لا يحصى من الجنود والحراس ورجال الشرطة وأفراد الأمن العام أمامهم في نظام محكم. تعاون بعضهم في حفظ النظام، بينما شكل آخرون جدارًا يفصل الطريق عن المدنيين، منتظرين وصول الضيف.

كأن كل جملة ينطق بها جيلبرت تحمل معها ثلوج الشمال وجليده.

كان تاليس لا يزال غارقًا في ذكريات أصدقائه القدامى، فكرر الكلمة دون وعي.

تنهد جيلبرت ببطء.

«غراب المراسلة الذي وصلنا قبل قليل جاء من الشمال.»

«ولم ينته الأمر عند ذلك. ففي اليوم نفسه، استغل الملك تشابمان الهيبة التي اكتسبها بعد إسقاط المدينتين، وخالف الأعراف ومسح عددًا من النبلاء الجدد المنحدرين من أصول متواضعة.

وتحول القصر إلى لون ذهبي تحت ضوء الشمس المائلة إلى الغروب.

«ولم يجرؤ أي نبيل في إقليم الرمال السوداء، كبيرًا كان أم صغيرًا، على التدخل.»

أومأ جيلبرت، وعاد وجهه جادًا.

أرخى تاليس جسده ببطء، واستقرت ذراعاه فوق الحصان.

أخذ تاليس نفسًا عميقًا وهز رأسه.

لم يعد في قلبه متسع لمزيد من الصدمة.

تنهد جيلبرت ببطء.

هز جيلبرت رأسه.

فرآه.

«وحتى اليوم، لم يبقَ سوى بضع عائلات صغيرة لا تزال تعلن بصوت مرتفع رفضها الخضوع للملك، سواء بدافع المبادئ أو المصالح. لكنها تعيش قرب حدود إقليم الرمال السوداء، ولا تؤثر كثيرًا في الوضع العام.»

«لكن في تلك الأيام في الشمال، كان ابنك يهتم أكثر بسيفه… وبي.»

لكن تاليس لم يدعه يتابع.

أعادته كلمات جيلبرت إلى الواقع.

«لقد فعلها.»

تجمد جيلبرت للحظة، ولم يجد ما يقوله.

حدق الأمير شاردًا في السماء الشمالية، وكأنه يرى ذلك الملك المرعب القاسي.

ضيق جيلبرت عينيه وهو يراقب تاليس يلمس صدره براحة دون أن ينتبه إلى فعلته. وارتسم على وجه الوزير استسلام يوحي بأنه فهم كل شيء.

«لقد انتصر.»

«لا.»

راقب جيلبرت تعبير تاليس بقلق، فسعل.

أجبر ثعلب الكوكبة الماكر نفسه على الابتسام، ثم غيّر نبرته من الحذر والخوف إلى شيء أكثر حيوية.

«على مستوى الإقليم… نعم، لقد انتصر.»

ثم أومأ النبيل الذي يحرس البوابة، واستدار ولوّح بيده.

أجبر ثعلب الكوكبة الماكر نفسه على الابتسام، ثم غيّر نبرته من الحذر والخوف إلى شيء أكثر حيوية.

نظر إلى السكان العاديين المفصولين على جانبي الطريق، ثم إلى الجنود والحراس الواقفين باستقامة من حولهم، وأخيرًا إلى قلب المملكة أمامه، الذي لم يعد يفصله عنه سوى أسوار القصر.

«لكن بالنسبة إلى القوى الخارجية، سواء برج الإصلاح أو إقليم أوركيد الهيبة، فقد عززوا دفاعاتهم فور وصول الأخبار، وأرسلوا المزيد من الجنود إلى حدود إقليم الرمال السوداء…

وسط هدير الرنين في أذنيه، استدار تاليس ببطء نحو جيلبرت، وكأنه أدرك شيئًا.

«وفي الوقت نفسه، ثارت مشاعر الأرشيدوقات الآخرين في إيكستيدت. وأرسلوا قوات مسلحة للضغط على إقليم الرمال السوداء، من مدينة الصلوات البعيدة، ومدينة المنارة، ومدينة إيلافور، وبحر الجليد. بل إن كثيرًا من الشماليين شككوا علنًا في أصل عرش تشابمان…»

فرآه.

ابتسم جيلبرت وهو يتحدث، لكن تاليس شعر بأن شيئًا ما في تلك الابتسامة غير صحيح.

«إذا كان كاركوغل مجرد نائب القائد، فهذا يعني…»

«لقد أثار إقليم الرمال السوداء غضب الجميع، والملك تشابمان عاجز عن مواجهة الوضع وحده. كما أن الاقتصاد في ظل حكمه غير مستقر—»

عبر الأرض والهواء، كأنه يصل إلى أعماق التراب وأعلى السماوات.

قاطعه الأمير.

كأن كل جملة ينطق بها جيلبرت تحمل معها ثلوج الشمال وجليده.

«فات الأوان.»

«وبعد يوم، انتكس المرض القديم للكونت بيرونو العجوز، الذي يحظى باحترام الجميع، وكانت تربطه علاقة وثيقة بأرشيدوق الرمال السوداء السابق، وكان أشد معارضي الملك تشابمان.»

استقام الفتى تحت عباءته وسط المجموعة، لكنه أبقى رأسه منخفضًا وصوته هادئًا.

توقف تاليس فجأة.

«تشابمان لامبارد… ربما لا يعترف به كثيرون ملكًا على إيكستيدت.»

ولم يقل جيلبرت شيئًا أيضًا.

ضم تاليس شفتيه بإحكام.

اشتد عبوس تاليس.

وحين تخيل نفسه في مواجهة لامبارد، شعر كأن الضغط الهائل الذي كان يحسه أمام ذلك الملك تحول إلى ثقل حقيقي يستقر فوق كتفيه.

وحين تخيل نفسه في مواجهة لامبارد، شعر كأن الضغط الهائل الذي كان يحسه أمام ذلك الملك تحول إلى ثقل حقيقي يستقر فوق كتفيه.

«لكنه الآن أصبح ملك إقليم الرمال السوداء.»

«غراب المراسلة الذي وصلنا قبل قليل جاء من الشمال.»

تجمد جيلبرت للحظة، ولم يجد ما يقوله.

أصبح وجه دوق بحيرة النجوم قاتمًا.

نظر الأمير الثاني إلى السماء وتنهد، ثم أغمض عينيه.

ضيق عينيه وتكلم بصوت خافت للغاية.

«قلت لهم هذا من قبل. قلت لهم ذلك في قاعة الأبطال…

حث وزير الشؤون الخارجية حصانه واقترب أكثر. انخفض صوته، وثقلت كلماته.

«لكنهم لم يفهموا في النهاية.»

بلغ الحذر والجدية في وجه جيلبرت ذروتهما.

فتح تاليس عينيه.

«هل نتحدث عن ذلك الرجل المتزمت والجاد والوقور كالعجائز؟ الذي يظل عابسًا طوال الوقت، ويتصرف بأدب مبالغ فيه، وينظر إلى رالف بحيرة لأنه لا يعرف كيف يتعامل معه؟ ويا الذي دائمًا ما “يبالغ في استخدام قوته”، ويبقى جسده كله متصلبًا؟»

ولم ينظر إلى السماء الزرقاء الصافية فوقه، بل إلى طبقات من السحب السوداء البعيدة التي بدت كأنها تتدحرج نحوهم.

«آخر مرة قُرع فيها كانت أثناء—»

«لا يدركون أن المد القادم نحوهم ليس شيئًا تستطيع الجيوش والأموال إيقافه بسهولة.»

فتح تاليس فمه من شدة الصدمة، وظل يحدق في جيلبرت.

تجمد جيلبرت للحظة.

خرج من القصر نبيل يرتدي زيًا شبيهًا بزي مالوس، تحيط به فرقة من الجنود. واقترب من مجموعة تاليس، ثم رفع ذراعه اليمنى عاليًا وأظهر راحة يده.

صر الأمير على أسنانه وعقد حاجبيه.

ولم يستطع أحد وصف شعوره.

«وهذه ليست سوى البداية.

كان جيلبرت أول من كسر ذلك الصمت الخانق.

«تشابمان لامبارد… لن يزداد إلا قوة وجشعًا و…»

«إذًا، آمل أن يثير الخبر التالي اهتمامك.»

توقف تاليس، وأخرج أنفاسه من أنفه بغضب.

تنهد جيلبرت، ثم قال بجدية:

بدا أن جيلبرت لم يعد يحتمل رؤيته بهذه الحال.

ولم يستطع أحد وصف شعوره.

«يا صاحب السمو، لا داعي إلى كل هذا القلق. مهما بلغت قوة الملك تشابمان، لا يزال بإمكاننا—»

«فات الأوان.»

لكن تاليس هز رأسه.

«يا صاحب السمو، لا داعي إلى كل هذا القلق. مهما بلغت قوة الملك تشابمان، لا يزال بإمكاننا—»

«لا.

ظل تاليس يحدق في القصر الهائل أمامه طويلًا قبل أن يفيق من شروده.

«ليس نحن.»

استدار الأمير مصدومًا.

ظل يحدق في السحب السوداء عند الأفق.

«عد بذاكرتك بضع سنوات. كان ويا آنذاك دون العشرين.»

«القتل، والاستيلاء، وتنصيب أتباع جدد… ما يفعله الملك تشابمان الآن ليس سوى شرارة صغيرة، لكنها لن تُوقف.»

سواء حرس بوابة القصر، أو الحراس فوق الأسوار، أو أفراد الأمن العام على الطريق…

استمع جيلبرت إلى كلمات الأمير، وغرق في صمت متأمل.

أومأ جيلبرت، وعاد وجهه جادًا.

«وفي النهاية، ستحرق الشمال كله.»

لكن جيلبرت فهم ما يقصده.

خفض تاليس رأسه ونظر إلى الطريق أمامه، وقد بلغت الجدية في عينيه ذروتها.

تجمد تاليس في مكانه.

وفي تلك اللحظة…

تجمد تاليس قليلًا.

«دوووونغ!»

عقد تاليس حاجبيه.

دوى صوت جرس في كل مكان.

«لا يدركون أن المد القادم نحوهم ليس شيئًا تستطيع الجيوش والأموال إيقافه بسهولة.»

ارتجف تاليس وجيلبرت معًا.

هرم ضخم مسطح القمة، ظهر في أحلامه مرات لا تحصى.

ارتفع رنين الجرس خافتًا ثم انتشر على هيئة موجات متتابعة، طويلًا، مهيبًا، يهز القلوب.

«لقد عاد دوق بحيرة النجوم، أمير الكوكبة، الأول في ترتيب وراثة العرش الأعلى وتاج النجمة ذات الرؤوس التسعة، الأمير النبيل تاليس جاديستار.»

عبر الأرض والهواء، كأنه يصل إلى أعماق التراب وأعلى السماوات.

تنهد جيلبرت وهو يراقب تعبيره.

وظل صداه الثقيل معلقًا في الجو طويلًا.

أخرج وزير الشؤون الخارجية نفسًا غير طبيعي.

صهلت الخيول، فعقد كثير من الحرس الملكي حواجبهم وتبادلوا النظرات بحيرة.

«آه… فهمت…»

وحده مالوس، في مقدمة المجموعة، بقي هادئًا كعادته. أمسك اللجام، وثبت قدميه في الركابين، وواصل التقدم بثبات.

لم يقل جيلبرت شيئًا.

«هذا…»

تجمد تاليس قليلًا.

وسط هدير الرنين في أذنيه، استدار تاليس ببطء نحو جيلبرت، وكأنه أدرك شيئًا.

ازداد سعال الأمير ارتفاعًا حتى غطى على صوت وزير الشؤون الخارجية، والتفت بعض الحرس الملكي القريبين منه لينظروا إليه باستغراب.

كان جيلبرت قد تجاوز دهشته الأولى، فأومأ للأمير ببطء.

تذكر الأمير فورًا «زيارات» الملك تشابمان في مدينة سحاب التنين، سواء حين زاره هو أو حين دخل قاعة الأبطال.

«جرس الكوكبة.»

نظر الأمير الثاني إلى السماء وتنهد، ثم أغمض عينيه.

ومض خاطر في ذهن تاليس.

وفي اللحظة نفسها، أنزل الحرس الملكي الخمسة والعشرون أغطية رؤوسهم.

تنهد جيلبرت.

«قلت لهم هذا من قبل. قلت لهم ذلك في قاعة الأبطال…

«آخر مرة قُرع فيها كانت أثناء—»

صر تاليس على أسنانه.

«أعرف.»

«وفي الوقت نفسه، ثارت مشاعر الأرشيدوقات الآخرين في إيكستيدت. وأرسلوا قوات مسلحة للضغط على إقليم الرمال السوداء، من مدينة الصلوات البعيدة، ومدينة المنارة، ومدينة إيلافور، وبحر الجليد. بل إن كثيرًا من الشماليين شككوا علنًا في أصل عرش تشابمان…»

تدفقت الذكريات إلى ذهن تاليس.

دوى صوت مالوس على الطريق أمام بوابة القصر، وارتد عن جدران قصر النهضة ليملأ الجادة الفسيحة.

وقال مذهولًا:

لم يكن العدد كبيرًا جدًا بالنسبة إليها، لكنه لم يكن قليلًا أيضًا.

«قبل ست سنوات، أثناء المؤتمر الوطني.»

أخرج وزير الشؤون الخارجية نفسًا غير طبيعي.

لكن حنينه لم يدم طويلًا.

ابتسم تاليس وهو يتذكر ويا كاسو، حركاته وصوته وابتسامته.

فقد انعطفت المجموعة سريعًا إلى شارع آخر، ثم دخلت طريقًا رئيسيًا جديدًا.

توقفت أفكار تاليس للحظة.

وعندها فقط لاحظ تاليس أنهم، في وقت لم ينتبه إليه، اجتازوا عددًا لا يحصى من الشوارع.

ورغم أن المجموعة التي تتقدم لم تضم سوى نحو عشرين شخصًا، فإن أعداد رجال الشرطة وفرق الأمن العام التي صادفوها في الطريق أخذت تزداد دون أن يلاحظوا متى بدأ ذلك. بدا الأمر مصادفة، لكنهم ظلوا يظهرون تباعًا، ويبعدون العوائق والحشود عن الطريق من غير علم تاليس، حتى تتمكن المجموعة من المرور بسلاسة.

كما ابتعد الناس من حولهم تدريجيًا، حتى فصلتهم عن المجموعة مسافة مئة خطوة تقريبًا، خلف صفوف فرق الأمن العام التي أخذت أعدادها تتزايد. وقفوا في أماكنهم يراقبون بوجوه فضولية وعيون مترقبة.

خفض تاليس رأسه ونظر إلى الطريق أمامه، وقد بلغت الجدية في عينيه ذروتها.

اصطف عدد لا يحصى من الجنود والحراس ورجال الشرطة وأفراد الأمن العام أمامهم في نظام محكم. تعاون بعضهم في حفظ النظام، بينما شكل آخرون جدارًا يفصل الطريق عن المدنيين، منتظرين وصول الضيف.

سواء حرس بوابة القصر، أو الحراس فوق الأسوار، أو أفراد الأمن العام على الطريق…

أما الطريق الذي سلكه الحرس الملكي، فقد تحول إلى جادة واسعة ومستوية.

كان تاليس لا يزال غارقًا في ذكريات أصدقائه القدامى، فكرر الكلمة دون وعي.

وبطبيعة الحال، كان أكثر ما يجذب الأنظار في نهاية الطريق…

أجبر نفسه على إطلاق تعجب مكتوم، رغم تصلب ملامحه.

أخذ تاليس نفسًا شاردًا ورفع رأسه ببطء.

تجمد تاليس قليلًا.

فرآه.

«لزم فراشه ولم يعد قادرًا على إدارة شؤون منصبه. فتولى ابنه حكم الإقطاعية، وعدل سياسات والده، ثم خرج بنفسه من المدينة ليستقبل الملك تشابمان بحفاوة أثناء جولته.»

ذلك المكان.

«كما توقعت. أفضل مقاتلي مدينة سحاب التنين هو من سيتولى القيادة، أي…»

ألوانه العتيقة المرقطة، درجاته المتتابعة، جدرانه السوداء الثقيلة، هيبته وهو ينتصب شامخًا من الأرض، عبق القرون المتراكم فوقه، ووقاره وهو يطل على كل ما تحته.

لم يعرف أحد ما يدور في ذهنه في تلك اللحظة.

قصر النهضة.

ضيق عينيه وتكلم بصوت خافت للغاية.

هرم ضخم مسطح القمة، ظهر في أحلامه مرات لا تحصى.

«إذًا، آمل أن يثير الخبر التالي اهتمامك.»

وها هو يظهر أمام عينيه مجددًا على نحو مفاجئ، رغم أنه كان يتوقع رؤيته.

وكاد يتخيل خصمه القديم بوجهه القاتم وهو يكبح غضبه، وأنفاسه تحرك لحيته بينما يحدق…

كعملاق يسير بلا صوت، لكنه يحجب السماء.

قال جيلبرت بصرامة:

طاغيًا في حضوره.

ورغم أن المجموعة التي تتقدم لم تضم سوى نحو عشرين شخصًا، فإن أعداد رجال الشرطة وفرق الأمن العام التي صادفوها في الطريق أخذت تزداد دون أن يلاحظوا متى بدأ ذلك. بدا الأمر مصادفة، لكنهم ظلوا يظهرون تباعًا، ويبعدون العوائق والحشود عن الطريق من غير علم تاليس، حتى تتمكن المجموعة من المرور بسلاسة.

وصامتًا.

تنهد.

ظل تاليس يحدق في القصر الهائل أمامه طويلًا قبل أن يفيق من شروده.

شعر بالمرح، وبشيء من الارتياح أيضًا.

وبعد أن دخلوا الممر الذي يحرسه حرس القصر، أبطأ الحرس الملكي سرعتهم وجعلوا خيولهم تخطو بهدوء.

ازداد سعال الأمير ارتفاعًا حتى غطى على صوت وزير الشؤون الخارجية، والتفت بعض الحرس الملكي القريبين منه لينظروا إليه باستغراب.

ثم رفع مالوس يده عاليًا.

خرج صوت تاليس خافتًا، وحاول طرد الصور غير الضرورية من ذهنه وإجبار نفسه على التفكير من منظور عملي.

وفي اللحظة نفسها، أنزل الحرس الملكي الخمسة والعشرون أغطية رؤوسهم.

نظر إلى جيلبرت مبتسمًا.

ظهرت خوذهم الفضية، وعكست ضوء الشمس.

هز جيلبرت رأسه، ولم يخف توتر وجهه.

ورفع حامل الراية هوغو راية النجمة ذات الرؤوس التسعة عاليًا، فرفرفت مع الريح.

«في الحقيقة، يا صاحب السمو، قبل بضعة أسابيع، بعد هروبك من إيكستيدت ووصول أخبار جلسة شؤون الدولة إلينا…»

في البعيد، بدأت الحشود المحتجزة خلف الخط تضج.

«قلت لهم هذا من قبل. قلت لهم ذلك في قاعة الأبطال…

وانصبت عيون لا تحصى على الفرسان العشرين ونيف، وتعالت الهمسات بينهم.

لكن لم يعرف أحد أن ما شعر به في تلك اللحظة كان…

أدار تاليس رأسه بمشاعر معقدة.

بدأ تاليس يسمع صوت أنفاسه.

نظر إلى السكان العاديين المفصولين على جانبي الطريق، ثم إلى الجنود والحراس الواقفين باستقامة من حولهم، وأخيرًا إلى قلب المملكة أمامه، الذي لم يعد يفصله عنه سوى أسوار القصر.

وكأن الزمن توقف للحظة.

قصر النهضة.

بلغ الحذر والجدية في وجه جيلبرت ذروتهما.

لم يعرف أحد ما يدور في ذهنه في تلك اللحظة.

وقفت أمام أعلى مقعد، ورفعت ذراعها، وهتفت أمام آلاف الجنود.

ولم يستطع أحد وصف شعوره.

«آه… فهمت…»

حتى هو نفسه لم يعرف كيف يصف حاله.

اصطف عدد لا يحصى من الجنود والحراس ورجال الشرطة وأفراد الأمن العام أمامهم في نظام محكم. تعاون بعضهم في حفظ النظام، بينما شكل آخرون جدارًا يفصل الطريق عن المدنيين، منتظرين وصول الضيف.

اكتفى بالصمت غارقًا في أفكاره.

ظلام لا قرار له.

كأنه يتأمل شيئًا عميقًا…

«كح… كح!»

وفي الوقت نفسه، يشعر بأن شيئًا ما ناقص.

حتى التنفس أصبح أسهل.

حين وصلت مجموعة تاليس إلى أسوار قصر النهضة، تحركت أقواس الدفاع العملاقة الداكنة والمدافع الغامضة بفعل التروس والأيدي، واستدارت نحوهم.

«من النبيل الذي سيقود الجيش؟»

وقف الحراس على أهبة الاستعداد، تنبعث منهم رهبة قاتلة.

ولبرهة، لم يُسمع في المكان سوى صوت مالوس الواضح الهادئ.

خرج من القصر نبيل يرتدي زيًا شبيهًا بزي مالوس، تحيط به فرقة من الجنود. واقترب من مجموعة تاليس، ثم رفع ذراعه اليمنى عاليًا وأظهر راحة يده.

وحين سمع وقع الحوافر من حوله ورأى الحرس الملكي يحيطون به، أدرك فجأة أنه حتى بعد عودته إلى الكوكبة، إلى مدينة النجم الأبدي، فإن هؤلاء الحراس الذين يحمونه…

وفي لحظة، أعطى مالوس إشارة بيده، فجذب الحرس الملكي الخمسة والعشرون ألجمة خيولهم في آن واحد.

«إذًا…»

وتقدم غلوفر ودويل خطوة، ومدّا أيديهما ليوقفا حصاني تاليس وجيلبرت.

ظهر في ذهن تاليس وجه الكونت ذي الذراع الواحدة، الصلب العنيد، يوم حضر إلى قاعة الأبطال.

كانت وجوههم في هذه اللحظة صارمة، وهيبتهم ثقيلة.

وهذه المرة، أصبح هادئًا وجادًا.

«نحن، خمسة وعشرون من الحرس الملكي، امتثلنا لأمر الملك ورافقنا شخصية جليلة.»

لو كان شخصًا آخر، لربما تحير أمام هذا السؤال.

دوى صوت مالوس على الطريق أمام بوابة القصر، وارتد عن جدران قصر النهضة ليملأ الجادة الفسيحة.

«روكني من مدينة الصلوات البعيدة، وليكو من مدينة الدفاع، والتون من مدينة سحاب التنين. تحالف مدن إيكستيدت الثلاث.

«لقد عاد دوق بحيرة النجوم، أمير الكوكبة، الأول في ترتيب وراثة العرش الأعلى وتاج النجمة ذات الرؤوس التسعة، الأمير النبيل تاليس جاديستار.»

طاغيًا في حضوره.

ما إن انتهت الكلمات حتى ساد الصمت.

سواء حرس بوابة القصر، أو الحراس فوق الأسوار، أو أفراد الأمن العام على الطريق…

اهتزت بوابة القصر الداكنة أمام تاليس بعنف، ثم بدأت تنفتح ببطء تحت قوة هائلة، كأنها تنفض عن نفسها غبارًا كثيفًا تراكم فوقها عبر السنين.

صمت الجميع.

اشتدت قبضة الأمير على اللجام شيئًا فشيئًا، واستقام ظهره دون وعي.

ولبرهة، لم يُسمع في المكان سوى صوت مالوس الواضح الهادئ.

«لم أتوقع هذا.

استقام النبيل الذي أوقف مالوس أمام بوابة القصر، ثم تقدم خطوة.

تخيل تاليس وجه الملك قاتل القربى المتجهم بعد هزيمته، فتلاشى بعض الضيق الذي أثقل صدره منذ شعوره بأنه فقد وطنه.

«كلمة المرور.»

حاول تاليس استعادة تصوره عن قوة مدينة سحاب التنين.

نظر النبيل مرتدي زي الحرس الملكي إلى مالوس وقال ببرود:

فاستجاب لها المئات.

«التاج؟»

لم يعد في قلبه متسع لمزيد من الصدمة.

حث مالوس حصانه إلى الأمام ببطء، وواجه أقواس الدفاع المرعبة بلا أدنى اضطراب.

«هل نتحدث عن ذلك الرجل المتزمت والجاد والوقور كالعجائز؟ الذي يظل عابسًا طوال الوقت، ويتصرف بأدب مبالغ فيه، وينظر إلى رالف بحيرة لأنه لا يعرف كيف يتعامل معه؟ ويا الذي دائمًا ما “يبالغ في استخدام قوته”، ويبقى جسده كله متصلبًا؟»

ضيق عينيه وتكلم بصوت خافت للغاية.

صر تاليس على أسنانه.

«الظلام.»

رمش تاليس محاولًا استيعاب الخبر.

تجمد تاليس قليلًا.

«الظلام.»

وكأن الزمن توقف للحظة.

«عد بذاكرتك بضع سنوات. كان ويا آنذاك دون العشرين.»

ثم أومأ النبيل الذي يحرس البوابة، واستدار ولوّح بيده.

وشعر فجأة بأن الأمر ينذر بالسوء.

«قعقععع…»

وحده مالوس، في مقدمة المجموعة، بقي هادئًا كعادته. أمسك اللجام، وثبت قدميه في الركابين، وواصل التقدم بثبات.

وسط هدير مدوٍّ يصم الآذان، بدأت السلاسل الفولاذية تتحرك.

نظر إلى جيلبرت بدهشة.

اهتزت بوابة القصر الداكنة أمام تاليس بعنف، ثم بدأت تنفتح ببطء تحت قوة هائلة، كأنها تنفض عن نفسها غبارًا كثيفًا تراكم فوقها عبر السنين.

أخذ تاليس نفسًا عميقًا وهز رأسه.

انفرجت البوابة، فكشفت عن الوجه الحقيقي لقصر النهضة.

هز جيلبرت رأسه.

وتحول القصر إلى لون ذهبي تحت ضوء الشمس المائلة إلى الغروب.

«تشابمان لامبارد… ربما لا يعترف به كثيرون ملكًا على إيكستيدت.»

تمامًا كما حدث قبل ست سنوات.

«فنالتهما العقوبة.»

في اللحظة التي أصبح فيها تاليس أميرًا، حين غمرت أشعة الغروب قصر النهضة وحولته إلى لون أحمر متوهج.

تنهد جيلبرت ببطء.

لكن هذه المرة، لم يفعل تاليس سوى أن رفع رأسه شاردًا تحت أشعة الشمس.

ورفع حامل الراية هوغو راية النجمة ذات الرؤوس التسعة عاليًا، فرفرفت مع الريح.

وراقب الضوء الذهبي المبهر يسطع فوق الجدار الخارجي لقصر النهضة.

خرج من القصر نبيل يرتدي زيًا شبيهًا بزي مالوس، تحيط به فرقة من الجنود. واقترب من مجموعة تاليس، ثم رفع ذراعه اليمنى عاليًا وأظهر راحة يده.

لكن ما انعكس في عينيه…

ارتفع رنين الجرس خافتًا ثم انتشر على هيئة موجات متتابعة، طويلًا، مهيبًا، يهز القلوب.

لم يكن سوى ظلام دامس.

أومأ جيلبرت.

ظلام لا قرار له.

«التاج؟»

كعملاق يسير بلا صوت، لكنه يحجب السماء.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط