مسقط الرأس
مسقط الرأس
«قد يكون اليوم الذي تعثر عليهم فيه… هو اليوم الذي تتسبب فيه بموتهم.»
سماء زرقاء، غيوم بيضاء، شمس مشرقة، ونسيم عليل.
وبعد ثوانٍ، أدار تاليس رأسه وأجبر نفسه على ابتسامة شاردة قليلًا.
تحت راية النجمتين المتقاطعتين المرفوعة عاليًا، تحرك الجنود النظاميون التابعون للإقليم المركزي في تشكيل منظم بمحاذاة أسوار المدينة، متجهين نحو المعسكر العسكري الواقع في الضواحي الجنوبية للعاصمة.
همّ جيلبرت بالكلام، لكن تاليس سبقه مجددًا.
وكان من بينهم عشرات الفرسان الذين ارتدوا عباءات تخفي هوياتهم وأحاطوا بعربة. وقد انفصلت هذه المجموعة عن القوة الرئيسية منذ وقت طويل، واتجهت نحو مدينة النجم الأبدي.
تغير تعبير جيلبرت قليلًا.
كان حرس المدينة قد تلقوا الخبر مسبقًا، فاتخذوا التدابير اللازمة عند البوابة للحد من تدفق الناس وإخلاء الممر. ووفقًا للإجراءات المعتادة لعبور المبعوثين ذوي المكانة الخاصة، أبعدوا المواطنين إلى الجانب الآخر من الشارع، وهو أمر اعتاد عليه أهل العاصمة منذ زمن. وما إن رأى ضابط حرس المدينة التصريح والشارة اللذين قدمهما قائد المجموعة حتى أدخل عشرات الفرسان إلى المدينة باحترام، من دون ضجة تكشف هوياتهم.
«أنت تعرف هذا يا صاحب السمو. اختصاص بوتراي هو جمع المعلومات والتخطيط للعمليات، أما اختصاصي فهو الإشراف على الأشخاص الذين يقومون بهذه الأمور. ومن خلال مواقفهم وطريقة عملهم، أستطيع القول…»
أشار عدد لا بأس به من المارة إلى المجموعة بفضول، من سائقي العربات الذين قادوا عرباتهم على مهل، إلى التجار المستعجلين في طريقهم إلى أعمالهم. وكان اهتمامهم منصبًا بصورة خاصة على العربة التي تتوسط المجموعة، لكن أحدًا لم يُظهر دهشة كبيرة.
وفي تلك اللحظة، تجمد.
فمقارنة بسكان المناطق الأخرى، كان أهل العاصمة قد رأوا من غرائب الأمور ما يكفي ليظلوا هادئين مهما حدث. فمنذ ولادتهم وهم يعيشون في قلب المملكة، بل شهدوا حتى الحدث الكبير الذي اعترف فيه المؤتمر الوطني للكوكبة بالأمير الثاني. فأي حدث نادر بقي قادرًا على إدهاشهم؟
«جيلبرت، لم تتح لي الفرصة آنذاك لأسألك.»
وهكذا، عبرت العربة المحاطة بالفرسان بوابة المدينة بسلاسة، ودخلت الشارع الرئيسي، ثم تابعت تقدمها تحت أنظار المواطنين الفضولية على جانبي الطريق.
كأن دلوًا يُسحب من بئر، وحين أوشك على بلوغ فوهتها اصطدم بالجدار، فأفلت صاحبه الحبل وسقط الدلو مجددًا إلى الأعماق.
ومن بين أفراد المجموعة، مدّ فارس بدا أنحف من البقية عنقه قليلًا وهو فوق سرجه.
وحده جيلبرت بقي إلى جواره وقال بهدوء:
تقدم جيلبرت بحصانه ببطء وأومأ إلى تاليس.
«باستثناء حانة الغروب، تقع صيدلية غروف في أعلى وأفضل موضع هناك. وباستثناء الزقاق الخلفي المليء بالقمامة، نادرًا ما تصل إليها مياه الفيضان. كما أن قلة قليلة تجرؤ على إثارة المشاكل هناك. وحتى من يريد مهاجمة هدف عليه أن يحذر، لئلا يسيء إلى الشخص الخطأ.»
«يا صاحب السمو، مرحبًا بعودتك إلى مدينة النجم الأبدي. مرحبًا بعودتك إلى وطنك.»
تغير تعبير جيلبرت قليلًا.
لم يجب الفارس النحيل.
«أعرف هذا المكان، جيلبرت.»
اكتفى بارتجافة خفيفة.
حدق تاليس في «الأخطبوط الأحمر» الذي كان «يذبح الناس بلا رحمة».
«مدينة النجم الأبدي.
«ما المسرحية التي يعرضونها اليوم؟»
«الوطن.»
خرج صوت الأمير خافتًا.
حدق شاردًا في أبراج حرس المدينة التي ارتفعت فوق رأسه، وتنهد تحت عباءته.
«أنكروا وجوده؟ رغم أنه ظهر علنًا قبل ست سنوات في قاعة النجوم؟»
وبعد ثوانٍ، أدار تاليس رأسه وأجبر نفسه على ابتسامة شاردة قليلًا.
وكلما تابع، ازدادت نبرته جدية.
«شكرًا لك.»
أومأ جيلبرت بحزم، وأصبحت نظرته صارمة.
واصل الفرسان تقدمهم بسرعة. لم يتحدث الأمير المتخفي بعد ذلك، وجيلبرت، الذي طالما عرف متى ينبغي له الصمت، لم يقل شيئًا أيضًا.
«فعل شيء ما سهل، لكن التعامل بصورة سليمة مع كل العواقب التي سيولدها… هو الجزء الصعب.»
«الوطن.»
«لكن لماذا يبدو هذا المكان…»
شعر تاليس بالاهتزازات الصاعدة من الأرض مع اصطدام حوافر الخيل بها، وراح يتأمل بهدوء كل ما حوله عبر الفجوات بين رجال الحرس الملكي.
«بعد ست سنوات، لا ينبغي أن تظل معرفتك بمدينة النجم الأبدي عميقة إلى هذا الحد، ولا سيما فيما يتعلق بالحي السفلي.»
امتد الشارع الرئيسي ليتصل بعدد لا يحصى من الأزقة والتفرعات. اصطفت المنازل في صفوف منتظمة كقطع حلوى مقطوعة بعناية، بينما فتحت المتاجر أبوابها وراحت لافتاتها تتمايل مع الريح…
تدخل في حديثهما صوت رجولي هادئ.
تجمع مواطنون حول لوحة إعلانات البلدية وهم يتجادلون ويتحدثون. ومضت نساء يحملن أحواضًا خشبية بيد واحدة نحو نهر الراعي لغسل الثياب. ووقف غرباء في وسط الشوارع بعيون متسعة ووجوه حائرة…
«اللورد مالوس ذكر للتو—»
وكان هناك سائقو عربات غاضبون يلهبون ظهور خيول رديئة بالسياط لتسرع، وكهنة يقفون فوق صناديق خشبية عند زوايا الشوارع، وقد احمرت وجوههم من شدة محاولاتهم نشر عقيدتهم، فضلًا عن رجال الشرطة وفرق الأمن العام الواقفين في تشكيلات منتظمة…
«أعرف هذا المكان، جيلبرت.»
بدا كل شيء كلوحة جُمّد فيها الزمن.
اشتد صوت وزير الشؤون الخارجية.
لكن…
سحب الدوق إصبعه وحدق في المباني الغامضة في نهاية الشارع.
«غريب…»
كأن دلوًا يُسحب من بئر، وحين أوشك على بلوغ فوهتها اصطدم بالجدار، فأفلت صاحبه الحبل وسقط الدلو مجددًا إلى الأعماق.
تمتم تاليس دون وعي.
«أو تندم أشد الندم.»
شعر بحاجبيه ينعقدان كأن ثقلًا استقر فوقهما، وضم شفتيه غريزيًا.
لكن…
اندفع إلى قلبه شعور غريب يعجز عن وصفه. لكنه ما إن أوشك على الظهور حتى توقف فجأة.
أفاق تاليس من أفكاره المعقدة.
كأن دلوًا يُسحب من بئر، وحين أوشك على بلوغ فوهتها اصطدم بالجدار، فأفلت صاحبه الحبل وسقط الدلو مجددًا إلى الأعماق.
أمام اعتراض الأمير غير المصدق، هز جيلبرت رأسه مرة أخرى.
تناثر الماء عند اصطدامه، وتردد صداه في الفراغ.
«نحن قريبون من البوابة الغربية…»
وأشعره ذلك بأن شيئًا ما… مفقود.
«قبل ست سنوات، حين كنا في قصر مينديس، قلت لي إنني سأتمكن من البحث عن أصدقائي حين ينتهي احتجازي.»
بعدما شهد رجال الحرس الملكي ما حدث مع السيف، أصبحوا جميعًا في غاية التأهب، حتى دويل كثير الكلام وغلوفر عديم التعبير. استقامت ظهورهم، وحافظوا على مسافة واسعة بينهم وبين تاليس. ولم يعودوا يتصرفون كما فعلوا في الطريق، أو يختلسون النظرات من حين إلى آخر نحو دوق بحيرة النجوم.
لكن…
وحده جيلبرت بقي إلى جواره وقال بهدوء:
«هل فكرت يومًا فيما قد تجلبه إليهم إذا كافأتهم، أو رددت لهم جميلهم، أو حتى اكتفيت بمراقبتهم من بعيد؟
«يا صاحب السمو، أمضيت سنوات طويلة في الشمال. من الطبيعي أن تكون ذكرياتك عن مدينة النجم الأبدي قد بهتت…»
«أتذكر ذلك المكان.»
أفاق تاليس من أفكاره المعقدة.
بعدما شهد رجال الحرس الملكي ما حدث مع السيف، أصبحوا جميعًا في غاية التأهب، حتى دويل كثير الكلام وغلوفر عديم التعبير. استقامت ظهورهم، وحافظوا على مسافة واسعة بينهم وبين تاليس. ولم يعودوا يتصرفون كما فعلوا في الطريق، أو يختلسون النظرات من حين إلى آخر نحو دوق بحيرة النجوم.
ظل وجه جيلبرت هادئًا وهو يتابع:
«ضدي أنا؟ تحامل؟»
«فمثلًا، هذا الشارع الذي دخلنا منه إلى المدينة جزء من جادة البركات. وهو فوضوي بعض الشيء لأننا قريبون من—»
«ومنذ ذلك الحين، راجت المسرحيات التي تتناول الكوارث ونهاية العالم.»
وفي تلك اللحظة…
حدق تاليس في «الأخطبوط الأحمر» الذي كان «يذبح الناس بلا رحمة».
«البوابة الغربية.»
تابع مالوس وهو يحدق في الممثل المضحك المتنكر في هيئة أخطبوط:
خرج صوت الأمير خافتًا.
«ولهذا أنصحك بصدق، من أجلك ومن أجلهم… تخلَّ عن الأمر. لا تبحث عنهم بعد الآن، يا صاحب السمو.»
«أعرف.»
لكن على خلاف ما توقع، لم يتوقف الدوق إلا قليلًا قبل أن يطلق ضحكة خافتة.
توقف جيلبرت عن الكلام.
«مثل… قطعة فضية واحدة تغيّر مصيرك.»
رفع تاليس رأسه ببطء وحدق في البعيد بمشاعر لم يستطع فهمها.
«وهناك سترى الشارع الأسود.»
«نحن قريبون من البوابة الغربية…»
«يا صاحب السمو، أخشى أن صلاحيات صديقي لم تكن كافية لتفتيش سوق الشارع الأحمر علنًا. فالجهات التي تقف خلف ذلك المكان…»
«البوابة الغربية.»
أخذ تاليس نفسًا عميقًا.
جاء صوت دوق بحيرة النجوم كصدى يتردد في وادٍ خالٍ، أو كجدول صافٍ ينساب فوق الحجارة.
«يا صاحب السمو، أخشى أن صلاحيات صديقي لم تكن كافية لتفتيش سوق الشارع الأحمر علنًا. فالجهات التي تقف خلف ذلك المكان…»
وكانت في صوته مسحة غريبة من الحنين.
سأل جيلبرت بحيرة:
ذهل جيلبرت للحظة.
«ضدي أنا؟ تحامل؟»
لكن على خلاف ما توقع، لم يتوقف الدوق إلا قليلًا قبل أن يطلق ضحكة خافتة.
وبعد وقت طويل، فتح تاليس عينيه أخيرًا.
«يمكن اعتبارها أكثر مناطق مدينة النجم الأبدي إثارة للاهتمام. مزارعون، باعة، رسل، موظفون حكوميون، رجال شرطة، جنود، كهنة، متسولون، مغامرون شجعان، مسافرون فضوليون، وأجانب بغيضون…
ارتفع صوت الدوق بخفة.
«يمكنك أن تجد هنا كل أصناف الناس في العاصمة.»
لم يتحدث تاليس.
تأمل تاليس الحشود التي أفسحت لهم الطريق على جانبي الشارع، وكأنه يقرأ أكثر القصص إثارة، وارتفعت زاوية فمه قليلًا.
«هل تعلم أنك إذا تابعت في هذا الاتجاه وتجاوزت ثلاثة أحياء سكنية مكتظة بالطبقات الفقيرة، فستصل إلى الحي السفلي؟»
«لكن عليك أن تكون حذرًا. لا تتسكع طويلًا في هذا الشارع الرئيسي النظيف والمرتب، وإلا سيعرّفك حرس المدينة وفرق الأمن العام إلى هيبة الملك.
«سنصل إلى…»
«فحتى شعرة واحدة من حصان أصيل يمر في هذا الشارع قد تبلغ قيمتها ما يكفي لقتل متشرد.»
هذه المرة، استمع جيلبرت بصمت.
وربما لا تساوي حياة واحدة فحسب.
حدق تاليس في «الأخطبوط الأحمر» الذي كان «يذبح الناس بلا رحمة».
حدق تاليس شاردًا في حجارة الطريق تحت حوافر الخيل.
«يشغل إحدى ضفتي نهر الراعي، بينما يشغل شارع لينخه الضفة الأخرى. وهو يقع في أقصى جنوب الحي الغربي. ورغم أن موقعه ليس جيدًا، فإنه حين يحل الليل يصبح أكثر الأماكن التي يقصدها المسؤولون والنبلاء.»
وفي تلك اللحظة، راقبه جيلبرت بتعبير معقد.
«وبعد أن أصبحت الأمير، قلت إن عليّ الانتظار حتى تهدأ الأنظار من حولي قبل أن أبحث عنهم.»
«أتذكر ذلك المكان.»
حدق تاليس في الأرض.
ظهرت ابتسامة بالكاد تُرى على وجه تاليس، وأشار إلى تفرع في الطريق أمامهم.
«لكن كما تعرف، كلما حدث شيء من هذا القبيل، لا نحصل إلا على بضعة أفراد من “قوى الشر” لعرضهم أمام العامة، حتى يستمر الناس في الإشادة باستقرار المجتمع وتحسن حياتهم…»
«يؤدي إلى الحي السفلي.»
«لكن ماذا سيحدث بعد أن تعثر عليهم؟»
ارتفع صوت الدوق بخفة.
لم يعد يستطيع العودة إليها.
«وإذا سلكت ذلك الطريق، فستصل أولًا إلى السوق الكبير.»
حدق تاليس في الأرض.
عقد جيلبرت حاجبيه قليلًا، وبدا كأنه يريد قول شيء ثم تراجع.
«وإذا سلكت ذلك الطريق، فستصل أولًا إلى السوق الكبير.»
أما تاليس فظل يحدق في ذلك الاتجاه شاردًا.
وبعد وقت طويل، فتح تاليس عينيه أخيرًا.
«البضائع هناك رخيصة، ويباع فيه كل شيء تقريبًا. إنه جنة فقراء المدينة حين يبحثون عن سبيل لكسب رزقهم. لكنه يملك قواعده الخاصة، وما يجري خلف الستار فيه أعمق مما يبدو. أما الغريب الذي يدخله للمرة الأولى… فسيكون جحيمًا بالنسبة إليه.
«الشارع الأسود الأسطوري.»
«شوارع السوق الكبير ليست سهلة التنقل. تضاريسه فوضوية وتخطيطه معقد. لكثير من الباعة أماكن ثابتة، وهم عيون وآذان في مناطقهم. لكن هذا، من ناحية أخرى، يجعل الاختباء وإخفاء الأثر هناك سهلًا للغاية. وبالطبع، لا تخلو المنطقة من المتاريس ومشاجرات العصابات.
ظهرت ابتسامة بالكاد تُرى على وجه تاليس، وأشار إلى تفرع في الطريق أمامهم.
«نصف الباعة الدائمين هناك تربطهم صلات بأخوية الشارع الأسود، وبعضهم ينقل الأخبار إلى عصابة زجاجة الدم. فمصادر بضائعهم معقدة ويصعب تعقبها، كما أن السوق الكبير أفضل مكان لتصريف البضائع غير المشروعة وغسل المسروقات.»
وبعد ثوانٍ قال:
«وهو أيضًا أكثر الأماكن امتلاءً بالمسافرين والمحافظ السمينة.»
وحين تمر العاصفة، يعيدون بناء أعشاشهم.
فكر تاليس في صمت.
«إلا أن ذلك يعني أيضًا أنك ستترك أثرًا لا يمكن محوه أمام أعين الطامحين الذين يراقبوننا.»
«يا صاحب السمو…»
كان لأخوية الشارع الأسود وعصابة زجاجة الدم أساليبهما الخاصة حين تواجهان السلطة.
همّ جيلبرت بالكلام، لكن تاليس سبقه مجددًا.
«حقًا؟»
«وإذا واصلت شمالًا وتجاوزت السوق الكبير، فستجد طريقًا ترابيًا ينحدر نحو غابة النتن وقناة المصب.»
توقف جيلبرت لحظة.
ظهر حزن الذكريات في عيني تاليس.
وكما توقع تاليس، امتلأ صوت جيلبرت بالأسف.
«تلك المنطقة تابعة لتنظيم الخفاش الحديدي. كان أعضاؤه الأوائل من عمال تنظيف المجاري وحفر الخنادق، ويكسبون رزقهم من شبكة الصرف الممتدة تحت المدينة. واستغلوا معرفتهم بها للقيام بأعمال قذرة في الخفاء، مثل الاتجار بالبشر وتهريب البضائع وتوزيع المخدرات.»
تطلع تاليس عبر الفرسان إلى الممثلين الذين يؤدون أدوارهم بكل ما لديهم، واستمع إلى الموسيقى الصاخبة من حوله. وعلى وجهه ظهرت مسحة حنين وهو ينظر إلى جماعة من المؤمنين اشتهرت بتولي شؤون الجنائز، رغم أنها لا تملك حتى تمثالًا لإله تعبده.
قال تاليس ذلك والاضطراب يملؤه.
توقف جيلبرت لحظة.
«لكنهم يعرفون جيدًا كيف تسير الأمور. كانوا من أوائل الجماعات التي سلمت أراضيها لأخوية الشارع الأسود، ولهذا استطاعوا جرّ أنفاسهم حتى اليوم. وإذا كانت لديك بضائع محظورة ولا تخشى الموت، فقد تحصل منهم على سعر جيد.»
ظهر إلحاح خفيف في عيني تاليس.
«أو تندم أشد الندم.»
«وإذا واصلت شمالًا وتجاوزت السوق الكبير، فستجد طريقًا ترابيًا ينحدر نحو غابة النتن وقناة المصب.»
انعطفت المجموعة إلى شارع واسع آخر، فارتفع ضجيج الحشود أمامهم. وفي الوقت نفسه، وصلت إليهم موسيقى إيقاعية عذبة وصيحات حماسية.
«أبدًا.
«اهربوا! اهربوا أيها الشماليون الجهلة! فهنا ستكون نهايتكم! لقد هبطتُ عليكم بالكارثة!»
«باستثناء حانة الغروب، تقع صيدلية غروف في أعلى وأفضل موضع هناك. وباستثناء الزقاق الخلفي المليء بالقمامة، نادرًا ما تصل إليها مياه الفيضان. كما أن قلة قليلة تجرؤ على إثارة المشاكل هناك. وحتى من يريد مهاجمة هدف عليه أن يحذر، لئلا يسيء إلى الشخص الخطأ.»
انطلقت صيحة مدوية واخترقت الحشود.
«أو تندم أشد الندم.»
ظهرت أمام الحرس الملكي صفوف من المباني الحجرية العالية، وأمامها ساحة نُصبت فيها منصة. أحاط عدد كبير من المواطنين بالمنصة وأخذوا يشيرون إلى الممثلين فوقها.
وأشعره ذلك بأن شيئًا ما… مفقود.
«معبد الليل المظلم.»
تأمل تاليس الحشود التي أفسحت لهم الطريق على جانبي الشارع، وكأنه يقرأ أكثر القصص إثارة، وارتفعت زاوية فمه قليلًا.
تطلع تاليس عبر الفرسان إلى الممثلين الذين يؤدون أدوارهم بكل ما لديهم، واستمع إلى الموسيقى الصاخبة من حوله. وعلى وجهه ظهرت مسحة حنين وهو ينظر إلى جماعة من المؤمنين اشتهرت بتولي شؤون الجنائز، رغم أنها لا تملك حتى تمثالًا لإله تعبده.
أما تاليس فظل يحدق في ذلك الاتجاه شاردًا.
«إنهم الجماعة الدينية الوحيدة الموجودة خارج إقليم نجمة الصباح.»
«ولا سيما أنك عدت الآن أمام أعين الجميع. إن استمررت، فسيلاحظ أحد تحركاتك عاجلًا أم آجلًا. ولا يمكننا أن نتوقع من كل من يلاحظها أن يكون رحيمًا أو صاحب مبادئ.
هذه المرة، استمع جيلبرت بصمت.
«حانة الغروب.»
«لا يهتمون أبدًا بما يكلفهم إنتاج مسرحياتهم. يكتبون نصوصًا جديدة كل عام، ودعائمهم وديكوراتهم ومؤثراتهم الصوتية وممثلوهم ممتازون. ولا ينقصهم الجمهور أبدًا، ففي العاصمة أكثر مما يكفي من الناس الذين يحبون الفرجة.»
تجمد تاليس.
لكن تاليس شخر.
«هناك يعيش الأطفال المشردون الذين لا مأوى لهم. نحو نصف أطفال المدينة المشردين يتجمعون هناك.»
«المشكلة أن مسرحياتهم سيئة فعلًا. إما أن يهبط الليل المظلم بنفسه إلى العالم لينقذ البشر لسبب عجيب، أو تنتهي القصة بأن الليل المظلم سيحكم العالم في النهاية. لعل معبد الليل المظلم يظن أن تكرار الشيء بما يكفي سيجعل الناس يصدقونه حقيقة.»
هز جيلبرت رأسه بخيبة.
«وربما يكونون محقين فعلًا. لحظة…»
وسأل غير مصدق:
عندها، حدق تاليس في ممثل بدين يرتدي زيًا تغطيه مجسات حمراء كثيرة حتى بدا كأخطبوط. كان غارقًا في العرق، ومع ذلك ظل يصرخ بأعلى صوته.
كان يفكر في شيء آخر.
وشعر تاليس أن شيئًا ما غير صحيح.
«صيدلية غروف.»
«ما المسرحية التي يعرضونها اليوم؟»
«وإن لم تمانع، يا صاحب السمو، يا صاحب النعمة…»
تدخل في حديثهما صوت رجولي هادئ.
تغير تعبير تاليس قليلًا.
«هبوط الليل على مدينة سحاب التنين.»
«حقًا؟»
استدار تاليس وجيلبرت في الوقت نفسه.
هز وزير الشؤون الخارجية رأسه باستسلام.
كان قائد المجموعة، المراقب مالوس، قد اقترب بحصانه منهما.
«…إن إدارة الاستخبارات السرية تحمل تحاملًا واضحًا ضدك.»
«اليوم الاثنين. وفي هذا اليوم عليهم عرض مسرحيات تتناول أحداثًا كبرى.»
قاطعه الدوق مرة أخرى.
نظر مالوس إلى المنصة بلا اكتراث. كانت الحشود تحيط بها حتى كادت لا تترك منفذًا.
«يعرضون قصة كارثة ظهرت في شبه جزيرة لا يعرفها أحد، ثم اجتاحت الشمال وقتلت ملكًا.»
«يعرضون قصة كارثة ظهرت في شبه جزيرة لا يعرفها أحد، ثم اجتاحت الشمال وقتلت ملكًا.»
«جيلبرت.»
«كارثة. الشمال. ملك.»
«وماذا عن إدارة الاستخبارات السرية؟»
تغير تعبير تاليس قليلًا.
وتلاشت تلك المشاهد كلها من أمام عينيه.
تابع مالوس وهو يحدق في الممثل المضحك المتنكر في هيئة أخطبوط:
«وماذا عن إدارة الاستخبارات السرية؟»
«وفي النهاية، هبط إله الليل المظلم وأظهر قوته، واستدعى التنين العظيم. وقبيل انقضاء الليل، هُزمت الكارثة واختفت بلا أثر.»
هز جيلبرت رأسه.
رفع تاليس حاجبه.
لم يستطع تاليس منع نفسه من تذكر برج الأمير الشبح.
«التنين العظيم. قبل انقضاء الليل.»
«بمكانتك الحالية، لن يكون من صالح أصدقائك أن تربطهم بك أي صلة. أفضل ما يمكنهم فعله هو الذوبان وسط الحشود، حيث لا يستطيع أحد العثور عليهم، ونسيان كل ما يتعلق بك.»
«حقًا؟»
«ولهذا أنصحك بصدق، من أجلك ومن أجلهم… تخلَّ عن الأمر. لا تبحث عنهم بعد الآن، يا صاحب السمو.»
سأل الأمير عابسًا.
«بمكانتك الحالية، لن يكون من صالح أصدقائك أن تربطهم بك أي صلة. أفضل ما يمكنهم فعله هو الذوبان وسط الحشود، حيث لا يستطيع أحد العثور عليهم، ونسيان كل ما يتعلق بك.»
شخر مالوس بخفة، فتولى جيلبرت الحديث.
كأن جرحًا يعود إلى ست سنوات مضت لا يزال يحترق.
«قبل أعوام، حين وصلت إلى العاصمة أخبار الاضطرابات التي شهدتها مدينة سحاب التنين، انتشرت شتى أنواع الشائعات.»
تنفس تاليس بصعوبة.
هز وزير الشؤون الخارجية رأسه باستسلام.
وهكذا، عبرت العربة المحاطة بالفرسان بوابة المدينة بسلاسة، ودخلت الشارع الرئيسي، ثم تابعت تقدمها تحت أنظار المواطنين الفضولية على جانبي الطريق.
«ومنذ ذلك الحين، راجت المسرحيات التي تتناول الكوارث ونهاية العالم.»
ساد الصمت بينهما لبضع ثوانٍ.
«الكارثة. نهاية العالم.»
«في الماضي، كانت عصابة زجاجة الدم تحتكر أعماله كلها تقريبًا… حتى قبل ست سنوات.»
حدق تاليس في «الأخطبوط الأحمر» الذي كان «يذبح الناس بلا رحمة».
كان حرس المدينة قد تلقوا الخبر مسبقًا، فاتخذوا التدابير اللازمة عند البوابة للحد من تدفق الناس وإخلاء الممر. ووفقًا للإجراءات المعتادة لعبور المبعوثين ذوي المكانة الخاصة، أبعدوا المواطنين إلى الجانب الآخر من الشارع، وهو أمر اعتاد عليه أهل العاصمة منذ زمن. وما إن رأى ضابط حرس المدينة التصريح والشارة اللذين قدمهما قائد المجموعة حتى أدخل عشرات الفرسان إلى المدينة باحترام، من دون ضجة تكشف هوياتهم.
«إذًا، يظن معبد الليل المظلم أن الكارثة هي ذلك الوحش… الهيدرا؟»
ربت جيلبرت على عنق حصانه، كأنه يبحث عن أفضل طريقة لقول ما يريد.
صمت مالوس.
«شوارع السوق الكبير ليست سهلة التنقل. تضاريسه فوضوية وتخطيطه معقد. لكثير من الباعة أماكن ثابتة، وهم عيون وآذان في مناطقهم. لكن هذا، من ناحية أخرى، يجعل الاختباء وإخفاء الأثر هناك سهلًا للغاية. وبالطبع، لا تخلو المنطقة من المتاريس ومشاجرات العصابات.
ابتعدوا عن المسرح شيئًا فشيئًا حتى غاب عن أنظارهم.
ارتجف صوته قليلًا.
وبعد لحظة، أومأ المراقب، ثم ألقى على الأمير نظرة جانبية.
وفي تلك اللحظة، بدا كل ما حدث في قصر مينديس قبل ست سنوات غريبًا عنه فجأة.
«وماذا عساها أن تكون غير ذلك؟»
وكان هناك سائقو عربات غاضبون يلهبون ظهور خيول رديئة بالسياط لتسرع، وكهنة يقفون فوق صناديق خشبية عند زوايا الشوارع، وقد احمرت وجوههم من شدة محاولاتهم نشر عقيدتهم، فضلًا عن رجال الشرطة وفرق الأمن العام الواقفين في تشكيلات منتظمة…
اضطر تاليس إلى تجنب نظرته التي أصبحت حادة فجأة، وأومأ.
تنهد جيلبرت باستسلام مرة أخرى.
«معك حق.»
«يا صاحب السمو…»
ظل مالوس هادئًا.
ذهل جيلبرت للحظة.
«وإن لم تمانع، يا صاحب السمو، يا صاحب النعمة…»
هز جيلبرت رأسه بخيبة.
رفع تاليس رأسه ببطء.
«معك حق.»
«بعد ست سنوات، لا ينبغي أن تظل معرفتك بمدينة النجم الأبدي عميقة إلى هذا الحد، ولا سيما فيما يتعلق بالحي السفلي.»
جاء صوت دوق بحيرة النجوم كصدى يتردد في وادٍ خالٍ، أو كجدول صافٍ ينساب فوق الحجارة.
كان وجه مالوس خاليًا من التعبير، لكن كلماته حملت مغزى واضحًا.
«هل يعرف ماضيّ؟»
«فالجميع يعرف أنك نشأت على يد اللورد مان.»
عقد جيلبرت حاجبيه قليلًا، وبدا كأنه يريد قول شيء ثم تراجع.
وما إن أنهى كلامه حتى جذب لجامه وتقدم أمامهما.
جاء صوته بطيئًا وأجش.
«لا ينبغي أن تظل معرفتك بمدينة النجم الأبدي عميقة إلى هذا الحد…»
«في الماضي، كانت عصابة زجاجة الدم تحتكر أعماله كلها تقريبًا… حتى قبل ست سنوات.»
حدق تاليس في ظهر المراقب، وأصبحت نظرته ثقيلة.
وفي وقت ما، كان المكان الذي يصفه قد اختفى بالفعل عن ناظريه.
«هل يعرف ماضيّ؟»
تنهد تاليس.
بدا جيلبرت محرجًا قليلًا، فسعل.
أغمض تاليس عينيه بألم.
«عُيّن اللورد مالوس قائدًا لحرسك الشخصي والمسؤول عن بقية رجالك. ومن الطبيعي أن يثق به جلالته.»
«تعثر عليهم… فتتسبب بموتهم.»
«يقود حرسي الشخصي.
لكن نظرة جيلبرت تغيرت.
«بالطبع يثق به جلالته.
كلما واصل تاليس الحديث، ازدادت مشاعره تعقيدًا.
«جلالته.»
«حانة الغروب.»
واصل تاليس التحديق في ظهر مالوس، ثم قال ببطء بعد وقت:
اضطر تاليس إلى تجنب نظرته التي أصبحت حادة فجأة، وأومأ.
«حقًا؟»
واصل تاليس التحديق في ظهر مالوس، ثم قال ببطء بعد وقت:
شد قبضته على اللجام.
تابع مالوس وهو يحدق في الممثل المضحك المتنكر في هيئة أخطبوط:
«إذًا… هل هو حارس تاليس الشخصي، أم حارس الأمير والدوق؟»
تجمد تاليس.
ما إن قال ذلك حتى عجز جيلبرت عن الرد.
وقبل أن يتم جملته، أكملها جيلبرت عنه:
ساء تعبير وزير الشؤون الخارجية بشدة، لكنه خفض رأسه في النهاية ولم يقل شيئًا.
توقف الفتى لحظة، وانقطع نفسه قليلًا.
واصل الحرس الملكي تقدمهم، فعبروا منحدرًا ووصلوا إلى شارع آخر.
«ضدي أنا؟ تحامل؟»
والغريب أن الشارع، رغم اتساعه وكون الوقت نهارًا، كان خاليًا تقريبًا. لم يكن فيه سوى قلة من الناس يسرعون في طريقهم.
حدق تاليس في ظهر المراقب، وأصبحت نظرته ثقيلة.
لم يستطع تاليس منع نفسه من تذكر برج الأمير الشبح.
«وإذا واصلت شمالًا وتجاوزت السوق الكبير، فستجد طريقًا ترابيًا ينحدر نحو غابة النتن وقناة المصب.»
«لكن لماذا يبدو هذا المكان…»
«لكن خلال الأعوام الماضية، قلل ظهوره أكثر، رغم أنه كان نادر الظهور أصلًا. والآن يكاد لا يظهر مطلقًا، حتى في المؤتمرات الإمبراطورية.»
وفي تلك اللحظة، تجمد.
هز وزير الشؤون الخارجية رأسه باستسلام.
اندفعت ذكريات لا تحصى إلى ذهنه.
«وبجواره…»
«أعرف هذا المكان، جيلبرت.»
«لا يهتم بهم أحد.
تطلع الفتى حوله بمشاعر جياشة.
تأمل تاليس الحشود التي أفسحت لهم الطريق على جانبي الشارع، وكأنه يقرأ أكثر القصص إثارة، وارتفعت زاوية فمه قليلًا.
«إذا دخلنا من هذا المدخل، فسنصل إلى…»
«هل تعلم أنك إذا تابعت في هذا الاتجاه وتجاوزت ثلاثة أحياء سكنية مكتظة بالطبقات الفقيرة، فستصل إلى الحي السفلي؟»
قال تاليس شاردًا:
شخر مالوس بخفة، فتولى جيلبرت الحديث.
«سنصل إلى…»
شعر بحاجبيه ينعقدان كأن ثقلًا استقر فوقهما، وضم شفتيه غريزيًا.
نظر جيلبرت إلى المكان الذي أشار إليه تاليس، فاحمر وجهه فورًا.
«لكن بشأن الأمر الذي طلبته منك قبل ست سنوات…»
«يا صاحب السمو، ربما لا تعرف…»
«معك حق.»
هز تاليس رأسه.
أغمض جيلبرت عينيه وأدار رأسه بعيدًا.
«بل أعرف.»
مسقط الرأس
سحب الدوق إصبعه وحدق في المباني الغامضة في نهاية الشارع.
«هل تعلم أنك إذا تابعت في هذا الاتجاه وتجاوزت ثلاثة أحياء سكنية مكتظة بالطبقات الفقيرة، فستصل إلى الحي السفلي؟»
«ذلك سوق الشارع الأحمر.»
«ولهذا أنصحك بصدق، من أجلك ومن أجلهم… تخلَّ عن الأمر. لا تبحث عنهم بعد الآن، يا صاحب السمو.»
شعر تاليس كأن الدم توقف عن الجريان في عروقه للحظة.
«إلا أن ذلك يعني أيضًا أنك ستترك أثرًا لا يمكن محوه أمام أعين الطامحين الذين يراقبوننا.»
«يشغل إحدى ضفتي نهر الراعي، بينما يشغل شارع لينخه الضفة الأخرى. وهو يقع في أقصى جنوب الحي الغربي. ورغم أن موقعه ليس جيدًا، فإنه حين يحل الليل يصبح أكثر الأماكن التي يقصدها المسؤولون والنبلاء.»
«هبوط الليل على مدينة سحاب التنين.»
قال شاردًا:
ظهرت في ذهنه هيئة رشيقة، فساعدته على كبح مشاعره في الوقت المناسب.
«في الماضي، كانت عصابة زجاجة الدم تحتكر أعماله كلها تقريبًا… حتى قبل ست سنوات.»
«الشارع الأسود الأسطوري.»
أخذ جيلبرت نفسًا عميقًا ثم أخرجه ببطء.
«بمكانتك الحالية، لن يكون من صالح أصدقائك أن تربطهم بك أي صلة. أفضل ما يمكنهم فعله هو الذوبان وسط الحشود، حيث لا يستطيع أحد العثور عليهم، ونسيان كل ما يتعلق بك.»
«يا صاحب السمو، لقد ذكّرك اللورد مالوس للتو—»
«من يريد الاستقرار هناك، عليه أن يكون قاسيًا بما يكفي… أو شجاعًا بما يكفي.»
لكن تاليس تجاهله.
لكن جيلبرت هز رأسه بقلق.
ظل الدوق المراهق يحدق في المدخل الذي أخذ يبتعد عنهم، وضغط على صدره دون وعي، وغامت عيناه.
وكان هناك سائقو عربات غاضبون يلهبون ظهور خيول رديئة بالسياط لتسرع، وكهنة يقفون فوق صناديق خشبية عند زوايا الشوارع، وقد احمرت وجوههم من شدة محاولاتهم نشر عقيدتهم، فضلًا عن رجال الشرطة وفرق الأمن العام الواقفين في تشكيلات منتظمة…
«في الماضي، إن حالف الحظ الأطفال المتسولين، فقد يحصلون على مكافآت لا يجرؤون حتى على الحلم بها.»
حك الدوق عنقه بانزعاج، وشعر بالاستياء.
«مثل… قطعة فضية واحدة تغيّر مصيرك.»
«اليوم الاثنين. وفي هذا اليوم عليهم عرض مسرحيات تتناول أحداثًا كبرى.»
تنهد جيلبرت باستسلام مرة أخرى.
وحده جيلبرت بقي إلى جواره وقال بهدوء:
ولم يعد يحاول نصح الأمير الذي بدا عاجزًا عن ضبط مشاعره. اكتفى باستعادة هدوئه والاستماع إليه بصمت.
«يقود حرسي الشخصي.
لم يتوقف الفرسان عن السير، وسرعان ما ظهرت أشياء أخرى أثارت مشاعر تاليس.
«ومنذ ذلك الحين، راجت المسرحيات التي تتناول الكوارث ونهاية العالم.»
«هل تعلم أنك إذا تابعت في هذا الاتجاه وتجاوزت ثلاثة أحياء سكنية مكتظة بالطبقات الفقيرة، فستصل إلى الحي السفلي؟»
لكنه عرف الآن أن مدينة النجم الأبدي، والبيوت المهجورة، وقصر مينديس…
أشار تاليس إلى فتحة متهالكة في البعيد.
مرت المجموعة بجانب حشد بدا أنه تجمع لمشاهدة عرض في الشارع. صهل حصان الأمير، فاضطربت الخيول من حوله.
«وهناك سترى الشارع الأسود.»
«لا، جيلبرت.»
«الشارع الأسود الأسطوري.»
«هناك يعيش الأطفال المشردون الذين لا مأوى لهم. نحو نصف أطفال المدينة المشردين يتجمعون هناك.»
أمام صمت جيلبرت، هز تاليس رأسه ببطء، وانخفض صوته.
«هبوط الليل على مدينة سحاب التنين.»
«من يريد الاستقرار هناك، عليه أن يكون قاسيًا بما يكفي… أو شجاعًا بما يكفي.»
«لا أعرف ما يفكرون فيه، لكن اعذرني على صراحتي يا صاحب السمو. لطالما حافظ كل ملك على علاقة جيدة مع رئيس الاستخبارات وإدارة الاستخبارات السرية…»
«أو… يائسًا بما يكفي.»
«جيلبرت.»
«وعلى مقربة منه شارع منخفض عن مستوى ما حوله. الجميع يسمونه السوق السفلي.»
«كارثة. الشمال. ملك.»
«السوق السفلي.»
وما إن أنهى كلامه حتى جذب لجامه وتقدم أمامهما.
تنفس تاليس شاردًا.
ظهرت أمام الحرس الملكي صفوف من المباني الحجرية العالية، وأمامها ساحة نُصبت فيها منصة. أحاط عدد كبير من المواطنين بالمنصة وأخذوا يشيرون إلى الممثلين فوقها.
وفي وقت ما، كان المكان الذي يصفه قد اختفى بالفعل عن ناظريه.
ربت جيلبرت على عنق حصانه، كأنه يبحث عن أفضل طريقة لقول ما يريد.
«كلما أمطرت السماء غمرته المياه، ولهذا تفوح رائحة العفن من جميع البيوت والمتاجر هناك، حتى صيدلية غروف الواقعة عند الزاوية.»
«أنت بحاجة إلى شخص يعرف هذا العالم ويفهم حقيقة ما يجري في المدينة، لا إلى موظف حكومي ينظر إلى الناس من علٍ ولا يعرف شيئًا عن معاناتهم.»
«صيدلية غروف.»
«غريب…»
كلما واصل تاليس الحديث، ازدادت مشاعره تعقيدًا.
قبض تاليس يديه بقوة.
«باستثناء حانة الغروب، تقع صيدلية غروف في أعلى وأفضل موضع هناك. وباستثناء الزقاق الخلفي المليء بالقمامة، نادرًا ما تصل إليها مياه الفيضان. كما أن قلة قليلة تجرؤ على إثارة المشاكل هناك. وحتى من يريد مهاجمة هدف عليه أن يحذر، لئلا يسيء إلى الشخص الخطأ.»
«صيدلية غروف.»
«حانة الغروب.»
سأل جيلبرت بحيرة:
توقف الفتى لحظة، وانقطع نفسه قليلًا.
قال شاردًا:
ظهرت في ذهنه هيئة رشيقة، فساعدته على كبح مشاعره في الوقت المناسب.
أما تاليس فشعر بضيق شديد، ولم يعرف من أين يبدأ في استيعاب كلماته.
«وبجوار السوق السفلي…»
«يا صاحب السمو، اعذرني على صراحتي. العثور عليهم سهل جدًا، ما دمنا نطلق عملية واسعة بما يكفي.»
أخذ تاليس نفسًا عميقًا وهو ينظر إلى شوارع مدينة النجم الأبدي، وشعر بيده اليمنى ترتجف قليلًا.
«اليوم الاثنين. وفي هذا اليوم عليهم عرض مسرحيات تتناول أحداثًا كبرى.»
إلى جانبه، ضم جيلبرت شفتيه بإحكام.
«قبل ست سنوات، حين كنا في قصر مينديس، قلت لي إنني سأتمكن من البحث عن أصدقائي حين ينتهي احتجازي.»
«وبجواره…»
سماء زرقاء، غيوم بيضاء، شمس مشرقة، ونسيم عليل.
ابتلع تاليس ريقه.
فكر تاليس في صمت.
«…مجموعة من البيوت الحجرية المهجورة.»
تنهد تاليس.
ارتجف صوته قليلًا.
«يشغل إحدى ضفتي نهر الراعي، بينما يشغل شارع لينخه الضفة الأخرى. وهو يقع في أقصى جنوب الحي الغربي. ورغم أن موقعه ليس جيدًا، فإنه حين يحل الليل يصبح أكثر الأماكن التي يقصدها المسؤولون والنبلاء.»
«هناك يعيش الأطفال المشردون الذين لا مأوى لهم. نحو نصف أطفال المدينة المشردين يتجمعون هناك.»
تجمد تاليس.
استمر وقع حوافر خيول المجموعة، ولم ينخفض تأهب الحرس لحظة.
همّ جيلبرت بالكلام، لكن تاليس سبقه مجددًا.
لكن دوق بحيرة النجوم خفض رأسه ببطء.
«أنا آسف للغاية.»
حتى وجه جيلبرت أصبح قاتمًا.
«فعل شيء ما سهل، لكن التعامل بصورة سليمة مع كل العواقب التي سيولدها… هو الجزء الصعب.»
وبعد ثوانٍ…
وكان هناك سائقو عربات غاضبون يلهبون ظهور خيول رديئة بالسياط لتسرع، وكهنة يقفون فوق صناديق خشبية عند زوايا الشوارع، وقد احمرت وجوههم من شدة محاولاتهم نشر عقيدتهم، فضلًا عن رجال الشرطة وفرق الأمن العام الواقفين في تشكيلات منتظمة…
«جيلبرت، لم تتح لي الفرصة آنذاك لأسألك.»
قال تاليس شاردًا:
خرج صوت الفتى خافتًا وهو يمتطي حصانه.
«إلا أن ذلك يعني أيضًا أنك ستترك أثرًا لا يمكن محوه أمام أعين الطامحين الذين يراقبوننا.»
«لكن بشأن الأمر الذي طلبته منك قبل ست سنوات…»
«حقًا؟»
تغير تعبير جيلبرت قليلًا.
«وبجواره…»
«آه، بالطبع. البحث عن بعض الكتب وهدية الأرشيدوقة—»
فتح الفتى عينيه.
قاطعه تاليس.
ظهرت أمام عينيه هيئات صغيرة.
«لا، جيلبرت.»
«ليس صحيحًا أن أحدًا لا يهتم بهم. وليس صحيحًا أنهم بلا أسماء.»
رفع الأمير رأسه. كانت نظرته شاردة قليلًا، لكنها استعادت صفاءها بعد ثوانٍ.
أفاق تاليس من أفكاره المعقدة.
«أنت تعرف ما أقصده.»
«هبوط الليل على مدينة سحاب التنين.»
حدق تاليس في جيلبرت، كما لو كان الأخير طريق النجاة الوحيد لرجل ضل سبيله.
تغير تعبير جيلبرت قليلًا.
تنهد جيلبرت.
أخذ جيلبرت نفسًا عميقًا ثم أخرجه ببطء.
«اللورد مالوس ذكر للتو—»
«لا يهتم بهم أحد.
قاطعه الدوق مرة أخرى.
«وإذا واصلت شمالًا وتجاوزت السوق الكبير، فستجد طريقًا ترابيًا ينحدر نحو غابة النتن وقناة المصب.»
«جيلبرت، أرجوك.»
«كارثة. الشمال. ملك.»
ظهر إلحاح خفيف في عيني تاليس.
«هبوط الليل على مدينة سحاب التنين.»
«أرجوك.»
ابتعدوا عن المسرح شيئًا فشيئًا حتى غاب عن أنظارهم.
واصلت المجموعة سيرها.
سماء زرقاء، غيوم بيضاء، شمس مشرقة، ونسيم عليل.
وفي وقت لم ينتبهوا إليه، كانوا قد غادروا الجانب الغربي من مدينة النجم الأبدي. اختفت الأزقة الفوضوية والتفرعات الكثيرة، وحلت محلها طرق واسعة ومنتظمة ومستوية.
راقبه جيلبرت، وفي عينيه ارتياح عميق ممزوج بأسف أشد عمقًا.
«لا، يا صاحب السمو.»
«كما بحث أصدقائي عمدًا في السوق السفلي والبيوت المهجورة التي ذكرتها.»
تنهد جيلبرت أخيرًا، ولم يستطع إخفاء الإرهاق في وجهه.
«صيدلية غروف.»
«أنا آسف للغاية.»
كان وجه مالوس خاليًا من التعبير، لكن كلماته حملت مغزى واضحًا.
لم يتحدث تاليس.
«إذا دخلنا من هذا المدخل، فسنصل إلى…»
اكتفى بالانتظار في صمت.
«ذلك سوق الشارع الأحمر.»
«طلبت المساعدة من جهات كثيرة، من البلدية إلى مراكز الشرطة، لإجراء حملات تفتيش في أنحاء المدينة، مع التركيز خصوصًا على الحي السفلي والحي الغربي، تحت ذريعة تنظيف المدينة وتطهير الشوارع…»
تنهد تاليس.
وكما توقع تاليس، امتلأ صوت جيلبرت بالأسف.
بدا كأنه تذكر شيئًا.
«لكن كما تعرف، كلما حدث شيء من هذا القبيل، لا نحصل إلا على بضعة أفراد من “قوى الشر” لعرضهم أمام العامة، حتى يستمر الناس في الإشادة باستقرار المجتمع وتحسن حياتهم…»
ازداد عبوس تاليس.
توقف جيلبرت لحظة.
وحين استوعب الأمر، بدا له سخيفًا إلى درجة أنه كاد يضحك من الغضب.
«أما أولئك الأشخاص والأمور القبيحة حقًا، فيختفون بطريقة عجيبة في ليلة واحدة، ولا نجد خيطًا نبدأ منه التحقيق.»
«قد يكون اليوم الذي تعثر عليهم فيه… هو اليوم الذي تتسبب فيه بموتهم.»
حدق تاليس في الأرض.
«يشغل إحدى ضفتي نهر الراعي، بينما يشغل شارع لينخه الضفة الأخرى. وهو يقع في أقصى جنوب الحي الغربي. ورغم أن موقعه ليس جيدًا، فإنه حين يحل الليل يصبح أكثر الأماكن التي يقصدها المسؤولون والنبلاء.»
وحين نظر جيلبرت إلى الفتى، وجد أنه لا يملك الشجاعة لمواجهة عينيه.
«البوابة الغربية.»
«كما بحث أصدقائي عمدًا في السوق السفلي والبيوت المهجورة التي ذكرتها.»
«اهربوا! اهربوا أيها الشماليون الجهلة! فهنا ستكون نهايتكم! لقد هبطتُ عليكم بالكارثة!»
هز جيلبرت رأسه بخيبة.
«اقترح عليّ صديقي شيئًا من قبل. يا صاحب السمو، إذا عرضت في السوق السوداء مكافأة يحلم بها أمثالهم، لكنها لا تساوي شيئًا تقريبًا بالنسبة إلينا، فستظهر خلال بضعة أشهر أدلة مفيدة على طاولتك كالفطر بعد المطر.»
«وبالطبع، وفق العادة، تحول السوق السفلي في ذلك اليوم إلى مكان لا يضم سوى متاجر التحف ومحال تجهيز الموتى، إضافة إلى مكب قمامة نتن. وكان حفارو القبور وحمالو الجثث يبدون أغبياء وصادقين وأبرياء وعاجزين. ومهما ضايقهم رجال الشرطة أو استجوبوهم، لم يعثروا إلا على بضعة لصوص تافهين. وفي المقابل، خرجت إليهم أعداد كبيرة من الفقراء الذين بالكاد يجدون ما يسد رمقهم ويستر أجسادهم، وأخذوا يتذمرون بلا توقف حتى اضطر المسؤولون إلى إنهاء التحقيق.
لم يتكلم وزير الشؤون الخارجية.
«والأمر نفسه في البيوت المهجورة. مثل عشرات حملات التفتيش التي نفذتها البلدية من قبل، لم يجدوا سوى مكب قمامة لا يزوره أحد ومكان مشؤوم تُلقى فيه الجثث. ولم يبقَ هناك سوى نحو عشرة مشردين ومجانين لا يستطيعون حتى الكلام بوضوح.
«لكن كما تعرف، كلما حدث شيء من هذا القبيل، لا نحصل إلا على بضعة أفراد من “قوى الشر” لعرضهم أمام العامة، حتى يستمر الناس في الإشادة باستقرار المجتمع وتحسن حياتهم…»
«لم نعثر على أحد.»
ردد تاليس كلمات جيلبرت في نفسه.
قبض تاليس يديه بقوة.
سماء زرقاء، غيوم بيضاء، شمس مشرقة، ونسيم عليل.
وفي تلك اللحظة، شعر بألم خفيف في صدره.
وهكذا، عبرت العربة المحاطة بالفرسان بوابة المدينة بسلاسة، ودخلت الشارع الرئيسي، ثم تابعت تقدمها تحت أنظار المواطنين الفضولية على جانبي الطريق.
كأن جرحًا يعود إلى ست سنوات مضت لا يزال يحترق.
«صيدلية غروف.»
مرت المجموعة بجانب حشد بدا أنه تجمع لمشاهدة عرض في الشارع. صهل حصان الأمير، فاضطربت الخيول من حوله.
«يا صاحب السمو، لقد ذكّرك اللورد مالوس للتو—»
وسارع الحرس الملكي إلى تهدئة خيولهم وتغيير تشكيلهم لإبعاد الموكب عن المؤدين.
وشعر تاليس أن شيئًا ما غير صحيح.
لكن تاليس لم ينتبه.
حك الدوق عنقه بانزعاج، وشعر بالاستياء.
كان يفكر في شيء آخر.
استمر وقع حوافر خيول المجموعة، ولم ينخفض تأهب الحرس لحظة.
كان لأخوية الشارع الأسود وعصابة زجاجة الدم أساليبهما الخاصة حين تواجهان السلطة.
«لا ينبغي أن تظل معرفتك بمدينة النجم الأبدي عميقة إلى هذا الحد…»
يتفرقون كأنهم لم يكونوا، ويقطعون جزءًا من أجسادهم لينجو الباقي.
لم يجب جيلبرت فورًا.
وحين تمر العاصفة، يعيدون بناء أعشاشهم.
وحين نظر جيلبرت إلى الفتى، وجد أنه لا يملك الشجاعة لمواجهة عينيه.
ويعود كل شيء كما كان.
«ليس صحيحًا أن أحدًا لا يهتم بهم. وليس صحيحًا أنهم بلا أسماء.»
تنفس تاليس بصعوبة.
«ماذا تقصد؟»
«إذًا… ماذا عن سوق الشارع الأحمر؟»
«السوق السفلي.»
توقف جيلبرت لحظة.
«ذلك الشاب من رجال العظم القاحل، صديقك القديم الذي خاض معك بعض المحن؟»
«يا صاحب السمو، أخشى أن صلاحيات صديقي لم تكن كافية لتفتيش سوق الشارع الأحمر علنًا. فالجهات التي تقف خلف ذلك المكان…»
صمت مالوس.
أغمض تاليس عينيه وخفض رأسه.
«يشغل إحدى ضفتي نهر الراعي، بينما يشغل شارع لينخه الضفة الأخرى. وهو يقع في أقصى جنوب الحي الغربي. ورغم أن موقعه ليس جيدًا، فإنه حين يحل الليل يصبح أكثر الأماكن التي يقصدها المسؤولون والنبلاء.»
«أفهم يا جيلبرت.»
«أبدًا.
فتح الفتى عينيه.
وحده جيلبرت بقي إلى جواره وقال بهدوء:
«أنت بحاجة إلى شخص يعرف هذا العالم ويفهم حقيقة ما يجري في المدينة، لا إلى موظف حكومي ينظر إلى الناس من علٍ ولا يعرف شيئًا عن معاناتهم.»
«أعرف ماذا؟»
لم يجب جيلبرت فورًا.
وبعد وقت طويل، فتح تاليس عينيه أخيرًا.
بدا كأنه تذكر شيئًا.
«أنت تعرف هذا يا صاحب السمو. اختصاص بوتراي هو جمع المعلومات والتخطيط للعمليات، أما اختصاصي فهو الإشراف على الأشخاص الذين يقومون بهذه الأمور. ومن خلال مواقفهم وطريقة عملهم، أستطيع القول…»
وبعد ثوانٍ قال:
هز جيلبرت رأسه بلا تعبير.
«اقترح عليّ صديقي شيئًا من قبل. يا صاحب السمو، إذا عرضت في السوق السوداء مكافأة يحلم بها أمثالهم، لكنها لا تساوي شيئًا تقريبًا بالنسبة إلينا، فستظهر خلال بضعة أشهر أدلة مفيدة على طاولتك كالفطر بعد المطر.»
اكتفى بالانتظار في صمت.
لكن نظرة جيلبرت تغيرت.
حدق تاليس في ظهر المراقب، وأصبحت نظرته ثقيلة.
«إلا أن ذلك يعني أيضًا أنك ستترك أثرًا لا يمكن محوه أمام أعين الطامحين الذين يراقبوننا.»
«لكن كما تعرف، كلما حدث شيء من هذا القبيل، لا نحصل إلا على بضعة أفراد من “قوى الشر” لعرضهم أمام العامة، حتى يستمر الناس في الإشادة باستقرار المجتمع وتحسن حياتهم…»
عبس تاليس.
بدا كأنه تذكر شيئًا.
«ناقشنا هذا قبل ست سنوات.»
«في الماضي، كانت عصابة زجاجة الدم تحتكر أعماله كلها تقريبًا… حتى قبل ست سنوات.»
أومأ جيلبرت بحزم، وأصبحت نظرته صارمة.
«شكرًا لك.»
«والنتيجة التي توصلنا إليها آنذاك لا تزال صحيحة حتى اليوم.»
«فالجميع يعرف أنك نشأت على يد اللورد مان.»
تنهد تاليس.
راقب الأرض وهي تنسحب إلى الخلف تحت حوافر حصانه، وشرد قليلًا.
تابع جيلبرت بهدوء:
«أعرف.»
«بمكانتك الحالية، لن يكون من صالح أصدقائك أن تربطهم بك أي صلة. أفضل ما يمكنهم فعله هو الذوبان وسط الحشود، حيث لا يستطيع أحد العثور عليهم، ونسيان كل ما يتعلق بك.»
اضطر تاليس إلى تجنب نظرته التي أصبحت حادة فجأة، وأومأ.
وكلما تابع، ازدادت نبرته جدية.
ظل مالوس هادئًا.
أما تاليس فشعر بضيق شديد، ولم يعرف من أين يبدأ في استيعاب كلماته.
تنهد جيلبرت بخفة.
«وماذا عن إدارة الاستخبارات السرية؟»
أصبح وجه جيلبرت جادًا.
تجاهل تاليس كلامه وتابع:
«إما ذلك… أو أنه غير مسموح له بأن يوجد.»
«هل طلبت مساعدتهم؟ هم الأنسب لمثل هذه المهمة.»
«لكن عليك أن تكون حذرًا. لا تتسكع طويلًا في هذا الشارع الرئيسي النظيف والمرتب، وإلا سيعرّفك حرس المدينة وفرق الأمن العام إلى هيبة الملك.
عقد جيلبرت حاجبيه.
خرج صوت الأمير خافتًا.
«جيلبرت؟»
«معك حق.»
ضغط تاليس عليه طالبًا جوابًا.
فتح الفتى عينيه.
وبعد ثوانٍ، تنهد وزير الشؤون الخارجية أخيرًا.
إلى جانبه، ضم جيلبرت شفتيه بإحكام.
«قبل أعوام، في الفترة الأخيرة التي سبقت عودتك إلى المملكة، حين لم تكن أخبار عودتك قد انتشرت بعد، حاولت سؤال اللورد هانسن.»
تناثر الماء عند اصطدامه، وتردد صداه في الفراغ.
«اللورد هانسن.»
وكلما تابع، ازدادت نبرته جدية.
ما إن سمع تاليس الاسم حتى شعر بانزعاج مفاجئ.
عقد جيلبرت حاجبيه قليلًا، وبدا كأنه يريد قول شيء ثم تراجع.
«لكن خلال الأعوام الماضية، قلل ظهوره أكثر، رغم أنه كان نادر الظهور أصلًا. والآن يكاد لا يظهر مطلقًا، حتى في المؤتمرات الإمبراطورية.»
في تلك اللحظة، رفع تاليس رأسه بسرعة!
ازداد عبوس تاليس.
«ولا سيما أنك عدت الآن أمام أعين الجميع. إن استمررت، فسيلاحظ أحد تحركاتك عاجلًا أم آجلًا. ولا يمكننا أن نتوقع من كل من يلاحظها أن يكون رحيمًا أو صاحب مبادئ.
«إذًا يمكننا تجربة ذلك الشخص من إدارة الاستخبارات السرية—»
«البوابة الغربية.»
وقبل أن يتم جملته، أكملها جيلبرت عنه:
انطلقت صيحة مدوية واخترقت الحشود.
«ذلك الشاب من رجال العظم القاحل، صديقك القديم الذي خاض معك بعض المحن؟»
تغير تعبير تاليس قليلًا.
نظر إليه تاليس وأومأ.
«مدينة النجم الأبدي.
«حاولت.»
كان قائد المجموعة، المراقب مالوس، قد اقترب بحصانه منهما.
هز جيلبرت رأسه بلا تعبير.
وتلاشت تلك المشاهد كلها من أمام عينيه.
«كل من تواصلت معهم في إدارة الاستخبارات السرية، من أعلى الرتب إلى أدناها، أنكروا بالإجماع وجود زميل لهم يدعى رافائيل ليندبرغ.»
تنهد جيلبرت.
تجمد تاليس.
لم يجب الفارس النحيل.
«أنكروا وجوده؟ رغم أنه ظهر علنًا قبل ست سنوات في قاعة النجوم؟»
«البضائع هناك رخيصة، ويباع فيه كل شيء تقريبًا. إنه جنة فقراء المدينة حين يبحثون عن سبيل لكسب رزقهم. لكنه يملك قواعده الخاصة، وما يجري خلف الستار فيه أعمق مما يبدو. أما الغريب الذي يدخله للمرة الأولى… فسيكون جحيمًا بالنسبة إليه.
أمام اعتراض الأمير غير المصدق، هز جيلبرت رأسه مرة أخرى.
«أنت تعرف هذا يا صاحب السمو. اختصاص بوتراي هو جمع المعلومات والتخطيط للعمليات، أما اختصاصي فهو الإشراف على الأشخاص الذين يقومون بهذه الأمور. ومن خلال مواقفهم وطريقة عملهم، أستطيع القول…»
«على الأقل، هذا الشخص غير موجود في مدينة النجم الأبدي.
تنهد تاليس.
«إما ذلك… أو أنه غير مسموح له بأن يوجد.»
أغمض تاليس عينيه بألم.
فهم تاليس المعنى.
«اهربوا! اهربوا أيها الشماليون الجهلة! فهنا ستكون نهايتكم! لقد هبطتُ عليكم بالكارثة!»
وسأل غير مصدق:
اكتفى بارتجافة خفيفة.
«إدارة الاستخبارات السرية رفضت طلبك؟»
«قد يكون اليوم الذي تعثر عليهم فيه… هو اليوم الذي تتسبب فيه بموتهم.»
تنهد جيلبرت بخفة.
فتح الفتى عينيه.
«ليس تمامًا.»
«في الماضي، إن حالف الحظ الأطفال المتسولين، فقد يحصلون على مكافآت لا يجرؤون حتى على الحلم بها.»
«ماذا تقصد؟»
«لكن بشأن الأمر الذي طلبته منك قبل ست سنوات…»
ربت جيلبرت على عنق حصانه، كأنه يبحث عن أفضل طريقة لقول ما يريد.
رفع دوق بحيرة النجوم رأسه وحدق في جيلبرت الصامت.
«أنت تعرف هذا يا صاحب السمو. اختصاص بوتراي هو جمع المعلومات والتخطيط للعمليات، أما اختصاصي فهو الإشراف على الأشخاص الذين يقومون بهذه الأمور. ومن خلال مواقفهم وطريقة عملهم، أستطيع القول…»
تغير تعبير تاليس قليلًا.
رفع جيلبرت رأسه قليلًا ونظر إلى تاليس.
كل تلك الأماكن التي ظن يومًا أنه يعرفها، والتي عدّها أوطانًا له…
«…إن إدارة الاستخبارات السرية تحمل تحاملًا واضحًا ضدك.»
امتد الشارع الرئيسي ليتصل بعدد لا يحصى من الأزقة والتفرعات. اصطفت المنازل في صفوف منتظمة كقطع حلوى مقطوعة بعناية، بينما فتحت المتاجر أبوابها وراحت لافتاتها تتمايل مع الريح…
تجمد تاليس.
«قبل أعوام، حين وصلت إلى العاصمة أخبار الاضطرابات التي شهدتها مدينة سحاب التنين، انتشرت شتى أنواع الشائعات.»
«ضدي أنا؟ تحامل؟»
بدا كأنه تذكر شيئًا.
وحين استوعب الأمر، بدا له سخيفًا إلى درجة أنه كاد يضحك من الغضب.
«جيلبرت، أرجوك.»
«يا لها من مزحة. أنا المسكين الذي اضطر إلى مغادرة وطنه ست سنوات بسبب ما فعلوه!»
«نصف الباعة الدائمين هناك تربطهم صلات بأخوية الشارع الأسود، وبعضهم ينقل الأخبار إلى عصابة زجاجة الدم. فمصادر بضائعهم معقدة ويصعب تعقبها، كما أن السوق الكبير أفضل مكان لتصريف البضائع غير المشروعة وغسل المسروقات.»
لكن جيلبرت هز رأسه بقلق.
«إما ذلك… أو أنه غير مسموح له بأن يوجد.»
«لا أعرف ما يفكرون فيه، لكن اعذرني على صراحتي يا صاحب السمو. لطالما حافظ كل ملك على علاقة جيدة مع رئيس الاستخبارات وإدارة الاستخبارات السرية…»
«والنتيجة التي توصلنا إليها آنذاك لا تزال صحيحة حتى اليوم.»
واصلت المجموعة تقدمها، لكن كلمات جيلبرت كانت قد وصلت إلى تاليس بالفعل.
«أعرف ماذا؟»
حك الدوق عنقه بانزعاج، وشعر بالاستياء.
«فالجميع يعرف أنك نشأت على يد اللورد مان.»
«لكنني لا أريد سوى البحث عن بضعة أشخاص…»
«أنت تعرف ما أقصده.»
هز جيلبرت رأسه.
لكن على خلاف ما توقع، لم يتوقف الدوق إلا قليلًا قبل أن يطلق ضحكة خافتة.
«أتقصد أولئك الأطفال المشردين الذين لا يهتم بهم أحد ولا يعرف أحد أسماءهم، والذين اختفوا منذ ست سنوات في تلك الليلة الفوضوية داخل الحي السفلي سيئ السمعة؟»
ردد تاليس كلمات جيلبرت في نفسه.
في تلك اللحظة، رفع تاليس رأسه بسرعة!
«البوابة الغربية.»
«نعم.»
«وبجواره…»
حدق في جيلبرت بجدية، وكانت الصرامة في عينيه كافية لإرباك وزير الشؤون الخارجية قليلًا.
نظر جيلبرت إلى المكان الذي أشار إليه تاليس، فاحمر وجهه فورًا.
«ومعهم… ساقية في حانة.»
«جيلبرت.»
رفع جيلبرت حاجبه، ثم أومأ بصورة طبيعية.
ظل وجه جيلبرت هادئًا وهو يتابع:
«ومعهم ساقية في حانة.»
«معك حق.»
ساد الصمت بينهما لبضع ثوانٍ.
«لا يهتم بهم أحد.
«اختفوا منذ ست سنوات.
«المشكلة أن مسرحياتهم سيئة فعلًا. إما أن يهبط الليل المظلم بنفسه إلى العالم لينقذ البشر لسبب عجيب، أو تنتهي القصة بأن الليل المظلم سيحكم العالم في النهاية. لعل معبد الليل المظلم يظن أن تكرار الشيء بما يكفي سيجعل الناس يصدقونه حقيقة.»
«لا يهتم بهم أحد.
«ثم ذهبت إلى الشمال، وكتبت إليّ تقول إنك وجدت بعض الخيوط الموثوقة وإنك تبحث عنهم.»
«لا أسماء لهم.»
وربما لا تساوي حياة واحدة فحسب.
ردد تاليس كلمات جيلبرت في نفسه.
وقبل أن يتم جملته، أكملها جيلبرت عنه:
ثم همس:
«أفهم يا جيلبرت.»
«ليس صحيحًا أن أحدًا لا يهتم بهم. وليس صحيحًا أنهم بلا أسماء.»
«بل أعرف.»
ظهرت أمام عينيه هيئات صغيرة.
ضغط تاليس عليه طالبًا جوابًا.
راقبه جيلبرت، وفي عينيه ارتياح عميق ممزوج بأسف أشد عمقًا.
قاطعه الدوق مرة أخرى.
«يا صاحب السمو، اعذرني على صراحتي. العثور عليهم سهل جدًا، ما دمنا نطلق عملية واسعة بما يكفي.»
امتد الشارع الرئيسي ليتصل بعدد لا يحصى من الأزقة والتفرعات. اصطفت المنازل في صفوف منتظمة كقطع حلوى مقطوعة بعناية، بينما فتحت المتاجر أبوابها وراحت لافتاتها تتمايل مع الريح…
رفع تاليس رأسه.
ساد الصمت بينهما لبضع ثوانٍ.
«لكن ماذا سيحدث بعد أن تعثر عليهم؟»
«صيدلية غروف.»
أصبح وجه جيلبرت جادًا.
أراد تاليس الرد، لكنه لم يجد ما يقوله.
«هل فكرت يومًا فيما قد تجلبه إليهم إذا كافأتهم، أو رددت لهم جميلهم، أو حتى اكتفيت بمراقبتهم من بعيد؟
لكن جيلبرت هز رأسه بقلق.
«فعل شيء ما سهل، لكن التعامل بصورة سليمة مع كل العواقب التي سيولدها… هو الجزء الصعب.»
«كل من تواصلت معهم في إدارة الاستخبارات السرية، من أعلى الرتب إلى أدناها، أنكروا بالإجماع وجود زميل لهم يدعى رافائيل ليندبرغ.»
أراد تاليس الرد، لكنه لم يجد ما يقوله.
«قبل أعوام، في الفترة الأخيرة التي سبقت عودتك إلى المملكة، حين لم تكن أخبار عودتك قد انتشرت بعد، حاولت سؤال اللورد هانسن.»
قال جيلبرت بجدية:
أخذ جيلبرت نفسًا عميقًا ثم أخرجه ببطء.
«ولا سيما أنك عدت الآن أمام أعين الجميع. إن استمررت، فسيلاحظ أحد تحركاتك عاجلًا أم آجلًا. ولا يمكننا أن نتوقع من كل من يلاحظها أن يكون رحيمًا أو صاحب مبادئ.
«يؤدي إلى الحي السفلي.»
«لن ينتهي الأمر بخير لأي من الطرفين.»
شعر بحاجبيه ينعقدان كأن ثقلًا استقر فوقهما، وضم شفتيه غريزيًا.
أغمض تاليس عينيه بألم.
«كنت تعرف هذا منذ البداية، أليس كذلك؟»
«قد يكون اليوم الذي تعثر عليهم فيه… هو اليوم الذي تتسبب فيه بموتهم.»
اشتد صوت وزير الشؤون الخارجية.
اشتد صوت وزير الشؤون الخارجية.
نظر إليه تاليس وأومأ.
«تعثر عليهم… فتتسبب بموتهم.»
إلى جانبه، ضم جيلبرت شفتيه بإحكام.
وامتلأت كلمات جيلبرت بالأسى.
لكن جيلبرت هز رأسه بقلق.
«ولهذا أنصحك بصدق، من أجلك ومن أجلهم… تخلَّ عن الأمر. لا تبحث عنهم بعد الآن، يا صاحب السمو.»
«الوطن.»
«أتخلى عنهم؟
قال تاليس ذلك والاضطراب يملؤه.
«أتخلى…»
لم يتوقف الفرسان عن السير، وسرعان ما ظهرت أشياء أخرى أثارت مشاعر تاليس.
وبعد وقت طويل، فتح تاليس عينيه أخيرًا.
لكن تاليس تجاهله.
راقب الأرض وهي تنسحب إلى الخلف تحت حوافر حصانه، وشرد قليلًا.
تابع مالوس وهو يحدق في الممثل المضحك المتنكر في هيئة أخطبوط:
«جيلبرت.»
اشتد صوت وزير الشؤون الخارجية.
جاء صوته بطيئًا وأجش.
ما إن قال ذلك حتى عجز جيلبرت عن الرد.
«كنت تعرف هذا منذ البداية، أليس كذلك؟»
«يؤدي إلى الحي السفلي.»
سأل جيلبرت بحيرة:
اكتفى بارتجافة خفيفة.
«أعرف ماذا؟»
أمام اعتراض الأمير غير المصدق، هز جيلبرت رأسه مرة أخرى.
تنهد تاليس.
تمتم تاليس دون وعي.
«قبل ست سنوات، حين كنا في قصر مينديس، قلت لي إنني سأتمكن من البحث عن أصدقائي حين ينتهي احتجازي.»
«تلك المنطقة تابعة لتنظيم الخفاش الحديدي. كان أعضاؤه الأوائل من عمال تنظيف المجاري وحفر الخنادق، ويكسبون رزقهم من شبكة الصرف الممتدة تحت المدينة. واستغلوا معرفتهم بها للقيام بأعمال قذرة في الخفاء، مثل الاتجار بالبشر وتهريب البضائع وتوزيع المخدرات.»
تغير تعبير جيلبرت قليلًا.
رفع جيلبرت حاجبه، ثم أومأ بصورة طبيعية.
«وبعد أن أصبحت الأمير، قلت إن عليّ الانتظار حتى تهدأ الأنظار من حولي قبل أن أبحث عنهم.»
لم يتحدث تاليس.
لم يتكلم وزير الشؤون الخارجية.
«لا أعرف ما يفكرون فيه، لكن اعذرني على صراحتي يا صاحب السمو. لطالما حافظ كل ملك على علاقة جيدة مع رئيس الاستخبارات وإدارة الاستخبارات السرية…»
«ثم ذهبت إلى الشمال، وكتبت إليّ تقول إنك وجدت بعض الخيوط الموثوقة وإنك تبحث عنهم.»
أشار عدد لا بأس به من المارة إلى المجموعة بفضول، من سائقي العربات الذين قادوا عرباتهم على مهل، إلى التجار المستعجلين في طريقهم إلى أعمالهم. وكان اهتمامهم منصبًا بصورة خاصة على العربة التي تتوسط المجموعة، لكن أحدًا لم يُظهر دهشة كبيرة.
أخذ تاليس نفسًا عميقًا.
«فعل شيء ما سهل، لكن التعامل بصورة سليمة مع كل العواقب التي سيولدها… هو الجزء الصعب.»
«آنذاك صدقتك. لكن الآن…»
تابع جيلبرت بهدوء:
رفع دوق بحيرة النجوم رأسه وحدق في جيلبرت الصامت.
وفي تلك اللحظة…
وقال بيقين:
«أتقصد أولئك الأطفال المشردين الذين لا يهتم بهم أحد ولا يعرف أحد أسماءهم، والذين اختفوا منذ ست سنوات في تلك الليلة الفوضوية داخل الحي السفلي سيئ السمعة؟»
«كنت تعرف طوال الوقت.»
«وبالطبع، وفق العادة، تحول السوق السفلي في ذلك اليوم إلى مكان لا يضم سوى متاجر التحف ومحال تجهيز الموتى، إضافة إلى مكب قمامة نتن. وكان حفارو القبور وحمالو الجثث يبدون أغبياء وصادقين وأبرياء وعاجزين. ومهما ضايقهم رجال الشرطة أو استجوبوهم، لم يعثروا إلا على بضعة لصوص تافهين. وفي المقابل، خرجت إليهم أعداد كبيرة من الفقراء الذين بالكاد يجدون ما يسد رمقهم ويستر أجسادهم، وأخذوا يتذمرون بلا توقف حتى اضطر المسؤولون إلى إنهاء التحقيق.
وبمشاعر عجز تاليس عن وصفها، تابع الأمير بصوت أجش لكنه هادئ:
«هبوط الليل على مدينة سحاب التنين.»
«منذ البداية، منذ اللحظة التي وصلت فيها إلى قصر مينديس، كنت تعرف أنني لن أستطيع البحث عنهم مرة أخرى.
«السوق السفلي.»
«أبدًا.
«ثم ذهبت إلى الشمال، وكتبت إليّ تقول إنك وجدت بعض الخيوط الموثوقة وإنك تبحث عنهم.»
«ولهذا، منذ ذلك الحين، كنت فقط… كنت فقط…»
«الكارثة. نهاية العالم.»
اختنقت الكلمات في حلق تاليس، ولم يستطع المتابعة.
واصل الحرس الملكي تقدمهم، فعبروا منحدرًا ووصلوا إلى شارع آخر.
وفي تلك اللحظة، بدا كل ما حدث في قصر مينديس قبل ست سنوات غريبًا عنه فجأة.
أخذ تاليس نفسًا عميقًا وهو ينظر إلى شوارع مدينة النجم الأبدي، وشعر بيده اليمنى ترتجف قليلًا.
وتلاشت تلك المشاهد كلها من أمام عينيه.
«كارثة. الشمال. ملك.»
أغمض جيلبرت عينيه وأدار رأسه بعيدًا.
«يعرضون قصة كارثة ظهرت في شبه جزيرة لا يعرفها أحد، ثم اجتاحت الشمال وقتلت ملكًا.»
لم يجب.
استمر وقع حوافر خيول المجموعة، ولم ينخفض تأهب الحرس لحظة.
خفض تاليس رأسه أيضًا.
راقبه جيلبرت، وفي عينيه ارتياح عميق ممزوج بأسف أشد عمقًا.
ولم يسأل شيئًا آخر.
«لا ينبغي أن تظل معرفتك بمدينة النجم الأبدي عميقة إلى هذا الحد…»
لكنه عرف الآن أن مدينة النجم الأبدي، والبيوت المهجورة، وقصر مينديس…
«وماذا عن إدارة الاستخبارات السرية؟»
كل تلك الأماكن التي ظن يومًا أنه يعرفها، والتي عدّها أوطانًا له…
«في الماضي، إن حالف الحظ الأطفال المتسولين، فقد يحصلون على مكافآت لا يجرؤون حتى على الحلم بها.»
لم يعد يستطيع العودة إليها.
تابع مالوس وهو يحدق في الممثل المضحك المتنكر في هيئة أخطبوط:
راقبه جيلبرت، وفي عينيه ارتياح عميق ممزوج بأسف أشد عمقًا.
