Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 507

مسقط الرأس
اعدادت القارئ
PDF

مسقط الرأس

مسقط الرأس

واصل الفرسان تقدمهم بسرعة. لم يتحدث الأمير المتخفي بعد ذلك، وجيلبرت، الذي طالما عرف متى ينبغي له الصمت، لم يقل شيئًا أيضًا.

سماء زرقاء، غيوم بيضاء، شمس مشرقة، ونسيم عليل.

«مثل… قطعة فضية واحدة تغيّر مصيرك.»

تحت راية النجمتين المتقاطعتين المرفوعة عاليًا، تحرك الجنود النظاميون التابعون للإقليم المركزي في تشكيل منظم بمحاذاة أسوار المدينة، متجهين نحو المعسكر العسكري الواقع في الضواحي الجنوبية للعاصمة.

وما إن أنهى كلامه حتى جذب لجامه وتقدم أمامهما.

وكان من بينهم عشرات الفرسان الذين ارتدوا عباءات تخفي هوياتهم وأحاطوا بعربة. وقد انفصلت هذه المجموعة عن القوة الرئيسية منذ وقت طويل، واتجهت نحو مدينة النجم الأبدي.

ذهل جيلبرت للحظة.

كان حرس المدينة قد تلقوا الخبر مسبقًا، فاتخذوا التدابير اللازمة عند البوابة للحد من تدفق الناس وإخلاء الممر. ووفقًا للإجراءات المعتادة لعبور المبعوثين ذوي المكانة الخاصة، أبعدوا المواطنين إلى الجانب الآخر من الشارع، وهو أمر اعتاد عليه أهل العاصمة منذ زمن. وما إن رأى ضابط حرس المدينة التصريح والشارة اللذين قدمهما قائد المجموعة حتى أدخل عشرات الفرسان إلى المدينة باحترام، من دون ضجة تكشف هوياتهم.

اندفعت ذكريات لا تحصى إلى ذهنه.

أشار عدد لا بأس به من المارة إلى المجموعة بفضول، من سائقي العربات الذين قادوا عرباتهم على مهل، إلى التجار المستعجلين في طريقهم إلى أعمالهم. وكان اهتمامهم منصبًا بصورة خاصة على العربة التي تتوسط المجموعة، لكن أحدًا لم يُظهر دهشة كبيرة.

لم يجب الفارس النحيل.

فمقارنة بسكان المناطق الأخرى، كان أهل العاصمة قد رأوا من غرائب الأمور ما يكفي ليظلوا هادئين مهما حدث. فمنذ ولادتهم وهم يعيشون في قلب المملكة، بل شهدوا حتى الحدث الكبير الذي اعترف فيه المؤتمر الوطني للكوكبة بالأمير الثاني. فأي حدث نادر بقي قادرًا على إدهاشهم؟

هز جيلبرت رأسه.

وهكذا، عبرت العربة المحاطة بالفرسان بوابة المدينة بسلاسة، ودخلت الشارع الرئيسي، ثم تابعت تقدمها تحت أنظار المواطنين الفضولية على جانبي الطريق.

راقب الأرض وهي تنسحب إلى الخلف تحت حوافر حصانه، وشرد قليلًا.

ومن بين أفراد المجموعة، مدّ فارس بدا أنحف من البقية عنقه قليلًا وهو فوق سرجه.

«ليس صحيحًا أن أحدًا لا يهتم بهم. وليس صحيحًا أنهم بلا أسماء.»

تقدم جيلبرت بحصانه ببطء وأومأ إلى تاليس.

«هبوط الليل على مدينة سحاب التنين.»

«يا صاحب السمو، مرحبًا بعودتك إلى مدينة النجم الأبدي. مرحبًا بعودتك إلى وطنك.»

وكما توقع تاليس، امتلأ صوت جيلبرت بالأسف.

لم يجب الفارس النحيل.

«آه، بالطبع. البحث عن بعض الكتب وهدية الأرشيدوقة—»

اكتفى بارتجافة خفيفة.

وبعد ثوانٍ، تنهد وزير الشؤون الخارجية أخيرًا.

«مدينة النجم الأبدي.

«نعم.»

«الوطن.»

«يؤدي إلى الحي السفلي.»

حدق شاردًا في أبراج حرس المدينة التي ارتفعت فوق رأسه، وتنهد تحت عباءته.

واصل الفرسان تقدمهم بسرعة. لم يتحدث الأمير المتخفي بعد ذلك، وجيلبرت، الذي طالما عرف متى ينبغي له الصمت، لم يقل شيئًا أيضًا.

وبعد ثوانٍ، أدار تاليس رأسه وأجبر نفسه على ابتسامة شاردة قليلًا.

«يقود حرسي الشخصي.

«شكرًا لك.»

أراد تاليس الرد، لكنه لم يجد ما يقوله.

واصل الفرسان تقدمهم بسرعة. لم يتحدث الأمير المتخفي بعد ذلك، وجيلبرت، الذي طالما عرف متى ينبغي له الصمت، لم يقل شيئًا أيضًا.

ما إن قال ذلك حتى عجز جيلبرت عن الرد.

«الوطن.»

«ثم ذهبت إلى الشمال، وكتبت إليّ تقول إنك وجدت بعض الخيوط الموثوقة وإنك تبحث عنهم.»

شعر تاليس بالاهتزازات الصاعدة من الأرض مع اصطدام حوافر الخيل بها، وراح يتأمل بهدوء كل ما حوله عبر الفجوات بين رجال الحرس الملكي.

«إنهم الجماعة الدينية الوحيدة الموجودة خارج إقليم نجمة الصباح.»

امتد الشارع الرئيسي ليتصل بعدد لا يحصى من الأزقة والتفرعات. اصطفت المنازل في صفوف منتظمة كقطع حلوى مقطوعة بعناية، بينما فتحت المتاجر أبوابها وراحت لافتاتها تتمايل مع الريح…

أومأ جيلبرت بحزم، وأصبحت نظرته صارمة.

تجمع مواطنون حول لوحة إعلانات البلدية وهم يتجادلون ويتحدثون. ومضت نساء يحملن أحواضًا خشبية بيد واحدة نحو نهر الراعي لغسل الثياب. ووقف غرباء في وسط الشوارع بعيون متسعة ووجوه حائرة…

رفع تاليس رأسه ببطء وحدق في البعيد بمشاعر لم يستطع فهمها.

وكان هناك سائقو عربات غاضبون يلهبون ظهور خيول رديئة بالسياط لتسرع، وكهنة يقفون فوق صناديق خشبية عند زوايا الشوارع، وقد احمرت وجوههم من شدة محاولاتهم نشر عقيدتهم، فضلًا عن رجال الشرطة وفرق الأمن العام الواقفين في تشكيلات منتظمة…

حدق شاردًا في أبراج حرس المدينة التي ارتفعت فوق رأسه، وتنهد تحت عباءته.

بدا كل شيء كلوحة جُمّد فيها الزمن.

«يا صاحب السمو، أمضيت سنوات طويلة في الشمال. من الطبيعي أن تكون ذكرياتك عن مدينة النجم الأبدي قد بهتت…»

لكن…

«التنين العظيم. قبل انقضاء الليل.»

«غريب…»

لم يجب.

تمتم تاليس دون وعي.

كل تلك الأماكن التي ظن يومًا أنه يعرفها، والتي عدّها أوطانًا له…

شعر بحاجبيه ينعقدان كأن ثقلًا استقر فوقهما، وضم شفتيه غريزيًا.

وبعد لحظة، أومأ المراقب، ثم ألقى على الأمير نظرة جانبية.

اندفع إلى قلبه شعور غريب يعجز عن وصفه. لكنه ما إن أوشك على الظهور حتى توقف فجأة.

«هناك يعيش الأطفال المشردون الذين لا مأوى لهم. نحو نصف أطفال المدينة المشردين يتجمعون هناك.»

كأن دلوًا يُسحب من بئر، وحين أوشك على بلوغ فوهتها اصطدم بالجدار، فأفلت صاحبه الحبل وسقط الدلو مجددًا إلى الأعماق.

«كنت تعرف طوال الوقت.»

تناثر الماء عند اصطدامه، وتردد صداه في الفراغ.

«حقًا؟»

وأشعره ذلك بأن شيئًا ما… مفقود.

سماء زرقاء، غيوم بيضاء، شمس مشرقة، ونسيم عليل.

بعدما شهد رجال الحرس الملكي ما حدث مع السيف، أصبحوا جميعًا في غاية التأهب، حتى دويل كثير الكلام وغلوفر عديم التعبير. استقامت ظهورهم، وحافظوا على مسافة واسعة بينهم وبين تاليس. ولم يعودوا يتصرفون كما فعلوا في الطريق، أو يختلسون النظرات من حين إلى آخر نحو دوق بحيرة النجوم.

«يا صاحب السمو، أخشى أن صلاحيات صديقي لم تكن كافية لتفتيش سوق الشارع الأحمر علنًا. فالجهات التي تقف خلف ذلك المكان…»

وحده جيلبرت بقي إلى جواره وقال بهدوء:

«وهناك سترى الشارع الأسود.»

«يا صاحب السمو، أمضيت سنوات طويلة في الشمال. من الطبيعي أن تكون ذكرياتك عن مدينة النجم الأبدي قد بهتت…»

اكتفى بارتجافة خفيفة.

أفاق تاليس من أفكاره المعقدة.

«البوابة الغربية.»

ظل وجه جيلبرت هادئًا وهو يتابع:

حدق تاليس في جيلبرت، كما لو كان الأخير طريق النجاة الوحيد لرجل ضل سبيله.

«فمثلًا، هذا الشارع الذي دخلنا منه إلى المدينة جزء من جادة البركات. وهو فوضوي بعض الشيء لأننا قريبون من—»

هز وزير الشؤون الخارجية رأسه باستسلام.

وفي تلك اللحظة…

«غريب…»

«البوابة الغربية.»

«وبالطبع، وفق العادة، تحول السوق السفلي في ذلك اليوم إلى مكان لا يضم سوى متاجر التحف ومحال تجهيز الموتى، إضافة إلى مكب قمامة نتن. وكان حفارو القبور وحمالو الجثث يبدون أغبياء وصادقين وأبرياء وعاجزين. ومهما ضايقهم رجال الشرطة أو استجوبوهم، لم يعثروا إلا على بضعة لصوص تافهين. وفي المقابل، خرجت إليهم أعداد كبيرة من الفقراء الذين بالكاد يجدون ما يسد رمقهم ويستر أجسادهم، وأخذوا يتذمرون بلا توقف حتى اضطر المسؤولون إلى إنهاء التحقيق.

خرج صوت الأمير خافتًا.

ظهر حزن الذكريات في عيني تاليس.

«أعرف.»

«البضائع هناك رخيصة، ويباع فيه كل شيء تقريبًا. إنه جنة فقراء المدينة حين يبحثون عن سبيل لكسب رزقهم. لكنه يملك قواعده الخاصة، وما يجري خلف الستار فيه أعمق مما يبدو. أما الغريب الذي يدخله للمرة الأولى… فسيكون جحيمًا بالنسبة إليه.

توقف جيلبرت عن الكلام.

وكلما تابع، ازدادت نبرته جدية.

رفع تاليس رأسه ببطء وحدق في البعيد بمشاعر لم يستطع فهمها.

وشعر تاليس أن شيئًا ما غير صحيح.

«نحن قريبون من البوابة الغربية…»

توقف جيلبرت لحظة.

«البوابة الغربية.»

رفع تاليس رأسه.

جاء صوت دوق بحيرة النجوم كصدى يتردد في وادٍ خالٍ، أو كجدول صافٍ ينساب فوق الحجارة.

وكان من بينهم عشرات الفرسان الذين ارتدوا عباءات تخفي هوياتهم وأحاطوا بعربة. وقد انفصلت هذه المجموعة عن القوة الرئيسية منذ وقت طويل، واتجهت نحو مدينة النجم الأبدي.

وكانت في صوته مسحة غريبة من الحنين.

«اللورد هانسن.»

ذهل جيلبرت للحظة.

أما تاليس فظل يحدق في ذلك الاتجاه شاردًا.

لكن على خلاف ما توقع، لم يتوقف الدوق إلا قليلًا قبل أن يطلق ضحكة خافتة.

«الوطن.»

«يمكن اعتبارها أكثر مناطق مدينة النجم الأبدي إثارة للاهتمام. مزارعون، باعة، رسل، موظفون حكوميون، رجال شرطة، جنود، كهنة، متسولون، مغامرون شجعان، مسافرون فضوليون، وأجانب بغيضون…

«والنتيجة التي توصلنا إليها آنذاك لا تزال صحيحة حتى اليوم.»

«يمكنك أن تجد هنا كل أصناف الناس في العاصمة.»

اشتد صوت وزير الشؤون الخارجية.

تأمل تاليس الحشود التي أفسحت لهم الطريق على جانبي الشارع، وكأنه يقرأ أكثر القصص إثارة، وارتفعت زاوية فمه قليلًا.

«أعرف ماذا؟»

«لكن عليك أن تكون حذرًا. لا تتسكع طويلًا في هذا الشارع الرئيسي النظيف والمرتب، وإلا سيعرّفك حرس المدينة وفرق الأمن العام إلى هيبة الملك.

اكتفى بارتجافة خفيفة.

«فحتى شعرة واحدة من حصان أصيل يمر في هذا الشارع قد تبلغ قيمتها ما يكفي لقتل متشرد.»

وفي وقت ما، كان المكان الذي يصفه قد اختفى بالفعل عن ناظريه.

وربما لا تساوي حياة واحدة فحسب.

«يا صاحب السمو، مرحبًا بعودتك إلى مدينة النجم الأبدي. مرحبًا بعودتك إلى وطنك.»

حدق تاليس شاردًا في حجارة الطريق تحت حوافر الخيل.

خفض تاليس رأسه أيضًا.

وفي تلك اللحظة، راقبه جيلبرت بتعبير معقد.

تنهد جيلبرت بخفة.

«أتذكر ذلك المكان.»

وفي تلك اللحظة، راقبه جيلبرت بتعبير معقد.

ظهرت ابتسامة بالكاد تُرى على وجه تاليس، وأشار إلى تفرع في الطريق أمامهم.

كأن جرحًا يعود إلى ست سنوات مضت لا يزال يحترق.

«يؤدي إلى الحي السفلي.»

أمام اعتراض الأمير غير المصدق، هز جيلبرت رأسه مرة أخرى.

ارتفع صوت الدوق بخفة.

إلى جانبه، ضم جيلبرت شفتيه بإحكام.

«وإذا سلكت ذلك الطريق، فستصل أولًا إلى السوق الكبير.»

توقف الفتى لحظة، وانقطع نفسه قليلًا.

عقد جيلبرت حاجبيه قليلًا، وبدا كأنه يريد قول شيء ثم تراجع.

تنفس تاليس شاردًا.

أما تاليس فظل يحدق في ذلك الاتجاه شاردًا.

تنفس تاليس شاردًا.

«البضائع هناك رخيصة، ويباع فيه كل شيء تقريبًا. إنه جنة فقراء المدينة حين يبحثون عن سبيل لكسب رزقهم. لكنه يملك قواعده الخاصة، وما يجري خلف الستار فيه أعمق مما يبدو. أما الغريب الذي يدخله للمرة الأولى… فسيكون جحيمًا بالنسبة إليه.

وكانت في صوته مسحة غريبة من الحنين.

«شوارع السوق الكبير ليست سهلة التنقل. تضاريسه فوضوية وتخطيطه معقد. لكثير من الباعة أماكن ثابتة، وهم عيون وآذان في مناطقهم. لكن هذا، من ناحية أخرى، يجعل الاختباء وإخفاء الأثر هناك سهلًا للغاية. وبالطبع، لا تخلو المنطقة من المتاريس ومشاجرات العصابات.

ظهرت أمام عينيه هيئات صغيرة.

«نصف الباعة الدائمين هناك تربطهم صلات بأخوية الشارع الأسود، وبعضهم ينقل الأخبار إلى عصابة زجاجة الدم. فمصادر بضائعهم معقدة ويصعب تعقبها، كما أن السوق الكبير أفضل مكان لتصريف البضائع غير المشروعة وغسل المسروقات.»

«أعرف ماذا؟»

«وهو أيضًا أكثر الأماكن امتلاءً بالمسافرين والمحافظ السمينة.»

«ومعهم… ساقية في حانة.»

فكر تاليس في صمت.

كل تلك الأماكن التي ظن يومًا أنه يعرفها، والتي عدّها أوطانًا له…

«يا صاحب السمو…»

أخذ تاليس نفسًا عميقًا.

همّ جيلبرت بالكلام، لكن تاليس سبقه مجددًا.

«كارثة. الشمال. ملك.»

«وإذا واصلت شمالًا وتجاوزت السوق الكبير، فستجد طريقًا ترابيًا ينحدر نحو غابة النتن وقناة المصب.»

«هل فكرت يومًا فيما قد تجلبه إليهم إذا كافأتهم، أو رددت لهم جميلهم، أو حتى اكتفيت بمراقبتهم من بعيد؟

ظهر حزن الذكريات في عيني تاليس.

وفي تلك اللحظة…

«تلك المنطقة تابعة لتنظيم الخفاش الحديدي. كان أعضاؤه الأوائل من عمال تنظيف المجاري وحفر الخنادق، ويكسبون رزقهم من شبكة الصرف الممتدة تحت المدينة. واستغلوا معرفتهم بها للقيام بأعمال قذرة في الخفاء، مثل الاتجار بالبشر وتهريب البضائع وتوزيع المخدرات.»

لم يجب.

قال تاليس ذلك والاضطراب يملؤه.

وفي تلك اللحظة، تجمد.

«لكنهم يعرفون جيدًا كيف تسير الأمور. كانوا من أوائل الجماعات التي سلمت أراضيها لأخوية الشارع الأسود، ولهذا استطاعوا جرّ أنفاسهم حتى اليوم. وإذا كانت لديك بضائع محظورة ولا تخشى الموت، فقد تحصل منهم على سعر جيد.»

«جيلبرت.»

«أو تندم أشد الندم.»

اكتفى بالانتظار في صمت.

انعطفت المجموعة إلى شارع واسع آخر، فارتفع ضجيج الحشود أمامهم. وفي الوقت نفسه، وصلت إليهم موسيقى إيقاعية عذبة وصيحات حماسية.

«ولهذا أنصحك بصدق، من أجلك ومن أجلهم… تخلَّ عن الأمر. لا تبحث عنهم بعد الآن، يا صاحب السمو.»

«اهربوا! اهربوا أيها الشماليون الجهلة! فهنا ستكون نهايتكم! لقد هبطتُ عليكم بالكارثة!»

لم يعد يستطيع العودة إليها.

انطلقت صيحة مدوية واخترقت الحشود.

شعر تاليس كأن الدم توقف عن الجريان في عروقه للحظة.

ظهرت أمام الحرس الملكي صفوف من المباني الحجرية العالية، وأمامها ساحة نُصبت فيها منصة. أحاط عدد كبير من المواطنين بالمنصة وأخذوا يشيرون إلى الممثلين فوقها.

تطلع الفتى حوله بمشاعر جياشة.

«معبد الليل المظلم.»

«البوابة الغربية.»

تطلع تاليس عبر الفرسان إلى الممثلين الذين يؤدون أدوارهم بكل ما لديهم، واستمع إلى الموسيقى الصاخبة من حوله. وعلى وجهه ظهرت مسحة حنين وهو ينظر إلى جماعة من المؤمنين اشتهرت بتولي شؤون الجنائز، رغم أنها لا تملك حتى تمثالًا لإله تعبده.

رفع تاليس حاجبه.

«إنهم الجماعة الدينية الوحيدة الموجودة خارج إقليم نجمة الصباح.»

«لن ينتهي الأمر بخير لأي من الطرفين.»

هذه المرة، استمع جيلبرت بصمت.

انعطفت المجموعة إلى شارع واسع آخر، فارتفع ضجيج الحشود أمامهم. وفي الوقت نفسه، وصلت إليهم موسيقى إيقاعية عذبة وصيحات حماسية.

«لا يهتمون أبدًا بما يكلفهم إنتاج مسرحياتهم. يكتبون نصوصًا جديدة كل عام، ودعائمهم وديكوراتهم ومؤثراتهم الصوتية وممثلوهم ممتازون. ولا ينقصهم الجمهور أبدًا، ففي العاصمة أكثر مما يكفي من الناس الذين يحبون الفرجة.»

«ومنذ ذلك الحين، راجت المسرحيات التي تتناول الكوارث ونهاية العالم.»

لكن تاليس شخر.

حدق شاردًا في أبراج حرس المدينة التي ارتفعت فوق رأسه، وتنهد تحت عباءته.

«المشكلة أن مسرحياتهم سيئة فعلًا. إما أن يهبط الليل المظلم بنفسه إلى العالم لينقذ البشر لسبب عجيب، أو تنتهي القصة بأن الليل المظلم سيحكم العالم في النهاية. لعل معبد الليل المظلم يظن أن تكرار الشيء بما يكفي سيجعل الناس يصدقونه حقيقة.»

«ولهذا أنصحك بصدق، من أجلك ومن أجلهم… تخلَّ عن الأمر. لا تبحث عنهم بعد الآن، يا صاحب السمو.»

«وربما يكونون محقين فعلًا. لحظة…»

«وهو أيضًا أكثر الأماكن امتلاءً بالمسافرين والمحافظ السمينة.»

عندها، حدق تاليس في ممثل بدين يرتدي زيًا تغطيه مجسات حمراء كثيرة حتى بدا كأخطبوط. كان غارقًا في العرق، ومع ذلك ظل يصرخ بأعلى صوته.

«كما بحث أصدقائي عمدًا في السوق السفلي والبيوت المهجورة التي ذكرتها.»

وشعر تاليس أن شيئًا ما غير صحيح.

تغير تعبير تاليس قليلًا.

«ما المسرحية التي يعرضونها اليوم؟»

مرت المجموعة بجانب حشد بدا أنه تجمع لمشاهدة عرض في الشارع. صهل حصان الأمير، فاضطربت الخيول من حوله.

تدخل في حديثهما صوت رجولي هادئ.

لكن تاليس لم ينتبه.

«هبوط الليل على مدينة سحاب التنين.»

خفض تاليس رأسه أيضًا.

استدار تاليس وجيلبرت في الوقت نفسه.

«لا أعرف ما يفكرون فيه، لكن اعذرني على صراحتي يا صاحب السمو. لطالما حافظ كل ملك على علاقة جيدة مع رئيس الاستخبارات وإدارة الاستخبارات السرية…»

كان قائد المجموعة، المراقب مالوس، قد اقترب بحصانه منهما.

فمقارنة بسكان المناطق الأخرى، كان أهل العاصمة قد رأوا من غرائب الأمور ما يكفي ليظلوا هادئين مهما حدث. فمنذ ولادتهم وهم يعيشون في قلب المملكة، بل شهدوا حتى الحدث الكبير الذي اعترف فيه المؤتمر الوطني للكوكبة بالأمير الثاني. فأي حدث نادر بقي قادرًا على إدهاشهم؟

«اليوم الاثنين. وفي هذا اليوم عليهم عرض مسرحيات تتناول أحداثًا كبرى.»

«حقًا؟»

نظر مالوس إلى المنصة بلا اكتراث. كانت الحشود تحيط بها حتى كادت لا تترك منفذًا.

«سنصل إلى…»

«يعرضون قصة كارثة ظهرت في شبه جزيرة لا يعرفها أحد، ثم اجتاحت الشمال وقتلت ملكًا.»

هذه المرة، استمع جيلبرت بصمت.

«كارثة. الشمال. ملك.»

وأشعره ذلك بأن شيئًا ما… مفقود.

تغير تعبير تاليس قليلًا.

«والأمر نفسه في البيوت المهجورة. مثل عشرات حملات التفتيش التي نفذتها البلدية من قبل، لم يجدوا سوى مكب قمامة لا يزوره أحد ومكان مشؤوم تُلقى فيه الجثث. ولم يبقَ هناك سوى نحو عشرة مشردين ومجانين لا يستطيعون حتى الكلام بوضوح.

تابع مالوس وهو يحدق في الممثل المضحك المتنكر في هيئة أخطبوط:

«تعثر عليهم… فتتسبب بموتهم.»

«وفي النهاية، هبط إله الليل المظلم وأظهر قوته، واستدعى التنين العظيم. وقبيل انقضاء الليل، هُزمت الكارثة واختفت بلا أثر.»

«منذ البداية، منذ اللحظة التي وصلت فيها إلى قصر مينديس، كنت تعرف أنني لن أستطيع البحث عنهم مرة أخرى.

رفع تاليس حاجبه.

سأل جيلبرت بحيرة:

«التنين العظيم. قبل انقضاء الليل.»

«فعل شيء ما سهل، لكن التعامل بصورة سليمة مع كل العواقب التي سيولدها… هو الجزء الصعب.»

«حقًا؟»

رفع الأمير رأسه. كانت نظرته شاردة قليلًا، لكنها استعادت صفاءها بعد ثوانٍ.

سأل الأمير عابسًا.

لم يجب جيلبرت فورًا.

شخر مالوس بخفة، فتولى جيلبرت الحديث.

«كارثة. الشمال. ملك.»

«قبل أعوام، حين وصلت إلى العاصمة أخبار الاضطرابات التي شهدتها مدينة سحاب التنين، انتشرت شتى أنواع الشائعات.»

وقال بيقين:

هز وزير الشؤون الخارجية رأسه باستسلام.

قال جيلبرت بجدية:

«ومنذ ذلك الحين، راجت المسرحيات التي تتناول الكوارث ونهاية العالم.»

«آه، بالطبع. البحث عن بعض الكتب وهدية الأرشيدوقة—»

«الكارثة. نهاية العالم.»

وبعد ثوانٍ…

حدق تاليس في «الأخطبوط الأحمر» الذي كان «يذبح الناس بلا رحمة».

ظل الدوق المراهق يحدق في المدخل الذي أخذ يبتعد عنهم، وضغط على صدره دون وعي، وغامت عيناه.

«إذًا، يظن معبد الليل المظلم أن الكارثة هي ذلك الوحش… الهيدرا؟»

قال جيلبرت بجدية:

صمت مالوس.

«كل من تواصلت معهم في إدارة الاستخبارات السرية، من أعلى الرتب إلى أدناها، أنكروا بالإجماع وجود زميل لهم يدعى رافائيل ليندبرغ.»

ابتعدوا عن المسرح شيئًا فشيئًا حتى غاب عن أنظارهم.

«اللورد هانسن.»

وبعد لحظة، أومأ المراقب، ثم ألقى على الأمير نظرة جانبية.

«جيلبرت، أرجوك.»

«وماذا عساها أن تكون غير ذلك؟»

عقد جيلبرت حاجبيه قليلًا، وبدا كأنه يريد قول شيء ثم تراجع.

اضطر تاليس إلى تجنب نظرته التي أصبحت حادة فجأة، وأومأ.

«وماذا عن إدارة الاستخبارات السرية؟»

«معك حق.»

قال تاليس ذلك والاضطراب يملؤه.

ظل مالوس هادئًا.

«ناقشنا هذا قبل ست سنوات.»

«وإن لم تمانع، يا صاحب السمو، يا صاحب النعمة…»

تنهد جيلبرت باستسلام مرة أخرى.

رفع تاليس رأسه ببطء.

«اهربوا! اهربوا أيها الشماليون الجهلة! فهنا ستكون نهايتكم! لقد هبطتُ عليكم بالكارثة!»

«بعد ست سنوات، لا ينبغي أن تظل معرفتك بمدينة النجم الأبدي عميقة إلى هذا الحد، ولا سيما فيما يتعلق بالحي السفلي.»

«على الأقل، هذا الشخص غير موجود في مدينة النجم الأبدي.

كان وجه مالوس خاليًا من التعبير، لكن كلماته حملت مغزى واضحًا.

وفي تلك اللحظة، بدا كل ما حدث في قصر مينديس قبل ست سنوات غريبًا عنه فجأة.

«فالجميع يعرف أنك نشأت على يد اللورد مان.»

واصلت المجموعة سيرها.

وما إن أنهى كلامه حتى جذب لجامه وتقدم أمامهما.

وفي وقت لم ينتبهوا إليه، كانوا قد غادروا الجانب الغربي من مدينة النجم الأبدي. اختفت الأزقة الفوضوية والتفرعات الكثيرة، وحلت محلها طرق واسعة ومنتظمة ومستوية.

«لا ينبغي أن تظل معرفتك بمدينة النجم الأبدي عميقة إلى هذا الحد…»

وفي تلك اللحظة، تجمد.

حدق تاليس في ظهر المراقب، وأصبحت نظرته ثقيلة.

رفع الأمير رأسه. كانت نظرته شاردة قليلًا، لكنها استعادت صفاءها بعد ثوانٍ.

«هل يعرف ماضيّ؟»

«أتخلى عنهم؟

بدا جيلبرت محرجًا قليلًا، فسعل.

«هبوط الليل على مدينة سحاب التنين.»

«عُيّن اللورد مالوس قائدًا لحرسك الشخصي والمسؤول عن بقية رجالك. ومن الطبيعي أن يثق به جلالته.»

«غريب…»

«يقود حرسي الشخصي.

«معبد الليل المظلم.»

«بالطبع يثق به جلالته.

«قبل أعوام، حين وصلت إلى العاصمة أخبار الاضطرابات التي شهدتها مدينة سحاب التنين، انتشرت شتى أنواع الشائعات.»

«جلالته.»

تطلع تاليس عبر الفرسان إلى الممثلين الذين يؤدون أدوارهم بكل ما لديهم، واستمع إلى الموسيقى الصاخبة من حوله. وعلى وجهه ظهرت مسحة حنين وهو ينظر إلى جماعة من المؤمنين اشتهرت بتولي شؤون الجنائز، رغم أنها لا تملك حتى تمثالًا لإله تعبده.

واصل تاليس التحديق في ظهر مالوس، ثم قال ببطء بعد وقت:

«طلبت المساعدة من جهات كثيرة، من البلدية إلى مراكز الشرطة، لإجراء حملات تفتيش في أنحاء المدينة، مع التركيز خصوصًا على الحي السفلي والحي الغربي، تحت ذريعة تنظيف المدينة وتطهير الشوارع…»

«حقًا؟»

قال جيلبرت بجدية:

شد قبضته على اللجام.

حدق تاليس في الأرض.

«إذًا… هل هو حارس تاليس الشخصي، أم حارس الأمير والدوق؟»

استمر وقع حوافر خيول المجموعة، ولم ينخفض تأهب الحرس لحظة.

ما إن قال ذلك حتى عجز جيلبرت عن الرد.

ما إن قال ذلك حتى عجز جيلبرت عن الرد.

ساء تعبير وزير الشؤون الخارجية بشدة، لكنه خفض رأسه في النهاية ولم يقل شيئًا.

«كارثة. الشمال. ملك.»

واصل الحرس الملكي تقدمهم، فعبروا منحدرًا ووصلوا إلى شارع آخر.

وكلما تابع، ازدادت نبرته جدية.

والغريب أن الشارع، رغم اتساعه وكون الوقت نهارًا، كان خاليًا تقريبًا. لم يكن فيه سوى قلة من الناس يسرعون في طريقهم.

ما إن سمع تاليس الاسم حتى شعر بانزعاج مفاجئ.

لم يستطع تاليس منع نفسه من تذكر برج الأمير الشبح.

«الوطن.»

«لكن لماذا يبدو هذا المكان…»

«غريب…»

وفي تلك اللحظة، تجمد.

تنهد تاليس.

اندفعت ذكريات لا تحصى إلى ذهنه.

وحين نظر جيلبرت إلى الفتى، وجد أنه لا يملك الشجاعة لمواجهة عينيه.

«أعرف هذا المكان، جيلبرت.»

«كلما أمطرت السماء غمرته المياه، ولهذا تفوح رائحة العفن من جميع البيوت والمتاجر هناك، حتى صيدلية غروف الواقعة عند الزاوية.»

تطلع الفتى حوله بمشاعر جياشة.

كان قائد المجموعة، المراقب مالوس، قد اقترب بحصانه منهما.

«إذا دخلنا من هذا المدخل، فسنصل إلى…»

«لا، يا صاحب السمو.»

قال تاليس شاردًا:

«في الماضي، كانت عصابة زجاجة الدم تحتكر أعماله كلها تقريبًا… حتى قبل ست سنوات.»

«سنصل إلى…»

«شوارع السوق الكبير ليست سهلة التنقل. تضاريسه فوضوية وتخطيطه معقد. لكثير من الباعة أماكن ثابتة، وهم عيون وآذان في مناطقهم. لكن هذا، من ناحية أخرى، يجعل الاختباء وإخفاء الأثر هناك سهلًا للغاية. وبالطبع، لا تخلو المنطقة من المتاريس ومشاجرات العصابات.

نظر جيلبرت إلى المكان الذي أشار إليه تاليس، فاحمر وجهه فورًا.

«أتخلى…»

«يا صاحب السمو، ربما لا تعرف…»

انعطفت المجموعة إلى شارع واسع آخر، فارتفع ضجيج الحشود أمامهم. وفي الوقت نفسه، وصلت إليهم موسيقى إيقاعية عذبة وصيحات حماسية.

هز تاليس رأسه.

لم يجب الفارس النحيل.

«بل أعرف.»

رفع تاليس حاجبه.

سحب الدوق إصبعه وحدق في المباني الغامضة في نهاية الشارع.

«آه، بالطبع. البحث عن بعض الكتب وهدية الأرشيدوقة—»

«ذلك سوق الشارع الأحمر.»

تجمد تاليس.

شعر تاليس كأن الدم توقف عن الجريان في عروقه للحظة.

قاطعه الدوق مرة أخرى.

«يشغل إحدى ضفتي نهر الراعي، بينما يشغل شارع لينخه الضفة الأخرى. وهو يقع في أقصى جنوب الحي الغربي. ورغم أن موقعه ليس جيدًا، فإنه حين يحل الليل يصبح أكثر الأماكن التي يقصدها المسؤولون والنبلاء.»

ابتلع تاليس ريقه.

قال شاردًا:

«هناك يعيش الأطفال المشردون الذين لا مأوى لهم. نحو نصف أطفال المدينة المشردين يتجمعون هناك.»

«في الماضي، كانت عصابة زجاجة الدم تحتكر أعماله كلها تقريبًا… حتى قبل ست سنوات.»

انطلقت صيحة مدوية واخترقت الحشود.

أخذ جيلبرت نفسًا عميقًا ثم أخرجه ببطء.

«قبل ست سنوات، حين كنا في قصر مينديس، قلت لي إنني سأتمكن من البحث عن أصدقائي حين ينتهي احتجازي.»

«يا صاحب السمو، لقد ذكّرك اللورد مالوس للتو—»

وقبل أن يتم جملته، أكملها جيلبرت عنه:

لكن تاليس تجاهله.

لم يعد يستطيع العودة إليها.

ظل الدوق المراهق يحدق في المدخل الذي أخذ يبتعد عنهم، وضغط على صدره دون وعي، وغامت عيناه.

أما تاليس فشعر بضيق شديد، ولم يعرف من أين يبدأ في استيعاب كلماته.

«في الماضي، إن حالف الحظ الأطفال المتسولين، فقد يحصلون على مكافآت لا يجرؤون حتى على الحلم بها.»

لكنه عرف الآن أن مدينة النجم الأبدي، والبيوت المهجورة، وقصر مينديس…

«مثل… قطعة فضية واحدة تغيّر مصيرك.»

«إذًا يمكننا تجربة ذلك الشخص من إدارة الاستخبارات السرية—»

تنهد جيلبرت باستسلام مرة أخرى.

أغمض تاليس عينيه وخفض رأسه.

ولم يعد يحاول نصح الأمير الذي بدا عاجزًا عن ضبط مشاعره. اكتفى باستعادة هدوئه والاستماع إليه بصمت.

عبس تاليس.

لم يتوقف الفرسان عن السير، وسرعان ما ظهرت أشياء أخرى أثارت مشاعر تاليس.

نظر إليه تاليس وأومأ.

«هل تعلم أنك إذا تابعت في هذا الاتجاه وتجاوزت ثلاثة أحياء سكنية مكتظة بالطبقات الفقيرة، فستصل إلى الحي السفلي؟»

«يؤدي إلى الحي السفلي.»

أشار تاليس إلى فتحة متهالكة في البعيد.

«صيدلية غروف.»

«وهناك سترى الشارع الأسود.»

أما تاليس فظل يحدق في ذلك الاتجاه شاردًا.

«الشارع الأسود الأسطوري.»

«أنت تعرف هذا يا صاحب السمو. اختصاص بوتراي هو جمع المعلومات والتخطيط للعمليات، أما اختصاصي فهو الإشراف على الأشخاص الذين يقومون بهذه الأمور. ومن خلال مواقفهم وطريقة عملهم، أستطيع القول…»

أمام صمت جيلبرت، هز تاليس رأسه ببطء، وانخفض صوته.

«حاولت.»

«من يريد الاستقرار هناك، عليه أن يكون قاسيًا بما يكفي… أو شجاعًا بما يكفي.»

«نحن قريبون من البوابة الغربية…»

«أو… يائسًا بما يكفي.»

«يا صاحب السمو، أخشى أن صلاحيات صديقي لم تكن كافية لتفتيش سوق الشارع الأحمر علنًا. فالجهات التي تقف خلف ذلك المكان…»

«وعلى مقربة منه شارع منخفض عن مستوى ما حوله. الجميع يسمونه السوق السفلي.»

قال تاليس شاردًا:

«السوق السفلي.»

تأمل تاليس الحشود التي أفسحت لهم الطريق على جانبي الشارع، وكأنه يقرأ أكثر القصص إثارة، وارتفعت زاوية فمه قليلًا.

تنفس تاليس شاردًا.

تطلع الفتى حوله بمشاعر جياشة.

وفي وقت ما، كان المكان الذي يصفه قد اختفى بالفعل عن ناظريه.

كان لأخوية الشارع الأسود وعصابة زجاجة الدم أساليبهما الخاصة حين تواجهان السلطة.

«كلما أمطرت السماء غمرته المياه، ولهذا تفوح رائحة العفن من جميع البيوت والمتاجر هناك، حتى صيدلية غروف الواقعة عند الزاوية.»

رفع تاليس رأسه.

«صيدلية غروف.»

«أنكروا وجوده؟ رغم أنه ظهر علنًا قبل ست سنوات في قاعة النجوم؟»

كلما واصل تاليس الحديث، ازدادت مشاعره تعقيدًا.

لكن تاليس لم ينتبه.

«باستثناء حانة الغروب، تقع صيدلية غروف في أعلى وأفضل موضع هناك. وباستثناء الزقاق الخلفي المليء بالقمامة، نادرًا ما تصل إليها مياه الفيضان. كما أن قلة قليلة تجرؤ على إثارة المشاكل هناك. وحتى من يريد مهاجمة هدف عليه أن يحذر، لئلا يسيء إلى الشخص الخطأ.»

ابتلع تاليس ريقه.

«حانة الغروب.»

أما تاليس فشعر بضيق شديد، ولم يعرف من أين يبدأ في استيعاب كلماته.

توقف الفتى لحظة، وانقطع نفسه قليلًا.

وبعد وقت طويل، فتح تاليس عينيه أخيرًا.

ظهرت في ذهنه هيئة رشيقة، فساعدته على كبح مشاعره في الوقت المناسب.

رفع تاليس رأسه ببطء وحدق في البعيد بمشاعر لم يستطع فهمها.

«وبجوار السوق السفلي…»

وفي تلك اللحظة…

أخذ تاليس نفسًا عميقًا وهو ينظر إلى شوارع مدينة النجم الأبدي، وشعر بيده اليمنى ترتجف قليلًا.

«يمكنك أن تجد هنا كل أصناف الناس في العاصمة.»

إلى جانبه، ضم جيلبرت شفتيه بإحكام.

ما إن سمع تاليس الاسم حتى شعر بانزعاج مفاجئ.

«وبجواره…»

«أنت تعرف هذا يا صاحب السمو. اختصاص بوتراي هو جمع المعلومات والتخطيط للعمليات، أما اختصاصي فهو الإشراف على الأشخاص الذين يقومون بهذه الأمور. ومن خلال مواقفهم وطريقة عملهم، أستطيع القول…»

ابتلع تاليس ريقه.

«اللورد مالوس ذكر للتو—»

«…مجموعة من البيوت الحجرية المهجورة.»

ابتعدوا عن المسرح شيئًا فشيئًا حتى غاب عن أنظارهم.

ارتجف صوته قليلًا.

«وبجوار السوق السفلي…»

«هناك يعيش الأطفال المشردون الذين لا مأوى لهم. نحو نصف أطفال المدينة المشردين يتجمعون هناك.»

كان لأخوية الشارع الأسود وعصابة زجاجة الدم أساليبهما الخاصة حين تواجهان السلطة.

استمر وقع حوافر خيول المجموعة، ولم ينخفض تأهب الحرس لحظة.

ضغط تاليس عليه طالبًا جوابًا.

لكن دوق بحيرة النجوم خفض رأسه ببطء.

وكانت في صوته مسحة غريبة من الحنين.

حتى وجه جيلبرت أصبح قاتمًا.

كان حرس المدينة قد تلقوا الخبر مسبقًا، فاتخذوا التدابير اللازمة عند البوابة للحد من تدفق الناس وإخلاء الممر. ووفقًا للإجراءات المعتادة لعبور المبعوثين ذوي المكانة الخاصة، أبعدوا المواطنين إلى الجانب الآخر من الشارع، وهو أمر اعتاد عليه أهل العاصمة منذ زمن. وما إن رأى ضابط حرس المدينة التصريح والشارة اللذين قدمهما قائد المجموعة حتى أدخل عشرات الفرسان إلى المدينة باحترام، من دون ضجة تكشف هوياتهم.

وبعد ثوانٍ…

بدا كل شيء كلوحة جُمّد فيها الزمن.

«جيلبرت، لم تتح لي الفرصة آنذاك لأسألك.»

حدق شاردًا في أبراج حرس المدينة التي ارتفعت فوق رأسه، وتنهد تحت عباءته.

خرج صوت الفتى خافتًا وهو يمتطي حصانه.

بدا كأنه تذكر شيئًا.

«لكن بشأن الأمر الذي طلبته منك قبل ست سنوات…»

خرج صوت الفتى خافتًا وهو يمتطي حصانه.

تغير تعبير جيلبرت قليلًا.

«ليس صحيحًا أن أحدًا لا يهتم بهم. وليس صحيحًا أنهم بلا أسماء.»

«آه، بالطبع. البحث عن بعض الكتب وهدية الأرشيدوقة—»

«لا، يا صاحب السمو.»

قاطعه تاليس.

حتى وجه جيلبرت أصبح قاتمًا.

«لا، جيلبرت.»

اكتفى بارتجافة خفيفة.

رفع الأمير رأسه. كانت نظرته شاردة قليلًا، لكنها استعادت صفاءها بعد ثوانٍ.

لكن جيلبرت هز رأسه بقلق.

«أنت تعرف ما أقصده.»

هذه المرة، استمع جيلبرت بصمت.

حدق تاليس في جيلبرت، كما لو كان الأخير طريق النجاة الوحيد لرجل ضل سبيله.

«بالطبع يثق به جلالته.

تنهد جيلبرت.

كان لأخوية الشارع الأسود وعصابة زجاجة الدم أساليبهما الخاصة حين تواجهان السلطة.

«اللورد مالوس ذكر للتو—»

«كنت تعرف طوال الوقت.»

قاطعه الدوق مرة أخرى.

ضغط تاليس عليه طالبًا جوابًا.

«جيلبرت، أرجوك.»

شعر تاليس كأن الدم توقف عن الجريان في عروقه للحظة.

ظهر إلحاح خفيف في عيني تاليس.

راقبه جيلبرت، وفي عينيه ارتياح عميق ممزوج بأسف أشد عمقًا.

«أرجوك.»

أومأ جيلبرت بحزم، وأصبحت نظرته صارمة.

واصلت المجموعة سيرها.

وسارع الحرس الملكي إلى تهدئة خيولهم وتغيير تشكيلهم لإبعاد الموكب عن المؤدين.

وفي وقت لم ينتبهوا إليه، كانوا قد غادروا الجانب الغربي من مدينة النجم الأبدي. اختفت الأزقة الفوضوية والتفرعات الكثيرة، وحلت محلها طرق واسعة ومنتظمة ومستوية.

«لم نعثر على أحد.»

«لا، يا صاحب السمو.»

لم يتكلم وزير الشؤون الخارجية.

تنهد جيلبرت أخيرًا، ولم يستطع إخفاء الإرهاق في وجهه.

«لا، جيلبرت.»

«أنا آسف للغاية.»

تنفس تاليس بصعوبة.

لم يتحدث تاليس.

قبض تاليس يديه بقوة.

اكتفى بالانتظار في صمت.

«نحن قريبون من البوابة الغربية…»

«طلبت المساعدة من جهات كثيرة، من البلدية إلى مراكز الشرطة، لإجراء حملات تفتيش في أنحاء المدينة، مع التركيز خصوصًا على الحي السفلي والحي الغربي، تحت ذريعة تنظيف المدينة وتطهير الشوارع…»

وبعد ثوانٍ قال:

وكما توقع تاليس، امتلأ صوت جيلبرت بالأسف.

ظهرت ابتسامة بالكاد تُرى على وجه تاليس، وأشار إلى تفرع في الطريق أمامهم.

«لكن كما تعرف، كلما حدث شيء من هذا القبيل، لا نحصل إلا على بضعة أفراد من “قوى الشر” لعرضهم أمام العامة، حتى يستمر الناس في الإشادة باستقرار المجتمع وتحسن حياتهم…»

وبعد ثوانٍ…

توقف جيلبرت لحظة.

«لكن ماذا سيحدث بعد أن تعثر عليهم؟»

«أما أولئك الأشخاص والأمور القبيحة حقًا، فيختفون بطريقة عجيبة في ليلة واحدة، ولا نجد خيطًا نبدأ منه التحقيق.»

قال جيلبرت بجدية:

حدق تاليس في الأرض.

ظهرت في ذهنه هيئة رشيقة، فساعدته على كبح مشاعره في الوقت المناسب.

وحين نظر جيلبرت إلى الفتى، وجد أنه لا يملك الشجاعة لمواجهة عينيه.

ولم يسأل شيئًا آخر.

«كما بحث أصدقائي عمدًا في السوق السفلي والبيوت المهجورة التي ذكرتها.»

«جلالته.»

هز جيلبرت رأسه بخيبة.

«أفهم يا جيلبرت.»

«وبالطبع، وفق العادة، تحول السوق السفلي في ذلك اليوم إلى مكان لا يضم سوى متاجر التحف ومحال تجهيز الموتى، إضافة إلى مكب قمامة نتن. وكان حفارو القبور وحمالو الجثث يبدون أغبياء وصادقين وأبرياء وعاجزين. ومهما ضايقهم رجال الشرطة أو استجوبوهم، لم يعثروا إلا على بضعة لصوص تافهين. وفي المقابل، خرجت إليهم أعداد كبيرة من الفقراء الذين بالكاد يجدون ما يسد رمقهم ويستر أجسادهم، وأخذوا يتذمرون بلا توقف حتى اضطر المسؤولون إلى إنهاء التحقيق.

«يؤدي إلى الحي السفلي.»

«والأمر نفسه في البيوت المهجورة. مثل عشرات حملات التفتيش التي نفذتها البلدية من قبل، لم يجدوا سوى مكب قمامة لا يزوره أحد ومكان مشؤوم تُلقى فيه الجثث. ولم يبقَ هناك سوى نحو عشرة مشردين ومجانين لا يستطيعون حتى الكلام بوضوح.

عندها، حدق تاليس في ممثل بدين يرتدي زيًا تغطيه مجسات حمراء كثيرة حتى بدا كأخطبوط. كان غارقًا في العرق، ومع ذلك ظل يصرخ بأعلى صوته.

«لم نعثر على أحد.»

وبعد ثوانٍ، تنهد وزير الشؤون الخارجية أخيرًا.

قبض تاليس يديه بقوة.

«تعثر عليهم… فتتسبب بموتهم.»

وفي تلك اللحظة، شعر بألم خفيف في صدره.

«من يريد الاستقرار هناك، عليه أن يكون قاسيًا بما يكفي… أو شجاعًا بما يكفي.»

كأن جرحًا يعود إلى ست سنوات مضت لا يزال يحترق.

«يا صاحب السمو، أخشى أن صلاحيات صديقي لم تكن كافية لتفتيش سوق الشارع الأحمر علنًا. فالجهات التي تقف خلف ذلك المكان…»

مرت المجموعة بجانب حشد بدا أنه تجمع لمشاهدة عرض في الشارع. صهل حصان الأمير، فاضطربت الخيول من حوله.

أشار عدد لا بأس به من المارة إلى المجموعة بفضول، من سائقي العربات الذين قادوا عرباتهم على مهل، إلى التجار المستعجلين في طريقهم إلى أعمالهم. وكان اهتمامهم منصبًا بصورة خاصة على العربة التي تتوسط المجموعة، لكن أحدًا لم يُظهر دهشة كبيرة.

وسارع الحرس الملكي إلى تهدئة خيولهم وتغيير تشكيلهم لإبعاد الموكب عن المؤدين.

اكتفى بارتجافة خفيفة.

لكن تاليس لم ينتبه.

«أنا آسف للغاية.»

كان يفكر في شيء آخر.

«لا يهتم بهم أحد.

كان لأخوية الشارع الأسود وعصابة زجاجة الدم أساليبهما الخاصة حين تواجهان السلطة.

رفع جيلبرت رأسه قليلًا ونظر إلى تاليس.

يتفرقون كأنهم لم يكونوا، ويقطعون جزءًا من أجسادهم لينجو الباقي.

تجمد تاليس.

وحين تمر العاصفة، يعيدون بناء أعشاشهم.

رفع تاليس رأسه ببطء.

ويعود كل شيء كما كان.

نظر إليه تاليس وأومأ.

تنفس تاليس بصعوبة.

«يا صاحب السمو، مرحبًا بعودتك إلى مدينة النجم الأبدي. مرحبًا بعودتك إلى وطنك.»

«إذًا… ماذا عن سوق الشارع الأحمر؟»

«ليس صحيحًا أن أحدًا لا يهتم بهم. وليس صحيحًا أنهم بلا أسماء.»

توقف جيلبرت لحظة.

تنهد جيلبرت باستسلام مرة أخرى.

«يا صاحب السمو، أخشى أن صلاحيات صديقي لم تكن كافية لتفتيش سوق الشارع الأحمر علنًا. فالجهات التي تقف خلف ذلك المكان…»

«بل أعرف.»

أغمض تاليس عينيه وخفض رأسه.

عندها، حدق تاليس في ممثل بدين يرتدي زيًا تغطيه مجسات حمراء كثيرة حتى بدا كأخطبوط. كان غارقًا في العرق، ومع ذلك ظل يصرخ بأعلى صوته.

«أفهم يا جيلبرت.»

«قد يكون اليوم الذي تعثر عليهم فيه… هو اليوم الذي تتسبب فيه بموتهم.»

فتح الفتى عينيه.

«حقًا؟»

«أنت بحاجة إلى شخص يعرف هذا العالم ويفهم حقيقة ما يجري في المدينة، لا إلى موظف حكومي ينظر إلى الناس من علٍ ولا يعرف شيئًا عن معاناتهم.»

ما إن قال ذلك حتى عجز جيلبرت عن الرد.

لم يجب جيلبرت فورًا.

وبعد ثوانٍ، تنهد وزير الشؤون الخارجية أخيرًا.

بدا كأنه تذكر شيئًا.

«جلالته.»

وبعد ثوانٍ قال:

راقب الأرض وهي تنسحب إلى الخلف تحت حوافر حصانه، وشرد قليلًا.

«اقترح عليّ صديقي شيئًا من قبل. يا صاحب السمو، إذا عرضت في السوق السوداء مكافأة يحلم بها أمثالهم، لكنها لا تساوي شيئًا تقريبًا بالنسبة إلينا، فستظهر خلال بضعة أشهر أدلة مفيدة على طاولتك كالفطر بعد المطر.»

«كل من تواصلت معهم في إدارة الاستخبارات السرية، من أعلى الرتب إلى أدناها، أنكروا بالإجماع وجود زميل لهم يدعى رافائيل ليندبرغ.»

لكن نظرة جيلبرت تغيرت.

«الوطن.»

«إلا أن ذلك يعني أيضًا أنك ستترك أثرًا لا يمكن محوه أمام أعين الطامحين الذين يراقبوننا.»

«لم نعثر على أحد.»

عبس تاليس.

واصل الحرس الملكي تقدمهم، فعبروا منحدرًا ووصلوا إلى شارع آخر.

«ناقشنا هذا قبل ست سنوات.»

حدق تاليس في «الأخطبوط الأحمر» الذي كان «يذبح الناس بلا رحمة».

أومأ جيلبرت بحزم، وأصبحت نظرته صارمة.

إلى جانبه، ضم جيلبرت شفتيه بإحكام.

«والنتيجة التي توصلنا إليها آنذاك لا تزال صحيحة حتى اليوم.»

هز جيلبرت رأسه بخيبة.

تنهد تاليس.

«لكن خلال الأعوام الماضية، قلل ظهوره أكثر، رغم أنه كان نادر الظهور أصلًا. والآن يكاد لا يظهر مطلقًا، حتى في المؤتمرات الإمبراطورية.»

تابع جيلبرت بهدوء:

فكر تاليس في صمت.

«بمكانتك الحالية، لن يكون من صالح أصدقائك أن تربطهم بك أي صلة. أفضل ما يمكنهم فعله هو الذوبان وسط الحشود، حيث لا يستطيع أحد العثور عليهم، ونسيان كل ما يتعلق بك.»

«اقترح عليّ صديقي شيئًا من قبل. يا صاحب السمو، إذا عرضت في السوق السوداء مكافأة يحلم بها أمثالهم، لكنها لا تساوي شيئًا تقريبًا بالنسبة إلينا، فستظهر خلال بضعة أشهر أدلة مفيدة على طاولتك كالفطر بعد المطر.»

وكلما تابع، ازدادت نبرته جدية.

«لا يهتمون أبدًا بما يكلفهم إنتاج مسرحياتهم. يكتبون نصوصًا جديدة كل عام، ودعائمهم وديكوراتهم ومؤثراتهم الصوتية وممثلوهم ممتازون. ولا ينقصهم الجمهور أبدًا، ففي العاصمة أكثر مما يكفي من الناس الذين يحبون الفرجة.»

أما تاليس فشعر بضيق شديد، ولم يعرف من أين يبدأ في استيعاب كلماته.

نظر إليه تاليس وأومأ.

«وماذا عن إدارة الاستخبارات السرية؟»

مرت المجموعة بجانب حشد بدا أنه تجمع لمشاهدة عرض في الشارع. صهل حصان الأمير، فاضطربت الخيول من حوله.

تجاهل تاليس كلامه وتابع:

لم يجب جيلبرت فورًا.

«هل طلبت مساعدتهم؟ هم الأنسب لمثل هذه المهمة.»

ساء تعبير وزير الشؤون الخارجية بشدة، لكنه خفض رأسه في النهاية ولم يقل شيئًا.

عقد جيلبرت حاجبيه.

أراد تاليس الرد، لكنه لم يجد ما يقوله.

«جيلبرت؟»

وبمشاعر عجز تاليس عن وصفها، تابع الأمير بصوت أجش لكنه هادئ:

ضغط تاليس عليه طالبًا جوابًا.

.shola-widget, .shola-lb-wrap, .shola-pb-wrap { background: var(--bg-color, #fff); border: 1px solid var(--border-color, #e5e2e2); border-radius: 4px; padding: 15px; color: var(--text-color, #333); font-family: inherit; direction: rtl; box-sizing: border-box; margin-bottom: 20px; } .darkmode .shola-widget, .darkmode .shola-lb-wrap, .darkmode .shola-pb-wrap { background: #1a1a1a; border-color: #333; color: #ddd; } .shola-progress-wrap { margin-bottom: 20px; } .shola-progress-header, .shola-pb-header { display: flex; justify-content: space-between; align-items: center; font-size: .95em; margin-bottom: 6px; font-weight: bold; } .shola-days-left, .shola-pb-days { color: #f5a623; font-size: .85em; font-weight: normal; } .shola-numbers, .shola-pb-numbers { display: flex; justify-content: space-between; font-size: .85em; color: inherit; margin-bottom: 8px; opacity: 0.8; } .shola-bar-bg, .shola-pb-bg { background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 20px; height: 25px; overflow: hidden; } .shola-bar-fill, .shola-pb-fill { background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); height: 100%; border-radius: 20px; display: flex; align-items: center; justify-content: flex-end; padding-left: 10px; min-width: 4px; transition: width 1s ease; font-size: .8em; font-weight: bold; color:#fff; } .shola-completed, .shola-pb-done { text-align: center; color: #2ecc71; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; } .shola-pre-goal, .shola-pb-pre { text-align: center; color: inherit; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; opacity: 0.9; } .shola-tabs { display: flex; gap: 8px; margin-bottom: 14px; border-bottom: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); padding-bottom: 10px; flex-wrap: wrap; } .shola-tab { background: rgba(150,150,150,0.1); border: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); color: inherit; padding: 5px 12px; border-radius: 3px; cursor: pointer; font-family: inherit; font-size: .85em; transition: all .3s; } .shola-tab.active { background: #366ad3; border-color: #366ad3; color: #fff; } .shola-tab:hover:not(.active) { background: rgba(150,150,150,0.2); } .shola-row, .shola-lb-row { display: flex; align-items: center; gap: 10px; padding: 8px 10px; border-radius: 4px; margin-bottom: 6px; background: rgba(150,150,150,0.05); transition: background .2s; border:1px solid rgba(150,150,150,0.1); } .shola-top3, .shola-lb-top3 { background: rgba(54,106,211,0.08); border-color:rgba(54,106,211,0.2); } .shola-row:hover, .shola-lb-row:hover { background: rgba(150,150,150,0.1); } .shola-rank, .shola-lb-rank { min-width: 30px; text-align: center; font-size: 1.1em; } .shola-num, .shola-lb-num { display: inline-block; width: 22px; height: 22px; line-height: 22px; text-align: center; background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 50%; font-size: .8em; color: inherit; opacity:0.8; } .shola-avatar { width: 32px; height: 32px; border-radius: 50%; object-fit: cover; border: 1px solid rgba(150,150,150,0.3); flex-shrink: 0; } .shola-uname, .shola-lb-uname { flex: 1; font-size: .95em; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; white-space: nowrap; font-weight:600;} .shola-score, .shola-lb-score { color: #f5a623; font-weight: bold; font-size: .9em; white-space: nowrap; } .shola-empty, .shola-lb-empty { text-align: center; color: inherit; opacity:0.7; padding: 20px 0; font-size: .9em; } .shola-btn-support { display: block; width: 100%; background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); color: #fff; text-align: center; padding: 10px; border-radius: 4px; font-weight: bold; cursor: pointer; border: none; margin-top: 15px; font-family: inherit; font-size: 1.05em; transition: opacity 0.3s; } .shola-btn-support:hover { opacity: 0.9; color: #fff; } .shola-modal-overlay { position: fixed; top: 0; left: 0; width: 100%; height: 100%; background: rgba(0,0,0,0.6); z-index: 999999; display: none; align-items: center; justify-content: center; backdrop-filter: blur(3px); } .shola-modal-box { background: var(--bg-color, #fff); color: var(--text-color, #333); padding: 25px; border-radius: 8px; width: 90%; max-width: 400px; position: relative; box-shadow: 0 10px 30px rgba(0,0,0,0.5); } .darkmode .shola-modal-box { background: #1a1a1a; color: #ddd; border: 1px solid #333; } .shola-modal-close { position: absolute; top: 10px; left: 15px; font-size: 24px; cursor: pointer; color: inherit; opacity: 0.7; font-weight: bold; line-height: 1; } .shola-modal-close:hover { opacity: 1; } function sholaTab(btn, id) { var widget = btn.closest(".shola-widget"); widget.querySelectorAll(".shola-tab").forEach(function(b){ b.classList.remove("active"); }); widget.querySelectorAll(".shola-board").forEach(function(b){ b.style.display = "none"; }); btn.classList.add("active"); document.getElementById("shola-" + id).style.display = "block"; } function sholaOpenModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "flex"; } function sholaCloseModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "none"; } 🔥 تحدي أغسطس 2026 ⏳ 3 يوم متبقي 69,410 شعلة الهدف: 66,666 104.1% 🎉 حققنا هدف الشهر، شكرًا لكل الداعمين! إدعمنا × شراء عملة الشعلة 🏆 أكبر الداعمين هذا الشهر 💎 أكبر الداعمين كل الأوقات 🥇M. K🔥 40,000🥈Yazeed Alsaedi🔥 105🥉Muh Muh🔥 1004Mohammad Aldosari🔥 1005Ahmed Abdelghaffar🔥 1006AZ .🔥 1007A A🔥 1008Ali Omar🔥 1009Anass Alofiy🔥 10010الشيطان الموقر صمت الرمال🔥 100 🥇M. K💎 52,000🥈Fares saeed💎 1,100🥉ibrahim shazly💎 5004Hamood Mahemed💎 5005Abdullah K💎 5006Yazeed Alsaedi💎 1057عويض المطيري💎 1008G A💎 1009Ali Alshamsi💎 10010Abdulla Alkalbani💎 100

وبعد ثوانٍ، تنهد وزير الشؤون الخارجية أخيرًا.

«حقًا؟»

«قبل أعوام، في الفترة الأخيرة التي سبقت عودتك إلى المملكة، حين لم تكن أخبار عودتك قد انتشرت بعد، حاولت سؤال اللورد هانسن.»

سماء زرقاء، غيوم بيضاء، شمس مشرقة، ونسيم عليل.

«اللورد هانسن.»

تمتم تاليس دون وعي.

ما إن سمع تاليس الاسم حتى شعر بانزعاج مفاجئ.

«ماذا تقصد؟»

«لكن خلال الأعوام الماضية، قلل ظهوره أكثر، رغم أنه كان نادر الظهور أصلًا. والآن يكاد لا يظهر مطلقًا، حتى في المؤتمرات الإمبراطورية.»

تغير تعبير جيلبرت قليلًا.

ازداد عبوس تاليس.

ظهرت ابتسامة بالكاد تُرى على وجه تاليس، وأشار إلى تفرع في الطريق أمامهم.

«إذًا يمكننا تجربة ذلك الشخص من إدارة الاستخبارات السرية—»

«ما المسرحية التي يعرضونها اليوم؟»

وقبل أن يتم جملته، أكملها جيلبرت عنه:

هذه المرة، استمع جيلبرت بصمت.

«ذلك الشاب من رجال العظم القاحل، صديقك القديم الذي خاض معك بعض المحن؟»

«وبالطبع، وفق العادة، تحول السوق السفلي في ذلك اليوم إلى مكان لا يضم سوى متاجر التحف ومحال تجهيز الموتى، إضافة إلى مكب قمامة نتن. وكان حفارو القبور وحمالو الجثث يبدون أغبياء وصادقين وأبرياء وعاجزين. ومهما ضايقهم رجال الشرطة أو استجوبوهم، لم يعثروا إلا على بضعة لصوص تافهين. وفي المقابل، خرجت إليهم أعداد كبيرة من الفقراء الذين بالكاد يجدون ما يسد رمقهم ويستر أجسادهم، وأخذوا يتذمرون بلا توقف حتى اضطر المسؤولون إلى إنهاء التحقيق.

نظر إليه تاليس وأومأ.

«كما بحث أصدقائي عمدًا في السوق السفلي والبيوت المهجورة التي ذكرتها.»

«حاولت.»

كأن دلوًا يُسحب من بئر، وحين أوشك على بلوغ فوهتها اصطدم بالجدار، فأفلت صاحبه الحبل وسقط الدلو مجددًا إلى الأعماق.

هز جيلبرت رأسه بلا تعبير.

واصلت المجموعة تقدمها، لكن كلمات جيلبرت كانت قد وصلت إلى تاليس بالفعل.

«كل من تواصلت معهم في إدارة الاستخبارات السرية، من أعلى الرتب إلى أدناها، أنكروا بالإجماع وجود زميل لهم يدعى رافائيل ليندبرغ.»

وسأل غير مصدق:

تجمد تاليس.

«إما ذلك… أو أنه غير مسموح له بأن يوجد.»

«أنكروا وجوده؟ رغم أنه ظهر علنًا قبل ست سنوات في قاعة النجوم؟»

«كما بحث أصدقائي عمدًا في السوق السفلي والبيوت المهجورة التي ذكرتها.»

أمام اعتراض الأمير غير المصدق، هز جيلبرت رأسه مرة أخرى.

«البوابة الغربية.»

«على الأقل، هذا الشخص غير موجود في مدينة النجم الأبدي.

«وبالطبع، وفق العادة، تحول السوق السفلي في ذلك اليوم إلى مكان لا يضم سوى متاجر التحف ومحال تجهيز الموتى، إضافة إلى مكب قمامة نتن. وكان حفارو القبور وحمالو الجثث يبدون أغبياء وصادقين وأبرياء وعاجزين. ومهما ضايقهم رجال الشرطة أو استجوبوهم، لم يعثروا إلا على بضعة لصوص تافهين. وفي المقابل، خرجت إليهم أعداد كبيرة من الفقراء الذين بالكاد يجدون ما يسد رمقهم ويستر أجسادهم، وأخذوا يتذمرون بلا توقف حتى اضطر المسؤولون إلى إنهاء التحقيق.

«إما ذلك… أو أنه غير مسموح له بأن يوجد.»

وفي وقت لم ينتبهوا إليه، كانوا قد غادروا الجانب الغربي من مدينة النجم الأبدي. اختفت الأزقة الفوضوية والتفرعات الكثيرة، وحلت محلها طرق واسعة ومنتظمة ومستوية.

فهم تاليس المعنى.

وحين نظر جيلبرت إلى الفتى، وجد أنه لا يملك الشجاعة لمواجهة عينيه.

وسأل غير مصدق:

«البضائع هناك رخيصة، ويباع فيه كل شيء تقريبًا. إنه جنة فقراء المدينة حين يبحثون عن سبيل لكسب رزقهم. لكنه يملك قواعده الخاصة، وما يجري خلف الستار فيه أعمق مما يبدو. أما الغريب الذي يدخله للمرة الأولى… فسيكون جحيمًا بالنسبة إليه.

«إدارة الاستخبارات السرية رفضت طلبك؟»

«كما بحث أصدقائي عمدًا في السوق السفلي والبيوت المهجورة التي ذكرتها.»

تنهد جيلبرت بخفة.

بدا كل شيء كلوحة جُمّد فيها الزمن.

«ليس تمامًا.»

«كنت تعرف هذا منذ البداية، أليس كذلك؟»

«ماذا تقصد؟»

ازداد عبوس تاليس.

ربت جيلبرت على عنق حصانه، كأنه يبحث عن أفضل طريقة لقول ما يريد.

«…مجموعة من البيوت الحجرية المهجورة.»

«أنت تعرف هذا يا صاحب السمو. اختصاص بوتراي هو جمع المعلومات والتخطيط للعمليات، أما اختصاصي فهو الإشراف على الأشخاص الذين يقومون بهذه الأمور. ومن خلال مواقفهم وطريقة عملهم، أستطيع القول…»

اضطر تاليس إلى تجنب نظرته التي أصبحت حادة فجأة، وأومأ.

رفع جيلبرت رأسه قليلًا ونظر إلى تاليس.

«نعم.»

«…إن إدارة الاستخبارات السرية تحمل تحاملًا واضحًا ضدك.»

تنفس تاليس شاردًا.

تجمد تاليس.

«أتذكر ذلك المكان.»

«ضدي أنا؟ تحامل؟»

كان حرس المدينة قد تلقوا الخبر مسبقًا، فاتخذوا التدابير اللازمة عند البوابة للحد من تدفق الناس وإخلاء الممر. ووفقًا للإجراءات المعتادة لعبور المبعوثين ذوي المكانة الخاصة، أبعدوا المواطنين إلى الجانب الآخر من الشارع، وهو أمر اعتاد عليه أهل العاصمة منذ زمن. وما إن رأى ضابط حرس المدينة التصريح والشارة اللذين قدمهما قائد المجموعة حتى أدخل عشرات الفرسان إلى المدينة باحترام، من دون ضجة تكشف هوياتهم.

وحين استوعب الأمر، بدا له سخيفًا إلى درجة أنه كاد يضحك من الغضب.

فكر تاليس في صمت.

«يا لها من مزحة. أنا المسكين الذي اضطر إلى مغادرة وطنه ست سنوات بسبب ما فعلوه!»

«اهربوا! اهربوا أيها الشماليون الجهلة! فهنا ستكون نهايتكم! لقد هبطتُ عليكم بالكارثة!»

لكن جيلبرت هز رأسه بقلق.

لم يستطع تاليس منع نفسه من تذكر برج الأمير الشبح.

«لا أعرف ما يفكرون فيه، لكن اعذرني على صراحتي يا صاحب السمو. لطالما حافظ كل ملك على علاقة جيدة مع رئيس الاستخبارات وإدارة الاستخبارات السرية…»

رفع الأمير رأسه. كانت نظرته شاردة قليلًا، لكنها استعادت صفاءها بعد ثوانٍ.

واصلت المجموعة تقدمها، لكن كلمات جيلبرت كانت قد وصلت إلى تاليس بالفعل.

كأن دلوًا يُسحب من بئر، وحين أوشك على بلوغ فوهتها اصطدم بالجدار، فأفلت صاحبه الحبل وسقط الدلو مجددًا إلى الأعماق.

حك الدوق عنقه بانزعاج، وشعر بالاستياء.

«يمكن اعتبارها أكثر مناطق مدينة النجم الأبدي إثارة للاهتمام. مزارعون، باعة، رسل، موظفون حكوميون، رجال شرطة، جنود، كهنة، متسولون، مغامرون شجعان، مسافرون فضوليون، وأجانب بغيضون…

«لكنني لا أريد سوى البحث عن بضعة أشخاص…»

تحت راية النجمتين المتقاطعتين المرفوعة عاليًا، تحرك الجنود النظاميون التابعون للإقليم المركزي في تشكيل منظم بمحاذاة أسوار المدينة، متجهين نحو المعسكر العسكري الواقع في الضواحي الجنوبية للعاصمة.

هز جيلبرت رأسه.

«يؤدي إلى الحي السفلي.»

«أتقصد أولئك الأطفال المشردين الذين لا يهتم بهم أحد ولا يعرف أحد أسماءهم، والذين اختفوا منذ ست سنوات في تلك الليلة الفوضوية داخل الحي السفلي سيئ السمعة؟»

«إنهم الجماعة الدينية الوحيدة الموجودة خارج إقليم نجمة الصباح.»

في تلك اللحظة، رفع تاليس رأسه بسرعة!

«لا أعرف ما يفكرون فيه، لكن اعذرني على صراحتي يا صاحب السمو. لطالما حافظ كل ملك على علاقة جيدة مع رئيس الاستخبارات وإدارة الاستخبارات السرية…»

«نعم.»

«تلك المنطقة تابعة لتنظيم الخفاش الحديدي. كان أعضاؤه الأوائل من عمال تنظيف المجاري وحفر الخنادق، ويكسبون رزقهم من شبكة الصرف الممتدة تحت المدينة. واستغلوا معرفتهم بها للقيام بأعمال قذرة في الخفاء، مثل الاتجار بالبشر وتهريب البضائع وتوزيع المخدرات.»

حدق في جيلبرت بجدية، وكانت الصرامة في عينيه كافية لإرباك وزير الشؤون الخارجية قليلًا.

تجمع مواطنون حول لوحة إعلانات البلدية وهم يتجادلون ويتحدثون. ومضت نساء يحملن أحواضًا خشبية بيد واحدة نحو نهر الراعي لغسل الثياب. ووقف غرباء في وسط الشوارع بعيون متسعة ووجوه حائرة…

«ومعهم… ساقية في حانة.»

«لم نعثر على أحد.»

رفع جيلبرت حاجبه، ثم أومأ بصورة طبيعية.

لكن…

«ومعهم ساقية في حانة.»

وبعد ثوانٍ قال:

ساد الصمت بينهما لبضع ثوانٍ.

حدق تاليس في الأرض.

«اختفوا منذ ست سنوات.

لم يجب الفارس النحيل.

«لا يهتم بهم أحد.

ولم يعد يحاول نصح الأمير الذي بدا عاجزًا عن ضبط مشاعره. اكتفى باستعادة هدوئه والاستماع إليه بصمت.

«لا أسماء لهم.»

أشار عدد لا بأس به من المارة إلى المجموعة بفضول، من سائقي العربات الذين قادوا عرباتهم على مهل، إلى التجار المستعجلين في طريقهم إلى أعمالهم. وكان اهتمامهم منصبًا بصورة خاصة على العربة التي تتوسط المجموعة، لكن أحدًا لم يُظهر دهشة كبيرة.

ردد تاليس كلمات جيلبرت في نفسه.

«أبدًا.

ثم همس:

وبعد وقت طويل، فتح تاليس عينيه أخيرًا.

«ليس صحيحًا أن أحدًا لا يهتم بهم. وليس صحيحًا أنهم بلا أسماء.»

وكانت في صوته مسحة غريبة من الحنين.

ظهرت أمام عينيه هيئات صغيرة.

«حقًا؟»

راقبه جيلبرت، وفي عينيه ارتياح عميق ممزوج بأسف أشد عمقًا.

«وإذا واصلت شمالًا وتجاوزت السوق الكبير، فستجد طريقًا ترابيًا ينحدر نحو غابة النتن وقناة المصب.»

«يا صاحب السمو، اعذرني على صراحتي. العثور عليهم سهل جدًا، ما دمنا نطلق عملية واسعة بما يكفي.»

حدق تاليس في «الأخطبوط الأحمر» الذي كان «يذبح الناس بلا رحمة».

رفع تاليس رأسه.

لكن تاليس شخر.

«لكن ماذا سيحدث بعد أن تعثر عليهم؟»

«أما أولئك الأشخاص والأمور القبيحة حقًا، فيختفون بطريقة عجيبة في ليلة واحدة، ولا نجد خيطًا نبدأ منه التحقيق.»

أصبح وجه جيلبرت جادًا.

تنفس تاليس شاردًا.

«هل فكرت يومًا فيما قد تجلبه إليهم إذا كافأتهم، أو رددت لهم جميلهم، أو حتى اكتفيت بمراقبتهم من بعيد؟

أخذ جيلبرت نفسًا عميقًا ثم أخرجه ببطء.

«فعل شيء ما سهل، لكن التعامل بصورة سليمة مع كل العواقب التي سيولدها… هو الجزء الصعب.»

«وهو أيضًا أكثر الأماكن امتلاءً بالمسافرين والمحافظ السمينة.»

أراد تاليس الرد، لكنه لم يجد ما يقوله.

تقدم جيلبرت بحصانه ببطء وأومأ إلى تاليس.

قال جيلبرت بجدية:

«فعل شيء ما سهل، لكن التعامل بصورة سليمة مع كل العواقب التي سيولدها… هو الجزء الصعب.»

«ولا سيما أنك عدت الآن أمام أعين الجميع. إن استمررت، فسيلاحظ أحد تحركاتك عاجلًا أم آجلًا. ولا يمكننا أن نتوقع من كل من يلاحظها أن يكون رحيمًا أو صاحب مبادئ.

اضطر تاليس إلى تجنب نظرته التي أصبحت حادة فجأة، وأومأ.

«لن ينتهي الأمر بخير لأي من الطرفين.»

أومأ جيلبرت بحزم، وأصبحت نظرته صارمة.

أغمض تاليس عينيه بألم.

«لا أعرف ما يفكرون فيه، لكن اعذرني على صراحتي يا صاحب السمو. لطالما حافظ كل ملك على علاقة جيدة مع رئيس الاستخبارات وإدارة الاستخبارات السرية…»

«قد يكون اليوم الذي تعثر عليهم فيه… هو اليوم الذي تتسبب فيه بموتهم.»

لم يجب جيلبرت فورًا.

اشتد صوت وزير الشؤون الخارجية.

بدا كل شيء كلوحة جُمّد فيها الزمن.

«تعثر عليهم… فتتسبب بموتهم.»

تمتم تاليس دون وعي.

وامتلأت كلمات جيلبرت بالأسى.

وكان من بينهم عشرات الفرسان الذين ارتدوا عباءات تخفي هوياتهم وأحاطوا بعربة. وقد انفصلت هذه المجموعة عن القوة الرئيسية منذ وقت طويل، واتجهت نحو مدينة النجم الأبدي.

«ولهذا أنصحك بصدق، من أجلك ومن أجلهم… تخلَّ عن الأمر. لا تبحث عنهم بعد الآن، يا صاحب السمو.»

سحب الدوق إصبعه وحدق في المباني الغامضة في نهاية الشارع.

«أتخلى عنهم؟

قبض تاليس يديه بقوة.

«أتخلى…»

وحده جيلبرت بقي إلى جواره وقال بهدوء:

وبعد وقت طويل، فتح تاليس عينيه أخيرًا.

«إما ذلك… أو أنه غير مسموح له بأن يوجد.»

راقب الأرض وهي تنسحب إلى الخلف تحت حوافر حصانه، وشرد قليلًا.

حدق شاردًا في أبراج حرس المدينة التي ارتفعت فوق رأسه، وتنهد تحت عباءته.

«جيلبرت.»

«إدارة الاستخبارات السرية رفضت طلبك؟»

جاء صوته بطيئًا وأجش.

«…إن إدارة الاستخبارات السرية تحمل تحاملًا واضحًا ضدك.»

«كنت تعرف هذا منذ البداية، أليس كذلك؟»

اكتفى بارتجافة خفيفة.

سأل جيلبرت بحيرة:

«يشغل إحدى ضفتي نهر الراعي، بينما يشغل شارع لينخه الضفة الأخرى. وهو يقع في أقصى جنوب الحي الغربي. ورغم أن موقعه ليس جيدًا، فإنه حين يحل الليل يصبح أكثر الأماكن التي يقصدها المسؤولون والنبلاء.»

«أعرف ماذا؟»

«إذًا… هل هو حارس تاليس الشخصي، أم حارس الأمير والدوق؟»

تنهد تاليس.

حدق تاليس شاردًا في حجارة الطريق تحت حوافر الخيل.

«قبل ست سنوات، حين كنا في قصر مينديس، قلت لي إنني سأتمكن من البحث عن أصدقائي حين ينتهي احتجازي.»

«جيلبرت، لم تتح لي الفرصة آنذاك لأسألك.»

تغير تعبير جيلبرت قليلًا.

«البضائع هناك رخيصة، ويباع فيه كل شيء تقريبًا. إنه جنة فقراء المدينة حين يبحثون عن سبيل لكسب رزقهم. لكنه يملك قواعده الخاصة، وما يجري خلف الستار فيه أعمق مما يبدو. أما الغريب الذي يدخله للمرة الأولى… فسيكون جحيمًا بالنسبة إليه.

«وبعد أن أصبحت الأمير، قلت إن عليّ الانتظار حتى تهدأ الأنظار من حولي قبل أن أبحث عنهم.»

ردد تاليس كلمات جيلبرت في نفسه.

لم يتكلم وزير الشؤون الخارجية.

ما إن سمع تاليس الاسم حتى شعر بانزعاج مفاجئ.

«ثم ذهبت إلى الشمال، وكتبت إليّ تقول إنك وجدت بعض الخيوط الموثوقة وإنك تبحث عنهم.»

قاطعه الدوق مرة أخرى.

أخذ تاليس نفسًا عميقًا.

أخذ تاليس نفسًا عميقًا وهو ينظر إلى شوارع مدينة النجم الأبدي، وشعر بيده اليمنى ترتجف قليلًا.

«آنذاك صدقتك. لكن الآن…»

«إنهم الجماعة الدينية الوحيدة الموجودة خارج إقليم نجمة الصباح.»

رفع دوق بحيرة النجوم رأسه وحدق في جيلبرت الصامت.

اختنقت الكلمات في حلق تاليس، ولم يستطع المتابعة.

وقال بيقين:

قال شاردًا:

«كنت تعرف طوال الوقت.»

«أتخلى عنهم؟

وبمشاعر عجز تاليس عن وصفها، تابع الأمير بصوت أجش لكنه هادئ:

أمام اعتراض الأمير غير المصدق، هز جيلبرت رأسه مرة أخرى.

«منذ البداية، منذ اللحظة التي وصلت فيها إلى قصر مينديس، كنت تعرف أنني لن أستطيع البحث عنهم مرة أخرى.

اضطر تاليس إلى تجنب نظرته التي أصبحت حادة فجأة، وأومأ.

«أبدًا.

«يا صاحب السمو، ربما لا تعرف…»

«ولهذا، منذ ذلك الحين، كنت فقط… كنت فقط…»

«وإذا سلكت ذلك الطريق، فستصل أولًا إلى السوق الكبير.»

اختنقت الكلمات في حلق تاليس، ولم يستطع المتابعة.

اندفع إلى قلبه شعور غريب يعجز عن وصفه. لكنه ما إن أوشك على الظهور حتى توقف فجأة.

وفي تلك اللحظة، بدا كل ما حدث في قصر مينديس قبل ست سنوات غريبًا عنه فجأة.

ظهر إلحاح خفيف في عيني تاليس.

وتلاشت تلك المشاهد كلها من أمام عينيه.

«الشارع الأسود الأسطوري.»

أغمض جيلبرت عينيه وأدار رأسه بعيدًا.

«وماذا عن إدارة الاستخبارات السرية؟»

لم يجب.

ردد تاليس كلمات جيلبرت في نفسه.

خفض تاليس رأسه أيضًا.

حدق تاليس في الأرض.

ولم يسأل شيئًا آخر.

أما تاليس فظل يحدق في ذلك الاتجاه شاردًا.

لكنه عرف الآن أن مدينة النجم الأبدي، والبيوت المهجورة، وقصر مينديس…

ظهر حزن الذكريات في عيني تاليس.

كل تلك الأماكن التي ظن يومًا أنه يعرفها، والتي عدّها أوطانًا له…

رفع جيلبرت حاجبه، ثم أومأ بصورة طبيعية.

لم يعد يستطيع العودة إليها.

عقد جيلبرت حاجبيه قليلًا، وبدا كأنه يريد قول شيء ثم تراجع.

🔥 تحدي أغسطس 2026 ⏳ 3 يوم متبقي
69,410 شعلة الهدف: 66,666
104.1%
🎉 حققنا هدف الشهر، شكرًا لكل الداعمين!
×

شراء عملة الشعلة

🥇M. K🔥 40,000
🥈Yazeed Alsaedi🔥 105
🥉Muh Muh🔥 100
4Mohammad Aldosari🔥 100
5Ahmed Abdelghaffar🔥 100
6AZ .🔥 100
7A A🔥 100
8Ali Omar🔥 100
9Anass Alofiy🔥 100
10الشيطان الموقر صمت الرمال🔥 100

وكان من بينهم عشرات الفرسان الذين ارتدوا عباءات تخفي هوياتهم وأحاطوا بعربة. وقد انفصلت هذه المجموعة عن القوة الرئيسية منذ وقت طويل، واتجهت نحو مدينة النجم الأبدي.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط