Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 509

القلق
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

القلق

القلق

«شكرًا لك.

كانت ذكريات تاليس عن قصر النهضة ضبابية للغاية.

ولم يكن يرشد طريقهم سوى نوافذ قليلة ومصابيح شموع متناثرة.

منذ زمن بعيد، بالنسبة إلى الأطفال المتسولين الذين كانوا يقتاتون من الشوارع، لم يكن القصر سوى «بيت الملك»، يقع في نهاية الجادة الكبرى، وتفصل بينهم وبينه عدة أحياء.

«أتذكر. لقد جئت إلى قاعة الاجتماعات من قبل.»

كان أشبه بأسطورة بعيدة المنال.

وتحت الضوء الخافت، بدا كأن سحابة رمادية تخيم فوق رأسه.

غامضًا، مهيبًا، عصيًّا على الرؤية بوضوح، تحيط به هالة من الوقار.

ارتجف الفتى قليلًا.

ولم يعرفوا شيئًا عن ذلك القصر الأسطوري، الذي حمل اللقب نفسه الذي حمله ملك النهضة، إلا من مسرحيات معبد الليل المظلم السخيفة، التي كانت أبعد ما تكون عن الواقع. منها سمعوا عن أصوله الاستثنائية، وعن المحن والمصاعب التي اجتازها، وكيف ظل شامخًا تحت حماية الليل المظلم رغم كل شيء.

استقام الملك الأعلى ببطء فوق عرشه.

كما كانوا يلتقطون شذرات متفرقة عنه من السكارى الذين فقدوا صوابهم من فرط الشراب، حين يقول أحدهم:

ومع خفوت الضوء فجأة، أخذ دوق بحيرة النجوم الشاب نفسًا عميقًا.

«أقول لكم، أنا أعرف رجلًا له صديق يعمل في قصر النهضة. ذلك المكان…»

«طَق!»

ثم تتباين الروايات إلى حد كبير، فلا يستطيع الأطفال سوى استنباط بعض الحقائق من بين أكوام المبالغات.

وأدرك أنه بدأ يمشي من جديد.

وأحيانًا، حين يخرج الأطفال المتسولون للتسول، كانوا يمدون أعناقهم بخوف نحو تلك الشوارع النظيفة والغريبة عليهم، فيختلسون عبر الفجوات بين المارة لمحة من هيئة القصر الهائلة.

تمامًا كما كانت قبل ست سنوات، كانت قاعة الاجتماعات ضيقة وعميقة.

عندها كانوا يشهقون من شدة الصدمة، ثم يعجزون عن صرف أبصارهم عنه من شدة الحسد.

تجاوز أدريان، وعبر ذلك الباب الحجري الثقيل المهيب، وخطا داخل الظلام اللامتناهي.

وظل هذا الشعور قائمًا حتى قبل ست سنوات.

لسبب ما، شعر تاليس أن تلك النظرات الحذرة والمهذبة والمتحفظة داخل قصر النهضة تزعجه بقدر ما كانت تزعجه نظرات الشماليين العدائية الصريحة والمنفرة في قصر الروح البطولية.

حتى تغير مصير تاليس.

تنفس تاليس شاردًا وهو يصغي إلى الملك حتى النهاية.

أغمض دوق بحيرة النجوم عينيه ببطء.

حتى مفاصل أصابعه القابضة على الصولجان أصبحت أكثر بروزًا، فأضفت على يده مظهرًا حادًا.

لكن حتى بعدما أصبح أميرًا، ووريثًا لذلك القصر بالاسم، اكتشف تاليس أنه ما زال لا يفهم قصر النهضة.

كأنهم يختلسون النظر إليه من زاوية خفية، خائفين من إزعاج شيء ما.

قبل ست سنوات، حين دخل قصر النهضة للمرة الأولى، تعرض لمحاولة اغتيال، ثم نُقل إلى القصر فاقدًا للوعي.

تمامًا كما كانت قبل ست سنوات، كانت قاعة الاجتماعات ضيقة وعميقة.

وقبل ست سنوات، حين غادر قصر النهضة، كان على وشك التوجه شمالًا، فخرج من القصر داخل عربة وهو لا يزال مشوش الذهن.

بل منذ أن دخل مدينة النجم الأبدي.

أما الآن…

واحد أمامه.

كان الحراس إلى جانبيه يسيرون بأبصار ثابتة إلى الأمام، بينما رافقه من خلفه حراس آخرون بخطوات منتظمة.

ارتفع صوت الظل فوق العرش قليلًا.

فتح تاليس عينيه وأفاق من شروده، ليكتشف أن مجموعته اجتازت منذ وقت طويل بوابة القصر شديدة الحراسة.

ثم تحرك ببطء، حتى وصل إلى موضع يستطيع منه رؤية الدرج والعرش بوضوح.

بل إنهم عبروا بالفعل المرج الواسع الممتد بين سور القصر والقصر الداخلي، وكانوا الآن يتجهون مباشرة نحو البوابة الداخلية لذلك البناء العتيق المرقش.

اقترب هذه المرة أكثر.

ثم دخلوا دون توقف ممرًا ضيقًا مظلمًا، وانغلق خلف بوابة القصر القديمة المهيبة ذلك الأفق الرحب والسماء اللامتناهية.

لم يحدث شيء حولهم.

وعندها أدرك تاليس شيئًا.

قال الملك ببطء:

بعد ست سنوات، ورغم أنه دخل هذا المكان بقدميه هذه المرة، من دون محاولة اغتيال مفاجئة، ومن دون أن ينتظره مصير الرهينة المرسل إلى خارج البلاد…

«أقرب.»

فإنه ما زال عاجزًا عن رؤية قصر النهضة بوضوح.

لكن مقارنة بما كانت عليه قبل ست سنوات، قل عدد المصابيح، وأغلقت كثير من النوافذ التي كانت تسمح بدخول الضوء.

بعد أن تركوا الطرق المفروشة والسجاد خلفهم، أصبح ما تحت حذائه صلبًا، وصار وقع خطواته واضحًا.

رد تاليس بأدب على الشرح، وفي الوقت نفسه نظر نحو الباب الحجري.

«طَق، طَق، طَق.»

انتظر الجميع في صمت ووقار، وقد حبسوا أنفاسهم حتى كادوا لا يجرؤون على التنفس بصوت مسموع.

تردد وقع خطوات تاليس في الهواء الساكن، ثم عاد صداه إلى أذنيه.

«كما أنه من أهم الأماكن التي تناقش فيها شؤون الدولة. وأنت دوق بحيرة النجوم، لذلك ستألف هذا المكان بلا شك في المستقبل.»

ومع خفوت الضوء فجأة، أخذ دوق بحيرة النجوم الشاب نفسًا عميقًا.

كأنهم أمام شأن بالغ الأهمية.

لم يشم سوى البرودة والرطوبة.

ظل الجو صامتًا، وبقيت الأجواء صارمة.

الحجارة.

تمامًا كما كانت قبل ست سنوات، كانت قاعة الاجتماعات ضيقة وعميقة.

البرد.

وجها لوجه.

الجدران الخشنة.

فتوقف تاليس غريزيًا.

الظلام…

وهذا ما أخافه أكثر.

والصمت.

رغم أن الجسد تحت الرداء ظل قويًا، ورغم أن قبضته على الصولجان بقيت ثابتة، ورغم أن عينيه ما زالتا تشعان بضوء بارد…

وبعدما اعتاد تدريجيًا جفاف الشمال وحرارة الصحراء، شعر الدوق بنفور غريزي من هذا الجو.

كان الحوار الذي يسمعه مفعمًا بطابع شعائري مألوف.

تقدمت المجموعة في الممر الحجري المظلم شبه الصامت نحو أعماق قصر النهضة، فعبرت قاعة تلو أخرى، وصعدت درجات حجرية متتالية.

تجمد تاليس عند سماع السؤال.

ولم يكن يرشد طريقهم سوى نوافذ قليلة ومصابيح شموع متناثرة.

لم يبق سوى تاليس والظل فوق العرش.

كبح تاليس أفكاره الزائدة، ورفع رأسه داخل هذا القصر الصامت المهيب الذي تراكم عليه التاريخ.

وبينما سار في ذلك الممر الحجري التقليدي المتواضع الذي لم يفقد سحره، ظل ينظر إلى ظهر مالوس المتقدم أمامه.

وبينما سار في ذلك الممر الحجري التقليدي المتواضع الذي لم يفقد سحره، ظل ينظر إلى ظهر مالوس المتقدم أمامه.

واليوم، بعد ست سنوات…

كان الحارس المراقب خالي التعبير، ينظر إلى الأمام ويقود الطريق بهيئة تليق بمنصبه.

ضحك الملك بخفة.

سار جيلبرت خلف تاليس بخطوة واحدة. كان وقع قدميه خفيفًا، لكن خطواته ثابتة.

قال أدريان بفتور:

وخلفهما سار غلوفر ودويل والبقية.

وضع يده على السيف الطويل عند خصره واقترب.

لم ينطق أحد منهم بكلمة.

كانت نظرته عصية على الفهم.

بل بدا كأنهم اختفوا في الهواء.

لم ينطق أحد منهم بكلمة.

وكأنهم اعتادوا منذ زمن هذا القصر البسيط بألوانه القاتمة وهوائه الخانق، فلم يروا فيه شيئًا غريبًا.

«طَق!»

ولم يكن أمام تاليس سوى أن يتبعهم في صمت.

وبصوت احتكاك مكتوم، بدأ الباب الحجري الثقيل المهيب الفاصل بين الردهة وقاعة الاجتماعات ينغلق ببطء.

لم تكن المجموعة وحدها.

شخر الملك بثقل، حتى خُيل لتاليس أن القاعة نفسها اهتزت.

ففي الطريق مروا بعدد كبير من الحراس الواقفين في مواقعهم، والخدم المسرعين في أعمالهم، والمسؤولين الحكوميين المتحفظين في تصرفاتهم، والنبلاء الذين تنم حركاتهم عن انضباط صارم.

فتجمد تاليس.

لم يتحدث أحد منهم في ذلك الجو الصامت، وكأنهم جميعًا يعرفون مسبقًا ما ينبغي فعله.

قبل ست سنوات، قابل هنا مبعوث إيكستيدت المتغطرس، الذي هددهم بلا خوف وحاول إجبار الملك كيسيل على الاختيار بين حرب شاملة أو اقتطاع جزء من أراضيه.

كانوا يتوقفون بأدب واحترام، ويتنحون جانبًا، ثم ينحنون بصمت ودقة للمراهق وسط المجموعة.

«فستشعر أن ثمة أملًا ضئيلًا لا يزال قائمًا.

تنحنح دوق بحيرة النجوم الجديد غريزيًا، وكاد يرد تحيتهم، لكن جيلبرت ضغط على ذراعه من الخلف وهز رأسه.

وتحت نظرة تاليس الفضولية، أجاب مالوس بهدوء، ثم ثبت على الرجل أمامه نظرة حادة.

الملك يفضل الصمت في قصر النهضة.

لم يتحدث أحد منهم في ذلك الجو الصامت، وكأنهم جميعًا يعرفون مسبقًا ما ينبغي فعله.

تجمد تاليس للحظة.

«نـ… نعم، أدريـ… أيها القائد.»

ثم فهم.

«أو الحكم بضعة أسابيع…

فاكتفى بإيماءة خفيفة وابتسامة ردًا على تحياتهم.

«القلق.»

في قصر الروح البطولية بمدينة سحاب التنين، أينما ظهر أمير الكوكبة، كان حراس القصر الشماليون، ولا سيما حرس النصل الأبيض السابقون، ونبلاء إيكستيدت يحدقون فيه بعداء وحذر.

ولم يستطع تاليس أن يحيد بنظره.

وحتى بعد ست سنوات من رؤيته يوميًا، لم تتغير تلك النظرات إلا من «غضب يكاد يجعلهم يصرون على أسنانهم في وجهه» إلى «ازدراء بارد».

لكن مع تقدم تاليس، سرعان ما رأى العرش عند نهاية مجال بصره.

لكن قصر النهضة كان مختلفًا.

الجدران الخشنة.

سواء كانوا خدمًا أم حراسًا أم نبلاء أم مسؤولين، استطاع تاليس أن يشعر بالفضول والاهتمام الاستثنائيين اللذين أثارهما الدوق العائد لتوه.

والتقت عيناه بعيني الأمير.

لكن حين يمر بجانبهم، كانت نظراتهم إليه مفعمة بالاحترام والحذر والتهذيب والتحفظ.

«ست سنوات.»

وحين تلتقي عيناه بعيونهم، كانوا يخفضون أبصارهم فورًا أو يحولونها إلى مكان آخر.

كأنهم يختلسون النظر إليه من زاوية خفية، خائفين من إزعاج شيء ما.

ما إن تتلاقى النظرات حتى يشيحوا بوجوههم.

كان الرجال الواقفون أمام الباب الحجري يرتدون ملابس مشابهة لملابس غلوفر والبقية، وحتى معداتهم بدت متقاربة.

وبدا ذلك متعمدًا إلى حد ما.

«جلالتك.»

كأنهم يختلسون النظر إليه من زاوية خفية، خائفين من إزعاج شيء ما.

ارتفع نفس من صدر تاليس وخرج من فمه وأنفه.

وهكذا، صنعت تلك النظرات المترددة الحذرة جوًا ساكنًا قاتمًا.

لكن حين يمر بجانبهم، كانت نظراتهم إليه مفعمة بالاحترام والحذر والتهذيب والتحفظ.

لم يستطع دوق بحيرة النجوم إلا أن يأخذ نفسًا ثم يخرجه ببطء.

«وفوق ذلك، هو من أتباع جاديستار السبعة.»

لسبب ما، شعر تاليس أن تلك النظرات الحذرة والمهذبة والمتحفظة داخل قصر النهضة تزعجه بقدر ما كانت تزعجه نظرات الشماليين العدائية الصريحة والمنفرة في قصر الروح البطولية.

كان مالوس أول من توقف.

بدأ الضيق يتصاعد داخله.

أسند الرجل فوق العرش ذقنه إلى يده، وعقد حاجبيه قليلًا.

بل إنه، في لحظة ما، تمنى فعلًا لو اقترب منه الحرس الملكي أكثر وأحاطوا به بإحكام أكبر، ليحجبوا عنه تلك النظرات.

حتى تغير مصير تاليس.

ويُفضل لو حجبوا كل شيء.

«ولا أظن أنه من المناسب أن نجعله ينتظر أكثر.»

حتى لا يتسرب شيء إلى الداخل.

حتى تغير مصير تاليس.

تمامًا كما عزل السور السميك قصر النهضة عن المدينة.

تنحنح دوق بحيرة النجوم الجديد غريزيًا، وكاد يرد تحيتهم، لكن جيلبرت ضغط على ذراعه من الخلف وهز رأسه.

وسرعان ما انتهت الرحلة الصامتة التي قاربت صمت الموتى.

«أتذكر. لقد جئت إلى قاعة الاجتماعات من قبل.»

بعد أن صعدوا درجًا آخر ووصلوا إلى ردهة واسعة نسبيًا، ظهرت أمامهم عدة شخصيات قرب باب حجري.

تنفس تاليس شاردًا.

كان مالوس أول من توقف.

ظل تاليس يحدق في الملك، والملك يحدق فيه.

وكاد تاليس، الذي كان يسير خلفه، يخطو خطوة أخرى، لكنه سحب قدمه غريزيًا.

تجمد تاليس عند سماع السؤال.

وسرعان ما لاحظ أنه، باستثناء جيلبرت الذي ظل مبتسمًا، فإن الحراس خلفه، بمن فيهم دويل وغلوفر، نفخوا صدورهم ورفعوا رؤوسهم.

«الفضل لكم.»

ازدادوا وقارًا، كأوتار عود شُدت حتى أقصاها.

استدار، وقد ارتسم عبوس عميق على وجهه، وحدق في دويل وغلوفر اللذين توقفا بحيرة.

كان الرجال الواقفون أمام الباب الحجري يرتدون ملابس مشابهة لملابس غلوفر والبقية، وحتى معداتهم بدت متقاربة.

ابتسم القائد أدريان حين رأى ذلك.

لكنهم ارتدوا دروعًا جلدية تسمح لهم بحرية الحركة داخل القصر.

كما توقع…

كانت وجوههم صارمة ونظراتهم مهيبة، ولم يبد أنهم ينوون تحية زملائهم ضمن موكب الأمير.

لكن الحارس المراقب أدار رأسه ونظر إلى تاليس.

وبينما بدأ تاليس يتساءل عن هوية هؤلاء، خرج رجل من بينهم.

وأحيانًا، حين يخرج الأطفال المتسولون للتسول، كانوا يمدون أعناقهم بخوف نحو تلك الشوارع النظيفة والغريبة عليهم، فيختلسون عبر الفجوات بين المارة لمحة من هيئة القصر الهائلة.

وضع يده على السيف الطويل عند خصره واقترب.

مد وزير الشؤون الخارجية يده مشيرًا إلى الباب الحجري خلف أدريان.

كان رجلًا في نحو الخمسين، بوجه يحمل آثار السنين ويبعث على الهيبة.

رغم أن الجسد تحت الرداء ظل قويًا، ورغم أن قبضته على الصولجان بقيت ثابتة، ورغم أن عينيه ما زالتا تشعان بضوء بارد…

كان ممتلئ الجسد قليلًا، لكن ظهره ظل مستقيمًا.

والصمت.

اختلط الشيب بشعره ولحيته، وكلاهما مرتب بعناية.

في الماضي، اصطف الأتباع على جانبي القاعة وهم يصغون إلى المفاوضات بين الكوكبة والتنين.

كثرت التجاعيد حول عينيه، لكنهما بقيتا يقظتين نابضتين بالحياة.

«القلق.»

كان زيه مختلفًا بوضوح عن الآخرين.

«عندها يستولي عليك رعب شديد. لا تريد مواجهته، ولا ترغب إلا في الفرار منه بأي ثمن.

معدات دقيقة الصنع، مرتبة بعناية، وخطوات ثابتة إلى حد لافت.

تمامًا كما عزل السور السميك قصر النهضة عن المدينة.

توقف الرجل الأشيب.

وسرعان ما انتهت الرحلة الصامتة التي قاربت صمت الموتى.

ولم يلق حتى نظرة على تاليس، الذي اعتاد منذ زمن أن يكون مركز الأنظار.

…هنا رأى كيسيل الخامس يلوح بصولجانه بهيبة لا تقبل الشك، ويقرر، وسط الأنفاس المتوترة والذهول، مصير الأمير الثاني للكوكبة.

اكتفى بالتحديق في مالوس، قائد المجموعة، ثم قال ببطء:

كان الحراس إلى جانبيه يسيرون بأبصار ثابتة إلى الأمام، بينما رافقه من خلفه حراس آخرون بخطوات منتظمة.

«من أنت؟»

لم يعرف دوق بحيرة النجوم ما الذي يجري، فلم يملك إلا أن يبتسم ابتسامة مناسبة للموقف.

كانت كلماته رسمية، ونبرته باردة قاتمة.

خلف تاليس، اقترب وقع خطوات أدريان وجيلبرت، كأنهما يحثانه على المضي.

تجمد تاليس عند سماع السؤال.

«الكونت كاسو.»

وللمرة الثانية، تأكد أنه داخل قصر النهضة، حيث يقيم والده.

لم يبق سوى تاليس والظل فوق العرش.

وأنه…

«القلق.»

عاد فعلًا إلى بيته؟

تمامًا كما كانت قبل ست سنوات، كانت قاعة الاجتماعات ضيقة وعميقة.

لكن أحدًا، بمن فيهم جيلبرت، لم يبد أي دهشة.

أومأ أدريان إليه وحثه على المغادرة.

انتظر الجميع في صمت ووقار، وقد حبسوا أنفاسهم حتى كادوا لا يجرؤون على التنفس بصوت مسموع.

«نعم، سيدي.»

كأنهم أمام شأن بالغ الأهمية.

استمع تاليس إليه شاردًا، ولم يرفع عينيه عن الهيئة.

تقدم مالوس خطوة كبيرة بوجه خالٍ من التعبير.

تنفس تاليس شاردًا.

وقال بفتور:

انتظر الجميع في صمت ووقار، وقد حبسوا أنفاسهم حتى كادوا لا يجرؤون على التنفس بصوت مسموع.

«تورموند مالوس، الحارس المراقب في الحرس الملكي. باسم الملك، رافقت دوق بحيرة النجوم عائدًا إلى القصر.»

ولم يستطع تاليس أن يحيد بنظره.

تفحصه الحارس الخمسيني، ثم أومأ.

عندها كانوا يشهقون من شدة الصدمة، ثم يعجزون عن صرف أبصارهم عنه من شدة الحسد.

وتحت نظرة تاليس الفضولية، أجاب مالوس بهدوء، ثم ثبت على الرجل أمامه نظرة حادة.

قاطعه الصوت من فوق العرش مرة أخرى، مرددًا صداه في القاعة.

«وأنت، من تكون؟»

لكن تاليس عرف أن الهواء من حوله قد تغير.

صمت الرجل لحظة، لكنه ظل لا ينظر إلى تاليس، ويده اليمنى ما تزال فوق السيف عند خصره.

«ستقول لنفسك: “النهاية ما زالت بعيدة”، و”لا يزال بإمكاني النجاة”.»

تقدم خطوة محسوبة، وازدادت هيبته صرامة.

قال الرجل المدعو أدريان بصوت منخفض:

«فابيو أدريان.»

ضحك الملك بخفة.

قال الرجل المدعو أدريان بصوت منخفض:

بعد ست سنوات، ورغم أنه دخل هذا المكان بقدميه هذه المرة، من دون محاولة اغتيال مفاجئة، ومن دون أن ينتظره مصير الرهينة المرسل إلى خارج البلاد…

«القائد الأعلى للحرس الملكي. باسم الملك، جئت لاستقبال دوق بحيرة النجوم.»

تقدم مالوس خطوة كبيرة بوجه خالٍ من التعبير.

أقسم تاليس أنه سمع دويل خلفه يشهق بخفوت.

تجمد تاليس لحظة قبل أن يتذكر شيئًا بصورة مبهمة.

«القائد الأعلى للحرس الملكي؟»

«جلالتك، يسعدني أن أقدم إليك دوق بحيرة النجوم المعين حديثًا، ابنك—»

تذكر تاليس نظام الفرق الست للحرس الملكي.

تحت الضوء الخافت، رفع الملك الأعلى التاسع والثلاثون للكوكبة، ملك القبضة الحديدية، كيسيل الخامس، رأسه عن الصولجان.

حتى مالوس صمت لحظة قبل أن يومئ لأدريان، الذي غزا الشيب شعره لكن ملامحه ظلت صارمة.

«يا صاحب السمو، اسمح لي أن أقدم إليك القائد الأعلى للحرس الملكي، والمسؤول عن أمن جلالته وقصر النهضة. هذا هو اللورد فابيو أدريان، من آل أدريان، الأسرة المتصدرة بين أتباع جاديستار السبعة، في مقاطعة البجعة بإقليم الوسط.»

وفي اللحظة التالية، أدار أدريان رأسه، وللمرة الأولى تفحص تاليس، الذي كان أقصر من مالوس برأس كامل.

وفجأة فهم مصدر ذلك الشعور الغريب الذي لم يستطع التخلص منه منذ أن وطئت قدماه قصر النهضة…

لم يعرف أحد إن كان تاليس قد تأثر بالأجواء أم بالضغط الذي حملته نظرة الرجل، لكن دوق بحيرة النجوم نفخ صدره وشد بطنه غريزيًا، وكأنه يستعد لتحمل تلك النظرة.

ومن عند المدخل، بدا الطرف الآخر منها كنقطة بعيدة منكمشة يصعب رؤيتها بوضوح.

لكن أدريان، مثل الآخرين، لم يحدق فيه إلا لحظة قبل أن يعيد بصره إلى مالوس.

ابتسم أدريان وقال:

«يا لورد مالوس، لقد أتممت واجبك بما يليق من اجتهاد.»

«هذا ما تشعر به الآن.»

قال أدريان بفتور:

حدق تاليس في وجه الملك الهادئ، وأصغى إلى كلماته المحملة بمعانٍ خفية.

«فهل تعلن انتهاء مهمتك؟»

وأخيرًا، ابتسم أدريان.

«أتممت واجبي… أعلن انتهاء المهمة…»

«أنتم، ابقوا في الخارج.»

تجمد تاليس لحظة قبل أن يتذكر شيئًا بصورة مبهمة.

رغم أن الجسد تحت الرداء ظل قويًا، ورغم أن قبضته على الصولجان بقيت ثابتة، ورغم أن عينيه ما زالتا تشعان بضوء بارد…

أجاب مالوس بهدوء ووقار:

ثبت أمام تلك النظرة التي قابلها مرارًا في أحلامه، والتي كانت توقظه منها في كل مرة.

«يا لورد أدريان، لئن كنت قد أتممت واجبي، فإن سيفي لم ينكسر بعد.»

كأنهم يختلسون النظر إليه من زاوية خفية، خائفين من إزعاج شيء ما.

وضيق الحارس المراقب عينيه.

وأحيانًا، حين يخرج الأطفال المتسولون للتسول، كانوا يمدون أعناقهم بخوف نحو تلك الشوارع النظيفة والغريبة عليهم، فيختلسون عبر الفجوات بين المارة لمحة من هيئة القصر الهائلة.

عند سماع الإجابة، أومأ أدريان، ولانت نظرته قليلًا وفقدت شيئًا من حدتها.

«تورموند.»

«إذًا، لم تنته مهمتك بعد.»

«أنتم جميعًا ستبقون هنا.»

أومأ مالوس بخفة، وارتفعت زاويتا شفتيه.

كان صاحبها جالسًا على العرش، مطأطئ الرأس، منحني الظهر، واضعًا ساقًا فوق أخرى.

«إذًا، لم تنته مهمتي بعد.»

أمام نظرة الملك التي بدت كأنها تخترق كل شيء، بذل تاليس قصارى جهده للحفاظ على ملامحه وكرامته.

عقد تاليس حاجبيه قليلًا.

استدار أدريان وأومأ لتاليس باحترام.

وبدأ يجد مزيدًا من الروابط بين ما يحدث وذكرياته.

تقدمت المجموعة في الممر الحجري المظلم شبه الصامت نحو أعماق قصر النهضة، فعبرت قاعة تلو أخرى، وصعدت درجات حجرية متتالية.

كما توقع…

ظهر شيء من نفاد الصبر في صوت العرش، وامتدت الكلمة ببطء حتى ارتجفت شعلة المصباح الأبدي قليلًا.

كان الحوار الذي يسمعه مفعمًا بطابع شعائري مألوف.

ثم الأخرى.

ظل الجو صامتًا، وبقيت الأجواء صارمة.

لم تكن هناك سوى بضعة مصابيح تضيء الطريق إلى الأمام.

فاضطر الدوق إلى إلقاء نظرة حائرة نحو جيلبرت، لكن الأخير أشار إليه أن يتحلى بالصبر.

تجمد تاليس لحظة قبل أن يتذكر شيئًا بصورة مبهمة.

وأخيرًا، ابتسم أدريان.

وفي اللحظة التالية، أدار أدريان رأسه، وللمرة الأولى تفحص تاليس، الذي كان أقصر من مالوس برأس كامل.

خلع القائد في منتصف العمر قفازه ومد يده إلى مالوس.

«أتممت واجبي… أعلن انتهاء المهمة…»

«إذًا، أهلًا بعودتك، يا لورد.»

وبدا أن الرجل فهم شيئًا، فابتسم وأشار إلى مالوس قائلًا:

ظهرت على شفتي مالوس ابتسامة خافتة منضبطة، لم تظهر منذ وقت طويل.

بعد أن صعدوا درجًا آخر ووصلوا إلى ردهة واسعة نسبيًا، ظهرت أمامهم عدة شخصيات قرب باب حجري.

خلع قفازه وتقدم ليصافح أدريان.

ارتجف تاليس.

«أيها القائد.»

قاتم.

ابتسم أدريان وأومأ، ثم ناداه باسمه:

وسرعان ما لاحظ أنه، باستثناء جيلبرت الذي ظل مبتسمًا، فإن الحراس خلفه، بمن فيهم دويل وغلوفر، نفخوا صدورهم ورفعوا رؤوسهم.

«تورموند.»

«لقد أصبح أنحف.»

وبينما كان تاليس يتساءل إن كان هذا أحد تقاليد الحرس الملكي، أفلت أدريان يد مالوس وتنحنح.

لكن لسبب مجهول، ما إن سمع تلك الكلمة حتى شد قبضتيه دون إرادة.

«حسنًا، انتهت مراسم تسليم المهمة. يمكنكم أن تسترخوا قليلًا.»

«يا صاحب السمو، يا صاحب السعادة، جلالته في قاعة الاجتماعات.»

وفي اللحظة التالية، سمع تاليس الحرس الملكي خلفه يطلقون أنفاسهم معًا.

كان ذلك أول ما خطر لتاليس.

واسترخى الجميع.

«تورموند مالوس، الحارس المراقب في الحرس الملكي. باسم الملك، رافقت دوق بحيرة النجوم عائدًا إلى القصر.»

كأنهم خرجوا لتوهم من اجتماع مع قائد كبير، ظلوا طواله ممنوعين من الحركة ومجبرين على الإصغاء بانتباه من بدايته إلى نهايته.

قال الحارس المراقب بهدوء:

تقدم أدريان وابتسم لجيلبرت.

لم يعرف أحد إن كان تاليس قد تأثر بالأجواء أم بالضغط الذي حملته نظرة الرجل، لكن دوق بحيرة النجوم نفخ صدره وشد بطنه غريزيًا، وكأنه يستعد لتحمل تلك النظرة.

«الكونت كاسو.»

«أو أن تؤجل قبول الهوية التي لا مهرب منها بضع سنوات.»

ابتسم جيلبرت بدوره، وتقدم ليصافحه بسرور.

أومأ مالوس بخفة، وارتفعت زاويتا شفتيه.

«اللورد أدريان.»

واليوم، بعد ست سنوات…

ابتسم أدريان وقال:

«اقترب.»

«يبدو أنني كنت محقًا. عدت وأنت في أوج نشاطك.»

اختلط الشيب بشعره ولحيته، وكلاهما مرتب بعناية.

«الفضل لكم.»

وبعد انتهاء المجاملات، استدار جيلبرت نحو تاليس.

وبعد انتهاء المجاملات، استدار جيلبرت نحو تاليس.

كان الرجال الواقفون أمام الباب الحجري يرتدون ملابس مشابهة لملابس غلوفر والبقية، وحتى معداتهم بدت متقاربة.

«مرحبًا بك في قاعة الاجتماعات، يا صاحب السمو.»

كان ممتلئ الجسد قليلًا، لكن ظهره ظل مستقيمًا.

مد وزير الشؤون الخارجية يده مشيرًا إلى الباب الحجري خلف أدريان.

وحين رأى الحيرة على وجه الدوق، أضاف:

«هذا هو المكان الذي يستقبل فيه جلالته عادة الدبلوماسيين ووزراء الدول الأجنبية.»

«فستشعر أن ثمة أملًا ضئيلًا لا يزال قائمًا.

وحين رأى الحيرة على وجه الدوق، أضاف:

وأدرك أنه بدأ يمشي من جديد.

«كما أنه من أهم الأماكن التي تناقش فيها شؤون الدولة. وأنت دوق بحيرة النجوم، لذلك ستألف هذا المكان بلا شك في المستقبل.»

قبل ست سنوات، قابل هنا مبعوث إيكستيدت المتغطرس، الذي هددهم بلا خوف وحاول إجبار الملك كيسيل على الاختيار بين حرب شاملة أو اقتطاع جزء من أراضيه.

رد تاليس بأدب على الشرح، وفي الوقت نفسه نظر نحو الباب الحجري.

عاد فعلًا إلى بيته؟

«قاعة الاجتماعات… استقبال الدبلوماسيين ووزراء الدول الأجنبية… لحظة.»

«ويل وجايدن ينتظرانك في غرفة الحراسة. أنت تعرف… الأعمال الورقية.»

تجمد تاليس فجأة.

كانت ذكريات تاليس عن قصر النهضة ضبابية للغاية.

حدق في الباب الحجري المحروس خلف أدريان، فتذكر شيئًا.

مر تاليس بمعارك كثيرة، ورأى من الدماء والمؤامرات والمخاطر ما يكفي ليظن أنه اعتاد الكثير.

وتعرف إلى المكان.

حتى تغير مصير تاليس.

«أتذكر. لقد جئت إلى قاعة الاجتماعات من قبل.»

كانت نظرته عميقة، لكن وجهه ظل بلا تعبير.

قال تاليس شاردًا:

تفحصه الحارس الخمسيني، ثم أومأ.

«أتيت إلى هنا مرة.»

«ستفرح.

جعلت كلماته جيلبرت يتوقف لحظة.

لكن القائد أدريان بدا وكأنه فهم قصد الملك.

لكن تاليس كان متأكدًا.

والتقت عيناه بعيني الأمير.

لقد جاء فعلًا إلى قاعة الاجتماعات في قصر النهضة من قبل.

وما إن قالها حتى أضاف غريزيًا:

حدق في الباب الحجري شاردًا، وحاول أن يتخيل شكل القاعة بعد فتحه.

فأصبحت القاعة أشد ظلمة.

«صحيح.

ارتفع صوت العرش من جديد.

«إنه هذا المكان.»

«اللورد أدريان.»

قبل ست سنوات، قابل هنا مبعوث إيكستيدت المتغطرس، الذي هددهم بلا خوف وحاول إجبار الملك كيسيل على الاختيار بين حرب شاملة أو اقتطاع جزء من أراضيه.

حدق في تلك الهيئة التي لم يرها منذ ست سنوات، وعجز عن فهم مشاعره.

وقبل ست سنوات، شاهد هنا الدوق أروند ينفجر بكل ما في داخله من سخط وغضب، ويكشف عن المؤامرة السياسية التي زج فيها بمملكتين، طمعًا في قلب نظام العالم.

ولم يكن سببه صخب مدينة النجم الأبدي وأحداثها اليومية المألوفة.

وقبل ست سنوات، هنا…

فدوّى صوت مكتوم داخل قاعة الاجتماعات، وأجبر جيلبرت على الصمت.

شرد تاليس.

استند مرفقه الأيمن إلى مسند العرش، بينما أمسكت يده اليمنى بالصولجان المنتصب أمام ركبتيه.

…هنا رأى كيسيل الخامس يلوح بصولجانه بهيبة لا تقبل الشك، ويقرر، وسط الأنفاس المتوترة والذهول، مصير الأمير الثاني للكوكبة.

كان الرجال الواقفون أمام الباب الحجري يرتدون ملابس مشابهة لملابس غلوفر والبقية، وحتى معداتهم بدت متقاربة.

واليوم، بعد ست سنوات…

لكن الحارس المراقب أدار رأسه ونظر إلى تاليس.

القدر.

لكنه سرعان ما أدرك أن أدريان لا يخاطبهما.

«آه؟ يبدو أن ذاكرتي بدأت تخونني.»

لكن مالوس توقف فورًا.

بدا أن جيلبرت تذكر الأمر بدوره.

«الأمير مرهق من الرحلة، جلالتك. وأثناء طريقه من مدينة سحاب التنين إلى الصحراء—»

أظلم وجهه قليلًا، وأنهى الموضوع بشيء من الحرج.

شخر الملك بثقل، حتى خُيل لتاليس أن القاعة نفسها اهتزت.

وعلى الجانب الآخر، تنحنح أدريان بخفة، قاطعًا الحديث بين جيلبرت والدوق.

«ولا أظن أنه من المناسب أن نجعله ينتظر أكثر.»

استدار اللورد أدريان أولًا وربت على كتف مالوس.

«ستشعر أن النتيجة قد تتأخر.

«ويل وجايدن ينتظرانك في غرفة الحراسة. أنت تعرف… الأعمال الورقية.»

حتى مالوس صمت لحظة قبل أن يومئ لأدريان، الذي غزا الشيب شعره لكن ملامحه ظلت صارمة.

اختفت ابتسامة مالوس، وعقد حاجبيه قليلًا.

ازدادوا وقارًا، كأوتار عود شُدت حتى أقصاها.

أومأ أدريان إليه وحثه على المغادرة.

كان مالوس أول من توقف.

«اذهب.»

وبدا أن الرجل فهم شيئًا، فابتسم وأشار إلى مالوس قائلًا:

لكن الحارس المراقب أدار رأسه ونظر إلى تاليس.

«اترك الأمر لي وللكونت كاسو.»

كانت نظرته عصية على الفهم.

«فابيو أدريان.»

لم يعرف دوق بحيرة النجوم ما الذي يجري، فلم يملك إلا أن يبتسم ابتسامة مناسبة للموقف.

كأنهم خرجوا لتوهم من اجتماع مع قائد كبير، ظلوا طواله ممنوعين من الحركة ومجبرين على الإصغاء بانتباه من بدايته إلى نهايته.

نظر أدريان إلى الدوق، ثم إلى مالوس.

لكن…

وبدا أن الرجل فهم شيئًا، فابتسم وأشار إلى مالوس قائلًا:

قاطعه الصوت من فوق العرش مرة أخرى، مرددًا صداه في القاعة.

«اترك الأمر لي وللكونت كاسو.»

وسرعان ما لاحظ أنه، باستثناء جيلبرت الذي ظل مبتسمًا، فإن الحراس خلفه، بمن فيهم دويل وغلوفر، نفخوا صدورهم ورفعوا رؤوسهم.

أدار مالوس رأسه وألقى على أدريان نظرة غامضة.

«حسنًا.»

«حسنًا.»

لكنه سرعان ما تدارك الموقف، فرفع صوته ونادى بحماس نحو الرجل الجالس عاليًا فوق العرش:

قال الحارس المراقب بهدوء:

عقد تاليس حاجبيه قليلًا.

«سأنصرف إذًا.»

«نعم، سيدي.»

وتحت نظرة أدريان المشجعة ونظرة تاليس الحائرة، استدار مالوس وغادر دون تردد، متجهًا إلى المخرج الآخر من الردهة.

سار جيلبرت خلف تاليس بخطوة واحدة. كان وقع قدميه خفيفًا، لكن خطواته ثابتة.

تجمد دويل وغلوفر، الأقرب إليه، ثم همّا غريزيًا باللحاق به مع بقية المجموعة.

سكون ثقيل.

لكن مالوس توقف فورًا.

وجها لوجه.

«ليس أنتم.»

عند سماع ذلك، لم يستطع الفتى منع نفسه من الارتجاف.

استدار، وقد ارتسم عبوس عميق على وجهه، وحدق في دويل وغلوفر اللذين توقفا بحيرة.

«بالطبع.»

«أنتم جميعًا ستبقون هنا.»

أدار مالوس رأسه وألقى على أدريان نظرة غامضة.

«نعم، سيدي.»

«القائد الأعلى للحرس الملكي. باسم الملك، جئت لاستقبال دوق بحيرة النجوم.»

أومأ غلوفر بلا تردد وتراجع ليقف خلف تاليس.

شخر الملك كيسيل، بعد ست سنوات، بخفة.

أما دويل فرمَش بعينيه قبل أن يسحبه حامل الراية فابيان إلى الخلف.

وبينما بدأ تاليس يتساءل عن هوية هؤلاء، خرج رجل من بينهم.

ابتسم القائد أدريان حين رأى ذلك.

ولم يستطع تاليس أن يحيد بنظره.

أومأ له مالوس، ثم ألقى نظرة على تاليس وغادر بخطوات متمهلة.

«عندها يستولي عليك رعب شديد. لا تريد مواجهته، ولا ترغب إلا في الفرار منه بأي ثمن.

تنحنح جيلبرت، وعاد صوته ودودًا هادئًا.

لكن…

«يا صاحب السمو، اسمح لي أن أقدم إليك القائد الأعلى للحرس الملكي، والمسؤول عن أمن جلالته وقصر النهضة. هذا هو اللورد فابيو أدريان، من آل أدريان، الأسرة المتصدرة بين أتباع جاديستار السبعة، في مقاطعة البجعة بإقليم الوسط.»

كانت نظرته عميقة، لكن وجهه ظل بلا تعبير.

استدار أدريان وأومأ لتاليس باحترام.

وبينما بدأ تاليس يتساءل عن هوية هؤلاء، خرج رجل من بينهم.

رد تاليس التحية بإيماءة، وقد شعر بشيء من الحرج أمام كل هذا الاحترام.

ظل الجو صامتًا، وبقيت الأجواء صارمة.

وفي داخله فهم أخيرًا.

«تورموند مالوس، الحارس المراقب في الحرس الملكي. باسم الملك، رافقت دوق بحيرة النجوم عائدًا إلى القصر.»

«كما توقعت.

«أنا واثق أن جلالته كان ينتظر هذه اللحظة أيضًا.»

«فابيو أدريان هو صاحب أعلى رتبة قيادية في الحرس الملكي داخل قصر النهضة كله، بما في ذلك قادة الأجنحة الستة.

تجاوز أدريان، وعبر ذلك الباب الحجري الثقيل المهيب، وخطا داخل الظلام اللامتناهي.

«وفوق ذلك، هو من أتباع جاديستار السبعة.»

كأنهم خرجوا لتوهم من اجتماع مع قائد كبير، ظلوا طواله ممنوعين من الحركة ومجبرين على الإصغاء بانتباه من بدايته إلى نهايته.

«يمكننا تأجيل التعارف والمجاملات.»

وبصوت احتكاك مكتوم، بدأ الباب الحجري الثقيل المهيب الفاصل بين الردهة وقاعة الاجتماعات ينغلق ببطء.

حين كان تاليس غارقًا في أفكاره، انتهز أدريان توقف جيلبرت عن الكلام وقاطعه في الوقت المناسب.

«جلالتك.»

«يا صاحب السمو، يا صاحب السعادة، جلالته في قاعة الاجتماعات.»

الجدران الخشنة.

أشار أدريان إلى الباب الحجري خلفه.

ظل صوته كما كان.

«ولا أظن أنه من المناسب أن نجعله ينتظر أكثر.»

وأسند جبهته إلى ظهر يده.

«جلالته.»

بدأ الضيق يتصاعد داخله.

في تلك اللحظة، شعر تاليس كأن دمه كله تجمد.

فدوّى صوت مكتوم داخل قاعة الاجتماعات، وأجبر جيلبرت على الصمت.

«جلالته… هل انتهى من المؤتمر الإمبراطوري اليوم؟»

وفي النهاية، لم يقل شيئًا.

ابتهج جيلبرت فورًا.

«القلق؟»

أجابه أدريان بأدب:

تقدم خطوة محسوبة، وازدادت هيبته صرامة.

«لا. في الحقيقة، أنهى جلالته المؤتمر مبكرًا. فمنذ الأمس وهو يتابع باهتمام بالغ غربان المراسلة القادمة من الصحراء الغربية.»

«يا صاحب السمو، يا صاحب السعادة، جلالته في قاعة الاجتماعات.»

«جلالته.»

كان أشبه بأسطورة بعيدة المنال.

تنفس تاليس شاردًا.

ارتفع فوق الأرض كتلٍ بارز، قائمًا في أعلى عدة درجات.

وفجأة فهم مصدر ذلك الشعور الغريب الذي لم يستطع التخلص منه منذ أن وطئت قدماه قصر النهضة…

«وبالاضطراب، ولوم الذات، والهلع.

بل منذ أن دخل مدينة النجم الأبدي.

بل كان بسبب…

لم يكن سببه أجواء قصر النهضة وزينته.

«ذلك الشعور الذي تعرفه بالفعل…

ولم يكن سببه صخب مدينة النجم الأبدي وأحداثها اليومية المألوفة.

اضطر تاليس إلى رفع رأسه لينظر إليه، وبدأ تنفسه يتسارع رغماً عنه.

بل كان بسبب…

قال الرجل المدعو أدريان بصوت منخفض:

شد تاليس قبضتيه دون وعي.

وأدرك أنه بدأ يمشي من جديد.

«بالطبع.»

استدار اللورد أدريان أولًا وربت على كتف مالوس.

نظر جيلبرت إلى تاليس بحماس.

ولم يكن أمام تاليس سوى أن يتبعهم في صمت.

«أنا واثق أن جلالته كان ينتظر هذه اللحظة أيضًا.»

أجاب مالوس بهدوء ووقار:

لم يجب أدريان.

ومع خفوت الضوء فجأة، أخذ دوق بحيرة النجوم الشاب نفسًا عميقًا.

اكتفى بالإشارة إلى تاليس وجيلبرت ليتقدما، ثم سار نحو الباب الحجري المؤدي إلى قاعة الاجتماعات.

ازدادوا وقارًا، كأوتار عود شُدت حتى أقصاها.

«جلالته.»

رفع رأسه وحدق في الهيئة فوق العرش.

شعر تاليس بقدميه تتحركان، فتقدم إلى جانب أدريان.

وعندها أدرك تاليس شيئًا.

وتبعه جيلبرت، ملازمًا له.

أما دويل فرمَش بعينيه قبل أن يسحبه حامل الراية فابيان إلى الخلف.

واحد أمامه.

منذ زمن بعيد، بالنسبة إلى الأطفال المتسولين الذين كانوا يقتاتون من الشوارع، لم يكن القصر سوى «بيت الملك»، يقع في نهاية الجادة الكبرى، وتفصل بينهم وبينه عدة أحياء.

والآخر خلفه.

لم يشم سوى البرودة والرطوبة.

لا مهرب.

والتقت عيناه بعيني الأمير.

حين وقف أمام الباب الحجري، انحنى له الحرس الملكي، الذين لم يعرف إلى أي فرقة ينتمون، ثم دفعوا الباب الحجري باحترام واحتراف.

وعلى الجانب الآخر، تنحنح أدريان بخفة، قاطعًا الحديث بين جيلبرت والدوق.

فانكشف الظلام اللامتناهي خلفه.

تجمد تاليس عند سماع السؤال.

لم تكن هناك سوى بضعة مصابيح تضيء الطريق إلى الأمام.

شعر تاليس بقدميه تتحركان، فتقدم إلى جانب أدريان.

تنحى أدريان جانبًا، وأشار إلى دوق بحيرة النجوم أن يدخل أولًا بما يليق بمكانته.

وللمرة الثانية، تأكد أنه داخل قصر النهضة، حيث يقيم والده.

لم يعد هناك شخص أمامه وآخر خلفه.

وأحيانًا، حين يخرج الأطفال المتسولون للتسول، كانوا يمدون أعناقهم بخوف نحو تلك الشوارع النظيفة والغريبة عليهم، فيختلسون عبر الفجوات بين المارة لمحة من هيئة القصر الهائلة.

ومع ذلك، اكتشف تاليس أنه كان يفضل لو دخل أدريان قبله.

وبدا أن اللورد أدريان لم يسمع تلك الكلمات أصلًا، إذ اكتفى بمرافقة جيلبرت إلى الخارج.

لكن…

لم تكن المجموعة وحدها.

رفع تاليس قدمه من جديد.

«أنا واثق أن جلالته كان ينتظر هذه اللحظة أيضًا.»

ثم الأخرى.

«ليس أنتم.»

تجاوز أدريان، وعبر ذلك الباب الحجري الثقيل المهيب، وخطا داخل الظلام اللامتناهي.

«إذًا، أهلًا بعودتك، يا لورد.»

«ليس أنتم!»

«فابيو أدريان.»

اشتد صوت أدريان فجأة، وتحول إلى نبرة صارمة باردة، على النقيض تمامًا من الود الذي خاطب به الأمير والكونت.

وأدرك أنه بدأ يمشي من جديد.

فتوقف تاليس غريزيًا.

ارتفع صوت العرش من جديد.

لكنه سرعان ما أدرك أن أدريان لا يخاطبهما.

ولم يستطع تاليس أن يحيد بنظره.

«أنتم، ابقوا في الخارج.»

وضع يده على السيف الطويل عند خصره واقترب.

كان صوت القائد الأعلى منخفضًا، لكنه لا يقبل الاعتراض.

«يا لورد أدريان، لئن كنت قد أتممت واجبي، فإن سيفي لم ينكسر بعد.»

«نـ… نعم، أدريـ… أيها القائد.»

ارتجف الفتى قليلًا.

بعد ثوانٍ، جاء رد دويل المرتبك المرتجف من خلفه.

اضطر تاليس إلى رفع رأسه لينظر إليه، وبدأ تنفسه يتسارع رغماً عنه.

وبصوت احتكاك مكتوم، بدأ الباب الحجري الثقيل المهيب الفاصل بين الردهة وقاعة الاجتماعات ينغلق ببطء.

«لكنك تعرف أنك غير مؤهل لذلك.

وحجب همهمات دويل في الخارج.

وتبعه جيلبرت، ملازمًا له.

خلف تاليس، اقترب وقع خطوات أدريان وجيلبرت، كأنهما يحثانه على المضي.

«ذلك هو الهلع والخوف.»

ارتفع نفس من صدر تاليس وخرج من فمه وأنفه.

اشتد صوت أدريان فجأة، وتحول إلى نبرة صارمة باردة، على النقيض تمامًا من الود الذي خاطب به الأمير والكونت.

وأدرك أنه بدأ يمشي من جديد.

شخر الملك بثقل، حتى خُيل لتاليس أن القاعة نفسها اهتزت.

تمامًا كما كانت قبل ست سنوات، كانت قاعة الاجتماعات ضيقة وعميقة.

تنحنح دوق بحيرة النجوم الجديد غريزيًا، وكاد يرد تحيتهم، لكن جيلبرت ضغط على ذراعه من الخلف وهز رأسه.

ومن عند المدخل، بدا الطرف الآخر منها كنقطة بعيدة منكمشة يصعب رؤيتها بوضوح.

لكنهم ارتدوا دروعًا جلدية تسمح لهم بحرية الحركة داخل القصر.

في الماضي، اصطف الأتباع على جانبي القاعة وهم يصغون إلى المفاوضات بين الكوكبة والتنين.

في تلك اللحظة، شعر تاليس كأن دمه كله تجمد.

لكن مقارنة بما كانت عليه قبل ست سنوات، قل عدد المصابيح، وأغلقت كثير من النوافذ التي كانت تسمح بدخول الضوء.

كأنه ضغط يطبق على تاليس من كل اتجاه، ولا يترك له منفذًا للهرب.

فأصبحت القاعة أشد ظلمة.

عقد جيلبرت حاجبيه قليلًا، ثم أخذ نفسًا عميقًا.

والآن، لم يكن هناك أحد على جانبي المنصة.

«جلالته.»

بلغ الصمت حدًا يجعل سقوط إبرة مسموعًا.

في قاعة صامتة.

لكن مع تقدم تاليس، سرعان ما رأى العرش عند نهاية مجال بصره.

سواء كانوا خدمًا أم حراسًا أم نبلاء أم مسؤولين، استطاع تاليس أن يشعر بالفضول والاهتمام الاستثنائيين اللذين أثارهما الدوق العائد لتوه.

ارتفع فوق الأرض كتلٍ بارز، قائمًا في أعلى عدة درجات.

كان رجلًا في نحو الخمسين، بوجه يحمل آثار السنين ويبعث على الهيبة.

حبس تاليس أنفاسه تدريجيًا.

حين وقف أمام الباب الحجري، انحنى له الحرس الملكي، الذين لم يعرف إلى أي فرقة ينتمون، ثم دفعوا الباب الحجري باحترام واحتراف.

ظهرت فوق العرش هيئة قوية وحيدة.

ولم يشعر في قلبه إلا بفراغ غريب لا شيء يستطيع ملأه.

كان صاحبها جالسًا على العرش، مطأطئ الرأس، منحني الظهر، واضعًا ساقًا فوق أخرى.

أخرج الملك كيسيل نفسًا ببطء.

استند مرفقه الأيمن إلى مسند العرش، بينما أمسكت يده اليمنى بالصولجان المنتصب أمام ركبتيه.

«سأنصرف إذًا.»

وأسند جبهته إلى ظهر يده.

لكن الملك تابع من تلقاء نفسه، غير عابئ بحيرة الفتى.

غمرته الظلال.

ومع ذلك، بقيت الهيئة فوق العرش ضبابية أمام عينيه، بينما ارتعش ضوء المصباح الأبدي خلفها.

فلم يظهر وجهه.

«سأنصرف إذًا.»

توقف تاليس.

«سأنصرف إذًا.»

حدق في تلك الهيئة التي لم يرها منذ ست سنوات، وعجز عن فهم مشاعره.

وقبل ست سنوات، هنا…

وحين توقف الأمير، توقف جيلبرت بدوره.

«شكرًا لك.»

لكنه سرعان ما تدارك الموقف، فرفع صوته ونادى بحماس نحو الرجل الجالس عاليًا فوق العرش:

وكاد تاليس، الذي كان يسير خلفه، يخطو خطوة أخرى، لكنه سحب قدمه غريزيًا.

«جلالتك، يسعدني أن أقدم إليك دوق بحيرة النجوم المعين حديثًا، ابنك—»

ضحك الملك بخفة.

«طَق!»

فتوقف تاليس غريزيًا.

لامس أسفل الصولجان الأرض بخفة.

«وستظن أنك تستطيع كسب بعض الوقت، فلا تضطر إلى مواجهة النتيجة التي تخشاها وجهًا لوجه.»

فدوّى صوت مكتوم داخل قاعة الاجتماعات، وأجبر جيلبرت على الصمت.

تفحصه الحارس الخمسيني، ثم أومأ.

وسرعان ما جاء من فوق العرش ذلك الصوت الجليل الصلب المهيب، كالرعد، الذي ظهر مرات لا تحصى في أحلام تاليس.

«شكرًا لك.

«جيلبرت…»

«جلالته.»

توقف الصوت لحظة.

لكن مع تقدم تاليس، سرعان ما رأى العرش عند نهاية مجال بصره.

«شكرًا لك.»

استدار أدريان وأومأ لتاليس باحترام.

مقارنة بما كان عليه قبل ست سنوات، أصبح الصوت أجش، بطيئًا، مثقلًا بالكآبة.

فاضطر الدوق إلى إلقاء نظرة حائرة نحو جيلبرت، لكن الأخير أشار إليه أن يتحلى بالصبر.

وكأن تعبًا لا يوصف يختبئ داخله.

«إذًا، أهلًا بعودتك، يا لورد.»

استمع تاليس إليه شاردًا، ولم يرفع عينيه عن الهيئة.

قال الملك ببطء:

عقد جيلبرت حاجبيه قليلًا، ثم أخذ نفسًا عميقًا.

«ذلك هو الهلع والخوف.»

«الأمير مرهق من الرحلة، جلالتك. وأثناء طريقه من مدينة سحاب التنين إلى الصحراء—»

عقد تاليس حاجبيه قليلًا.

قاطعه الصوت من فوق العرش مرة أخرى، مرددًا صداه في القاعة.

ثم تحركت الهيئة فوق العرش ببطء.

«يا صديقي، قلت لك…»

لسبب ما، شعر تاليس أن تلك النظرات الحذرة والمهذبة والمتحفظة داخل قصر النهضة تزعجه بقدر ما كانت تزعجه نظرات الشماليين العدائية الصريحة والمنفرة في قصر الروح البطولية.

كان الصوت ثابتًا في البداية، ثم أصبح أكثر حزمًا ووضوحًا.

سواء كانوا خدمًا أم حراسًا أم نبلاء أم مسؤولين، استطاع تاليس أن يشعر بالفضول والاهتمام الاستثنائيين اللذين أثارهما الدوق العائد لتوه.

«شكرًا لك.

«يمكننا تأجيل التعارف والمجاملات.»

«سآتي إليك لاحقًا.»

وتبعه جيلبرت، ملازمًا له.

تجمد جيلبرت.

تجمد دويل وغلوفر، الأقرب إليه، ثم همّا غريزيًا باللحاق به مع بقية المجموعة.

لكن القائد أدريان بدا وكأنه فهم قصد الملك.

أشار أدريان إلى الباب الحجري خلفه.

مد ذراعه نحو الباب خلفه وقال لجيلبرت بأدب:

«ستشعر بالخدر.

«الكونت كاسو؟»

«أتممت واجبي… أعلن انتهاء المهمة…»

نظر جيلبرت إلى الظل فوق العرش، ثم ألقى على تاليس نظرة مثقلة بالمشاعر.

صمت الرجل لحظة، لكنه ظل لا ينظر إلى تاليس، ويده اليمنى ما تزال فوق السيف عند خصره.

وفي النهاية، لم يقل شيئًا.

فاضطر الدوق إلى إلقاء نظرة حائرة نحو جيلبرت، لكن الأخير أشار إليه أن يتحلى بالصبر.

اكتفى بنظرة مشجعة إلى دوق بحيرة النجوم، ثم انحنى واستدار ليغادر بخطوات مثقلة.

أمام نظرة الملك التي بدت كأنها تخترق كل شيء، بذل تاليس قصارى جهده للحفاظ على ملامحه وكرامته.

أجبر تاليس نفسه على الابتسام والإيماء له.

لكنه سرعان ما تدارك الموقف، فرفع صوته ونادى بحماس نحو الرجل الجالس عاليًا فوق العرش:

وعندها فقط لاحظ فجأة أن ظهر وزير الشؤون الخارجية بدا عجوزًا للغاية.

أدار مالوس رأسه وألقى على أدريان نظرة غامضة.

«وأنت أيضًا، يودل.»

كانت ذكريات تاليس عن قصر النهضة ضبابية للغاية.

ارتفع صوت العرش من جديد.

رد تاليس التحية بإيماءة، وقد شعر بشيء من الحرج أمام كل هذا الاحترام.

ارتجف تاليس.

ارتفع فوق الأرض كتلٍ بارز، قائمًا في أعلى عدة درجات.

توقفت خطوات جيلبرت لحظة، ثم استأنفت إيقاعها السابق.

«فستشعر أن ثمة أملًا ضئيلًا لا يزال قائمًا.

وغادر ببطء.

لكن مالوس توقف فورًا.

لم يحدث شيء حولهم.

توقف نفس الفتى للحظة.

وبدا أن اللورد أدريان لم يسمع تلك الكلمات أصلًا، إذ اكتفى بمرافقة جيلبرت إلى الخارج.

«لكنها هذه المرة تأتي مصحوبة بالندم، وبذلك الشعور الذي يخبرك أنك كان ينبغي أن تعرف منذ البداية…

لكن تاليس عرف أن الهواء من حوله قد تغير.

لكن حين يمر بجانبهم، كانت نظراتهم إليه مفعمة بالاحترام والحذر والتهذيب والتحفظ.

وهذا ما أخافه أكثر.

«إنه هذا المكان.»

ابتعد وقع الخطوات شيئًا فشيئًا حتى خفت تمامًا.

تمامًا كما كانت قبل ست سنوات، كانت قاعة الاجتماعات ضيقة وعميقة.

ثم، مع انغلاق الباب الحجري، اختفى من نهاية القاعة.

«ليس رعبًا ولا هلعًا. فهذان الشعوران غالبًا ما يهجمان عليك حين تباغتك الأمور، فيتركانك حائرًا عاجزًا.»

لم يبق سوى تاليس والظل فوق العرش.

وحين تلتقي عيناه بعيونهم، كانوا يخفضون أبصارهم فورًا أو يحولونها إلى مكان آخر.

وجها لوجه.

وبينما كان تاليس يتساءل إن كان هذا أحد تقاليد الحرس الملكي، أفلت أدريان يد مالوس وتنحنح.

في قاعة صامتة.

«إذًا، لم تنته مهمتك بعد.»

«اقترب.»

تقدم أدريان وابتسم لجيلبرت.

ارتجف الفتى قليلًا.

ثم تحركت الهيئة فوق العرش ببطء.

مر تاليس بمعارك كثيرة، ورأى من الدماء والمؤامرات والمخاطر ما يكفي ليظن أنه اعتاد الكثير.

«تورموند مالوس، الحارس المراقب في الحرس الملكي. باسم الملك، رافقت دوق بحيرة النجوم عائدًا إلى القصر.»

لكن لسبب مجهول، ما إن سمع تلك الكلمة حتى شد قبضتيه دون إرادة.

بل كان بسبب…

رفع رأسه وحدق في الهيئة فوق العرش.

وبدأ يجد مزيدًا من الروابط بين ما يحدث وذكرياته.

ثم تحرك ببطء، حتى وصل إلى موضع يستطيع منه رؤية الدرج والعرش بوضوح.

أفاق تاليس من شروده وتنحنح.

ومع ذلك، بقيت الهيئة فوق العرش ضبابية أمام عينيه، بينما ارتعش ضوء المصباح الأبدي خلفها.

ومن عند المدخل، بدا الطرف الآخر منها كنقطة بعيدة منكمشة يصعب رؤيتها بوضوح.

«أقرب.»

لكن أدريان، مثل الآخرين، لم يحدق فيه إلا لحظة قبل أن يعيد بصره إلى مالوس.

ارتفع صوت الظل فوق العرش قليلًا.

«يا صاحب السمو، اسمح لي أن أقدم إليك القائد الأعلى للحرس الملكي، والمسؤول عن أمن جلالته وقصر النهضة. هذا هو اللورد فابيو أدريان، من آل أدريان، الأسرة المتصدرة بين أتباع جاديستار السبعة، في مقاطعة البجعة بإقليم الوسط.»

صمت الفتى لحظة، ثم رفع قدميه مجددًا.

وتحت نظرة تاليس الفضولية، أجاب مالوس بهدوء، ثم ثبت على الرجل أمامه نظرة حادة.

اقترب هذه المرة أكثر.

قال أدريان بفتور:

حتى صار يرى الحذاء المستند قرب أسفل الصولجان عند قاعدة العرش.

منعه من تحويل نظره أو استغلال الفرصة لخفض رأسه.

«أقرب.»

انتظر الجميع في صمت ووقار، وقد حبسوا أنفاسهم حتى كادوا لا يجرؤون على التنفس بصوت مسموع.

ظهر شيء من نفاد الصبر في صوت العرش، وامتدت الكلمة ببطء حتى ارتجفت شعلة المصباح الأبدي قليلًا.

«كما توقعت.

أخذ تاليس نفسًا عميقًا.

وما إن قالها حتى أضاف غريزيًا:

وفي اللحظة التالية، رفع قدمه بعزم وتقدم.

كان رجلًا في نحو الخمسين، بوجه يحمل آثار السنين ويبعث على الهيبة.

ثم تحركت الهيئة فوق العرش ببطء.

الجدران الخشنة.

فتجمد تاليس.

«آه؟ يبدو أن ذاكرتي بدأت تخونني.»

تحت الضوء الخافت، رفع الملك الأعلى التاسع والثلاثون للكوكبة، ملك القبضة الحديدية، كيسيل الخامس، رأسه عن الصولجان.

الملك يفضل الصمت في قصر النهضة.

والتقت عيناه بعيني الأمير.

شخر الملك بثقل، حتى خُيل لتاليس أن القاعة نفسها اهتزت.

بدا أكبر من مجرد ست سنوات.

عقد تاليس حاجبيه قليلًا.

اضطر تاليس إلى رفع رأسه لينظر إليه، وبدأ تنفسه يتسارع رغماً عنه.

توقف نفس الفتى للحظة.

ثبت أمام تلك النظرة التي قابلها مرارًا في أحلامه، والتي كانت توقظه منها في كل مرة.

لم يتحدث أحد منهم في ذلك الجو الصامت، وكأنهم جميعًا يعرفون مسبقًا ما ينبغي فعله.

ثم أفلت اللقب من فمه.

وبعدما اعتاد تدريجيًا جفاف الشمال وحرارة الصحراء، شعر الدوق بنفور غريزي من هذا الجو.

«جلالتك.»

«أتيت إلى هنا مرة.»

وما إن قالها حتى أضاف غريزيًا:

«وبالاضطراب، ولوم الذات، والهلع.

«أبـ… أبي؟»

ومع ذلك، اكتشف تاليس أنه كان يفضل لو دخل أدريان قبله.

أسند الرجل فوق العرش ذقنه إلى يده، وعقد حاجبيه قليلًا.

وسرعان ما لاحظ أنه، باستثناء جيلبرت الذي ظل مبتسمًا، فإن الحراس خلفه، بمن فيهم دويل وغلوفر، نفخوا صدورهم ورفعوا رؤوسهم.

«لقد أصبح أنحف.»

اشتد صوت أدريان فجأة، وتحول إلى نبرة صارمة باردة، على النقيض تمامًا من الود الذي خاطب به الأمير والكونت.

كان ذلك أول ما خطر لتاليس.

أخذ تاليس نفسًا عميقًا.

رغم أن الجسد تحت الرداء ظل قويًا، ورغم أن قبضته على الصولجان بقيت ثابتة، ورغم أن عينيه ما زالتا تشعان بضوء بارد…

سكون ثقيل.

فقد أصبح وجه الملك كيسيل أنحف بكثير.

ارتجف الفتى قليلًا.

غارت عيناه قليلًا، وبرزت عظام وجنتيه أكثر.

بعد أن تركوا الطرق المفروشة والسجاد خلفهم، أصبح ما تحت حذائه صلبًا، وصار وقع خطواته واضحًا.

وازدادت التجاعيد، زاحفة على وجه الملك.

وبصوت احتكاك مكتوم، بدأ الباب الحجري الثقيل المهيب الفاصل بين الردهة وقاعة الاجتماعات ينغلق ببطء.

حتى مفاصل أصابعه القابضة على الصولجان أصبحت أكثر بروزًا، فأضفت على يده مظهرًا حادًا.

«حسنًا، انتهت مراسم تسليم المهمة. يمكنكم أن تسترخوا قليلًا.»

وبالمقارنة مع ست سنوات مضت، ربما كان الشيء الوحيد الذي لم يتغير، بل لعله ازداد قوة، هو ذلك الشعور الذي يبعثه كيسيل فيمن أمامه.

«لم يكن لأي منها معنى.»

سكون ثقيل.

استمع تاليس إليه شاردًا، ولم يرفع عينيه عن الهيئة.

قاتم.

واحد أمامه.

خانق.

«جلالته.»

مقلق.

رفع الملك كيسيل ذقنه عن ظهر يده اليمنى، فانكشف الضوء الأزرق الخافت المنبعث من صولجان الكوكبة.

كهدوء ما قبل العاصفة.

شعر تاليس بقدميه تتحركان، فتقدم إلى جانب أدريان.

شعور يزرع الخوف في القلوب.

بلغ الصمت حدًا يجعل سقوط إبرة مسموعًا.

طال الصمت.

«لكن إن ظهرت، قبل اللحظة الأخيرة، فرصة حاسمة، أو وسيلة، أو نقطة تحول…

ظل تاليس يحدق في الملك، والملك يحدق فيه.

حدق تاليس في وجه الملك الهادئ، وأصغى إلى كلماته المحملة بمعانٍ خفية.

ولم يستطع تاليس أن يحيد بنظره.

«أنتم جميعًا ستبقون هنا.»

وأخيرًا، تحركت ملامح الملك.

مد وزير الشؤون الخارجية يده مشيرًا إلى الباب الحجري خلف أدريان.

«القلق.»

لم يفهم ما يقصده الملك كيسيل.

ظل صوته كما كان.

عند سماع ذلك، لم يستطع الفتى منع نفسه من الارتجاف.

ثابتًا ورنانًا.

كان الحراس إلى جانبيه يسيرون بأبصار ثابتة إلى الأمام، بينما رافقه من خلفه حراس آخرون بخطوات منتظمة.

وازداد وضوحًا داخل قاعة الاجتماعات الضيقة الخالية.

لم يجب أدريان.

أفاق تاليس من شروده وتنحنح.

كأنهم يختلسون النظر إليه من زاوية خفية، خائفين من إزعاج شيء ما.

«عفوًا؟»

أومأ غلوفر بلا تردد وتراجع ليقف خلف تاليس.

شخر الملك كيسيل، بعد ست سنوات، بخفة.

رد تاليس التحية بإيماءة، وقد شعر بشيء من الحرج أمام كل هذا الاحترام.

«هذا ما تشعر به الآن.»

تحت الضوء الخافت، رفع الملك الأعلى التاسع والثلاثون للكوكبة، ملك القبضة الحديدية، كيسيل الخامس، رأسه عن الصولجان.

قال الملك ببطء:

منعه من تحويل نظره أو استغلال الفرصة لخفض رأسه.

«القلق.»

لكن حين يمر بجانبهم، كانت نظراتهم إليه مفعمة بالاحترام والحذر والتهذيب والتحفظ.

«القلق؟»

وغادر ببطء.

عقد تاليس حاجبيه.

«أو أن تؤجل قبول الهوية التي لا مهرب منها بضع سنوات.»

لم يفهم ما يقصده الملك كيسيل.

«والذي لا تستطيع إبعاده عنك.»

«أنا…»

ومع ذلك، اكتشف تاليس أنه كان يفضل لو دخل أدريان قبله.

لكن الملك تابع من تلقاء نفسه، غير عابئ بحيرة الفتى.

«فستشعر أن ثمة أملًا ضئيلًا لا يزال قائمًا.

«القلق غريب جدًا.

تنفس تاليس شاردًا وهو يصغي إلى الملك حتى النهاية.

«ليس رعبًا ولا هلعًا. فهذان الشعوران غالبًا ما يهجمان عليك حين تباغتك الأمور، فيتركانك حائرًا عاجزًا.»

تحت الضوء الخافت، رفع الملك الأعلى التاسع والثلاثون للكوكبة، ملك القبضة الحديدية، كيسيل الخامس، رأسه عن الصولجان.

توقف نفس الفتى للحظة.

شعور يزرع الخوف في القلوب.

تردد صوت الملك كيسيل في القاعة.

كهدوء ما قبل العاصفة.

كأنه ضغط يطبق على تاليس من كل اتجاه، ولا يترك له منفذًا للهرب.

وحتى بعد ست سنوات من رؤيته يوميًا، لم تتغير تلك النظرات إلا من «غضب يكاد يجعلهم يصرون على أسنانهم في وجهه» إلى «ازدراء بارد».

«مثلما يحدث حين توشك على خوض اختبار مصيري، أو المثول في جلسة استماع، أو الإقدام على أمر جلل…

لا مهرب.

«أو حين توشك على أن تصبح وريث مملكة عريقة، وتحمل عبئًا أثقل وأرهق من أي شيء حملته طوال حياتك.»

وحين توقف الأمير، توقف جيلبرت بدوره.

شخر الملك بثقل، حتى خُيل لتاليس أن القاعة نفسها اهتزت.

وكأنهم اعتادوا منذ زمن هذا القصر البسيط بألوانه القاتمة وهوائه الخانق، فلم يروا فيه شيئًا غريبًا.

«لكنك تعرف أنك غير مؤهل لذلك.

«لكن إن ظهرت، قبل اللحظة الأخيرة، فرصة حاسمة، أو وسيلة، أو نقطة تحول…

«تعرف أنك عاجز عن حمل العبء.

حين كان تاليس غارقًا في أفكاره، انتهز أدريان توقف جيلبرت عن الكلام وقاطعه في الوقت المناسب.

«وتعرف أن الفشل ينتظرك.

«ويل وجايدن ينتظرانك في غرفة الحراسة. أنت تعرف… الأعمال الورقية.»

«عندها يستولي عليك رعب شديد. لا تريد مواجهته، ولا ترغب إلا في الفرار منه بأي ثمن.

اشتد صوت أدريان فجأة، وتحول إلى نبرة صارمة باردة، على النقيض تمامًا من الود الذي خاطب به الأمير والكونت.

«ذلك هو الهلع والخوف.»

كان ذلك أول ما خطر لتاليس.

أمام نظرة الملك التي بدت كأنها تخترق كل شيء، بذل تاليس قصارى جهده للحفاظ على ملامحه وكرامته.

وتحت الضوء الخافت، بدا كأن سحابة رمادية تخيم فوق رأسه.

شعر أن إبقاء رأسه مرفوعًا صار أكثر إرهاقًا مع مرور كل لحظة.

تقدمت المجموعة في الممر الحجري المظلم شبه الصامت نحو أعماق قصر النهضة، فعبرت قاعة تلو أخرى، وصعدت درجات حجرية متتالية.

لكن شيئًا ما بدا وكأنه يسنده.

وحين توقف الأمير، توقف جيلبرت بدوره.

منعه من تحويل نظره أو استغلال الفرصة لخفض رأسه.

بعد ست سنوات، ورغم أنه دخل هذا المكان بقدميه هذه المرة، من دون محاولة اغتيال مفاجئة، ومن دون أن ينتظره مصير الرهينة المرسل إلى خارج البلاد…

أخرج الملك كيسيل نفسًا ببطء.

وحجب همهمات دويل في الخارج.

«لكن إن ظهرت، قبل اللحظة الأخيرة، فرصة حاسمة، أو وسيلة، أو نقطة تحول…

«حسنًا، انتهت مراسم تسليم المهمة. يمكنكم أن تسترخوا قليلًا.»

«فستشعر أن ثمة أملًا ضئيلًا لا يزال قائمًا.

تجمد تاليس لحظة قبل أن يتذكر شيئًا بصورة مبهمة.

«ستشعر أن النتيجة قد تتأخر.

وهكذا، صنعت تلك النظرات المترددة الحذرة جوًا ساكنًا قاتمًا.

«وأن الحكم لن يصدر إلا بعد قليل.

«شكرًا لك.

«وستظن أنك تستطيع كسب بعض الوقت، فلا تضطر إلى مواجهة النتيجة التي تخشاها وجهًا لوجه.»

تقدم مالوس خطوة كبيرة بوجه خالٍ من التعبير.

رفع الملك كيسيل ذقنه عن ظهر يده اليمنى، فانكشف الضوء الأزرق الخافت المنبعث من صولجان الكوكبة.

لم تكن هناك سوى بضعة مصابيح تضيء الطريق إلى الأمام.

«كأن تؤجل الاختبار بضعة أيام.

وحين توقف الأمير، توقف جيلبرت بدوره.

«أو الحكم بضعة أسابيع…

ثبت أمام تلك النظرة التي قابلها مرارًا في أحلامه، والتي كانت توقظه منها في كل مرة.

«أو أن تؤجل قبول الهوية التي لا مهرب منها بضع سنوات.»

وعندها فقط لاحظ فجأة أن ظهر وزير الشؤون الخارجية بدا عجوزًا للغاية.

حدق تاليس في وجه الملك الهادئ، وأصغى إلى كلماته المحملة بمعانٍ خفية.

ثم الأخرى.

«تلك اللحظة تكاد تكون خلاصًا.

وبينما سار في ذلك الممر الحجري التقليدي المتواضع الذي لم يفقد سحره، ظل ينظر إلى ظهر مالوس المتقدم أمامه.

«ستفرح.

وقبل ست سنوات، هنا…

«ستشعر بالخدر.

تقدم خطوة محسوبة، وازدادت هيبته صرامة.

«ستنتشي كمن نجا من الموت.

«سأنصرف إذًا.»

«وستحس كأن الحمل أزيح عن كتفيك.

ابتعد وقع الخطوات شيئًا فشيئًا حتى خفت تمامًا.

«ستقول لنفسك: “النهاية ما زالت بعيدة”، و”لا يزال بإمكاني النجاة”.»

لم ينطق أحد منهم بكلمة.

عند سماع ذلك، لم يستطع الفتى منع نفسه من الارتجاف.

تردد وقع خطوات تاليس في الهواء الساكن، ثم عاد صداه إلى أذنيه.

«لكن حين ينتهي كل شيء، وتنقضي المهلة التي منحتك إياها السماء، تتلاشى كل الأوهام التي جعلتك تظن أن بإمكانك أخيرًا أن تتنفس الصعداء.»

قال أدريان بفتور:

ضحك الملك بخفة.

خلف تاليس، اقترب وقع خطوات أدريان وجيلبرت، كأنهما يحثانه على المضي.

كانت نظرته عميقة، لكن وجهه ظل بلا تعبير.

أومأ غلوفر بلا تردد وتراجع ليقف خلف تاليس.

استمع تاليس شاردًا، فيما بردت راحتا يديه.

ارتفع نفس من صدر تاليس وخرج من فمه وأنفه.

استقام الملك الأعلى ببطء فوق عرشه.

وكأنهم اعتادوا منذ زمن هذا القصر البسيط بألوانه القاتمة وهوائه الخانق، فلم يروا فيه شيئًا غريبًا.

وتحت الضوء الخافت، بدا كأن سحابة رمادية تخيم فوق رأسه.

«وأنت أيضًا، يودل.»

«وعندها، تعود الكوارث التي ظننت أنك نجوت منها بالحظ، وتندفع نحوك من جديد أمام عينيك.

ثم تتباين الروايات إلى حد كبير، فلا يستطيع الأطفال سوى استنباط بعض الحقائق من بين أكوام المبالغات.

«لكنها هذه المرة تأتي مصحوبة بالندم، وبذلك الشعور الذي يخبرك أنك كان ينبغي أن تعرف منذ البداية…

تجمد تاليس عند سماع السؤال.

«وبالاضطراب، ولوم الذات، والهلع.

ظهر شيء من نفاد الصبر في صوت العرش، وامتدت الكلمة ببطء حتى ارتجفت شعلة المصباح الأبدي قليلًا.

«وفي النهاية، تتحول كلها إلى القلق.

غمرته الظلال.

«ذلك الشعور الذي تعرفه بالفعل…

قبل ست سنوات، حين دخل قصر النهضة للمرة الأولى، تعرض لمحاولة اغتيال، ثم نُقل إلى القصر فاقدًا للوعي.

«والذي لا تستطيع إبعاده عنك.»

لكن الملك تابع من تلقاء نفسه، غير عابئ بحيرة الفتى.

التقت عينا تاليس بعيني الملك.

وخلفهما سار غلوفر ودويل والبقية.

ولم يشعر في قلبه إلا بفراغ غريب لا شيء يستطيع ملأه.

لكن مع تقدم تاليس، سرعان ما رأى العرش عند نهاية مجال بصره.

أما كيسيل، فمرر أصابعه ببرود على الصولجان في يده، وحدق في الضوء الأزرق الغريب المتوهج عند قمته.

طال الصمت.

«وهذا القلق المزعج هو ما سيجعلك تتعذب، عاجزًا عن السكون من شدة الاضطراب.

ابتهج جيلبرت فورًا.

«وهو ما سيجعلك تدرك أن الهرب، والنجاة بالحظ، والمماطلة، وكل الأوهام التي عشت فيها طوال السنوات الست الماضية…

«الفضل لكم.»

«لم يكن لأي منها معنى.»

فتجمد تاليس.

«ست سنوات.»

لم يفهم ما يقصده الملك كيسيل.

تنفس تاليس شاردًا وهو يصغي إلى الملك حتى النهاية.

كأنهم أمام شأن بالغ الأهمية.

«إنه أشبه بسوط جلدي ملعون عديم الجدوى، يجلدك حتى يجبرك على مواجهة ذلك المصير الذي كنت تعرف منذ البداية أنه آتٍ لا محالة…

«آه؟ يبدو أن ذاكرتي بدأت تخونني.»

«لكن لا حيلة لك أمامه في النهاية.»

«القائد الأعلى للحرس الملكي. باسم الملك، جئت لاستقبال دوق بحيرة النجوم.»

قبل ست سنوات، حين دخل قصر النهضة للمرة الأولى، تعرض لمحاولة اغتيال، ثم نُقل إلى القصر فاقدًا للوعي.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط