الفصل 5: نورن غريرات
لست متأكدة متى بدأت أخاف من أخي. لكن الأمر لم يكن هكذا منذ البداية.
المرة الأولى التي قابلت فيها روديوس هي اليوم الذي لكم فيه والدي في وجهه.
لقد أحببت والدي. بالطبع لديه بعض العيوب الكبيرة، لكنني أعلم أنه يهتم بي كثيرًا، وكان يضعني دائمًا في المقام الأول.
والأهم من ذلك، كان عمري أقل من خمس سنوات في ذلك الوقت.
معظم الأطفال يحبون آباءهم دون قيد أو شرط في ذلك العمر.
كنت أعشق والدي.
وظهر روديوس من العدم وبدأ يضربه.
لم أفهم حقًا المحادثة التي أدت إلى ذلك. في هذه المرحلة، وبعد مرور سنوات على الواقعة، يمكنني أن أدرك أن والدي هو من أثار الشجار بالفعل.
حينها روديوس كان قد أنهى للتو رحلة طويلة وصعبة عبر بلاد خطرة، وأبي سخر منه بقسوة.
لكن في ذلك الوقت، كل ما رأيته في ذلك الوقت كان أخي يجلس فوق أبي ويضربه مراراً وتكراراً.
وكل ما كنت أفكر فيه هو أنه سيقتله. هذا هو الشيء الوحيد الذي كان يهمني في تلك اللحظة.
بطبيعة الحال، لم أكن على استعداد لقبول وحش كهذا كجزءًا من عائلتي.
لم أكن خائفة من روديوس في ذلك الوقت. لقد كرهته فحسب.
ظللت أكرهه لفترة طويلة بعد ذلك. لم يساعدني أن الجميع شعر بالحاجة إلى مدحه.
لم يكن والدي فقط – عندما قابلت أختي وخادمة العائلة لاحقًا، تحدثا عنه أيضًا بنبرة متوهجة. لكن كلما مدحوه أكثر، كلما زاد احتقاري له بعناد أكثر.
كرهت أختي بقدر كرهي لروديوس. في المدرسة التي ذهبنا إليها معًا، أصرت آيشا على منافستي باستمرار. كانت تتحداني في الفصل الدراسي وفي الملعب الذي كنا نمارس فيه الرياضة، وكانت دائمًا ما تهزمني بقوة.
فركت أنفي في إخفاقاتي.
مع وجودها، كنت أقضي كل يوم وأنا أشعر بأنني فاشلة.
لم أكن أعتقد أنه يمكنني أن أكون صديقة لها أبدًا.
كانت جدتي على علم بهذا الوضع، ولم يعجبها الأمر ولو قليلاً. لم يكن لديها سوى الاحتقار لآيشل التي كانت تصفها بـ “بالبنت النغلة”.
لكنها أيضًا كانت تعلق آمالًا كبيرة عليّ… أو على الأقل توقعات كبيرة.
قالت إنني “سيدة من عائلة لاتريا”.
على ما يبدو، كان ذلك يعني أنني يجب أن أكون “مؤهلة” على أقل تقدير.
كنت مجبرة على حضور دروس آداب السلوك والدروس للتحضير لمراسم معينة. لم يكن أي شيء من ذلك طبيعيًا بالنسبة لي؛ فقد أخفقت مرارًا وتكرارًا وكنت أتعرض للتوبيخ بشكل يومي.
وكلما أحرجت نفسي، كانت جدتي تتمتم قائل
“لابد أن أعمال المغامرة هذه لوثت الدم والروح معًا.”
كنت أعلم أنها تهين أمي وأبي بهذه الكلمات.
ضل أبي يعمل بجد من أجلي، وهذا كل ما قالته عنه.
لم يستغرق الأمر وقتًا طويلاً حتى بدأت أكرهها أيضًا.
وهكذا عندما ظهرت معلمة أخي وأخبرتنا بمكان أمي، قررت أن أتبع أبي في رحلته بدلاً من البقاء مع جدتي.
كان أبي مترددًا.
اعتقد أنه من الآمن لي أن أبقى في الخلف.
تنحدر والدتي من عائلة ميليس الأرستقراطية، ووالدي من بيت نبلاء أسوريين. لدي نسب جيد، على الأقل من هذه الناحية.
وبسبب ذلك، كان جدي على استعداد أن يأخذني إلى منزله بشكل دائم.
لكني كرهت هذه الفكرة، لذا توسلت إلى أبي ليأخذني معه. بكيت وتوسلت، وفي نهاية المطاف، استطعت المغادرة.
ومع ذلك… في النهاية، أرسلني والدي للعيش مع روديوس.
قال إن الأمور ستكون خطيرة للغاية من الآن فصاعدًا. قال إن روديوس يعيش في الشمال، لذا يجب أن أذهب إلى هناك وأنتظره.
قال إنه سيتبعني إلى هناك بمجرد أن يجد أمي.
بكيت.
ورفضت.
توسلت إليه أن يأخذني معه.
آخر شيء أريده هو أن أفترق عنه الآن، بعد أن قطعنا كل هذه المسافة الطويلة معًا.
لو لم يظهر روجيرد في ذلك الوقت، لربما أنهك أبي في النهاية. ثم لربما كنت سأمرض أو أصاب في تلك الرحلة القاسية عبر قارة بيجاريت.
لربما كنت سأسبب له كل أنواع المتاعب.
بفضل روحيرد، لم يصل الأمر إلى ذلك.
تذكرته بوضوح شديد. في اليوم الذي التقيت فيه بأخي، مدّ رويجرد يده وأمسك بي عندما تعثرت في الشارع. لقد ربت على رأسي وأعطاني تفاحة.
لم أكن أعرف اسمه في ذلك الوقت. في مرحلة ما، علمت أنه كان الحارس الشخصي لأخي، لكن لم تسنح لي الفرصة لسؤاله عن اسمه.
كان بنفس اللطف في المرة الثانية التي التقينا فيها. ربت على رأسي مرة أخرى وأقنعني بلطف أن أفعل الشيء الصحيح.
وهكذا انتهى بي الأمر متجهة شمالاً نحو منزل أخي الجديد.
إمتلأت آيشا بالطاقة والحماس منذ اللحظة التي وصلنا فيها إلى الطريق. تخلت عن تصرفات الفتاة الطيبة التي كانت تتظاهر بها أمام أبي وليليا، وبدأت تتصرف كقائدة لبعثتنا، ووضعت كل أنواع الخطط المجنونة.
اعتقدت أنها تتصرف بغباء فقط. بدا من السخف أن تحاول أن تتولى القيادة بينما يوجد معنا شخصان راشدان.
ولكن لسبب ما، أخذها روجرد وجنجر على محمل الجد بل ووافقوا على معظم أفكارها.
لم يبدو الأمر عادلاً على الإطلاق. بدت آراؤها دائماً ذات وزن أكبر. أي شيء قلته كان يتم تجاهله بشكل أساسي.
السبب الرئيسي الذي جعلني أتحمل ذلك هو روجيرد. كان يراعي مشاعري على الأقل. كان دائماً ما يخصص وقتاً لمواساتي والاستماع إلى شكواي.
ولكن حتى هو قضى الكثير من الوقت في مدح أخي.
لقد وصف روديوس بالرجل الرائع. كان يخبرني كم كان يتطلع إلى رؤيته. حتى أنه كان يبتسم قليلاً عندما يتحدث عنه، وكان لا يبتسم أبداً تقريباً.
بدا لي أن روديوس الذي أعرفه وروديوس الذي يتحدث عنه شخصان مختلفان تمامًا.
ربما حينها بدأت أخاف من أخي.
فروديوس ساحر قوي.
جديراً بالاحترام.
وقد قال قال الجميع ذلك.
لكن روديوس الذي عرفته هو الرجل الذي ألقى بأبي على الأرض وضربه.
شخص عنيف. إذا أزعجته، ليس هناك ما يضمن أنه لن يضربني بالطريقة التي ضرب بها والدي.
كنت خائفة من مقابلته، وشعرت ان فكرة العيش معه لأشهر مرعبة. أحياناً كنت أستيقظ في منتصف الليل وأنا أرتجف.
في بعض الأحيان لم أستطع النوم على الإطلاق.
كان روجيرد موجودًا دائمًا لتهدئتي على الأقل. كان يضعني في حضنه، وكنا ننظر إلى النجوم معًا بينما يحكي لي قصصًا عن ماضيه.
معظمها حزينة، ولكن لسبب ما، كانت تساعدني دائمًا على النوم.
عندما التقيت روديوس مرة أخرى للمرة الأولى منذ سنوات، كان ثملاً ومتشبثاً بامرأة.
على ما يبدو أنها كانت صديقة طفولته من قرية بوينا، وقد تزوجا مؤخرًا. لم أتذكرها على الإطلاق. كانت لديّ ذكرى غامضة عن طفلة أكبر سنًا كانت تتسكع حول آيشا وليليا، لكنني لم أتذكر أنها كانت تشبه سيلفي هذه.
لا بد أنها تغيرت كثيراً على مر السنين.
كان من الواضح أن روديوس كان يستمتع بحياته هنا على أكمل وجه.
أغضبتني رؤية ذلك. لم يضيع والدي أي وقت في اللعب مع النساء لسنوات وسنوات.
قال إنه كان يؤجل ذلك حتى يجد أمي. لم يلمس حتى ليليا، ناهيك عن أي من النساء الأخريات في حياته.
من ناحية أخرى، كانت أولوية أخي الأولى هي سعادته. أغضبني ذلك.
لم أستطع أن أحمل نفسي على قول أي شيء، رغم ذلك. كنت خائفة منه. كنت أخشى أن يبدأ بضربي إذا أغضبته.
هل سيتدخل روجيرد للدفاع عني إذا وصل الأمر إلى ذلك؟
من الصعب افتراض ذلك لقد بدا سعيداً جداً لرؤية روديوس مرة أخرى. ربما لن ينحاز إلى جانبي. ربما سيقول أنني كنت وقحة أو أنانية.
لم أستطع قول أي شيء في تلك الليلة الأولى. وبعد ذلك، في اليوم التالي، غادر روجيرد إلى الأبد. افترضت أنه سيبقى معنا لفترة أطول. لم أرد منه أن يرحل. لكنه غادر على أي حال.
صرت خائفة أكثر من ذي قبل. لم يبق في المنزل سوى روديوس وزوجته وآيشا. أختي الصغيرة كانت مبتهجة للغاية لكونها مع روديوس مرة أخرى.
بدت سيلفي شخصًا لطيفًا، لكنها لم تكن في صفي. لم يكن لديّ أحد إلى جانبي.
صرت عالقة هنا حتى عودة أبي. علي أن أعيش في خوف لشهور وشهور.
كان روديوس على الأرجح لطيفاً مع آيشا لكنه كان صارماً معي. يمدح أختي ويطلب مني أن أبذل جهداً أكبر.
تقول آيشا دائماً أنني لا أستطيع فعل أي شيء بشكل صحيح.
قالت أنني لا أبذل جهدي. لكن هناك أشياء لا أستطع القيام بها ببساطة مهما حاولت جاهدة. حتى عندما كنت أرغب في التحسن، وحتى عندما كنت أتدرب كثيرًا، لم أستطع أن أقارن بها. فماذا يفترض بي أن أفعل؟
في الوقت الحالي، كل ما استطيع فعله هو الابتعاد عن الطريق.
أخفيت نفسي بعيدًا، على أمل ألا يغضب مني أحد.
على أمل ألا يخبرني أحد كم أنا أقل منها.
المدينة بالخارج مغطاة بالثلوج. صرت خائفة من أن يتم رميي في البرد بمفردي.
قرر روديوس أن أذهب إلى الجامعة.
بدت هذه “الجامعة” مختلفة تمامًا عن المدرسة التي التحقت بها في ميليشيون.
بإمكاني التسجيل كطالبة في السنة الأولى، لكن هذا لا يعني أن جميع زملائي سيكونون في مثل عمري.
هناك كل أنواع الناس يدرسون هناك.
ومعظمهم أكبر مني سنًا.
بصراحة، لم أرغب في الذهاب. كنت أعلم أن الأمري سينتهي بمقارنتي بآيشا مرة أخرى.
لكن اتضح أن أختي لم تكن لديها أي نية للذهاب إلى المدرسة مرة أخرى. كانت تلك أخبار جيدة بالنسبة لي على الأقل.
فبدون وجودها، ربما يمكنني أن أبلي أفضل قليلاً.
لكن أخي وضع شرطاً على آيشا. كان عليها أن تخضع لامتحان القبول بالجامعة. هذا اختبار يجب أن يخضع له الجميع قبل دخولهم المدرسة – مما يعني أنني سأخضع له أيضًا.
لقد أحبطني ذلك بشدة. من المستحيل أن أنجح في الامتحان دون حتى أن أدرس له. ولكن عندما أخبرت روديوس بذلك، قال إنه يمكنه أن يشتري لي مكانًا في الجامعة.
لقد كان شيئًا طائشًا ووقحًا لدرجة أنني غضبت رغمًا عني. ثم غضبت آيشا مني بسبب غضبي، وتحول الأمر إلى شجار.
“توقفا عن ذلك أنتما الاثنان.”
أثارت نبرة أخي الباردة وخزة من الخوف بداخلي.
ظننت للحظة أنه سيلكمني. كنت خائفة جدًا لدرجة أنني بكيت قليلاً.
هل كان عليّ أن أستمر في العيش هكذا، وأنا أرتجف خوفًا باستمرار؟
في يوم الامتحان، أخبرني روديوس عن السكن الجامعي.
على ما يبدو أن جامعة السحر تسمح لطلابها بالسكن في مبانٍ كبيرة في الحرم الجامعي، لمساعدتهم على أن يصبحوا أكثر استقلالية. بدا الأمر وكأنه الحل لكل مشاكلي.
لم يكن لدي أي شك في أن أختي ستنجح في الامتحان، مما يعني أنها لن تضطر إلى الذهاب إلى المدرسة. إذا انتقلت إلى المساكن، فلن أضطر إلى رؤيتها أو رؤية روديوس بعد الآن.
لن يقارنني أحد بأي شخص.
يمكنني أن أكون على طبيعتي وأعيش حياتي الخاصة.
وكلما فكرت في الأمر، كلما بدا لي مثاليًا أكثر.
بعد بضعة أيام، حصلنا على نتائج الامتحان، وسألني أخي عما أريد أن أفعله الآن.
اعترفت بتردد أنني أردت العيش في السكن الجامعي.
كنت أخشى أن يغضب. كان أبي يريدني أن أبقى مع روديوس، وربما أخبر روديوس أن يراقبني في رسالته.
ظننت أن أخي قد يغضب مني.
ربما حتى قد يضربني لكوني أنانية جدًا.
لكن لدهشتي، وافق روديوس على الفور.
وآيشا هي التي غضبت. كانت تعتقد أنه ليس من العدل أن أحصل على ما أريد. حتى الآن، كانت تحصل دائماً على معاملة أفضل مني. أعتقد أن حقيقة أن روديوس اختبرها ولم يختبرني لم تعجبها.
ومع ذلك، لماذا وافق أخي على طلبي؟ لم أكن أعرف.
لم أفهمه على الإطلاق.
وبالنظر إلى الوراء، أدركت أنه لم يغضب مني على الإطلاق منذ وصولي إلى هنا، باستثناء تلك المرة التي تشاجرت فيها مع آيشا.
… ربما لم يكن مهتماً بي على الإطلاق.
ربما كان يعتقد أن الاعتناء بي لم يكن أكثر من مصدر إزعاج، ورأى أن هذه فرصة ذهبية لطردي.
كل ما أعرفه أنه كان يخطط لهجري في السكن الجامعي.
كان ذلك مريحاً بالنسبة لي.
لكن لسبب ما، جعلتني هذه الفكرة أشعر بالحزن قليلاً.
كل شيء عن العيش في السكن الجامعي جديد بالنسبة لي. الأمر مثير حقاً.
لأول مرة في حياتي، سيصبح لدي رفيقة سكن. سأعيش مع فتاة أكبر مني سناً تدعى ماريسا. وهي شيطانة.
لطالما قالت جدتي أن الشياطين مخلوقات شريرة – وحوش يجب طردها أو تدمرها.
لو لم التقي بـروجيرد، لربما كنت سأستمر في تصديق ذلك.
لكنني قابلته، لذا قدمت نفسي بأدب لماريسا ورحبت بي بحرارة في المقابل.
أحتاج إلى الكثير من المساعدة، حيث اني قد بدأت في منتصف الفصل الدراسي، وماريسا متواجدة معي حقًا.
علمتني كيف تعمل وجبات الطعام هنا، وأين توجد الحمامات، وقواعد السكن الجامعي.
وبينما كانت ترشدني إلى المكان، لمحتنا فتاة شيطانية مخيفة المظهر من “فرقة الدفاع عن النفس” وقدمت نفسها لي.
“نحن جميعاً عائلة واحدة كبيرة هنا” قالت، “لذا علينا أن نعتني ببعضنا البعض.”
كنت خائفًا منها بعض الشيء، لكن ماريسا أخبرتني أنها شخص طيب القلب ويتحمل مسؤولياته بجدية.
وبشكل عام، كنت أتطلع كثيراً إلى حياتي الجديدة هنا. كان من المزعج أنني اضطررت للعودة إلى منزل أخي مرة كل عشرة أيام، لكنه لم يسألني الكثير من الأسئلة المحددة، لذا لم يكن الأمر مزعجًا.
وهكذا بدأت حياتي الجديدة كطالبة في مدرسة داخلية.
أدركت على الفور أن الفصول الدراسية هنا صعبة للغاية. أعتقد أن السبب في ذلك يعود جزئيًا إلى أن المدرسين يشرحون كل شيء بشكل مختلف، مقارنةً بالمدرسين في ميليس.
ربما الأمر سيكون مختلفًا لو حضرت جميع الدروس منذ البداية، لكنني إلتحقت في منتصف الفصل الدراسي.
هناك الكثير من المحاضرات التي لم أستطع متابعتها.
عندما كنا في ميليس، كان لدينا الكثير من الدروس عن الدين، ولكن لم يكن ذلك مادة دراسية هنا. بدلاً من ذلك، كان لدينا دروس عملية في السحر.
لم أكن جيدة في تلك الدروس أيضًا.
لم يكلف الأساتذة أنفسهم عناء شرح الأساسيات.
كان كل شيء محبطًا بعض الشيء. ولكن إذا كانت درجاتي سيئة للغاية، فقد ينتهي بي الأمر بسحبي إلى منزل أخي.
حاولت أن أدرس في غرفتي في السكن الجامعي، لكن ذلك لم يكن مفيداً. وبعد ذلك، وبينما وصلت طرف الحبل، كانت ماريسا لطيفة بما فيه الكفاية لتبدأ بتدريسي.
بمساعدتها الصبورة، تمكنت أخيرًا من استيعاب بعض المفاهيم التي كان من المفترض أن أتعلمها في الفصل.
ربما آيشا كانت لتفهم كل هذا على الفور.
أحيانًا كنت أكره نفسي لكوني غبية جدًا.
كان الحرم الجامعي كبيرًا جدًا، وكنت أضيع بشكل منتظم. كانت الدروس العملية في السحر واللياقة البدنية سيئة بشكل خاص.
فهي تقام في مجموعة من الغرف المختلفة التي لم أستطع تذكر كيفية العثور عليها. في كل مرة كنت أضل فيها الطريق، كان عليّ أن أسأل طالبًا أكبر مني سنًا عن الاتجاهات أو أنتظر حتى يأتي شخص من صفي ليجدني.
حتى أنني في إحدى المرات، صادفت رودوس بينما كنت تائهة. لسبب ما، كان يمشي مع أهم طالبة في المدرسة بأكملها. كانت محرجة بشكل لا يصدق.
كان الجميع في الجامعة خائفين من أخي.
مما يبدو لي أنه كان رئيس عصابة صغيرة مكونة من ستة بلطجية يتجولون في الأرجاء ويفعلون أي شيء يريدونه.
اثنان من هؤلاء الأشخاص كانوا يعيشون في مسكني.
كنّ فتيات طويلات ومخيفات المظهر يتبخترن وكأنهن يملكن المكان. ماريسا قد حذرتني من الوقوف في طريقهم إذا استطعت.
الشائعات تقول أن روديوس قد أمرهما بجمع زوج من السراويل الداخلية من كل فتاة جميلة في المدرسة.
هل علمت زوجة أخي بذلك؟ على الأرجح لا.
لم يكن لديّ أي فكرة عما يخطط لفعله بكل تلك الملابس الداخلية في المقام الأول، لكن ذلك أغضبني كثيراً.
أبي كان يخاطر بحياته لإنقاذ أمي، وأخي يعبث هنا كالأحمق.
رأيي فيه ينخفض بشكل طارد.
لكن على الرغم من تصرفاته الغريبة، كانت سمعة أخي إيجابية بشكل غريب. قال الناس إنه لم يكن يضايق الطلاب العاديين أبداً.
على الرغم من أنه كان يفعل ما يحلو له، إلا أنه لم يؤذِ أحدًا أو يضايقهم. في الواقع، من المفترض أنه أخبر جميع الأطفال الأقوياء أن يتوقفوا عن مضايقة أي شخص أضعف منهم.
حتى أن أحد الأطفال المخيفين في صفي كان يتفاخر بأنه تحدث إلى روديوس ذات مرة.
كان روديوس أفضل في السحر من أي شخص آخر في الجامعة، وعلى ما يبدو، كان معلمًا جيدًا أيضًا. قال الناس إنه كان يدرّس فتاة أصغر مني سنًا.
أخبرني زملائي في الصف ومعلماتي وحتى ماريسا بأنني يجب أن أحاول أن أسير على خطاه. أرادوا مني أن أكون مثله.
لأكون مثل… الأخ الذي أخشاه وأكرهه ولا أفهمه على الإطلاق.
لا أريد أن أكون مثله.
لكن أكثر ما يؤلمني من أي شيء آخر هو معرفتي بأنني لا يمكنني أن أقارن به.
هوأفضل مني في كل شيء، تمامًا مثل آيشا.
مهما حاولت جاهداً، لن أكون مثله أبداً.
أكره روديوس.
اعتقدت أنه شخص فظيع.
لكن الحقيقة اني لن أستطع حتى البدء في منافسته.
في أحد الأيام، عدت إلى غرفتي في السكن الجامعي واستلقيت مباشرة على سريري.
خليط كبير من المشاعر كان ينمو بداخلي منذ أسابيع.
المرارة، والحزن، والشفقة على النفس، والغضب، ومن يدري ماذا أيضًا.
لم أستطع كبحها بعد الآن.
لم أستطع منع نفسي من الانهيار.
عادت ماريسا إلى الغرفة بعد ذلك بقليل. رأتني وأنا أبكي في وسادتي وسألتني بلطف ما الخطب، لكنني قلت لها “لا شيء”، وسحبت بطانيتي فوق رأسي.
ماذا يفترض بي أن أفعل الآن؟
هل كنت مخطئة بشأن روديوس؟ أم أن الجميع مخطئ ؟
… على الأرجح أنا.
ربما ليس شخصًا سيئًا كما ظننته.
لقد كنت صغيرة جداً في اليوم الذي رأيت فيه روديوس يلكم أبي، وبعد أن حدث ذلك، حاول والدي أن يشرح لي أنه كان يمر بالكثير، ولم أستطع أن أفهم أبداً ما الذي من المفترض أن يعنيه ذلك.
لكن الآن، بعد كل هذا الوقت، أصبح الأمر منطقيًا أخيرًا. كنت أمر بالكثير بنفسي في هذه اللحظة بعد كل شيء.
إذا عملت بجد، وقلبت الأمور رأسًا على عقب، وتمكنت من أن أبتهج، فسيكون من السيء حقًا أن يقول لي أحدهم “واو، انظري إليك. لا بد أنه من الجميل أن يكون لديك حياة خالية من الهموم.”
ربما كنت سأرغب في لكمه في الواقع. حتى لو كان والدي.
في أعماقي عرفت أني وروديوس على الأرجح شخصان متشابهين.
لم يكن وحشًا غير إنساني في النهاية.
ولكن بعد قولي هذا… كيف من المفترض أن أتحدث معه الآن؟ ماذا يريد مني حتى؟ كيف استطاع أن يتصالح مع أبي على أي حال؟
فكرت وفكرت.
لم يخطر ببالي شيء، لكن في النهاية بدأت بطني تؤلمني.
تقلصت معدتي بشكل مؤلم، وبدأت أشعر بالغثيان.
لذلك انغمست في سريري ولم أفعل شيئًا.
لم أستطع فعل أي شيء.
لم أستطع حتى أن أحمل نفسي على مواجهة أخي.
في مثل هذه الأوقات، كان أبي متواجدًا دائمًا من أجلي.
عندما كان يحدث شيء سيء وأستلقي في السرير، كان يأتي ويفرك ظهري بلطف لفترة من الوقت. وبعد أن افترقنا، أخذ روجيرد مكانه.
كان يضعني في حضنه ويربت على رأسي ويروي لي القصص.
لم يكن لدي أي شخص مثل هذا هنا.
كانت ماريسا لطيفة معي، لكنها لم تكن إلى جانبي.
كل ما كانت تقترحه عليّ هو أن أتحدث إلى أخي، أو أن أحاول العودة إلى الفصل.
أعرف كل ذلك بالفعل.
لكن المشكلة أن جسدي لم يكن يريد أن يتحرك.
***
كم من الوقت مرّ منذ أن اعتكفت في سريري؟
ظللتُ أفكر في دوائر لما شعرتُ انها ساعات طويلة، ثم غفوتُ من الإرهاق. لقد كررت تلك الدورة عدة مرات، لذا ربما مرت بضعة أيام حتى الآن.
كنت جالسة على حافة سريري. ولسبب ما، كان روديوس أمامي مباشرة. كان يجلس متكئا لى كرسي ويحدق في وجهي.
“نورن، أنا…”
“أمم، روديوس-” شعرت أنها المرة الأولى التي أنطق فيها اسم أخي بصوت عالٍ.
كلانا قد كسر الصمت في نفس الوقت بالضبط.
يبدو أنني لم أكن أهلوس إذن. كيف دخل إلى مسكن الفتيات؟
كنت مرتبكة جداً ولم أعرف ماذا أقول. كان أخي صامتاً أيضاً. لفترة من الوقت، حدق كل منا في الآخر.
لا بد أن هذه هي المرة الأولى التي أنظر فيها إلى وجه روديوس عن كثب.
بدا قلقاً بعض الشيء. كانت ملامحه تذكرني قليلاً بوالدي، وكان ذلك مطمئناً نوعاً ما.
بالطبع كانا متشابهين.
“أنا آسف يا نورن. لم يكن الأمر سهلاً عليك هنا، أليس كذلك؟” قال روديوس وصوته متردد.
“أعتقد أنني لا… أفهمك جيداً… أعلم أن هذا صعب عليك، لكنني لست متأكداً مما يجب فعله.”
هل هذا شعوري أنا فقط، أم أنه كان متوتراً جداً؟ هذا ذكرني بوالدي أيضاً.
“…”
صمت أخي مرة أخرى. جلس هناك بهدوء، ولم يتحرك.
كان يراقبني بقلق، لكنه لم يتزحزح عن الكرسي.
من المحتمل أن يكون أبي قد لف ذراعيه حولي الآن، وروجيرد يربت على رأسي. لكن أخي لم يقترب مني.
“أوه”.
فجأة، فهمت السبب.
لم يستطع الاقتراب مني. كان خائفاً جداً من أن أرفضه.
في اللحظة التي خطرت لي هذه الفكرة، شعرت أن كل مشاعري السلبية بدأت تذوب.
لم أعد أكره روديوس بعد الآن. لم أستطع أن أجده مخيفًا أيضًا. كان يشبه أبي كثيراً.
لم يكن ليضربني أبداً مهما حدث. وربما لم يكن ليضرب أبي مرة أخرى أيضاً.
“ههمف…” (شهيق)
“إهيء!” أنا علي ان اصالحه.
صارت الدموع تنهمر على خدي الآن.
صار حلقي يرتجف.
بعد لحظة، بدأت في النحيب.
“أنا آسفة يا روديوس! أنا آسفة…”
ببطء، وبحذر، وقف أخي وجلس بجانبي. وضع يده برفق على رأسي، ثم ضمّني إلى صدره. كانت يده دافئة وصدره متماسكاً.
كانت رائحته تشبه رائحة أبي أيضاً.
قضيت بقية الليل أبكي بين ذراعيه.
روديوس
في النهاية، لم أفعل أي شيء.
لم تخبرني نورن بما كان يحدث. لم تخبرني أبدًا عن سبب انزعاجها أو ما تشعر به. لقد بكت لفترة طويلة.
وبعد ذلك، عندما انتهى الأمر أخيرًا، نظرت وتمتمت قائلة : “سأكون بخير الآن”.
هذا كل شيء.
لكن لسبب ما، كانت تبدو بخير لأول مرة. حتى أنها تمكنت من النظر في عيني مباشرة.
شعرت بارتياح كبير.
شيء ما يخبرني أنها ستكون بخير الآن.
وهكذا، تركت الباقي لسيلفي وتسللت من غرفة أختي.
أصبحت نورن أكثر بهجة بشكل ملحوظ بعد تلك الحادثة.
لم تكن التغييرات دراماتيكية تماماً. فبدأت بإلقاء التحية عليّ عندما مررنا ببعضنا البعض في الردهة. ما زلنا لا نتحدث كثيرًا، ولم تبدأ في التعلق بي مثل أختها.
ربما على الأرجح لا تزال تقارن بي في صفوفها، لكن أعتقد أن ذلك لم يعد يزعجها كثيراً.
لم أفهم بعد ما تشعر به. لم أفعل أي شيء ذي معنى على الإطلاق. جعلني ذلك أشعر بقليل من الشفقة.
أعرف شعور أن ينظر إليك الناس باحتقار، وكنت أعرف شعور أن تنعزل في غرفتك. لكنني كنت لا أزال أفشل في التوصل إلى أي شيء مفيد لأقوله.
في نهاية المطاف، أعتقد أن نورن قد عالجت الأمر بنفسها.
لقد عالجت مشاعرها وسحبت نفسها فوق العقبة التي تعترض طريقها.
كان ذلك إنجازاً مثيراً للإعجاب حقاً.
يبدو أن بول وآيشا يعتقدان أن نورن مجرد طفلة خرقاء خجولة لا تملك أي مواهب خاصة.
لكن لدي رأي مختلف تمامًا عنها الآن. لقد تمكنت من الصعود من الحفرة التي قضيت حياتي كلها عالقا فيها.
لو كنت بنصف قوتها، ربما لم تكن حياتي الأولى قد انتهت بشكل بائس. ربما لم يكن الأمر لينتهي بي بتلقي لكمة في الوجه من أخي الطيب.
من المستحيل التأكد من ذلك بالطبع. وضعي مختلفاً عن وضع نورن. حتى لو عملت على حل مشاعري، ربما لم أكن لأغادر غرفتي أبدًا.
ربما كنت بحاجة إلى أن أولد من جديد وألتقي بروكسي لكي يكون ذلك ممكناً.
في كلتا الحالتين، لا أستطع تغيير الماضي. فالعلاقات التي كسرتها لا يمكن إصلاحها أبدًا.
ولم أكن أعرف على وجه اليقين ما كان يدور في رأس أخي في ذلك الوقت.
مع ذلك، شعرتُ نوعاً ما… وكأن شيئاً ما يثقل كاهلي لفترة طويلة جداً ثد تزحزح.
إذا تمكنت ناناهوشي من العودة إلى عالمنا القديم في يوم من الأيام، فسأطلب منها أن توصل رسالة إلى أخي.
“شكراً لمحاولتك التواصل معي آنذاك. وأنا آسف.”
-+-
ترجمة نيرو
فصل مدعوم

التعليقات متوقفة حالياً، ستعود قريباً!