Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

موشوكو تينساي 217

مذكرة روديوس

مذكرة روديوس

المجلد 18-

نبدأ بالكبرى، لوسي غرايرات. تنمو ابنتي بسرعة، وقد احتفلنا مؤخرًا بعيد ميلادها الثالث. صارت تمشي بثبات، تتهادى في أرجاء المنزل بخطًى صغيرة.

– مذكرة روديوس :

بصراحة، أيّامي مليئةٌ بما يُرضي النفس : العمل، والتدريب، والبقاء مع العائلة. وإن لم أتمكّن من قضاء الكثير من الوقت مع أولادي، فكلّ شيءٍ آخر على ما يرام.

عزيزي والدي بول،

فهمت ما يقصده في الحال، فقد كنت أعيش قلق الانتظار طوال المهمة. لم أتوقّع أبدًا أن يكون أورستد من يذكّرني بذلك، لكنه قال بعدها:

يمضي الزمن مسرعًا على نحوٍ مؤلم. لقد مرّ نصف عامٍ بالفعل منذ تلك الأحداث العاصفة في مملكة أسورا. بلغتُ العشرين من عمري الآن، ما يعني أنّ أختيّ الصغيرتين ستبلغان الرابعة عشرة قريبًا.

وبالمناسبة، لم يُؤكَّد حملها إلّا قبل شهرٍ تقريبًا من كتابتي هذه الرسالة. وهي الآن في شهرها الرابع. أصبحت هادئةً نسبيًّا في الآونة الأخيرة، ربّما بسبب غثيان الصباح. على الأرجح أنّها ستكون في شهرها الخامس عندما أعود من مهمّتي التالية.

ما زلت أواصل تدريبي، وأؤدي في الوقت نفسه المهام التي يكلّفني بها أورستد. أورستد على درايةٍ بكلّ شيءٍ تقريبًا، غير أنّه ليس أفضل المعلّمين. لعلّه لا يملك موهبة التعليم فحسب. والأسوأ أنّه يرفض استخدام المانا، فلا يستطيع أن يُريني كيف تُنفّذ التعويذة عمليًّا. يعلّمني التعاويذ وبعض الحيل المتعلّقة بها، لكنّ أكثر ما يقوله لا يبدو منطقيًّا بالنسبة لي، ربّما لأنّه عبقري، فيأتيه كلّ شيءٍ بالفطرة.

 فحتى الآن لم نفعّل سوى خمس دوائر منها، تسمح لنا بالانتقال إلى مملكة أسورا، والدولة المقدّسة ميليس، والغابة العظمى، ومملكة التنين الملك، وجنوب القارة الشيطانية.

ولا شكّ أنّ جزءًا من المشكلة يرجع إليّ أنا أيضًا. لستُ تلميذًا نجيبًا بما يكفي؛ لا يمكنك أن تبيّن لي جزءًا من المعادلة وتطلب منّي أن أستنتج الباقي وحدي. لست بذلك الذكاء. ذكرياتي من حياتي السابقة تساعدني أحيانًا على فهم بعض الأمور بسرعة، لكنها عديمة الجدوى حين يتعلّق الأمر بتعلّم تعاويذ من رتبة القدّيس أو الملك.

ولم تتوقف التغييرات عند هذا الحد؛ فمقرّ عملنا الفعلي يقع الآن تحت الكوخ نفسه. استخدمتُ سحر الأرض لأشقّ سردابًا هائلًا يشبه المتاهة. قسّمت المكان إلى ثلاثٍ وعشرين غرفة، في كل واحدةٍ منها دائرة نقلٍ سحري تنقلنا إلى موقعٍ مختلف من أنحاء العالم… على الأقل في المستقبل.

خذ مثلًا تعويذة «الاشتعال الخاطف» — وهي من تعاويذ النار من رتبة القدّيس، تشعل رقعةً واسعة في لحظةٍ واحدة. ظننتها في البداية أشبه بتعويذة سِزل في لعبة «دراغون كويست»، أي أنها تستخدم الضوء لتوليد الحرارة. لكنّ حدسي كان في غير محلّه. ورغم أنّي تمكّنت من صنع تعويذةٍ شبيهةٍ بها، فإنّ أورستد اكتفى بإمالة رأسه في حيرةٍ وهو يشاهد محاولتي.

«لقد أنجبتُ وريثًا للعائلة!»

ولم يقتصر ما علّمني إياه على التعاويذ فحسب؛ فقد زوّدني كذلك بمعرفةٍ عن أساليب القتال ضدّ السحرة ومقاتلي المدارس المختلفة من فنون السيف. فمثلاً، أسلوب «إله السيف» يقوم على نمطٍ معيّن من الحركة (النمط أ)، لذا يجب أن أواجهه باستراتيجية (ب). أما إن كنتُ في مواجهة ساحرٍ بارعٍ في سحر النار، فسيعتمد غالبًا على أسلوب التنسيق (ج) والسحر المركّب (د)، وعليّ أن أعدّ نفسي لمواجهة تلك التعاويذ. وإن وجدت نفسي في قتالٍ ضدّ ساحرٍ ومبارزٍ معًا، فهناك التقنية (هـ) التي عليّ استخدامها.

سمعتُ أنّ زينيث في وقتٍ ما كانت قلقةً لأنّها لم تستطع الحمل كذلك. أتُراكَ يا أبي فعلتَ شيئًا مشابهًا لطمأنتها؟ أذكر أنّكما كنتما تمارسان الأمر كلّ ليلةٍ كالحيوانات، وهكذا وُلدت نورن في النهاية.

بكلمةٍ أخرى، ما علّمني إياه أورستد هو «فنّ القتال التكتيكي».

«الهيتوغامي» لم يتدخّل كثيرًا… أو بالأحرى، لم يتدخل إطلاقًا في مهامي المنفردة. يبدو أنّ تركيزه موجّه نحو ما يفعله أورستد، لأنّه يرى فيه الخطر الأكبر عليه. ففي المرات القليلة التي عملت فيها برفقة أورستد، ظهر أحد أو اثنان من رسل الهيتوغامي، لكنّهم لم يكونوا ثلاثة قط، مما يدلّ على أنّ الثالث منهم مشغولٌ بمكانٍ آخر في الخفاء.

يقول أورستد إنّ أفضل طريقةٍ لي في القتال، بالنظر إلى قوّتي الهجومية وتنوّع تعاويذي وامتلاكي «عين التنبّؤ»، هي أن أخلخل توازن خصمي وأضيّق عليه الخناق، ثم أوجّه الضربة القاضية حين تُسَدّ أمامه السبل. وهي في الحقيقة الطريقة التي كنت أقاتل بها أصلًا، لكنّ وعيي بذلك جعلني أؤديها بإتقانٍ أكبر.

 بـصوتِ ارتطامٍ خافت، أغلقتُ مذكّراتي. لقد كتبتها على هيئة رسالةٍ — رسالةٍ لن أرسلها إلى أحدٍ أبدًا. كانت هناك أيّامٌ أشعر فيها أنّ الكتابة على هذا النحو تُقوّي عزيمتي، وتلك العزيمة تمنحني ما يكفي من الدافع لأمضي قُدمًا.

أطبّق هذه الاستراتيجية في تدريباتي ضدّ إيريس، وفي أثناء تعليم سيلفي ونورن وآيشا، حتى تُصبح جزءًا من غريزتي القتالية. وبفضل ذلك، تحسّن مستواي كثيرًا: صرت أتحكم بسحر الرياح والنار حتى رتبة القدّيس، وكذلك الشفاء والتطهير، أمّا السحر الإلهي فبلغت فيه رتبة المتوسّط. هذا تقدّمٌ كبير خلال عامٍ واحدٍ فقط.

أنا لا أصدّقه كلّيًّا، لكنّي أشعر أن في كلماته مسًّا من الحقيقة… أو لعلها مجرد أمنيةٍ مني.

ومع ذلك، ما زلتُ عاجزًا عن رسم الدوائر السحرية، ولم أتعمّق في سحر الاستدعاء بعد. أمامي الكثير لأتعلّمه. أعرف الكثير بالفعل، لكن لا يمكنني الركون إلى ما حققته؛ عليّ أن أواصل السعي. على الأقل، أشعر أنني أصبحت أقوى مما كنت.

ويبدو أنّ غيسلين تمرّ بوقتٍ عصيبٍ هي الأخرى، إذ إنّ الملك الذي ظلّ طريح الفراش طويلًا قد توفّي أخيرًا، وستتولّى أرييل العرش قريبًا. أمّا الأمير الأوّل غريبل، فيبدو أنّه يقاوم محاولًا جاهدًا، لكنّه لم يعد خصمًا يُعتدّ به.

أمّا عملي مع أورستد، فهو يسير على خير وجهٍ بفضل هذا التدريب. لم أتولّ بعد مهمّاتٍ كبرى منذ قضية مملكة أسورا، بل مجرّد أعمالٍ بسيطة من قبيل: «اذهب إلى هذا المتاهة وساعد المغامر الذي ضلّ طريقه»، أو «أنقذ هذا التاجر الذي توشك الوحوش على التهامه»، أو «اشترِ هذا الفتى المستعبَد من السوق، ثم بعه في المكان الفلاني».

«أليس الوقت قد حان؟»

مهامّ صغيرة، لكنها تتطلّب كلّ جهدي، ولها أهمّيتها في خطط أورستد المستقبلية. خذ مثلًا اللصة القزمة «تال-تشي» التي أنقذتها مؤخرًا؛ لا فائدة مباشرة منها، لكنّ ابنها سيصبح يومًا ما زعيم «نقابة القتلة»، وهو من سيغتال شخصًا كان سيتحوّل لاحقًا إلى شوكةٍ في خاصرة أورستد. طبعًا، يستطيع أورستد القضاء عليه بنفسه بسهولة، لكنّ ترتيب الأمور مسبقًا يوفر عليه وقتًا ومانا في المستقبل. بتعبيرٍ آخر: «تغيير الماضي لتقليل المتاعب في المستقبل».

«لا تصدّق ما يقوله الهيتوغامي.»

جوهر النصر في معركتنا مع «الهيتوغامي» يعتمد على حالة أورستد حين يواجهه أخيرًا. بعد أن عاش دوراتٍ زمنية لا تُحصى، يعرف أورستد أيّ الأشخاص يستحقّ الإنقاذ ليخدموه لاحقًا في الأزمان القادمة. بضمان بقائهم، يستطيع أن يتحرك بكفاءةٍ أكبر عندما يحين الوقت. الأمر أشبه بلعبةٍ ذات متغيّرات وشروطٍ مسبقة، لكنّها في حالتنا تتعلّق ببناء العلاقات المناسبة.

ولا شكّ أنّ جزءًا من المشكلة يرجع إليّ أنا أيضًا. لستُ تلميذًا نجيبًا بما يكفي؛ لا يمكنك أن تبيّن لي جزءًا من المعادلة وتطلب منّي أن أستنتج الباقي وحدي. لست بذلك الذكاء. ذكرياتي من حياتي السابقة تساعدني أحيانًا على فهم بعض الأمور بسرعة، لكنها عديمة الجدوى حين يتعلّق الأمر بتعلّم تعاويذ من رتبة القدّيس أو الملك.

معظم ما أقوم به أنفّذه وحدي؛ أورستد منشغل بأعمالٍ أخرى لا يستطيع سواها.

«رودي… هل أستطيع فعلها حقًّا؟ هل سأنجح في إنجاب هذا الطفل؟»

«الهيتوغامي» لم يتدخّل كثيرًا… أو بالأحرى، لم يتدخل إطلاقًا في مهامي المنفردة. يبدو أنّ تركيزه موجّه نحو ما يفعله أورستد، لأنّه يرى فيه الخطر الأكبر عليه. ففي المرات القليلة التي عملت فيها برفقة أورستد، ظهر أحد أو اثنان من رسل الهيتوغامي، لكنّهم لم يكونوا ثلاثة قط، مما يدلّ على أنّ الثالث منهم مشغولٌ بمكانٍ آخر في الخفاء.

«أتُرى علينا أن نكرّر الأمر أكثر؟»

وذلك ما يبعث القلق في نفسي، إذ لا وسيلة لدينا لمعرفة حقيقة ما يجري. أتساءل أحيانًا إن كنّا نفعل ما يكفي. ألا يجدر بنا أن نهاجم الهيتوغامي مباشرة؟

ولا شكّ أنّ جزءًا من المشكلة يرجع إليّ أنا أيضًا. لستُ تلميذًا نجيبًا بما يكفي؛ لا يمكنك أن تبيّن لي جزءًا من المعادلة وتطلب منّي أن أستنتج الباقي وحدي. لست بذلك الذكاء. ذكرياتي من حياتي السابقة تساعدني أحيانًا على فهم بعض الأمور بسرعة، لكنها عديمة الجدوى حين يتعلّق الأمر بتعلّم تعاويذ من رتبة القدّيس أو الملك.

حين طرحت السؤال على أورستد، هزّ رأسه وقال:

لم ألاحظ إلا بعد مدةٍ قصيرة أنّ لون شعرها أزرق، تمامًا كلون شعر روكسي الجميل. لونٌ يرمز إلى قوم الميغورد.

«وفقًا لمذكّراتك، المستقبل الذي يسعى لتغييره لم يأتِ بعد.»

وافقت فورًا وغادرت الكوخ، أشقّ العاصفة كآلةٍ جليدية في طريقي إلى البيت. وصلت لأجد روكسي على وشك الولادة. لو تأخّرت يومين فقط، لفاتني الحدث.

يبدو إذًا أنّ علينا مواصلة التحضيرات إلى أن يحين ذلك المستقبل.

يمضي الزمن مسرعًا على نحوٍ مؤلم. لقد مرّ نصف عامٍ بالفعل منذ تلك الأحداث العاصفة في مملكة أسورا. بلغتُ العشرين من عمري الآن، ما يعني أنّ أختيّ الصغيرتين ستبلغان الرابعة عشرة قريبًا.

وأظنّ أنّ المواجهة القادمة ستكون على علاقةٍ بكليف. وفقًا لمذكّراتي، أنا من تسبّب في موته، وأشكّ أنّ للهيتوغامي يدًا في ذلك، لكن لا سبيل لتأكيده، إذ إنّ أورستد لا يطلعني على التفاصيل الجوهرية.

 في تلك اللحظة، خطرت ببالي فكرة قتل أورستد… أمزح، أمزح، لم أكن جادًا، لكنّني لم أخلُ من الغيظ.

وهكذا تمضي حياتي: أعمل شهرًا كاملًا، أقدّم تقريري في المكتب، ثم أقضي يومين أو ثلاثة مع عائلتي وأصدقائي. بعدها آخذ خمسة إلى عشرة أيام راحة — أستغلها في التدريب — قبل أن تأتيني المهمة التالية. هذه هي وتيرة حياتي مؤخرًا.

يمضي الزمن مسرعًا على نحوٍ مؤلم. لقد مرّ نصف عامٍ بالفعل منذ تلك الأحداث العاصفة في مملكة أسورا. بلغتُ العشرين من عمري الآن، ما يعني أنّ أختيّ الصغيرتين ستبلغان الرابعة عشرة قريبًا.

أوه، صحيح، بخصوص العمل… لقد شرعت أخيرًا في تنفيذ بعض الخطط التي وضعتها منذ زمن.

أمّا عملي مع أورستد، فهو يسير على خير وجهٍ بفضل هذا التدريب. لم أتولّ بعد مهمّاتٍ كبرى منذ قضية مملكة أسورا، بل مجرّد أعمالٍ بسيطة من قبيل: «اذهب إلى هذا المتاهة وساعد المغامر الذي ضلّ طريقه»، أو «أنقذ هذا التاجر الذي توشك الوحوش على التهامه»، أو «اشترِ هذا الفتى المستعبَد من السوق، ثم بعه في المكان الفلاني».

أولها كان يتعلق بمكان عملي. كنّا نستعمل الكوخ الصغير في أطراف مدينة شاريا — ذاك الذي صنعنا فيه درع السحر أول مرة — لكنّه لم يعد يفي بمتطلبات مقرّ طويل الأمد، لذا أمرتُ بإعادة بنائه. ما زال بيتًا بطابقٍ واحد، غير أنّه بات يحوي غرفة استراحةٍ وغرفة اجتماعاتٍ وغرفة سجلات. أصبح بإمكاننا المبيت فيه عند الحاجة، وعقد اجتماعاتٍ استراتيجية بسهولة أكبر.

المجلد 18-

 بالطبع، يقلقني ترك سجلاتنا هناك، فكمية المعلومات التي نتعامل معها هائلة ولا أستطيع حفظها كلّها في ذهني: متى يفعل فلان كذا، ومن سيؤثر على المستقبل إن أنقذته أو تركته يموت، وهكذا.

روكسي وسيلفي شعرتا ببعض القلق لذلك، ولم أفهم السبب في البداية. كنت أرى شعر روكسي أجمل من أن يكون مصدر قلق. لكن سيلفي ذكّرتني بأنّ اختلاف اللون قد يجعلها عرضةً للتنمّر بين الأطفال في شاريا، حيث الغالبية من البشر. صحيح أن في المدينة كثيرًا من الأعراق غير البشرية، لكن من يختلف في مظهره لا يزال عرضةً للسخرية. هل سيكون شعرها لعنةً عليها؟ الوقت وحده كفيل بالإجابة، لكنني كأبٍ سأراقب الوضع عن كثب.

كما أنشأتُ مخزنًا للأسلحة قريبًا من الكوخ نفسه، أودع فيه الأدوات السحرية ودرع السحر خاصّتي. (وبالمناسبة، تمكّنا من صناعة نسخةٍ أصغر من الدرع، لكن دعنا نوفّر التفاصيل لوقتٍ لاحق).

على أيّ حال، سواءٌ كان ذلك بسبب الحظّ العاثر أو لأيّ سببٍ آخر، لم تفلح إيريس في الحمل. وهذا ما أقلقها بشدّة. كنت أراها تتحدّث مع سيلفي كلّ ليلةٍ سرًّا بعد عودتنا إلى المنزل. لم تكن تريدني أن أعلم بمدى قلقها، فكانت تخفي عنّي التفاصيل، لكنّي سمعتها تقول شيئًا أرعبني بحقّ:

صرتُ أملك هناك من الأشياء ما يكفي لإغناء أحدهم إذا سرقها بقية حياته. ولأنني الوحيد الذي يستخدم ذلك المخزون، أغلقتُ بابه بسحر الأرض تحسّبًا لأي شخص يمدّ يده إليه.

وعلى ذكر نورن، فهي بخيرٍ ومعنوياتها عالية، وتواصل دراستها.

أورستد لا يحتاج لتلك الأدوات، لكنها تبقى «ممتلكات الشركة»، لذا عليّ أن أعتني بها كما يجب. تمنّيت لو أجد من يتولى إدارتها بدلًا مني.

على أيّ حال، سواءٌ كان ذلك بسبب الحظّ العاثر أو لأيّ سببٍ آخر، لم تفلح إيريس في الحمل. وهذا ما أقلقها بشدّة. كنت أراها تتحدّث مع سيلفي كلّ ليلةٍ سرًّا بعد عودتنا إلى المنزل. لم تكن تريدني أن أعلم بمدى قلقها، فكانت تخفي عنّي التفاصيل، لكنّي سمعتها تقول شيئًا أرعبني بحقّ:

ولم تتوقف التغييرات عند هذا الحد؛ فمقرّ عملنا الفعلي يقع الآن تحت الكوخ نفسه. استخدمتُ سحر الأرض لأشقّ سردابًا هائلًا يشبه المتاهة. قسّمت المكان إلى ثلاثٍ وعشرين غرفة، في كل واحدةٍ منها دائرة نقلٍ سحري تنقلنا إلى موقعٍ مختلف من أنحاء العالم… على الأقل في المستقبل.

عذرًا، خرجت عن الموضوع مجددًا. حسنًا، ما دمنا نتحدث عن الأطفال، فقد أنجبت روكسي مؤخرًا. كان ذلك في يومٍ تعصف فيه عاصفةٌ ثلجية. لم تكن أعمال التجديد في المكتب قد انتهت بعد، فحين عدت من مهمّتي إلى الكوخ، وجدت أورستد ينتظرني كعادته أحيانًا. لم يكن هناك سوى غرفةٍ واحدة آنذاك، فكان يبقى فيها حتى يحين موعد المرحلة التالية من عمله. كنت على وشك أن أبدأ تقريري المعتاد حين قال فجأة:

 فحتى الآن لم نفعّل سوى خمس دوائر منها، تسمح لنا بالانتقال إلى مملكة أسورا، والدولة المقدّسة ميليس، والغابة العظمى، ومملكة التنين الملك، وجنوب القارة الشيطانية.

ويبدو أنّ غيسلين تمرّ بوقتٍ عصيبٍ هي الأخرى، إذ إنّ الملك الذي ظلّ طريح الفراش طويلًا قد توفّي أخيرًا، وستتولّى أرييل العرش قريبًا. أمّا الأمير الأوّل غريبل، فيبدو أنّه يقاوم محاولًا جاهدًا، لكنّه لم يعد خصمًا يُعتدّ به.

لدينا هذه الخمس فقط لأنّنا نحتاج لإعداد دائرةٍ مقابلة في الطرف الآخر، وللأسف، أورستد نادرًا ما يزور الأماكن المهجورة التي تصلح لهذا الغرض. والأماكن المأهولة مزدحمة ويصعب إنشاء الدوائر فيها، لذا لم نوسّع الشبكة بعد، لكننا نخطّط لذلك مستقبلًا.

جوهر النصر في معركتنا مع «الهيتوغامي» يعتمد على حالة أورستد حين يواجهه أخيرًا. بعد أن عاش دوراتٍ زمنية لا تُحصى، يعرف أورستد أيّ الأشخاص يستحقّ الإنقاذ ليخدموه لاحقًا في الأزمان القادمة. بضمان بقائهم، يستطيع أن يتحرك بكفاءةٍ أكبر عندما يحين الوقت. الأمر أشبه بلعبةٍ ذات متغيّرات وشروطٍ مسبقة، لكنّها في حالتنا تتعلّق ببناء العلاقات المناسبة.

ما زلت أواصل تدريبي، وأؤدي في الوقت نفسه المهام التي يكلّفني بها أورستد. أورستد على درايةٍ بكلّ شيءٍ تقريبًا، غير أنّه ليس أفضل المعلّمين. لعلّه لا يملك موهبة التعليم فحسب. والأسوأ أنّه يرفض استخدام المانا، فلا يستطيع أن يُريني كيف تُنفّذ التعويذة عمليًّا. يعلّمني التعاويذ وبعض الحيل المتعلّقة بها، لكنّ أكثر ما يقوله لا يبدو منطقيًّا بالنسبة لي، ربّما لأنّه عبقري، فيأتيه كلّ شيءٍ بالفطرة.

حسنًا، يا أبي بول، أعلم أنّ حديثي عن العمل ربما أثار مللك، لذا فلننتقل إلى ما تنتظره بحق : أخبار أولادك وأحفادك.

كانت إيريس قد استنزفتني أصلًا إلى آخر قطرةٍ فيّ؛ لو أكثرنا لذبلتُ مثل برقوقٍ مجفّف. ومع ذلك، فواجب الزوج أن يهدّئ من قلق زوجته، لذلك بذلتُ ما بوسعي. بدأت أستخدم «طريقة التقويم» (أو كما تُعرف في اليابان بطريقة أوغينو)، أراقب دورتها الشهرية، وأنتبه لما آكل، وأخفّف من تدريبي. جرّبت كلّ ما يمكن.

نبدأ بالكبرى، لوسي غرايرات. تنمو ابنتي بسرعة، وقد احتفلنا مؤخرًا بعيد ميلادها الثالث. صارت تمشي بثبات، تتهادى في أرجاء المنزل بخطًى صغيرة.

وبذلك انتهت فترة عملها المؤقّتة؛ لم تعد تستطيع مرافقتي في المهام، لكنّها بدت راضيةً تمامًا، مبتسمةً بفخرٍ وهي تربّت على بطنها المنتفخ. ولأنّي عرفتها منذ الطفولة، غمرني شعورٌ عميقٌ وأنا أراها على تلك الحال. لقد غدت امرأةً مهيبةً بحقّ. لا بدّ أنّ فيليب وساوروس — نستذكرهما بكل خير — يبكيان فرحًا في قبريهما.

اكتسبت حصيلةً طيبة من الكلمات، وتحب التحدث بصوتٍ عالٍ — ربما تأثرت بإيريس في ذلك — ما يجعل البيت عامرًا بالصخب والحياة.

المجلد 18-

يبدو أنّ سيلفي بدأت تُعلّمها لغة البشر والسحر أيضًا. تخيّل، طفلة في الثالثة تتلقى تعليمًا خاصًّا كأنها من النوابغ. يبدو أن سيلفي تنوي أن تكون «أمًّا معلّمة». ولو وضعت نظّارة مثلثة الشكل، لكانت دروسنا الليلية الخاصة ستزداد حرارة أيضًا…

اكتسبت حصيلةً طيبة من الكلمات، وتحب التحدث بصوتٍ عالٍ — ربما تأثرت بإيريس في ذلك — ما يجعل البيت عامرًا بالصخب والحياة.

على كلّ حال، بالعودة إلى لوسي. لم أتمكن من قضاء وقتٍ كافٍ معها، لذا حين أعود إلى البيت أحيانًا تحدّق بي كأنها لا تعرف من أكون. يعتصرني الألم حين تفعل ذلك.

لا شكّ عندي في أنّ أرييل ستنتصر في النهاية.

لحسن الحظ، تتدارك سيلفي الموقف دائمًا بقولها: «هذا والدك، قولي له أهلًا.» فتهتف : «مرحبًا بعودتك يا أبي!» — وهي غاية في اللطافة، حتى أكاد أذوب من شدّة اللطافة.

كما أنشأتُ مخزنًا للأسلحة قريبًا من الكوخ نفسه، أودع فيه الأدوات السحرية ودرع السحر خاصّتي. (وبالمناسبة، تمكّنا من صناعة نسخةٍ أصغر من الدرع، لكن دعنا نوفّر التفاصيل لوقتٍ لاحق).

لكن بعد لحظةٍ من الترحيب، يعلو وجهها تعبير حيرة، ثم تختبئ خلف سيلفي وكأنها لا تفهم ما يعنيه «أب».

في ذلك الوقت كانت تعمل معي — يمكن القول إنّها موظّفةٌ مؤقتةٌ تتعاون مع «شركة أورستد» — ترافقني في المهام، تتقدّم الصفوف في القتال، وتُبيد من يعترض طريقنا. غير أنّها، بعد سماعها كلام إليناليز، بدأت تتصرّف على نحوٍ يوحي وكأنّها تقول: «الآن جاء دوري!» حتى أثناء العمل.

إنّه أمرٌ يوجع القلب. أعلم أنّ هذا هو الطريق الذي اخترته بنفسي، لكنّ ذلك لا يجعل الأمر أسهل.

كما أنشأتُ مخزنًا للأسلحة قريبًا من الكوخ نفسه، أودع فيه الأدوات السحرية ودرع السحر خاصّتي. (وبالمناسبة، تمكّنا من صناعة نسخةٍ أصغر من الدرع، لكن دعنا نوفّر التفاصيل لوقتٍ لاحق).

وبما أننا نتحدث عن لوسي، فقد أخذتها ذات مرةٍ لرؤية أورستد. أردت أن أتحقق بنفسي مما إن كانت لعنته ستؤثر فيها كما قال الهيتوغامي أم لا.

«رودي… هل أستطيع فعلها حقًّا؟ هل سأنجح في إنجاب هذا الطفل؟»

النتيجة : اللعنة لا تؤثر عليها إطلاقًا. بل إنّها حين رأته، أضاءت عيناها وصرخت: «أبي! أبي!» وهي تمدّ ذراعيها نحو شعره الفضيّ. ظنّت أنّه والدها الحقيقي!

أوه، صحيح، بخصوص العمل… لقد شرعت أخيرًا في تنفيذ بعض الخطط التي وضعتها منذ زمن.

 في تلك اللحظة، خطرت ببالي فكرة قتل أورستد… أمزح، أمزح، لم أكن جادًا، لكنّني لم أخلُ من الغيظ.

أما بالنسبة لإيريس، فبفضل جهودي، نجحت أخيرًا في الحمل. حدث ذلك بعد نحو شهرٍ من طلبي منها أن تخفّف من تدريبها اليومي. ويبدو أنّ السبب وراء صعوبة حملها كان شدّة تدريبها المستمرّ. كانت تقفز، وتلكم، وتركُل بلا توقف. صحيح أنّ الحمل يمكن أن يحدث حتى مع النشاط البدني، لكن في حالتها كانت كثافة التدريب تفوق ضعف ما يحتمله جسد إنسانٍ عادي، فربّما كانت البويضات تُخصَّب ثم لا تنغرس بسبب إرهاق الجسد المستمرّ.

ربما لأنّ شعره يشبه شعر سيلفي الأبيض، فظنّت أنه من العائلة. علّمتها اسمه فقالت : «أورستي؟ أورستي!» بنطقٍ بديعٍ تمامًا.

«أتُرى علينا أن نكرّر الأمر أكثر؟»

وبينما أنا أراقب المشهد متجهّمًا، سمح أورستد للوسي بأن تجلس على كتفيه، وكانت تشدّ شعره بقوّةٍ أخافتني، فوبّختها قائلًا:

في ذلك الوقت كانت تعمل معي — يمكن القول إنّها موظّفةٌ مؤقتةٌ تتعاون مع «شركة أورستد» — ترافقني في المهام، تتقدّم الصفوف في القتال، وتُبيد من يعترض طريقنا. غير أنّها، بعد سماعها كلام إليناليز، بدأت تتصرّف على نحوٍ يوحي وكأنّها تقول: «الآن جاء دوري!» حتى أثناء العمل.

«لا يجوز أن تشدي شعر الناس.»

ولا شكّ أنّ جزءًا من المشكلة يرجع إليّ أنا أيضًا. لستُ تلميذًا نجيبًا بما يكفي؛ لا يمكنك أن تبيّن لي جزءًا من المعادلة وتطلب منّي أن أستنتج الباقي وحدي. لست بذلك الذكاء. ذكرياتي من حياتي السابقة تساعدني أحيانًا على فهم بعض الأمور بسرعة، لكنها عديمة الجدوى حين يتعلّق الأمر بتعلّم تعاويذ من رتبة القدّيس أو الملك.

لكن أورستد أجاب بابتسامةٍ نادرة:

كانت إيريس قد استنزفتني أصلًا إلى آخر قطرةٍ فيّ؛ لو أكثرنا لذبلتُ مثل برقوقٍ مجفّف. ومع ذلك، فواجب الزوج أن يهدّئ من قلق زوجته، لذلك بذلتُ ما بوسعي. بدأت أستخدم «طريقة التقويم» (أو كما تُعرف في اليابان بطريقة أوغينو)، أراقب دورتها الشهرية، وأنتبه لما آكل، وأخفّف من تدريبي. جرّبت كلّ ما يمكن.

«لا بأس، أمرٌ كهذا لن يؤثّر في هالة معركة تنينٍ مقدّس.»

وبينما نحن نتحدث عن إيريس، يبدو أنّها لم تفكّر إلا في اسم المولود إن كان صبيًّا، لذا قرّرتُ أن أختار اسمًا للأنثى بنفسي.

يبدو أنّه سُرَّ بأن أحبّته لوسي إلى هذا الحد. ولا عجب، فهي ساحرة الجمال. عندها بدا لي أنّ كلام الهيتوغامي عن أحفادي الذين سيقفون إلى جانب أورستد في المستقبل قد يحمل شيئًا من الصدق. حين ذكرت ذلك أمام أورستد، رمقني بنظرةٍ حادّة وقال:

أوه، صحيح، بخصوص العمل… لقد شرعت أخيرًا في تنفيذ بعض الخطط التي وضعتها منذ زمن.

«لا تصدّق ما يقوله الهيتوغامي.»

وبينما أنا أراقب المشهد متجهّمًا، سمح أورستد للوسي بأن تجلس على كتفيه، وكانت تشدّ شعره بقوّةٍ أخافتني، فوبّختها قائلًا:

أنا لا أصدّقه كلّيًّا، لكنّي أشعر أن في كلماته مسًّا من الحقيقة… أو لعلها مجرد أمنيةٍ مني.

وبحماسٍ لاستقبال يومٍ جديد، وقفتُ متجهًا نحو الدائرة السحريّة. وهكذا بدأ يومٌ آخر من أيّامي في العمل.

صرتُ أُجيد قراءة مزاج أورستد أكثر من قبل. يكون في مزاجٍ رائع حين يلهو مع لوسي. يبدو أنّه يكنّ محبةً لكلّ من يتعلّق به، وربّما يسرّه أن يعيش تجارب جديدة بعد أن تكرّر عليه الزمن مرارًا. بعد كلّ تلك الدورات التي عاشها، أستطيع أن أتخيّل كم يكون شعوره ثقيلًا. وكوني تابعه، أرغب في أن أجعل أيّامه أقلّ مللًا وأكثر متعة.

لدينا هذه الخمس فقط لأنّنا نحتاج لإعداد دائرةٍ مقابلة في الطرف الآخر، وللأسف، أورستد نادرًا ما يزور الأماكن المهجورة التي تصلح لهذا الغرض. والأماكن المأهولة مزدحمة ويصعب إنشاء الدوائر فيها، لذا لم نوسّع الشبكة بعد، لكننا نخطّط لذلك مستقبلًا.

عذرًا، خرجت عن الموضوع مجددًا. حسنًا، ما دمنا نتحدث عن الأطفال، فقد أنجبت روكسي مؤخرًا. كان ذلك في يومٍ تعصف فيه عاصفةٌ ثلجية. لم تكن أعمال التجديد في المكتب قد انتهت بعد، فحين عدت من مهمّتي إلى الكوخ، وجدت أورستد ينتظرني كعادته أحيانًا. لم يكن هناك سوى غرفةٍ واحدة آنذاك، فكان يبقى فيها حتى يحين موعد المرحلة التالية من عمله. كنت على وشك أن أبدأ تقريري المعتاد حين قال فجأة:

صرتُ أُجيد قراءة مزاج أورستد أكثر من قبل. يكون في مزاجٍ رائع حين يلهو مع لوسي. يبدو أنّه يكنّ محبةً لكلّ من يتعلّق به، وربّما يسرّه أن يعيش تجارب جديدة بعد أن تكرّر عليه الزمن مرارًا. بعد كلّ تلك الدورات التي عاشها، أستطيع أن أتخيّل كم يكون شعوره ثقيلًا. وكوني تابعه، أرغب في أن أجعل أيّامه أقلّ مللًا وأكثر متعة.

«أليس الوقت قد حان؟»

«لقد أنجبتُ وريثًا للعائلة!»

فهمت ما يقصده في الحال، فقد كنت أعيش قلق الانتظار طوال المهمة. لم أتوقّع أبدًا أن يكون أورستد من يذكّرني بذلك، لكنه قال بعدها:

«وفقًا لمذكّراتك، المستقبل الذي يسعى لتغييره لم يأتِ بعد.»

«يمكنك أن ترفع تقريرك لاحقًا.»

ولم تتوقف التغييرات عند هذا الحد؛ فمقرّ عملنا الفعلي يقع الآن تحت الكوخ نفسه. استخدمتُ سحر الأرض لأشقّ سردابًا هائلًا يشبه المتاهة. قسّمت المكان إلى ثلاثٍ وعشرين غرفة، في كل واحدةٍ منها دائرة نقلٍ سحري تنقلنا إلى موقعٍ مختلف من أنحاء العالم… على الأقل في المستقبل.

وافقت فورًا وغادرت الكوخ، أشقّ العاصفة كآلةٍ جليدية في طريقي إلى البيت. وصلت لأجد روكسي على وشك الولادة. لو تأخّرت يومين فقط، لفاتني الحدث.

ربما لأنّ شعره يشبه شعر سيلفي الأبيض، فظنّت أنه من العائلة. علّمتها اسمه فقالت : «أورستي؟ أورستي!» بنطقٍ بديعٍ تمامًا.

قالت لي وهي تمسك بيدي وقد علاها الذعر:

– مذكرة روديوس :

«رودي… هل أستطيع فعلها حقًّا؟ هل سأنجح في إنجاب هذا الطفل؟»

 أخبرتني أنّ عليها أن تمضي عامين أو ثلاثة في توطيد حكمها، ممّا يعني أنّ غيسلين سيكون أمامها الكثير لتفعله كحارستها الشخصيّة في تلك المدّة.

كانت شاحبة الوجه، يائسة من الخوف، تكرّر تلك الكلمات بلا توقف. تساءلت في نفسي إن كانت زينيث — أمي — شعرت بالخوف ذاته حين أنجبتني. في تلك اللحظة لم أفكر إلا بشيء واحد: «روكسي تقلق أكثر من اللازم».

وبما أننا نتحدث عن لوسي، فقد أخذتها ذات مرةٍ لرؤية أورستد. أردت أن أتحقق بنفسي مما إن كانت لعنته ستؤثر فيها كما قال الهيتوغامي أم لا.

لكنّ قلقها لم يكن في غير محلّه، فالولادة لم تكن سهلة. علق كتفا الطفلة في قناة الولادة — حالة يسمونها تعسّر الكتف. لا أعرف السبب تحديدًا، ربما لأنّ روكسي صغيرة الجسد. فهي من قوم الميغورد، وأجسادهم ضئيلة، أما الطفل فكان نصف بشري، فكان أكبر من المعتاد بالنسبة لها. ربما كانت جيناتي السبب في كلّ ذلك.

لا يهمّني جنس الطفل، كلّ ما أريده أن تلد بسلامٍ ويكون المولود بصحّةٍ جيّدة. هذا كلّ ما يعنيني — سلامة الأمّ والطفل.

لحسن الحظ، لم يصب أحدٌ منهما بسوء. كانت ليليا خبيرةً توليد، وآيشا العبقرية كانت إلى جوارها. استعنت أيضًا بطبيبٍ وممرضة من أقرب عيادة، جلبتهما وسط الثلوج. بفضل الجميع سارت الأمور بسلاسة، دون حاجةٍ لعمليةٍ سحرية أو غيرها. أنجبت روكسي بوهي سلامٍ مع ابنتنا.

كانت إيريس قد استنزفتني أصلًا إلى آخر قطرةٍ فيّ؛ لو أكثرنا لذبلتُ مثل برقوقٍ مجفّف. ومع ذلك، فواجب الزوج أن يهدّئ من قلق زوجته، لذلك بذلتُ ما بوسعي. بدأت أستخدم «طريقة التقويم» (أو كما تُعرف في اليابان بطريقة أوغينو)، أراقب دورتها الشهرية، وأنتبه لما آكل، وأخفّف من تدريبي. جرّبت كلّ ما يمكن.

كانت الطفلة أكبر حجمًا من لوسي حين وُلدت، ذات وجهٍ جريء الملامح.

قالت لي وهي تمسك بيدي وقد علاها الذعر:

قالت سيلفي أن عيناها تشبهان عيني روكسي، لكن فمها يشبه رودي أكثر.

بكلّ الاحترام،

أي أنها كانت مزيجًا منّا نحن الاثنين، كما ينبغي لأي ابنةٍ أن تكون.

صرتُ أملك هناك من الأشياء ما يكفي لإغناء أحدهم إذا سرقها بقية حياته. ولأنني الوحيد الذي يستخدم ذلك المخزون، أغلقتُ بابه بسحر الأرض تحسّبًا لأي شخص يمدّ يده إليه.

سمّيناها «لارا غرايرات».

بكلّ الاحترام،

لم ألاحظ إلا بعد مدةٍ قصيرة أنّ لون شعرها أزرق، تمامًا كلون شعر روكسي الجميل. لونٌ يرمز إلى قوم الميغورد.

ربما لأنّ شعره يشبه شعر سيلفي الأبيض، فظنّت أنه من العائلة. علّمتها اسمه فقالت : «أورستي؟ أورستي!» بنطقٍ بديعٍ تمامًا.

روكسي وسيلفي شعرتا ببعض القلق لذلك، ولم أفهم السبب في البداية. كنت أرى شعر روكسي أجمل من أن يكون مصدر قلق. لكن سيلفي ذكّرتني بأنّ اختلاف اللون قد يجعلها عرضةً للتنمّر بين الأطفال في شاريا، حيث الغالبية من البشر. صحيح أن في المدينة كثيرًا من الأعراق غير البشرية، لكن من يختلف في مظهره لا يزال عرضةً للسخرية. هل سيكون شعرها لعنةً عليها؟ الوقت وحده كفيل بالإجابة، لكنني كأبٍ سأراقب الوضع عن كثب.

لا شكّ عندي في أنّ أرييل ستنتصر في النهاية.

هذا خروجٌ يسيرٌ عن الموضوع، لكن إليناليز أنجبت في الفترة نفسها التي أنجبت فيها روكسي. وبحكم خبرتها الطويلة، لم تلقَ أيّ صعوبةٍ في الوضع. في يومٍ أخبرني كليف أنّها على وشك الولادة، وفي اليوم التالي رأيتها تحمل رضيعًا بين ذراعيها وقد عادت إلى قوامها النحيل المعتاد. لا عجب في ذلك، فهي خبيرةٌ في الولادات، ولعلّها خاضت مئة ولادةٍ حتى الآن.

وهكذا تمضي حياتي: أعمل شهرًا كاملًا، أقدّم تقريري في المكتب، ثم أقضي يومين أو ثلاثة مع عائلتي وأصدقائي. بعدها آخذ خمسة إلى عشرة أيام راحة — أستغلها في التدريب — قبل أن تأتيني المهمة التالية. هذه هي وتيرة حياتي مؤخرًا.

على أيّ حال، كان أوّل أطفال آل غريمور صبيًّا أسمياه كلايف. وعندما نظرتُ إليه، هتفت إليناليز بحماسةٍ شديدة:

 في تلك اللحظة، خطرت ببالي فكرة قتل أورستد… أمزح، أمزح، لم أكن جادًا، لكنّني لم أخلُ من الغيظ.

«لقد أنجبتُ وريثًا للعائلة!»

وبما أننا نتحدث عن لوسي، فقد أخذتها ذات مرةٍ لرؤية أورستد. أردت أن أتحقق بنفسي مما إن كانت لعنته ستؤثر فيها كما قال الهيتوغامي أم لا.

وريثًا، إذًا… أمّا أنا، فلا أرى أنّ وريث العائلة يجب أن يكون ذكرًا بالضرورة. فلو رغبت لوسي أو لارا في متابعة عملي إلى جانب أورستد، لما منعتُهما. يبدو أنّ لعنته لا تؤثر فيهما على أيّ حال.

هذا خروجٌ يسيرٌ عن الموضوع، لكن إليناليز أنجبت في الفترة نفسها التي أنجبت فيها روكسي. وبحكم خبرتها الطويلة، لم تلقَ أيّ صعوبةٍ في الوضع. في يومٍ أخبرني كليف أنّها على وشك الولادة، وفي اليوم التالي رأيتها تحمل رضيعًا بين ذراعيها وقد عادت إلى قوامها النحيل المعتاد. لا عجب في ذلك، فهي خبيرةٌ في الولادات، ولعلّها خاضت مئة ولادةٍ حتى الآن.

بيد أنّ كلمات إليناليز تلك أثارت شخصًا واحدًا: إيريس.

خذ مثلًا تعويذة «الاشتعال الخاطف» — وهي من تعاويذ النار من رتبة القدّيس، تشعل رقعةً واسعة في لحظةٍ واحدة. ظننتها في البداية أشبه بتعويذة سِزل في لعبة «دراغون كويست»، أي أنها تستخدم الضوء لتوليد الحرارة. لكنّ حدسي كان في غير محلّه. ورغم أنّي تمكّنت من صنع تعويذةٍ شبيهةٍ بها، فإنّ أورستد اكتفى بإمالة رأسه في حيرةٍ وهو يشاهد محاولتي.

في ذلك الوقت كانت تعمل معي — يمكن القول إنّها موظّفةٌ مؤقتةٌ تتعاون مع «شركة أورستد» — ترافقني في المهام، تتقدّم الصفوف في القتال، وتُبيد من يعترض طريقنا. غير أنّها، بعد سماعها كلام إليناليز، بدأت تتصرّف على نحوٍ يوحي وكأنّها تقول: «الآن جاء دوري!» حتى أثناء العمل.

لدينا هذه الخمس فقط لأنّنا نحتاج لإعداد دائرةٍ مقابلة في الطرف الآخر، وللأسف، أورستد نادرًا ما يزور الأماكن المهجورة التي تصلح لهذا الغرض. والأماكن المأهولة مزدحمة ويصعب إنشاء الدوائر فيها، لذا لم نوسّع الشبكة بعد، لكننا نخطّط لذلك مستقبلًا.

كنّا نفعل ذلك كثيرًا بما يكفي لجعل الحمل أمرًا حتميًّا. بل كان من الغريب أنّها لم تحمل بعد كلّ هذا. في كلّ مرةٍ كانت تدفعني إلى الأرض، وبهيئة عذراء جامحةٍ كنتُ… حسنًا، سأكفّ عن التفاصيل هنا.

«أليس الوقت قد حان؟»

على أيّ حال، سواءٌ كان ذلك بسبب الحظّ العاثر أو لأيّ سببٍ آخر، لم تفلح إيريس في الحمل. وهذا ما أقلقها بشدّة. كنت أراها تتحدّث مع سيلفي كلّ ليلةٍ سرًّا بعد عودتنا إلى المنزل. لم تكن تريدني أن أعلم بمدى قلقها، فكانت تخفي عنّي التفاصيل، لكنّي سمعتها تقول شيئًا أرعبني بحقّ:

يمضي الزمن مسرعًا على نحوٍ مؤلم. لقد مرّ نصف عامٍ بالفعل منذ تلك الأحداث العاصفة في مملكة أسورا. بلغتُ العشرين من عمري الآن، ما يعني أنّ أختيّ الصغيرتين ستبلغان الرابعة عشرة قريبًا.

«أتُرى علينا أن نكرّر الأمر أكثر؟»

يقول أورستد إنّ أفضل طريقةٍ لي في القتال، بالنظر إلى قوّتي الهجومية وتنوّع تعاويذي وامتلاكي «عين التنبّؤ»، هي أن أخلخل توازن خصمي وأضيّق عليه الخناق، ثم أوجّه الضربة القاضية حين تُسَدّ أمامه السبل. وهي في الحقيقة الطريقة التي كنت أقاتل بها أصلًا، لكنّ وعيي بذلك جعلني أؤديها بإتقانٍ أكبر.

كانت إيريس قد استنزفتني أصلًا إلى آخر قطرةٍ فيّ؛ لو أكثرنا لذبلتُ مثل برقوقٍ مجفّف. ومع ذلك، فواجب الزوج أن يهدّئ من قلق زوجته، لذلك بذلتُ ما بوسعي. بدأت أستخدم «طريقة التقويم» (أو كما تُعرف في اليابان بطريقة أوغينو)، أراقب دورتها الشهرية، وأنتبه لما آكل، وأخفّف من تدريبي. جرّبت كلّ ما يمكن.

وإن كنتُ صادقًا، فمهما كانت حجّتي أنّني أفعل ذلك لأطمئنها، فقد كان في الأمر ما يُثيرني أيضًا.

سمّيناها «لارا غرايرات».

سمعتُ أنّ زينيث في وقتٍ ما كانت قلقةً لأنّها لم تستطع الحمل كذلك. أتُراكَ يا أبي فعلتَ شيئًا مشابهًا لطمأنتها؟ أذكر أنّكما كنتما تمارسان الأمر كلّ ليلةٍ كالحيوانات، وهكذا وُلدت نورن في النهاية.

لحسن الحظ، تتدارك سيلفي الموقف دائمًا بقولها: «هذا والدك، قولي له أهلًا.» فتهتف : «مرحبًا بعودتك يا أبي!» — وهي غاية في اللطافة، حتى أكاد أذوب من شدّة اللطافة.

وعلى ذكر نورن، فهي بخيرٍ ومعنوياتها عالية، وتواصل دراستها.

معظم ما أقوم به أنفّذه وحدي؛ أورستد منشغل بأعمالٍ أخرى لا يستطيع سواها.

أما بالنسبة لإيريس، فبفضل جهودي، نجحت أخيرًا في الحمل. حدث ذلك بعد نحو شهرٍ من طلبي منها أن تخفّف من تدريبها اليومي. ويبدو أنّ السبب وراء صعوبة حملها كان شدّة تدريبها المستمرّ. كانت تقفز، وتلكم، وتركُل بلا توقف. صحيح أنّ الحمل يمكن أن يحدث حتى مع النشاط البدني، لكن في حالتها كانت كثافة التدريب تفوق ضعف ما يحتمله جسد إنسانٍ عادي، فربّما كانت البويضات تُخصَّب ثم لا تنغرس بسبب إرهاق الجسد المستمرّ.

على كلّ حال، بالعودة إلى لوسي. لم أتمكن من قضاء وقتٍ كافٍ معها، لذا حين أعود إلى البيت أحيانًا تحدّق بي كأنها لا تعرف من أكون. يعتصرني الألم حين تفعل ذلك.

وبذلك انتهت فترة عملها المؤقّتة؛ لم تعد تستطيع مرافقتي في المهام، لكنّها بدت راضيةً تمامًا، مبتسمةً بفخرٍ وهي تربّت على بطنها المنتفخ. ولأنّي عرفتها منذ الطفولة، غمرني شعورٌ عميقٌ وأنا أراها على تلك الحال. لقد غدت امرأةً مهيبةً بحقّ. لا بدّ أنّ فيليب وساوروس — نستذكرهما بكل خير — يبكيان فرحًا في قبريهما.

كنّا نفعل ذلك كثيرًا بما يكفي لجعل الحمل أمرًا حتميًّا. بل كان من الغريب أنّها لم تحمل بعد كلّ هذا. في كلّ مرةٍ كانت تدفعني إلى الأرض، وبهيئة عذراء جامحةٍ كنتُ… حسنًا، سأكفّ عن التفاصيل هنا.

وبالمناسبة، لم يُؤكَّد حملها إلّا قبل شهرٍ تقريبًا من كتابتي هذه الرسالة. وهي الآن في شهرها الرابع. أصبحت هادئةً نسبيًّا في الآونة الأخيرة، ربّما بسبب غثيان الصباح. على الأرجح أنّها ستكون في شهرها الخامس عندما أعود من مهمّتي التالية.

كانت إيريس قد استنزفتني أصلًا إلى آخر قطرةٍ فيّ؛ لو أكثرنا لذبلتُ مثل برقوقٍ مجفّف. ومع ذلك، فواجب الزوج أن يهدّئ من قلق زوجته، لذلك بذلتُ ما بوسعي. بدأت أستخدم «طريقة التقويم» (أو كما تُعرف في اليابان بطريقة أوغينو)، أراقب دورتها الشهرية، وأنتبه لما آكل، وأخفّف من تدريبي. جرّبت كلّ ما يمكن.

يقلقني فقط أنّها قد تعود إلى تدريبها العنيف حين تعتاد على الحمل. لذلك أرسلت رسالةً إلى غيسلين أطلب فيها المشورة، فهي الوحيدة التي تعرف إيريس منذ زمنٍ مثلي. لعلّها تعرف كيف تُقنعها بأن تكفّ عن المبالغة إلى أن تضع مولودها.

وأظنّ أنّ المواجهة القادمة ستكون على علاقةٍ بكليف. وفقًا لمذكّراتي، أنا من تسبّب في موته، وأشكّ أنّ للهيتوغامي يدًا في ذلك، لكن لا سبيل لتأكيده، إذ إنّ أورستد لا يطلعني على التفاصيل الجوهرية.

ويبدو أنّ غيسلين تمرّ بوقتٍ عصيبٍ هي الأخرى، إذ إنّ الملك الذي ظلّ طريح الفراش طويلًا قد توفّي أخيرًا، وستتولّى أرييل العرش قريبًا. أمّا الأمير الأوّل غريبل، فيبدو أنّه يقاوم محاولًا جاهدًا، لكنّه لم يعد خصمًا يُعتدّ به.

عذرًا، خرجت عن الموضوع مجددًا. حسنًا، ما دمنا نتحدث عن الأطفال، فقد أنجبت روكسي مؤخرًا. كان ذلك في يومٍ تعصف فيه عاصفةٌ ثلجية. لم تكن أعمال التجديد في المكتب قد انتهت بعد، فحين عدت من مهمّتي إلى الكوخ، وجدت أورستد ينتظرني كعادته أحيانًا. لم يكن هناك سوى غرفةٍ واحدة آنذاك، فكان يبقى فيها حتى يحين موعد المرحلة التالية من عمله. كنت على وشك أن أبدأ تقريري المعتاد حين قال فجأة:

لا شكّ عندي في أنّ أرييل ستنتصر في النهاية.

يبدو أنّ سيلفي بدأت تُعلّمها لغة البشر والسحر أيضًا. تخيّل، طفلة في الثالثة تتلقى تعليمًا خاصًّا كأنها من النوابغ. يبدو أن سيلفي تنوي أن تكون «أمًّا معلّمة». ولو وضعت نظّارة مثلثة الشكل، لكانت دروسنا الليلية الخاصة ستزداد حرارة أيضًا…

 أخبرتني أنّ عليها أن تمضي عامين أو ثلاثة في توطيد حكمها، ممّا يعني أنّ غيسلين سيكون أمامها الكثير لتفعله كحارستها الشخصيّة في تلك المدّة.

لا تكاد تنطق بكلمةٍ الآن. حاولتُ أنا وأورستد التفكير في حلّ، لكنه لم يجد وسيلةً أيضًا. وإن كان هو نفسه يجهل السبب، فقد يعني ذلك أنّه لا علاج معروف لها.

وإن سنحت لنا الفرصة لزيارة مملكة أسورا بعد أن تضع إيريس مولودها، فأودّ أن نمرّ عليهم جميعًا.

«لا بأس، أمرٌ كهذا لن يؤثّر في هالة معركة تنينٍ مقدّس.»

وبينما نحن نتحدث عن إيريس، يبدو أنّها لم تفكّر إلا في اسم المولود إن كان صبيًّا، لذا قرّرتُ أن أختار اسمًا للأنثى بنفسي.

وبينما أنا أراقب المشهد متجهّمًا، سمح أورستد للوسي بأن تجلس على كتفيه، وكانت تشدّ شعره بقوّةٍ أخافتني، فوبّختها قائلًا:

لا يهمّني جنس الطفل، كلّ ما أريده أن تلد بسلامٍ ويكون المولود بصحّةٍ جيّدة. هذا كلّ ما يعنيني — سلامة الأمّ والطفل.

مهامّ صغيرة، لكنها تتطلّب كلّ جهدي، ولها أهمّيتها في خطط أورستد المستقبلية. خذ مثلًا اللصة القزمة «تال-تشي» التي أنقذتها مؤخرًا؛ لا فائدة مباشرة منها، لكنّ ابنها سيصبح يومًا ما زعيم «نقابة القتلة»، وهو من سيغتال شخصًا كان سيتحوّل لاحقًا إلى شوكةٍ في خاصرة أورستد. طبعًا، يستطيع أورستد القضاء عليه بنفسه بسهولة، لكنّ ترتيب الأمور مسبقًا يوفر عليه وقتًا ومانا في المستقبل. بتعبيرٍ آخر: «تغيير الماضي لتقليل المتاعب في المستقبل».

بصراحة، أيّامي مليئةٌ بما يُرضي النفس : العمل، والتدريب، والبقاء مع العائلة. وإن لم أتمكّن من قضاء الكثير من الوقت مع أولادي، فكلّ شيءٍ آخر على ما يرام.

إنّه أمرٌ يوجع القلب. أعلم أنّ هذا هو الطريق الذي اخترته بنفسي، لكنّ ذلك لا يجعل الأمر أسهل.

وأخيرًا، أودّ الحديث عن حالة زينيث العقليّة. لا تزال ذاكرتها مفقودةً تمامًا. كانت تُحرز بعض التقدّم في تفاعلها العاطفي، لكن ذلك توقّف فجأة.

حين طرحت السؤال على أورستد، هزّ رأسه وقال:

لا تكاد تنطق بكلمةٍ الآن. حاولتُ أنا وأورستد التفكير في حلّ، لكنه لم يجد وسيلةً أيضًا. وإن كان هو نفسه يجهل السبب، فقد يعني ذلك أنّه لا علاج معروف لها.

عزيزي والدي بول،

مع ذلك، أخبرني أنّه، في جميع الدورات الزمنيّة التي مرّ بها، لم يسبق له أن رأى زينيث تُصاب بعجزٍ كهذا. لذا ربما يوجد حلٌّ ما لا يعرفه بعد — أداةٌ سحريةٌ قادرةٌ على شفائها مثلًا.

ربما لأنّ شعره يشبه شعر سيلفي الأبيض، فظنّت أنه من العائلة. علّمتها اسمه فقالت : «أورستي؟ أورستي!» بنطقٍ بديعٍ تمامًا.

لا أرغب في الاستسلام، وسأستمرّ في البحث عن علاجٍ لها، لكن يبدو أنّ عليّ الاستعداد لمواصلة هذا الطريق الطويل.

عزيزي والدي بول،

تذكّر يا أبي كيف وبّختني حين كنّا في البلاد المقدّسة ميلس؟ كنت غاضبًا لأنّي انشغلتُ بامرأةٍ أخرى وتركتُ أمّي وشأنها. لا أقصد أن أفعل ذلك الآن، وأرجو أن تسامحني إن بدا أنّي لا أولي تعافيها الأولويّة القصوى.

يبدو أنّ سيلفي بدأت تُعلّمها لغة البشر والسحر أيضًا. تخيّل، طفلة في الثالثة تتلقى تعليمًا خاصًّا كأنها من النوابغ. يبدو أن سيلفي تنوي أن تكون «أمًّا معلّمة». ولو وضعت نظّارة مثلثة الشكل، لكانت دروسنا الليلية الخاصة ستزداد حرارة أيضًا…

سأستمرّ في بذل كلّ ما أستطيع.

كانت إيريس قد استنزفتني أصلًا إلى آخر قطرةٍ فيّ؛ لو أكثرنا لذبلتُ مثل برقوقٍ مجفّف. ومع ذلك، فواجب الزوج أن يهدّئ من قلق زوجته، لذلك بذلتُ ما بوسعي. بدأت أستخدم «طريقة التقويم» (أو كما تُعرف في اليابان بطريقة أوغينو)، أراقب دورتها الشهرية، وأنتبه لما آكل، وأخفّف من تدريبي. جرّبت كلّ ما يمكن.

بكلّ الاحترام،

أي أنها كانت مزيجًا منّا نحن الاثنين، كما ينبغي لأي ابنةٍ أن تكون.

ابنك.

كانت شاحبة الوجه، يائسة من الخوف، تكرّر تلك الكلمات بلا توقف. تساءلت في نفسي إن كانت زينيث — أمي — شعرت بالخوف ذاته حين أنجبتني. في تلك اللحظة لم أفكر إلا بشيء واحد: «روكسي تقلق أكثر من اللازم».

«لا يجوز أن تشدي شعر الناس.»

 بـصوتِ ارتطامٍ خافت، أغلقتُ مذكّراتي. لقد كتبتها على هيئة رسالةٍ — رسالةٍ لن أرسلها إلى أحدٍ أبدًا. كانت هناك أيّامٌ أشعر فيها أنّ الكتابة على هذا النحو تُقوّي عزيمتي، وتلك العزيمة تمنحني ما يكفي من الدافع لأمضي قُدمًا.

يبدو أنّ سيلفي بدأت تُعلّمها لغة البشر والسحر أيضًا. تخيّل، طفلة في الثالثة تتلقى تعليمًا خاصًّا كأنها من النوابغ. يبدو أن سيلفي تنوي أن تكون «أمًّا معلّمة». ولو وضعت نظّارة مثلثة الشكل، لكانت دروسنا الليلية الخاصة ستزداد حرارة أيضًا…

«حسنًا، وقت المضي.»

ترجمة نيرو

وبحماسٍ لاستقبال يومٍ جديد، وقفتُ متجهًا نحو الدائرة السحريّة. وهكذا بدأ يومٌ آخر من أيّامي في العمل.

يمضي الزمن مسرعًا على نحوٍ مؤلم. لقد مرّ نصف عامٍ بالفعل منذ تلك الأحداث العاصفة في مملكة أسورا. بلغتُ العشرين من عمري الآن، ما يعني أنّ أختيّ الصغيرتين ستبلغان الرابعة عشرة قريبًا.

-+-

معظم ما أقوم به أنفّذه وحدي؛ أورستد منشغل بأعمالٍ أخرى لا يستطيع سواها.

ترجمة نيرو

وبينما أنا أراقب المشهد متجهّمًا، سمح أورستد للوسي بأن تجلس على كتفيه، وكانت تشدّ شعره بقوّةٍ أخافتني، فوبّختها قائلًا:

🔥 تحدي أغسطس 2026 ⏳ 29 يوم متبقي
39,400 شعلة الهدف: 66,666
59.1%
🔥 ادعم الموقع لضمان استمراريته وبدون ظهور إعلانات مزعجة للجميع!
×

شراء عملة الشعلة

🥇M. K🔥 10,000
🥈Muh Muh🔥 100
🥉Mohammad Aldosari🔥 100
4Ahmed Abdelghaffar🔥 100
5AZ .🔥 100
6A A🔥 100
7Ali Omar🔥 100
8Anass Alofiy🔥 100
9الشيطان الموقر صمت الرمال🔥 100
10Moon Pie🔥 100

يمضي الزمن مسرعًا على نحوٍ مؤلم. لقد مرّ نصف عامٍ بالفعل منذ تلك الأحداث العاصفة في مملكة أسورا. بلغتُ العشرين من عمري الآن، ما يعني أنّ أختيّ الصغيرتين ستبلغان الرابعة عشرة قريبًا.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط