تجاوز إلى المحتوى
ملوك الروايات — أفضل منصة لقراءة روايات الخيال الصينية، الكورية، اليابانية، الإنجليزية والعربية معلومات الاتصال

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الفصل223

الفصل السادس: تأسيس عمل تجاري

المشاهدات نشر في تاريخ أكتوبر 31, 2026
nero99
ترجمة ورفع الفصل nero99
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

الفصل السادس: تأسيس عمل تجاري

استحال عليّ إبقاء لينيا في المنزل أكثر من ذلك. فقد تدهورت الأجواء العامة بوجودها، وإن واصلت إغوائي جنسياً على هذا النحو، فستأتي لحظة أعجز فيها عن مقاومتها.

ستنهار عائلتنا حتماً إن لم أحرك ساكناً. فلو فقدتُ السيطرة على نفسي وخنتُ زوجاتي، قد تأخذ سيلفي ابنتنا لوسي وترحل؛ ومن يدري، فلعل المستقبل المظلم المدون في تلك المذكرات يتحقق رغم كل ما بذلته من جهود لتغييره. يتعين عليّ وأد هذه الفتنة قبل أن تبلغ ذلك المنحدر.

ولهذا السبب قررتُ إيجاد وظيفة أخرى للينيا. راودتني فكرة إسقاط دينها وطردها من المنزل، لكن حتى وإن جمعتنا الصداقة، تظل هناك حدود لا يمكن تجاوزها؛ فالمبلغ الذي دفعته لشرائها باهظ بكل المقاييس، ويتوجب عليها رده، ولن أجني شيئاً من التنازل عنه.

ولكن أي وظيفة قد تلائم لينيا؟ بصراحة، عجزتُ عن تصور ذلك. صحيح أنها تجيد القتال واستخدام السحر، غير أنه لم يخطر ببالي أي عمل يدر عليها ما يكفي لسداد ديونها.

عصرتُ ذهني بحثاً عن أفكار؛ ففكرتُ في تخصيص راتب لها لمساعدة كليف وزانوبا في أبحاثهما، لا سيما وأنها تخرجت بدرجات محترمة وقد تنفعهما في شيء. لكنني سرعان ما أدركتُ أن العمل البحثي لا يناسب طباعها؛ فلن تطيق الالتزام بعمل مكتبي رتيب. وعلاوة على ذلك، ورغم ضآلة احتمال وقوع أي أمر مخل، لا يصح فرض فتاة فاتنة مثلها على كليف بينما رُزق بطفل للتو.

فكرتُ أيضاً في تكليفها بالإشراف على مبيعات مجسمات رويجيرد، لكنني نبذتُ الفكرة سريعاً؛ فقد غرقت في الديون فور تجربتها العمل بالتجارة، وطالما أثبتت فشلها الذريع في هذا المجال، فلستُ متسرعاً للاعتماد عليها.

وبرز خيار إرسالها إلى الجامعة لتعمل خادمة شخصية لنورن، غير أنني استبعدته على الفور؛ فلن تسر نورن بهذا الترتيب، وسيؤدي ذلك على الأرجح إلى تكرار المأساة الدائرة في المنزل.

بقي خيار دفعها للعمل كمغامرة لكسب بعض المال؛ إلا أن معظم مهام المغامرين لا تدر ربحاً كبيراً وإن وجد بعضها بمكافآت مجزية. كما أن لينيا لا تملك رخصة مغامر من الأساس، وسيستغرقها الأمر دهراً قبل أن تبدأ بجني أموال محترمة، ناهيك عن احتمال هلاكها أثناء العمل قبل تحقيق ذلك.

لم يوفر أي خيار من الخيارات التي قلبتها في رأسي وسيلةً لسداد الألف وخمسمئة عملة ذهبية أسورية التي تدين بها خلال فترة معقولة. ومع ذلك، ما يزال الوقت مبكراً للاستسلام لمجرد عجز ذهني عن إيجاد حل؛ فلعلها أصلح لأحد تلك الخيارات مما أظن. ومن هذا المنطلق، قررتُ اصطحابها معي إلى الجامعة.

ارتدت لينيا زي الخادمة بينما نتجول في أرجاء الحرم الجامعي، وسارت أمامي بتعالٍ وغطرسة مهددةً الطلاب الآخرين لإفساح الطريق:

«ابتعدوا، ابتعدوا! الزعيم يمر من هنا، مياو! أفسحوا له الطريق إن كنتم لا تريدون أن تُداسوا بالأقدام!»

صعُب على المرء رؤيتها بأي صفة غير بلطجية شوارع عادية.

«يو، لم نركِ منذ زمن طويل!»

«أهلاً!»

هممتُ بكبح تصرفاتها الصبيانية، غير أن الطلاب من شعب الوحوش الذين مررنا بهم حيّونا بسعادة بالغة، فآثرتُ مراقبة الوضع لبعض الوقت. لم يمضِ سوى عامين على تخرج لينيا، لذا ما يزال كثير من الطلاب هنا يعرفونها، بل لعل بعض المشرفين على التخرج خدموا تحت إمرتها حين بسطت سيطرتها على الجامعة في الماضي. وربما يكمن الجواب حول الوظيفة الأنسب لها وسط هذه الفوضى.

«الزعيمة لينيا! لم نركِ منذ مدة!»

بينما أستغرق في التفكير، تقدم نحونا أحد الفتية. من هذا بحق السماء؟ شعرتُ أن أحدهم عرفني به من قبل، إبان سنتي الدراسية الثانية تقريباً؛ لم يحضرني اسمه، لكنني تذكرتُ أنه كان الزعيم الأقوى في فصله.

«أوه أهلاً، هذا أنت! ألا تزال روحك القتالية مشتعلة، مياو؟»

«بكل تأكيد!»

«ممتاز! واصل على هذا المنوال، مياو.»

«أمركِ!»

تصرفت لينيا وكأنها سيدة المكان بلا منازع، رغم ارتدائها زي خادمة وغرقها في الديون حتى أذنيها.

«على أي حال يا زعيمة لينيا، أمتأكدة أن أموركِ كلها على ما يرام؟»

أمالت لينيا رأسها: «مياو؟ ماذا تقصد؟»

«أقصد وضعكِ الحالي؛ فقد تناهى الخبر إلى مسامعي كما تعلمين. يقولون إن الشقيق الأكبر لرئيسة مجلس الطلبة يحتفظ بكِ كعبدة، أصحيح هذا؟»

قالت لينيا بفخر: «أظن ذلك. ارتكبتُ حماقة كبرى وأوقعتُ نفسي في هذه الورطة، مياو. ومع ذلك، فحلم كل فرد من شعب الوحوش هو الخدمة تحت لواء من يفوقه قوة، لذا فالأمر ليس سيئاً إلى هذا الحد، مياو.»

أطلق الطالب تنهيدة، وبعد صمت طويل قال: «بصراحة، أشعر بخيبة أمل نوعاً ما.»

«ولماذا، مياو؟»

«قبل تخرجكِ، كنتِ تتمتعين برباطة جأش وشجاعة — وكأنكِ عاقدة العزم على استرداد مكانتكِ في الجامعة من روديوس وأرييل. أما الآن، فغدوتِ أشبه… بحيوان منزلي أليف وضعيف.»

التزمت لينيا الصمت إثر كلامه؛ فظننتُ أنها ستكشر عن أنيابها وتنفجر غضباً في وجهه، غير أنها… اكتفت بضحكة خافتة:

«أجل، أظن أنني هويتُ إلى القاع فعلاً. لكن انتظر وسترى، مياو؛ سأشق طريقي بمخالبي صعوداً من جديد، مياو!»

«تشقين طريقكِ صعوداً؟»

«بالضبط، مياو. إن أردتَ تسلق القمة من جديد، فعليك أن تلامس القاع أولاً، مياو.»

أشرقت عينا الطالب إعجاباً بمغزى كلماتها، وارتسمت ابتسامة عريضة على وجهه: «الزعيمة لينيا، علمتُ أن جذوتكِ لم تنطفئ! يبدو أنني لم أكن ذكياً بما يكفي لإدراك خطتكِ العميقة!»

نقرت لينيا جبينها بإصبعها وقالت بزهو: «حسناً، عقلي مبني بطريقة تتفوق على عقول البقية بمراحل، مياو.»

وفي لمح البصر، أخذ الطالب يرمقها بنظرات التبجيل ويمطرها بعبارات الثناء، قبل أن ينصرف أخيراً عائداً إلى فصله. حسناً، من الرائع أنهما على وفاق.

التزمتُ الصمت بينما نشق طريقنا نحو مبنى الأبحاث. وطوال الطريق، لم يتوقف الطلاب عن إلقاء التحية وإبداء الاحترام للينيا، ولم ينقطع ذلك إلا حين دلفنا إلى داخل المبنى الخالي من المارة. وبينما نسير عبر الأروقة الهادئة، التفتت لينيا نحوي من فوق كتفها:

«أيها الزعيم، للمعلومية فقط، لم يكن كلامي ذاك سوى تظاهر بالقوة، مياو.»

«أتقصدين حديثكِ مع ذلك الطالب المستجد؟»

فركت لينيا كفيها واقتربت مني متوددة: «أقصد جزئية شق طريقي نحو القمة؛ فكان لا بد لي من حفظ ماء وجهي أمام الطلاب الصغار، لكن لا نية لدي مطلقاً للتمرد عليك أيها الزعيم. أنت تفهمني، مياو، أليس كذلك؟»

«أجل.»

بحكم معرفتي بطباعها، فالأرجح أنها عنت كل كلمة قالتها لذلك الطالب؛ ولا سيما مع النبرة المريبة في جملتها الأخيرة، ما جعلني أشك في أنها تحاول تهدئة شكوكي فحسب بينما تضمر ما أعلنته أمام الفتى.

قلتُ لها: «لا عيب في الطموح، لكنني أنصحكِ بعدم البصق في وجوه من يتوجب عليكِ شكرهم والامتنان لهم.»

«بالطبع، مياو! وإن ظننتَ أنني أكذب، فلندخل إحدى هذه القاعات الفارغة وسأثبت لك ولائي عملياً، مياو. كل ما أطلبه هو أن تترفق بي… ميهيهي!»

هاهاها… أجل، مستحيل.

تساءلتُ إن كان حديثها عن الصعود للقمة لا يقصد التفوق عليّ بقدر ما يرمي إلى احتلال المرتبة الأولى لديّ شخصياً؟ فتبدأ بالتحول إلى شريكة لفراشي، ثم تستحوذ على مودتي لتغدو زوجتي المفضلة، وتطيح بذلك بالثلاثي الحاكم: سيلفي، وروكسي، وإيريس! يا لها من قطة ماكرة! بل لعلها قاتلة مأجورة أرسلها الهيتوغامي لتفكيك عائلتي.

خاطبتها بصوت خافت: «اسمعي، خلال السنوات القليلة الماضية، هل ظهر لكِ في المنام رجل يدعي الألوهية؟»

«ما سر هذا السؤال المفاجئ، مياو؟ أتقصد حلماً نبوئياً أو ما شابه؟ لا أذكر رؤية شيء كهذا قط، مياو.»

قلتُ بنبرة مهددة: «محاولة التكتم على الأمر لن تفيدكِ بشيء.» ففي محكمة إله التنين، يُحكم على المشتبه بهم بالمقصلة فوراً؛ وإن لم أكن بتلك الدموية بالطبع.

«ا-الحلم الذي راودني ليلة أمس كان عن أسراب من الأسماك تتساقط من السماء، مياو. أما الحلم الذي سبقه… إمم، لا يسعني تذكره.»

يا لحسن حظ من يراوده مثل هذه الأحلام السعيدة؛ لا شك أنها ستحصد نقطة مقابل كل سمكة تلتقطها، وما إن تجمع مئة سمكة حتى تُكافأ بحياة إضافية، وإن لم تحذر فقد يسقط فوق رأسها ثقل حديدي أو ما شابه.

وبغض النظر عن ذلك، لا يبدو أنها إحدى رسل الهيتوغامي… على حد علمي على الأقل؛ فليس من طبعه تجنيد شخصية جامحة وغير متوقعة مثل لينيا.

قلتُ: «حسناً، نكتفي بهذا القدر إذن. لكن إن راودكِ أي حلم من هذا القبيل، فمن الأفضل إبلاغي به على الفور.»

«حاضر يا سيدي، مياو.»

أطلقتُ تنهيدة، ومضيتُ نحو وجهتنا الأولى: غرفة أبحاث زانوبا.

«آه، معلمي — أوغ!»

تغيرت سحنة زانوبا فور لمحه لينيا برفقتي، وقال بفتور: «لقد… مر وقت طويل.»

«يو، زانوبا! مضت مدة طويلة فعلاً، مياو.»

تصبب العرق البارد على جبين زانوبا وهو يجول ببصره في أرجاء غرفته: «اعذرني، ولكن أمهلني لحظة لترتيب المكان قليلاً.» وشرع على عجل في جمع كل دمية أو مجسم معروض وإيداعه داخل الصناديق لحمايته، دون أن يفرق بين القطع القابلة للكسر وغيرها؛ فلم يترك مجسماً واحداً بالخارج. كانت جولي في منتصف تلوين مجسم لرويجيرد، فتوقفت عن عملها لتقلد سيدها، وأخذت تخلي مكتبها وتنظفه.

أشار زانوبا إلى طاولة بعيدة قليلاً عن ركن العمل وقال: «همم، هذا يفي بالغرض. حسناً، لنتحدث هناك.»

تركت جولي مكتبها وأقبلت نحونا بخطواتها الصغيرة، غير أن زانوبا رفع يده مستوقفاً إياها: «جولي، واصلي عملكِ أنتِ.»

«أمرك يا سيدي.»

جلستُ مع لينيا وزانوبا حول الطاولة، وبدا التوتر واضحاً على زانوبا فالتفت شطر جينجر الواقفة في زاوية الغرفة: «جينجر!»

«أمرك يا صاحب السمو!»

لم يصدر أي أمر صريح، لكنها تحركت لتقف سداً فاصلاً بين الطاولة ومنطقة العمل، وكأنها تحرس المجسمات بجسدها.

حول زانوبا نظره نحوي وقال: «والآن يا معلمي، ما العمل الذي أتى بك إلى هنا اليوم؟»

وحتى أثناء سؤاله، واصل اختلاس النظرات الحذرة نحو لينيا دون أن يتراخى دفاعه لحظة واحدة. لم ينطق بشيء، غير أن استياءه من دخول لينيا إلى غرفة أبحاثه بدا جلياً، فشعرتُ بالحرج لفرضها عليه.

قلتُ: «لا شيء مهم في الحقيقة.»

«همم.»

قياساً على موقفه العدائي تجاهها، يستحيل أن أطلب منه إشراكها في أبحاثه. فكما توقعت — بل وأسوأ مما توقعت — يتنافر الاثنان بشدة؛ إذ ترك تنمر لينيا عليه وتحطيمها لمجسمه في الماضي جرحاً غائراً لا يندمل. يتشابه الوضع تماماً مع ما جرى لآيشا — باستثناء جزئية التنمر — حين مثل كسر لينيا لفنجان الشاي العزيز عليها القشة التي قصمت ظهر البعير. يتظاهر زانوبا بالهدوء حالياً، لكن لو طلبتُ منه السماح للينيا بمساعدته، فسيتحطم قناع هدوئه ذاك لا محالة.

سأل زانوبا: «بالمناسبة يا معلمي، لماذا ترافقك لينيا اليوم؟ سمعتُ أنك أبقيتها خادمة في منزلك، ولكن…»

هززتُ كتفيّ: «إنها قصة طويلة في الواقع؛ أحاول العثور على وظيفة تناسبها.»

«أوه… فهمت…» زاغت عيناه يميناً ويساراً؛ فلعله يملك فكرة عن عمل يناسبها، لكنه يخشى في الوقت ذاته أن يبتلى بوجودها معه.

لا تقلق، أعدك بأنني سأعود بها معي. وهذا درس بليغ يثبت كيف تعود خطايا الماضي لتطارد صاحبها لاحقاً.

قلتُ منهياً الموضوع: «حسناً، نكتفي بهذا القدر حول هذا الشأن، ولنناقش أبحاثك الآن.»

«أوه، نعم، فكرة سديدة!»

بعدما أوصلتُ إليه بطريقة غير مباشرة أنني لن أفرضها عليه، استعاد زانوبا بشاشته المعتادة وشرع في مناقشة تطورات الدرع السحري معي.

تناولنا الغداء في قاعة الطعام؛ وبينما أستمتع بوجبتي بهدوء في إحدى الزوايا بمفردي، جلست لينيا على مسافة قريبة وقد تحلق حولها جمع من الطلاب.

«مياوهاها! وعندها قلتُ لها، مياو: “بورسينا، ألم تصبحي بدينة بعض الشيء؟”»

«هذا دأبكِ دائماً يا زعيمة لينيا!»

«يتطلب الأمر جرأة حقيقية لمخاطبة الآنسة بورسينا بمثل هذا الكلام!»

لم أنتبه لذلك أيام وجود أرييل في الجامعة، لكن لينيا تتمتع بكاريزما خاصة من النوع الذي ينفرد به زعماء الجانحين؛ إذ انتمى كل المتجمهرين حولها إلى الفئة المشاغبة. وخطر ببالي إمكانية استغلال هذه الموهبة لإنجاز عمل ما، ولكن ما هو؟ وظيفة تقوم على جمع الناس وتوجيههم… هممم.

حسناً، سأمر بغرفة كليف في الوقت الراهن.

وباختصار، لم تفلح المحاولة هناك أيضاً؛ فرغم وجود بعض المهام التي يحتاج فيها كليف إلى مساعدة، إلا أنه — شأنه شأن زانوبا — لا يستلطف لينيا كثيراً، ولم يبدُ متحمساً لفكرة عملها معه. وبصراحة، لم يمثل ذلك خسارة كبرى؛ فالعمل لديه لن يدر عليها ما يكفي لسداد قروضها سريعاً على أي حال، إذ لا يملك ثروة طائلة تحت تصرفه.

وبعد استبعاد هذا الخيار أيضاً، ما العمل الآن؟

اقترح كليف حين استشرته: «ألا يمكنك إشراكها في عملك الخاص؟»

عملي أنا؟ أتقصد مساعدتي في جعل أورستد محرك الدمى الخفي في هذا العالم بدلاً من الهيتوغامي؟ أجل، تعترض هذا الاقتراح عقبة صغيرة واحدة.

قلتُ: «كان بإمكاني فعل ذلك لو لم يعانِ السيد أورستد من تلك اللعنة المزعجة.»

«لا تتفعل اللعنة إلا عند التلامس المباشر مع المانا الخاصة به، لذا سيسير الأمر على ما يرام طالما حرصتَ على عدم التقائهما.»

أوه نعم، هذا صحيح. حسناً إذن، ربما… كلا، مستحيل تماماً.

جادلته قائلاً: «لو عملنا كلانا من المكتب ذاته، فستصادفه وجهاً لوجه في نهاية المطاف لا محالة.»

أومأ كليف برأسه: «نقطة وجيهة الآن وقد ذكرتها. علاوة على ذلك، نخشى أن تتأثر بلعنته بمجرد استنشاق رائحته بحكم انتمائها لشعب الوحوش.»

أتنتقل اللعنة إليها عبر الرائحة؟ هذه أول مرة أسمع فيها بهذه الفرضية؛ كم هذا مثير للاهتمام! «أترمي إلى أن شعب الوحوش يستطيعون شم رائحة المانا؟»

«أجل. لا أملك دليلاً قاطعاً حتى الآن، لكنني أراه احتمالاً وارداً بقوة. وبما أن لينيا ترافقك، فليست فكرة سيئة أن نختبر الأمر عليها لنرى النتيجة، ما رأيك؟»

لعل الرائحة تمثل مصدراً آخر للعنة أورستد، ما يحتم علينا إيجاد حل لرائحته أيضاً. فإن صحت فرضية كليف، يسعنا استخدام مزيل للروائح لكبح لعنته بالكامل؛ أي اختبار قدرة العطور وما شابهها على التغطية على رائحته الطبيعية. رشة من عطر الزهور كفيلة بتحييد رائحته ولعنته معاً، فيفوح منه عبير زكي ولطيف بينما يضع تلك الخوذة الضخمة فوق رأسه… مم، أجل، يرسم ذلك مشهداً غريباً ومربكاً للغاية في المخيلة.

قلتُ: «في هذه الحالة، سأجري بعض الأبحاث حول هذه النقطة.»

«حسناً. وعلى هذا الصعيد، الأفضل الاستعانة بشخص من قبيلة “أدولديا”؛ فقد سمعتُ أن حاسة الشم لديهم هي الأدق على الإطلاق.»

إذن نحتاج إلى كلب لهذه المهمة بدلاً من قطة، همم؟ تساءلتُ كيف حال بورسينا الآن، وهل نجحت في تولي زعامة قريتها؟

مسدتُ ذقني مفكراً: «إن كنا نبحث عن حاسة شم حادة، همم… لعل من الجيد اختبار هذه الفرضية على شتى الأعراق، وليس شعب الوحوش فحسب.» إذ يُقال إن الكائنات غير البشرية تدرك طيفاً مختلفاً من الألوان؛ ورغم تشابه معظم الأعراق البشرية في هذا العالم، توجد عيون شيطانية قادرة على إبصار المانا مباشرة. فلو درسنا الفوارق الحسية بين الأعراق المختلفة، قد نتمكن من تحديد المسبب الرئيسي للعنة وصولاً إلى الجسيم الدقيق المسؤول عنها.

«كلامك وجيه، لكن حتى داخل شعب الوحوش والشياطين تتفرع سلالات وأعراق فرعية كثيرة، وسيكون جمعها كلها مهمة شاقة.»

وافقته الرأي: «صحيح تماماً.»

يتسم سكان مدينة شيريا بتنوع عرقي كبير، ويعود الفضل في ذلك جزئياً إلى قبول جامعة السحر للطلاب من كافة الأعراق دون تمييز؛ وإن لم يعنِ ذلك إمكانية العثور على ممثل لكل عرق هنا، فالناس يفدون ويرحلون بسرعة. وسيتعين علينا جمع أفراد من أندر السلالات الفرعية، وإخضاعهم للتجربة واحداً تلو الآخر، ثم تحليل تلك البيانات للوصول إلى القاسم المشترك؛ وهي عملية شاقة تبعث على الدوار، لكن هذه هي طبيعة البحث العلمي في نهاية المطاف: اختبار متغير تلو الآخر لتضييق دائرة الاحتمالات.

قلتُ: «على أية حال، لا يسعنا إحراز أي تقدم قبل جمع الخاضعين للتجارب.»

أومأ كليف برأسه: «نعم، غير أنني لا أستطيع مغادرة مكاني، ولا أجيد استقطاب الناس على أي حال.»

وهو محق في ذلك؛ فكليف يفتقر حتماً إلى مهارات التواصل الاجتماعي، ولستُ أنا بأفضل حالاً منه لأنتقده.

«نحتاج إلى شخص يتمتع بشعبية جارفة، يستطيع جذب الناس إليه دون عناء…»

وبطبيعة الحال، اتجهت أنظارنا تلقائياً نحو لينيا. صحيح أنها اعتادت اجتذاب الشخصيات المشبوهة، لكنها تملك قدرة فطرية على حشد الناس حولها؛ وكلما زاد عدد من تستقطبهم، تزايد الإقبال التلقائي على الانضمام إلينا. فبدلاً من الانتقاء المحدود لما نحتاجه فقط، يسعنا توسيع حجم العينة منذ البداية لتقليل احتمال تفويت أي فصيلة نادرة.

بالطبع، ستجلب كثرة الأعداد مزيداً من المتاعب؛ فلا يخلو أي تجمع من العناصر الفاسدة، وقد يتشجع أناس مسالمون بطبعهم على ارتكاب أفعال شنيعة حين يندمجون وسط حشد غفير، فالجماعة التي تفتقر إلى قائد يضبطها لا تختلف عن عصابة من الرعاع.

وفي الماضي، نجحت لينيا في ترويض بقية الجانحين في الجامعة وإخضاعهم تحت سطوتها؛ وهو ما يثبت امتلاكها لمقومات القيادة في نظري.

صاحت لينيا بفزع: «م-ما الذي يدور هنا، مياو؟ أ-أتخططان للتآمر عليّ، مياو؟!» كانت تتمدد بكسل في زاوية الغرفة وتتثاءب، لكن ما إن استشعرت نظراتنا المصوبة نحوها حتى انتفضت واقفة.

ولكن كيف سنشرع في تنفيذ هذا المشروع؟ لا شك في قدرة لينيا على جذب الناس بسهولة، غير أن استقطابهم سيغدو أكثر فعالية لو لوحنا لهم بطُعم مغرٍ؛ وما الذي يجمع الناس عادةً؟ المال، فحيثما وجدت الأرباح، تقاطر الناس.

ماذا لو نظمنا فعالية بجوائز مالية؟ لا جدوى من ذلك، لأن التجمع سيكون مؤقتاً وينفض بانتهائها. إذن، هل نؤسس عملاً تجارياً؟ سيتطلب ذلك رأس مال للبدء؛ ويسعني تمويله من مالي الخاص، فرغم أن ذلك يبدو مناقضاً لهدف تحصيل ديوني منها، إلا أن اعتباره استثماراً يجعله خياراً مقبولاً.

آه! وجدتها! لمعت الفكرة في ذهني؛ يمكننا الاستعانة بالأفراد الذين نستقطبهم للمساعدة في مهام أورستد — أو مهامي أنا بالأحرى.

وعند التعمق في الفكرة، أرهقني القيام بكل شيء بمفردي طوال الفترة الماضية، وتأسيس منظمة تقدم لي الدعم يبدو مشروعاً واعداً للغاية. ولا يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل يسعهم تولي المهام البسيطة بالنيابة عني؛ فنتمكن من إنقاذ ثلاثة أو أربعة أشخاص في آن واحد بدلاً من شخص واحد، ما يمهد المستقبل أمام أورستد بصورة أيسر بكثير. صحيح أن الهيتوغامي قد يحاول التدخل عبر التلاعب بأحد أعضائنا، لذا لن نأتمنهم على أي مهمة بالغة الحساسية، لكن بما أنني أعمل تحت رعاية أورستد المباشرة، فلن يسهل على الهيتوغامي اختراق منظمة أديرها من خلف الستار.

ولكن ماذا عن الفترات التي لا تتوفر فيها مهام من أورستد؟ سيشكل إطعام كل هذه الأفواه الإضافية عبئاً مالياً ثقيلاً، وسأضطر إلى البحث عن أعمال وتوزيعها عليهم واحدة تلو الأخرى. فكيف أدير ذلك؟ هل أؤجرهم كعمال مؤقتين لجهات أخرى حين لا نحتاجهم؟ لا، فأورستد يملك أموالاً طائلة، ولعل الأفضل إدارة المنظمة كشركة تجارية عامة؛ فنستثمر في أصحاب المواهب ونكلفهم بشتى الأعمال المتفرقة.

تساءلتُ إن كانت لينيا قادرة على إدارة مشروع بهذا الحجم؛ وأجابني حدسي فوراً: «أستبعد ذلك». لا بد من تعيين شخص كفء لمعاونتها، شخص بارع في الحسابات والأرقام؛ وقد حضرني الشخص المثالي لهذه المهمة… بل ولدي موضوع آخر أود مفاتحته فيه بالمرة. هذا مثالي تماماً.

ناديتها: «لينيا.»

«م-ما الأمر، مياو؟»

«ابتداءً من اليوم، ستتولين مهمة تجنيد الأفراد وتوظيفهم لصالحنا.»

أمالت لينيا رأسها: «تجنيدهم من أجل ماذا، مياو؟»

«سؤال وجيه. سنجمع أصحاب التوجهات المتقاربة لإنجاز شتى الأعمال المتفرقة؛ من مبيعات تجارية، ومهام مرتزقة، وكل ما يخطر ببالكِ.»

«و-وكيف سنمول هذا المشروع، مياو؟»

أشرتُ بإبهامي إلى صدري: «سأوفر أنا التمويل الأولي، ونقتطع نسبة بسيطة كعمولة من أرباح كل من ينجز مهمة بنجاح، ليعود جزء من تلك العمولات إليّ لسداد تكاليف التأسيس.»

وإن لم تكفِ العائدات لتغطية النفقات، فبإمكاني شرح الوضع لأورستد وطلب دعمه المالي دائماً، بل وقد نلجأ إلى أرييل لتمويلنا بحسب تطورات العمل.

رمشت لينيا بعينيها دون استيعاب: «إيه؟ حـ-حسناً إذن، مياو. وأين سنجمع هؤلاء الناس؟»

«أخطط للبدء بتجهيز مقر لنا الآن.»

«الآن؟ أمتأكد أن الأمور ستنتهي على خير بدخولنا في هذا المشروع هكذا دون خطة مسبقة، مياو؟» علت وجه لينيا ملامح حائرة لا تعارض الفكرة كلياً، لكنها غير مطمئنة إليها أيضاً.

لا تسيئوا الظن، فلم أتوقع أن تمضي الأمور بسلاسة مطلقة منذ البداية؛ يسعنا البدء بتوظيف قرابة عشرة أفراد، جلهم من شعب الوحوش على الأرجح، وإن أحسنا توظيف مهاراتهم، فسنجني أرباحاً معقولة، ولعلنا نعثر بينهم على شخص يملك موهبة تجارية لتولي بيع مجسمات رويجيرد في خضم ذلك.

أكدتُ لها: «لا سبيل لمعرفة نجاح المشروع من فشله ما لم نخض التجربة.»

قطبت لينيا جبينها بقلق: «شخصياً، لا أرغب إطلاقاً في مراكمة مزيد من الديون فوق الدين الخيالي الذي يثقل كاهلي بالفعل، مياو…»

لا عجب في أن فشلها التجاري الأول ما يزال يلقي بظلاله عليها، لكنها لا تستطيع الاستمرار في كسب الفتات وقضاء بقية عمرها عبدةً لدي؛ فلو بقي الوضع على حاله، فستتفكك عائلتي حتماً، وسأضطر حينها إلى اللجوء لسحر القفز عبر الزمن لإصلاح الكارثة.

حذرتها قائلاً: «الأجدر بكِ أن تبذلي أقصى جهدكِ لضمان عدم حدوث ذلك.»

«أوغ…» لم تبدُ لينيا مقتنعة تماماً، غير أنها أومأت برأسها موافقةً في نهاية المطاف.

***

عرجنا على مكتب عقارات في طريق عودتنا إلى المنزل، واشترينا مبنى صغيراً لنتخذه مكتباً لنا. اتسم المبنى بضيق مساحته وسوء موقعه، لكن كل ما نحتاجه في الوقت الراهن هو سقف يأوينا ليكون مقراً رئيسياً لنا. جاء السعر معقولاً كما توقعت، ونويتُ قيده ضمن نفقات العمل، بينما كلفتُ آيشا بتنظيف المكان حالياً.

قلتُ: «سيكون هذا المبنى قاعدة عملياتنا في الوقت الحالي.»

«عُلم، مياو.»

تمنيتُ العثور على موظفين أكفاء لشركتنا الجديدة قريباً؛ فنحن بحاجة إلى من ينظم السجلات ويشرف على المعاملات الورقية. وللأسف، يظل احتمال تسريحهم قائماً لو أصابتهم لعنة أورستد بالذعر، ما يضطرنا إلى توظيف أشخاص يسهل الاستغناء عنهم عند الضرورة.

«هذه هي ميزانيتنا الحالية.» سلمتُ لينيا ما يعادل عشر عملات ذهبية أسورية، وهو مبلغ يفيض عن الحاجة لتأسيس عمل تجاري في مملكة رانوا.

«و-واو… أ-ستعطيني كل هذا المبلغ حقاً، مياو؟» التمعت عينا لينيا بريقاً وهي تحدق في النقود.

بدا الأمر أشبه بنثر الدرر أمام الخنازير، أو إلقاء العملات الذهبية أمام قطة في حالتنا هذه؛ فرغم قيمتها العالية، يغدو منحها لكائن يجهل قدرها عبثاً لا طائل منه. ولعل العبرة هنا أن محاولة تعليم كائن مندفع قيمة المال لن تقوده إلا إلى تبديده بتهور، ما يجعل الامتناع عن تسليمه النقود من الأساس هو الخيار الأسلم… أو هكذا فسرتُ الموقف على الأقل.

«هيه… هيهيهيهي. أيها الزعيم، اعتمد عليّ، مياو! بهذا المبلغ الضخم بين يديّ، أقسم أنني لن أخذلك أبداً، مياو! لن أفسد الأمور هذه المرة، مياو.»

عظيم؛ تحولت عينا لينيا إلى علامتي دولار حرفياً، وبدأ القلق يتسرب إلى نفسي أنا الآن. أكان تسليمها ثروة كهذه فكرة سيئة؟ يتعين عليّ الانطلاق في مهمة لأورستد قريباً، وبحلول موعد عودتي، قد تضاعف لينيا ديونها بطريقة ما فينتهي بها المطاف تركض داخل عجلة هامستر عملاقة في قبو منزلنا لتوليد الطاقة، أو تقرر إيريس تحويلها إلى حيوان أليف فعلياً وتطوق عنقها بطوق مزخرف أو شريط زينة.

غير أنني أملك خطة لمنع وقوع تلك الكارثة.

قالت آيشا: «أخي الأكبر، انتهيتُ من التنظيف.»

نعم، بالفعل؛ حان وقت تألق آيشا.

«آيشا، لدي طلب أرجوه منكِ.»

قطبت آيشا جبينها، وبعد صمت طويل رفعت بصرها نحوي وسألت: «ما هو؟» وأظهر تجهمها أنها ما تزال متضايقة من حديثنا ذلك اليوم.

«أريدكِ أن تراقبي لينيا بالنيابة عني؛ احرصي على ألا تبدد المال الذي أعطيتها إياه في أشياء غبية، وقدمي لها الدعم والمساندة في الوقت ذاته كي لا ترتكب أي حماقة كارثية.»

«… ولكن لدي أعمال منزلية عليّ إنجازها في البيت.»

أومأتُ برأسي: «ولهذا السبب لا يتوجب عليكِ التواجد هنا طوال الوقت؛ تكفي زيارة واحدة كل بضعة أيام للاطمئنان على سير العمل.»

اختلست آيشا بضع نظرات نحو لينيا: «أيتحتم عليّ فعل ذلك حقاً؟»

بعد ما جرى بينهما ذلك اليوم، لم تكن متحمسة لفكرة العمل معها مجدداً على الأرجح. أثار ترددها قلقي بشأن قدرة لينيا على استقطاب الناس، ولكن… مهلاً، حتى زهرة الرافليسيا ذات الرائحة الكريهة لا تجد صعوبة في جذب الحشرات إليها.

ورغم تردد آيشا في تلبية طلبي، كنتُ أملك سبباً وجيهاً لتكليفها بهذه المهمة تحديداً.

قلتُ: «لستِ مجبرة على ذلك إطلاقاً، لكنني أرى من الأفضل لكِ أن تفعلي.»

تذمرت آيشا: «ولماذا؟ لأنني من اقترح تشغيلها خادمة في المقام الأول؟ أم لأنك تظنني السبب في الأجواء الكئيبة المخيمة على المنزل؟»

جثوتُ على ركبتي لأقابل عينيها في مستواها؛ اعتادت النظر في عينيّ مباشرة، لكنها واصلت إشاحة وجهها عني اليوم. قلتُ لها: «ليس الأمر كذلك أبداً.»

زمت شفتيها بصمت.

«كل ما هنالك… أنكِ حين أدركتِ فشل لينيا الذريع في أعمال المنزل، حاولتِ التخلص منها فوراً، أليس كذلك؟»

«أجل، لأنها عديمة النفع تماماً، فرأيتُ من الأفضل التخلص منها قبل أن تتسبب في مزيد من الخسائر.»

وقفت لينيا على مقربة منا وقد بدا عليها التأثر والانزعاج من كلامنا، فتجاهلتها.

قلتُ: «ولكن لو نظرنا إلى الأمر من زاوية معاكسة، يمكن القول أيضاً إنكِ عجزتِ عن استخراج موهبة لينيا الحقيقية وتوظيفها في مكانها الصحيح.»

«… أجل، أنا من تولى تدريبها على العمل، لذا أظن أن كلامك صحيح.»

تابعتُ قائلاً: «وهذا يعني أنه كان فشلاً من جانبكِ أنتِ أيضاً.»

اتسعت عينا آيشا للحظة، ثم سرعان ما اكتست ملامحها بالاستياء، وكأن نظراتها تصرخ: «أنا لم أفشل في أي شيء!». لعلني لم أحسن انتقاء عباراتي بدقة كافية.

إحم، لنحاول صياغة الفكرة مجدداً…

«اسمعي يا آيشا، لا أرى من الصواب نبذ شخص ما والتخلي عنه فوراً لمجرد ارتكابه خطأً في مكان لا يناسبه.»

هزت آيشا كتفيها: «أجل، أعلم ذلك، وأرى هذه الخصلة فيك رائعة جداً أيضاً.»

«شكراً لكِ. ولهذا السبب، ورغم إدراكي أنني أفرض عليكِ قناعاتي الشخصية بهذا الكلام، لا أريدكِ أن تصبحي في المستقبل من النوع الذي يتخلى عن الناس بسهولة.»

آيشا فتاة قديرة؛ بل عبقرية بكل معنى الكلمة، ما يعني قدرتها على إتقان أي عمل تضعه في رأسها وإنجازه على أكمل وجه. وللأسف، هذا التفوق ذاته هو ما يصعّب عليها تفهم الأشخاص الذين لا يرتقون إلى مستوى كفاءتها.

أخبرتني مذكرات نسختي المستقبلية أن آيشا بقيت إلى جانبي حتى اللحظة الأخيرة، غير أن الحاضر تغير بالفعل، ولعلها تقرر يوماً ما مغادرة المنزل والبحث عن عمل في مكان آخر. لا أشك في قدرتها على النجاح أينما حلت، لكنني لا أريدها أن تغدو شخصية قاسية ومتعجرفة تقطع علاقتها بكل من يعجز عن مجاراتها في الكمال؛ فينتهي بها المطاف منبوذةً ووحيدة، أو الأسوأ من ذلك، قد يستفز غرورها شخصاً ذا سطوة فيعمد إلى كسر شوكتها وإذلالها.

أردتُ لآيشا أن تستوعب هذا الدرس قبل وقوع أي من ذلك؛ وإن كنتُ لا أعرف ماهية ذلك الدرس بالتحديد، إلا أنه شيء لن تتعلمه حتماً إلا عبر الاحتكاك بالآخرين والعمل معهم.

«ألا يسعني إقناعكِ بفتح صفحة جديدة مع لينيا والبدء معها من الصفر، كشريكتين متساويتين؟»

نقلت آيشا بصرها بيني وبين لينيا، ثم أغمضت عينيها؛ مرت ثانية، فتلتها ثانية أخرى دون أن تنبس ببنت شفة، مستغرقةً في تفكير عميق.

سألت آيشا أخيراً: «أتطلب مني هذا من أجل مصلحتي أنا؟»

«هذه هي نيتي فعلاً… وإن كنتُ أعتقد بصدق أيضاً أن وجودكِ لدعم لينيا سيجنبنا أسوأ العواقب المحتملة على الأقل.»

«حسناً، شكراً لك على صراحتك.» فتحت عينيها ورمقتني بقلق: «قل لي يا أخي الأكبر، لو رفضتُ طلبك… فهل ستكرهني؟»

هززتُ رأسي نفياً: «بالطبع لا. إن كنتِ لا ترغبين في ذلك حقاً، فلا بأس أبداً إن رفضتِ.»

مدت آيشا يديها نحوي بخجل؛ وما إن فتحتُ ذراعيّ لها حتى طوقتني وعانقتني بقوة.

قالت: «حسناً، طالما يعني لك الأمر كل هذا القدر، فسأبذل قصارى جهدي.»

«شكراً لكِ.»

ورغم ما قد يبدو في كلامي من تعالٍ ووصاية، لم أظن أنني مخطئ في تقديري؛ فسيعود هذا العمل بالنفع عليها، وستتعلم شيئاً جديداً بلا شك من خوض غمار هذا المشروع مع لينيا… وهذا في نظري أمر رائع، أو هكذا أود أن أؤمن على الأقل.

وبمعزل عن الموضوع تماماً، يا إلهي، لقد كبر حجم صدر آيشا كثيراً دون أن أنتبه؛ لا بد أنها بلغت مقاس الفئة D تقريباً! ظهرها ضئيل ونحيل للغاية، بينما صدرها ممتلئ وبارز؛ أظنها تجسد ما يطلقون عليه «الضئيلة المكتنزة»، ولو زاد حجمهما قليلاً لبلغا حجم صدر ليليا… وإن لم يكن للأمر أهمية بالطبع، فهي شقيقتي الصغرى في نهاية المطاف.

قالت آيشا: «شكراً لك.»

«كلا، أنا من يتوجب عليه شكركِ لإصغائكِ إليّ ومنحي فرصة الشرح.»

ابتسمت آيشا بمكر وهي تبتعد عني: «سأفعل أي شيء تطلبه مني.» على الأقل عادت ابتسامتها المعهودة إلى محياها، ثم التفتت نحو لينيا بابتسامة مشرقة ومدت يدها لمصافحتها: «حسناً، سمعتِ ما قيل؛ فلنبذل أقصى ما في وسعنا!»

«لكِ ذلك، مياو!»

تصافحت الفتاتان بحرارة. لم تسر الأمور على ما يرام حين عملتا معاً كرئيسة ومرؤوسة في المرة السابقة، لكنني آمل أن تطويا صفحة الماضي وتنجحا في العمل كشريكتين هذه المرة.

وقبل أن ننصرف، شرحتُ لآيشا الخطوط العريضة لخطتي وما أطمح أن يؤول إليه المشروع مستقبلاً، ثم اختتمنا اجتماعنا.

وفي غضون ذلك… لا يسعني سوى الدعاء بألا أعود من مهمتي القادمة لأجد كارثة مروعة بانتظاري.

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات

التعليقات

سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.

READER EDITION

إعدادات القراءة

خصّص مظهر القراءة على هذه الصفحة.

إعدادات سريعة

تختار السمة لون الخلفية والنص معًا. يمكنك تعديل كل لون بعدها.

90%

تحكّم بعرض النص داخل الصفحة؛ يُحفظ اختيارك للفصول التالية.

215%
النص والمظهر
1.0×
معاينة الخط

هذه معاينة قصيرة لشكل النص أثناء القراءة.

وهنا تظهر المسافة بين فقرتين.

اختر لون خلفية مريحًا للقراءة.

لا يتوفر غلاف لهذه الرواية.

رفع صورة خلفية مخصصة

تُحفظ الصورة في هذا المتصفح فقط.

100%

خفّض التباين لجعل النص أكثر راحة وأقل بروزاً.

عند إيقافه، يختار الموقع لون النص حسب السمة.

طريقة القراءة

انقر داخل نص الفصل للانتقال إلى أسفل بمقدار الشاشة المحدد.

يظهر زر البدء والإيقاف في شريط الفصل والشريط العائم.

40 px/ث
يتوقف التمرير عند استخدام لوحة المفاتيح أو اللمس.

اسحب أفقيًا داخل النص للانتقال إلى الفصل المجاور. يمكنك استخدام Shift مع سهم اليمين أو اليسار من لوحة المفاتيح.

عناصر صفحة الفصل
محاذاة النص
شريط التقدم

يخفي شريط الموقع الثابت الذي يظهر عند التمرير أثناء قراءة الفصول.

يحفظ اختيارك في هذا المتصفح ويخفي زري الإعدادات والانتقال إلى أعلى الصفحة.

خيارات متقدمة وحفظ الإعدادات
وضع التصفية

لتغيير كلمة إله إلى شيء آخر

تبقى الإعدادات على هذا المتصفح. لا يتضمن التصدير صورة الخلفية المخصصة.

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.
READER EDITION

تخصيص الموقع

اختر ألوان الموقع والوضع الداكن بما يلائم ذوقك.

دعم الرواية

موشوكو تينساي

سجّل الدخول لإرسال الذهب إلى خزنة الرواية.