تجاوز إلى المحتوى
ملوك الروايات — أفضل منصة لقراءة روايات الخيال الصينية، الكورية، اليابانية، الإنجليزية والعربية معلومات الاتصال

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الفصل236

الفصل التاسع: قضية سارق اللحم المجفف

المشاهدات نشر في تاريخ نوفمبر 1, 2026
nero99
ترجمة ورفع الفصل nero99
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

الفصل التاسع: قضية سارق اللحم المجفف

وقعت الحادثة قبل عشرة أيام، مع بداية موسم الأمطار في قرية دولديا. لقد قُتل أحدهم… مهلاً، هذه ليست رواية بوليسية. أقصد أن أحدهم سرق شيئاً من لحم سحلية الغابة المطيرة المجفف الذي خزّنته القرية لاستهلاكه لاحقاً. وبطبيعة الحال، باشر المحاربون تحقيقاً فورياً، ولم يكن هناك سوى مشتبه بها واحدة: محاربة تُدعى بورسينا أدولديا.

كانت بورسينا ابنة رئيس قبيلة أدولديا، ولم يمضِ على عودتها إلى القرية سوى ستة أشهر تقريباً. عادت بعد أن تخرّجت بتفوق من جامعة رانوا للسحر، وأعلنت أمام الجميع فور وصولها: «بصفتي مرشحة لمنصب كبيرة قومنا في المستقبل، لقد عدتُ لأؤدي واجبي! وبالمناسبة، لينيا خاسرة كبيرة». وهكذا انضمت إلى ميليشيا قبيلة دولديا.

كبيرة القبيلة هي رأس الهرم في قبائل دولديا، التي تضم الديدولديا والأدولديا. ولا يُنال هذا المنصب بمجرد الرغبة فيه؛ فلا بد من قوة كافية وثقة بقية المحاربين، كما وجب على المرء أن يفوز بمنصب قائد المحاربين قبل أن يتنحى الكبير الحالي.

امتلكت بورسينا الموهبة والسجل الحافل اللذين يؤهلانها لمنصب قائد المحاربين، لولا عقبة صغيرة واحدة: فقد غادرت القرية قبل أن تنضم إلى صفوف الميليشيا، وقضت أكثر من عقد بعيداً عنها، فلم تعتد العيش ضمن الجماعة. ولهذا وافق رئيس القبيلة الحالي وكبيرها، غيس، على أن يدرّبها لتبلغ ذلك المنصب. فمتى أثبتت كفاءتها في عملها بالقرية وحفظت روائح بقية الأفراد ووجوههم عن ظهر قلب، رُقّيت إلى قائدة محاربين.

ومن هناك قد تنال يوماً لقب كبيرة القبيلة. يمكنك أن تعدّها دورة تأهيل للنخبة.

ولأن بورسينا تجيد سحر الشفاء المتقدم، فقد كسبت احترام بقية المحاربين في وقت قياسي، وبدا غيس راضياً عن تقدّمها. وقد نوى، بعد انقضاء موسم الأمطار، أن يزوّجها ثم يرقّيها إلى قائدة محاربين.

ولكن، لسوء الحظ، وقعت الحادثة في تلك الأثناء.

في الليلة التي سُرق فيها الطعام، تولّت بورسينا نوبة حراسة أمام مخزن المؤن. كان المخزن ممتلئاً عن آخره استعداداً لموسم الأمطار القادم، وجرت العادة أن يتناوب على حراسته ليلاً شخصان.

وشاركتها تلك النوبة محاربة أخرى من الأدولديا تُدعى كانالونا. ولسوء الحظ، اعتلّت صحة كانالونا ذلك اليوم؛ فقد أُصيبت في اليوم السابق أثناء قتالها أحد الوحوش الكثيرة التي تظهر في تلك الأنحاء، وتقيّح جرحها لغياب العلاج المناسب. ورغم أنها قالت إن الأمر لا يدعو للقلق، فإن الحارس الذي سبقها في نوبة ما بعد الظهر شهد قائلاً: «عند تبديل النوبات، بدا وجهها شاحباً كالموتى».

وكما يليق بمن ستصير كبيرة للقبيلة، قالت لها بورسينا: «عودي إلى البيت واستريحي، سأتولى الأمور هنا». فأطاعتها كانالونا وتسلّلت إلى غرفة القيلولة لتغفو قليلاً. نوت أن تريح عينيها لبرهة فحسب، لكنها غرقت في نوم عميق—ربما لأن جسدها كان بحاجة إلى نوم إضافي ليشفي نفسه.

في صباح اليوم التالي الباكر، وصل محارب واحد إلى المخزن لتبديل النوبة. لكنه لاحظ أن إحدى الحارستين اللتين يُفترض وجودهما غير موجودة. فارتاب في الأمر ونظر داخل المخزن، ليجد أن أحدهم قد اقتحمه وعاث فيه فساداً، والتهم ما طالته يداه يميناً وشمالاً. ولم يكن ذلك كل شيء—فقد رقدت بورسينا هناك، وفتات الطعام يغطي وجهها، تشخر بسعادة وقد ملأت بطنها.

أُلقي القبض على بورسينا في الحال. ففي قرية دولديا، تُعدّ سرقة الطعام في موسم الأمطار جريمة خطيرة. وتبخّرت كل ثقة كسبتها من بقية المحاربين، وتحطمت فرصتها في أن تصير قائدة محاربين—ناهيك عن كبيرة القبيلة.

وهكذا انتهى بها المطاف في الزنزانة.

«في ذلك اليوم باغتني أحدهم من الخلف وضربني على رأسي فأفقدني وعيي تماماً. وحين استيقظتُ وجدت نفسي داخل المخزن»، قالت بورسينا. «لقد لفّق لي أحدهم التهمة، ذاك الحقير! يا زعيم، أتوسل إليك، ابحث عن المجرم الحقيقي! أراهن أن هناك من لا يريدني أن أصير كبيرة القبيلة. مينيتونا وتيرسينا أكثر من يثير الشبهة، إن أردت رأيي!»

ثم زفرت وأضافت: «وعلى أي حال، كل هذا لا معنى له أصلاً. لستُ غبية إلى درجة أن أُكشف بهذه السرعة لو كنت أنا السارقة. سيكون الأمر مفضوحاً جداً، خاصة بعد أن أرسلتُ كانالونا إلى البيت. ولن آكل بهذه الشراهة أيضاً—كنت سأسرق قليلاً قليلاً حتى لا يكتشفني أحد!»

أصرّت على براءتها. ومن انطباعي الأول عنهم—ومن تجربتي الشخصية أيضاً—أستطيع القول إن أهل الوحوش بارعون في اتهام الناس ظلماً. فإن كانت بورسينا بريئة حقاً، فقد أردتُ أن أساعدها.

فقررت أن أجري تحقيقاً صغيراً.

كانت قرية دولديا خليطاً من الديدولديا والأدولديا. ولأن مهمتها الأساسية رعاية الوحش المقدس وحمايته، انخرط كثير من سكانها في الميليشيا، لكن فيها أيضاً كثيراً من الأزواج والأطفال، إذ يربّون صغارهم هنا. كانت مستوطنة كبيرة نسبياً يقطنها نحو خمسمئة شخص، يعيشون جميعاً فوق الأشجار.

ولأن الأرض تحتهم تغرق بالكامل في موسم الأمطار، فقد بدوا أشبه بجزيرة وسط قارة. وهذا جعل احتمال أن يكون الجاني من الخارج مستبعداً جداً؛ فليس هناك كثيرون يستطيعون عبور هذه المياه العاصفة كما أفعل أنا.

وإذا افترضنا أن بورسينا تقول الصدق، فأرجح تفسير هو أن أحداً من أهل القرية لفّق لها التهمة. فبمساعدة مساعدي الأمين «واتسون» والمفتش «غيس»، شرعتُ في جمع الأدلة وشهادات الشهود.

«هذا هو الوضع. هيا بنا يا واتسون.»

أمالت لينيا رأسها: «من هو واتسون هذا، مياو؟»

«إنه أنتِ يا لينيا. ثمة بلد يسمّي الناس فيه مساعديهم واتسون»، أوضحت.

«آه… حسناً…»

لم يبدُ على غيس اعتراض على لقب المفتش، لكنه، رغم هذا التساهل، تنهّد كأنه يرى الأمر كله جهداً ضائعاً.

شهادة الشاهد الأول

الاسم: غيميل
المهنة: محارب
علاقته بالمتهمة: أول من وصل إلى مسرح الجريمة

«إذن أنت أول من اكتشف مسرح الجريمة؟» استوضحتُ.

«نعم.»

راودني إحساس بالديجافو ما إن وقعت عيناي على الرجل. كنت شبه متأكد أنني رأيته من قبل في مكان ما.

ربما عليّ أن أسأله.

اختيار الشخصية: غيميل
خيار الحوار: السؤال عن الماضي

«هل التقينا من قبل في مكان ما؟» سألته.

أومأ الرجل: «نعم. قبل عشر سنوات سقطتُ في الماء فأنقذتني.»

آه، مثير للاهتمام. وعندما أفكر في الأمر، فقد أنقذتُ أنا ورويجيرد شخصاً ما في موسم الأمطار قبل عشر سنوات. تذكرت ذلك الصبي الصغير اللطيف وهو يهز ذيله لي امتناناً.

يا للذكريات.

على أي حال، لا يهم ذلك الآن؛ عليّ أن أركز على حل هذا اللغز.

«حين وجدتَ بورسينا قبل عشرة أيام بعد أن تسللت إلى المخزن وأكلت كل ذلك الطعام، كيف كان المكان؟ هل تصف لي المشهد؟»

«حسناً، دعني أتذكر… كانت صناديق لحم السحلية المجفف مفتوحة بالقوة، وبورسينا ملتفّة أمامها، غارقة في نوم عميق. كان بطنها منتفخاً وهي تحتضن الطعام بيديها، وعلى وجهها ابتسامة وهي تتمتم في نومها: “لا أقدر على أكل لقمة أخرى”.»

استطعتُ أن أتخيل ذلك بوضوح تام، ربما لأنه يشبه تقريباً تماماً المشهد الذي رأيته قبل لحظات قليلة.

«أي أنه لم يرَ أحد بورسينا وهي تأكل اللحم المجفف مباشرة، صحيح؟»

أومأ برأسه: «صحيح. لكننا وجدنا بعض اللحم عالقاً بين أسنانها، ورائحة لعابها تشبه رائحة بقايا اللحم المجفف نصف المأكول الذي رمته على الأرض قربها.»

همم. لدى أهل دولديا طريقة فريدة حقاً في التحقيق؛ فبراءة المرء أو إدانته تثبت بالرائحة وحدها. إنهم واثقون تمام الثقة بأنوفهم، وبالنسبة إليهم فإن العثور على رائحة المسروقات في لعاب أحدهم هو كل الدليل المطلوب. لكنها لم تكن طريقة لا تخطئ.

«تقول إن بطنها كان منتفخاً بالطعام، لكن هل أفترض صواباً أنك لا تعرف يقيناً إن كان اللحم المجفف هو ما بداخلها؟» سألته.

«لا. لكن حمل تجشؤها رائحة لحم السحلية أيضاً. وقد أكلته من قبل، فأعرف رائحته جيداً.»

أو ربما كانت طريقة لا تخطئ فعلاً، يا للهول.

فإذا كانوا يستطيعون شمّ ما في جوفها، فمن شبه المؤكد أن بورسينا التهمت اللحم المجفف فعلاً. إلا إذا كان أحدهم قد شقّ بطنها بمقص عملاق وحشاه باللحم المجفف، طبعاً.

«هل من شيء آخر؟» ضغطتُ عليه آملاً بخيط. «مثلاً… آثار أقدام لشخص غير بورسينا؟»

«لا. لا آثار أقدام أخرى، ولا روائح أخرى، ولا شعر لأحد آخر في مسرح الجريمة.»

مثير للاهتمام. إذن، في هذه الحالة، يكون الجاني الحقيقي قد ارتكب جريمة كاملة.

شهادة الشاهد الثاني

الاسم: كانالونا
المهنة: محاربة
علاقتها بالمتهمة: رفيقتها في حراسة النوبة الليلية

«آنسة كانالونا،» قلت، «كيف كانت بورسينا يوم الحادثة؟»

«ظلّت تكرر الجملة نفسها مراراً: “لم آكل شيئاً منذ الصباح. أنا أتضور جوعاً”.»

إذن كانت بورسينا جائعة يوم الجريمة. وهذا غريب جداً، فبورسينا التي أعرفها لا تكف عن الأكل سواء حان وقت الوجبة أم لا. بدت أشبه بسلة مهملات، تأكل أي نوع من اللحم: مجففاً أو مدخناً أو نيئاً.

ثمة خطب ما هنا.

«وهل تخبريني لماذا لم تأكل؟»

«حين كنا نقضي على الوحوش في اليوم السابق، أُصيب عدد كبير من الناس»، أوضحت.

وقد ورد ذلك في التقرير أيضاً: ففي اليوم السابق ظهر حشد هائل من الوحوش. ومن حسن حظهم أن أي مدني لم يُصب، لكن كثيراً من محاربيهم جُرحوا جروحاً بالغة.

«همم»، قلت.

«بورسينا هي الوحيدة في القرية التي تستطيع استخدام سحر الشفاء المتقدم. ظلت تركض ذهاباً وإياباً دون توقف لتعالج كل من أُصيب بجروح خطيرة، وفي النهاية انهارت من نفاد المانا.»

جرّبتُ ذلك بنفسي من قبل؛ فحين تستنفد المانا لديك تفقد الوعي ولا تستيقظ قبل نصف يوم، وربما يوماً كاملاً أحياناً. ولم تكن بورسينا استثناءً. لا بد أنها أُغمي عليها، وحين استيقظت كان دور حراستها قد حان. ويبدو مما سمعت أنها ذهبت إلى العمل مباشرة دون أن تأكل أو تشرب شيئاً.

«ألم يكن بإمكانكم أن تطعموها أو ما شابه؟» سألتها.

هزّت كانالونا رأسها: «القواعد هي القواعد.»

ففي موسم الأمطار يُمنع تناول أي وجبات خفيفة أو الأكل خارج أوقات الوجبات المقررة. إنهم يراقبون مؤنهم بصرامة حتى لا تنفد قبل انقضاء الأشهر الثلاثة.

«وماذا عن إعفائها من النوبة ذلك اليوم؟»

«هاجمنا عدد هائل من الوحوش في اليوم السابق، حتى إن جزءاً كبيراً من محاربينا كانوا لا يزالون طريحي الفراش. لم يكن لدينا عدد كافٍ من الأشخاص. ومهما تمنينا أن نتركها ترتاح، فهي نفسها قالت: “إنه مجرد جوع بسيط، لا شيء خطير”.»

بدا ذلك منطقياً. فلعلها شعرت بواجبها بصفتها كبيرة القبيلة المستقبلية. وهذا أمر يُحمد لها. إنها قدوة ساطعة لنفسي القديمة الكسولة التي كانت تختلق كل عذر ممكن للتهرب من التزاماتها.

«ومن هنا وقعت الحادثة»، استنتجتُ.

«صحيح. ما زلت أقول لنفسي: لو أنني وجدتُ لها شيئاً تأكله حينها، لربما لم يحدث هذا أبداً.»

بدا أن الظروف تستدعي استثناءً لبورسينا في هذه القضية، لكن ذلك سيكون عسيراً ما دامت المشتبه بها لا تزال تصرّ على أنها لم تفعلها.

مداخلة واتسون

«واتسون…» هززتُ رأسي. «لا، لينيا. ما رأيكِ بعد أن سمعتِ كل هذا؟» ظننتُ أن من المفيد سؤال مساعدتي، فهي صديقة بورسينا في نهاية المطاف.

«ظننتُها مذنبة من البداية، مياو.»

«همم.»

«من عادتها دائماً أن تخطف أي شيء متاح وتلتهمه كلما خوت معدتها، مياو. حتى إنها أكلت بعض سمكي المجفف من قبل كما تعلم.»

إذن فلديها سابقة في سجلها…

بعد أن سمعتُ ما قاله الجميع، لاحظت أن هناك شاهداً واحداً فقط تبدو إفادته متناقضة. لا بد أن أحداً يكذب، لكن من عساه يكون؟

اختيار الشخصية: بورسينا

صحيح، إنها بورسينا. كانت الوحيدة التي لم تقرّ بفعلتها، وزعمت أن أحدهم لكمها من الخلف.

عدتُ إلى السجن لأستجوبها بشأن ذلك مرة أخرى.

اختيار الإجراء: تغيير الموقع
الموقع: أطراف القرية ← السجن
اختيار الشخصية: بورسينا
خيار الحوار: السؤال عن الحادثة

«بورسينا،» قلت. «هل أنتِ متأكدة تماماً أنكِ غير مذنبة؟ انظري في عينيّ وأخبريني.»

«أعني ما أقول يا زعيم. صدّقني.» حدّقت فيّ مباشرة، وعيناها تلمعان ويداها مشبوكتان أمامها. الشيء الوحيد الذي أثار ريبتي هو طريقة اهتزاز ذيلها.

حان وقت خداعها لتقول الحقيقة.

«إن دافعتُ عنكِ، فهناك احتمال كبير أن أخرجكِ من هنا»، عرضتُ عليها.

«كنتُ أعلم أنك قادر على ذلك يا زعيم!»

«لكن إن خرجتِ من هذه الزنزانة واكتشفتُ أنكِ تكذبين، فلن أدعكِ تأكلين اللحم سنة كاملة.»

جفلت بورسينا: «ح-حسناً، ب-بالطبع لستُ أ-أكذب!»

حدّقتُ فيها: «أتقسمين بالإله؟»

«أ-أقسم!» جالت عيناها ذهاباً وإياباً بتوتر.

كنتُ أعلم أن في الأمر شيئاً مريباً. هذه نظرة المذنب بلا شك.

«لتعلمي فقط، أنا لا أرحم من يستهين بإلهي.» مددتُ يدي عبر القضبان وأمسكتُ رأسها بين كفّي، وأجبرتها على النظر في وجهي وأنا أحدثها: «هل تستطيعين حقاً أن تقسمي بالإله؟»

عرفت بورسينا جيداً من هو الشخص الذي أبجّله إلى هذا الحد. شحب وجهها حتى صار كالموتى، وبدأ جسدها كله يرتجف. لفّت ذيلها بين ساقيها وأمسكت طرفه بكلتا يديها.

«حسناً؟»

«أ-أنا… أنا من فعلها»، انهارت أخيراً واعترفت.

وهكذا حُلّت القضية. كانت الجانية، كما توقع الجميع، بورسينا أدولديا. ألقت اللوم على طرف ثالث مجهول لأنها لم ترد الاعتراف بمسؤوليتها. يا لها من شيطانة صغيرة ماكرة. ومع ذلك فقد سحرها اللحم، فلعلها كانت ضحية هي الأخرى بطريقة ما.

«سيد غيس، أعتذر عن العناء الإضافي»، قلت.

«لا بأس. الأهم من ذلك، هل أنت متأكد أنك موافق على بورسينا؟»

 لقد تابع المشهد كله بنظرة ضجر، أما الآن وقد انتهى كل شيء فبدا متحمساً لأمر لم أستطع تحديده. «موافق على بورسينا في ماذا؟»

«أتحدث طبعاً عن المحاربة الأخرى التي تنوي أخذها معك لرعاية الوحش المقدس.»

همم؟ مهلاً. لم أقل كلمة عن رغبتي في أن تتولى بورسينا ذلك الدور.

بدا متحمساً أكثر من اللازم لفكرة أن آخذ بورسينا. مع أنني من ذكر اسمها أول الأمر، فمن المفهوم أن يسيء الفهم.

«هل أنت متأكد حقاً أنك تريدها؟» سأل مجدداً.

«لا، لا أريدها.»

بالطبع لا أريدها! سيشتبهون بي في الخيانة مرة أخرى إن تركتها تدخل بيتنا كل يوم. لقد رزقتني سيلفي وروكسي طفلتين جميلتين، ولم أرد أن أدمّر عائلتي كلها بسبب هذه الحمقاء. استطعتُ أن أتخيلها وهي تلتهم كل لحمنا، وكم ستغتاظ آيشا وليليا بعد ذلك. والوحيدة التي سترحب بها بذراعين مفتوحتين هي إيريس.

على أي حال، الأفضل أن أختار شخصاً أكثر جدية، شخصاً لا يجعلهم يتهمونني بخيانة زوجتيّ. مثل… نعم، غيميل مثلاً.

«فهمت، إذن تفضّل شخصاً آخر.» أومأ غيس متأملاً. «إذن هل ستأخذ مينيتونا أم تيرسينا؟»

«لا، هاتان أيضاً مرشحتان لتصبحا كبيرة القبيلة، أليس كذلك؟ لا بد من شخص آخر.»

اتجهنا نحو المخرج ونحن نناقش خياراتنا.

«آه، انتظر! لا تتركني هنا يا زعيم! أخرجني! أريدك أن تأخذني معك! لا أريد أن أعيش حياة بلا لحم!»

تجاهلنا كلانا الصوت الصارخ خلفنا.

«مياوهاها!» قهقهت لينيا وهي تنسلّ عبر الباب، وقد ظلّت تنتظر في الخارج طوال الوقت. يبدو أنها زُجّ بها هنا عارية من قبل، وأن دخولها سيجعلها تعيش ذلك الخزي من جديد، ولهذا رفضت مرافقتي في البداية بشدة.

«أهلاً بورسينا. أرى أنكِ نلتِ ما تستحقين، مياو!»

سقط فك بورسينا من الصدمة: «ل… لينيا؟! خُيّل إليّ أنني شممت رائحتكِ. ماذا تفعلين هنا؟!»

لسبب ما، ارتدت لينيا نظارة شمسية؛ هي النظارة نفسها التي اعتادت ارتداءها أثناء عملها، تلك التي تخفي تحوّل عينيها إلى علامتي دولار وهي تعدّ نقودها.

«تسألين لماذا؟ مياوهيهي. ألا تعرفين حقاً، مياو؟» أمسكت لينيا ذراعي وضغطت صدرها عليه.

كُفّي عن هذا الآن. آه، أستطيع أن أشمّ أنكِ دخلتِ في موسم الشبق.

«لا… لا تقولي إنكِ والزعيم…؟» ارتعش أنف بورسينا وهي تتشمم الهواء، وارتجفت شفتاها.

ارتسمت على شفتي لينيا ابتسامة شريرة حقاً: «أصبتِ. آه، هذا يذكّرني بالليلة العاطفية التي قضيناها معاً. حملني الزعيم بين ذراعيه كالأميرة. أوه لا، لا أستطيع أن أخبركِ بأكثر من ذلك، مياو! يكفي أن تعرفي أن الزعيم أبكاني ذلك اليوم، مياو.»

«م-مستحيل…» هزّت بورسينا رأسها غير مصدقة. «قال الزعيم إن ذلك إساءة إلى فيتز وروكسي، فلم يرضَ حتى أن يلتفت إلينا!»

«مياوهاها! ألا تظنين أن السبب الوحيد لتجاهله إياكِ هو أنكِ لستِ جذابة بما يكفي؟ في اللحظة التي صرنا فيها وحدنا، لم يشبع مني. يا رجل، أقول لكِ، دم عائلة غريرات النبيل يجري قوياً في عروقه. كانت ليلتنا الأولى عنيفة لدرجة أنني ظننته سيكسر أحد أضلاعي، مياو.»

«ي-يكسر أحد أضلاعك؟! إلى أي حد كانت علاقتكما عنيفة؟»

قصدت على الأرجح الليلة الأولى التي قضتها لينيا مع إيريس. فلإيريس عادة أن تكاد تعصر من ينام بجانبها حتى الموت أثناء نومها. وقد وقعتُ ضحية لذلك من قبل، وكذلك ليو، ويبدو أن لينيا أيضاً. في صباح اليوم التالي كانت لينيا على وشك البكاء وهي تجعل سيلفي تعالج جروحها. على الأقل، لم تكذب بشأن التفاصيل.

«ل-لينيا، هل أصبحتِ زوجة الزعيم الآن؟»

«كلا، لستُ زوجته بالضبط، مياو…» توقفت لينيا لتضفي أثراً دراميّاً ثم قالت: «لكنني عملياً أشبه بعبدته، مياو.»

«عبدته؟!» احمرّ وجه بورسينا وهي تصفع فمها بيديها.

حسناً، جزء العبودية لم يكن كذباً هو الآخر.

«يمكنكِ القول إنني حجزتُ لنفسي مكاناً جيداً، مياو. قد أكون عبدته، لكنه يتركني أعمل، ولديّ خمسون مرؤوساً تحت إمرتي، مياو. وعلى عكسكِ، لن أُسجن أبداً، وأنال حنان الزعيم فوق ذلك. آه، لكن لا بد أن أعترف أن أكون كبيرة قبيلة دولديا سيكون أروع بكثير، مياو. لكن يبدو أنكِ خرجتِ من السباق. مياوهاها!»

ملأت ضحكتها المستفزة أرجاء الغرفة.

«لينياااا!» احمرّ وجه بورسينا غضباً وهي تقبض على القضبان المعدنية وتهزّها. وشيئاً فشيئاً، تلاشت القوة من جسدها حتى هوت على ركبتيها وهي تشهق باكية: «هذا ليس عدلاً… في ذلك اليوم كنت مشغولة حقاً حتى إنني لم أجد وقتاً لأكل لقمة واحدة طوال اليوم. ولم آكل من المخزن الكثير أصلاً—فقط ما آكله في أي وجبة عادية. كان بوسعنا تعويض ذلك بقتل وحش آخر وتجفيف لحمه…» انحنت إلى الأمام وراحت تنتحب.

ابتعدت لينيا عني أخيراً: «آآه، كان ذلك منعشاً، مياو.» بدت راضية حقاً.

يا لها من شخصية فظيعة.

ومع ذلك، رأيتُ أن ظروف بورسينا الاستثنائية تستحق بعض الاعتبار. فقد استمر هجوم الوحوش من منتصف الليل حتى الصباح الباكر؛ ومن كان يحرس حينها هو المسؤول، في رأيي، عن عدد الإصابات. فقد أثقل خطؤهم كاهل بورسينا بوصفها إحدى معالجات القبيلة. وبعد القضاء على الوحوش عملت بلا كلل لعلاج الناس، ولعل هذا ما أنقذ كثيرين. لكنها في النهاية انهارت بعد أن استنفدت كل ما لديها من مانا. ولم يمنحوها وقتاً لتأكل حين استيقظت أخيراً، بل أرسلوها مباشرة إلى نوبة الحراسة.

ما مرّت به كان سيكون قاسياً على أي شخص. وثمة جوانب في هذا الموقف لا يمكن أن يُلام عليها أحد حقاً. صحيح أنها سرقت الطعام. ورغم أنها كُلّفت بنوبة حراسة بعد صيام يوم كامل، فهذا لا يبرر سرقة الطعام. ففي اليابان، إذا ثبتت جريمة على شرطي عُزل من منصبه فوراً. استحقت بعض الاعتبار لظروفها، لكن الجريمة تبقى جريمة. لقد خالفت إحدى قواعد القرية، وليس لها أن تشتكي من أنها لم تعد في سباق منصب قائد المحاربين أو كبيرة القبيلة.

«يا زعيم، يا أبي…» التفتت لينيا نحونا، وقد بدا على وجهها الجد: «لدي طلب، مياو.» ثنت جذعها كله في انحناءة مثالية بزاوية خمس وأربعين درجة: «أرجو أن تعيّن بورسينا لرعاية الوحش المقدس، مياو.»

حين رفعت وجهها ثانية، حدّقت فينا مباشرة وفي عينيها عزم. اعتدلتُ في وقفتي قليلاً، مستعداً لسماعها.

«ذهبنا نحن الاثنتان إلى تلك البلاد البعيدة الغريبة لنصبح أفضل ما نستطيع كمرشحتين محتملتين لمنصب كبيرة القبيلة، مياو. وأنا واثقة أننا بذلنا جهداً يفوق أي شخص آخر. وإلا لما تصدّرنا صفنا، مياو. وحين خسرتُ أمام بورسينا في النهاية، تخليتُ عن الأمر وتركتها تسير في درب قومنا. لكنني لم أفعل ذلك إلا لأنني ظننتُ أنها ستكون كبيرة قبيلة رائعة، مياو. ولا أرى من العدل أن تعود إلى نقطة البداية بسبب غلطة واحدة، مياو.»

توقفت لينيا والتقطت أنفاسها قبل أن تلتفت إلى والدها: «أريدك أن تمنحها فرصة، مياو. إن استطاعت رعاية الوحش المقدس خمس سنوات قادمة—لا، اجعلها عشراً—كما هو مفترض، وأدّت الدور المسند إليها، فدعها تعود إلى هنا مع ابنة الزعيم واغفر لها جريمتها، مياو. لن أطلب منك أن تجعلها كبيرة القبيلة، لكنني أريد لها على الأقل مكانة محترمة مماثلة، مياو.»

لم يكن في طلبها ذرة منطق. فلينيا نفسها تخلّت عن واجباتها لتصبح تاجرة، وليس لها حق في طلب كهذا. ثم إن هذه الجريمة كانت نتيجة افتقار بورسينا إلى ضبط النفس. أقرّ بأنها تستحق بعض التساهل بسبب الظروف الاستثنائية، حقاً أقرّ بذلك… لكن الجريمة تبقى جريمة. ومن المبالغة طلب العفو الكامل لمجرد أنها اجتهدت إلى الآن؛ فهذا ليس سبباً وجيهاً.

«لا أستطيع فعل ذلك»، قال غيس مشاطراً إياي شعوري.

الأخطاء التي ارتكبتها في الماضي لا تزول ببساطة، ولا يمكنك محوها أيضاً. هكذا يسير العالم، وأنا أعرف ذلك كأي أحد. ومع ذلك أردتُ لجهدها أن يثمر بشكل ما. فقد بذلت بورسينا أقصى ما عندها؛ حضرت دروسها بجدية وهي تقضم اللحم طوال الوقت. وقد أخذنا دروس الشفاء معاً، فأعرف مدى إخلاصها. ولا شك عندي أنها بذلت ضعف ما يبذله معظم الناس. ولهذا تصدّرت صفها رغم أن معظم أهل الوحوش لا قابلية لهم للسحر.

أردتُ أن يُجدي كل ذلك نفعاً لها. بصدق. وذلك أساساً لأنني أتعاطف معها: فإن بذلتُ جهداً في أمر ما، فسأرغب في أن يؤتي ثماره لي أنا أيضاً.

وإن كنتُ في موضع يتيح لي مساعدة أحدهم على نيل ثمرة جهده، فأريد أن أبذل قصارى جهدي في ذلك.

«سيد غيس،» قاطعتُهما. «آمل ألا تمانع، لكنني أودّ أيضاً أن أطلب منك الموافقة على طلب لينيا.»

«هاه؟ يا زعيم، أتقصد ذلك؟»

قطّب غيس حاجبيه وخفض ذقنه وهو يتأمل طلبي. وبعد لحظة رفع رأسه ثانية وقال: «حسناً جداً. سأسمح بذلك.»

غيس الذي عرفتُه سابقاً كان سيرفض بعناد حتى النهاية. فرعاية الوحش المقدس تبدو مهمة بالغة الشرف، ولا تُسند إلى مجرمة سبق أن سرقت الطعام. لا أن تنال بورسينا هذا الشرف فحسب، بل أن يُمحى سجلها أيضاً؟ كان ذلك حماقة. والمستفيدة الوحيدة من هذا هي بورسينا، وبشكل هائل.

وصراحةً، لم أكن واثقاً حتى من صواب حكمي في هذا الأمر. ربما كنتُ أرتكب خطأ، لكن لهذا بالذات اعترفتُ لنفسي بأنني أتصرف بأنانية.

«لينيا، بورسينا،» قلت، «من الأفضل أن تؤديا واجبيكما على أكمل وجه. مفهوم؟»

«حاضر يا سيدي، مياو!»

«أمرك!»

أحنت الفتاتان رأسيهما في آن واحد. وفيما كنت أراقبهما، وجدتُ نفسي أفكر: هاتان الاثنتان تكونان في أفضل حالاتهما حين تكونان معاً.

استخدمنا الطوافة للعودة من الطريق الذي أتينا منه، متجهين إلى طريق السيف المقدس. وعندما بلغنا نصب القوى السبع العظمى التذكاري، رأيتُ أنه وقت مناسب فأخرجتُ نايي. ونجحتُ في استدعاء أرومانفي الذي قادنا عائدين إلى القلعة الطائرة.

«هذا المكان يعيد إليّ الذكريات حقاً. لم أتخيل يوماً أن أعود إلى المدينة التي حكمتُها ذات يوم»، قالت بورسينا بنبرة حنين وهي تتأمل مدينة شاريا السحرية من موقعنا على القلعة الطائرة.

أجل، لقد عادت فعلاً إلى المكان الذي قد تعدّه وطنها الثاني.

«أوه يا بورسينا، هناك شيء صغير جداً نسيتُ ذكره، مياو»، قالت لينيا.

«ما هو؟ مشاعري تفيض بالحنين هنا، فسأكون ممتنة لو اختصرتِ ما تريدين قوله.»

«حسناً، لقد ساعدتكِ فعلاً. لذا ستكونين تابعة لي لبعض الوقت، مفهوم؟»

«هاه؟!»

وهكذا أصبحت بورسينا تابعة لينيا.

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات

التعليقات

سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.

READER EDITION

إعدادات القراءة

خصّص مظهر القراءة على هذه الصفحة.

إعدادات سريعة

تختار السمة لون الخلفية والنص معًا. يمكنك تعديل كل لون بعدها.

90%

تحكّم بعرض النص داخل الصفحة؛ يُحفظ اختيارك للفصول التالية.

215%
النص والمظهر
1.0×
معاينة الخط

هذه معاينة قصيرة لشكل النص أثناء القراءة.

وهنا تظهر المسافة بين فقرتين.

اختر لون خلفية مريحًا للقراءة.

لا يتوفر غلاف لهذه الرواية.

رفع صورة خلفية مخصصة

تُحفظ الصورة في هذا المتصفح فقط.

100%

خفّض التباين لجعل النص أكثر راحة وأقل بروزاً.

عند إيقافه، يختار الموقع لون النص حسب السمة.

طريقة القراءة

انقر داخل نص الفصل للانتقال إلى أسفل بمقدار الشاشة المحدد.

يظهر زر البدء والإيقاف في شريط الفصل والشريط العائم.

40 px/ث
يتوقف التمرير عند استخدام لوحة المفاتيح أو اللمس.

اسحب أفقيًا داخل النص للانتقال إلى الفصل المجاور. يمكنك استخدام Shift مع سهم اليمين أو اليسار من لوحة المفاتيح.

عناصر صفحة الفصل
محاذاة النص
شريط التقدم

يخفي شريط الموقع الثابت الذي يظهر عند التمرير أثناء قراءة الفصول.

يحفظ اختيارك في هذا المتصفح ويخفي زري الإعدادات والانتقال إلى أعلى الصفحة.

خيارات متقدمة وحفظ الإعدادات
وضع التصفية

لتغيير كلمة إله إلى شيء آخر

تبقى الإعدادات على هذا المتصفح. لا يتضمن التصدير صورة الخلفية المخصصة.

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.
READER EDITION

تخصيص الموقع

اختر ألوان الموقع والوضع الداكن بما يلائم ذوقك.

دعم الرواية

موشوكو تينساي

سجّل الدخول لإرسال الذهب إلى خزنة الرواية.