Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

موشوكو تينساي 228

الفصل الحادي عشر: العبدة الأخرى (الجزء الثاني)

الفصل الحادي عشر: العبدة الأخرى (الجزء الثاني)

الفصل الحادي عشر:

عندما أدركت جولي ما كانت تشعر به، تصاعد شيء لا يمكن وصفه

العبدة الأخرى (الجزء الثاني)

لم تسر الأمور كما كانت تأمل هذه المرة أيضًا. حسنًا، لا، لم يكن ذلك دقيقًا تمامًا: فخُطتها كانت في الواقع مثالية. في اللحظة التي وقعت فيها عينا بيلفريد على تمثالها، ارتفع حماسه إلى عنان السماء. أطلق صرخة تشبه صرخات المخلوقات غير البشرية، ثم تراجع مسرعًا إلى أعماق متجره، ليعود حاملاً كيسًا ضخمًا من العملات الذهبية. استخدمه على الفور ليتوسل إليها كي تبيعه التمثال.

لقد تلطخت نصف حياة “جولييت” باليأس. وُلدت لأبوين من الأقزام، وحصلت حرفيًا على اسم “ابنة بازار من الفولاذ المقدس وليليتيلا من حافة الثلج الجميل”. في العرف القزمي، لا يُمنح الأطفال أسماءً حتى يبلغوا السابعة من عمرهم، لذا لم يكن هناك شيء غريب في كونها بلا اسم خاص بها. في ذلك الوقت، كان والدا جولييت يشيران إليها بـ “طفلتنا” أو “فتاتنا الحبيبة”، ولم تجد هي في ذلك أي غرابة.

“بغض النظر عن مدى قربك من زانوبا، فهذا ليس عذراً لسرقة تمثال فتاة صغيرة بريئة. هل فهمت ذلك؟” حدق فيه روديس.

لكن كفى عن هذا. لنتحدث عن بازار وليليتيلا. لقد كانا مختلفين قليلاً عن بقية الأقزام. معظم الأقزام يعيشون في قارة “ميليس”، في الجزء الجنوبي من الغابة العظيمة على طول سفوح الجبال. كانوا يقضون وقتهم في استخراج الخام واستخدامه لصناعة الأسلحة، التي كانت تُستخدم للصيد أو تُباع لشراء الطعام. كانوا عرقاً بسيطاً للغاية من هذه الناحية.

“إذن لماذا يا جولي…” خرجت كلماته مخنوقة. “لماذا؟!” “هاه؟” أجابت وهي تلتقط أنفاسها.

أما والدا جولي، فقد كانا يكسبان رزقهما من خلال السفر حول العالم وصناعة الأسلحة والحلي في كل منطقة يزورانها باستخدام أي مواد يجدانها هناك. لم تكن جولي تعرف السبب الذي دفعهما لترك وطنهما ليصبحا رحالة. ربما كان لديهما سبب وجيه، أو ربما كان مجرد طيش الشباب هو ما قادهما للمغامرة بعيداً عن موطنهما الأصلي.

شعرت بجزء منها بالارتياح. أخيراً، سينتهي كل شيء. لا مزيد من البرد، لا مزيد من الجوع القاتل. ستنتهي حياتها المظلمة.

مهما كان الأمر، كان هناك شيء واحد واضح تماماً: الحياة التي اختاراها لم تكن سهلة. والأسوأ من ذلك، أنهما كانا على وشك الإفلاس عندما وُلدت جولي. لقد غرقا في المزيد من الديون لسداد ديون سابقة، ومهما عملا بجد، لم يكونا يكسبان ما يكفي لمواكبة الفوائد. كانت ديونهما تتراكم وتزداد باستمرار.

كان زانوبا بصراحة فظيعاً عندما يتعلق الأمر بالجانب الحرفي للتماثيل، لكنه علمها كل ما يستطيع وقدم لها الأدوات إذا احتاجتها. وهكذا بنت مهاراتها ببطء، تقنية جديدة تلو الأخرى. وكلما تحسنت، زادت قدرتها على صنع الأشياء تماماً كما تتخيلها في رأسها.

لم يكن الأمر أن مهارة والديها في الحرفة كانت ناقصة، بل كان ينقصهما الفطنة التجارية أو بعد النظر لاستغلال مواهبهما بشكل صحيح. كانا يعتقدان أنه إذا صنعا منتجاً عالي الجودة، فسيقبل الناس على شرائه، ولهذا السبب كانا يقترضون المال لشراء مواد باهظة الثمن تفوق إمكانياتهما لمحاولة بيع منتجاتهما. المشكلة هي أن قلة قليلة من الناس كانوا يتوقفون عند متجر على جانب الطريق لشراء شيء بتلك التكلفة الباهظة. كان يستغرق الزوجان وقتاً طويلاً لبيع بضائعهما، وكانا يغرقان أكثر فأكثر في الديون في هذه الأثناء بسبب فوائد القروض. وعندما يحالفهما الحظ، كانا بالكاد يغطيان تكاليفهما، وبمجرد حساب نفقات المعيشة، كانا يعودان إلى دوامة العجز المالي.

أكثر ما علق في ذاكرة ايشا كان حلي والدتها، المنحوتة من الخشب. كانت تستطيع نحت كتلة من الخشب لتتحول إلى أجمل زنبقة. لم تستطع ايشا تذكر ما الذي كانت والدتها تضع تلك الزنابق عليه في النهاية، لكنها كانت تتذكر الزهور نفسها بوضوح. ومع تلك الذكريات كدليل، نحتت ايشا زنابق على صندوقها الخاص. رؤية الصندوق وهو يقترب تدريجياً من الاكتمال جعلت كل يوم أكثر متعة من الذي قبله. بالتأكيد سيكون زانوبا مسروراً، أليس كذلك؟ تساءلت كيف سيعبر عن سعادته. هل سيطلق صرخة مرحة كما يفعل عادة؟ أم أنه سيضيق عينيه بشدة حتى تختفي في خديه، مظهراً فرحاً أكثر هدوءاً؟ كلما تخيلت ذلك، زاد خفقان قلبها ترقباً.

كان من المثير للإعجاب حقاً كيف تمكن الاثنان من العيش على هذا النحو لسنوات عديدة. لم ينجحا إلا لأنهما تعلما كيف يكتفيان ذاتياً. في بعض الأحيان، كانا يلجآن إلى وسائل ماكرة للبقاء على قيد الحياة، مثل التخلف عن سداد الديون الصغيرة عن طريق الهروب إلى البلد التالي. لعدة سنوات، كان الزوجان يستميتان لتأمين لقمة العيش، ولم يكن هناك بالتأكيد أي شيء ممتع في ذلك بالنسبة لهما.

في تلك اللحظة، اندفع زانوبا للأمام وسقط على ركبتيه أمامها. مد يده نحو يديها—أو، بدقة أكبر، نحو التمثال المحتضن بين يديها—وتوقف فقط قبل أن يلمسه بشعرة واحدة.

كانت أول ذكرى لجولي هي استلقاؤها في السرير ومراقبة والديها وهما منحنيان بظهورهما نحوها، يعملان على صنع شيء ما. كانت جباههما تكاد تتلامس بينما كانا يعبثان بشيء في أيديهما. هبت نسمة باردة عبر شق في الغرفة ولامست خد جولي. صرخت الطفلة، فابتسمت ليليتيلا على مضض وأسرعت نحوها لتضم ابنتها بين ذراعيها، محاولة تهدئتها.

أما والدا جولي، فقد كانا يكسبان رزقهما من خلال السفر حول العالم وصناعة الأسلحة والحلي في كل منطقة يزورانها باستخدام أي مواد يجدانها هناك. لم تكن جولي تعرف السبب الذي دفعهما لترك وطنهما ليصبحا رحالة. ربما كان لديهما سبب وجيه، أو ربما كان مجرد طيش الشباب هو ما قادهما للمغامرة بعيداً عن موطنهما الأصلي.

كانت هيئة والديها محفورة في ذهن جولي حتى الآن؛ الدموع التي كانت توشك أن تترقرق في عيني ليليتيلا، والنظرة المظلمة المليئة بالذنب على وجه بازار. لم تستطع جولي تذكر رؤيتهما يبتسمان قط، ليس بصدق على الأقل.

كلما غضب زانوبا منها، كانت ايشا تحاول بجنون تصحيح الخطأ. عادة ما كان ذلك كافياً لإصلاح الأمور. في الواقع، كان زانوبا وروديس دائماً سريعين في مسامحتها. فلماذا إذن شعرت بالذعر؟ كان الجواب بسيطاً. بسيطاً للغاية.

بعد بضع سنوات، انهار والداها أخيراً تحت وطأة ديونهما. لقد تهربا من سداد الكثير من الأقساط لدرجة أن المرابين وضعوهما جميعاً على القوائم السوداء، مما جعل من المستحيل عليهما الاقتراض مجدداً. وبدون الوسائل لشراء المواد التي يحتاجانها، لم تكن لديهما طريقة لتأمين لقمة العيش، خاصة وأن الشتاء كان قد حل في الأقاليم الشمالية في ذلك الوقت.

“حسناً، ولا أنا، ولكن هل ستكون راضياً حقاً بالحصول على تمثال تريده مجاناً؟ لا تخدع نفسك. أنت تعلم أن هذا أمر جيد جداً ليكون حقيقياً.”

كان خيارهما الوحيد هو الموت كعائلة أو إيجاد طريقة للعيش كعبيد. ومع عدم وجود خيارات أخرى واضحة، اختارا الخيار الأخير.

الشيء الوحيد المحظوظ هو أن بازار وزوجته تمكنا من بيع نفسيهما للتاجر “فيبريتو”، الذي كان أحد كبار تجار العبيد في السوق. لقد ضمن لنفسه مكاناً بارزاً في السوق، وكان يتمتع بسمعة طيبة في جودة بضائعه. ولهذا السبب احتفظوا بجولي واعتنوا بها رغم فشلها في جذب أي مشترين، بدلاً من التخلي عنها على جانب الطريق.

على الرغم من ظروفهما القاسية، ربما كان بازار وليليتيلا أكثر حظاً من معظم الناس. كان الأقزام يتمتعون ببنية قوية، ولأن بازار كان حداداً ماهراً، فقد وجد مشترياً بسرعة. لم تنتظر ليليتيلا طويلاً؛ فقد كانت ماهرة بيدها، وتستطيع صنع حلي جميلة وإصلاح مختلف الأشياء والملابس، كما كانت لديها خبرة في رعاية الأطفال. لم يكن أي منهما سيموت، حتى لو فُصلا عن بعضهما البعض. كان لا يزال هناك أشخاص يحتاجون إلى مهاراتهما.

بالطبع، لو قال ذلك بالفعل، لربما هزت رأسها وأصرت على أنها لا تستطيع الاستمرار. لكنه لم ينطق بكلمة، وظل يحدق فيها بصمت.

باستثناء جولي بالطبع، التي كانت الأكثر سوء حظ في عائلتها. كانت أصغر من أن تكون ذات فائدة تذكر. بالكاد كانت تستطيع الكلام في عمرها ذاك. لم تكن تلبي احتياجات أحد، لذا لم يكن هناك مشترون لها. يوماً بعد يوم، كانت تقف عند حافة سوق العبيد، وتحدق في قدميها. حتى تجار العبيد بدأوا يشعرون بالقلق بشأن ما يجب فعله بها. فالعبيد بشر في نهاية المطاف، مما يعني أن على التجار إطعامهم، وتوفير مكان دافئ للنوم، والتأكد من بقائهم بصحة جيدة.

“إذا كان الأمر سيئاً إلى هذا الحد، هل أنهي حياتك من أجلك؟”

الشيء الوحيد المحظوظ هو أن بازار وزوجته تمكنا من بيع نفسيهما للتاجر “فيبريتو”، الذي كان أحد كبار تجار العبيد في السوق. لقد ضمن لنفسه مكاناً بارزاً في السوق، وكان يتمتع بسمعة طيبة في جودة بضائعه. ولهذا السبب احتفظوا بجولي واعتنوا بها رغم فشلها في جذب أي مشترين، بدلاً من التخلي عنها على جانب الطريق.

في تلك اللحظة، اندفع زانوبا للأمام وسقط على ركبتيه أمامها. مد يده نحو يديها—أو، بدقة أكبر، نحو التمثال المحتضن بين يديها—وتوقف فقط قبل أن يلمسه بشعرة واحدة.

لكن هنا انتهى حظها. فحتى فيبريتو لم يكن لديه رفاهية الاهتمام بما يعتبره بضاعة تالفة في مستودعه. بدأت معاملته لجولي تصبح مهملة تدريجياً حتى توقف عن إخراجها إلى ساحة البيع تماماً.

أمسكت ايشا بإبداعها بين يديها وأسرعت عائدة إلى زانوبا والآخرين. مرت بجانبه مباشرة وسقطت على ركبتيها أمام بيلفريد.

على الرغم من صغر سنها، كانت جولي تدرك أن أحداً لا يحتاجها. كما كانت تعلم أن والديها قد تخلّيا عنها. والأسوأ من ذلك، كانت تعلم أنها على الأرجح ستعاني من البرد والجوع في ذلك القفص حتى تأخذها يد الموت الرحيمة أخيراً.

“مم، آه… سيدي، مم…”

لم تكن جولي منزعجة بشكل خاص من فكرة نهاية حياتها. لم تكن أي من ذكرياتها تحمل شيئاً جيداً. ولدت في فقر مدقع وقضت حياتها كلها بألم في معدتها. كانت وجباتها تتكون من حساء الأعشاب المرة واللحم القديم الذي أوشك على التعفن. حاولت قصارى جهدها ألا تقف في طريق والديها، فكانت تتسكع في الزوايا وتغرق في شرودها طوال الوقت. كان كل يوم باهتاً ولا معنى له كسابقه. الذكرى الوحيدة اللائقة التي كانت تمتلكها هي الوقت الذي تمكن فيه والداها من بيع أحد أعمالهما مقابل مبلغ جيد. سمح لها والدها حينها بارتشاف القليل من الكحول. كان شراباً فظيعاً، مخلوطاً بكل أنواع الأشياء. لكن كقزمة تتذوق الخمر لأول مرة، اعتقدت جولي أنه لذيذ للغاية.

أما بالنسبة لجولي، فقد ظلت تراقب زانوبا. ابتسمت بارتياح، وتلون خداها باللون الأحمر قليلاً.

لم تكن لدى جولي أي رغبة في العيش. لم تحلم بالعثور على السعادة لنفسها. لم تكن لديها أدنى فكرة عن كيفية حدوث ذلك. ولهذا السبب، عندما ظهر هذان الرجلان أمامها، لم تستطع تخيل أي شيء جيد سيأتي من ذلك. في الواقع، كانت متأكدة من أن شيئاً جديداً ومروعاً يلوح في الأفق.

بفضل قفاز زاليف، تضاعفت قوة روديس العادية إلى درجة مبهرة. أمسك بيلفريد بقوة لدرجة أن الأخير لم يستطع الابتعاد حتى لو أراد ذلك. والأسوأ من ذلك، أن قبضة روديس كانت تضيق ببطء. تشكل عرق بارد على جبين بيلفريد.

“ألا ترغبين في العيش بعد الآن؟” سألها أحد الرجلين.

لقد منحوها اسماً. وعندما سمعته، ابتسمت. لم تكن جولي تعرف حتى سبب قيامها بذلك، لكنها فعلت.

نعم، هذا بالضبط ما أشعر به، فكرت في ذلك الوقت. أريد أن أموت.

“نعم، أنا أفهم يا سيدي،” قالت جولي. لم تكن لديها أي نية

“إذا كان الأمر سيئاً إلى هذا الحد، هل أنهي حياتك من أجلك؟”

“ما معنى هذا؟”

شعرت بجزء منها بالارتياح. أخيراً، سينتهي كل شيء. لا مزيد من البرد، لا مزيد من الجوع القاتل. ستنتهي حياتها المظلمة.

كان زانوبا يشعر بسعادة غامرة دائماً كلما أكملت تمثالاً، وفي المناسبات التي كانت تتفوق فيها، لم يكتفِ بالثناء عليها بل سمح لها بشرب نبيذ فاخر أيضاً. وبصفتها قزمة، كان الكحول بالنسبة لها بمثابة رحيق الحياة. كان يدفئ جسدها بالكامل ويجعل قلبها يشعر بالخفة والبهجة. كان يجعل الذكريات المظلمة من طفولتها المبكرة تتلاشى بما يكفي لتستمتع حقاً بمدى روعة اللحظة الحالية. تلك المشاعر تحولت إلى الطاقة التي تحتاجها لمواصلة العمل بجد كل يوم، وقدمت لها الدافع للبدء في تمثال جديد.

كان الرجل الذي سألها هذا السؤال يتمتع بتعبير وجه جامد. كان غامضاً لدرجة أنها شعرت بأنه يعني ذلك حقاً؛ أنه إذا أومأت برأسها، فإنه سينهي حياتها بسهولة وسرعة تنفسه. كانت عيناه جديتين أكثر من أن يكون الأمر مجرد مزحة. لكن كلما أمعنت النظر فيهما، كلما شعرت بشيء غريب يتصاعد في داخلها. كان الأمر أشبه بأنه يحاول حقاً أن يقول: “لا يزال لديك ما يكفي من الحياة لتجربة الأمر مرة أخرى، أليس كذلك؟”

كانت أول ذكرى لجولي هي استلقاؤها في السرير ومراقبة والديها وهما منحنيان بظهورهما نحوها، يعملان على صنع شيء ما. كانت جباههما تكاد تتلامس بينما كانا يعبثان بشيء في أيديهما. هبت نسمة باردة عبر شق في الغرفة ولامست خد جولي. صرخت الطفلة، فابتسمت ليليتيلا على مضض وأسرعت نحوها لتضم ابنتها بين ذراعيها، محاولة تهدئتها.

بالطبع، لو قال ذلك بالفعل، لربما هزت رأسها وأصرت على أنها لا تستطيع الاستمرار. لكنه لم ينطق بكلمة، وظل يحدق فيها بصمت.

لم تسر الأمور كما كانت تأمل هذه المرة أيضًا. حسنًا، لا، لم يكن ذلك دقيقًا تمامًا: فخُطتها كانت في الواقع مثالية. في اللحظة التي وقعت فيها عينا بيلفريد على تمثالها، ارتفع حماسه إلى عنان السماء. أطلق صرخة تشبه صرخات المخلوقات غير البشرية، ثم تراجع مسرعًا إلى أعماق متجره، ليعود حاملاً كيسًا ضخمًا من العملات الذهبية. استخدمه على الفور ليتوسل إليها كي تبيعه التمثال.

لم يكن الأمر أن جولي لم تفكر في ذلك كخيار. كان الأمر ببساطة أن الكلمات التالية خرجت من شفتيها دون إرادة منها.

فعلت جولي ما طُلب منها وبدأت في المساعدة في تحضير الوجبة كالمعتاد. راقب زانوبا الاثنتين، وعيناه ضيقتان. كانت حياته الآن بسيطة للغاية، بعيدة كل البعد عن بذخ حياة القصر. ومع ذلك، كان بإمكانه قضاء اليوم كله في العبث بتماثيله ولن يغضب منه أحد. بالإضافة إلى ذلك، كان لديه شخص بجانبه يمكنه صنعها له، مما وفر له مصدراً مستمراً للتماثيل الجديدة. لا شيء يمكن أن يكون أكثر مثالية.

“لا أريد أن أموت.”

فكرت جولي في هذا الأمر بعمق. كان هذا بالضبط نوع الموقف الذي تحتاج فيه إلى شيء ما بشكل مفاجئ.

لم يكن هناك شيء في ذكرياتها يجعلها ترغب في العيش بنشاط، لكن لم يكن الأمر أنها تريد الموت حقاً.

“بغض النظر عن مدى قربك من زانوبا، فهذا ليس عذراً لسرقة تمثال فتاة صغيرة بريئة. هل فهمت ذلك؟” حدق فيه روديس.

هذا صحيح… أنا لا أريد أن أموت.

باستثناء جولي بالطبع، التي كانت الأكثر سوء حظ في عائلتها. كانت أصغر من أن تكون ذات فائدة تذكر. بالكاد كانت تستطيع الكلام في عمرها ذاك. لم تكن تلبي احتياجات أحد، لذا لم يكن هناك مشترون لها. يوماً بعد يوم، كانت تقف عند حافة سوق العبيد، وتحدق في قدميها. حتى تجار العبيد بدأوا يشعرون بالقلق بشأن ما يجب فعله بها. فالعبيد بشر في نهاية المطاف، مما يعني أن على التجار إطعامهم، وتوفير مكان دافئ للنوم، والتأكد من بقائهم بصحة جيدة.

بعد أن غسلوا جسدها من كل الأوساخ، وألبسوها ملابس باهظة الثمن لم ترَ مثلها من قبل، وأطعموها ألذ طعام تناولته في حياتها كلها، قالوا أخيراً…

بطريقة ما، تمكنت جولي من التخلص من ملاحقته وعادت إلى غرفة السكن وهي تلهث بشدة. استمر جسدها في الارتجاف من الخوف لفترة بعد ذلك. كانت تخشى أن يركل الباب في أي لحظة ويقتحم الغرفة خلفها. لحسن الحظ، لم يحدث ذلك، وعاد زانوبا لاحقًا، مما ساعدها على استعادة هدوئها.

“من اليوم فصاعداً، سيكون اسمك جولييت.”

أما بالنسبة لجولي، فقد ظلت تراقب زانوبا. ابتسمت بارتياح، وتلون خداها باللون الأحمر قليلاً.

لقد منحوها اسماً. وعندما سمعته، ابتسمت. لم تكن جولي تعرف حتى سبب قيامها بذلك، لكنها فعلت.

وهكذا مرت الأيام، مراراً وتكراراً. كانت حياة جولي هادئة وممتعة، وكانت ممتنة لروديوس وزانوبا لتوفيرهما ذلك لها. كانت تصلي بصدق لكي تستمر في البقاء معهما إلى الأبد، وهي تصنع تماثيلها كما كانت تفعل. وفي مرحلة ما، تحول صنع تلك التماثيل إلى هويتها الحقيقية.

لم تدرك الأمر إلا لاحقاً، حين فكرت في الأمر؛ في تلك اللحظة، شعرت أخيراً وكأن كل البؤس الذي عانت منه في حياتها قد انتهى. لا بد أن ابتسامتها حينها كانت نابعة من الارتياح… أو هكذا ظنت.

“إذن لماذا يا جولي…” خرجت كلماته مخنوقة. “لماذا؟!” “هاه؟” أجابت وهي تلتقط أنفاسها.

***

لقد تلطخت نصف حياة “جولييت” باليأس. وُلدت لأبوين من الأقزام، وحصلت حرفيًا على اسم “ابنة بازار من الفولاذ المقدس وليليتيلا من حافة الثلج الجميل”. في العرف القزمي، لا يُمنح الأطفال أسماءً حتى يبلغوا السابعة من عمرهم، لذا لم يكن هناك شيء غريب في كونها بلا اسم خاص بها. في ذلك الوقت، كان والدا جولييت يشيران إليها بـ “طفلتنا” أو “فتاتنا الحبيبة”، ولم تجد هي في ذلك أي غرابة.

كانت الحياة كعبدة مختلفة تماماً عما تخيلته. صحيح أن خيالها كان محدوداً بسبب ضيق تجاربها في الحياة، لكنها سمعت كيف كان العبيد الآخرون في بيت العبيد يندبون حظهم وما حل بهم. وبطبيعة الحال، توقعت أن يستمر يأسها.

بعد بضع سنوات، انهار والداها أخيراً تحت وطأة ديونهما. لقد تهربا من سداد الكثير من الأقساط لدرجة أن المرابين وضعوهما جميعاً على القوائم السوداء، مما جعل من المستحيل عليهما الاقتراض مجدداً. وبدون الوسائل لشراء المواد التي يحتاجانها، لم تكن لديهما طريقة لتأمين لقمة العيش، خاصة وأن الشتاء كان قد حل في الأقاليم الشمالية في ذلك الوقت.

قضت أيامها في رعاية زانوبا وتعلم سحر الأرض لتتمكن من استحضار وصنع التماثيل. كان هناك الكثير من الأشياء التي يتوجب عليها تذكرها، والكثير من الأوامر التي تنهال عليها، وإذا لم تلتزم بالقواعد وتفِ بالوعود التي قطعتها، كانوا يغضبون منها. كان عملاً شاقاً لمن هي في مثل سنها. ولم يساعدها كونها عبدة في الجامعة؛ إذ كان الطلاب الآخرون يعاملونها بسوء عندما لا يكون زانوبا يراقبها.

لكن كفى عن هذا. لنتحدث عن بازار وليليتيلا. لقد كانا مختلفين قليلاً عن بقية الأقزام. معظم الأقزام يعيشون في قارة “ميليس”، في الجزء الجنوبي من الغابة العظيمة على طول سفوح الجبال. كانوا يقضون وقتهم في استخراج الخام واستخدامه لصناعة الأسلحة، التي كانت تُستخدم للصيد أو تُباع لشراء الطعام. كانوا عرقاً بسيطاً للغاية من هذه الناحية.

ومع ذلك، فقد مرت بتجارب أسوأ قبل أن تُباع كعبدة. كانوا يطعمونها، ويسمحون لها باستخدام الماء الدافئ للاستحمام، ويوفرون لها مكاناً مريحاً للنوم. والأهم من ذلك، كان سيدها، زانوبا، لطيفاً جداً معها. قد يغضب أحياناً، لكنه لم يصرخ في وجهها قط. كان دائماً صبوراً للغاية، ويحرص على أن يكون كلامه واضحاً تماماً عند التواصل معها، رغم أنهما لم يتشاركا لغة مشتركة في البداية.

“…شكراً لك. سأستمر في صقل مهاراتي!”

كان يقول لها: “أنتِ لا تملكينني، أنتِ عبدة سيدي”.

كان روديس هو من أوقفه. تلاشت كل آثار الارتباك والمفاجأة من وجهه، وبدلاً من ذلك بدا غاضباً ومستعداً. “لماذا تبكي ايشا وتتوسل طلباً للمغفرة؟” طالب بمعرفة السبب.

كانت تلك عبارة يكررها في الأشهر القليلة الأولى التي عاشت فيها معه. وبصراحة، ربما كان يؤمن بذلك فعلاً. فبالنسبة له، كانت جولي مجرد “إعارة”. ولهذا السبب كان مهذباً جداً معها، ليس كما يكون مع ضيف ربما، بل كما يكون مع خادم أو وصيفة. كانت جولي فوضوية ولا تجيد فعل أي شيء بمفردها، لكن زانوبا لم ينظر إليها بدونية قط؛ بل علمها كل شيء تعرفه. كيف تنظف، كيف تعتني بالتماثيل والدمى، كيف تغسل الملابس، كيف ترتب التماثيل والدمى، كيف تطوي الثياب، آداب المائدة السليمة، وكيف تغسل التماثيل والدمى. كان زانوبا مستقلاً جداً رغم كونه من العائلة المالكة. وبفضل ذلك، تعلمت جولي كيف تعتني به في وقت قصير جداً.

زمّت ايشا شفتيها وفكرت في الأمر. كانت مقتنعة بأنها أزعجت زانوبا بسبب معاملتها لبيلفريد. إذا كانت قد أتلفت بضائعه الجميلة، فبالطبع سيكون زانوبا غاضباً من ذلك. كانت تلك سلعاً باهظة الثمن أنتجت للنبلاء، مما يعني خسارة شخصية كبيرة لبيلفريد إذا تحطمت. ربما كانت التكلفة ستفوق بكثير أي سعر قد تحصل عليه إذا قرروا بيعها.

ثم كان عليها تعلم اللغة والمهارات اللازمة لحرفتها. كان روديوس هو المسؤول الأول عن تعليمها ذلك، ولم يفقد صبره معها أبداً. حتى عندما كانت تجد صعوبة في استيعاب المفردات أو القواعد وتنكمش خوفاً من توبيخه، كان يحافظ على نبرة صوته الهادئة ويحاول بلطف معرفة ما يسبب لها الصعوبة. ومع ذلك، كان صارماً بطريقته الخاصة، حيث جعلها تكرر الشيء نفسه مراراً وتكراراً لأيام حتى ترسخ في ذهنها أخيراً.

تمكنا من حل سوء التفاهم بسرعة. بحلول نهاية المحادثة، كان روديوس وزانوبا يشعران بارتياح كبير، وحتى جولي بدت أكثر استرخاءً. اعتذر بيلفريد بشدة، وعلى الرغم من نظراته الطويلة إلى التمثال، فقد غادر.

بصراحة، لم تكن جولي معجبة بروديوس كثيراً في البداية. جزئياً لأنه كان يشبه الشرير في قصة خيالية حكى لها والداها إياها عندما كانت أصغر سناً، وجزئياً لأن كلماته عند لقائهما الأول تركت أثراً عميقاً في نفسها. كانت تعلم أنه يستطيع إنهاء كل شيء في لمح البصر. وإذا ناسبه الأمر، كان بإمكانه انتزاعها من الحياة التي اعتادت عليها. تلك الفكرة جعلت من الصعب عليها الاسترخاء في حضوره.

قضت أيامها في رعاية زانوبا وتعلم سحر الأرض لتتمكن من استحضار وصنع التماثيل. كان هناك الكثير من الأشياء التي يتوجب عليها تذكرها، والكثير من الأوامر التي تنهال عليها، وإذا لم تلتزم بالقواعد وتفِ بالوعود التي قطعتها، كانوا يغضبون منها. كان عملاً شاقاً لمن هي في مثل سنها. ولم يساعدها كونها عبدة في الجامعة؛ إذ كان الطلاب الآخرون يعاملونها بسوء عندما لا يكون زانوبا يراقبها.

لحسن الحظ، تلاشى ذلك الشعور سريعاً. لم يفعل روديوس لها شيئاً حتى عندما فشلت في تلبية توقعاته. في الواقع، أظهر لها اهتماماً كبيراً وابتسم لها. تضاءل أي قلق شعرت به تدريجياً حتى أصبحت مرتاحة تماماً في وجوده.

أم، سيد زانوبا، ألن تساعدني؟”

ربما كان زانوبا مسؤولاً عن ذلك أيضاً. كان دائماً يتناول وجباته معها، وينام بالقرب منها، وكلما مرضت أو أصيبت أو حتى شعرت بوعكة بسيطة، كان يسارع فوراً لإحضار روديوس أو معالج. عندما مرت بأول دورة شهرية لها في ذلك اليوم، حاول جاهداً أن يكون بجانبها رغم أنه لم يكن لديه أدنى فكرة عما يفعله. كان زانوبا مذعوراً وقلقاً، وفي حيرة من أمره، وقد عاملها حقاً كما لو كانت أخته الصغرى.

فعلت جولي ما طُلب منها وبدأت في المساعدة في تحضير الوجبة كالمعتاد. راقب زانوبا الاثنتين، وعيناه ضيقتان. كانت حياته الآن بسيطة للغاية، بعيدة كل البعد عن بذخ حياة القصر. ومع ذلك، كان بإمكانه قضاء اليوم كله في العبث بتماثيله ولن يغضب منه أحد. بالإضافة إلى ذلك، كان لديه شخص بجانبه يمكنه صنعها له، مما وفر له مصدراً مستمراً للتماثيل الجديدة. لا شيء يمكن أن يكون أكثر مثالية.

في الواقع، لم تكن جولي تعرف ما إذا كان لديه إخوة، وإذا كان لديه، فما نوع الأشخاص الذين هم عليه. لم يتحدث زانوبا معها قط عن عائلته. في المقابل، كان زانوبا يسهب يومياً في الحديث عن أي تماثيل أو دمى يراها في السوق، أو عن تلك التي يمتلكها. كان يبدو سعيداً بصدق عندما يفعل ذلك. ربما لم يسبق له أن وجد شخصاً يشاركه هوايته من قبل، ولكن من الطبيعي أيضاً أن يستمتع المرء بالحديث عن شغفه. خمنت جولي أن سبب عدم حديثه عن منزله أو عائلته هو أنها لم تكن محادثة ممتعة بالنسبة له. وشعرت هي بالأمر نفسه؛ فهي لم تكن ترغب حقاً في تذكر كيف كانت حياتها قبل أن تصبح عبدة.

أمسكت بالمال وتوجهت إلى حي الحرفيين. المكان الذي كانت تقصده لم يكن سوى متجر بيلفريد. كان زانوبا قد اصطحبها إلى هناك مرات عديدة من قبل، لذا كانت تعرف تماماً مدى احترامه لجودة عمل بيلفريد. ولهذا السبب قررت شراء سرير يناسب تمثالها الصغير حتى تتمكن من تقديمه لزانوبا.

كان زانوبا يقضي كل ليلة -وأحياناً فترات بعد الظهر- في الثرثرة بلا توقف عن الدمى والتماثيل. كان يمتلك معرفة واسعة في مجموعة متنوعة من المجالات، وكلها دقيقة ومحددة. وبفضله، أصبحت هي أيضاً أكثر علماً تدريجياً. وفي كل مرة كانت تستعرض فيها المهارات أو المعرفة التي تعلمتها، كان زانوبا يشعر بالرضا ويثني عليها، مما جعلها أكثر حماساً للدراسة.

“همم؟ أوه! ستسمحين لي بامتلاكه؟ آه، حسناً، إذا كنتِ تصرين!” امتدت أصابعه نحوه.

كانت جينجر صارمة مع جولي عند وصولها، خاصة فيما يتعلق بالإتيكيت والملابس وطريقة الكلام. ومع ذلك، لم تتغير حياة جولي كثيراً بسبب هذا، خاصة وأن جينجر لم تعامل جولي كعبدة؛ بل اعتبرتها زميلة تخدم زانوبا.

بعد أن غسلوا جسدها من كل الأوساخ، وألبسوها ملابس باهظة الثمن لم ترَ مثلها من قبل، وأطعموها ألذ طعام تناولته في حياتها كلها، قالوا أخيراً…

ومع مرور الأيام، وجدت جولي شيئاً ثميناً خاصاً بها؛ وهو عملها في صنع التماثيل. لم تكن بالتأكيد وظيفة تمنتها لنفسها. كان مجرد شيء بدأته لأن سيدها أمرها بذلك بصفتها عبدة. لكن إذا كانت صادقة مع نفسها، فقد كان الأمر ممتعاً للغاية.

لا شك أن زانوبا سيصرخ بأعلى صوته ويدور في الغرفة مبدياً إعجابه الشديد عندما يراه. كما أنها كانت تعلم أنه سيغمرها بالمديح أيضاً.

كان زانوبا بصراحة فظيعاً عندما يتعلق الأمر بالجانب الحرفي للتماثيل، لكنه علمها كل ما يستطيع وقدم لها الأدوات إذا احتاجتها. وهكذا بنت مهاراتها ببطء، تقنية جديدة تلو الأخرى. وكلما تحسنت، زادت قدرتها على صنع الأشياء تماماً كما تتخيلها في رأسها.

لكن هنا انتهى حظها. فحتى فيبريتو لم يكن لديه رفاهية الاهتمام بما يعتبره بضاعة تالفة في مستودعه. بدأت معاملته لجولي تصبح مهملة تدريجياً حتى توقف عن إخراجها إلى ساحة البيع تماماً.

كان زانوبا يشعر بسعادة غامرة دائماً كلما أكملت تمثالاً، وفي المناسبات التي كانت تتفوق فيها، لم يكتفِ بالثناء عليها بل سمح لها بشرب نبيذ فاخر أيضاً. وبصفتها قزمة، كان الكحول بالنسبة لها بمثابة رحيق الحياة. كان يدفئ جسدها بالكامل ويجعل قلبها يشعر بالخفة والبهجة. كان يجعل الذكريات المظلمة من طفولتها المبكرة تتلاشى بما يكفي لتستمتع حقاً بمدى روعة اللحظة الحالية. تلك المشاعر تحولت إلى الطاقة التي تحتاجها لمواصلة العمل بجد كل يوم، وقدمت لها الدافع للبدء في تمثال جديد.

“حسناً، ولا أنا، ولكن هل ستكون راضياً حقاً بالحصول على تمثال تريده مجاناً؟ لا تخدع نفسك. أنت تعلم أن هذا أمر جيد جداً ليكون حقيقياً.”

كان من دواعي سرور جولي أن تشعر بتحسن مهاراتها وأن ترى إبداعاتها تجلب الكثير من الفرح لشخص آخر. كانت المرة الأولى التي تختبر فيها شيئاً كهذا، وساعدها ذلك على تكريس نفسها لصناعة التماثيل. كانت تبذل كل جهدها في صنع التماثيل لتريها لزانوبا. كان عادة ما يغمره الفرح، رغم أنه كان يقدم نقداً لاذعاً أحياناً. وعندما كان يحدث ذلك، كانت تصنع التمثال التالي بعناية أكبر، مبتكرة طرقاً لتحسين إخفاقاتها السابقة. أحياناً كان المنتج النهائي يكون أفضل قليلاً، وأحياناً أخرى يكون أسوأ قليلاً.

أما بالنسبة لجولي، فقد ظلت تراقب زانوبا. ابتسمت بارتياح، وتلون خداها باللون الأحمر قليلاً.

وهكذا مرت الأيام، مراراً وتكراراً. كانت حياة جولي هادئة وممتعة، وكانت ممتنة لروديوس وزانوبا لتوفيرهما ذلك لها. كانت تصلي بصدق لكي تستمر في البقاء معهما إلى الأبد، وهي تصنع تماثيلها كما كانت تفعل. وفي مرحلة ما، تحول صنع تلك التماثيل إلى هويتها الحقيقية.

مهما كان الأمر، كان هناك شيء واحد واضح تماماً: الحياة التي اختاراها لم تكن سهلة. والأسوأ من ذلك، أنهما كانا على وشك الإفلاس عندما وُلدت جولي. لقد غرقا في المزيد من الديون لسداد ديون سابقة، ومهما عملا بجد، لم يكونا يكسبان ما يكفي لمواكبة الفوائد. كانت ديونهما تتراكم وتزداد باستمرار.

في يوم عادي من بين الأيام السعيدة الكثيرة التي قضتها في شاريا، أنهت جولي تمثالاً كما كانت تفعل دائماً. ومع ذلك، كان هذا التمثال مختلفاً قليلاً؛ لا شيء درامي بالطبع، مجرد اختلاف بسيط. وبطبيعة الحال، فقد صنعته باستخدام نفس التقنيات التي استخدمتها في التماثيل الأخرى. استحضرت قاعدة التمثال بسحر الأرض ونحتت الزوائد حتى أصبح بحجم موحد. ثم استخدمت سكينها لإتقان الشكل، بينما تكفل سحرها بصقل البقية. كانت تلك عمليتها المعتادة.

كانت عيناه متسعتين بشكل غير طبيعي، وكان اللعاب يسيل من فمه وهو يندفع نحوها. وبطبيعة الحال، أثار ذلك ذعرها. ارتجف جسدها بالكامل. دفعت جولي بيلفريد بعيدًا عنها بغريزتها وانطلقت مسرعة نحو الباب. حاول بيلفريد ملاحقتها، لكن الخوف دفع ساقيها الصغيرتين للركض بأقصى سرعة ممكنة. اصطدمت برفٍ أثناء توجهها نحو الباب مما أدى إلى تناثر محتوياته على الأرض، لكنها لم تلتفت خلفها وهي تهرب. ولسوء حظها، تجاهل بيلفريد ذلك أيضًا وواصل مطاردتها، وهو يصرخ بشيء غير مفهوم أثناء ذلك.

لكن هذه المرة، لاحظت أن هناك شيئًا غير مألوف بمجرد انتهائها. أو بالأحرى، لم يكن هناك أي خطأ في التمثال على الإطلاق. وهذا بالضبط ما أثار قلقها. كان التمثال مثاليًا من الناحية العملية. لا تزال مهاراتها في المستوى المتوسط فقط، لذا فمن الطبيعي أن ترتكب خطأً ما أثناء العملية. كان هذا أمرًا متوقعًا؛ فهذه التماثيل ليست مجسمات بالحجم الطبيعي للبشر، بل هي نماذج مصغرة لا تحافظ على النسب أو التشريح الدقيق. ومع ذلك، كان هذا التمثال يفتقر إلى أي من تلك العيوب المتوقعة. كان متوازنًا بشكل جيد، فذراعاه وساقاه تمتلكان انحناءات طبيعية، وسطحه مصقول بعناية، وحتى التفاصيل الأكثر تعقيدًا تم تعديلها بدقة لتصل إلى حد الكمال.

“نعم، أنا أفهم يا سيدي،” قالت جولي. لم تكن لديها أي نية

والأهم من ذلك، يمكنك أن تدرك بنظرة واحدة عابرة أن التمثال كان رائعًا. لم تكن جولي تعرف ما الذي جعله يبدو كذلك تحديدًا، لكنها تذكرت هذا الشعور الغريب. عندما أراها زانوبا التماثيل التي كان يحتفظ بها بعناية في أقصى زاوية من مخزن سكنه، شعرت بشيء مشابه. ببساطة، كانت تلك التماثيل تحفًا فنية.

كما كُتب بالفعل مرات عديدة، كانت ايشا ممتنة حقاً لزانوبا وروديس. كانت أيضاً راضية عن حياتها الحالية. أرادت أن تستمر الأمور على هذا النحو. كانت تلك أمنيتها.

عندما أدركت جولي ما كانت تشعر به، تصاعد شيء لا يمكن وصفه

كلما غضب زانوبا منها، كانت ايشا تحاول بجنون تصحيح الخطأ. عادة ما كان ذلك كافياً لإصلاح الأمور. في الواقع، كان زانوبا وروديس دائماً سريعين في مسامحتها. فلماذا إذن شعرت بالذعر؟ كان الجواب بسيطاً. بسيطاً للغاية.

من أعماق معدتها؛ شعور لم تستطع إيجاد اسم له. لم تحلم قط بأنها ستكون قادرة على صنع شيء كهذا. كانت تظن أن الأمر سيستغرق سنوات عديدة أخرى قبل أن تتمكن من صنع شيء يضاهي التحفة الفنية. لا، في الحقيقة، لم تكن واثقة من أنها ستحقق شيئًا كهذا على الإطلاق. أن تصل إلى هذا المستوى الآن، ومن العدم، كان أمرًا لا يصدق.

“من اليوم فصاعداً، سيكون اسمك جولييت.”

لم يكن الأمر وكأنها صنعت هذا في بضع ساعات من العمل البسيط. لقد كرست له قدراً كبيراً من وقتها. كان ينبغي عليها إنهاؤه بسرعة أكبر بما أنها استخدمت كامل طاقتها السحرية أثناء صنعه، لكن الأمر استغرق شهراً كاملاً. لقد وظفت كل ذرة من المعرفة والخبرة التي راكمتها في ابتكار هذه القطعة، ومع ذلك: لم تكن لتتوقع أبداً في حياتها أن تخرج بهذه الروعة. لم تكن تعتقد أنها قادرة على فعل شيء كهذا. ولو طلب منها أحدهم تكرار الأمر، لساورها الشك في قدرتها على إنجازه مجدداً. لكن لم يكن هناك مجال للخطأ: التمثال الصغير بين يديها كان من صنع يديها حقاً.

“ايشا… هل ترغبين في التوقف عن كونك عبدتي؟” اخترقت تلك الكلمات قلبها بعمق.

غمرتها المشاعر، وسرعان ما تبادر إلى ذهنها وجه معين؛ وجه بيضاوي يرتدي نظارات، يعود لفتى ناضج ذي ملامح عادية تماماً… زانوبا.

“ألا ترغبين في العيش بعد الآن؟” سألها أحد الرجلين.

يجب أن أري هذا للمعلم، هكذا فكرت.

بعد أن غسلوا جسدها من كل الأوساخ، وألبسوها ملابس باهظة الثمن لم ترَ مثلها من قبل، وأطعموها ألذ طعام تناولته في حياتها كلها، قالوا أخيراً…

لا شك أن زانوبا سيصرخ بأعلى صوته ويدور في الغرفة مبدياً إعجابه الشديد عندما يراه. كما أنها كانت تعلم أنه سيغمرها بالمديح أيضاً.

“أ-أخشى أنني لا أملك أدنى فكرة،” قال بيلفريد.

يجب أن أجعله يراه فوراً!

عادت جينجر في اللحظة التي كان يغادر فيها الآخران. عندما سمعت بما حدث، وبخت زانوبا قائلة: “أنت تعاملها بشكل جيد جداً وقد منحتها تعليماً جيداً، لدرجة أنه يصعب على المرء أن يصدق أنها في الواقع عبدة. ببساطة لا يوجد سبب يجعلها تحاول شراء حريتها دون أن تقول كلمة لك أولاً. من غير اللائق أن تشك في رعاياك هكذا، يا صاحب السمو.”

مع وضع هذه الفكرة في اعتبارها، التقطت التمثال وهي تنوي التوجه مباشرة إلى زانوبا. كانت المشكلة أنه كان في ضواحي شاريا يعمل على تعديل درع روديوس السحري في تلك اللحظة. إذا انطلقت مسرعة، فستتمكن من الوصول إليه قبل أن يعود إلى منزله. وهذا سيضمن عدم تفويت فرصة لقائهما.

أم، سيد زانوبا، ألن تساعدني؟”

توقفت جولي عند الباب، وزمّت شفتيها في تفكير وهي تمسك بالتمثال في يدها. كانت قطعة عالية الجودة، كانت متأكدة من ذلك تماماً. كل خلية في جسدها كانت تصرخ بأن هذه تحفة فنية. لكن هل يمكنها حقاً أن تعرضها على زانوبا بهذا الشكل؟ من المؤكد أنه سيسعد بها، ولكن عند التفكير في الأمر، فإن كل التحف الأخرى التي عرضها عليها كانت محفوظة بعناية في صناديق خشبية مبطنة بقماش جميل.

ألقت جولي نظرة على أرجاء منطقة عملها. نظرت إلى كل أدوات العمل والمستلزمات التي تستخدمها لصنع التماثيل، لكن لم يكن هناك شيء يشبه الصندوق. وبما أن سحرها كان يوفر كل المواد اللازمة لحرفتها، وفقاً للأسلوب الذي علّمها إياه روديوس، فهي لا تملك مستلزمات يمكنها استخدامها لصنع صندوق. ومع ذلك، كان لديها كيس من الكتان الأبيض. أصدر صوتاً عند التقاطه. لم يكن ثقيلاً جداً، لكنه كان يتمتع بوزن معقول. وبداخله كانت هناك بعض العملات النحاسية والفضية الآسورية.

كل بضعة أيام، كان زانوبا يفتح صناديق تماثيله الأكثر قيمة ليتفقدها. كان دائماً ما يرتسم على وجهه تعبير من الترقب العميق وهو يفك الأربطة التي تغلق الصندوق. كان وجهه يضيء عندما يرى التمثال بالداخل، وكانت لمساته رقيقة للغاية وهو يرفعه ويضعه على مكتبه، معجباً به مع تنهيدة مسموعة.

“ايشا… هل ترغبين في التوقف عن كونك عبدتي؟” اخترقت تلك الكلمات قلبها بعمق.

أجل، صندوق. عنصر ضروري لتعزيز قيمة التحفة الفنية.

نعم، هذا بالضبط ما أشعر به، فكرت في ذلك الوقت. أريد أن أموت.

ألقت جولي نظرة على أرجاء منطقة عملها. نظرت إلى كل أدوات العمل والمستلزمات التي تستخدمها لصنع التماثيل، لكن لم يكن هناك شيء يشبه الصندوق. وبما أن سحرها كان يوفر كل المواد اللازمة لحرفتها، وفقاً للأسلوب الذي علّمها إياه روديوس، فهي لا تملك مستلزمات يمكنها استخدامها لصنع صندوق. ومع ذلك، كان لديها كيس من الكتان الأبيض. أصدر صوتاً عند التقاطه. لم يكن ثقيلاً جداً، لكنه كان يتمتع بوزن معقول. وبداخله كانت هناك بعض العملات النحاسية والفضية الآسورية.

“ألا ترغبين في العيش بعد الآن؟” سألها أحد الرجلين.

كان زانوبا يدفع لجولي أجراً مقابل كل ما تقوم به من عمل. لم تكن تتذكر تماماً متى بدأ ذلك، لكنه أصر على أن تأخذه تحسباً لحاجتها إليه فجأة. في الآونة الأخيرة، كان يدفع لها مبلغاً سخياً بشكل خاص. لم تكن جينجر مسرورة بذلك على الإطلاق، حيث كانت تصر قائلة: “لا أرى سبباً يجعلها بحاجة إلى المال”، لكن زانوبا تجاهل احتجاجاتها. إصراره على الدفع لها جعلها تشك في أن المعلم الكبير روديوس قد قال له شيئاً ما.

بالطبع، لو قال ذلك بالفعل، لربما هزت رأسها وأصرت على أنها لا تستطيع الاستمرار. لكنه لم ينطق بكلمة، وظل يحدق فيها بصمت.

فكرت جولي في هذا الأمر بعمق. كان هذا بالضبط نوع الموقف الذي تحتاج فيه إلى شيء ما بشكل مفاجئ.

قال: “سأكون أكثر من سعيد بصنع سرير لها. سأصنع سريرًا فخمًا لدرجة أنها ستتمكن من النوم فيه بدفء وراحة بجانبي لبقية حياتها! لن تجدي شخصًا أنسب مني للاعتناء بها، خاصة مع مهاراتي في صناعة الأسرّة. سأجعل تلك الفتاة الجميلة ترتاح وأدعها تنام بسلام على وسادة فريدة من نوعها! والآن، أرجوكِ! كوني لطيفة واقبلي عرضي!”

أمسكت بالمال وتوجهت إلى حي الحرفيين. المكان الذي كانت تقصده لم يكن سوى متجر بيلفريد. كان زانوبا قد اصطحبها إلى هناك مرات عديدة من قبل، لذا كانت تعرف تماماً مدى احترامه لجودة عمل بيلفريد. ولهذا السبب قررت شراء سرير يناسب تمثالها الصغير حتى تتمكن من تقديمه لزانوبا.

زمّت ايشا شفتيها وفكرت في الأمر. كانت مقتنعة بأنها أزعجت زانوبا بسبب معاملتها لبيلفريد. إذا كانت قد أتلفت بضائعه الجميلة، فبالطبع سيكون زانوبا غاضباً من ذلك. كانت تلك سلعاً باهظة الثمن أنتجت للنبلاء، مما يعني خسارة شخصية كبيرة لبيلفريد إذا تحطمت. ربما كانت التكلفة ستفوق بكثير أي سعر قد تحصل عليه إذا قرروا بيعها.

للأسف، لم تسر الأمور كما توقعت. كان السعر أعلى بكثير مما يمكنها دفعه. كانت المنتجات المعروضة في متجره تفوق قدراتها المالية بدخلها الحالي. كان ذلك طبيعياً بما أن أعماله كانت مخصصة للنبلاء. ورغم صدمتها من بطاقات الأسعار، إلا أنها رفضت الاستسلام وحاولت المساومة مع بيلفريد.

الفصل الحادي عشر:

كان زانوبا أحد عملاء بيلفريد المميزين. لم يكن يشتري أي دمى، لكن

بفضل قفاز زاليف، تضاعفت قوة روديس العادية إلى درجة مبهرة. أمسك بيلفريد بقوة لدرجة أن الأخير لم يستطع الابتعاد حتى لو أراد ذلك. والأسوأ من ذلك، أن قبضة روديس كانت تضيق ببطء. تشكل عرق بارد على جبين بيلفريد.

كان يثني كثيراً على “الأسرة” التي يصنعها بيلفريد. كان يحضر تماثيله الخاصة ويطلب من بيلفريد صنع أسرة مخصصة لها. وكلما زادت جودة العمل الذي يحضره، كان بيلفريد مستعداً لخفض أسعاره. ولهذا السبب كانت تأمل في الحصول على صفقة في حدود ميزانيتها من خلال عرض التمثال الذي تملكه عليه.

أكثر ما علق في ذاكرة ايشا كان حلي والدتها، المنحوتة من الخشب. كانت تستطيع نحت كتلة من الخشب لتتحول إلى أجمل زنبقة. لم تستطع ايشا تذكر ما الذي كانت والدتها تضع تلك الزنابق عليه في النهاية، لكنها كانت تتذكر الزهور نفسها بوضوح. ومع تلك الذكريات كدليل، نحتت ايشا زنابق على صندوقها الخاص. رؤية الصندوق وهو يقترب تدريجياً من الاكتمال جعلت كل يوم أكثر متعة من الذي قبله. بالتأكيد سيكون زانوبا مسروراً، أليس كذلك؟ تساءلت كيف سيعبر عن سعادته. هل سيطلق صرخة مرحة كما يفعل عادة؟ أم أنه سيضيق عينيه بشدة حتى تختفي في خديه، مظهراً فرحاً أكثر هدوءاً؟ كلما تخيلت ذلك، زاد خفقان قلبها ترقباً.

لم تسر الأمور كما كانت تأمل هذه المرة أيضًا. حسنًا، لا، لم يكن ذلك دقيقًا تمامًا: فخُطتها كانت في الواقع مثالية. في اللحظة التي وقعت فيها عينا بيلفريد على تمثالها، ارتفع حماسه إلى عنان السماء. أطلق صرخة تشبه صرخات المخلوقات غير البشرية، ثم تراجع مسرعًا إلى أعماق متجره، ليعود حاملاً كيسًا ضخمًا من العملات الذهبية. استخدمه على الفور ليتوسل إليها كي تبيعه التمثال.

“من اليوم فصاعداً، سيكون اسمك جولييت.”

قال: “سأكون أكثر من سعيد بصنع سرير لها. سأصنع سريرًا فخمًا لدرجة أنها ستتمكن من النوم فيه بدفء وراحة بجانبي لبقية حياتها! لن تجدي شخصًا أنسب مني للاعتناء بها، خاصة مع مهاراتي في صناعة الأسرّة. سأجعل تلك الفتاة الجميلة ترتاح وأدعها تنام بسلام على وسادة فريدة من نوعها! والآن، أرجوكِ! كوني لطيفة واقبلي عرضي!”

في محاولة يائسة للتمسك بآخر أمل لإنقاذ الموقف، ركضت ايشا عائدة إلى غرفتها. شعرت وكأن العالم يضيق حولها. كانت ساقاها غير ثابتتين وهما تحملانها، وظلت يداها ترتجفان، لكنها تمكنت بطريقة ما من الوصول إلى تحت السرير وإخراج الشيء الذي خبأته هناك—التمثال، التحفة الفنية التي صنعتها بنفسها. الشيء الوحيد الذي كان بيلفريد يريده بشدة.

كانت عيناه متسعتين بشكل غير طبيعي، وكان اللعاب يسيل من فمه وهو يندفع نحوها. وبطبيعة الحال، أثار ذلك ذعرها. ارتجف جسدها بالكامل. دفعت جولي بيلفريد بعيدًا عنها بغريزتها وانطلقت مسرعة نحو الباب. حاول بيلفريد ملاحقتها، لكن الخوف دفع ساقيها الصغيرتين للركض بأقصى سرعة ممكنة. اصطدمت برفٍ أثناء توجهها نحو الباب مما أدى إلى تناثر محتوياته على الأرض، لكنها لم تلتفت خلفها وهي تهرب. ولسوء حظها، تجاهل بيلفريد ذلك أيضًا وواصل مطاردتها، وهو يصرخ بشيء غير مفهوم أثناء ذلك.

بالطبع، لو قال ذلك بالفعل، لربما هزت رأسها وأصرت على أنها لا تستطيع الاستمرار. لكنه لم ينطق بكلمة، وظل يحدق فيها بصمت.

بطريقة ما، تمكنت جولي من التخلص من ملاحقته وعادت إلى غرفة السكن وهي تلهث بشدة. استمر جسدها في الارتجاف من الخوف لفترة بعد ذلك. كانت تخشى أن يركل الباب في أي لحظة ويقتحم الغرفة خلفها. لحسن الحظ، لم يحدث ذلك، وعاد زانوبا لاحقًا، مما ساعدها على استعادة هدوئها.

بعد أن غسلوا جسدها من كل الأوساخ، وألبسوها ملابس باهظة الثمن لم ترَ مثلها من قبل، وأطعموها ألذ طعام تناولته في حياتها كلها، قالوا أخيراً…

لم يعد بإمكان ايشا العودة إلى ذلك المتجر الآن، ليس بعد ما حدث. فما الذي كان بوسعها فعله إذًا؟ في تلك الليلة، ظلت تفكر في الأمر مليًا حتى تذكرت أخيرًا شيئًا قاله لها روديوس: “إذا كنتِ بحاجة إلى شيء ولا تملكينَه، فاصنعيه فحسب”. لم تكن تتذكر متى أو لماذا قال ذلك، ولكن بغض النظر، فقد اشتروها لهذا الغرض تحديدًا: لصناعة الأشياء. والآن، أصبحت تمتلك سحر الأرض والأدوات اللازمة لتشكيل أي شيء تستحضره وصقله حتى الكمال.

ساورها شعور سيء في اللحظة التي رأته فيها يدخل وبرفقته بيلفريد. ففي النهاية، كان الاثنان صديقين مقربين، وكانت هي قد دفعت بيلفريد وهربت من متجره. عندما أسقطت أحد أرففه في هذه العملية، ربما تكون قد أتلفت بعض بضائعه أيضاً. فقط الآن أدركت مدى فظاظتها. توقعت أن يكون زانوبا غاضباً منها. لم يصرخ عليها قط، لكنه كان مستاءً منها في بعض المناسبات. كان صارماً بشكل خاص عندما ترتكب خطأً ما. أحياناً كان يعاقبها حتى يتأكد من أنها فهمت أن ما فعلته كان خطأ وألا تكرر نفس الأخطاء في المرة القادمة.

في اليوم التالي مباشرة، بدأت ايشا باستخدام أدواتها لصنع صندوق. استحضرت الشكل الأساسي باستخدام سحر الأرض، ثم استخدمت المانا وأدواتها لتشكيله بدقة. لقد فعلت هذا مئات وآلاف المرات من قبل. لم يكن مهماً أنها تصنع صندوقاً بدلاً من تمثال في المراحل الأولية، على الأقل. ومع ذلك، كان إكمال المشروع صعباً، لأن التفاصيل الأكثر تعقيداً تطلبت عملية ومجموعة مهارات مختلفة. لم تكن قد انتهت بعد بعد عدة أيام من العمل: ربما أنجزت حوالي سبعين بالمائة منه. ومع ذلك، كان تقدماً مبهراً بالنظر إلى أنها لم تفعل شيئاً كهذا من قبل.

ربما كان الأمر سيختلف لو كانت هي وزانوبا فقط. ربما لم تكن الأمور لتنتهي هكذا لولا مواجهتها مع بيلفريد. ربما لم تكن لتشعر بهذا القدر من الضغط لو لم يكن روديس حاضراً أيضاً. ربما كان بإمكانها التفكير بهدوء فيما يقوله والإجابة بصدق أنها لا، لا تزال ترغب في البقاء بجانبه.

بينما كانت تصنع صندوقها، عادت إليها ذكرى من سنوات شبابها. رأت وجهي والديها، تحت ضوء خافت في منزلهما الكئيب والضيق. بصراحة، لم تكن لديها الكثير من الذكريات الجميلة عنهما. كانا غالباً ما يصرخان في وجه بعضهما البعض بسبب المال أو يبدوان بائسين. الشيء الوحيد الجيد الذي يمكنها قوله عنهما هو أنهما كانا يعملان بجد. ليلة بعد ليلة، ومع شمعة واحدة فقط للإنارة، كانا ينحتان شيئاً ما ببطء. كان والدها صاخباً عادة خلال النهار، ولكن عندما يحل الليل، كان يصمت صمتاً مميتاً وهو ينسج المعدن معاً في منتج نهائي يشبه السلسلة.

توقفت جولي عند الباب، وزمّت شفتيها في تفكير وهي تمسك بالتمثال في يدها. كانت قطعة عالية الجودة، كانت متأكدة من ذلك تماماً. كل خلية في جسدها كانت تصرخ بأن هذه تحفة فنية. لكن هل يمكنها حقاً أن تعرضها على زانوبا بهذا الشكل؟ من المؤكد أنه سيسعد بها، ولكن عند التفكير في الأمر، فإن كل التحف الأخرى التي عرضها عليها كانت محفوظة بعناية في صناديق خشبية مبطنة بقماش جميل.

أكثر ما علق في ذاكرة ايشا كان حلي والدتها، المنحوتة من الخشب. كانت تستطيع نحت كتلة من الخشب لتتحول إلى أجمل زنبقة. لم تستطع ايشا تذكر ما الذي كانت والدتها تضع تلك الزنابق عليه في النهاية، لكنها كانت تتذكر الزهور نفسها بوضوح. ومع تلك الذكريات كدليل، نحتت ايشا زنابق على صندوقها الخاص. رؤية الصندوق وهو يقترب تدريجياً من الاكتمال جعلت كل يوم أكثر متعة من الذي قبله. بالتأكيد سيكون زانوبا مسروراً، أليس كذلك؟ تساءلت كيف سيعبر عن سعادته. هل سيطلق صرخة مرحة كما يفعل عادة؟ أم أنه سيضيق عينيه بشدة حتى تختفي في خديه، مظهراً فرحاً أكثر هدوءاً؟ كلما تخيلت ذلك، زاد خفقان قلبها ترقباً.

كان زانوبا يدفع لجولي أجراً مقابل كل ما تقوم به من عمل. لم تكن تتذكر تماماً متى بدأ ذلك، لكنه أصر على أن تأخذه تحسباً لحاجتها إليه فجأة. في الآونة الأخيرة، كان يدفع لها مبلغاً سخياً بشكل خاص. لم تكن جينجر مسرورة بذلك على الإطلاق، حيث كانت تصر قائلة: “لا أرى سبباً يجعلها بحاجة إلى المال”، لكن زانوبا تجاهل احتجاجاتها. إصراره على الدفع لها جعلها تشك في أن المعلم الكبير روديوس قد قال له شيئاً ما.

كما كُتب بالفعل مرات عديدة، كانت ايشا ممتنة حقاً لزانوبا وروديس. كانت أيضاً راضية عن حياتها الحالية. أرادت أن تستمر الأمور على هذا النحو. كانت تلك أمنيتها.

كان خيارهما الوحيد هو الموت كعائلة أو إيجاد طريقة للعيش كعبيد. ومع عدم وجود خيارات أخرى واضحة، اختارا الخيار الأخير.

“ايشا… هل ترغبين في التوقف عن كونك عبدتي؟” اخترقت تلك الكلمات قلبها بعمق.

“أفترض أنكِ كنتِ ترغبين حقاً في جمع المال لشراء حريتك؟ إذا كان الأمر كذلك، لماذا لم تتحدثي معي أولاً؟ كنت سأدفع بسعادة ثلاثمائة عملة ذهبية مقابل هذا التمثال! لا، ربما لم أكن لأتمكن من جمع الأموال فوراً، لكنني أقسم أنني سأجد طريقة إذا لزم الأمر! أضع شرفي على المحك! ويجب أن تكوني قد عرفتني جيداً بما يكفي الآن لتعرفي مدى استعدادي للدفع مقابله!”

ساورها شعور سيء في اللحظة التي رأته فيها يدخل وبرفقته بيلفريد. ففي النهاية، كان الاثنان صديقين مقربين، وكانت هي قد دفعت بيلفريد وهربت من متجره. عندما أسقطت أحد أرففه في هذه العملية، ربما تكون قد أتلفت بعض بضائعه أيضاً. فقط الآن أدركت مدى فظاظتها. توقعت أن يكون زانوبا غاضباً منها. لم يصرخ عليها قط، لكنه كان مستاءً منها في بعض المناسبات. كان صارماً بشكل خاص عندما ترتكب خطأً ما. أحياناً كان يعاقبها حتى يتأكد من أنها فهمت أن ما فعلته كان خطأ وألا تكرر نفس الأخطاء في المرة القادمة.

ربما كان زانوبا مسؤولاً عن ذلك أيضاً. كان دائماً يتناول وجباته معها، وينام بالقرب منها، وكلما مرضت أو أصيبت أو حتى شعرت بوعكة بسيطة، كان يسارع فوراً لإحضار روديوس أو معالج. عندما مرت بأول دورة شهرية لها في ذلك اليوم، حاول جاهداً أن يكون بجانبها رغم أنه لم يكن لديه أدنى فكرة عما يفعله. كان زانوبا مذعوراً وقلقاً، وفي حيرة من أمره، وقد عاملها حقاً كما لو كانت أخته الصغرى.

كلما غضب زانوبا منها، كانت ايشا تحاول بجنون تصحيح الخطأ. عادة ما كان ذلك كافياً لإصلاح الأمور. في الواقع، كان زانوبا وروديس دائماً سريعين في مسامحتها. فلماذا إذن شعرت بالذعر؟ كان الجواب بسيطاً. بسيطاً للغاية.

زمّت ايشا شفتيها وفكرت في الأمر. كانت مقتنعة بأنها أزعجت زانوبا بسبب معاملتها لبيلفريد. إذا كانت قد أتلفت بضائعه الجميلة، فبالطبع سيكون زانوبا غاضباً من ذلك. كانت تلك سلعاً باهظة الثمن أنتجت للنبلاء، مما يعني خسارة شخصية كبيرة لبيلفريد إذا تحطمت. ربما كانت التكلفة ستفوق بكثير أي سعر قد تحصل عليه إذا قرروا بيعها.

زمّت ايشا شفتيها وفكرت في الأمر. كانت مقتنعة بأنها أزعجت زانوبا بسبب معاملتها لبيلفريد. إذا كانت قد أتلفت بضائعه الجميلة، فبالطبع سيكون زانوبا غاضباً من ذلك. كانت تلك سلعاً باهظة الثمن أنتجت للنبلاء، مما يعني خسارة شخصية كبيرة لبيلفريد إذا تحطمت. ربما كانت التكلفة ستفوق بكثير أي سعر قد تحصل عليه إذا قرروا بيعها.

بعد بضع سنوات، انهار والداها أخيراً تحت وطأة ديونهما. لقد تهربا من سداد الكثير من الأقساط لدرجة أن المرابين وضعوهما جميعاً على القوائم السوداء، مما جعل من المستحيل عليهما الاقتراض مجدداً. وبدون الوسائل لشراء المواد التي يحتاجانها، لم تكن لديهما طريقة لتأمين لقمة العيش، خاصة وأن الشتاء كان قد حل في الأقاليم الشمالية في ذلك الوقت.

كان هذا أسوأ بكثير مما توقعت. حتى روديس متورط الآن، وكانوا يفكرون في التخلي عنها. كان ذلك حدسها.

ربما كان الأمر سيختلف لو كانت هي وزانوبا فقط. ربما لم تكن الأمور لتنتهي هكذا لولا مواجهتها مع بيلفريد. ربما لم تكن لتشعر بهذا القدر من الضغط لو لم يكن روديس حاضراً أيضاً. ربما كان بإمكانها التفكير بهدوء فيما يقوله والإجابة بصدق أنها لا، لا تزال ترغب في البقاء بجانبه.

ربما كان الأمر سيختلف لو كانت هي وزانوبا فقط. ربما لم تكن الأمور لتنتهي هكذا لولا مواجهتها مع بيلفريد. ربما لم تكن لتشعر بهذا القدر من الضغط لو لم يكن روديس حاضراً أيضاً. ربما كان بإمكانها التفكير بهدوء فيما يقوله والإجابة بصدق أنها لا، لا تزال ترغب في البقاء بجانبه.

“همم؟ أوه! ستسمحين لي بامتلاكه؟ آه، حسناً، إذا كنتِ تصرين!” امتدت أصابعه نحوه.

للأسف، لم يكن هذا هو الحال.

لقد تلطخت نصف حياة “جولييت” باليأس. وُلدت لأبوين من الأقزام، وحصلت حرفيًا على اسم “ابنة بازار من الفولاذ المقدس وليليتيلا من حافة الثلج الجميل”. في العرف القزمي، لا يُمنح الأطفال أسماءً حتى يبلغوا السابعة من عمرهم، لذا لم يكن هناك شيء غريب في كونها بلا اسم خاص بها. في ذلك الوقت، كان والدا جولييت يشيران إليها بـ “طفلتنا” أو “فتاتنا الحبيبة”، ولم تجد هي في ذلك أي غرابة.

أظلمت الدنيا في عيني ايشا، ودار عقلها في دوائر وهي تحاول جاهدة التفكير في رد. ماذا يجب أن تفعل في هذا الموقف؟ كان عليها أن تفعل شيئاً، أليس كذلك؟ تاهت أفكارها في الطريقة التي تصرف بها بيلفريد في المتجر والسعر الذي عرضه مقابل تمثالها.

“أ-أخشى أنني لا أملك أدنى فكرة،” قال بيلفريد.

في محاولة يائسة للتمسك بآخر أمل لإنقاذ الموقف، ركضت ايشا عائدة إلى غرفتها. شعرت وكأن العالم يضيق حولها. كانت ساقاها غير ثابتتين وهما تحملانها، وظلت يداها ترتجفان، لكنها تمكنت بطريقة ما من الوصول إلى تحت السرير وإخراج الشيء الذي خبأته هناك—التمثال، التحفة الفنية التي صنعتها بنفسها. الشيء الوحيد الذي كان بيلفريد يريده بشدة.

تمكنا من حل سوء التفاهم بسرعة. بحلول نهاية المحادثة، كان روديوس وزانوبا يشعران بارتياح كبير، وحتى جولي بدت أكثر استرخاءً. اعتذر بيلفريد بشدة، وعلى الرغم من نظراته الطويلة إلى التمثال، فقد غادر.

أمسكت ايشا بإبداعها بين يديها وأسرعت عائدة إلى زانوبا والآخرين. مرت بجانبه مباشرة وسقطت على ركبتيها أمام بيلفريد.

كل بضعة أيام، كان زانوبا يفتح صناديق تماثيله الأكثر قيمة ليتفقدها. كان دائماً ما يرتسم على وجهه تعبير من الترقب العميق وهو يفك الأربطة التي تغلق الصندوق. كان وجهه يضيء عندما يرى التمثال بالداخل، وكانت لمساته رقيقة للغاية وهو يرفعه ويضعه على مكتبه، معجباً به مع تنهيدة مسموعة.

“سأعطيك هذا، لذا أرجوك، أرجوك سامحني!” بدأت الدموع والمخاط تسيل على وجهها. كان أول شيء يجب عليها فعله هو تهدئة غضبه، ولهذا السبب أخرجت تمثالها وقدمته له.

لكن هذه المرة، لاحظت أن هناك شيئًا غير مألوف بمجرد انتهائها. أو بالأحرى، لم يكن هناك أي خطأ في التمثال على الإطلاق. وهذا بالضبط ما أثار قلقها. كان التمثال مثاليًا من الناحية العملية. لا تزال مهاراتها في المستوى المتوسط فقط، لذا فمن الطبيعي أن ترتكب خطأً ما أثناء العملية. كان هذا أمرًا متوقعًا؛ فهذه التماثيل ليست مجسمات بالحجم الطبيعي للبشر، بل هي نماذج مصغرة لا تحافظ على النسب أو التشريح الدقيق. ومع ذلك، كان هذا التمثال يفتقر إلى أي من تلك العيوب المتوقعة. كان متوازنًا بشكل جيد، فذراعاه وساقاه تمتلكان انحناءات طبيعية، وسطحه مصقول بعناية، وحتى التفاصيل الأكثر تعقيدًا تم تعديلها بدقة لتصل إلى حد الكمال.

كان روديس وزانوبا مذهولين من تصرفاتها. الأول، على وجه الخصوص، لم يحلم أبداً بأن يكون لديها مثل هذا رد الفعل المبالغ فيه على استفسارهما. لقد افترض أنهما يجب أن يطرحا الموضوع بلطف مع ايشا، لأنه سيكون من الصعب عليها الاعتراف بأنها لم تعد ترغب في أن تكون عبدتهما. لهذا السبب أُخذ على حين غرة عندما اقترب زانوبا منها وطرح السؤال مباشرة.

كانت الحياة كعبدة مختلفة تماماً عما تخيلته. صحيح أن خيالها كان محدوداً بسبب ضيق تجاربها في الحياة، لكنها سمعت كيف كان العبيد الآخرون في بيت العبيد يندبون حظهم وما حل بهم. وبطبيعة الحال، توقعت أن يستمر يأسها.

والآن وصلت الأمور إلى هذا الحد. بالطبع كان مصدوماً تماماً. الشخص الوحيد الحاضر الذي لم يكن كذلك هو بيلفريد. كان قد خطط للتفاوض على سعر مع ايشا بعد الانتهاء من مناقشاتهما الأخرى، ولكن عندما تم دفع موضوع رغباته فجأة أمامه، مد يده إليه بفرح.

عندما أدركت جولي ما كانت تشعر به، تصاعد شيء لا يمكن وصفه

“همم؟ أوه! ستسمحين لي بامتلاكه؟ آه، حسناً، إذا كنتِ تصرين!” امتدت أصابعه نحوه.

كانت الحياة كعبدة مختلفة تماماً عما تخيلته. صحيح أن خيالها كان محدوداً بسبب ضيق تجاربها في الحياة، لكنها سمعت كيف كان العبيد الآخرون في بيت العبيد يندبون حظهم وما حل بهم. وبطبيعة الحال، توقعت أن يستمر يأسها.

“انتظر.” أمسك أحدهم بيده قبل أن يتمكن من خطف جائزته.

كان يقول لها: “أنتِ لا تملكينني، أنتِ عبدة سيدي”.

“ما معنى هذا؟”

أجل، صندوق. عنصر ضروري لتعزيز قيمة التحفة الفنية.

كان روديس هو من أوقفه. تلاشت كل آثار الارتباك والمفاجأة من وجهه، وبدلاً من ذلك بدا غاضباً ومستعداً. “لماذا تبكي ايشا وتتوسل طلباً للمغفرة؟” طالب بمعرفة السبب.

من الطريقة التي كان يتحدث بها بحماس، ربما كان يتوق لأخذ التمثال بين يديه وفحصه من كل زاوية، لكن لسبب ما، رفضت أصابعه الإمساك به. ظلت معلقة في الهواء، ترتجف. كان يرغب بشدة في لمسه لكنه لم يستطع. كان الأمر كما لو أن التمثال كان مقدساً لدرجة أنه خشي لمسه.

“أ-أخشى أنني لا أملك أدنى فكرة،” قال بيلفريد.

قضت أيامها في رعاية زانوبا وتعلم سحر الأرض لتتمكن من استحضار وصنع التماثيل. كان هناك الكثير من الأشياء التي يتوجب عليها تذكرها، والكثير من الأوامر التي تنهال عليها، وإذا لم تلتزم بالقواعد وتفِ بالوعود التي قطعتها، كانوا يغضبون منها. كان عملاً شاقاً لمن هي في مثل سنها. ولم يساعدها كونها عبدة في الجامعة؛ إذ كان الطلاب الآخرون يعاملونها بسوء عندما لا يكون زانوبا يراقبها.

“حسناً، ولا أنا، ولكن هل ستكون راضياً حقاً بالحصول على تمثال تريده مجاناً؟ لا تخدع نفسك. أنت تعلم أن هذا أمر جيد جداً ليكون حقيقياً.”

عندما أدركت جولي ما كانت تشعر به، تصاعد شيء لا يمكن وصفه

“صحيح، عندما تضع الأمر بهذه الطريقة،” اعترف بيلفريد بإيماءة مترددة. “كنت سأ… همم؟ أم، السيد روديس؟ قوة قبضتك… مؤلمة نوعاً ما.”

كان يقول لها: “أنتِ لا تملكينني، أنتِ عبدة سيدي”.

بفضل قفاز زاليف، تضاعفت قوة روديس العادية إلى درجة مبهرة. أمسك بيلفريد بقوة لدرجة أن الأخير لم يستطع الابتعاد حتى لو أراد ذلك. والأسوأ من ذلك، أن قبضة روديس كانت تضيق ببطء. تشكل عرق بارد على جبين بيلفريد.

كان يقول لها: “أنتِ لا تملكينني، أنتِ عبدة سيدي”.

“بغض النظر عن مدى قربك من زانوبا، فهذا ليس عذراً لسرقة تمثال فتاة صغيرة بريئة. هل فهمت ذلك؟” حدق فيه روديس.

“جيد جداً.” أومأ زانوبا برأسه، مسروراً. “وأيضاً، يا جولي، كنت أعني ما قلته سابقاً. إذا كان هناك أي شيء ترغبين فيه، ما عليكِ سوى قوله. سأفعل كل ما في وسعي لتحقيق أمنيتك.”

“لقد عنيت حقاً ما قلته، ليس لدي أدنى فكرة عن سبب قيامها بهذا…

هذا صحيح… أنا لا أريد أن أموت.

أم، سيد زانوبا، ألن تساعدني؟”

لحسن الحظ، تلاشى ذلك الشعور سريعاً. لم يفعل روديوس لها شيئاً حتى عندما فشلت في تلبية توقعاته. في الواقع، أظهر لها اهتماماً كبيراً وابتسم لها. تضاءل أي قلق شعرت به تدريجياً حتى أصبحت مرتاحة تماماً في وجوده.

نظر الرجلان إلى زانوبا، الذي كان متجمداً في مكانه منذ دقيقة كاملة الآن. كانت عيناه مثبتتين على التمثال في يدي ايشا، ولم يتحرك ولو بوصة واحدة. من نظرة وجه روديس، كان على الأرجح يفكر، زانوبا؟ أوه لا، لا تخبرني أنك مت واقفاً بطريقة ما؟! أو شيئاً من هذا القبيل.

“حسناً، ولا أنا، ولكن هل ستكون راضياً حقاً بالحصول على تمثال تريده مجاناً؟ لا تخدع نفسك. أنت تعلم أن هذا أمر جيد جداً ليكون حقيقياً.”

لحسن الحظ، لم يكن زانوبا ميتاً. كدليل على ذلك، تحرك جسده ببطء شديد، كما لو أن الوقت نفسه يمر بسرعة الحلزون. التفت نحو ايشا وحدق فيها. أصيب روديس وبيلفريد بالذهول وهما يراقبانه. ابتلعا ريقهما وهما ينتظران رد فعله. كان تعبير زانوبا مروعاً تماماً. مرعب، بكلمة واحدة. حتى ايشا لاحظت التغير في سلوكه. التفتت لتواجهه وتمتمت، “أنا آسفة جداً.”

للأسف، لم يكن هذا هو الحال.

في تلك اللحظة، اندفع زانوبا للأمام وسقط على ركبتيه أمامها. مد يده نحو يديها—أو، بدقة أكبر، نحو التمثال المحتضن بين يديها—وتوقف فقط قبل أن يلمسه بشعرة واحدة.

كلما غضب زانوبا منها، كانت ايشا تحاول بجنون تصحيح الخطأ. عادة ما كان ذلك كافياً لإصلاح الأمور. في الواقع، كان زانوبا وروديس دائماً سريعين في مسامحتها. فلماذا إذن شعرت بالذعر؟ كان الجواب بسيطاً. بسيطاً للغاية.

“سيدي،” قالت وهي تلتقط أنفاسها.

لكن كفى عن هذا. لنتحدث عن بازار وليليتيلا. لقد كانا مختلفين قليلاً عن بقية الأقزام. معظم الأقزام يعيشون في قارة “ميليس”، في الجزء الجنوبي من الغابة العظيمة على طول سفوح الجبال. كانوا يقضون وقتهم في استخراج الخام واستخدامه لصناعة الأسلحة، التي كانت تُستخدم للصيد أو تُباع لشراء الطعام. كانوا عرقاً بسيطاً للغاية من هذه الناحية.

“إنه أمر لا يصدق،” قال وهو يتنفس بصعوبة. لم يتوقف ثناؤه عند هذا الحد؛ بدا الأمر وكأن سداً قد انهار. “إنه… مذهل تماماً. هذا… إنه… تعجز الكلمات عن وصف روعته! من قمة رأسه إلى أطراف أصابعه، إنه جميل بشكل يخطف الأنفاس. سأكون عاجزاً عن تحديد نقاط قوته بدقة، لكن وضعيته، وأطراف أصابعه، والتجاعيد الصغيرة في ملابسه… إنها ترفع الجودة إلى مستوى آخر تماماً! وكل شيء متناسق بشكل مثالي! أوه!”

أما بالنسبة لجولي، فقد ظلت تراقب زانوبا. ابتسمت بارتياح، وتلون خداها باللون الأحمر قليلاً.

من الطريقة التي كان يتحدث بها بحماس، ربما كان يتوق لأخذ التمثال بين يديه وفحصه من كل زاوية، لكن لسبب ما، رفضت أصابعه الإمساك به. ظلت معلقة في الهواء، ترتجف. كان يرغب بشدة في لمسه لكنه لم يستطع. كان الأمر كما لو أن التمثال كان مقدساً لدرجة أنه خشي لمسه.

“آه…”

“إذن لماذا يا جولي…” خرجت كلماته مخنوقة. “لماذا؟!” “هاه؟” أجابت وهي تلتقط أنفاسها.

كما كُتب بالفعل مرات عديدة، كانت ايشا ممتنة حقاً لزانوبا وروديس. كانت أيضاً راضية عن حياتها الحالية. أرادت أن تستمر الأمور على هذا النحو. كانت تلك أمنيتها.

“لماذا حاولتِ إعطاءه لبيلفريد دون أن تريه لي أولاً؟ هل فعلتُ شيئاً لأسيء إليكِ؟ لا أفهم، لقد كنتِ دائماً ترينني كل مشروع تنهينه من قبل!” بدأ زانوبا في البكاء، وانسابت دموع كبيرة وقبيحة على وجهه. هل كانت دموع إحباط لأنه لم يستطع الحصول على هذا التمثال تحديداً؟ أم أنه كان حزيناً بسبب خيانة جولي؟ اشتبه روديوس بوقاحة أن السبب كان ستين بالمائة على الأقل هو الأول، لكننا سنتجاهل أفكاره المسيئة في الوقت الحالي.

الفصل الحادي عشر:

“أفترض أنكِ كنتِ ترغبين حقاً في جمع المال لشراء حريتك؟ إذا كان الأمر كذلك، لماذا لم تتحدثي معي أولاً؟ كنت سأدفع بسعادة ثلاثمائة عملة ذهبية مقابل هذا التمثال! لا، ربما لم أكن لأتمكن من جمع الأموال فوراً، لكنني أقسم أنني سأجد طريقة إذا لزم الأمر! أضع شرفي على المحك! ويجب أن تكوني قد عرفتني جيداً بما يكفي الآن لتعرفي مدى استعدادي للدفع مقابله!”

لم تكن جولي منزعجة بشكل خاص من فكرة نهاية حياتها. لم تكن أي من ذكرياتها تحمل شيئاً جيداً. ولدت في فقر مدقع وقضت حياتها كلها بألم في معدتها. كانت وجباتها تتكون من حساء الأعشاب المرة واللحم القديم الذي أوشك على التعفن. حاولت قصارى جهدها ألا تقف في طريق والديها، فكانت تتسكع في الزوايا وتغرق في شرودها طوال الوقت. كان كل يوم باهتاً ولا معنى له كسابقه. الذكرى الوحيدة اللائقة التي كانت تمتلكها هي الوقت الذي تمكن فيه والداها من بيع أحد أعمالهما مقابل مبلغ جيد. سمح لها والدها حينها بارتشاف القليل من الكحول. كان شراباً فظيعاً، مخلوطاً بكل أنواع الأشياء. لكن كقزمة تتذوق الخمر لأول مرة، اعتقدت جولي أنه لذيذ للغاية.

“مم، آه… سيدي، مم…”

لم يكن الأمر وكأنها صنعت هذا في بضع ساعات من العمل البسيط. لقد كرست له قدراً كبيراً من وقتها. كان ينبغي عليها إنهاؤه بسرعة أكبر بما أنها استخدمت كامل طاقتها السحرية أثناء صنعه، لكن الأمر استغرق شهراً كاملاً. لقد وظفت كل ذرة من المعرفة والخبرة التي راكمتها في ابتكار هذه القطعة، ومع ذلك: لم تكن لتتوقع أبداً في حياتها أن تخرج بهذه الروعة. لم تكن تعتقد أنها قادرة على فعل شيء كهذا. ولو طلب منها أحدهم تكرار الأمر، لساورها الشك في قدرتها على إنجازه مجدداً. لكن لم يكن هناك مجال للخطأ: التمثال الصغير بين يديها كان من صنع يديها حقاً.

“أم أنكِ تخشين أن أحاول استخدام نفوذي عليكِ لسرقته؟ يجب أن أعترف، بالنظر إلى الماضي، أنكِ صنعتِ عدداً من التماثيل لي دون تعويض مناسب. كنت أظن أن الأمر مقبول لأنكِ عبدة وكنتِ لا تزالين عديمة الخبرة في ذلك الوقت، وحتى مع تحسنكِ الهائل مؤخراً، ما زلت لم أعطكِ الأجر الذي تستحقينه!”

قضت أيامها في رعاية زانوبا وتعلم سحر الأرض لتتمكن من استحضار وصنع التماثيل. كان هناك الكثير من الأشياء التي يتوجب عليها تذكرها، والكثير من الأوامر التي تنهال عليها، وإذا لم تلتزم بالقواعد وتفِ بالوعود التي قطعتها، كانوا يغضبون منها. كان عملاً شاقاً لمن هي في مثل سنها. ولم يساعدها كونها عبدة في الجامعة؛ إذ كان الطلاب الآخرون يعاملونها بسوء عندما لا يكون زانوبا يراقبها.

استمر زانوبا في النحيب، ممسكاً رأسه بين يديه وهو ينظر إلى السقف. “أنا آسف جداً، آسف للغاية يا جولي. اسمحي لي بالاعتذار. سأنحني اعتذاراً مهما تطلب الأمر. قد لا أستطيع أن أقدم لكِ نفس السعر الذي قدمه بيلفريد، لكن في المقابل، بصفتي سيدكِ، سأمنحكِ أي أمنية لديكِ! لذا، يجب أن أتوسل إليكِ، أرجوكِ… اسمحي لي بالحصول عليه!”

كان زانوبا يقضي كل ليلة -وأحياناً فترات بعد الظهر- في الثرثرة بلا توقف عن الدمى والتماثيل. كان يمتلك معرفة واسعة في مجموعة متنوعة من المجالات، وكلها دقيقة ومحددة. وبفضله، أصبحت هي أيضاً أكثر علماً تدريجياً. وفي كل مرة كانت تستعرض فيها المهارات أو المعرفة التي تعلمتها، كان زانوبا يشعر بالرضا ويثني عليها، مما جعلها أكثر حماساً للدراسة.

كانت الطريقة التي توسل بها تشبه الطريقة التي تصرف بها بيلفريد من قبل، لكن مع زانوبا، لم تشعر بالخوف على الإطلاق. كان ذلك لأنها عرفت أنه لم يكن يظهر اهتماماً بالتمثال بل بها. كان من الواضح تماماً أنه لم يكن غاضباً منها. لم يكن الأمر أنه يحاول طردها.

كلما غضب زانوبا منها، كانت ايشا تحاول بجنون تصحيح الخطأ. عادة ما كان ذلك كافياً لإصلاح الأمور. في الواقع، كان زانوبا وروديس دائماً سريعين في مسامحتها. فلماذا إذن شعرت بالذعر؟ كان الجواب بسيطاً. بسيطاً للغاية.

في اللحظة التي فهمت فيها ذلك، تملكتها مشاعر أخرى. امتلأت عيناها بالدموع وسرعان ما تركت آثاراً دافئة على خديها، لكن هذه المرة لم تكن تبكي من الخوف أو اليأس.

كان الرجل الذي سألها هذا السؤال يتمتع بتعبير وجه جامد. كان غامضاً لدرجة أنها شعرت بأنه يعني ذلك حقاً؛ أنه إذا أومأت برأسها، فإنه سينهي حياتها بسهولة وسرعة تنفسه. كانت عيناه جديتين أكثر من أن يكون الأمر مجرد مزحة. لكن كلما أمعنت النظر فيهما، كلما شعرت بشيء غريب يتصاعد في داخلها. كان الأمر أشبه بأنه يحاول حقاً أن يقول: “لا يزال لديك ما يكفي من الحياة لتجربة الأمر مرة أخرى، أليس كذلك؟”

“نعم، أنا أفهم يا سيدي،” قالت جولي. لم تكن لديها أي نية

كانت أول ذكرى لجولي هي استلقاؤها في السرير ومراقبة والديها وهما منحنيان بظهورهما نحوها، يعملان على صنع شيء ما. كانت جباههما تكاد تتلامس بينما كانا يعبثان بشيء في أيديهما. هبت نسمة باردة عبر شق في الغرفة ولامست خد جولي. صرخت الطفلة، فابتسمت ليليتيلا على مضض وأسرعت نحوها لتضم ابنتها بين ذراعيها، محاولة تهدئتها.

لرفض طلبه في المقام الأول. ورغم أنها كانت تشهق من خلال دموعها، إلا أنها تمكنت من الابتسام له.

استمر زانوبا في النحيب، ممسكاً رأسه بين يديه وهو ينظر إلى السقف. “أنا آسف جداً، آسف للغاية يا جولي. اسمحي لي بالاعتذار. سأنحني اعتذاراً مهما تطلب الأمر. قد لا أستطيع أن أقدم لكِ نفس السعر الذي قدمه بيلفريد، لكن في المقابل، بصفتي سيدكِ، سأمنحكِ أي أمنية لديكِ! لذا، يجب أن أتوسل إليكِ، أرجوكِ… اسمحي لي بالحصول عليه!”

“أوه، شكراً لكِ يا جولي!” ابتسم زانوبا رداً عليها.

في يوم عادي من بين الأيام السعيدة الكثيرة التي قضتها في شاريا، أنهت جولي تمثالاً كما كانت تفعل دائماً. ومع ذلك، كان هذا التمثال مختلفاً قليلاً؛ لا شيء درامي بالطبع، مجرد اختلاف بسيط. وبطبيعة الحال، فقد صنعته باستخدام نفس التقنيات التي استخدمتها في التماثيل الأخرى. استحضرت قاعدة التمثال بسحر الأرض ونحتت الزوائد حتى أصبح بحجم موحد. ثم استخدمت سكينها لإتقان الشكل، بينما تكفل سحرها بصقل البقية. كانت تلك عمليتها المعتادة.

كان الجو بين الاثنين محرجاً بعض الشيء لكنه ملطف بالدفء.

كان من المثير للإعجاب حقاً كيف تمكن الاثنان من العيش على هذا النحو لسنوات عديدة. لم ينجحا إلا لأنهما تعلما كيف يكتفيان ذاتياً. في بعض الأحيان، كانا يلجآن إلى وسائل ماكرة للبقاء على قيد الحياة، مثل التخلف عن سداد الديون الصغيرة عن طريق الهروب إلى البلد التالي. لعدة سنوات، كان الزوجان يستميتان لتأمين لقمة العيش، ولم يكن هناك بالتأكيد أي شيء ممتع في ذلك بالنسبة لهما.

“هل يمكن لأحد أن يشرح لي كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد؟” سأل روديوس بتنهيدة.

كان الجو بين الاثنين محرجاً بعض الشيء لكنه ملطف بالدفء.

تبادل زانوبا وجولي نظرات فارغة.

كان زانوبا يدفع لجولي أجراً مقابل كل ما تقوم به من عمل. لم تكن تتذكر تماماً متى بدأ ذلك، لكنه أصر على أن تأخذه تحسباً لحاجتها إليه فجأة. في الآونة الأخيرة، كان يدفع لها مبلغاً سخياً بشكل خاص. لم تكن جينجر مسرورة بذلك على الإطلاق، حيث كانت تصر قائلة: “لا أرى سبباً يجعلها بحاجة إلى المال”، لكن زانوبا تجاهل احتجاجاتها. إصراره على الدفع لها جعلها تشك في أن المعلم الكبير روديوس قد قال له شيئاً ما.

***

بينما كانت تصنع صندوقها، عادت إليها ذكرى من سنوات شبابها. رأت وجهي والديها، تحت ضوء خافت في منزلهما الكئيب والضيق. بصراحة، لم تكن لديها الكثير من الذكريات الجميلة عنهما. كانا غالباً ما يصرخان في وجه بعضهما البعض بسبب المال أو يبدوان بائسين. الشيء الوحيد الجيد الذي يمكنها قوله عنهما هو أنهما كانا يعملان بجد. ليلة بعد ليلة، ومع شمعة واحدة فقط للإنارة، كانا ينحتان شيئاً ما ببطء. كان والدها صاخباً عادة خلال النهار، ولكن عندما يحل الليل، كان يصمت صمتاً مميتاً وهو ينسج المعدن معاً في منتج نهائي يشبه السلسلة.

تمكنا من حل سوء التفاهم بسرعة. بحلول نهاية المحادثة، كان روديوس وزانوبا يشعران بارتياح كبير، وحتى جولي بدت أكثر استرخاءً. اعتذر بيلفريد بشدة، وعلى الرغم من نظراته الطويلة إلى التمثال، فقد غادر.

لحسن الحظ، كان روديوس متسامحاً جداً عندما يرتكب الناس أخطاءً بناءً على سوء فهم. سرعان ما سامح بيلفريد، واعتذر عن إمساكه بذراعه بقوة، وقدم لجولي وزانوبا ابتسامة مضطربة قبل أن يغادر إلى منزله.

لحسن الحظ، كان روديوس متسامحاً جداً عندما يرتكب الناس أخطاءً بناءً على سوء فهم. سرعان ما سامح بيلفريد، واعتذر عن إمساكه بذراعه بقوة، وقدم لجولي وزانوبا ابتسامة مضطربة قبل أن يغادر إلى منزله.

استمر زانوبا في النحيب، ممسكاً رأسه بين يديه وهو ينظر إلى السقف. “أنا آسف جداً، آسف للغاية يا جولي. اسمحي لي بالاعتذار. سأنحني اعتذاراً مهما تطلب الأمر. قد لا أستطيع أن أقدم لكِ نفس السعر الذي قدمه بيلفريد، لكن في المقابل، بصفتي سيدكِ، سأمنحكِ أي أمنية لديكِ! لذا، يجب أن أتوسل إليكِ، أرجوكِ… اسمحي لي بالحصول عليه!”

عادت جينجر في اللحظة التي كان يغادر فيها الآخران. عندما سمعت بما حدث، وبخت زانوبا قائلة: “أنت تعاملها بشكل جيد جداً وقد منحتها تعليماً جيداً، لدرجة أنه يصعب على المرء أن يصدق أنها في الواقع عبدة. ببساطة لا يوجد سبب يجعلها تحاول شراء حريتها دون أن تقول كلمة لك أولاً. من غير اللائق أن تشك في رعاياك هكذا، يا صاحب السمو.”

بعد بضع سنوات، انهار والداها أخيراً تحت وطأة ديونهما. لقد تهربا من سداد الكثير من الأقساط لدرجة أن المرابين وضعوهما جميعاً على القوائم السوداء، مما جعل من المستحيل عليهما الاقتراض مجدداً. وبدون الوسائل لشراء المواد التي يحتاجانها، لم تكن لديهما طريقة لتأمين لقمة العيش، خاصة وأن الشتاء كان قد حل في الأقاليم الشمالية في ذلك الوقت.

لم يستمع زانوبا حقاً لمحاضرتها، فقد كان مشغولاً جداً بدراسة التمثال الذي أعطته إياه جولي. كان قد أعد قاعدة في وسط الغرفة، ووضع التمثال عليها، والآن يسير حوله في دوائر لتدقيق كل زاوية. في بعض الأحيان كان يبتسم بفخر، وفي أحيان أخرى كان يتنهد، ثم يعود للابتسام كالأحمق. كان يقضي أفضل وقت في حياته. كان بإمكان جينجر أن تتحدث مع نفسها لما حققته من فائدة.

كانت عيناه متسعتين بشكل غير طبيعي، وكان اللعاب يسيل من فمه وهو يندفع نحوها. وبطبيعة الحال، أثار ذلك ذعرها. ارتجف جسدها بالكامل. دفعت جولي بيلفريد بعيدًا عنها بغريزتها وانطلقت مسرعة نحو الباب. حاول بيلفريد ملاحقتها، لكن الخوف دفع ساقيها الصغيرتين للركض بأقصى سرعة ممكنة. اصطدمت برفٍ أثناء توجهها نحو الباب مما أدى إلى تناثر محتوياته على الأرض، لكنها لم تلتفت خلفها وهي تهرب. ولسوء حظها، تجاهل بيلفريد ذلك أيضًا وواصل مطاردتها، وهو يصرخ بشيء غير مفهوم أثناء ذلك.

أما بالنسبة لجولي، فقد ظلت تراقب زانوبا. ابتسمت بارتياح، وتلون خداها باللون الأحمر قليلاً.

بينما كانت تصنع صندوقها، عادت إليها ذكرى من سنوات شبابها. رأت وجهي والديها، تحت ضوء خافت في منزلهما الكئيب والضيق. بصراحة، لم تكن لديها الكثير من الذكريات الجميلة عنهما. كانا غالباً ما يصرخان في وجه بعضهما البعض بسبب المال أو يبدوان بائسين. الشيء الوحيد الجيد الذي يمكنها قوله عنهما هو أنهما كانا يعملان بجد. ليلة بعد ليلة، ومع شمعة واحدة فقط للإنارة، كانا ينحتان شيئاً ما ببطء. كان والدها صاخباً عادة خلال النهار، ولكن عندما يحل الليل، كان يصمت صمتاً مميتاً وهو ينسج المعدن معاً في منتج نهائي يشبه السلسلة.

“جولي،” قال زانوبا بعد فترة، ملتفتاً نحوها. “هذا تمثال لا يصدق. لقد قمتِ بعمل جيد. لم أحلم أبداً بأنكِ تمتلكين هذا المستوى من المهارة.”

والآن وصلت الأمور إلى هذا الحد. بالطبع كان مصدوماً تماماً. الشخص الوحيد الحاضر الذي لم يكن كذلك هو بيلفريد. كان قد خطط للتفاوض على سعر مع ايشا بعد الانتهاء من مناقشاتهما الأخرى، ولكن عندما تم دفع موضوع رغباته فجأة أمامه، مد يده إليه بفرح.

“نعم! إنها مجرد مصادفة أنني تمكنت من ذلك. أشك في أنني أستطيع إعادة إنتاج هذا المستوى من الجودة مرة أخرى.”

كل بضعة أيام، كان زانوبا يفتح صناديق تماثيله الأكثر قيمة ليتفقدها. كان دائماً ما يرتسم على وجهه تعبير من الترقب العميق وهو يفك الأربطة التي تغلق الصندوق. كان وجهه يضيء عندما يرى التمثال بالداخل، وكانت لمساته رقيقة للغاية وهو يرفعه ويضعه على مكتبه، معجباً به مع تنهيدة مسموعة.

أمال زانوبا رأسه. “ما الذي تقولينه؟ هذه الحرفية المتقنة هي نتاج عملك الجاد. لقد صنعتِ كل شبر منه بعناية – وبجمال أيضاً. ربما بعض الأجزاء ظهرت مثالية بمحض الصدفة، لكن نصفه على الأقل هو نتاج قدراتك الخاصة.”

لم يكن الأمر أن مهارة والديها في الحرفة كانت ناقصة، بل كان ينقصهما الفطنة التجارية أو بعد النظر لاستغلال مواهبهما بشكل صحيح. كانا يعتقدان أنه إذا صنعا منتجاً عالي الجودة، فسيقبل الناس على شرائه، ولهذا السبب كانا يقترضون المال لشراء مواد باهظة الثمن تفوق إمكانياتهما لمحاولة بيع منتجاتهما. المشكلة هي أن قلة قليلة من الناس كانوا يتوقفون عند متجر على جانب الطريق لشراء شيء بتلك التكلفة الباهظة. كان يستغرق الزوجان وقتاً طويلاً لبيع بضائعهما، وكانا يغرقان أكثر فأكثر في الديون في هذه الأثناء بسبب فوائد القروض. وعندما يحالفهما الحظ، كانا بالكاد يغطيان تكاليفهما، وبمجرد حساب نفقات المعيشة، كانا يعودان إلى دوامة العجز المالي.

“…شكراً لك. سأستمر في صقل مهاراتي!”

ومع ذلك، فقد مرت بتجارب أسوأ قبل أن تُباع كعبدة. كانوا يطعمونها، ويسمحون لها باستخدام الماء الدافئ للاستحمام، ويوفرون لها مكاناً مريحاً للنوم. والأهم من ذلك، كان سيدها، زانوبا، لطيفاً جداً معها. قد يغضب أحياناً، لكنه لم يصرخ في وجهها قط. كان دائماً صبوراً للغاية، ويحرص على أن يكون كلامه واضحاً تماماً عند التواصل معها، رغم أنهما لم يتشاركا لغة مشتركة في البداية.

“جيد جداً.” أومأ زانوبا برأسه، مسروراً. “وأيضاً، يا جولي، كنت أعني ما قلته سابقاً. إذا كان هناك أي شيء ترغبين فيه، ما عليكِ سوى قوله. سأفعل كل ما في وسعي لتحقيق أمنيتك.”

لكن كفى عن هذا. لنتحدث عن بازار وليليتيلا. لقد كانا مختلفين قليلاً عن بقية الأقزام. معظم الأقزام يعيشون في قارة “ميليس”، في الجزء الجنوبي من الغابة العظيمة على طول سفوح الجبال. كانوا يقضون وقتهم في استخراج الخام واستخدامه لصناعة الأسلحة، التي كانت تُستخدم للصيد أو تُباع لشراء الطعام. كانوا عرقاً بسيطاً للغاية من هذه الناحية.

“مم… دعني أفكر في ذلك لفترة أطول قليلاً،” قالت بإحراج، وشعرت بالخجل من كل ثنائه.

كل بضعة أيام، كان زانوبا يفتح صناديق تماثيله الأكثر قيمة ليتفقدها. كان دائماً ما يرتسم على وجهه تعبير من الترقب العميق وهو يفك الأربطة التي تغلق الصندوق. كان وجهه يضيء عندما يرى التمثال بالداخل، وكانت لمساته رقيقة للغاية وهو يرفعه ويضعه على مكتبه، معجباً به مع تنهيدة مسموعة.

نظرت جينجر إليهما. “يا صاحب السمو، أتفهم مدى حبك لتماثلك، لكن حان وقت تناول الطعام. جولي، ساعديني في التحضيرات.”

توقفت جولي عند الباب، وزمّت شفتيها في تفكير وهي تمسك بالتمثال في يدها. كانت قطعة عالية الجودة، كانت متأكدة من ذلك تماماً. كل خلية في جسدها كانت تصرخ بأن هذه تحفة فنية. لكن هل يمكنها حقاً أن تعرضها على زانوبا بهذا الشكل؟ من المؤكد أنه سيسعد بها، ولكن عند التفكير في الأمر، فإن كل التحف الأخرى التي عرضها عليها كانت محفوظة بعناية في صناديق خشبية مبطنة بقماش جميل.

“أوه، بالطبع!” أجابت جولي. كانت تعتقد أن تلك اللحظة قد تستمر إلى الأبد، لكن تدخل جينجر أعادها إلى الواقع. ربما كانت المرأة الأخرى منزعجة قليلاً من استبعادها.

كانت هيئة والديها محفورة في ذهن جولي حتى الآن؛ الدموع التي كانت توشك أن تترقرق في عيني ليليتيلا، والنظرة المظلمة المليئة بالذنب على وجه بازار. لم تستطع جولي تذكر رؤيتهما يبتسمان قط، ليس بصدق على الأقل.

فعلت جولي ما طُلب منها وبدأت في المساعدة في تحضير الوجبة كالمعتاد. راقب زانوبا الاثنتين، وعيناه ضيقتان. كانت حياته الآن بسيطة للغاية، بعيدة كل البعد عن بذخ حياة القصر. ومع ذلك، كان بإمكانه قضاء اليوم كله في العبث بتماثيله ولن يغضب منه أحد. بالإضافة إلى ذلك، كان لديه شخص بجانبه يمكنه صنعها له، مما وفر له مصدراً مستمراً للتماثيل الجديدة. لا شيء يمكن أن يكون أكثر مثالية.

أم، سيد زانوبا، ألن تساعدني؟”

سيكون من الرائع لو استطعت الاستمرار في العيش هكذا إلى الأبد.

ألقت جولي نظرة على أرجاء منطقة عملها. نظرت إلى كل أدوات العمل والمستلزمات التي تستخدمها لصنع التماثيل، لكن لم يكن هناك شيء يشبه الصندوق. وبما أن سحرها كان يوفر كل المواد اللازمة لحرفتها، وفقاً للأسلوب الذي علّمها إياه روديوس، فهي لا تملك مستلزمات يمكنها استخدامها لصنع صندوق. ومع ذلك، كان لديها كيس من الكتان الأبيض. أصدر صوتاً عند التقاطه. لم يكن ثقيلاً جداً، لكنه كان يتمتع بوزن معقول. وبداخله كانت هناك بعض العملات النحاسية والفضية الآسورية.

“همم؟”

أكثر ما علق في ذاكرة ايشا كان حلي والدتها، المنحوتة من الخشب. كانت تستطيع نحت كتلة من الخشب لتتحول إلى أجمل زنبقة. لم تستطع ايشا تذكر ما الذي كانت والدتها تضع تلك الزنابق عليه في النهاية، لكنها كانت تتذكر الزهور نفسها بوضوح. ومع تلك الذكريات كدليل، نحتت ايشا زنابق على صندوقها الخاص. رؤية الصندوق وهو يقترب تدريجياً من الاكتمال جعلت كل يوم أكثر متعة من الذي قبله. بالتأكيد سيكون زانوبا مسروراً، أليس كذلك؟ تساءلت كيف سيعبر عن سعادته. هل سيطلق صرخة مرحة كما يفعل عادة؟ أم أنه سيضيق عينيه بشدة حتى تختفي في خديه، مظهراً فرحاً أكثر هدوءاً؟ كلما تخيلت ذلك، زاد خفقان قلبها ترقباً.

فجأة، لاحظ رسالة مختومة بالقرب من الباب. لا بد أن جولي استلمتها نيابة عنه أثناء خروجه. سار نحوها عرضاً والتقطها، ثم تحقق من هو المرسل.

“أم أنكِ تخشين أن أحاول استخدام نفوذي عليكِ لسرقته؟ يجب أن أعترف، بالنظر إلى الماضي، أنكِ صنعتِ عدداً من التماثيل لي دون تعويض مناسب. كنت أظن أن الأمر مقبول لأنكِ عبدة وكنتِ لا تزالين عديمة الخبرة في ذلك الوقت، وحتى مع تحسنكِ الهائل مؤخراً، ما زلت لم أعطكِ الأجر الذي تستحقينه!”

“آه…”

تبادل زانوبا وجولي نظرات فارغة.

اختفت تعابير السعادة من وجهه. شق الظرف، وأخرج الرسالة، وألقى نظرة سريعة على محتوياتها.

بينما كانت تصنع صندوقها، عادت إليها ذكرى من سنوات شبابها. رأت وجهي والديها، تحت ضوء خافت في منزلهما الكئيب والضيق. بصراحة، لم تكن لديها الكثير من الذكريات الجميلة عنهما. كانا غالباً ما يصرخان في وجه بعضهما البعض بسبب المال أو يبدوان بائسين. الشيء الوحيد الجيد الذي يمكنها قوله عنهما هو أنهما كانا يعملان بجد. ليلة بعد ليلة، ومع شمعة واحدة فقط للإنارة، كانا ينحتان شيئاً ما ببطء. كان والدها صاخباً عادة خلال النهار، ولكن عندما يحل الليل، كان يصمت صمتاً مميتاً وهو ينسج المعدن معاً في منتج نهائي يشبه السلسلة.

“…أفترض أنه لم تكن هناك طريقة ليدوم الأمر للأبد،” تمتم. انزلق الظرف من بين أصابعه ورفرف في الهواء قبل أن يستقر على الأرض. كان ختم مملكة شيرون مطبوعاً عليه.

“…أفترض أنه لم تكن هناك طريقة ليدوم الأمر للأبد،” تمتم. انزلق الظرف من بين أصابعه ورفرف في الهواء قبل أن يستقر على الأرض. كان ختم مملكة شيرون مطبوعاً عليه.

لقد منحوها اسماً. وعندما سمعته، ابتسمت. لم تكن جولي تعرف حتى سبب قيامها بذلك، لكنها فعلت.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط