الحقيقة البكماء
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
صرخ العجوز: “أسرع!”
قال “هان فاي”: “انزلوا.” ثم أنزل السيدة العجوز، بينما حمل أحد رجال العصابة المظلّة فوق رأسه. تمدد الحقيقة في حضنها، وكأن لحظة السكينة تلك تعني له العالم. غير أنه، حين اقتربوا من البناية، بدأ يرتجف خوفًا.
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرك لِمَا لاَ أَعْلَمُ
قال “هان فاي”: “جدتي، تعالي معي.” كان على يقين أن لهذا الطفل صلة بالمرأة في الغرفة 13. أسرع خطاه، وتبعه الآخرون حائرين.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ترجمة: Arisu san
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
لو لم يكن “هان فاي” بهذه الهيبة، لفرّ رجال العصابة منذ زمن؛ فمهمتهم كانت انقاذ “الأخ ثعبان”، لا نبش الحدائق ليلاً.
“هل لدى الزعيم غو طفل؟” تساءل “هان فاي” وهو يُحدّق في الغرفة الصغيرة. “إن عرَفتُ شيئًا عن طباعه، فأغلب الظنّ أنه ألقى بطفله إلى قاع البئر.”
رغم أن الحي لم يتغير شكله، فإن السماء دوّت بالرعد لحظة خروجهما من الشرفة. ظهر ظلٌ ضخم فوق سطح البحيرة.
أجاب العجوز بنبرةٍ حزينة: “الطفل قد مات… أو بالأحرى، صار في حالٍ كحالي، لا هو من الأحياء ولا من الأموات. نُقيم في هذا العالم لنحمل لعنة المذبح. إنّ هذه الشقة ليست سوى مذبح، وهي مخصّصة لإخفاء ذلك الصبي، ودفن الحقيقة في أحشائها.” سعل العجوز، وتلاشت أطرافه كأنها وهم، ثم قال: “لا يمكنني البقاء طويلاً، يجب أن تُخرج الحقيقة والضمير من هنا بأسرع ما يمكن.”
“وكيف أفعل ذلك؟”
“وكيف أفعل ذلك؟”
صدح صوت الصبي في الغرفة، و تتابعت كلماته: “مرّ إخوتي وأخواتي بما مررنا به، وحين كان أبي يقوم بأعمال الخير، تعرّف إلى أمهاتهم، وابتاعهم بأبخس الأثمان. بعضهم غادر قبل أن يولد، وهم يحسدونني لأنني رأيت العالم.”
“كما أخرجت الصورة من البئر، لتنال الحقيقة، لا بد أن تعانقها.” كانت شقة “غو” محصّنة بالمذبح، وبدأ جسد العجوز يتفكك.
رفع “هان فاي” الطفل، فاكتشف سترة صوفية حمراء تحته. كانت سترة حقيقية، وليست وهمًا.
“فهمت.” نظر “هان فاي” إلى الغرفة الصغيرة أسفل الألواح، ثم أخرج سلسلة من مخزونه، ووضع بجانبها دمية ورقية.
قال “هان فِي” وهو يشير إلى خفّ نسائي بجانب الباب: “بعض الأشياء لا يصحّ أن تُشاركها مع أحد.”
تعجّب العجوز: “أحضرت سلسلة معك؟ أين كنت تُخفيها؟”
تجاهله “هان فِي”، وجعل الدمية الورقية تمسك طرف السلسلة، ودخل إلى الغرفة الصغيرة، حيث غطّت الجدران صورٌ لرجالٍ ونساءٍ وأطفالٍ مجبورين على الابتسام. تمتم “هان فاي”: “أكان هذا الصبي محبوسًا هنا طَوال هذا الوقت؟”
تجاهله “هان فِي”، وجعل الدمية الورقية تمسك طرف السلسلة، ودخل إلى الغرفة الصغيرة، حيث غطّت الجدران صورٌ لرجالٍ ونساءٍ وأطفالٍ مجبورين على الابتسام. تمتم “هان فاي”: “أكان هذا الصبي محبوسًا هنا طَوال هذا الوقت؟”
ركب الجميع المركبة، وتوجّهوا نحو الحديقة. كانت مجرد متنزه مهجور، لكنه يغصّ بطاقة “الين” المخيفة. قال “هان فاي”: “لطالما راودني شعور أن هذا المكان يخفي شيئًا شنيعًا.”
اقترب من الطفل الذي ظلّ جامدًا لا يُبدي أي استجابة. لم يكن يسمع، ولا يرى، ولا يشم، وكأنّ العالم من حوله صندوقٌ أسود صغير.
أسرع “هان فاي” عائدًا إلى المركبة.
صرخ العجوز: “أسرع!”
تعجّب العجوز: “أحضرت سلسلة معك؟ أين كنت تُخفيها؟”
مدّ “هان فاي” يده باستخدام مهارة “اللمسة الروحية”، ممسكًا بذراعي الصبي بلطف. لكنّه لم يشعر بأي انفعال؛ كانت المشاعر خاوية تمامًا، وكأن الصبي دمية بلا روح، يترك جسده بين يدي “هان فاي” دون أدنى مقاومة.
همست السيدة العجوز: “لا تبكِ يا صغيري… سأحيك لك الكثير من الثياب.” كانت تحاول طمأنته، دون جدوى.
قال “هان فاي” متأمّلًا: “لعلّه ظنّ أنني المدير غو.” حمل الصبي ونظر إلى وجهه. لم يكن له عينان، ولا أذنان، ولا أنف، فمٌ فقط. وغالبًا ما تكون الحقيقة هكذا: تصرخ حتى تتقطّع أحبالك الصوتية، لكنك لا تدري من بجانبك؛ أهو جلادك أم جدارٌ بارد؟ الحقيقة وحيدة، حبيسة غرفة مظلمة، ولا يراها إلا من يجرؤ على تحدي المذبح.
“كيف أجعل الحقيقة تتكلم؟” تساءل في نفسه. لم يكن يعلم مقدار ما تعرّض له الصبي من عذاب، ولعله فقد القدرة أو الرغبة في الكلام.
“هل لدى الزعيم غو طفل؟” تساءل “هان فاي” وهو يُحدّق في الغرفة الصغيرة. “إن عرَفتُ شيئًا عن طباعه، فأغلب الظنّ أنه ألقى بطفله إلى قاع البئر.”
قال العجوز: “أخرجه أولًا، ثم نرى.”
صدح صوت الصبي في الغرفة، و تتابعت كلماته: “مرّ إخوتي وأخواتي بما مررنا به، وحين كان أبي يقوم بأعمال الخير، تعرّف إلى أمهاتهم، وابتاعهم بأبخس الأثمان. بعضهم غادر قبل أن يولد، وهم يحسدونني لأنني رأيت العالم.”
رفع “هان فاي” الطفل، فاكتشف سترة صوفية حمراء تحته. كانت سترة حقيقية، وليست وهمًا.
أجاب العجوز بنبرةٍ حزينة: “الطفل قد مات… أو بالأحرى، صار في حالٍ كحالي، لا هو من الأحياء ولا من الأموات. نُقيم في هذا العالم لنحمل لعنة المذبح. إنّ هذه الشقة ليست سوى مذبح، وهي مخصّصة لإخفاء ذلك الصبي، ودفن الحقيقة في أحشائها.” سعل العجوز، وتلاشت أطرافه كأنها وهم، ثم قال: “لا يمكنني البقاء طويلاً، يجب أن تُخرج الحقيقة والضمير من هنا بأسرع ما يمكن.”
“إنها السترة التي حاكتها السيدة العجوز!؟” علقت هذه الملاحظة في ذهنه؛ فهو كان قد عثر على سترة مشابهة في الغرفة رقم 13، حيث المرأة المشنوقة وطفلها، واللذان كانا قد نالا في ما مضى عونًا من المدير غو. قَدِما معًا إلى هذه المدينة، لكن الطفل فُقد في أحد المجمّعات التجارية. ربطت السترات الحمراء بين أطراف الحكاية. بدأ “هان فاي” يشكّ أن الصبي الذي يُدعى “الحقيقة” له صلة بتلك المرأة المشنوقة.
اقترب من الطفل الذي ظلّ جامدًا لا يُبدي أي استجابة. لم يكن يسمع، ولا يرى، ولا يشم، وكأنّ العالم من حوله صندوقٌ أسود صغير.
حمل “هان فاي” الطفل وأخرجه من الغرفة الضيقة، ثم توجه نحو “الضمير” الذي بدا كوحش طيني بوجه “غو”. وما إن وقعت عينا الضمير على الحقيقة، حتى انكمش في الزاوية مرتعدًا، لا يجرؤ على التنفس.
ركض الجميع نحو الخارج، وبين الطابق الثاني والثالث، فُتح باب شقة، وخرج رجل بثياب النوم متذمّرًا: “ما كل هذا الضجيج؟ أتعلمون كم الساعة؟ أنتَ…” ثم حدّق بهم، وبدت عليه الصدمة، إذ كانوا جميعًا رجال عصابات بملابس سوداء. شهق، وصفع نفسه: “أهذا حلم أم علم؟ أين نظارتي؟ لا أرى شيئًا!” ثم بدأ ينسحب، لكن “هان فاي” أمسكه.
زمجر العجوز: “مع الحقيقة والضمير معًا، انتهى أمر ذلك الوغد غو، حتى المذبح لن يستطيع حمايته الآن.” أخرج “هان فاي” علبة الأمنيات، ووضع فيها الضمير والحقيقة، ثم غادر البناية برفقة العجوز.
ترجمة: Arisu san
رغم أن الحي لم يتغير شكله، فإن السماء دوّت بالرعد لحظة خروجهما من الشرفة. ظهر ظلٌ ضخم فوق سطح البحيرة.
“إنها السترة التي حاكتها السيدة العجوز!؟” علقت هذه الملاحظة في ذهنه؛ فهو كان قد عثر على سترة مشابهة في الغرفة رقم 13، حيث المرأة المشنوقة وطفلها، واللذان كانا قد نالا في ما مضى عونًا من المدير غو. قَدِما معًا إلى هذه المدينة، لكن الطفل فُقد في أحد المجمّعات التجارية. ربطت السترات الحمراء بين أطراف الحكاية. بدأ “هان فاي” يشكّ أن الصبي الذي يُدعى “الحقيقة” له صلة بتلك المرأة المشنوقة.
قال العجوز محذّرًا: “الحقيقة قد رأت النور، وسيسارع غو بالعودة. لا ينبغي أن نصطدم به قبل أن نجعل الحقيقة تنطق.” بدا واضحًا أنه يكنّ حقدًا دفينًا لـ “غو”.
صرخ “هان فاي”: “ها نحن ذا، هذه هي الغرفة!” وركل الباب ففتحه، فهبط البرد فجأة، وشعر الجميع أن شيئًا ما استيقظ.
أسرع “هان فاي” عائدًا إلى المركبة.
ركض الجميع نحو الخارج، وبين الطابق الثاني والثالث، فُتح باب شقة، وخرج رجل بثياب النوم متذمّرًا: “ما كل هذا الضجيج؟ أتعلمون كم الساعة؟ أنتَ…” ثم حدّق بهم، وبدت عليه الصدمة، إذ كانوا جميعًا رجال عصابات بملابس سوداء. شهق، وصفع نفسه: “أهذا حلم أم علم؟ أين نظارتي؟ لا أرى شيئًا!” ثم بدأ ينسحب، لكن “هان فاي” أمسكه.
“عدت بهذه السرعة؟ أوجدت الدليل؟”
قاد العجوز إلى الحمام، ووضع الحقيقة على كومة من الأوراق المنقوش عليها برموزٍ غريبة. تدحرجت كرات الورق نحوه، ثم انفصلت لتفسح المجال ليدين محترقتين امتدّتا من بين الورق، واحتضنتاه من الخلف. اختفت الرموز شيئًا فشيئًا، وظهرت امرأة بعلامات اختناق على رقبتها، لم تنطق، بل اكتفت بمعانقته وكأنها تخشى أن يختفي إن أفلتته.
قال للسائق: “ارجع بي إلى شقتي المستأجرة.” ثم التفت إلى السيدة العجوز، وسألها بلطف: “جدتي، أتتذكرين متى حِكتِ هذه السترة؟”
صرخ “هان فاي”: “ها نحن ذا، هذه هي الغرفة!” وركل الباب ففتحه، فهبط البرد فجأة، وشعر الجميع أن شيئًا ما استيقظ.
مدّت المرأة العجوز يديها المتشققتين نحو السترة، ثم أتمّت إيماءة غريبة، كأنها تحتضن طفلًا خفيًا. تمتمت: “البرد قادم، يجب أن تلبس ما يُدفئك.” ظلّت تهمهم لنفسها، وظنّ الجميع أنها قد خرفت، غير أن “هان فاي” شعر بأمرٍ ما.
أخرج علبة الأماني، وأطلق منها الحقيقة، ووضعه بين ذراعي العجوز. حينها فقط، تحرّك فم الحقيقة. قال “هان فاي” بدهشة: “إنه يستجيب؟ لعلّ بينه وبين السيدة العجوز علاقة ما.”
أخرج علبة الأماني، وأطلق منها الحقيقة، ووضعه بين ذراعي العجوز. حينها فقط، تحرّك فم الحقيقة. قال “هان فاي” بدهشة: “إنه يستجيب؟ لعلّ بينه وبين السيدة العجوز علاقة ما.”
قال “هان فاي” متأمّلًا: “لعلّه ظنّ أنني المدير غو.” حمل الصبي ونظر إلى وجهه. لم يكن له عينان، ولا أذنان، ولا أنف، فمٌ فقط. وغالبًا ما تكون الحقيقة هكذا: تصرخ حتى تتقطّع أحبالك الصوتية، لكنك لا تدري من بجانبك؛ أهو جلادك أم جدارٌ بارد؟ الحقيقة وحيدة، حبيسة غرفة مظلمة، ولا يراها إلا من يجرؤ على تحدي المذبح.
لم يُجبره على الكلام، بل تركه في حضنها، وهي تغني له لحنًا هادئًا كأنه ترانيم اطفال. قال “هان فاي” للسائق: “سر على مهل، دعه ينعم بنومٍ هانئ.”
وبعد نصف ساعة من الحفر، عثروا على عددٍ كبير من الألعاب، لكلٍ منها اسم. ثم استخرجوا صندوقًا محكم الإغلاق.
جلس الجميع في السيارة يحدّقون بـ “هان فاي” في حيرة، لا أحد يعرف من هو هذا الطفل، لكن لم يتجرّأ أحد على السؤال. سارت السيارة في الليل حتى بلغت شقة “هان فاي”.
كانت العلبة من الصنف “G” من اللعنات، لكنها فاقت في هولها الدمية الورقية من الصنف “O”. وإذا واصل “هان فِي” ملأها، فقد تغدو بديلاً عن بئر الأمنيات.
قال “هان فاي”: “انزلوا.” ثم أنزل السيدة العجوز، بينما حمل أحد رجال العصابة المظلّة فوق رأسه. تمدد الحقيقة في حضنها، وكأن لحظة السكينة تلك تعني له العالم. غير أنه، حين اقتربوا من البناية، بدأ يرتجف خوفًا.
قال “هان فاي”: “حين بدأ مشروعًا جديدًا، تواطأ معه لترهيب التجار، ومستشفاه الخاص مليء بالضحايا، واعمال الخير كانت مجرد ستار… حتى إنه اعتدى على شابات بحجّة الرعاية. إنّه أحقر من باعوضة.”
همست السيدة العجوز: “لا تبكِ يا صغيري… سأحيك لك الكثير من الثياب.” كانت تحاول طمأنته، دون جدوى.
همست السيدة العجوز: “لا تبكِ يا صغيري… سأحيك لك الكثير من الثياب.” كانت تحاول طمأنته، دون جدوى.
قال “هان فاي”: “جدتي، تعالي معي.” كان على يقين أن لهذا الطفل صلة بالمرأة في الغرفة 13. أسرع خطاه، وتبعه الآخرون حائرين.
ركب الجميع المركبة، وتوجّهوا نحو الحديقة. كانت مجرد متنزه مهجور، لكنه يغصّ بطاقة “الين” المخيفة. قال “هان فاي”: “لطالما راودني شعور أن هذا المكان يخفي شيئًا شنيعًا.”
صرخ “هان فاي”: “ها نحن ذا، هذه هي الغرفة!” وركل الباب ففتحه، فهبط البرد فجأة، وشعر الجميع أن شيئًا ما استيقظ.
قال “هان فاي”: “جدتي، تعالي معي.” كان على يقين أن لهذا الطفل صلة بالمرأة في الغرفة 13. أسرع خطاه، وتبعه الآخرون حائرين.
قاد العجوز إلى الحمام، ووضع الحقيقة على كومة من الأوراق المنقوش عليها برموزٍ غريبة. تدحرجت كرات الورق نحوه، ثم انفصلت لتفسح المجال ليدين محترقتين امتدّتا من بين الورق، واحتضنتاه من الخلف. اختفت الرموز شيئًا فشيئًا، وظهرت امرأة بعلامات اختناق على رقبتها، لم تنطق، بل اكتفت بمعانقته وكأنها تخشى أن يختفي إن أفلتته.
حمل “هان فاي” الطفل وأخرجه من الغرفة الضيقة، ثم توجه نحو “الضمير” الذي بدا كوحش طيني بوجه “غو”. وما إن وقعت عينا الضمير على الحقيقة، حتى انكمش في الزاوية مرتعدًا، لا يجرؤ على التنفس.
لم تعد في عينيها التالفتين دموع، بل سيل من الدماء الغاضبة تدفّق، وسقط على وجه الحقيقة. رفع الصبي رأسه ببطء، وتمتم: “أمي، لا تبكي.”
أجابه “هان فاي”: “علينا الإسراع قبل بزوغ الفجر.” ثم بدأ الحفر قرب الأرجوحة التي تتمايل في المطر.
تمكّن، وهو بلا حواس إلا فمه، من الشعور بحضور أمّه. ولم تشأ أن تفلته، بل ضمّته أكثر.
كان بداخله سجلّ حسابات يكشف عن فساد “غو”، حيث استغل عمله الخيري لجمع الأموال بطرق غير شرعية. تركه شقيقه الأصغر أملًا في النجاة، لكنه قُتل قبل أن يستخدمه.
قال الصبي: “أمي، رأيتُ أبي وإخوةً وأخواتٍ كثر، جميعهم أولاد أبي، وكلّهم يسكنون داخلي.”
اقترب من الطفل الذي ظلّ جامدًا لا يُبدي أي استجابة. لم يكن يسمع، ولا يرى، ولا يشم، وكأنّ العالم من حوله صندوقٌ أسود صغير.
صدح صوت الصبي في الغرفة، و تتابعت كلماته: “مرّ إخوتي وأخواتي بما مررنا به، وحين كان أبي يقوم بأعمال الخير، تعرّف إلى أمهاتهم، وابتاعهم بأبخس الأثمان. بعضهم غادر قبل أن يولد، وهم يحسدونني لأنني رأيت العالم.”
ترجمة: Arisu san
لم تحوي كلماته حزنًا ولا فرحًا؛ لم يتلقّ أي ردّ، فأكمل حديثه: “أمي، هل تأخذيني إلى الحديقة قرب النهر؟ إخوتي وأخواتي طالما تمنّوا الذهاب إليها، يقولون إن أجسادهم، وسرّ أبي، مدفونون هناك.”
جلس الجميع في السيارة يحدّقون بـ “هان فاي” في حيرة، لا أحد يعرف من هو هذا الطفل، لكن لم يتجرّأ أحد على السؤال. سارت السيارة في الليل حتى بلغت شقة “هان فاي”.
عندها، أسرع “هان فاي” ليُقاطع هذا اللقاء: “ما أصاب ابنك يحدث الآن لآخرين، ولكي نُوقف ذلك، علينا أن نوقف المدير غو. أحتاج الحقيقة لتتكلم.”
لم يُجبره على الكلام، بل تركه في حضنها، وهي تغني له لحنًا هادئًا كأنه ترانيم اطفال. قال “هان فاي” للسائق: “سر على مهل، دعه ينعم بنومٍ هانئ.”
كان يفهم ألم المرأة، فطفلها حُوِّل إلى وحشٍ ذي فمٍ فقط، تسكنه أرواح كثيرة. ومع ذلك، لم يكن الوقت مناسبًا للبكاء.
قال العجوز: “أخرجه أولًا، ثم نرى.”
قال برجاء: “دعِي الحقيقة تتكلم، نحن بحاجة لدليلٍ يُدين المدير غو.” وأخرج علبة الأمنيات، ناظرًا إلى المرأة بصدق: “الليل هو أفضل وقتٍ لنُحرّك خيوط اللعبة.”
قال “هان فاي”: “انزلوا.” ثم أنزل السيدة العجوز، بينما حمل أحد رجال العصابة المظلّة فوق رأسه. تمدد الحقيقة في حضنها، وكأن لحظة السكينة تلك تعني له العالم. غير أنه، حين اقتربوا من البناية، بدأ يرتجف خوفًا.
حين جاء “هان فاي” إلى هذه الشقة، كانت المرأة تراقبه بصمت. كان في وسعها قتله مرارًا، لكنها لم تفعل. وهكذا، حظيت بفرصة لقاء ابنها مجددًا. بعد تردد، دخلت المرأة في علبة الأمنيات مع الحقيقة.
كانت العلبة من الصنف “G” من اللعنات، لكنها فاقت في هولها الدمية الورقية من الصنف “O”. وإذا واصل “هان فِي” ملأها، فقد تغدو بديلاً عن بئر الأمنيات.
قال “هان فاي” متأمّلًا: “لعلّه ظنّ أنني المدير غو.” حمل الصبي ونظر إلى وجهه. لم يكن له عينان، ولا أذنان، ولا أنف، فمٌ فقط. وغالبًا ما تكون الحقيقة هكذا: تصرخ حتى تتقطّع أحبالك الصوتية، لكنك لا تدري من بجانبك؛ أهو جلادك أم جدارٌ بارد؟ الحقيقة وحيدة، حبيسة غرفة مظلمة، ولا يراها إلا من يجرؤ على تحدي المذبح.
تنفّس الصعداء، وأعان السيدة العجوز على الوقوف. قال: “بسرعة! علينا الذهاب إلى الحديقة قرب النهر!”
أجاب العجوز بنبرةٍ حزينة: “الطفل قد مات… أو بالأحرى، صار في حالٍ كحالي، لا هو من الأحياء ولا من الأموات. نُقيم في هذا العالم لنحمل لعنة المذبح. إنّ هذه الشقة ليست سوى مذبح، وهي مخصّصة لإخفاء ذلك الصبي، ودفن الحقيقة في أحشائها.” سعل العجوز، وتلاشت أطرافه كأنها وهم، ثم قال: “لا يمكنني البقاء طويلاً، يجب أن تُخرج الحقيقة والضمير من هنا بأسرع ما يمكن.”
ركض الجميع نحو الخارج، وبين الطابق الثاني والثالث، فُتح باب شقة، وخرج رجل بثياب النوم متذمّرًا: “ما كل هذا الضجيج؟ أتعلمون كم الساعة؟ أنتَ…” ثم حدّق بهم، وبدت عليه الصدمة، إذ كانوا جميعًا رجال عصابات بملابس سوداء. شهق، وصفع نفسه: “أهذا حلم أم علم؟ أين نظارتي؟ لا أرى شيئًا!” ثم بدأ ينسحب، لكن “هان فاي” أمسكه.
“عدت بهذه السرعة؟ أوجدت الدليل؟”
ارتعب الرجل: “أنا آسف!”
كان يفهم ألم المرأة، فطفلها حُوِّل إلى وحشٍ ذي فمٍ فقط، تسكنه أرواح كثيرة. ومع ذلك، لم يكن الوقت مناسبًا للبكاء.
قال “هان فِي” وهو يشير إلى خفّ نسائي بجانب الباب: “بعض الأشياء لا يصحّ أن تُشاركها مع أحد.”
مدّت المرأة العجوز يديها المتشققتين نحو السترة، ثم أتمّت إيماءة غريبة، كأنها تحتضن طفلًا خفيًا. تمتمت: “البرد قادم، يجب أن تلبس ما يُدفئك.” ظلّت تهمهم لنفسها، وظنّ الجميع أنها قد خرفت، غير أن “هان فاي” شعر بأمرٍ ما.
هتف الرجل: “حسنًا! سأشتري لصديقتي خفًا جديدًا غدًا! شكرًا لك!”
ردّ “هان فِي”: “افعل ما تراه مناسبًا.” ثم تابع طريقه.
قال للسائق: “ارجع بي إلى شقتي المستأجرة.” ثم التفت إلى السيدة العجوز، وسألها بلطف: “جدتي، أتتذكرين متى حِكتِ هذه السترة؟”
ركب الجميع المركبة، وتوجّهوا نحو الحديقة. كانت مجرد متنزه مهجور، لكنه يغصّ بطاقة “الين” المخيفة. قال “هان فاي”: “لطالما راودني شعور أن هذا المكان يخفي شيئًا شنيعًا.”
وسط العاصفة، دخل الجميع الحديقة. قادهم “الحقيقة” إلى منطقة كثيفة الأشجار.
وسط العاصفة، دخل الجميع الحديقة. قادهم “الحقيقة” إلى منطقة كثيفة الأشجار.
سأله النادل بخوف: “هان فاي، هل أنت متأكد أن الدليل هنا؟ لقد أمضينا الليلة في نقل عجوزٍ وطفل!”
قال “هان فاي”: “حين بدأ مشروعًا جديدًا، تواطأ معه لترهيب التجار، ومستشفاه الخاص مليء بالضحايا، واعمال الخير كانت مجرد ستار… حتى إنه اعتدى على شابات بحجّة الرعاية. إنّه أحقر من باعوضة.”
أجابه “هان فاي”: “علينا الإسراع قبل بزوغ الفجر.” ثم بدأ الحفر قرب الأرجوحة التي تتمايل في المطر.
قال للسائق: “ارجع بي إلى شقتي المستأجرة.” ثم التفت إلى السيدة العجوز، وسألها بلطف: “جدتي، أتتذكرين متى حِكتِ هذه السترة؟”
لو لم يكن “هان فاي” بهذه الهيبة، لفرّ رجال العصابة منذ زمن؛ فمهمتهم كانت انقاذ “الأخ ثعبان”، لا نبش الحدائق ليلاً.
قال برجاء: “دعِي الحقيقة تتكلم، نحن بحاجة لدليلٍ يُدين المدير غو.” وأخرج علبة الأمنيات، ناظرًا إلى المرأة بصدق: “الليل هو أفضل وقتٍ لنُحرّك خيوط اللعبة.”
وبعد نصف ساعة من الحفر، عثروا على عددٍ كبير من الألعاب، لكلٍ منها اسم. ثم استخرجوا صندوقًا محكم الإغلاق.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
كان بداخله سجلّ حسابات يكشف عن فساد “غو”، حيث استغل عمله الخيري لجمع الأموال بطرق غير شرعية. تركه شقيقه الأصغر أملًا في النجاة، لكنه قُتل قبل أن يستخدمه.
قال الصبي: “أمي، رأيتُ أبي وإخوةً وأخواتٍ كثر، جميعهم أولاد أبي، وكلّهم يسكنون داخلي.”
قال “هان فاي”: “حين بدأ مشروعًا جديدًا، تواطأ معه لترهيب التجار، ومستشفاه الخاص مليء بالضحايا، واعمال الخير كانت مجرد ستار… حتى إنه اعتدى على شابات بحجّة الرعاية. إنّه أحقر من باعوضة.”
ترجمة: Arisu san
كان “غو” بارعًا في أمرٍ واحد: الشر. وسرّ نجاحه كان المذبح والبئر.
أسرع “هان فاي” عائدًا إلى المركبة.
“طاغوت المذبح يساند هذا الوغد؟ لا مبرر لوجود طاغوت بهذه الحماقة.” لقد عثر “هان فاي” على الدليل القاطع. وها هو يملك القدرة على تغيير مصير الجميع في عالم الذاكرة.
وسط العاصفة، دخل الجميع الحديقة. قادهم “الحقيقة” إلى منطقة كثيفة الأشجار.
صرخ العجوز: “أسرع!”
كان يفهم ألم المرأة، فطفلها حُوِّل إلى وحشٍ ذي فمٍ فقط، تسكنه أرواح كثيرة. ومع ذلك، لم يكن الوقت مناسبًا للبكاء.
لم تعد في عينيها التالفتين دموع، بل سيل من الدماء الغاضبة تدفّق، وسقط على وجه الحقيقة. رفع الصبي رأسه ببطء، وتمتم: “أمي، لا تبكي.”
ترجمة: Arisu san
