1
– على الفور ، شعر سوبارو بأن الوقت قد توقف ببساطة.
كان شعوراً غريباً، لكنه تذكر إحساسه بهذا الإحساس من قبل، لطالما انطلقت غريزة البقاء على قيد الحياة عندما أحس بالخطر محاولة بشكل عاجل إبقاء جسده على قيد الحياة إذ أن مصير حياته معلق في الثوانِ القادمة.
لماذا كانت إلسا هناك؟ لم يكن لديه وقت للتفكير في مثل هذا السؤال.
لم تكن كلمة “لماذا” هي ما يجب أن يفكر فيه، بل كلمة “كيف”، بهدوء -قدر الإمكان- حاول استيعاب الوضع الذي كان فيه.
في الجهة الأولى كانت السفاحة ذات الرداء الأسود تقف عند الباب، وفي الجهة المقابلة جلس كل من سوبارو وفريدريكا على الأرائك بينما وقفت رام متصنمة في مكانها حاملة عصاها بيدها، ولكن… هنالك شخص آخر غيرهم في المكان.
“_____”
– كان بيترا موجودة هناك أيضًا.
كانت إلسا قد جعلت بيترا تقف بجانبها وهي تفتح الباب حيث استقر نصل على حلق تلك الفتاة وتجمعت الدموع في عينيها المستديرتين.
لقد فهم سوبارو الوضع، لقد قادت إلسا إلى الغرفة… لقد أجبرتها إلسا على ذلك، ومنعتها حتى من البكاء.
مما لا شك فيه أن هنالك دوامة من الخوف تحوم في قلب بيترا إذ أن حياتها باتت في خطر، لقد تم اجبارها على أخذ إلسا إلى سوبارو والآخرين؛ لقد أرادت بشدة أن تصرخ: “ساعدوني” –
“… فريدريكا ، رام ، سوبارو…”
بصوت مرتعش ، نادت بيترا أسمائهم.
ماذا عساه أن يفعل لهذا الصوت؟ لقد أراد أن يهز رأسه ليخبرها أن تسترخي… ليخبرها أنه لا بأس في أن تبكي –
“اهربوا!!”
“____”
على الفور صرخت بيترا بكلمة “اهربوا” بدلًا من كلمة “ساعدوني” مما أدى إلى إشعال النار في قلب الثلاثي- النار في قلب سوبارو اشتعت لأنه أدرك التهديد الكبير، أما رام فقد كانت بسبب هالة السفّاحة المروعة، وفريدريكا بسبب رؤيتها لدموع تلك الفتاة.
“إل فوولا…!!”
في محاولة لاستعراض قوتها، رفعت رام قصبتها مطلقة رياحًا عاتية، اندمجت المانا في تلك السكين الهوائية وشقت طريقها نحو إلسا الواقفة على مهل… لا يمكن إيقاف نصل الرياح بالقوة البدنية. لكن-
”يا له من نسيم منعش، لكن ضوء الشمس لطيف اليوم … لذا لا حاجة لأن تكوني متراخية وراعية لـيّ”
استطاعت إلسا مناورة الضربة بتحيك الحجزء الجزء العلوي من جسدها بذكاء متهربة من نصل الريح المميت، نجحت ذات اللون الأسود في تفادي سلسلة متواصلة من الهجمات بسهولة كبيرة… كان الأمر كما لو كانت تقرأ مسار الرياح – كلا ، لم تكن حتى بحاجة لمعرفة مسار تلك الرياح فقد شنت رام هجماتها بطريقة تتجنب البتراء التي تم احتجازها كرهينة واستفادت إلسا من ذلك، واستغلت البقع العمياء بينها وبين الريح لتفادي نصل الرياح.
“لو كنتِ على استعداد لإصابة هذه الخادمة الصغيرة بينما تستهدفيني، لكان قتالنا قصة أخرى…”
“خسارة، من القواعد الصارمة في هذه الأسرة أن الخدم يدعمون ويساعدون بعضهم البعض!!”
“يا إلهي.”
من الخلف رفعت إلسا حاجبها مداعبة خد بيترا مما جعل شيئًا ما يعلق حلق الفتاة الصغير، تم ضرب ذراعي فريدريكا عندما قفزت بالقرب من إلسا في قتال من مدى قصير بدا وكأنه يهدف لتمزيق جذعها.
كانت الضربة باستعمال الأصابع الخمس مشابهة لحركة فنون الدفاع عن النفس المعروفة باسم مخالب النمر مع اختلاف بسيط: وهو أن أصابع الذراعين اللذين كانت فريدريكا تسعملهما في الهجوم قد تحولوا جميعًا إلى مخالب وحشية حقيقية.
لقد غيرت من شكل أصابعها النحيلة والشاحبة شكلها وأصبحت مخالب وحش عنيد وشرس، بعبارة أخرى أصبح ذراعيها الآن أدوات وحشية لتمزيق جسد الخصم، تعالت أصوات صرير غاضبة، وتطاير الشرر عند اصطدام مخالب فريدريكا الوحشية بسكين إلسا.
“تحول جزئي …! لديك دم نصف بشري، صحيح؟ هذا رائع!”
“شكرًا لك على المديح غير المرغوب فيه … يمكنني فعل هذا أيضًا!! بيترا!!”
مع فرحة إلسا بالاشتباك غير المتوقع، غيرت فريدريكا وضعيتها أمام السفاحة، وفي اللحظة التي نادت فيها اسم بيترا، انفتحت عينا الفتاة المستديرتان.
وبينما كانت تلك الفتاة تقف مكتوفة الأيدي، بدا أن وشاحًا ذهبيًا يمتد أمامها… كان ذيل حيوان رفيع مغطى بفراء ذهبي يمتد من الجزء الخلفي من تنورة فريدريكا.
“!”
في اللحظة التي فهمت فيها بيترا الموقف، قفزت نحو الذيل بسرعة، في اللمسة الأولى، استخدمت فريدريكا الذيل لسحب بيترا لتخرج من مجال تلك السفاحة.
عندما قفزت بيترا بعيدًا، حاولت إلسا أن قطع الهواء بسكينها، لكن رام لم تسمح بذلك.
“الهجمات المتفرقة”
عندما سًلبت من إلسا رهينتها، أصبحت منطقة أمانها مكشوفة للرياح، تفرثث نصل الرياح ليصبح أِشبه بالسكاكين الصغيرة التي حاصرت هدفها في المركز واتجهت نحو ننفس الهدف من كل الاتجاهات بكل بوحشية.
“_____”
أصبح موعد موتها مؤكد، تناثرت دماء جديدة في ساحة القتال، ولم يكن هناك شك في أن الرياح قد أصابت إلسا. لكن-
“ذراعها…”
“آه ، آه ، آه … ظننت أني سأموت.”
رفعت إلسا ذراعها المقطوعة عالياً، ولعقت الدم المتدفق من الجرح العميق.
كانت إصابة مؤلمة المظهر، لكن تلك الذراع هي الشيء الوحيد الذي لحق الضرر به، لابد أن إلسا قد استخدمت ذراعها كدرع من هجوم نصل الرياح مما قلل الضرر، قد ينظر المرء إلى تصرفها على أنه عمل طائش، لكنه كان الحل الأمثل للتعامل مع الهجوم-
“أنتِ امرأة مقيتة.”
“أنا أفضل مثلك أيتها الخادمة متوسطة الحجم.”
عندما رمت رام تعليقها اللاذع، رفعت إلسا سكينها باتجاهها باستعمال يدها السليمة، واحدًا تلو الآخر ، انعكس على نصل السكين اللامع وجوه كل واحد من الأربعة الموجودين في الغرفة… واحد بعد واحد حتى انعكس وجه إلسا بدورها عليه ثم قالت: “رجل وثلاث نساء، واحدة كبيرة وواحدة متوسطة وأخرى صغيرة… سأصفكم على الطاولة وأقارن حجم ما بداخل بطونكم”.
“اختياركِ للعبارات أسوء حتى من اختيارات غارف، في هذه الحالة – باروسو! ”
“أنـا لها…”
هبطت بترا خلف الآخرين في أحضان فريدريكا، في تلك اللحظة -وبإشارة رام- دفع سوبارو بقوة ذراعه اليمنى نحو إلسا.
لم سبب مراقبته للوضع بصمت حتى هذه اللحظة فقط لأنه كان يفتقر إلى القدرة على التدخل… بالطبع كان هذا سببًا وجيهًا، ولكن الأهم من ذلك أنه كان ينتظر الوقت المناسب.
– حان الوقت للعب الورقة الرابحة التي قرر استخدامها مسبقًا إذا واجه إلسا.
– “شااااااااكك”
كان بلا سلاح -بلا وسيلة للرد على هجومها- ناهيك عن أنه لم تكن لديه الاستعدادات والعظيمة الكافية، وكان يواجه عدوًا يتحدى كل توقعاته، ومع ذلك فإن أقل ما يمكن أن يفعله هو الاستفادة من أفضل بطاقة تحملها يده الهزيلة. لقد فعلّ القوى السحرية غير الكاملة بداخله مما تسبب في إضاءة الدم المتدفق من خلاله من شدة حرارته. “لا تستخدمه…” حذره صوت فيريس داخل رأسه.
وفي اللحظة التي سحق تردده بين أسنانه، خرج رذاذ أسود من يده اليمنى بقوة أشبه بانفجار قنبلة.
ابتلع ذلك الرذاذ -ذو اللون الأسود القاتم كالظلام الذي لا يتخلله ضوء- المرأة ذات اللرداء الأسود -والتي كانت هدفه- بالكامل. قوة سحره تلك تجعل تعويذات ضحيته غير مفهومة، وتسلب منها قوتها على التفكير والحركة.
“ما رأيكِ…! إذا كنتِ تستطيعين تخطي جدار الضياع هذا فعندها…”
تمكن سوبارو من إلقاء سحره مثلما كان يرغب بالضبط، لذا تفوه ببعض الكلمات اللذاعة، وفي اللحظة التالية وترك بعض الكلمات اللاذعة – وفي اللحظة التالية، وصلت.
“غييي!! غااااههه!!”
مع صوت قطع شيء ما، شعر بألم لا يُحتمل في وسط جمجمته وجذعه.
دفع الألم المفرط أفكار سوبارو بعيدًا… وبينما كان يصرخ أصبحت رؤيته مصبوغة بمزيج من اللونين الأحمر والأبيض. إن إخراج المانا من بوابته غير المكتملة جعله يشعر بالعطش والخدر في الآن ذاته، لقد بدأ العذاب يحطم روحه.
أصبحت رؤيته مشوشة، وخارت قدميه، على هذا المعدل سيفقد القدرة على إدراكه للواقع… وبعدها يفقد عقله –
“سوبارو!”
قبل لحظة منن غرقه في الظلام، سمع صوتًا بعيدًا وشعر بلمسة كف تتصل بعقله.
ظهرت صورة بيترا الباكية المشوشة أكامه، كان صوتها يبعث الدفء داخل قلبه.
لم يكن لديه وقت للاستسلام، في لحظة نسي الألم الذي كان يمزق أعصابه ويقطع روحه إلى أشلاء، خلال الوقت الذي كانت فيه قوة “الهلوسة” فعالة، أمسكت سوبارو بيدها.
“سننسحب”
“هذا سيصبح قاسيًا بعض الشيء!”
“هـياااااا!! يا-يا آنسة؟!”
عندما قررت رام بسرعة أن عليهم الإنسحاب، وضعت فريدريكا يدها حول خصر بيترا دون تردد. بعد ذلك ، قامت ذراعها المتفرغى بسحب سوبارو المترنح على صدرها أيضًا. لقد كان إحساسًا ناعمًا.
“ع-عندما نصبح أكثر أمانًا، أود حقًا أن أستمتع بهذا أكثر…!!”
“كما لو كنت سأتركك تلمسني!! أيًا يكن، لنخرج من النافذة-!”
أطلق سوبارو الذي كان لا يزال يئن من الألم نكتة قوبلت برد فظ من فريدريكا وهي تتجه إلى آخر الغرفة. إذا كسرت تلك النافذة سيتمكنون من القفز إلى فناء القصر مباشرة، حاجز الرذاذ شاماك لن يؤجل الأشياء لوقت طويل. كان التقييم السريع للوضع والقرارات والإجراءات الفورية مطلوبة في تلك اللحظة—
“أووو…؟”
عندما جثمت فريدريكا، أدرك سوبارو أن شيئًا ناعمًا قد أصاب ظهره.
شعر بشيء غير مريح من جهة كتفه الأيسر، التقط أنفاسه بصعوبة ولف رقبته ليتحقق من الأمركان هناك شيء أشبه بسيخ يخرج منه. كان الارتعاش الطويل للجسم النحيف دليلاً على أنه اخترقه منذ لحظات فقط.
—لقد تطاير عدد لا يحصى من الأجسام المتشابهة من جهة الرذاذ الأسود دفعة واحدة.
“—فريدريكاا !!”
بالرغم من صرخته، إلا أنها لم تأتِ في الوقت المناسب.
تلا ذلك موجة من الأصوات عندما انغمس النصل الحاد اللامع في اللحم اللين أكثر –
“….!!!!!!” “إل فولااا”
تعالا صوت هدير الشيطان وزئير الوحش فوق بعضيهما- بينما هبت الريح في غرفة الإستقبال.
2
أثناء إخلائهم لغرفة الاستقبال، سقط سوبارو والآخرون مباشرة في فناء القصر.
لم يشعروا بالألم المتوقع من السقوط أبدًا بفضل الأداء الرائع لفريدريكا إذ هبطت على العشب على الجهة التي بها سوبارو وبيترا ووضعت تحتهم جناحها، لكن تكلفة الانسحاب كانت أكبر من المتوقع.
“آنسة فريدريكا !!”
بعد أن تأذت بسبب الهبوط ، رفعت بترا صوتها إلى شيء أشبه بصرخة وهي تتدحرج على العشب. كانت نظرتها على فريدريكا الجالسة على ركبة واحدة في الفناء مع أسياخ عالقة في ظهرها الملطخ بالدماء.
“لقد … قللت من شأن خصمنا …!”
كانت فريدريكا تتنفس بصعوبة بينما كانت أسياخ رفيعة ترتفع من ظهرها كجبل من السيوف. كان طول الأسياخ حوالي ثماني بوصات، ووصل عدد غير قليل منها بلا شك إلى أعضائها الداخلية.
لم تكن فريدريكا الوحيدة التي شعرت بألمها، إذ أن سوبارو قد ذاق ما ذاقته أيضًا.
“آه ……! تبـًا! إنها مثل يوليوس، عدو لا تفيد قوة شاماك ضده”
“كلا أبدًا، لقد ألقت بهم بشكل عشوائي عبر سحابة الظلام، لديها حدس استثنائي “.
انتحبت سوبارو ضد السيخ في كتفه الأيمن بينما شاركت رام ما تفكر به، عند فحص جروح سوبارو وفريدريكا ، شكّل حاجباها المصقولان عبوسًا لطيفًا
“لا أحد هنا قادر على استخدام سحر الشفاء، إذا قمت بإزالة السيخ، ستموت بسبب النزيف”
“ليس لدي الشجاعة للمسه أو حتى النظر إليه مرتين ، ناهيك عن سحبها … هل قضيت على إلسا؟”
“لقد فجرت الغرفة بأكملها، لكن لم أشعر أنني أصبتها، لذا علينا ألا نتفاءل”
“اللعنة على كل شيء …! ظنتت أنني كسبت لنا القليل من الوقت على الأقل …”
صرّ سوبارو حزنًا على أسنانه ردًا على إجابة رام ، وأعرب سوبارو بهدوء عن أسفه لعدم وجود أي شخص من الحاضرين مناسبًا لعلاج إصاباتهم. في السابق ، كانت ريم تشفي جروحه، وشفت بياتريس جروحًا أكثر خطورة- في تلك اللحظة أدرك سوبارو الأمر متأخرًا
“ريم وبياتريس كلاهما….!”
كلاهما كانا لا يزالان في القصر، وكانت إلسا معهم.
في تلك اللحظة، تلاشت فكرة الهرب من رأسه، لم يستطع أن ينأى بنفسه عن القصر بوجود كلاهما بداخله.
“إذا لم ننقذهما….!!”
كان يحترق ألمًا من جرحه، لكنه فكر بأقصى سرعة بكل الخيارات الممكنة.
شيء واحد مؤكد هو أن ريم كانت في الجناح الشرقي للقصر، المشكلة أن بياتريس كانت تجعل تعويذة الممر تعمل على الدوام، في ذلك الموقف الحرج ، أصبحت ميزات الممر سلبيات!
– إذا أعطى الأولوية لإنقاذ ريم، فهل يكفي أن يأمل أن تتدبر بياتريس الأمر بنفسها؟ بالنظر إلى قدرات الممر، كانت تلك بلا شك خطة أخرى محتملة.
في الواقع ، في ذروة المعركة مع طائفة الساحرة قبل بضعة أيام ، فشل سوبارو في إخراج بياتريس من القصر؛ لقد بقيت متخلفة فيه، واثقة من قوة الممر خلال المعركة الحاسمة.
إذا كانت الظروف مطابقة لما كانت عليه في ذلك الوقت ، فإن احتمال وقوع ضرر بياتريس كان –
“هل انا غبي؟ لا ، أنا غبي بالتأكيد… الوضع مختلف تمامًا عن المرة السابقة ..!!”
– كان هدف طائفة الساحرة وهدف إلسا مختلفين اختلافًا جوهريًا.
في النهاية ، كان هدد طائفة الساحرة -أي هدف بيتيلغيوس- هو إيميليا، وبما أنهم لم يكن لديهم أي معلومات عن أهداف أخرى، كان ترك بياتريس في القصر خيارًا ممكنًاا لأنها لم تكن مرتبطة تمامًا بهدفهم.
ولكن إلسا مختلفة. كان هدف تلك السفاحة بوضوح ذبح كل من في القصر. لقد استهدفت سوبارو وفريدريكا وبيترا، لذا بطبيعة الحال، كانت تحاول قتل ريم وبياتريس أيضًا.
“____”
لم يستطع تركهما وراءه. لم يستطع! لا يمكن أن يسمح لهما بالموت.
حتى إن لم يكن هنالك بصيص أمل في إنقاذ الجميع، كان عليه أن يتصرف قبل أن يصبح دماغه عديم الفائدة بالكامل –
“باروسو”.
“ماذا؟! أنا أفكر الآن في طريقة لإخراج ريم وبياتريس من هناك …”
كان سوبارو يحاول يائسًا أن يفكر عندما نادته رام فجأة.
عندما نظر إلى رام ، بدا وكأن دماغه المحترق يتسرب من شحمة أذنه بينما كان يبحث بيأس عن طريقة للخروج من مأزقهم.
بينما كان يستعد لسماع اقتراح عودة إلى حافة الهلاك من شفتيها الوردية –
“- نظرًا لوضعنا الحالي ، فإن أفضل ما يمكننا فعله هو ترك هذين الاثنين في القصر بينما نهرب نحن الأربعة.”
“ماذا؟”
التقت نظراتهم المتساوية في الارتفاع عندما أدى اقتراحها الذي قالته بحزم إلى إلغاء كل عمليات تفكير سوبارو التي كان يقوم بها.
ارتجفت طبلة أذنه وهي تنقل تلك الكلمات إلى دماغه، وانغمس عقله في الكلمات فهم ما قالته له، وفي اللحظة التي حقق فيها الفهم التام لعباراتها، وصلت مشاعره إلى مرحلة الغليان.
“ما الذي…؟!!! ما- ما الذي قلـ ….؟ ما الذي قلته؟!!!!!!!”
“الصرخات الغاضبة لن توصلنا لأي مكان، تمالك نفسك رجاءً! أراها فكرة طبيعية بشكل استثنائي “.
”أبــدًا! ريم في القصر! أختك الصغيرة!! إنها تحبك وأنت تحبيها! إنها أختك الصغيرة!! الطبيعي هو أن تحمينها!!”
في اللحظة التي صرخ فيها سوبارو ازداد ألم جرحه، لكنه لم يهتم!! بقلب مليئ بالعذاب والغضب، بصق الدم بينما كان يضرب بمشاعره الشرسة رام بكل ما يستطيع.
وبالرغم من سيل الكلمات التي قالها سوبارو، واصلت رام حديثها بنظرة هادئة على وجهها.
“إنه القرار الصحيح في ظل هذه الظروف لا أكثر ولا أقل! إن خسارة رام وفريدريكا ، والأهم من ذلك خسارتك أنت يا باروسو ستكون ضربة قوية على فصيلنا، يجب تجنب مثل هذه التضحيات “.
“لكن! هذا يعني التضحية بـ…!!”
“افترض ذلك، أعلم أنها قد تكون أختي الصغيرة- لكني واثقة أنها إن كانت أختي الصغيرة حقًا، فإنها ستقول هذا أيضًا”
توقفت رام قليلًا عن الحديث إلى سوبارو -الذي ضاعت الكلمات منه بسبب عواطفه- ثم قالت:
“- من فضلك ، قم بالتضحية بريم من أجل السيد روزوال.”
“______”
في اللحظة التي سمع فيها هذه الكلمات ، شعر سوبارو بشيء في داخله يتحول إلى غبار. لقد كانت ضربة تنافس الشقوق في بوابة المستخدم السحرية غير المكتملة – كلا بل كانت أقوى من ذلك بكثير، حيث هز روح سوبارو ناتسوكي من أعلى رأسه إلة أخمص قدمه.
“لـ – لم أفعل ذلك … هذا ليس السبب …”
– لم يقم بجمع رام وريم معًا حتى تتمكن رام من التحدث معه بمثل هذه الكلمات.
لقد تم محو كل ذكريات ريم من العالم، ولم يتبق منها أي شيء داخل أي شخص. ومع ذلك ، إذا كانت الشقيقتان تتقاسمان الحب والروح ذاتها، فلابد أن يتبقى منها شيء!
كان هذا هو البصيص الضعيف الذي تشبثت به سوبارو، وهو أمر لم يستطع حتى تسميته الأمل. كان هذا ما حمله بداخله عندما أعاد رام إلى القصر.
– لم يكن يعرف أن النتيجة ستكون أن رام تقول له الكلمات التي لم يرغب في سماعها.
“في هذا العالم يا رام … حتى أنتِ لستِ في جانب ريم …؟”
كان هذا هو الحزن الأكبر الذي تذوقه منذ أن سلب وجود ريم.
فبعد كل شيء، عرف سوبارو الحب الذي تكنه الأختان رام وريم لبعضهما البعض –
“أنتما! هذا ليس الوقت المناسب للجدال!!”
كان سوبارو يترنح بينما كانت عينا رام الوردية خالية تمامًا… قاطعت صيحة واحدة من فريديريكا التي أصيبت بجروح خطيرة حديثهما.
في الوضع الحالي كان السماح لجدال صغير بتضييع ثوانٍ معدودة بمثابة خسارة فادحة للوقت.
“اهدءا كلاكما! كيف تتجادلان في وقت كهذا…! ”
“… أنا -رام- أتصرف بشكل مثالي، باروسو بدء كل شيء بمفرده. فريدريكا، أنتِ بدوركِ تعرفين وجهة النظر المنطقية والتي لها مبرراتها من الغير منطقية هنـا”
“بالتأكيد يا رام، أنت محقة، لا أقول إنك مخطئة”.
بحديث سريع، أيدت فريدريكا كون وجهة نظر رام أكثر تبريرًا، عندما تولت هذا المنصب، بدا أن فريدريكا أيضًا كانت فكر أيضًا في ترك ريم وبياتريس وراءها مما جعل سوبارو على شفا حفرة اليأس.
ولكن قبل أن يتمكن من السقوط في تلك الهاوية ، تابعت فريدريكا كلامها قائلة:
“ومع ذلك ، أظن أن علينا إنقاذ كليهما.”
“أنتِ في كامل قواكِ العقلية”
“نعم بالطبع. أنت الشخص الذي تحدث عن الخسائر التي سيتكبدها فصيلنا ، أليس كذلك؟ وبناءً على ذلك ، من الأفضل حقًا إنقاذ كليهما – فالسيدة بياتريس وريم كلاهما مهمتان لنـا “.
تسبب تأكيد فريدريكا في ظهور نظرة مريبة على وجه رام، حتى سوبارو تفاجأ أيضًا، ولكن مع وصول الآخرين إلى طريق مسدود ، رفع الشخص الأخير يدها ببطء وتحدثت:
“أنا أيضًا … أتفق أيضًا مع فكرة… الذهاب لإنقاذهم…!!”
“اهدئي أيتها الطفلة!! فهذا ليس تصويت يحدده الأغلبية!!”
“ي-يمكن للطفل أن يفكر كالبالغين!!!تقول الآنسة فريديريكا إنني أكثر فائدة من الآنسة رام!!!”
تحت أنظار رام الباردة، لم تتراجع بيترا ولو خطوة واحدة وهي تدلي بوجهة نظرها، بعد أن سكتت قليلًا أمام تلك العينين الدامعتين، حولت رام أنظارها نحو سوبارو وفريدريكا.
“أتقولون أن لدينا فرصة؟”
“نحن نعلم مكان ريم! واتركوا العثور على بياتريس لي!!”
“أفترض أن ذلك سينجح!! فباروسو والسيدة بياتريس يتوافقان مع بعضيهما للغاية!!”
“بما أنني أحاول إقناعك ، سأتغاضى عن ذلك هذه المرة”
بالرغم من أن رام كانت واثقة من اقتراحها الأول، إلا أنها فكرت مليًا في وجهة نظر الثلاثي. بالطبع في مثل ذلك الوضع، حتى سوبارو لم يستطع إلا أن يعترف أن خطتها كانت تحمل احتمالات أكبر للبقاء على قيد الحياة.
ومع ذلك ، ما الفائدة من النجاة إن تم التضحية ريم وبياتريس من أجله؟
لقد كان بلا معنى! إذا كان هذا هو الشكل الذي اتخذه العالم المحدث، فمن الأفضل –
“أنـا…”
“نحن نعاني من نقص في العدد، يجب أن نبحث عن السيدة (بياتريس) ونخرج ريم، والعدو قد يتدخل في كلا المهمتين”
“- أنا من اقترحت ذلك، لذا من واجبي أن أتحمل العواقب.”
عندما ذكرت رام لهم المخاوف المترتبة على ذلك، قامت فريدريكا -وهي تلتقط أنفاسها بألم- بالربت على صدرها، تطوعها لفعل ذلك فاجأ سوبارو وبيترا وترك رام وحدها تتنهد في تفهم.
“ها أنت ذا تتصرفين بعناد شديد بينما تعانين من إصابة بليغة، تمامًا مثل غارف “.
“أعتبر كلاكما زميلتين رائعتين يصغرانني بالعمر، لست أنا من تشبه غارف، بل غارف هو من يشبهني “.
قالت فريدريكا ذلك بغمزة مخبأة أنياب فمها وهي تبتسم، اخذ سوبارو نفسًا عنيقًا عن غير قصد مستشعرًا العزيمة والتصميم وراء تلك الابتسامة المشرقة، وبينما أخرج سوبارو أنفاسه، فعلت فريدريكا شيئًا أكثر إثارة للدهشة أمامه مباشرة.
“آنسة فريدريكا … ؟!”
أعلنت بيترا دهشتها، لكن ذلك كان رد فعل طبيعي إذ وضعت فريدريكا يدها على زي الخادمة خاصتها الملطخ بالدماء، ومزقته بعنف. انكشف جسدها الشاحب الملطخ بالدماء وبعض العرق، جعلت القوة المذهلة للحركة سوبارو يرى جزءًا من ملابسها الداخلية ، الأمر الذي جعل عينيه تنتفخان بالرغم من حالة الطوارئ.
“- قد يفاجئكم هذا، لكن من فضلكم لا ترفعوا أصواتكم.”
بهذه الكلمات التحذيرية، ركعت فريدريكا نصف عارية على العشب. ثم وضعت عقد غارفيل حول رقبتها – وبعد لحظة ، أصبح الهواء حادًا.
“أأ”
لو لم يكن هناك تحذير مسبق منها، لعجز سوبارو عن منع نفسه من الصراخ فجأة.
أولاً ، رأى شعر فريدريكا الطويل والجميل والذهبي يتقلص. بعد ذلك ، بدأ الفراء الذهبي ينبت على جسدها المكشوف ، وأصدر هيكلها العظمي صريرًا قويًا حيث تغير شكله ونما أكثر.
وضعت أطرافها الأربعة على الأرض، وتحولت الأنياب الحادة داخل فمها إلى شيء أكثر حدة وقوة – هذا التحول استغرق بضع ثوانٍ وجيزة لدرجة جعلته يشك في عينيه.
“- إذن هذا هو التحول ، أليس كذلك؟”
غمغم سوبارو بينما كان هناك وحش ذهبي شرس يقف أمام عينيه – الوحش فريدريكا.
لقد أصبحت حيوانًا مفترسًا نحيفًا ومرنًا بطول ستة أقدام تقريبًا… من بين الحيوانات التي عرفتها سوبارو، كانت تشبه الفهد أو النمر لكن جسدها لم يكن به بقع سوداء… يمكن القول أن شكلها كان جميلًا فحسب.
لولا أن جزءًا من هذا المخلوق الذهبي اللامع تشوه بالدم، لكان قد سُحِر بالكامل بجمال هذا الوحش.
“إذا فهي ليست الجميلة والوحش؛ بل الجميلة الوحش … آه كم أريد أن أحممها وأجففها”
“أنا أرفض بشكل قاطع فكرة الاستحمام معك.”
“-!! ما يزال بإمكانكِ الحديث هكذا؟!”
قال سوبارو ذلك في محاولة لإخفاء دهشته أمام وجه الوحش الشرس الذي يبدو مستعدًا للزئير، لقد تفاجأ سوبارو من أمرين: أولهما قدرتها على التحدث، وثانيهما أن نبرة صوتها كانت نفسها التي استعملتها قبل التحول.
“ما زلت على طبيعتي. بالرغم من أن مظهري قد تغير ، إلا أنني في كامل قواي العقلية … بالإضافة إلى ذلك… ، وبفضل هذا التحول انغلقت جراحي إلى حد معقول “.
في وسط دهشة سوبارو، التوى جسد فريدريكا لتسقط الأسياخ بعيدًا… أدى تحولها ببساطة إلى إغلاق بعض جروحها ، وإخراج الأسياخ من جسدها. لكن الجروح نفسها ما تزال موجودة، تحتاج إلى الشفاء الكامل لشفاء تلك الجروح.
“فريدريكا …”
“من فضلك لا تسألني عما إن كان يمكنني فعلها؟! أؤكد لك أن بإممكاني ذلك، وسأفعلها!”
“حسنًا، فهمت، من فضلكِ قومي بذلك، أنتِ الوحيدة التي يمكننا الاعتماد عليها الآن “.
خدش فريدريكا الأرض بمعنويات عالية حيث تنازل سوبارو لها عن ساحة المعركة، بعد أن قبل سوبارو طلبها، وجه الوحش الشرس عينيها نحو الاثنين المتبقيين، رام وبيترا.
“بيترا، أعتذر لأني أخفتكِ، لقد أبليت بلاء حسنا بعدم الصراخ”.
“أجل … أجل يا آنسة ، توخي الحذر…!
“أنت فتاة جيدة جدًا – رام، أترك الباقي لك، إن ساءت الأحوال استخدمي مكتب السيد “.
“لا حاجة لإخباري، فريدريكا إن تأخرتِ سيكون لي حديث آخر معكِ”.
كانت الكلمات القليلة التي تم تبادلها بينهما توضح مدى الثقة بين رام وفريدريكا.
أخيرًا، نظرت فريدريكا من فوقها إلى نافذة غرفة الاستقبال المكسورة حديثًا والتي سقطوا من خلالها. مع قلادة الكريستال المتدلية من رقبتها الكبيرة، كشف الوحش الشرس أنيابه الشبيهة بالأسد، ثم جثمت على الأرض بشراسة –
“_____!!”
أطلقت صوتًا قصيرًا، وفي اللحظة التالية رآها سوبارو تسحق عتبة النافذة المحطمة تحت مخلبها.
كانت عينا سوبارو مفتوحتان على مصراعيهما، مظهرها الخارجي جلب صورة الفهد – أسرع حيوان على الأرض- إلى عقل من يراها، مما جعل سرعة عدو فريدريكا تبدو وكأنها لا شيء.
أقناء مرورها بالجدار المكسور، أطلت زئيرًا عاليًا وهي تتجه لداخل القصر. سرعان ما سينتهي تأثير الرذاذ الأسود ولن يمض وقت طويل حتى ستستأنف المعركة بين الاثنين –
“لا يمكننا الوقوف هكذا فحسب! يجب أن نستغل هذه الفرصة أحسن استغلال بينما تكسب لنا فريدريكا بعض الوقت “.
“نعم! صحيح! أولاً ، ريم في الجناح الشرقي!!”
كانت القدرة القتالية لإلسا مرعبة ، لكن سرعة فريدريكا كانت خارقة أيضًا. بسرعتها الحالية يجب أن تكون قادرة على الابتعاد بأمان إذا أنجز سوبارو والآخرون أهدافهم عاجلاً وليس آجلاً.
مع توجه فريدريكا للعمل كطعم، ما مدى السرعة التي يمكن أن تتحرك بها –
“لا أحد يعترض على الأضرار التي ستلحق بالممتلكات، حسنًا؟!”
ركض الثلاثة خلال الفناء الأمامي متجهين إلى الجناح الشرقي مع بعضهم، وبعد تسلق جدار الجناح الشرقي، التقط سوبارو مجرفة كانت في الفناء وحطم النافذة قبل أن يقفز إلى داخل المبنى ملطخًا السجادة بالتراب، ثم تدحرج على أرضية القصر ورفع رأسه. كان الدرج المؤدي إلى الجناح الشرقي وريم أمامه مباشرة.
ولكن في اللحظة التي رفع فيها رأسه، صُدم سوبارو بشعور غريب… كان هناك خطأ ما، ألا وهو-
“….الأبواب مفتوحة؟”
غمغم سوبارو بصعوبة عندما رأى أمامه أن كل أبواب الطابق الأول كانت مفتوحة. أدار رأسه ليجد الأبواب خلفه بنفس الوضع، كان كل باب في الممر بأكمله مفتوحًا.
“النسيان خطأ بسيط، لكنه لا يبرر ترك كل هذه الأبواب مفتوحة، صحيح يا بيترا؟ ”
“أنا – لم أفعل شيئًا غريبًا كهذا!! الآنسة فريدريكا لم تفعل ذلك أيضًا !! ”
عند دخولها الممر كما فعل سوبارو ، حدّقت رام في نفس المنظر واستجوبت بيترا بشأنه. كانت بيترا مندهشة بنفس القدر لأنها أنكرت التورط في مثل هذا العمل، لكن اندهاشها لم يكن شيئًا مقارنة بشكوك سوبارو القوية في أن شيئًا ما كان خاطئًا.
لم تكن الأبواب المفتوحة هي المشكلة – كانت المشكلة أنه تذكر هذا المشهد.
“كانت الأبواب مفتوحة هكذا في المرة الأخيرة أيضًا….!”
– شاهد سوبارو شيئًا مشابهًا في القصر قبل العودة بالموت.
في ذلك الوقت لم يكن سوبارو قادرًا على فك شفرة هوية ذلك الشعور السيئ قبل “وفاته”. الآن بعد أن رأى تفس المشهد مرة أخرى، ما زال لا يعرف ما يعنيه. لكنه كان على يقين من كونه نذير شؤم.
“إذا لم تكن بيترا أو فريدريكا من فعل ذلك ، إذن …”
بطبيعة الحال ، لم يكن ذلك من فعل سوبارو أو رام أيضًا. ريم ، التي ما تزال نائمًا لا يمكنها فعل ذلك. ربما جعل ذلك بياتريس المشتبه به الوحيد المحتمل، لكن لم يكن لديها سبب لفعل ذلك. سيكون السبب الوحيد المحتمل –
“ر-ريم!! ريم في خطر!! الطابق الثاني، بسرعة!!”
النوع الوحيد من الأشخاص الذين لديهم سبب لفتح كل الغرف واحدًا تلو الآخر هو شخص غريب لا يعرف مكان وجود أي شخص. في تلك اللحظة كان ذلك الوصف يتوافق مع شخص واحد فقط في القصر. وإذا كان هذا الشخص قد فتح بالفعل كل باب في الجناح الشرقي للقصر –
”اهدأ يا باروسو! فريدريكا تحاصر العدو! لا يوجد شئ…!!”
“ما الذي تقولينه في مثل هذا الوضع!!”
حافظت رام على هدوئها حتى عندما كانت حياة أختها الصغيرة في خطر! بدلاً من التأثر بمدى ثباتها ، شعر سوبارو بالغضب.
ومع ذلك ، فإن عواطف سوبارو المستعرة تلاشت وتبددت في اللحظة التالية.
“!!!!”
دوى عواء من خارج المبنى، في اتجاه الساحة التي قفزت منها سوبارو والآخرون.
في اللحظة التالية ، كانت النافذة – كلا بل النافذة وعتبة النافذة قد تحطمت، وعلى ما يبدو فقد تم اقتلاعها مع الحائط نفسه.
تحطم الزجاج بعنف مصدرًا صوتًا عاليًا ليستشعروا بعدها تسلل خطوات ثقيلة إلى داخل القصر.
أمامهم، وقف وحش غريب الشكل يشبه وجهه شكل الأسد الشرير مالئًا بجسده المرر.
لحظتها بدا أن الطابق الثاني -حيث كانت تنام الأميرة – بعيدًا جدًا عنهم.
3
— استمر الوضع بالتطور.
لقد كان الوضع محيرًا لدرجة أنه تفوق على كل خيالات سوبارو، والآن تطور الوضع أكثر ليصبع عاجزًا تمامًا عن فهمه.
“______”
كانت هيأته غريبة الشكل، بطول اثني عشر قدمًا، يمشي على السجادة وهو يشق طريقها إلى الممر الضيق.
من الأمام كان له فرو أسود ورأس يشبه رأس أسد… أما من الخلف قد كان يُشبه حصان بذيل طويل ونحيف يشبه الثعبان إلى حد مريع. أما هالة المروعة فقد كان يليق بطبيعته الوعشية المنبعثة من جسده، وعلى جبينه قرن أبيض مشوه.
“الوحش الشيطاني … ؟!”
حتى لو لم يراه من قبل، فإن تلك الصفة -التي يمكن للمرء التعرف عليها من الوهلة الأولى- جعلت سوبارو يعرف من يكون، عند سماع صوته من الجانب ، عضت رام على لسانها ووجهت عصاها نحو الوحش الشيطاني ثم قالت:
“فولا”
دون تردد شنت رام هجومًا على الوحش الشيطاني بأقصى سرعة.
لكن على الرغم من حجمه الكبير، إلا أن الوحش الشيطاني الأسود قفز بخفة داخل الممر لتفادي نصل الرياح الذي دوره كلما ابتعد خف ضرره، وقبل أن تنخفض قوته ويتلاشى.
”سوبارو! من هنا!”
تجمد سوبارو أمام الوحش الشيطاني الثائر لتقوم بيترا بسحبه من ذراعه وتلقيه في الغرفة المجاورة لهم… بعد لحظة ، قفز رام إلى نفس الغرفة ، وأغلقت الباب بعنف –
“تراجعا بسرعة!!”
دفعهما صوتها الحاد وذراعها إلى عمق الغرفة… في اللحظة التالية كسر مخلب الوحش الباب بسهولة… تحول الباب إلى شظايا وانقسم إلى نصفين، عندما قفز الوحش الشيطاني إلى الغرفة أمسك سوبارو بيترا بالقرب منه على الفور
“….!!…”
كان مدخل الغرفة معدًا للاستخدام البشري، ولم يكن متوقعًا أن يدخله شيء شيئًا بحجم الوحش الشيطاني، ولكن الوحش لم يأبه لذلك إذ كان يستخدم مخالبه وجسده لتحطيم كل شيء أثناء اندفاعه إلى الغرفة!”
“هوااااااا؟! مهلًا، مهلًا، مهلًا ، مهلًا! لـ- لماذا الوحش الشيطاني … ؟! ”
“هذا ليس الوقت المناسب للسؤال! كل ما يهمنا أنه هنـا! بيـترا! النافذة!! ”
عندما رفع سوبارو صوته معلقًا على تهديد الوحش الشيطاني الذي وسّع المدخل بوحشية، أمرت رام بيترا بفتح النافذة حيث كانوا سيهربون من الجناح الشرقي الذي دخلوه للتو.
“____”
الوضع الحالي -الذي لم يسعهم إلا الفرار منه – جعله يشعر بالتوتر. لكن وسط هذه الفوضى ، طغى سؤال في رأسه على ذلك.
كان الوضع غريبًا وغير طبيعي… وفي المرة الأخيرة لم يكن هناك مثل هذا التحول في الأحداث.
على مدار تجاربه المختلفة مع العودة من الموت، غير سوبارو الظروف عدة مرات. بغض النظر عن الإجراءات التي اتخذها، دائمًا كانت الأحداث التي ستظهر له هي نفسها في كل مرة. كان يظن أن هذه كانت قاعدة أساسية.
على سبيل المثال ، بغض النظر عن عدد المرات التي كرر فيها الأحداث ، لم تتوقف طائفة السحرة مطلقًا عن استهداف إميليا.
– لأن الكارثة التي حدثت في القصر والتي لم تسببها إلسا غرامهيلد كانت ببساطة … غريبة.
“إل فولا”
بينما تلاشى المنطق من أفكار سوبارو، قطع سحر رام وجه الوحش الشيطاني. كان يركز بشدة على توسيع المدخل ، ونسي الدفاع عن نفسه حيث ليجد وجهه الأسود الشبيه بالأسد قد أصبح ملطخًا بالدماء السوداء.
بترنح أوقف الوحش الشيطاني تدميره، لكن مرونته المروعة جعلت موته صعبًا للغاية.
“من المهين ألا تتمكن من الهروب من هجمة كهذه…”
أهانت رام الوحش الشيطاني لعدم دفاعه عن نفسه بينما كانت تركض نحو النافذة، لتمسك بعدها بياقة سوبارو وتقفز من النافذة التي فتحتها بيترا.
في تلك تلك اللحظة شعر بالعشب من تحته، بعد أن دخلوا الجناح الشرقي من الفناء الأمامي، خرجوا من الجانب الآخر من المبنى إلى الفناء الخلفي.
“غييه! ذ-ذلك الوحش الشيطاني هناك …”
“الأبله … أو بالأحرى جيلتيرو… بما أنه غير قادر على استعمال عينيه، ينبغي ألا يكون قادرًا على ملاحقتنا”
“ل- لكن … ذلك الوحش الشيطاني كان له قرن !!”
قامت رام بتسمية الوحش الشيطاني لتكمل بيترا الحديث عنها مشيرة إلى شيء لم ينبغي أن يكون موجودًأ على ذلك الوحش، “أجل” قال سوبارو بعد أن أومأ برأسه موافقًا للفتاتين، ولا سيما كلام بيترا.
“هذا النوع من الوحوش الشيطانية يتجول في العادة في البرية، شخص ما أطلقه على القصر…!”
كانت الوحوش الشيطانية أعداء لجميع الكائنات الحية، ولم تكن تحمل بداخلها غريزة القتال بل غريزة الذبح.
وكان لكل واحد قرن في رأسه، ويقال أنهم يطيعون الشخص الذي يكسر هذا القرن فقط!
بأخذ هذا في الاعتبار كان من المرجح أن يكون هجوم الوحش متزامن مع هجوم إلسا مخططًا، لكن …
“ولكن لم يكن قرنه مكسورًا …فكيف أحضر شخص ما هذا الوحش الشيطاني إلى هنا؟َ!”
“لا يمكن أن ….”
“-؟! رام؟ أتعرفين شيئًأ؟!”
أشارت ردة فعل رام إلى أن شيئًا ما قد خطر في بالها، لذا ضغط سوبارو عليها بينما نظر في عينيها.
“بالتأكيد أنت لا تظنين أن حادثة أرغاروم السابقة كانت مجرد هيجان من قبل الوحوش البرية؟”
“هذا ما كنت أظنه في البداية … ولكن الآن بعد أن بدأ الاختيار الملكي، أصبح من الصعب التفكير بهذه الطريقة.”
فكر مرة أخرى في لعنة الوحوش الشيطانية، وحلقة القصر التي بدأت نتيجة لذلك.
تمامًا مثل حادثة سرقة الشعار في العاصمة الملكية، كان من الواضح أن هذا الحادث كان بمثابة عملية تخريب لانتخاب إميليا ، إحدى المشاركات في الاختيار الملكي. في الحقيقة ، الفتاة المتورطة في ذلك الحادث قد اختفت دون أن يترك أثر لها –
“—أتقصدين أن الفتاة التي سيطرت على الوحوش الشيطانية قد عادت للهجوم مرة أخرى؟ إذا كان الأمر كذلك ، فهذا…”
– هجوم متزامن من قبل مرتكب حادثة القمة ومرتكب حادثة القصر على حد سواء.
“!!”
“…آه! سوبارو ، هل أنت بخير؟ ”
في اللحظة التي أدرك فيها مدى سوء الوضع، ارتجف سوبارو لترفعه بيترا.
شعر بثقل غريب ومزعج في رأسه، لكن هذا كان إلى حد كبير نتيجة نزيف كتفه الأيمن. لقد تركوا السيخ عالقًا فيه، لكن النزيف لم يتوقف بشكل كافٍ إذ أنهم كانوا يركضون في كل مكان.
“- بارسو.”
“ك-كلا!! نحن فقط … لا يمكننا تركهما والهرب بعيدًا…!!!”
“لم أقل كلمة واحدة بعد … فهمتُ، سأحضر تنين الأرض من الإسطبل “.
“تحضرين باتلاش …؟”
نظر ترام إلى الخلف ليرفع سوبارو نظره مؤاتيًا لها بالرغم من أنفاسه الممزقة بسبب أنفاسه ليرئ الاسطبل الذي أشارت له.
الخروج من النافذة الأخرى كان بمثابة إلتفاف حول القصر مماا جعلهم في موقع أقرب للاسطبل حيث تم ربط باتلاش هناك ، وستكون بالتأكيد مفيدة سواء أقاوموا أو فروا.
” لم يتوقف النزيف على الإطلاق … سوبارو ، هذا يحتاج إلى علاج!”
“لقد أعطيت منديلي لفريدريكا…”
“إذن سأستخدم هذا!!”
ركضت رام نحو الاسطبل، وأثناء ذلك أطاع سوبارو تعليمات بيترا الجادة حيث فكّت المنديل الملفوف حول معصم سوبارو الأيمن ، وحولته إلى ضمادة لجرح كتفه.
“هسيؤلمك هذا، لكن تحمل! ثلاثة ، اثنان…!!”
“غييوه!!”
في منتصف العد التنازلي سحبت بيترا السيخ للخارج، مما تسبب في الألم الشديد لسوبارو وأخرج صوتًا غريبًا وهو يتلوى، وسرعان ما قام بيترا بربط المنديل على الجرح، مستخدمة إياه وكمن سترته لإيقاف النزيف ببراعة.
“ل – لقد أنقذتني … ولكن لمَ لم تذكري الرقم واحد؟!”
“لأنك ستكون أكثر استرخاءً بهذه الطريقة … أنا سعيدة حقًا لأنني أعطيتك هذا المنديل يا سوبارو.”
صوت بيترا المرتاح جعل سوبارو يطلق زفيرًا طويلًا كان يحبسه.
المنديل الأبيض النقي الذي أعطته لسوبارو كسحر وقائي أصبح الآن أحمر نقي من دم سوبارو. لم تظهر بيترا أي علامة على الاهتمام بهذا الأمر، لكن شعر سوبارو بالذنب عوضًا عنها.
“آسف … دائما أوقعك في مشاكل كهذه…”
“لا تقل أشياء غريبة كهذه !! أنا ممتن جدًا لك يا سوبارو، أنت الشخص الذي ينقذني دائمًا عندما أواجه أي مشكلة!”
صرخت بيترا بغضب على محاولة سوبارو للاعتذار، وظل وجه بيترا أحمر وهي تشير إلى الغابة. ثم واصلت حديثها.
“عندما ذهبت أنا وريوكا والآخرون إلى الغابة ، لحقت بنا بنفسك يا سوبارو، قلقت بحق عندما سمعت أنك تعرضت للعض في كل مكان من جسدك…”
“____”
“لذا كل شيء على ما يرام!! هذه المرة ، أنا من أنقذك… وسننقذ بياتريس والآنسة ريم بمساعدة الآنسة رام والآنسة فريدريكا، وسنخرج من هذا معًا “.
تساءل سوبارو عما إذا كانت تتحدث كثيرًا لأنها كانت ضعيفة.
رفعت بيترا صوتها بجدية لتشجيع سوبارو الذي أصبح ضعيف الإرادة من فقدان الدم والضيق بسبب الموقف. ذلك المشهد جعل سوبارو يرغب في أن يندب حماقته مرة أخرى.
“بيترا، أنتِ رائعة، يا إلهي، كم أنـا مثير للشفقة”
“كلا أبـــد-…!!”
“كلا، أنا لا أشعر بالأسف على نفسي، ما أعنيه أني برؤية كم أنتِ رائعة، عليّ أن أغدوا مثلكِ”
هز رأسه الثقيل ورفعه بعد أن هزه كما لو كان ينظف عقله.
إذا حاول ابتكار طريقة ما لرفع معنوياته، فلن يتبقى لديه ما يكفي من العقل والحكمة لتحقيق الآمال التي كان يجب أن يسعى لتحقيقها.
– هذه المرة ، سيضع سوبارو ناتسوكي كل شيء على المحك لتعويض كل ما كان ينقصه.
وقف سوبارو بهدوء على قدميه ومدّ يده اليسرى نحو بيترا، للحظة ترددت بترا في الإمساك بيد سوبارو الملطخة بالدماء ، لكن –
“- بيترا… لنذهب، سنهرب مع الجميع تمامًا كما قلت “.
“حسنـًا!!”
إعلان سوبارو جعل وجه بترا أكثر إشراقًا في لحظة وهي تمسك بيده.
ثم ، بعد لحظة من شعوره بيدها، قالت تلك الفتاة “آه” وبدت منزعجة عندما انخفض طرفا حاجبيها.
“ما المشكلة؟”
“لم يكن من المفترض أن أقول (أجل)، بل كان علي قول (حاضر)”
بقولها هذا أخرجت لسانها معتذرة.
الفتاة التي تحدثت بشجاعة في مثل هذه الظروف نسيت أن عليها التحدث بلباقة، أما سوبارو الذي شعر أن شجاعتها أنقذته ترك لسانه يتراخى قليلاً وهو يصفق.
“بعد أن ينتهي كل هذا، يجب أن أجعل رام وفريدريكا يوبخانكِ على هذا-!!”
– في تلك اللحظة ،صوت هدير وضربة من أعلى اليمين طمسا عقل سوبارو باللون الأحمر.
4
“____”
لقد تلاشى وعيه.
حك، حك، – تم جر شيء ما- حك، حك، حك، حك، حك، حك، حك، حك.
لقد تم جره على الأرض، ولم يعرف ما إذا كان وجهه لأعلى أم لأسفل …
“أيها الخنزير …! باروسو! أيمكنك سماعي؟ باروسو!!”
لم يكن يسمع جيداً… شخص ما كان يناديه بشدة.
عليه أن يرد، عليه أن يجيب النداء، لكنه لم يستطع فعل ذلك في هذه اللخظة.
“هذا ليس بسبب ذلك الحيوان الأبله… هذا خطئي، كان عليّ إلقاء نظرة عليه عاجلًا”
“___”
“افعل ما يجب عليك فعله، هكذا ستتصرف رام، أجل… فتاة مطيعة”
حك، حك -زادت السرعة، وزادت القوة التي تم جره بها مما جعل صوت الحك يبدو أسرع.
لقد بحث عن منطقة جسمه التي يمكنه الاستشعار بها، رأسه، رقبته، وركه، قدمه، ويده اليسرى.
فقط يده اليسرى كانت تمسك بشيء ما… شعر بشيء…. كان يمسك بشيء ، شيء مهم عليه ألا يتركه أبدًا.
“____”
في اللحظة التي وضع فيه كل قوته المتبقية في يده اليسرى دون أن يفلت ما كان فيها، ازدادت السرعة.
كان جسده يرتفع أعلى…. هناك شيء ما يحتضنه بإحكام من جهة وركه.
الميلان، والتنفس، كل هذه الأشياء كانت تعبر عن إخلاص الكائن الذي يمسك به –
“بار…تش”
اللمسة الرقيقة التي بدت كما لو كانت تتعامل مع جسم هش أخبرته بالضبط عن هوية الطرف غير المرئي.
بالرغم من أنه كان يحاول مناداة اسمها، إلا أن ما خرج من فمه لم يكن سوى أنين أجوف… كانت هنالك رغوة تخرج من زاوية فمه، طعمها مثل الحديد، لماذا كان هنالك رغوة تخرج مع الدم يا ترى؟!
لابد أن يكون هذا مرتبط بسبب عدم قدرة جسده على الحركة، وحساسية جسده، وعقله غير الصافي…-
“أأ”
في اللحظة التالية استعاد ادراكه، وتذكر من يكون.
اسمه سوبارو ناتسوكي، وقد عاد إلى القصر لينقذ الجميع من كارثة وشيكة. إلسا ، وحش شيطان ، وفريدريكا ، ورام ، وبيترا ، وبياتريس ، وريم ، ريم ، ريم –
“غغع…كح،كح”
مصاحبة لصوت السعال، تدفقت كمية كبيرة من الدم من فمه، وعلى ما يبدو فقد أخذت جزءًا كبيرًا من حياته أيضًا.
كان وصف ما يشعر به بانتفاخ بالمعدة وصفًا ضعيفًا، إذ أنه كان يتألم كما لو أن كل أحشائه يتم تحريكها. لم يتوقف الدم عن التدفق من حلقه، وبدا وكأنه يسيل من كل أعضائه الداخلية.
سعل،وسعل، وسعل، وسعل، وسعل، وسعل، ثم سعل بشدة، وأخيرًا-
“أنـا….”
تذكر كيف يفتح عينيه، بعد عدة رمشات، تحرر من عالم الظلام.
تدفقت الدموع والألم الحاد للواقع عند خداع مقل عينيه. لم يستطع تحديد ما إذا كانت قطرات الدموع صافية أم بلون الدم. شيء واحد ففقط كان واضحًا له
-ألا وهو أن العالم المحيط بسوبارو ناتسوكي كان مصبوغًا بلون الدم.
“____”
تأرجح جسد سوبارو للأعلى والأسفل، لليسار واليمين.
كان التنين الأرضي شديد السواد يعض بفكيه على وركيّ سوبارو بينما كان يبتعد عن أراضي القصر.
“!!!”
بعد ذلك ، عندما عادت طبلة أذنه للحياة دافعة أصوات الانفجارات دفعة واحدة إلى قناة السمع في أذنيه.
كانت هناك أصوات عالية النبرة … ممزقة بحدتها الآذان، والتي تجتمعت لتجعله يشعر بالمرض يدب في أنحاء جسده، من حوله دوي أصوات عالية الإهتزازات، وزئير ، وصهيل – ناهثك عن كل صرخات الوحوش الشيطانية في نهايتها.
كان هناك فئران عملاقة مع أجنحة ذباب سوداء منتشر، كان هناك ضفدع شرس عليه بقع سوداء، كان هناك ثعبان متعدد الرؤوس عليه عدد لا يحصى من الرقاب التي تخرج من جذعه. ببساطة كانوا محاطين بمخلوقات مشوهة أبعد من أن يكون المرء قادرًا على وصفها.
<سيد الوحوش> هو المصطلح الذي ظهر في عقله.
كانت باتلاش تبذل جهدها في البحث عن مخرج حاملة سوبارو بين فكيها، ومع ذلك ، حتى تنين الأرض -أسرع المخلوقات الأرضية- لم يستطع التغلب على هذه الأعداد: كانت الطرق مغلقة، والطيران في السماء خطير، وكانت محاصرة بلا سبيل للخلاص، ناهيك عن الإصابات التي مزقت جلدها الأسود والتي كان تنزف منها بغزارة.
ستصل قريبًا إلى الحد الأقصى لها في التحمل، كلا- لقد وصلت إلى أقصى حدودها بالفعل، كانت باتلاش ببساطة تضغط على نفسها فوق طاقتها، رامية ما تبقى من حياتها في النار من أجل سوبارو.
“!!!!”
مباشرة بعد هدير عالٍ ، قلت سرعة تنين الأرض حيث تم سحبها إلى جانب مخلوق تجاوز حجمه ضعف حجمها.
كان لذلك الأسد الأسود جرح في وجهه، والدم يتدفق من تجاويف عينيه المفقوعتين- لقد كان الوحش الشيطاني الذي قاتلوه من قبل، لقد نسي اسمه.
ولكن حتى لو حاول نسيان ألن الضربة التي تعرض لها من مخلبه، لن يتمكن من ذلك أبدًا.
“_____”
عندما أصبحت رؤيته واضحة، لقد أطلق العنان لضربة جامحة، كانت تلك الضربة موجهة مباشرة إلى البطن الأيمن لتنين الأرض. لم يكن هذا المخلوق يعتمد على بصره بل على شيء آخر – الرائحة. يستعمل الوحش الشيطاني الرائحة في تحديد الأماكن.
أصبح العالم مصبوغًا باللون الأحمر من الدماء الجديدة بسرعة متأثرًا من قوة الضربة.
لكن لم يتأثر سوبارو بهذه الضربه، إذ أنه قبل لحظة من وصول ضربة المخلب له، تأرجحت رقبة تنين الأرض رامية بجسد سوبارو في الهواء.
“باتلا—”
حتى في لحظتها الأخيرة، لم تطلق صرخة واحدة! كان هذا الوضع يتلاءم مع كبرياء تنين الأرض السامي.
وبينما كان تترنح، خرج الدم من تحت عينيها، لم يكن لدى سوبارو الوقت لتفادي نظرتها حيث اصطدم ظهر جسده بشيء ما ليخترقه هذا الشيء قبل أن يسقط على الأرض بقوة.
“ك-كاااهه!!”
فجأة أصابته نوبة سعال قوية، كانت عينه اليمنى قد انغلقت بسبب الدم المتدفق من الجرح في جبهته ، لكنه أدرك ما يحدث على الفور.
تم رميه إلى الطابق الثاني من القصر – الطابق الثاني من الجناح الشرقي ، حيث كانت وجهته بالضبط.
“____”
لم يعد سوبارو يعرف ما الذي يجب أن يفكر فيه بخصوص آخر عمل قامت به تنين الأرض الحبيبة.
لقد خسركثيرًا من الدماء، ودا وكأن تصميمه وعزمه قد خرجا منه مع دمائه، لم يتمكن من جمع أيٍ من طاقته، كما أنه كان عاجزًا عن تحريك رأسه، حتى عقله كان يحتضر ببطء.
ومع ذلك… حتى في وضعه الحالي، كان هنالك عضو من جسده… عضو واحد فقط لم يفقط قوته.
ومع ذلك ، حتى مع سوبارو من هذا القبيل ، كان هناك مكان واحد ، واحد فقط ، لم يفقد قوته.
شعر بإحساس في قبضة يده اليسرى. بالرغم من أن عقله كان ميتًا، إلا أن الجزء الذي يطلب منه ألا يترك ما بيده ما زال حياً.
لقد تذكر أنه قبل أن ينهار كل شيء ، كان يمسك بيد أحدهم.
“بي … ترا ..”
وصلت نظرته إلى اليد التي شعر بها، الرسغ، الكوع – وهناك انتهى الأمر.
“_____”
على الرغم من أنه كان يمسك بيدها، إلا أن الفتاة التي كان ينبغي أن تكون هناك لم يبقى منها شيء سوى كوعها.
لقد تم تحطيمها وسحقها وتمزيقها
“أوووواااااهههه–!!!”
لم يتمكن سوبارو من حماية…أي شيء.
5
– كم من الوقت مر وهو يحدق في تلك الذراع… تلك الذراع الممزقة يا ترى؟!
“___”
كانت أفكاره لا تزال متحمدة في حالة ذهول.
ومن المفارقات أنه خلال تلك الفترة ، تعافت حاستنا البصر والسمع لديه تدريجيًا. لقد ساعدتا سوبارو في فهم مدى اليأس الذي كان يعاني منه حقًا.
كانت حالة سوبارو مروعة للغاية، وبدا الجرح في كتفه الأيمن لطيفًا مقارنة بباقي جسده.
انحنت ساقه اليسرى عن موضعيهما الطبيعيين، وكانت ذراعه اليسرى مهشمة إذ أن شيئًا ما قد سحقها، قد تكون بيترا تعرضت لنفس الضربة. وفقًا لذلك ، لم يبقى شيء من جسدها عدا يدها.
“((((”
كان هذا كل ما يمكن لبصره أن يخبره بخصوص المشهد الرهيب. لكن المعلومات التي استمتجها من سمعه كانت أكثر فظاعة.
تحت ممر الطابق الثاني الذي انهار فيه سوبارو ، كان يسمع هدير الوحوش الشيطانية في المبنى من كل اتجاه. لا يمكن أن يكلف نفسه عناء حساب أعدادهم وأنواعهم. لكن أصواتهم ظلت تضغط على عقله، مخبرة إياه أنه ليس لديه مكان يلجأ إليه.
لقد ترك بيترا تموت، وتمزقت باتلاش أمام عينيه… ولم يكن يعرف ما حدث مع رام بعد ذلك، ربما كانت لا تزال تقاتل بقوة، قد تنجو الفتاة الماكرة ، لكن …
“- آه ، لقد وجدتك أخيرًا.”
عندما سمع تلك العبارة، رفع رأسه ليرى ويسمع وجود امرأة ذات شعر أسود.
كانت المرأة تقف أمامها بشكل مستقيم من موقع سوبارو حيث كان في منتصف الممر راكعًا على السجادة.
كانت تلك هي السفاحة التي بقيت فريدريكا لإبطاء تقدمها، إذا كانت موجودة هنـا فهذا يعني …
“فريدر…يكا قد…”
“تعني الخادمة الكبيرة؟ استرخِ، لقد استمتعت بها قليلا، لو كان ذلك ممكنًا، فأنا أرغب في معرفة ما إن كان اختلاف شكل الشخص الخارجي يؤثر على محتويات جسده الداخلية، لكنني لم أتمكن من تأكيد ذلك بأم عيني “.
“… لم… أسألكِ عن ذلك.”
لم يسألها عن ذلك، ومع ذلك جعلته يعرف دون الحاجة لأن يسألها مرة أخرى.
لا شك في أنها خاضت معركة جيدة، فقد فقدت إلسا عباءتها، وتم تمزيق ملابسها السوداء من كل الجهات، كانت بشرتها الشاحبة ملطخة بالدماء – ومع ذلك ، كانت في حالة جيدة لدرجة أنه يمكن القول إنها بصحة جيدة.
“لا بد لي من الثناء عليك، لقد قمت بعمل جيد في الوصول إلى هذا الحد بمثل هذه الجروح التي لديك “.
“أعطيني جائزة إذن… إن كانت الجائزة حيانكِ، فسوف آخذها …”
“أتساءل إن كان عليّ تفسير كلامك بأنك تريد حياتي؟!”
“إذا كنتُ سأدهس الآن، فإن الإجابة هي نعم…”
ردًا على سؤال إلسا غير المألوف، وضع سوبارو ثقله على الحائط ورفع نفسه. بالإضافة إلى كسر ساقه اليسرى والتواء ذراعه اليسرى، أصيب بجروح في كامل جسده.
“ومع ذلك هناك نفحة من الغضب تخالط رائحة دمك … قد تكون أمعائك سامية.”
“لقد أخطأتِ … لا أفهم ما تقولينه.”
عندما وقف سوبارو على قدميه، احتضنت إلسا جسدها وأطلقت نفسا حارا من النشوة في اتجاهه، أيا كان ما قاله وفعله، فقد جلب المزيد من البهجة لعقل الساحرة السفاحة.
“من أمركِ بالقضاء علينا …؟”
“لن أقول شيئًا عن موكلي، أنا مدين له بهذا القدر على الأقل… لقد كانت عودتك مبكرة عما مما كان متوقعًا ، لذلك سارت الأمور بشكل مختلف قليلاً عن إتفاقة، على الرغم من…”
“اتفاقية… مختلفة…؟”
“كان من المفترض أن يكون هدفنا خادمتين مستيقظتين، وأخرى نائمة، وكان من المفترض أن يتم توقيت كل شيء ليتزامن مع عودتك…”
ظهرت ابتسامة ساخرة ملونة بالدم على وجه إلسا وهي تشير بطرف سكينها الكوكري نحو سوبارو، يتناسب شرحها اللفظي للخطة مع المأساة التي حدثت في القصر في المرة الأخيرة.
في ذلك الوقت ، ربما كانت جثث بيترا الآخرين بانتظار عودة سوبارو والآخرين إلى القصر –
“لقد سمعتُ ما يكفي….”
هز رأسه رافضًا كلام إلسا، وضغط على نفسه أكثر.
جعل رد سوبارو حواجب إلسا الراقية تعقدان. “هل هذا صحيح؟” تمتمت في خيبة أمل واضحة عندما بدأت في الختام.
“أفترض ذلك، دعنا ننهي هذا، إذا استمر هذا الأمر إلى أبعد من هذا، فقد يتم القبض على ميري، ولا يمكنني السماح بذلك، سأواسي نفسي بمحتويات معدتك الساخنة قبل حدوث ذلك “.
“_____”
“قلت كل ما لديك؟ سأرسلك لمقابلة ملائكتك إذن”
بهذه الكلمات، أخفضت إلسا وضعيتها وركضت بوضعية منخفضة لدرجة أنها بدت وكأنها تزحف عبر الممر، مشحونة باللون الأسود ومتجهة نحو سوبارو. كانت سريعة جدا…لدرجة أن أحدًا لن يفكر حتى بإمكانية شن هجووم مضاد ضدها.
لكن-
“كما لو كنتُ سأدعكِ تقتلني!!!!.”
سحب سوبارو ساقه المحطمة على الفور ووصل إلى الباب المجاور له بشكل أسرع – باب غرفة نوم ريم.
قراره جعل إلسا تعقد حواجبها. حتى لو هرب إلى الغرفة ، فسيؤدي ذلك فقط إلى تأخير وقت نهايته، ومع ذلك ، فإن رؤية رد فعله جعلها تخفف من ابتسامتها الشامتة قليلاً.
– لم تكن هناك أي طريقة لاختراق الحصار. كان ذلك متحيلًا، وعليه التخلي عن الفكرة فقط.
كانت جروحه بليغة، وحياته توشك على النفاذ، كان على وشك الموت دون أن ينقذ أيًا من الأشخاص الذين يتعين عليه حمايتهم، لذا عليه أن يبعد إلسا قليلًا حتى لا يسير كل شيء كما يحلو لها.
“____”
لن تصل صائدة الأمعاء ولا الوحش إلى غرفة ريم.
لن يسمح لهم بتدنيس الفتاة النائمة في الداخل، حتى لو كان العالم سينتهي قريبًا ، لن يفقد ريم مرة أخرى، لن يتركها لأي أحد-”
فتح الباب على مصراعيه وقفز إلى غرفة النوم.
تفاجأ سوبارو وهو يرفع رأسه بحثًا عن السرير التي ينام فيه ريم.
– سوبارو ، الذي وصل إلى نهايته ، استقبله رفوف الكتب في أرشيف الكتب الممنوعة.
6
رائحة المسك الخانقة للمجلدات القديمة بدت وكأنها توبيخ لقدم الزائر المزعجة.
كان الجزء الداخلي من الغرفة معبأ بالأرفف المليئة بالكتب، عندما وصلت هذه الرائحة والمعلومات المرئية أخيرًا إلى عقله، أدرك سوبارو أنه قد دخل إلى مكان مختلف عما كان يرغب فيه.
– وقد أدى الإدراك المتأخر لهذه الحقيقة إلى نتيجة مدمرة للغاية.
“-؟!؟”
هيمن على رأس سوبارو سؤال واحد: لماذا ؟! في تلك اللحظة ، شعرت سوبارو أنه محاط بالرياح.
تلك الرياح دفعت سوبارو بعيدًا عن الباب، وجذبته بقوة إلى منتصف الغرفة. مع قدميه المصابتين سقط سوبارو على الأرض غير قادر على المقاومة.
في اللحظة التالية ، سمع الصوت العالي للباب وهو يغلق خلفه مباشرة –
“ان-انتظر من فضلك!!”
حاول سوبارو فتح الباب جاهدًا، لكن إرادته تحرك ذراعيه نصف المدمرتين. لم يؤد صوت الصرير العنيف إلا إلى تأجيج إحباطه.
وبينما كان سوبارو ملطخًا بالدماء، استدار نحو الباب ، وخلفه كانت –
“كافح بقدر ما تستطيع، لن تغادر هذه الغرفة.”
عندما سمع سوبارو ذلك الصوت مصحوبًا بخطوات، استدار ليرى فتاة تتخطى أرفف الكتب من المنتصف وتتجه نحوه.
كان شعرها مسرحًا في ضفائر طويلة كريمية اللون وترتدي فستانًا فخمًا ورائعًا، ذات وجه يافع لا تشوبه شائب كان لديها وجه شاب ورائع ، ولكن في تلك اللحظة ، استقر في وجهها تعبير بارد رهيب وهي تنظر مباشرة في سوبارو.
“بيا – تريس…!!”
“أنتَ في حالة مروعة الآن، أتساءل؟ لا تتجول في المكان، سوف تلطخ أرضية الأرشيف فقط …!”
“افتحي الباب!! الآن!! دعيني!! أخرج!!”
عندما حدقت الفتاة – بياتريس – في جروحه بنظرة باردة، صرخ سوبارو عليها بغضب.
تحذيرها له بألا يلطخ الغرفة لم يدخل أذنيه أبدًا، حيث كان الدم يسيل من ذراعه وهو يصرخ.
“لماذا ظهرتِ لي الآن؟! لماذا ظهرتِ الآن من بين كل الأوقات؟! أعيديني!أعيديني حالًا!!”
“وماذا ستفعل إن عدت إلى هناك؟ ما الذي يمكنك فعله في حالتك الحالية، أتساءل؟ ”
” أعرف أكثر من أي شخص آخر أني عاجز عن فعل شيء!! ولكن حتى إن كان هذا هو الوضع-!!!”
كان عليه أن يعود إلى ذلك المكان ، إلى الطابق الثاني من الجناح الشرقي ، إلى غرفة النوم حيث تنام ريم.
تم تفعيل الممر في الغرفة التي يُفترض أنه دخلها، حيث أصبح الباب المؤدي إلى غرفة النوم هو المدخل لأرشيف الكتب المحرمة، أي أن الباب منعه من أداء ذلك الواجب. بعبارة أخرى، استأنف الباب مهامه المعتادة واستبدل مهمة الباب المؤدي إلى غرفة نوم ريم.
“هذا… لماذا…؟!”
“لقد فات الأوان؟!”
“ما الذي تقصدينه بأن الأوان قد فات؟! لا يوجد شيء اسمه فوات الأوان!! لابد لي من الوصول إلى هنـاك الآن…!!”
“ألم أقل لك أن الأوان قد فات، أتساءل؟!”
صمت صوت سوبارو الغاضب الذي كان يقاوم الرعب المتسارع خلاله.
وعلى عكس سوبارو ذو العينان الواسعتان والتي أغمضهما بينما لم يستطع قول كلمة واحدة تابعت بياتريس:
“الآن، لم يعد السبب في رغبتك في العودة إلى تلك الغرفة موجودًا.”
تلك العبارة تركت سوبارو في حيرة من أمره – لم يستطع وضع ما يفكر به في كلمات … كل كلمات قد اختفت.
كانت بياتريس قد قالتها بأسلوب هادئ ومدروس، لكن القسوة المطلقة في كلماتها أكدت ادعاءها بالأدلة الواقعية”
“أأ”
قبل أن يدرك حتى… انهار سوبارو على الأرض.
انخفض كتفاه، وانحنى رأسه…كان هناك رنين مزعج في أذنيه يتردد صداه في أنحاء جمجمته.
أراد أن يكون صوته أعلى وأكثر إزعاجًا، أراد أن يمزق ذلك الرنين دماغه حتى ينقسم إلى قسمين، لقد أراد أن يؤلمه ذلك الرنين أكثر حتى يفقده القدرة على التفكير، عندها لن يكون عليه أن يفهم أي شيء.
أراد أن يمزق حياته معه. ومع ذلك –
“… ما الذي… تفعلينه؟”
قال صوته بتردد، ليسمع صوتًا رقيقًا يشبه الهمس من بجانبه.
“أظنني لا أستطيع تحمل رؤيتك تتألم، لذا أقوم الآن بشفاء جراحك بدافع الاشمئزاز ليس إلا”.
الفتاة التي تمتمت بردها كانت قريبة للغاية منه. كان كفها يتوهج بضوء خافت حوله وهي تضعه على جروحه.
أكد الضوء وجوده حيث خفف تدريجياً من الألم الشديد الذي كان يأكله، لقد شعر أنها تعيد الدفء إلى جسده شيئًا فشيئًا، معظمها كان من جانبه الأيسر المدمر، توقف النزيف، وعادت عظامه إلى مواقعها الصحيحة، التأمت العضلات والأعصاب المقطوعة –
“أتمازحينني؟!”
“-؟!”
بقوته المتبقية ، صرخ سوبارو رافضًا تمامًا ضوء بياتريس الشافي.
بينما كانت بياتريس لا تزال تترنح من موقفه المضاد، تدحرج سوبارو ليضع مسافة بينه وبين الفتاة. كانت سجادة أرشيف الكتب المحرمة ملطخة بالدماء والرغوة الخارجة من زاوية فمه، وفي تلك الحالة المروعة ، حدق سوبارو في بياتريس.
“لا … أريدك أن تشفي جراحي …! لماذا تحاولين إنقاذي …؟!”
“لأنك … ببساطة مثير للشفقة، لا أستطيع تحمل النظر إليك وأنت هكذا….”
“لماذا أنا؟! إذا أردت إنقاذ شخص ما … فلماذا لم تنقذي بيترا أو فريدريكا ؟! أو رام أو ريم !! كان بإمكانكِ إننقاذ الجميع…!!!”
بفضل قوة بياتريس، كان بإمكانها الهروب ومساعدة الآخرين على الهروب بسهولة.
“كان بإمكانهم النجاة…! أنا غبي ، أنا ضعيف … لكن حتى لو لم أتمكن من فعل أي شيء، كان بإمكانك الوصول إليهم …! لماذا لم ….!!”
“لم- لماذا يجب أن تفعل هذا … ربما ليس لدى بيتي سبب واحد لإنقاذ أي شخص؟ لا أعلم، ليس لدي سبب أو ما شابه…!!”
“إذا كان هذا صحيحًا … فهذا يعني أنه لم يكن لديك أي سبب وجيه لإنقاذي أيضًا، أليس كذلك ..؟!”
هزت بياتريس رأسها في اشمئزاز مدحضة تضرُّع سوبارو. مضيفاً دحضه الى دحضها، رفع سوبارو ببطء ذراعه اليسرى المسحوقة عالياً. اختنق حلق بياتريس في شفقة. (بمعنى غير قادرة على التفاعل بسبب حالة سوبارو)
– كانت عواطفه تنفجر.
“من الذي .. طلب منك إنقاذ أحد…؟ !!”
“آآآ…”
“أتعرفين حتى ماذا فعلتِ؟! بفضلك تم إفساد كل شيء!! صحيح أن الوضع الحالي قد يكون مختلفًا عن كل التوقعات والإحتمالات… لكن هذا الهراء سيكون الشعرة التي تقصم ظهر البعير!!”
لماذا أظهرت نفسها بعد فوات الأوان؟
بفضل نقلها لسوبارو، ستتعرف إلسا على حقيقة الممر، مما يعني أنها كانت تقترب من بياتريس، فلماذا بالرغم من ذلك كانت تحاول أن تجعل سوبارو يعيش نصف حي؟!
لماذا أنقذت سوبارو في اللحظة التي استسلم فيها بدلاً من السماح له بالموت الذي كان يرغب فيه؟
“كان يجب أن أموت هناك …!كان يجب أن تقتلني …… !!! ”
عندما جعل سوبارو فرصة موته المتمة تفلت منه، أصبح عديم القيمة تمامًا، كانت الطريقة الوحيدة التي يمكن أن يحصل بها سوبارو على الحق في إعادة الأشياء هي استخدام حياته دون تفكير.
عندما بصق الدم بعد أن صرخت روحه فتحت تلك الفتاة عينيها على مصراعيها بعد أن سمعت كلامه.
“أنا – لا أفهم … هل يمكنك الشرح لي ، أتساءل …؟”
طغى عدم الفهم -وربما الخوف- وجه بياتريس وهي تهز رأسها جنبًا إلى جنب.
ذلك الرد جعل سوبارو يضغط على أسنانه، إذا كان الأمر كذلك ، فلا بأس. لن يتشبث بها.
“حسنا إذا. حتى لو… حتى لو لم تنقذني لكنت…!”
منذ البداية لم يكن الاعتماد على شخص ما خيارًا أمامه، كان يجب أن يفهم ذلك.
تحولت نظرته لترى عيناه كرسيًا بالقرب من المدخل، كان الكرسي الذي كانت تجلس عليه بياتريس دائمًا. ركل ذلك الكرسي ثم ضربه بالحائط بكل قوته.
“ما الذي تفعله…!”
أطلقت بياتريس صرخة وعيناها منتفختان بسبب تصرف سوبارو العنيف.
دوى صوت قوي عندما تحطم المقعد الخشبي بقسوة، وتناثر في عدد من الشظايا على الأرض، التقط عندها أكبر تلك الشظايا وأكثرها حدة.
“_____”
لن يكون انتحاره الأول، حتى قطعة من الخشب كانت كافية لإنهاء حياة الشخص بسهولة. إذا قام بقطع حنجرته بضربة واحدة ستنتهي حياته، ومن المؤكد أن سوبارو ناتسوكي سيمنح فرصة أخرى للعودة.
– في عالم آخر، ستكون هذه هي المرة الثالثة التي يختار فيها سوبارو الانتحار.
كانت المرة الأولى في منتصف حلقة القصر حيث كان مصممًا على إصلاح شيء لا يمكن التراجع عنه.
كانت المرة الثانية في نهاية الحلقة التي بدأت في العاصمة، وانتحر بسبب الندم لإنقاذ ريم بعد أن تم أخذها منه.
والآن ، ستكون هذه المرة الثالثة، وسينتحر فيها من شدة السخط بعد أن استسلم للغضب ولعن عجزه في استعادة كل شيء.
لقد كان “موتًا” له معنى. لقد كان “موتًا” ذو قيمة. كل شيء عدا “الموت” كان بلا قيمة –
“إيـــاك!!”
في اللحظة التي ألزم فيها بطعن حلقه بنفسه، قفز عليه جسد صغير ليعترض طريقه.
ارتدّت حاشية فستانها بينما كانت بياتريس تتسابق عبر منتصف الأرشيف ، مما أعاق انتحار سوبارو بالقوة.
صدمت ذراعيه ، وعضت يده اليمنى التي تحتوي على الشظية، وحاولت انتزاع الأداة وإبعادها عنه!
“أنتِ…! لماذا…!”
“لن أدعك! لن … أتركك تموت هنا ……! ”
“اقومي من عليّ واتركيني وشأني!! دعيني أرحل!!”
أصبح صوته خشنًا عندما كانا يتصارعان ضد بعضيهما، ولكن في حالته الحالية، لم يستطع سوبار إبعاد تلك الفتاة الصغيرة عنه.
لقد تصارعا بشدة، وضربا أجسادهما بعنف في أرفف الكتب، وفي النهاية، انهارا بقوة على الأرض. لم يكن يعرف ما إذا كانت قوة الضربة هي ما جعلت الأنين يخرج منه، لكن كانت بياتريس هي من وصلت إلى مبتغاها.
“هااااا….هاااااا….!!”
بعد أن سقط سوبارو على مؤخرته ، ألقت بياتريس الشظية جانباً وابتعدت عنه. حدق في الفتاة باستياء لينهار سوبارو ووجهه لأعلى، غير قادر على التحرك أكثر من ذلك.
“ل-لماذا…!”
ما سبب منعها له من قتل نفسه؟ أيًا يكن… لن تتغير النتيجة النهائية، لقد نزف بشدة، وسيهلك سوبارو قريبًا لا محالة.
كان تصرف بياتريس غير منطقي تمامًا. لم تكن لديه أدنى فكرة عن السبب الذي كانت تفكر فيه.
ربما كرهت موته أمام عينيها؟ ربما لم تكن تريده أن ينتحر؟ ربما لم تكن تريد أن يكون لها دخل في هذا؟
لم يفهم أي شيء على الإطلاق، ولكن بالرغم من أنه لم يفهم ذلك –
“إيه؟”
بعد تعرضه للضرب وشعوره بعدم الفهم، حاول سوبارو التوقف عن التفكير في كل شيء: عن بياتريس ، عن أرشيف الكتب المحرمة ، أو ربما عن عجزه ، أو حتى “موته” الوشيك.
ولكن عندما تجنب التفكير في ذلك، لاحظ سوبارو وجود… ذلك.
“_______”
لقد سقط على حافة حطام الكرسي المدمر.
كان كتابًا كبيرًا ذو غلاف بسيط… بدا كبيرًا وغير مريح للحمل… حجمه كالقواميس… ومع ذلك فإن الهالة الحاقدة المنبعثة من الكتاب الأسود لا تشبه مظهره.
لقد رآه سوبارو عدة مرات. لقد رأى “ذلك” الكتاب في يد رجل مجنون.
“ماذا … يفعل الكتاب هنا …؟”
هل كان في الواقع نسخة من إنجيل عبادة الساحرة؟ يجب أن يكون المجلد الذي كان يمتلكه بيتيلغيوس موجودًا في عربة التنين التي أخذوها إلى الملجأ، من المؤكد أنه لم يكن هنا في هذه الغرفة.
– لا ، كان عليه أن يواجه الحقائق. لقد كان هنالك برواز يخفي الكتاب الأسود الشرير
“____”
كما لو كانت تلك الفتاة تؤكد صدمة سوبارو، التقطت بفستانها ذلك الكتاب.
احتضنت الفتاة الكتاب على صدرها، وأطلقت تنهيدة بارتياح وهي تضغط بإصبعها على الغلاف.
كانت لمستها حنونة ومحبة، بعيون رقيقة، اعتنقت بياتريس الإنجيل.
“… لماذا … تتعاملين مع هذا الكتاب … كما لو كان مهمًا جدًا؟”
“_____”
“إنه ليس أحد الكتب التي تمتلكها طائفة الساحرة، أليس كذلك؟ يبدو وكأنه واحد منها ليس إلا، أليس كذلك؟ ”
“_____”
“لقد أخفيتهِ لأنني كنت سأقفز إلى الاستنتاجات … سأقفز إلى الاستنتاجات وأغضب، وبعد ذلك….!”
“_____”
“لماذا … لم … تنكري أيًا مما قلته…؟”
في تلك اللحظة وحدها ، نسي سوبارو معاناة فقدانه للدم و “موته” الوشيك وهو ينسج الكلمات معًا.
إذا قالت شيئًا واحدًا فقط ، فسيكون ذلك كافياً. كان ذلك أكثر من كافٍ لطرد كل مخاوف سوبارو.
تمت الإجابة على كلمات سوبارو التي طالب بها بأكثر من طريقة، وكما كان يأمل ، قالت بياتريس شيئًا واحدًا فقط.
“—بيتي لم يتم أمرها بالإجابة على هذا السؤال.”

فتحت بياتريس الكتاب الذي تمسكت به على صدرها ، وفحصت محتوياته قائلة تلك الكلمات بلا عاطفة.
لقد سمع أنه بالنسبة لعبادة الساحرة، كان الإنجيل أشبه بكتابهم المقدس. قال بيتيلغيوس أن النصوص تعمل كنبوءات تظهر المستقبل لمالكه.
وبناءً عليه ، أطاعت طائفة الساحرة الإنجيل، وعملت كما أوعزت نصوصه.
إذا طابقت هذه الحقيقة رد بياتريس –
“ما الذي كُتب في هذا الكتاب … ما الذي يأمركِ بفعله …؟”
“ربما هذا السؤال ليس في الكتاب ، أتساءل؟”
“لا يمكنك فعل أي شيء إذا لم يكن موجودًا في الكتاب …؟ هذا يعني أن إدخالكِ لي إلى هنـا كان…؟ ”
“هذا السؤال ليس مكتوبًا في الكتاب أيضًا.”
“ماذا عن التحدث إلي الآن؟ وإنقاذي عندما كنت على وشك الموت ….!!”
“- لا أعرف.”
لا تزال عينا بياتريس ملقاة على الكتاب، واصلت ردودها الفارغة دون النظر إلى جهة سوبارو، ردت عليه ردودًأ فارغة وعقلها منغمس في الكتاب، شكلها الذي كان يشبه الدمية، وعيناها الخاليتان من العواطف أرسلت هزة لسوبارو جعلت رئتيه تتشنجان. حينها هاجمه الدوار، وعلى ما يبدو نسي حتى أن يتنفس حيث رفع صوته.
“أتقولين أنه … لا يمكنكِ فعل أي شيء … أي شيء إذا لم يكن وفقًا لما هو مكتوب في ذلك الكتاب؟!”
“أتساءل؟ أجل، الأمر كذلك، ربما يجب إطاعة إرشادات الإنجيل في كل شيء، لأن هذا هو سبب عيش بيتي والسبب الوحيد لوجود بيتي”
“هل .. حاولتِ إنقاذي لأن الكتاب أمركِ بذلك ؟! في ذلك الوقت أنقذتني عندما كنت ملعونًا أيضًا! ومديتي لي يد المساعدة عندما لم أستطع الوقوف بمفردي! كل الوقت الذي قضيناه في الشجار والصراخ على بعضنا البعض والاستمتاع كالغبيين… كل تلك الأوقات … كانت بفضل هذا الكتاب؟!”
“- أليس هذا ما قلته بالضبط، أتساءل ؟!”
عندما حاول سوبارو -الذي كان ينتقد بياتريس- مناشدة عواطفها من أجل راحته انفجرت عليه.
احمرّ وجه بياتريس غضبًا، ولمعت عيناها المستديرتان في سوبارو وهي ترفع إصبعها وتصرخ.
“كما رأيت، وكما قلت لك! كل ما فعلته بيتي حتى الآن … كل شيء مكتوب هنا… هل هناك أي طريقة يمكنكَ (أنت) أن تحرك قلب بيتي، أتساءل؟ لا تغترّ بنفسك أيها الإنسان “.
“______”
“كل ما عند بيتي مسخر من أجل الأم… بالنسبة لبيتي… علاقتها بالأم هي كل شيء …! أمثالك ، أمثالك … إنسان ، إنسان ، إنسان… !! ”
كان الأمر كما لو أنه قام بهدم سد ما، حيث تدفقت المشاعر من بياتريس. كانت مشاعرها أشبه بالسيل الهائل من العواطف العنيفة التي جعلت سوبارو عاجزًا عن الكلام.
لم يكن هناك شيء يمكن أن يفعله إلا أن يترك نفسه تُجرف.
في مواجهة سوبارو الصامت ، تمسكت بياتريس بالكتاب بإحكام شديد.
“لا تلمس بيتي ، أيها الإنسان. لا تقترب أيها البشري! هل أعرفك حتى، أتساءل أيها الإنسان؟ أكرهك. أنا أبغضك وأحتقرك!!”
هذه المرة ، رفض صراخ الفتاة المبكي بوضوح وجود سوبارو بالكامل.
امتلأ صدره من الداخل حتى أسنانه بالارتباك والفزع.
كان هذا هو مدى الرفض الكبير لسوبارو.
– كان يعتقد حقًا -دون أي أساس- أن هناك رابطًا بينهما.
حتى لو لم يعترف هو أو هي بذلك علانية ، كان يعتقد أن هناك شيئًا ما.
بعد كل شيء ، أنقذت بياتريس سوبارو عدة مرات خلال الحلقة التي بدأت في القصر.
كان وجودها هو الذي أنقذ عقله، وكان على وشك الانهيار وهو يكرر تلك الأيام مرارًا وتكرارًا.
وبغض النظر عن الشكل الذي اتخذه –
“في ذلك الوقت … كنت … سعيدًا …”
مرة أخرى ، تراجعت الكلمات التي لم تنطقها سوبارو بصوت عالٍ في النهاية.
“أوو”
أصبحت رؤيته ضبابية، لقد تقيأ شيئًا… لم يكن دمًا ولا عصارة معدة… بل تقيأ الحياة نفسها. كان يعرف ذلك غريزيًا – لقد نفد وقته.
لم تكن هنالك فائدة ترجى من فقدان الدمم، أو الجروح الخطيرة. الخيانة، ميتة الكلاب.
الإنجيل ، السفاحة ، الوحش ، الإحتضار بغضب يحتضر.
هناك ، بعد عجزه عن تحقيق شيء، سيهلك سوبارو ناتسوكي
“____”
وعدما أصبح على وشك الموت ، سمع سوبارو صوتًا معجزة.
ربما التقطت أذناه -اللتان كانتا على وشك الموت- صوت فتح الباب، خطوات… كان هنالك شخص ما يدخل الغرفة.
وقفت تلك الخطوات خلف سوبارو وتنهدت:
“….يا لخيبة الأمل.”
كانت تنهيدة طويلة، تقدمت الخطى إلى الأمام ، ويبدو أنها فقدت الاهتمام بالرجل الميت.
مشت صاحبة الصوت ، جريم ريبر التي ترتدي الملابس سوداء على مهل نحو الفتاة الصغيرة التي تمسك الكتاب.
—ماذا سينتج عن لقاء الصدفة بين الفتاة والسفاحة؟
“يا إلهي.”
الصوت المنهش للمرأة كانت ناتجًا عن اليد الملطخة بالدماء التي أمسكت بساقها الطويلة
تصرف سوبارو -الذي كان على شفا الموت- بلا وعي منه لإبطائها بكل ما في جسده وروحه من قوة.
“….ياا ترييي….”
“كم هذا رائع، أنتَ حقًا مميز!”
على الفور، هبت ريح عاتيه. في اللحظه التاليه، اليد اليمنى التي مسك بها بقوه انفصلت – ومعه معصمه.
لم ينزل اي دم. النصل الخبيث انعكس، ووميض اسود ذهب… مكاناً ما. رأس سوبارو، عنقه، وجذعه… مكاناً ما.
أينما كان، من المؤكد أنه كان في وضع حرج…
“____”
في ذلك المشهد الأخير ، رأى وجه الفتاة الصغيرة تحبس أنفاسها ويظهر عليها عليها الحزن والألم.
-ولكن مع قدوم الموت من أجله، لم يعد الأمر له علاقة بسوبارو ناتسوكي.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.