1
سمع صوتًا يشبه الطوفان، مثل صوت جدول موحل.
لقد كان صوتًا مائيًا قويًا، متجهًا لقد نحو الأسفل -خاضعًا لقوة الجاذبية- مطيعًا للتدفق، مطيعًا لمصيره المحتوم: أي شلال
داخل أذنيه، أو ربما جمجمته، تردد صدى ذلك الصوت بلا توقف، بدا أن التيار الموحل العنيف يحرك دماغه، حتى أعاد وعي سوبارو من الضياع إلى الواقع.
“غغ..وووهه”
تقيأ سوبارو الذي شعر أن حلقه كان مسدودًا مما أدى إلى تغيير إيقاع تنفسه.
شهق مدخلًا الهواء بعنف إلى رئتيه ثم أخرجه، بعد أن نسي تمامًا كيفية تكرار تلك الحركات المتناوبة، اهتز مثل سمكة خرجت من الماء إلى اليابسة، ومع خروج اللعاب من فمه، عاد سوبارو إلى الحياة.
“غااا…هووو”
كان وجهه لأسفل منهارًا على الأرض، وضع ذراعيه على الأرض الصلبة حتى أصبح في وضعية السجود بينما كان يدفع الأكسجين إلى رئتيه، متذكرًا كيفية إجراء التنفس مرة أخرى.
خف الألم وبصق اللعاب الذي لم يعد لديه مكان يذهب إليه، وعندما هدأ جسده وفتح عينيه على الواقع، استعاد دماغه المحروم من الأكسجين عقله ووعيه بالكامل.
“هـ-هل …مت؟!”
وبينما كان يتنفس وهو يتذمر، تأكد من حقيقة لا تحتاج إلى التحقق: لقد عاد بالموت.
كلا، لم يكن بحاجة إلى التحقق مما إذا كان قد عاد بالموت، لأن ذلك كان أكيدًا بالنسبة سوبارو. لم يكن من المهم أن يتأكد من عودته، بل متى وأين كانت النقطة التي عاد إليها.
“آه…”
رفع سوبارو رأسه محدقًا في محيطه ليدرك الإجابة على الفور.
لقد كان ظلامًا يتذكره، ظلامًا يعرفه حق المعرفة. لقد كانت الغرفة الحجرية في مقبرة، والهواء البارد يحمل أجواءً من عالم آخر. امتد الظلام الذي يحوم فوق الأرضية الحجرية المشيدة بشكل خشن إلى باب حجري يؤدي إلى عمق أكبر.
– وكانت ترقد منهارة على جانبه فتاة جميلة ذات شعر فضي.
“إميليا…”
مسح العرق الخفيف عن جبينه، وحدق في الظلام الظاهر على وجه إميليا النائم، حيث اتضحت ومعاناتها عليها. بعد أن تأكد سوبارو من موقعه، قبل بالحقيقة.
لقد مر الوقت، وفقد حياته، كانت هنالك كارثة وشيكة، وخيانة غير قابلة للتصديق – عادت ذكريات ما حدث إلى عقل سوبارو محطمة إياه ودافعة قلبه محاصرة إياه في الزاوية.
“لا يوجد تغيير في نقطة العودة…”
لقد كان هذا المكان الذي عاد إليه سوبارو ناتسوكي بعد أن تغلب على ماضيه مباشرة.
مقابل عدم قدرته على استعادة أي شيء، عاد إلى مكان لم يخسر فيه أي شيء بعد.
“هـ…اااااا”
في اللحظة التي أدرك فيها هذه الحقيقة، تنهد سوبارو بارتياح.
وضع اليد اليسرى عن غير قصد على صدره ليدرك أنه لم يتم سحقها، كانت بخير، وعندما نظر إلى معصمه الأيمن رأى منديل بيترا الأبيض لا يزال ملفوفًا حوله دون أن يكون عليه أي أثر للدم.
عندما تأكد من ذلك، أطلق نفسًا طويلًا وعميقًا، وربت على صدره بارتياح
– وبعد ذلك أصيب بالصدمة.
“لابد أن هذه مزحة”
“نن…..اااا…”
لقد صُدم من وضعه، وتأكد من أنه بخير، ولم يهتم أبدًا بمشهد معاناة إميليا.
في تلك اللحظة بالذات، كانت إميليا تتعذب من سحقها الماضي لها في المحاكمة، ومهما طال ألمها، لن يعود عليهم بخير، علم سوبارو أن هذا مجرد وقت عصيب لا أكثر ولا أقل.
ومع ذلك -في تلك اللحظة- عندما وضع عينيه على الفتاة المتألمة، وربت على صدره بارتياح.
– كما لو أن معاناة إميليا وتوقيت عودته كان أمرًا جيدًا.
“هذه ليست… طريقة تفكير شخص عاقل…”
ابتلع سوبارو صوته الرث وصر على أسنانه، واشتعل غضبًا من قبحه وهشاشته.
إذا وضع الناس الغالين على قلبه وأشياءه الغالية والأمور التي ينبغي أن يعطيها الأولوية في آخر أولوياته، فكيف سيتمكن من إنقاذ الآخرين؟
ألم تكن طريقة العيش اللا مبالية هذه سبباً في وقوع الكارثة في القصر؟
“على أية حال، إميليا تأتِ أولا…”
في تلك اللحظة يمكنه تأجل ترتيب الأولويات، والتأكد من عودته بالموت، ووضع إجراءات مضادة ضد المشكلات والعقبات القادمة.
كان عليه أن يوقظ إميليا من كابوسها في تلك اللحظة، ومواساتها وهي تبكي وإخراجها من هنـا.
كان هذا هو الشيء الصحيح الذي ينبغي عليه فعله- وبذلك سيحافظ على تسلسل الأحداث.
“تعامل مع الأمور بالطريقة الصحيحة، واحدة تلو الأخرى..”
كان عليه أن ينقذ الجميع من هذا المصير المرعب والمفجع.
تحكم في قلبه وعقد عزمه، وكان لا يحمل شيئًا سوى الإصرار عندما مد يده لإيقاظ إميليا. وبينما كان يفعل ذلك، كان هناك شيء لم يدركه سوبارو بعد…
وكان وجهه خاليا تماما من أي عاطفة.
2
بعد أن استيقظت إميليا في القبر، لم تختلف التطورات كثيرًا عما حدث من قبل.
بسبب تعذيبها من قبل الماضي، كانت إميليا مرتبكة من شدة الحزن والندم عندما أخرجها سوبارو. هناك، التقى برام وغارفيل ، وكلاهما كانا حاضرين عندما دخلا القبر معًا، وعادا إلى مسكنهما المؤقت.
“؟ ما لمشكلة يا باروسو ؟ أنت تحدق في وجهي”
“…لاشىء أبدًا، كنت أفكر في كونكِ تمتلكين وجهًا جميلًا.”
“يا لك من وقح”
بعد أن تلقت رام اعتذار سوبارو عن التحديق بها أثناء خروجه من القبر، شخرت بنظرة عتاب.
بعد أن عاد بالموت، بديهيًا بدت رام في حالة جيدة عند لم شملهم، دون أن يدرك أحد ذلك، جلبت هذه الحقيقة لسوبارو الراحة، كما لو أن النظرة والرد الحاد الذي رمته عليه جلبا له المزيد من الراحة.
“____”
بعدها حمل إميليا إلى غرفة نومها في سكن ريوزو -أي محل إقامتهم المؤقت- وكان ذلك أقصى ما يمكنه فعله كرجل.
مع تألم قلب إميليا من الكوابيس التي رأتها، وضعها بلطف في السرير.
” أأ”
كانت إميليا مستلقية على جانبها عندما أبعد سوبارو يده، لقد خرج صوتها بعد أن فقدت لمسته وظهر القلق على وجهها، ابتسم لها سوبارو ليريحها، وبعد ذلك ترك كل شيء لرام.
في تلك الليلة، كان من الجيد أن يعهد إميليا إلى رام، ستقوم بعمل جيد في تهدئة إميليا.
خلال ذلك الوقت، كان هناك شيء يجب على سوبارو القيام به، والذي مكات-
“-النقاش الذي وعدت بها روزوال.”
أتاح روزوال لسوبارو فرصة للتحدث معه في الليلة الأولى التي تحدت فيها إميليا المحاكمة، وفي المرة الأخيرة، استغل سوبارو تلك الفرصة لاقتراح العودة إلى القصر في الصباح، وبناء على طلبه، عاد إلى القصر بأقصى سرعة والتي نتج عنها فشله الذريع.
لم ينقذ سوبارو أحد، بل وعاد في جعبته العديد من الأسئلة الملحة:
“-سيد ناتسوكي؟ سيد ناتسوكي ، هل تستمع إليّ؟ ”
“… آسف ، لم أكن أنصت .”
كان يميل ظهره إلى الجدار مبحرًا في أفكاره عندما تم استدعاء عقله إلى الواقع، عندما نظر إلى الأعلى وجد أوتو قد عقد حاجبيه بنظرة متسائلة، إذ كانن هو الشخص الذي نادى عليه.
كانوا خارج مقر إقامة ريوزو، في منتصف الليل، ولم يكن هنالك أي ضوء باستثناء ضوء النار والنجوم، كان سوبارو يرتب أفكاره استعدادًا لمحادثته القادمة مع روزوال.
” إذن ما الذي كنت تريد التحدث معي عنه في وقت مهم كهذا؟”
“الطريقة التي يتحدث بها هذا الرجل تخرج المرء عن طوره …أردت فقط أن أسألك عن شيء”
“تسألني عن ماذا؟”
” ببساطة أعني، في الوقت الحالي… ألا بأس عندك؟”
عندما كرر أوتو سؤاله، جاء دور سوبارو لإلقاء نظرة متسائلة عليه، كان يظن أن من الواضح أنه إذا كان الطرف الآخر يستمع إليك، فما هذه إلا طريقة غير مباشرة لقول: اسأل عما تريد.
بعد أن خمن أوتو ما يدور في عقل سوبارو قال: “آه، أسأت فهمي”، ملوحًا بيده وهو يتابع.
“بقولي (ألا بأس عندك) فأنـا لا أستفسر عمّا إن كان الوقت مناسبًا أم لا، ما كنتُ أعنيه هو أنك يا سيد ناتسوكي تبدو شديد الانشغال، لذا أفترض أن وقتك ثمين جدًا في الوقت الحالي….”
“نعم، لقد أصبت، في الوقت الحالي، ليس لدي الوقت حتى لأقلق بشأن إميليا تان، وليس لدي حتى الوقت للتأمل أو-”
“-هذا هو بالضبط ما أود أن أتحدث معك عنه.”
ضاقت شفتاه على كلام أوتو الملتقلب، حاول سوبارو قطع المحادثة بسرعة، ولكن بدلاً من ذلك اعترض أوتو حديث سوبارو وتابع كلامه:
“إذا جاز لي يا سيد ناتسوكي، لقد أخرجت السيدة إميليا بعد أن حدث شيء ما داخل القبر، أتخيل أن عقلك في حالة من الفوضى بسبب أشياء لا أعرف عنها شيئًا، لكنني سأسألك رغم ذلك”
“…؟ حسنًا، اسأل”
“دون مزيد من اللف والدوران، سؤالي يا سيد ناتسوكي هـو (هل أنت بخير؟)”
بعد كل هذه المقدمات خرجت بهذا السؤال؟ هكذا فكر سوبارو في حيرة شديدة.
ومع ذلك، لم يكن الأمر أنه لم يستطع فهم قلق أوتو. فقد ذهبت إميليا إلى نفس القبر وأصيبت بالذعر نتيجة لذلك، يمكنه أن يتفهم شك أوتو في حدوث بعض الحالات الشاذة التي أصابت سوبارو أيضًا.
لذلك-
“بالطبع، جسدي مليء بالحيوية والخداع عني في أعلى مستوياته، بالنظر إلى وضع إيميليا، أتفهم سبب قلقك، لكنني بخير. علاوة على ذلك ، هل أبدو على غير سجيتي؟ ”
“كلا، لا شيء من هذا القبيل، أنتَ تبدو هادئًا”
” رأيت؟ إذن….”
“كون السيدة إميليا في تلك الحالة، ألا يعني هذا أن الوضع خطير؟!”
عندما حاول سوبارو التأكيد على عدم وجود أية مشكلة، أوقفته متابعة أوتو لكلامه.
” ____”
ضيق أوتو عينيه، وحدق باهتمام في عينا سوبارو السوداوتين.
لقد كان قلقًا بشأن الحالة العقلية الحالية لسوبارو، بالتأكيد أعطت معرفة الظروف المستقبلية سوبارو إحساسًا بأن الماضي يطول بحيث لا يمكن لأوتو أن يشاركه أبدًا، إن كان أوتو يرى هذه الأحداث للمرة الأولى، فسوبارو كان يراها للمرة الثالثة، وكان لهذا الفرق تأثير كبير حيث أن سوبارو كان يتعامل مع الأمور بهدوء عقلي أكبر بكثير من أوتو.
” إذاً، أنت تعتقد أنني هادئ للغاية بشأن هذا الأمر”.
“نعم بالضبط، لا أقول أن هذا السيء، الأمر فقط…”
“كلا أبدًا، بفضلك أشعر بثقة أكبر الآن، شكرا يا أوتو. ”
“إيه؟”
مقاطعًا أوتو، هز سوبارو رأسه ببطء من جانب إلى آخر. بالنظر إلى الوضع الذي وُضع فيه سوبارو، فإن هدوءه الذي لفت أوتو الانتباه كان شيئًا يستحق الفرح.
“إنه دليل على أنه لا يزال بإمكاني ترتيب أفكاري والتخطيط بعد كل ما حدث.”
“إيه، أظن أن هنالك فرقًا كبيرًا للغاية بين التفكير بهدوء واتخاذ الإجراءات اللازمة…”
بدا أوتو في حيرة من أمره عندما قال ذلك، ربما انحرفت المحادثة عما كان يريده، ولكن من جانب سوبارو، أدى الحديث معه إلى زيادة ثقته بنفسه.
حتى بعد تلك المأساة في القصر والغضب المشتعل في أعمق أعماق عقله، كان عقله ما يزال يعمل.
“سأواجه روزوال، هذه المرة لن أسمح له أن يفلت مني.”
لقد تذكر كيف تجنبه روزوال ونسج تلك القصة، وكيف أخفى الأشياء التي يعرفها أثناء محادثاتهما، على أقل تقدير… كان لديه عدد لا يحصى من الأشياء التي أراد أن يسأل روزوال عنها هذه المرة المرة.
بالتأكيد لن يسمح لروزوال بالتصرف مثل المرة السابقة، خاصة فيما يتعلق ببياتريس…
“هيه، هل لي بدقيقة؟!”
فور أن تجدد إصراره، قاطع شخص ما محادثته مع أوتو.
لم يكن سوى غارفيل الذي كان متحصنًا في مدخل المنزل الداخلي حيث أخرج رأسه في اتجاههم، حك أنيابه بعدها ومشى في اتجاهه ليفرك سوبارو أنفه ويقول:
” غارفيل ، هاه… أنت حقًا لا تتبع نمطًا واحدًا، أليس كذلك؟”
” هاه؟ ما الذي تتحدث عنه؟”
“أتحدث مع نفسي، عن صعوبة التعامل مع شخص لديه العديد من التقلبات كالقطة الصغيرة”
محاولة سوبارو لتلميع الأشياء جعلت غارفيل يرفع أنفه.
لقد وصف سوبارو غارفيل على أنه غريب الأطوار ومتقلب كالقطة، لم يكن ذلك غير صحيح. كانت هذه هي الليلة الثالثة لسوبارو، وكان موقف غارفيل يتغير في كل مرة.
بالطبع، أدت التغييرات في تصرفات سوبارو إلى تغيير الآخرين أيضًا، مثل إميليا، بطرق خفية. ومع ذلك، فإن التغييرات التي أبداها غارفيل كانت مميزة عن الآخرين.
فقد تبدلت آراؤه، وانقلب إعجابه إلى كره والعكس، كما قد تم استبدال محادثاته العقلانية بأخرى عنيده، كان التغير في شخصيته جذريًأ لدرجة جعلت سوبارو يشك في كونه يتعامل مع نفس الشخص.
هذه المرة، كان خروج غارفيل من طريقه ليأتي ويتحدث معه دليلًا إضافيًا على افتراضاته.
“وفي آخر مرة كنت ستغادر مباشرة لو لم أنادي عليك.. على كلٍ، ما الذي تريد التحدث معي عنه؟ لدي عمل مهم أقوم به بعد هذا “.
“بقولك (عمل) فأنت تعني مخططًا شريرًا مع ذلك الوغد، أليس كذلك ؟ لا تظن أن هذا سيكون ممتعًا.”
“أشعر بالإهانة لأنك تعامل الأمر على أنه مؤامرة شريرة، لكنني لن لن أجادلك بشأن كون الأمر غير ممتع”
“أنتما… تسيئان بكلامكما إلى الماركيز…”
فيما يتعلق بعدم الثقة في روزوال ، كان لدى سوبارو وغارفيل رأي متبادل.
يمكن أن يتعاطف سوبارو مع أوتو -الذي لم يتحدث مع روزوال قط- حيث راهما يتخذان هذا الموقف ضده، انخفض كتفا سوبارو ساخطًا على سذاجة وجهة نظر أوتو.
“أنت لا تفهم الأمر يا أوتو، ذلك الرجل المدعو روزوال هو من النوع الذي ينكزك في كل الأماكن، إذا كنت لا تفهم ذلك، فإن وخزاته سوف ترهقك حتى الموت”.
“أتتحدث بجدية الآن؟ أم أن هذا شيء آمن يجب تجاهله؟”
“أتتحدث بجدية عن ذلك اللقيط روزوال …؟ يا أخي، هل رأسك بخير؟!”
“وهذه المرة أصبحت قلق علي؟! أليست موضوعنا متمحورا حول الماركيز؟!”
“أنا صريح معك، إنه من ذلك النوع من الرجال”
بعد أن قيل له الكثير عن روزوال، بدأ أوتو أخيرًا في القلق بجدية بشأن الشخص الذي كان يحاول كسبه، عندها طوى ذراعيه، وهو يتمتم بهذا وذاك حول الاستعداد لمواجهة الحقيقية.
“مخاوفي تنمو أكثر وأكثر، وهذه هي الطريقة الوحيدة للتغير في ليلة وضحاها… لا، لا، حياتي بأكملها تعتمد على مواجهة هذا الرجل، ومع ذلك فإن الأشخاص الذين هم حلفاؤه يقولون عنه مثل هذه الأشياء…”
“حسنا، خذ وقتك في القلق، حسنا؟ أضعف الإيمان أنك لن تتحدث معه الليلة.”
بالنظر إلى محادثة روزوال المقررة مع سوبارو بعد هذه المحادثة كان من المستحيل فعليًا أن يسمح لأوتو بمقابلة روزوال في تلك المرحلة. علاوة على ذلك، لم يكن لدى سوبارو حقًا أي وقت ليضيعه على ذلك.
الحقيقة أنه يكن لديه الوقت لإراحة وجهه ونسيان مخاوفه بشأن المستقبل ولو قليلاً، كما كان حاله آخر مرة.
“وماذا لديك، ليس سيئًا أن يتحدث ثلاثة رجال بأشياء غبية، لكن ماذا تريد؟ ما الذي تريد التحدث عنه؟”
” أوه ، لقد نسيت ذلك… يبدو الأمر كما لو أن ” كوكورو كان طائشًا للغاية””.
عقد غارفيل يديه عندما قام سوبارو بتوجيه المحادثة المتغيرية إلى الخلف ودفعها نحو صلب الموضوع، ومع ذلك، قال: “لكنك تعلم “، ووجهت عيناه اليشمية نظرة ذات معنى إلى أوتو بينما كان يواصل كلامه.
” آه ، هل تريد أن يسمع هذا الأخ ما سأقوله؟ القرار قرارك!”
“بما أنك تتحدث هكذا، فلابد أن حديثك متعلق بالملجأ، صحيح؟!”
“أظننت أني سأتحدث معك عن شيء غير هذا …؟ ”
“ظننتك تريد أن تعرف أكثر عن رام… وكيف تحب الرجال الذين يتمتعون بثلاثة أشياء عالية: الظهر الطويل، والمكانة العالية، والتعليم العالي… وأيضاً، المكياج الذي يظهر المرء كالمهرجين”
“توقف عن ذلك… لا أريد أن أسمع شيئًا عن هذا، إن فعلت سأصاب بالإحباط…”
عندما بدا الرجل منزعجًا حقًا، تراجع سوبارو عن اعتداءاته اللفظية، ومنحه استراحة محارب.
وفي كلتا الحالتين، كان ممتنًا لاهتمام غارفيل، لم يكن الأمر كما لو أنه يمكن أن ينسى أنه على وشك موعد كبير، لكن احتمال إشراك أوتو في قضايا فصيلهم جعله يشعر بعدم الارتياح.
في النهاية كان أوتو شخصًا عالقًا في هذه الأحداث ليس إلا، أحد المارة الذي كان من المفترض أن يعود في النهاية إلى حياته الطبيعية سليمًا معافًا.
” بما أننا سنتحدث عن قصص الحب من الآن فصاعدًا، لقد تأخر الوقت… لذا تابع طريقك يا أوتو وابق في الكاتدرائية، حسنًا؟ إن منافسيك التجاريين موجودون هناك مع القرويين الذين تم إجلاؤهم كما تعلم . ”
“أوو…إن رآني شخص يعرفني أتصرف بهذه الوقاحة، فسيتم الاستهزاء بي بالتأكيد…! إيه، هذا ليس موضوعنا! استمع يا سيد ناتسوكي، أنا…”
“-انتظر.”
انقلب وجه أوتو من كونه مثيرًا للشفقة إلى شخص متشبث وهو يتقدم خطوة للأمام، لكن سوبارو قطع الطريق عليه، مما أدى إلى إبعاده، يمكن أن يتفهم سوبارو رغبة أوتو في المشاركة مع سوبارو ومساعدته لترك انطباع أفضل عند روزوال . لكن-
“من فضلك يا أوتو، سنراك غدا.”
“غننننهه… فهمت، سأتصرف بأدب وأنصرف، وأنام بينما يسخر مني المنافسون الصغار!!”
نظرًا لأن موقف سوبارو العنيد لن يتغير، خلع أوتو قبعته بحزن، وضغطها بلطف في قبضته بينما كان يسير في اتجاه الكاتدرائية.
إن رؤيته من الخلف وكتفاه ينخفضان من خيبة الأمل بدا بطريقة ما وكأنه تمثيل جيد يؤثر على قلب من يراه.
“هذا شكل الظهر الوحيد الذي يناسب هذا الرجل…”
“أظن ذلك أيضًا، ولكن هل أنت بخير مع هذا؟”
“لا بأس، ستطاردني الكوابيس إن تعرض لسوء”
عندما رد سوبارو، وهو يراقب أوتو يبتعد، لوى غارفيل رقبته. ثم قال: “حسنًا، حسنًا،” مبعدًا تلك الفكرة وهو يربت على كتف سوبارو بخفة.
“هنالم شيء أريد أن أتحدث معك بشأنه، سنتبادل الأماكن، لذا هـيا بنا”
وبهذا الموقف الذي لا يقبل الرفض كإجابة، غادر غارفيل دون انتظار الرد من سوبارو، راقب هذا الآخر ظهره وهو يحك رأسه ثم تبعه على مضض وهو يتمتم بنفسه.
“ارحموني… تطور آخر مختلف، يا إلهي.”
3
بينما كان غارفيل يتقدم للأمام، تبعه سوبارو واجها إلى عمق الغابة.
من المعروف أن الغابات خطيرة في الليل، ناهيك أن سوبارو قد سمع أن غابات كريمالدي المفقودة كانت محفوفة بالمخاطر بشكل خاص. وهذا وحده جعله متخوفًا بعض الشيء بشأن النزهة.
“فقط لا تتركني وحدي هنا، حسنًا؟ أتوسل إليك.”
“مهلا، لا تقل أشياء تبعث على التشاؤم هكذا، إنها مجرد غابة ملعونه في الليل “.
“هناك الكثير من الأشخاص الذين يعتقدون أن عبارة <مجرد غابة ملعونة في الليل> أكثر خطورة مما تعتقده بكثير. وهذا ينطبق على الصمود في القتال أيضًا، لعلمك، ليس لدي أنف يمكنه الإحساس بالغرباء من مسافة بعيدة مثلك”.
“ها، تقصد ما حدث خلال ذلك النهار؟ من كان يظن أنك لا تزال تشعر بالضغينة تجاه ذلك؟”
“كلا، ليس بشكل خاص… فجبهة أوتو هي الشيء الوحيد الذي تعرض لضرر حقيقي على أي حال…”
علاوة على ذلك، من وجهة نظر سوبارو، فإن الأحداث التي وقعت خلال النهار حدثت قبل أيام عديدة. حتى لو كان أوتو صديقًا مقربًا لسوبارو، فستكون فترة طويلة جدًا بالنسبة لسوبارو ليحتفظ بالضغينة خلالها.
“بالإضافة إلى ذلك، أوتو ليس صديقًا مقربًا لي. أنا الشخص الذي أنقذ حياته… هذا كل ما في الأمر.”
“لقد عانى ذلك الأخ كثيرًا، هاه…”
اتفق سوبارو مع ذلك التعليق -حيث بدا متعاطفًا مع أوتو لسبب ما- ثم ألقى نظرة فاحصة على غارفيل.
كان قصير القامة ونحيفًا، ولكنه في الآن ذاته بدا شخصًا مرنًا وذو عضلات، في النهاية لم يكن شكله مختلفًا عن الشكل الذي بدا منطقًا للبشر، لكن سوبارو لم يستطع الاعتماد كثيرًا على تحليله الشخصي، ففي هذا العالم لم يكن الشكل والهيئة يتوافقان مع القدرة البدنية على الإطلاق. بعد كل شيء، حتى ريم -بجسمها الصغير- قادرة على تحريك كرة حديدة ضخمة.
وبناء على ذلك، كان لدى سوبارو خطة مختلفة لمباغتة غارفيل.
“-كم مضى على التقائك بفريدريكا؟”
عندما قاطعه سوبارو بهذه الجملة فجأة، قفزت أكتاف غارفيل بشكل واضح من المفاجأة.
لقد تأكد بالفعل أن فريدريكا وغارفيل مرتبطان باعتبارهما أخت كبيرة، وأخ صغير، لقد سمع أيضًا من الأشخاص المعنيين أن علاقتهم لم تكن متناغمة.
الأمر فقط أنه لم يفهم موقف فريدريكا فيما يتعلق بالملجأ، لكن على أقل تقدير، انخرطت في قتال حتى الموت ضد إلسا. كانت احتمالية قيام فريدريكا بدعوة إلسا إلى القصر معدومة – والأهم من ذلك، كان هناك بالتأكيد شخص آخر مؤثر يجب أن يتصدر قائمة المشتبه بهم.
لذا، فإن تصنيف فريدريكا كحليف كان محتملًا إلى حد كبير جدًا، من بين أسباب أخرى-
“…ولماذا عليّ أن أتحدث إلى شخص مثلك بشأن شيء كهذا؟”
“فكرت أن علي السؤال والنظر في ردة فعلك، ظننت أنك قد تعطيني الإجابة إن فعلت ذلك”
“ها! ظننت أنني تحدثت عن ذلك معك هذا الصباح، لا علاقة لهذا بأي شيء من داخل الحرم، لقد غادرت هذا المكان، لذا لا علاقة لي بها بأي شكل من الأشكال “.
“نعم ، بخصوص ذلك.”
بطريقة ما بدا أن غارفيل -دون أن يستدير وينظر باتجاهه- غاضب، لذا حاول سوبارو معه مرة أخرى. فمنذ أن عرف العلاقة بين فريدريكا وغارفيل ، استمر الموضوع في جذبه.
” غارفيل ، أعلم أنك وفريدريكا أخ وأخت.”
“تبًا… لابد أن هنالك شخصًا ثرثارًا قد أخبرك، اللعنة، أو ربما رام أخبرتك؟”
“ليس هناك شيء يستحق الإخفاء، أليس كذلك؟ علاوة على ذلك، وبفضل ذلك أصبحت أتساءل عن شيء ما الآن. إذا كنت أنت وفريدريكا أشقاء، فلابد أن فريدريكا ذات دماء مختلطة أيضا. فلماذا هي في الخارج؟ ”
“____ ”
كان الحاجز الذي يحيط بالملجأ مغلقًا على أنصاف البشر من الدم المختلط – والذين يسمون بـ “المختلطين” – في الداخل.
وفقًا لذلك، تم احتجاز إميليا وغارفيل والآخرين بواسطة الحاجز، وبحثًا عن التحرر من هذا تم وضع خطة تحدي المحاكمة. على أقل تقدير ، كان هذا هو ما صوره له تفسير ريوزو .
لذلك، كان من الغريب أن فريدريكا -المرتبطة بغارفيل بالدم- لم تكن أسيرة للحاجز.
“حقيقة أنها ليست حبيسة مثلكم تعني أن هناك ثغرة من نوع ما… إذا كنت تعرف إحدى هذه الثغرات، فهلا تخبرني عنها؟”
“وماذا سيحدث لو أخبرتك؟ الحاجز لن يُرفع ما لم يتم التغلب على المحاكمة، أليس كذلك”
“أريد ان اعرف، إن عرفت… ستزيد فرصنا في تحقيق الهدف، أنا من النوع الذي يريد حشر كل جزء من المعلومات في رأسه لمعرفة طريقة لمسح الأشياء.”
” _____”
خلال الوقت الذي تحدثا فيه، لم ينظر غارفيل إلى الوراء أبدًا، لذلك لم يتمكن سوبارو من معرفة مشاعره عن طريقة قراءة تعابير وجهه، كل ما استشعره منه كان الإحساس الخفي الذي نقله ظهره له والذي أخبر سوبارو أن التعبير على وجهه لم تظهر أنه سعيد، ومع ذلك، كان حقيقة أن غارفيل – المعروف بكونه سريع الغضب- لم يقطع المحادثة يعني أنه لم يكن واثقًا مما سيقوله، ربما كانت هذه الفكرة التي جعلت سوبارو يستمر في الخوص في نفس الموضوع.
“لقد وصلنـا”
بدلاً من الرد مباشرة على سوبارو، قال غارفيل ذلك بينما كان يدفع الفطر الذي يسد طريقه جانباً، أثناء محادثتهما، واصل الإثنان السير حتى وصلا على ما يبدو إلى وجهتهما قبل أن يتمكن سوبارو من الحصول على إجابة لسؤاله.
ومع ذلك، فإن مواصلة السير دون أن يعرف سوبارو ما النهاية من شأنه أن يضعه في مأزق، ولكن—
“- أيمكنك عدم مضايقة الشاب غار كثيرًا، رجاءً يا الشاب سو؟”
فتح سوبارو فمه، ولكن قبل أن يتمكن من الضغط أكثر للحصول على إجابة، اعترض صوت امرأة شابة طريقه. عندما رفع بصره كان بإمكانه أن يقول أن هناك مساحة مفتوحة في الغابة خلف مجموعة الفطر التي أبعدها غارفيل.
هذا المكان -وهو مشهد طبيعي لضوء القمر الخافت والنجوم المبعثرة- بعض أجواءً سرياليًا شبه خيالية، ناهيك أن الفتاة الجميلة الواقفة تحت ضوء القمر وضوء النجوم قد أضافت جمالًا إلى جماله.
“لكنني سأقول أن مظهرك الخارجي أصغر من أن يتناسب معي.”
” لسانك سليط للغاية بالنسبة لعمرك، أتحاول التنافس مع الشاب روز على لقب الطفل الأقل سحراً؟”
“هيا، لقد بالغتِ كثيرًا، عدم التخلي عن كونك ساحرًا هو أحد الأشياء التي تميزني”.
ابتسم سوبارو بألم بسبب التقييمات القاسية المختلفة التي تلقاها عندما دخل إلى المنطقة الخالية من ضوء القمر. إن كان سيواجه غارفيل فقط فخفض دفاعاته تبدو فكرة سيئة للغاية، ولكن-
“لو كان معه ضامن لكان الوضع مختلفًا، هاه”.
عض غارفيل على لسانه ثم ترك جانب سوبارو واتجه مباشرة إلى وسط الساحة حتى وقف بجانب الفتاة التي تقف هناك – ألا وهي المرأة سريعة الزوال والتي تدعى ريوزو . ابتسم سوبارو قليلاً عندما وقف كلاهما في أماكن خططوا لها مسبقًا، ولكن آنذاك شعر أن كل شيء على ما يرام.
لم تكن ريوزو ترتدي الزي الأسود الذي كانت ترتديه في النزل، بل كانت ترتدي رداءًا أبيض بغطاء للرأس.
“هاه… ريوزو ، هل غيرتِ ملابسك؟”
“الوقت متأخر بالنسبة لشخص في عمري كما ترى، لست بومة ليلية مثلك، الشاب سو…”
“كنتُ معاتدًا على مشاهدة الرسوم المتحركة في وقت متأخر من الليل، لذا لا أجد أي مشكة في السهر، لكن… هل أردت رؤيتي يا ريوزو ؟”
“لا أمانع إذا أخذت الأمر على هذا النحو… الشاب غار يعمل كمرافق لي.”
عندما أومأت ريوزو برأسها في تأكيد واضح، وقف غارفيل ساكنًا وذراعيه مطويتين. أغلق عين واحدة موضحًا بسلوكه على أنه لن يتدخل، لذا أمال سوبارو وجهه بخفة.
هب نسيم لطيف من الأعلى وسمع صوت أوراق الشجر تهتز، كانت النجوم تتلألأ في السماء الصافية أعلاه.
“….هذا مكان لطيف، إنها بمثابة قاعدة سرية هنا في الغابة.”
” إنها مجرد مساحة مفتوح، إنها فارغة تمامًا بحيث لا يمكن تسميتها قاعدة، أليس كذلك؟ …رغم أن هذا ربما هو السبب الذي يجعلني أشعر براحة شديدة في هذا المكان.”
“إذن تشعرين بالراحة في هذا المكان يا ريوزو؟ أظنا علينا الاتفاق على القدوم إلى هنا في وضح النهار، لكني أظن أنني على وشك الحصول على فرصة لإفشاء أسرارك؟ ”
“أنت تتحدث بمزاج جيد إلى حد ما.”
مع نظرة محايدة على وجهها، واختيارها للكلمات التي أظهرت عمرها الحقيقي، كان ريوزو لطيفة أثناء الماحدثة. ومع ذلك، فقد مر سوبارو وهذين الإثنين بفترة زمنية مختلفة تمامًا. بالنظر إلى مرور نصف يوم فقط على لقاء غارفيل وريوزو، كان من المتفائل جدًا الاعتقاد بأنهما فتحا قلوبيهما له، لابد أن يكون لديهما سبب وجيه خلف أفعالهما.
” أهواء غارفيل … انتهى بها الأمر إلى تخفيف شكوكه بي… ربما؟”
كان هذا كل ما الاستنتاج الذي تمكن من التوصل إليه كسبب للتغير في ردود فعل غارفيل .
كان غارفيل يتغير في كل مرة، ولكنه كل مرة يصبح أسوأ في التعامل مع سوبارو وهذا من شأنه أن يضعه في مأزق حقيقي، لكن هذه المرة كانت الأمور تسير في الاتجاه الصحيح. إذا كان الأمر كذلك، فهو يتوقع عائدًا مناسبًا على استثماره.
“في كلتا الحالتين، أنا سعيد لأننا نجري محادثة هادفة… محادثة ودية قبل الحرب الكلامية القادمة مع روزوال.”
“الحمل على عاتق الشاب روز ثقيل بطبيعته، حسنًا، أظن أنني سأسعى جاهدة للارتقاء إلى مستوى توقعاتك”
ايتسمت ريوزو ابتسامة متؤلمة وهي تمسك وركها، بطبيعة الحال، لم تعتقد سوبارو أنها بحاجة للعب دور امرأة عجوز إلى هذا الحد، لكنه وضع ذلك التعليق جانبًا واقترح موضوعًا مختلفًا للمناقشة. والذي هو-
“لقد سألت غارفيل هذا السؤال في السابق، لكن ربما يمكنك الإجابة عليه أنتِ يا ريوزو ؟”
” تعني السبب الذي جعل فريدريكا تغادر الحرم، أليس كذلك؟ لقد سألك الشاب غار هذا أيضًا، ماذا تنوي فعله بمعرفتك هذا يا الشاب سو؟”
“لا أظن أن إجابتي ستتغير أيضًا، سأفكر في الأمر بعد أن أسمع الإجابة وأحلل الوضع. لكن… تلك الإجابة-”
لم يظهر أن فريدريكا، التي تخطت الحاجز أن لديها ما يجعلها مستثناه، أي لم تكن لديها علامات خاصة على تحمل أي عقوبة، إذا كان من الممكن خلق ثغرة يمكن تطبيقها على جميع سكان الملجأ، فعندها…
“سأستخدمها لإخراج جميع أفراد الملجأ إلى خارج الحاجز… غالبًا ما يرفض الجميع محاولة اختراق الحاجز لأنه من شأنه أن يتركهم أجسادًا خالية بلا روح، ولكن إذا نجحت تلك الطرييقة، فسيخرج الجميع بخير دون الحاجة إلى إجراء المحاكمة، أليس كذلك؟ ”
“منطقيًا، وجهة نظرك محتملة، ومع ذلك، فإن المحاكمة أمر محتم، التهرب منه من شأنه أن-…”
“لا أريد أن أجعل إميليا تخوض المحاكمة، بمعنى آخر، أنـا أناني”
” _____”
عندما حك سوبارو خده بخفة وقال ذلك، نزل طرفا حاجبي ريوزو في خوف.
ستستمر إميليا في مواجهة التجربة والمعاناة، حيث سيعذبها الماضي الذي تعجز عن تجاوزه، عرف سوبارو أن ذلك سيستمر لعدة أيام على أقل تقدير إن لم يكن لفترة أطول.
“من مظهرها، لا أظنها قادرة على التغلب على ماضيها، لذلك لا أريد أن أتركها تفعل ذلك”.
“فيما يتعلق بالمحاكمة، ربما يكون هذا هو الأفضل… لكن المرء لا يختار المكان والزمان لوقوع مصائبة، ليس بالضرورة أن تستمر أيام الرخاء، لا يمكن للمرء أن يستمر في الهروب من مواجهة مشاكله إلى الأبد…”
“لا أقول أن على المرء التهرب من مشاكله إلى الأبد، أقول أن على المرء التراجع والاستعداد جيدًا للمواجهة، التراجع إحدى الاستراتيجيات المعروفة أصلًا، تمامًا كما قلتِ للتو يا ريوزو، هناك أوقات يتعين عليك فيها مواجهة مشاكلك في مكان وزمان غير مناسبين … ولكن ألا ينبغي على الشخص أن يبذل قصارى جهده كي لا يضطر إلى ذلك؟”
بينما واصلت ريوزو شرحها، رد سوبارو على كلماتها بتبرير الهروب. كان هذا لأن سوبارو لم يكن يؤمن أن هناك أي عيب في إدارة ظهرك لشيء ما، على سبيل المثال لا الحصر، إن أدارت إميليا ظهرها لمشاكلها الحالية، فلن يتسبب ذلك في موتها أو ما شابه.
“حتى لو لم تنجح الآن، من المؤكد أن إميليا ستكون قادرة على مواجهة ماضيها يومًا ما، لقد جعلتها المحاكمة تتذكر ذلك الماضي، لذا يتعين على إميليا أن تختار بين التغلب عليه أو نسيانه، يكمن دوري في هذه الحالة في إزالة أكبر قدر ممكن من الأشياء التي تعترض طريقها.
“…حتى لو حاول المرء الهرب، لن يتمكن أبدًا من الهروب من أصعب الأوقات.”
“أنا أقول هذا لأنني أؤمن تمامًا أنها تستطيع التغلب على هذا دون الحاجة للهرب.”
لم يكن يعرف ما إذا كانت هذه خاتمة مناسبة لموقفه في المحادثة، لكن سوبارو ابتسم عندما قال ذلك بالرغم من كل شيء، ترك وجهه المبتسم وأسنانه الظاهرة انطباعًا عميقًا لدى ريوزو إذ ضيقت عينيها.
ربما كانت العجوز التي لم يعبر شكلها عن عمرها الحقيقي تضحك في داخلها على المثالية التي تفوح منها رائحة الشباب.
“ذوقكِ سيء أيتها العجوز”
الشخص الذي قال تلك الكلمات الفظة كان غارفيل حيث وقف هناك وذراعيه مطويتين، لقد كان صامتًا آخر مرة تحقق منه سوبارو. فتح عينه التي كان يبقيها مغلقة في السابق، وألقى نظرة خاطفة على العجوزة الشابة التي كانت بجانبه ثم قال:
“أقول لك إنها مثل العجوز الذي غادجي غودزيد”
“أنا ممتن لتعليقك، ولكن كالعادة… ليست لدي أدنى فكرة عما تقول لي .”
“ما يرغب الشاب غار في قوله هو أنه لا وجود مثل هذه الثغرة، كانت غلطتي لأني سمحت لك بالقفز إلى مثل هذه الاستنتاجات، وهذه عادة سيئة لدى كبار السن”.
قامت العجوز ريوزو بقول هذه العبارة الغامضة وهي تلف شعرها الوردي حول إصبعها، بعد أن تلقى ردها، أعطاها سوبارو نظرة تطالب بشرح أكثر تفصيلاً.
“ففي النهاية، تمكنت فريدريكا من الخروج من الحاجز نظرًا لأنها كانت استثناءً، بعبارة أخرى، هي لا تستوفي شروط احتجاز الحاجز لها، وبناء على ذلك تمكنت من المغادرة،هذا هو الوضع.”
“شروط الاحتجاز؟ أهناك شرط غير كون الشخص من أصحاب الدم غير النقي؟”
“كلا، هذا هو الشرط الوحيد الذي يجعل الحاجز يأسر المرء، لا توجد استثناءات”
بالرغم من أن سوبارو كان يفكر في كلامها الأول المتعلق بالحاجز، إلا أن إدلاء ريوزو بهذا الشرح الملتوي جعله يعقد حاجبيه.
لقد كشفت تصريحاتها أنه لم يحدث أي تغيير في حالة الحاجز المحيط بالملجأ، بمعنى آخر، لم تكن هنالك ثغرة في الحاجز؛ لقد كان الأمر متعلقًا بفريدريكا. حقيقة أن فريدريكا لم يتم حبسها عليها بواسطة الحاجز تعني… “أيعني هذا أن دماء فريدريكا ليست مختلطة؟”
“بمعنى أدق، يميز الحاجز بشكل أساسي أصحاب الدم المختلطة بناء على سماكة الدم، إذا كان أحد يحمل دمًا نصف بشري، فإنه يظل أسيرًا بالحاجز. لكن…”
“وإذا كانت نسبة اختلاط الدم أقل من النصف… مثل ربع أو شيء من هذا القبيل، فإن الحاجز لا يعمل معك؟”
بكلماته المتقطعة، نظر سوبارو إلى غارفيل، كان طرفا شفتيه نحو الأسفل، وبات وجهه متعكرًا، أصر أنيابه وقال: “هذا صحيح”، ثم واصل حديثه قائلاً:
“أنا وفريدريكا من أبوين مختلفين- اسمي غارفيل تينزل، أما هي فاسم عائلتها مختلف”
كان اسم العائلة الذي لم يتذرع به غارفيل ولو مرة واحدة من قبل قد عزز استنتاج سوبارو.
اسم العائلة الذي ادعى غارفيل أنه مختلف عن اسم فريدريكا التي عرفت بنفسها إلى سوبارو وآخرين باسم فريدريكا بومان.
” إذن، بما أن دماء فريدريكا رقيقة… تمكنت من الخروج من الحاجز.”
“لقد كانت ابنة أم بشرية وأب مختلط الدم، بناءً على ذلك، فهي حرة في الدخول إلى الغابة والخروج منها متى شاءت”
“ها! حًرة في الدخول والخروج؟ لا تجعليني أضحك!”
عندما أومأت ريوزو برأسها بقوة وتذمرت، زمجر غارفيل في انزعاج. لمس بقبضته الندبة البيضاء على جبهته، وضاقت حدقات عينيه اليشميتين.
“تدخل وتخرج في أحلامكِ، لم تعد إلى هنا ولو لمرة واحدة خلال عشر سنوات، أليس كذلك؟ لقد تخلت فريدريكا عن هذا المكان. ولهذا السبب لم يعد لتلك المرأة أي علاقة بالأمر بعد الآن”
“الشاب غار…”
بعد أن ألقى تلك الكلمات، تجنب غارفيل تلاقي أعينهم وهو يحمل نظرة حزينة في عينيه، قام الشاب بلف ظهره، مما أدى إلى تقليص المدى بينهم، عندها مدت ريوزو يدها وأعطت كتفه ضربة قوية.
بعد ذلك، استدارت ريوزو نحو سوبارو من جديد وتحدث مرة أخرى.
“لنعد إلى موضوعنا، أنا آسف لأنني ضيعت الوقت في محادثة غير مثمرة.”
“كلا، لا بأس… على الأقل محوت احدى الاحتمالات من رأسي من جانب، ومن جانب آخر وضعت حلاً آخر في قائمة الأشياء التي لا يمكن استخدامها أبدًا، ولكن هذا يجعل المحاكمة خيارك الوحيد، هاه؟ ”
لم يستطع أن يدعي أنه لم يشعر بخيبة أمل، لكن كلماته الحالية لم تكن مجرد خدعة أيضًا، لم يكن هناك أي عيب في معرفة المزيد عن الوضع المعقد بين غارفيل وفريدريكا.
ولكن بعد أن دار حول هذه القضية، انتهى به الأمر بالعودة إلى الموضوع الذي بدأوا به.
كان خوضت المحاكمة أمرًا لا مفر منه لتحرير الملجأ – وعندما أدرك ذلك، شعر وكأن القدر يسخر منه.
ومع ذلك، هذه المرة لنن يجعل القدر يضحك عليه:
” ريوزو ، غارفيل . في الواقع، لدي اقتراح.”
“اقتراح؟ ماذا تعني؟!”
“يجب أن أتحدث إلى روزوال أيضًا، وأحتاج إلى موافقة إميليا على هذا… لكنني سأتحدث إليكما حول هذا الموضوع أولاً. إنها مسألة مهمة حقًا، لذا سأكون ممتنًا إذا لم تتحدث عنها مع أي شخص آخر.”
لمس سوبارو شفتيه باصبعه المرفوع مناشدًا غارفيل وريوزو التزام الصمت، هذا الأسلوب جلب نظرات استجواب من كلا الإثنين، لكنه مدين لهما بهذا التحذير المسبق.
” ____”
في المرة الأخيرة ، أثبت الهجوم على القصر براءة فريدريكا، ولكنه لم يكتشف بعد العقل المدبر الذي تسبب في النقل الفوري له، لم تكن فريدريكا تعلم بوجود أولئك “المقاتلين” ، لكن كان من الصعب الاعتقاد بأن المتلاعب لا علاقة له بهم.
بناء على ذلك، إن تسرب اقتراح سوبارو للعلن، فإن ذلك من شأنه أن يوفر فرصة تمكن للعقل المدبر الاستفادة منها، ومن أجل ذلك، أراد الكشف عن المعلومات فقط لممثلي الملجأ بسرية مطلقة.
“هل تعدانني بذلك؟!”
“أقلت وعد؟ ألم تقل أن هذه الأمور يصعب عليك الامتثال لها يا الشاب سو؟”
“لقد جعلتني الظروف المختلفة أكره أشياء مثل الميثاق و القسّم أكثر فأكثر، ما قلتِه صحيح، لكن الوعود مختلفة بالنسبة لي. لقد أقنعني شخص ما أن هذه هي الأشياء التي يجب عليك التمسك بها، لذا… كلاكما، أرجوكما عداني”.
لم يكن يمانع إذا كان وعدًا شفهيًا. وثق سوبارو أن أيا من الاثنين لن يقول لا.
أمام سوبارو – الذي طلب هذا الوعد- صمت الإثنان لبعض الوقت، ولكن على عكس غارفيل الصامت ، أطلقت ريوزو تنهيدة تبدو وكأنها تنهيدة عجوزة وأومأت برأسها.
“مفهوم. كما تشاء، لن نتحدث مع للآخرين عن ذلك، قل لنا ما شئت.”
“هذه خدمة كبيرة، شكرًا لكِ”
شكر سوبارو ريوزو على إذعانها، وحول عينيه نحو غارفيل، بقي الآخر صامتا، لكنه لم يعترض، لذا تابع سوبارو كلامه معتبرًا صمته علامة رضا.
“أريد أن أتحدث عن المحاكمة، عندما قلتُ سابقًا أنني لا أريد من إيميليا أن تخوضها، كنت أعني ما قلتُه، وأريد منكما أن تقبلا بذلك.”
“آه؟ في أحلامك! إذا لم تخض الأميرة المحاكمة، فماذا سيحدث للحاجز، هاه؟ ابكِ خوفًا من الماضي كيفما شئت، فالحاجز لن…”
“أفهم ما تقول، لذا سأتولى المحاكمة بدلاً منها – ما رأيك عن ذلك؟”
” ___”
عندما كشر غارفيل عن أنيابه، قاطعه سوبارو مظهرًا البطاقة التي كان يخفيها.
محتويات تلك البطاقة جعلت عينا غارفيل مفتوحتان على مصراعيها ، وبالرغم من أن ريوزو كان لها تعبير محايد ، بدا أن خديها متصلبان. في مواجهة ردود أفعال أولئك الإثنين، أوضح لهما سوبارو ما حدث في القبر.
“عندما ذهبت إلى القبر لمساعدة إميليا عدتُ بصحة وسلامة، أليس كذلك؟ كان ذلك لأنني كنت مؤهلًا لخوض المحاكمة… والأهم من ذلك، تمكنت من اجتياز المحاكمة”.
” تغلبت على المحاكمة….؟!”
كان سوبارو يعيد صناعة نفس المحادثة التي أجروها بعد نقل إميليا إلى مقر إقامة ريوزو. في ذلك الوقت أيضًا ، فوجئ غارفيل بالمثل بمؤهلات سوبارو.
بالنظر إلى ذلك، توقع سوبارو أيضًا رد الفعل نفسه القادم من ريوزو، التي تقف بجانبه مباشرةً.
“هل تعتقدين أن هذا يجعل الأمور معقدة، ريوزو ؟”
“لا أستطيع أن أعترض على كلمة واحدة، ناهيك عن الجملة بأكملها. ومع ذلك، أنا أفهم ما تقوله يا الشاب سو. ”
على عكس غارفيل الذي لم يتعاف بعد من ضدمته، بدت ريوزو وكأنها استوعبت الصدمة بسرعة. ومع ذلك، بدت وكأنها تفكر في مجموعة مختلفة من الأشياء بينما كان غارفيل ينظر إليها، والحيرة في عينيه.
لقد كانت نظرة باحثة عن حكم على ما يبدو، وعندما تلقت ريوزو نظرته، تنهدت قليلًا
ثم-
“الشاب سو، أنا أيضًا لدي شيء مهم لأتحدث معك عنه.”
“ما هذا؟”
“هذا، هنـا والآن، أنا أطلب منك أن تتحكم بنفسك يا الشاب سو.”
” _____هاه؟”
نعم؟ أو لا؟
نظرًا لعدم تلقيه أي ردود خلاف ما أبدوه سلفًا، تأخر سوبارو بشكل كارثي في فهم كلمات ريوزو مما جعل طبلة أذنه ترتجف. لا ، لم يكن الأمر بسبب تأخره في الفهم – هو ببساطة لم يفهم الأمر برمته آنذاك.
بعد كل ذلك-
“غ-غوووههه!!”
“لا تتحرك، حسنًا، إن فعلت سأضطر إلى إيذاءك أكثر.”
بينما كان سوبارو واقفاً، أمسك غارفيل برقبته ورفعه عالياً.
قوة غارفيل الاستثنائية تركت ساقي سوبارو تطفوان في الهواء، وضغطت قبضته بما يكفي على حلق سوبارو لدرجة أنه بالكاد يستطيع التنفس.
“ك- أ- كو … ااا…هه”
“يبدو أنك تتساءل عن السبب، ومع ذلك لن أطلب عوفك”
هزت ريوزو رأسها ببطء من جانب إلى آخر، وبدت وحيدة بطريقة ما عندما نطقت الكلمات.
ولم يفهم السبب. لماذا، فجأة، تم ارتكاب هذا العمل العنيف ضده…
“سأفي بوعدي. لن أخبر أحداً – هذا، أقسم باسم ريوزو شيما.”
لقد أصبحا بعيدين، الكلام الذي قالته ريوزو والصوت الذي قالته به.
بدلاً من ذلك، ركز عقله على حرارة يد غارفيل ، التي تبخرت على طول الحدود بين الواقع والحلم.
كان الأمر كما لو أن الخيوط التي كان يتمسك بها كانت تنقطع واحدة تلو الأخرى – أين أخطأ؟
انقلب سوبارو وغاص وسط الظلام بينما كان عقله عاجزًأ عن فهم أي شيء.
4
– أول ما أتى إلى عقله كان الصوت المتكرر لقطرات الماء.
” ____”
كانت قطرات الماء تتساقط على فترات إيقاعية منتظمة، والتي بدت في ذلك الفضاء الصامت وكأنها نشاز صاخب، ووفقاً لتلك الهلوسة، استأنف دماغه النائم نشاطه، وشعر بالدم يجري في كامل جسده، وبينما كان الدم يتدفق، شعر بتخدر شديد في يديه وقدميه، وعندما حاول الالتفاف لم يستطع.
“…؟!”
كانت تلك هي اللحظة التي استيقظ فيها عقله واستعاد سوبارو وجوده، وفي الوقت ذاته، تحقق من جديد مما هو غير طبيعي: فهو لا يستطيع رؤية العالم المرئي، وأطرافه التي يفترض أن تكون أطرافًا متحركة لم يكن قادرًا على فعل شيء بها.
– هل تم فقع عينيه، وقطع يديه ورجليه؟!
ظهرت أسوأ الاحتمالات في عقله، ولكن قبل أن يحل اليأس على قلبه بسبب استنتاجاته المتسرعة، شعر بشيء من الإحساس القمعي.
ربما كان الضيق الذي شعر به حول كلتا عينيه كان نتيجة كونه معصوب العينين. وبالمثل، من المرجح أن يديه وقدميه كانتا مقيدتين لجعلهما غير قادرين على الحركة، لقد شعر يديه مقيدتان، كما هو الحال مع كاحليه.
بالإضافة إلى ذلك، وكانت هنالك شيء يغطي فمه، في تلك المرحلة أصبح قادرًا على فهم وضعه، سواء أعجبه ذلك أم لا – لقد تمم خطفه.
” _____”
بالرغم من توتره بسبب وضعه الحالي، استخدم سوبارو دماغه لفهم ما هو فيه بطريقة أو بأخرى.
ما لم تتغير نقطة العودة بالموت، كان ينبغي أن عود إليها مرة أخرى مرة، أي إلى الغرفة الحجرية في القبر. بعبارة أخرى، كان وضعه الحالي لا علاقة له بالعودة بالموت مما يعني أن الأمر مرتبطًا بالأحداث التي وقعت قبل أن يفقد وعيه مباشرة –
” _____”
لقد توجه إلى الغابة مع غارفيل، وفي منتصف حديثه مع ريوزو ، تعرض للاختطاف…
“يبدو أنكَ استيفظت للتو، محظوظ، ألستَ كذلك؟!”
لقد حدث ذلك مباشرة بعد استعادة ذاكرة سوبارو، مما سمح له بفهم الظروف الحالية.
سمع صوتًا من أعلى اليمين بدا وكأنه ينتظر لحظة استيقاظه، رفع سوبارو رأسه إذ كان منبطحًا على الأرض، وعلى الرغم من عدم قدرته على الرؤية إلا أنه كان قادرًا على تخمين موقع الطرف الآخر عندما تحدث.
“أ – ـيـ – وو… ”
“لست متأكدًا مما تقوله حتى، ولكن من المحتمل أن تكون تحاول قول اسمي، مهلًا لحظة… سأنزع ما في فمك الآن، سأخبرك بذلك من البداية، لا فائدة من الصراخ لطلب المساعدة” .
شعر بالخطى تقترب منه، شخص ما بجانبه جلس القرفصاء بجواره بشكل مسموع لتلمس يده فم سوبارو، قامت اليد بفك المدل الذي يسد فمه بإحكام ، مما أدى إلى تحرير فك ولسان سوبارو.
“ها نحن ذا…”
“-أيوجد أحد!! أنا هنا!! انقذوني!!”
“غاههه؟! ألم أقل لك ألا تصرخ…!!”
عندما صرخ سوبارو في اللحظة التي تحرر فيها فمه، تم إغلاق فكه بالقوة مما أدى إلى سماعه لصريرعظام وجنتيه تحت قوة قبضة غارفيل، تمكن سوبارو تجنب التأوه من الألم ثم قال:
“ك-كما لو أن هنالك سجين سيمتنع عن طلب المساعدة لأن شخصًا ما طلب منه ألا يفعل ذلك…!!”
“اصرخ بأعلى صوتك إن شئت، لن يفيدك ذلك، نحن في مخبأ في الملجأ والذي لن يأتي له أي أحد، إذ أنه ليس قريبا من المستوطنة، فهمت؟! إذن أبقِ فمك مغلقًا وإلا سألكم فمك مرة أخرى”
بعد أن اقترب منه ضرب جبته بجبهة سوبارو معصوب العينين ليشهق هذا الآخر، لقد فهم من كلمات خاطفه أنه حتى إن قام بالمقاومةـ لن يأتي أحد لمساعدته.
“يبدو أنك ستتأدب الآن، لا أريد إيذاءك”
عض سوبارو على لسانه بعد أن طعنته العداوة القادمة من غارفيل، بعد أن فكر في الأمر أصر على أسنانه، فهو بحاجة لسؤاله عن دوافقع الحقيقية من فعل ذلك.
لماذا قام بسجن سوبارو؟ كان عليه أن يسأل، ونفس الشيء ينطبق على ما كانت ريوزو تفكر فيه أيضًا.
“أولاً، أيمكنني أن أسأل أين يقع هذا المكان بالضبط؟ أود استخدامه كمرجع عندما أهرب. ”
“ها!! يا رجل، هادئًـا للغاية! ظننتكَ سترتجف خوفًا، لكنك تخطيتَ توقعاتي”
“بما أنني أن علمتُ أن الغضب والضغط على أسناني لن يفيد بشيء، سأوسع أسئلتي شيئًا فشيئًا حتى أجعلك تجيب على كل سؤال… كم من الوقت نمت؟”
“هذا سؤال يمكنني الإجابة عليه، لقد نمت نصف يوم، إنه منتصف وقت النار الآن”
مع تفاوض سوبارو من طرف واحد، خفض غارفيل نبرة صوته عندما أجاب على سؤال.
بالحكم على حالة معدته، كان يعلم أنه لم يمر سوى نصف يوم.
إذا كان هذا هو الحال، فمن المفترض أن تكون إميليا التي في الخارج قد لاحظت بالفعل غياب سوبارو وأصبحت قلقة ، ولكن –
“لدي ثقة في أنني مهم لدرجة أن أحدًا لن ينسى أمري مدة نصف يوم، كيف خدعتم الجميع؟”
“هذه ليست مسألة تقلق بشأنها، هنالك شيء أكثر أهمية عليك أن تقلق عليه، أو ربما لن تفعل؟”
فجأة، أصبحت نبرة صوت غارفيل أكثر رعبًا ليعقد سوبارو حاجبيه خلف عصبة عينيه.
شعر أن القوة الكامنة وراء كلمات غارفيل قد… توقفت. لقد كان صوته ينم على القناعة واليقين حيث كان غارفيل متأكدًا من شيء ما متعلق بسوبارو، لكن لم يكن لدى سوبارو أي فكرة عن ذلك الشيء.
ناهيك أن بيان غارفيل الحالي بدا محرجًا جدًا لسوبارو.
“لا تلعب دور الغبي في هذه المرحلة، أين ذهبت كل بطولاتك الآن، هاه؟”
“…عذرًا، لكني حقًا لا أعرف عن ماذا تتحدث، إن كان لديك شيء ضدي، استجمع شجاعتك وقله تمامًا كما تفعل رام!!”
“كلام رخيص! اللعنة!! كم أحب مثل هذه الأحاديث الرخيصة!!”
أطلق غارفيل نفسا حادا، ثم أمسك سوبارو من ياقته ورفعه.
بقي سوبارو غير قادر على التحرك حيث كان ظهره يضغط على الجدار الصلب البارد، ظل على هذا الحال حتى شعر بشيء حاد — والذي قد يكون أحد مخالب غارفيل — يلمس حلقه.
“لستَ خائفا من الموت، هاه؟ أنتم جميعًا مشهورون بكونكم أغبياء ومغترين كما تعلم!”
“ا-انتظر… حقًا ليس هنالك معنى لكل هذا… بمَ تتهمني بالضبط أيها الـ-….”
“لا تتغابى معي!! مع كل هذه الرائحة القذرة الخارجة من جسدك تقول أنك لا تعرف؟ أتظن أن هذا العذر سينجح، هاه؟ في أحلامك أيها الساحر المثقف…!”
“هـ- اه؟”
ضغط المخلب عليه بقوة جارحًا حلق سوبارو قليلاً. كان هناك ألم حاد وخفي، قبل أن يشعر بقطرة الدم تغادر جلده لكن سوبارو لم يكن بكامل تركيزه ليركز على الألم.
فالمفاجأة والصدمة كانتا أكبر مما يمكن لعقل سوبارو أن يتحمله، حيث تجاوز الوضع الحالي فهمه.
“لقـــــد انبعثت منك رااااائحة قوية منذ اللحظة التي خرجت فيها من القبر، حسنًا، في بعض الأحيان حتى الرجال العاديين تخرج منهم رائحة قوية، حيث <تم تبرئة بيتيرو المشتبه به> لذا لم أتوقع أن تلك إشارة لأي شيء… ولكنك بعد ذلك اقترحت القيام بمحاكمة الأميرة، هاه ؟”
” ____”
“هذا ليس مضحكا، من سيتبع كلماتك القاسية أيها الأحمق اللقيط!!”
“كلماتي القاسية…؟!”
“نعم! لقد استخدمت تلك الكلمات القاسية بفخر، وقدمت هذا العذر، ولكن لمَ لم يكن في كلماتك أي اهتمام بالسيدة إميليا في هذا الموقف، هاه؟ أصبحت نظرة عيناك تشبه نظرة عيني ذلك الأحمق الذي أكرهه أكثر من أي شيء آخر، أصبحت لديك تلك العينان التي لا ترى بها شيئًا سوى نفسك”
تمنى لو كان بإمكانه الصراخ بصوت عالٍ وقول “هذا سوء فهم!!”، ولكن العاطفة العميقة التي شعر بها بعد العودة بالموت – أي حقيقة أنه قدم ارتياحه عند التأكد من عودته بالموت على التفكير في إميليا – منعته من دحض شكوك غارفيل .
علاوة على ذلك، فإن الكلمات الفاسية التي قالها جعلت عقل سوبارو يتذكر حدثًا سابقًا: موقف سابق يشبه إلى حد كبير المشهد الحالي —
“آهه.. تنبعث رائحة الساحرة من جسدي…؟”
” هذا صحيح، لا تجرؤ على التصرف بغباء أمامي، هذا ليس في صالحك!”
“وعندما… خرجت من القبر، كانت أكثر وضوحًا…؟”
لقد تغيرت رائحته لأنه أخذ المحاكمة الثلاثية، كلا، بل تغيرت لأنه عاد بالموت. على مدار فترة إحيائه بقوة الساحرة، تكثف لونها تلك الطاقة ورائحتها عندما تشابكت حول وجود سوبارو.
– لقد أطلقت ريم على اسم الرائحة…
“رائحة الساحرة المتبقية…!!”
“ها!! اسم مثير للاهتمام، إنها رائحة ساحرة كريهة!!!”
في اللحظة التي تلت ارتفاع صوته، قام غارفيل بإلقاء سوبارو بعنف على الأرض.
وبسبب عجزه عن تغيير وضعية سقوطه،اصطدم سوبارو بكتفه أولاً بالأرض. كان الألم الخفيف سيدفعه إلى إطلاق أنين، لكنه أجبر ذلك الأني على العودة إلى داخل جسده وهو يلعن فظاعة وضعه من جديد.
في إحدى الأيام، كانت هذه الرائحة هي السبب الذي جعل ريم تشك في سوبارو، وهذا ما تسبب في موته أكثر من مرة.
– ومرة أخرى، أطلت الساحرة العالقة في رأسه رائحتها الكريهة لعرقلته مرة أخرى.
” ____”
“ما الذي كنت تريد فعله بذهابك إلى القبر؟ ما الذي تخطط له؟ إنه قبر الساحرة. ليس لا شيء جيد، هذا أمر مؤكد”.
أدرك أن اعتقاده أن تغير موقف غارفيل في كل مرة كان يعود فيها كانت مبنية على نزوة كان اعتقادًا خاطئًا.
التغييرات في سلوك غارفيل كانت بسبب التغير في قوة الرائحة الكريحة التي كانت تحيط بسوبارو.
ولهذا السبب، في المرة الأولى، عندما كانت الرائحة أقل حدة اقترح غارفيل بنفسه أن يقوم سوبارو بدخول القبر وأخذ المحاكمة، ومع ازدياد الرائحة تلاشت ثقة غارفيل بسوبارو حتى أصبح لا يثق به أبدًا، حتى قام بحبسه.
– وبالنسبة لسوبارو، هذه الحقيقة تعني أن وضعه كان سيئًا إلى أبعد حد
“____ ”
علاقته مع غارفيل بسبب العودة بالموت وستزداد سوءًا وفقًا لعدد المرات التي فعل فيها ذلك، علاوة على ذلك، نظرًا لأن نقطة العودة هي القبر، كان لديه وقت قصير للغاية لتحسين تلك العلاقة.
عندما التقيا للمرة الأولى، رأت ريم أيضًا أن سوبارو خطير بسبب تلك الرائحة، ومع ذلك أجلت الحكم بينما أبقته تحت أنظارها، لكن غارفيل سريع الغضب لن يفعل شيئاً كهذا؟
إذا اعتبر أن الرائحة سوبارو المحية بسوبارو تعني أنه خطير، لن يتوانى عن القضاء على هذا الخطر على الفور.
“ا-انتظر… إذا كان الأمر كذلك، فلماذا حبستني هنا…؟”
” هااااااااه ؟”
“لقد قلت إنني غير طبيعي… إذا قررت أنه من الخطر السماح لي بالدخول إلى القبر، فمن الغريب أن تحبسني هنا بهذه الطريقة. لماذا لم تتخلص مني…؟”
“أتخلص منك! هاه! يا رجل، يمكن لأشياء كهذه أن تخرج من لسانك !!”
أثار استعلام سوبارو زفيرًا حادًا عندما نض غارفيل على لسانه في حالة من الاشمئزاز.
“لو كنتُ أستطيع لفعلت، ولكن لا يمكن القيام بذلك.”
“لا يمكنك القيام ذلك…؟”
“لا يمكنني لأنك أبليت حسنًا في حديثك مع الآخرين، هذا هو السبب، إذا تسرعت ووضعت يدي عليك فسيكون موتك أِشبه بالإنفجار النجام عن سقوط حصن تسلا، وأنـا في غنى عن ذلك.”
استخدم غارفيل إحدى عباراته الغامضة المتكررة، لكن سوبارو تمكن هذه المرة من فهم معناها بناءً على السياق الذي وردت فيها، الانفجار الذي كان غارفيل يخشاه كان من الناس الذين علموا أن سوبارو لم يكن آمنًا وسليمًا – وعلى الأرجح يعني بذلك أن إميليا وسكان قرية إيرلهام قد يتمردون على الملجأ.
لكن رؤية الخطر في ذلك يعني –
” ليس كل ما تتمناه تدركه، هاه … بالنسبة لك أنا عنصر حيوي وحساس لضبط الناس إذن؟”
“أنت ماكر أيها اللقيط، أليس كذلك؟ نعم، برأيي لو لم تكن ماكرًا لما تمكنت من التصرف بمكر هكذا”
كان الصوت قريبًا جدًا، ومع وجود سوبارو على الأرض، كان يجب أن يكون غارفيل قد جثم وقرب وجهه منه، استمر في الشعور بأنه قريب جدًا حتى أمسك غارفيل برأس سوبارو وتابع حديثه.
“لكي أكون صادقًا، لقد صدمتني أحداث المحاكمة، لكنني تجاهلت كل ذلك. فلم هناك أي تغيير في الحاجز. كان الوضع عادي مثل أي يوم آخ-…”
“آه، هذا… في الواقع، محاكمة القبر تتكون من ثلاثة أجزاء في المجمل.”
“بالحكم على الوضع الذي أنت فيه، تتمتع ببعض الشجاعة يا هذا، سأمتدح شجاعتك القذرة على الأقل.”
“أظنك لا تصدقني ، هاه … لقد أفسدت ترتيب تلك المحادثة تمامًا…”
كان ينبغي عليه أن يبدأ حديثه معهم بتوضيح حصوله على المؤهلات اللازمة للمحاكمة، وأن يذكر أنه تغلب عليها، وأن يسلط الضوء على أنه كانت هناك بالفعل أكثر من مرحلة واحدة ليجتاز المرء المحاكمة، وليس من قبيل المبالغة القول إنه كشف ععن كل ذلك للطرف الذي لا يثق به بأسوأ طريقة ممكنة.
“…ماذا سيحدث لي؟”
“أفترض أني سأقول أن هذا يعتمد على السيدة إميليا. في الوقت الحالي، ستبقى محبوسًا هنا، سأتأكد من أنك لن تموت… ولكن ما رأيك أن نجري محادثة قصيرة بعد سقوط الحاجز؟”
وبعبارة أخرى، لن أقتلك.
إعلان غارفيل عن استمرار حبس سوبارو جعله يبتلع ريقه.
وبينما تم تجريده من القدرة على الحركة، ظهرت مشاكل مختلفة في الجزء الخلفي من دماغه.
– كانت إميليا تتعامل مع المحاكمة، وكان روزوال غير ملم بما يحدث هو ورام التي تعتني به، ولم يكن باك يستجيب، وكانت إلسا ستعتدي على القصر مع شريكها المحتمل والذي يدعى بسيد الوحوش ويقاتلان فريدريكا. سيبقى الشخص المتسبب بالهجوم مجهولًا، وستقضي تلك المأسآة على بيترا، وستستمرت ريم في النوم في تلك اللحظة بالذات، وستبقى بياتريس ممسكة بذلك الكتاب السحري.
ووسط كل ذلك كان غارفيل يعتبره خطيرا بسبب الرائحة، كانت ريوزو مؤيدة لذلك وتقف في صف غارفيل، بالإضافة إلى أن سكان قرية إيرلهام كانوا على استعداد للانفغار في غياب سوبارو.
“ها.”
تـبًا لكل هذا!! ما هذا الذي يحدث؟ ماذا يمكن – ماذا يجب أن يفعل، وكيف…؟
ما الذي كان عليه فعله لاختراق الوضع وتحطيمه مع وجود الكثير من العقبات في طريقه؟
منذ اللحظة التي دخل فيها إلى حالة الانغلاق، تم القبض عليه في حالة من “الشيك” –
” _____؟!”
“-أوه كلا لن تفعلها.”
تم حشو جسم غريب في فم سوبارو، مما جعله يتقيأ بشدة من الصدمة. لكن بعد أن قام بهذا الفعل، لم يتردد غارفيل، فبينما كان سوبارو يتلوى، قام بسرعة بإعادة وضع الكمامة عليه.
الآن لم يستطع رفع صوته. وفي نفس الوقت –
“أنا لا أعرف ما الذي تفكر به، ولكني لن أدعك تقتل نفسك أيضًا . ”
” ____”
عندما حاول بشكل متهور أن يبتلع لسانه، منعه غارفيل من القيام بذلك. إن حشو الكمامة سلب فكه من حريته ولم يستطع أن يمسح اللعاب المتسرب من زوايا فمه.
طريقة الانتحار -وبالتالي العودة بالموت- تم سلبها منه.
كان لدى غارفيل سبب لإبقائه على قيد الحياة، وبناء على ذلك، لم يستطع أن يترك سوبارو يموت.
“بالنسبة لي، أكثر ما لا أطيقه هو هذا التصرف.”
“آ…ي…و”
“الأمر ليس متعلقًا بتلك الرائحة فقط، بل بنظراتك أيضًا، أصبحت مثل نظرات اللقيط روزوال .”
بإلقاء هذه الكلمات، ركل غارفيل سوبارو المتذمر ليتدحرج على الأرض الصلبة ويصطدم بالحائط، ظل ووجهه للأعلى بعد ذلك، بينما كانت يزفر يائسًا بشكل خشن مرارًا وتكرارًا.
“فقط كل الطعام – ولا تحاول فعل أي شيء مضحك.”
مع تلك الكلمات التهديدية التي اعتبرها الأخيرة، أصبحت خطى غارفيل بعيدة.
” ايييي!! آآآآ….ايووووهه!!”
حرك جسده، ملقيًا صوته على الشخص الذي بدأ حضوره يختفي، لكن صوته غير المفهوم لم يجعل الطرف الآخر يتوقف.
استمر صوت سوبارو اليائس في السقوط على الآذان الصماء حتى لم يعد يشعر بوجوده…
” “آ…ي…و”
بالنسبة لسوبارو، لقد بدأت أسوأ حياة له في السجن.
5
مر الوقت الفارغ ببطء في عقل سوبارو.
“____”
لقد مرت عدة ساعات منذ مغادرة غارفيل، ولكن بسبب حالة أسره، لم يكن متأكدًا ما إذا كانت قد مرت بضع ساعات حقًا، لكن لم يكن بإمكانه إلا أن يتساءل عما يحدث في الخارج في الملجأ.
بالتفكير مرة أخرى في حديثه مع غارفيل الذي أصبح غائبًا الآن ، كان من المستحيل أن يكون الوضع حلوًا ومسالمًا.
– ما الذي أفعله في مثل هذا الوقت؟
كان مكمما وبالتالي غير قادر حتى على التحدث إلى نفسه، وكان في الغالب يمتص سيلان اللعاب وهو يقطر، ووبخ نفسه على ذلك.
كان لدى سوبارو جبل حقيقي من العقبات التي كان عليه التغلب عليها. ومع ذلك، لم يكن سوبارو قادرًا على فعل أي شيء، بل كان يتلوى مثل الدودة في الوقت الحاضر.
” _____”
أيمكنه حل أي شيء من خلال الوثوق بشخص ما وشرح المشكلة له؟ أراد إجابة على هذا السؤال.
لقد كان محبًا لإميليا، متشككًا بروزوال ، متحسرًا على بياتريس، وغاضبًا من غارفيل ، وكارهًا لإلسا، وهذه الأمور دارت واستمرت، مما زاد من تعكير مزاج قلب سوبارو.
كانت العصبة مربوطة على عينيه بقوة لدرجة أنها آلمته، وبما أنه كان عاجزًا عن رؤية أي شيء ، لم يكن أمامه إلا توجيه أسئلته إلى قلبه. كان قلبه مليئًا بالشكوك والغموض. وبعبارة أخرى، كان في طريق مسدود.
لقد وصلت كل أفكاره إلى طريق مسدود، وتم إيقاف حركته بالكامل ولم يُسمح له حتى بقتل نفسه، لذا شعر بنفاد صبره يأكله حيًا، كلما مر الوقت، كلما تقدم العدد التنازلي للكارثة المحتمة، كل ثانية كانت تُحدث فرقًا.
” _____”
مع نيران نفاد الصبر المتأجة في قلبه، ظهر المشهد المرعب للقصر من جديد في عقل سوبارو.
وعلى الرغم من أنه لم ينقذ أحداً من تلك المأساة، فإن هذا لا يعني أنه خرج خالي الوفاض منها، فقد علم أن فريدريكا لم يكن لها دخل بالهجوم، وأن المهاجمين كانو إلسا وسيد الوحوش.
والمكسب الأكبر كان معرفته أن يوم الهجوم على القصر تغير وفقًا لأفعاله.
فبين المرة الأخيرة والمرة التي تسبقها، كانت هناك فجوة تقدر بثلاثة أيام تقريبًا بين الهجمات على القصر، علاوة على ذلك، فقد ذكرت إلسا بوضوح أن موعد هجومهم قد تم تغييره، وكانت هذه المعلومة في صالحه.
كان لدى سوبارو أدلة دامغة لديه على الأقل حتى مساء عودته إلى القصر في المرة الأولى – في اليوم الخامس من نقطة البداية.
” _____”
لكن في الوقت ذاته، أثارت هذه الحقيقة مسألة مختلفة.
نظرًا لأن القصر سيتعرض للهجوم عند عودته، فإن إخلاء ريم والآخرين لم يكن حلًا واقعيًا، لذا لم يكن هناك خيار سوى صد المهاجمين – إلسا والوحش- في موقع الحادثة.
من ناحية القوة القتالية لفعل ذلك، لم تكن قوة فريدريكا ورام كافية لصد الهجوم، في الظروف الحالية، الأشخاص الوحيدون إلى جانبهما والذين يمكن الاعتماد عليهم من ناحية القوة القتالية هم إميليا وروزوال وغارفيل .
روزوال مصاب بجروحه بالغة، وإميليا تتعامل مع الحاجز، وهناك عائق يمنع غارفيل من الوثوق به.
أو ، ربما ، إذا كان بإمكانه استعارة قوة الشخص الأخير المتبقي في القصر –
” إ…ا…وو..ههه”
وبدا أنه يصرخ متمتمًا باسم الفتاة.
—في النهاية، ما زال سوبارو لا يعلم إلى جانب من تقف بياتريس.
قالت بياتريس أنها تطيع كل ما هو مكتوب في الإنجيل الذي بين يديها حتى الآن.
لقد تبادلوا القدح مع بعضهم البعض، وغضبا من أحاديثهما المتبادلة، عندما فكر سوبارو في إمكانية حماية أي شيء وسط هذه العلاقة، شعر كل جزء من جسده بالوحدة الشديدة.
-هل كان هذا وضعها حقًا؟
هذا صحيح، أكد صوت عاليا داخله.
ليرد صوتٌ باكٍ بقوة أن بياتريس اختلقت الأمر كله.
حتى بعد كل ما حدث، أراد سوبارو أن يصدق أن كلمات بياتريس كانت أكاذيب.
ما رآه وهو يوشك على الموت -عيناها الدامعتان وصوتها الباكي- جعلا سوبارو يشك في كلام بياتريس.
“أ، أوه…”
حتى لو كان كل ما حدث حتى الآن يوافق ما هو مكتوب في الكتاب.
حتى لو كانت مأساة القصر قد حدثت بسبب طاعتها لما في الكتاب.
–الآن، أرغب بشدة في سماع صوتك
” _____”
لم يكن أحد قادما، لا أحد يستطيع سماعه. لقد تُرك في هذا المكان، وحيدًا تمامًا.
وسط هذا الظلام الذي لا يننجلي، تتبع سوبارو تدريجيًا ذلك الأمل الضعيف واستمر في التشبث به.
– وهكذا مر المزيد من الوقت بينما بقي سوبارو في الظلام.
كان يعاني من كابوس لا يستطيع الاستيقاظ منه. مرارًا وتكرارًا، كان يشعر بالندم على أشياء لا يمكنه القيام بشيء حيالها.
بيترا التي تم قطع ذراعها، فريدريكا التي تعرضت لجروح بليغة حتى أصبحت تصارع الموت بعيدة عيني سوبارو، رام التي لم يكن يعرف مكان تواجدها غير معروف، ريم التي كان كل ما يعرفه عنها هو عبارة <فات الأوان>، وأخيرًا بياتريس.
” ”
تكررت المشاهد المصبوغة باللون الأحمر مرارًا وتكرارًا.
إميليا، انهارت على الأرض في قبو المسروقات. الرجل العجوز روم، حنجرته ممزقة مثل الزجاج. شعرت، مقطعة بقسوة في ضربة واحدة. ريم تموت من الهزال. مات أهل قرية إيرلهام على يد طائفة الساحرة. الأطفال محشورون في سقيفة التخزين. بيترا معها مقل العيون اقتلاعها. رام ترتدي مكياج الموت. ريم جسدها كله نجس. ذبح القرويون مرة ثانية. رام مخوزقه وهي تحميهم. أعضاء قوة القهر، سحقهم جسم الحوت الأبيض العملاق ومحوهم الضباب. الرجال الوحوش تمزقهم أيدي الكسل. ابتلع الانفغار القاتل القرويين وأعضاء قوة القهر الجثث، والجثث، والجثث، محاطة بالموت، والندم مكدس فوق بعضها البعض بقدر ما يستطيع رؤيته.
” ..”
كان جسده يتلوى، بحثًا عن الألم من الحبال التي تربط ساقيه ويديه. كان الألم جيدًا. في ذلك الوقت، كان ما أراد.
في ذلك الظلام الدامس، غير قادر على رؤية أي شيء، رأى صورًا لمشاهد الندم مرارًا وتكرارًا.
غير قادر على سماع أي شيء، سمع صرخات الموت للأشخاص الذين فشل في إنقاذهم، وأعادها مرات لا تحصى.
عاد يأسه من عدم قدرة يديه على الوصول إليهما مرارًا وتكرارًا، مما أدى إلى تآكل روحه.
” ”
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يُترك فيها في الظلام. لقد تم التخلي عنه في كهف بارد بلا ضوء مرة واحدة.
لكن في ذلك الوقت، كان الغضب والكراهية يحكمان قلبه، وكان ريم، في حالة قريبة من الموت، حاضرًا، لذلك لم يكن سوبارو بمفرده بالمعنى الحقيقي.
هذه المرة، كان وحيدا.
بالمعنى الحقيقي، كانت هذه هي المرة الأولى التي يتذوق فيها سوبارو العزلة التي تفسد قلبه.
” ”
أثناء فترة حبسه، لم يكن صحيحًا حرفيًا أنه لم يكن على اتصال بأي شخص.
تمامًا كما قال غارفيل ، كان لديه سبب لعدم تمكنه من ترك سوبارو تموت. وبسبب ذلك، أحضر الطعام إلى سوبارو وتأكد من مراعاة وظائف سوبارو الجسدية الأخرى.
على الرغم من أنه لم يكن لطيفًا ولا مهذبًا، إلا أنه كان لديه حارس مع ذلك. بالنسبة لضحية الحبس ، لم يكن شيئًا يستحق الثناء على الإطلاق.
بعد كل شيء ، وجود مثل هذه الرعاية لم يفعل شيئًا على الإطلاق للمساعدة في علاج عزلة سوبارو.
” ”
سمع مضرب القدمين العاريتين يمشي على الأرض، وبالتالي شعر باقتراب شخص ما.
كانت هذه هي المرة الثانية، أو ربما الثالثة، التي يشعر فيها سوبارو بأن القائم على رعايته يأتي لإحضار الطعام له.
” ”
ظل القائم على رعايته صامتًا، ومن المحتمل أنه وضع الصينية المعدنية على الأرض. ثم رفع رأس سوبارو ببطء، وأزال الكمامة. شكلت تلك الحالة فرصة لدغة لسانه، ولكن –
” ” _
مع حركة الروبوتية، تم دفع قبضة صغيرة في فمه.
منعت القبضة حركات فكه بينما استخدم الطرف الآخر يدًا مفتوحة لاسترداد طبق من الدرج. تم سكب محتويات الدرج من خلال الفجوة الموجودة في فمه، لإجراء تغذية قسرية.
كان الطعام أقرب إلى الحساء المبرد. لم يكن لديه وقت لتذوقه ، بلعه يائسًا عندما غزا حلقه ، وهو يلهث وهو يسقط في بطنه. لم يكن الأمر يتعلق بالأكل بقدر ما كان تناولًا بسيطًا عن طريق الفم.
بمجرد أن يتم ذلك ، تم دفع الكمامة بازدراء في سوبارو السعال مرة أخرى. لم يقم القائم بالرعاية بأي خطوة لمسح الحساء من وجهه القذر، وقام بفحص ملابس سوبارو الداخلية للتأكد من أنها ليست متسخة، وعندها غادر القائم بالرعاية بسرعة.
خلال ذلك الوقت، لم يتحدث القائم بالرعاية إلى سوبارو ولو مرة واحدة.
في المرة الأولى ، حاولت سوبارو التحدث عبر الكمامة ، لكن الطرف الآخر لم يستجب بأي طريقة.
أعطى القائم بالأعمال انطباعًا عن دمية لا تفكر
. ” ”
أدى الاتصال بمثل هذا المسؤول إلى دفع قلب سوبارو إلى عمق الزاوية.
إن معرفة وجود شخص ما هناك لم يؤدي إلا إلى تعميق عزلة سوبارو.
كان الوقت يمر، ليس في رأسه فحسب… بل حان الوقت الذي لا يمكنه فيه التراجع.
كم مضى من الوقت؟ ما هو اليوم؟ ماذا حدث، وماذا لم يحدث، وماذا سيحدث؟
– متى وكيف سيموت؟
فكر سوبارو بهذه الطريقة حتى شعر بالإحساس المزعج المتمثل في جفاف السائل الموجود على خده.
قلب الرجل ضعيف أمام الظلمة والعزلة، لقد سمع شيئًا كهذا… من مكان ما.
قد يكون سوبارو قد ضحك عندما سمع هذا الحديث سابقًا، فمن حيث القوة العقلية، لم يكن من الممكن حقًا مقارنته بالكثير من الناس، لابد أنه ظن أن انكسار المرء بسبب العزلة والظلام أمر سخيف.
لم يكن يعرف ما هي التجربة التي نتجت عنها هذه المحادثة، لكنه لن ينتهي هكذا أبدًا.
بما أن تلك المقولة لم تكن مبنية على أساس تجريبي، اعتقد ببساطة أنه سيكون على ما يرام. يا له من أحمق صغير.
” _____”
فبعد أن تركَ في الظلام والعزلة الحقيقيين، مر قدر لا بأس به من الوقت. في ذلك الوقت، كان كل ما يمكن أن يفكر فيه سوبارو هو الموت.
كان يفكر في طرق للموت، بعبارة أخرى كان يشتاق إلى “الموت”.
حتى تلك الرغبة قد لا تكون مرتبطة بالعودة بالموت، هل كان خائفا من الظلام؟ أم خائفاً من العزلة؟ لم يكن يعرف الإجابة.
ألن يموت إن توقف عن التنفس ؟ إذا استمر في حك ذراعيه بالحبال، هل سيموت بسبب النزيف؟ ماذا إن ضرب رأسه بالأرض؟ ماذا لو حدث زلزال في اللحظة التالية وسقط في الخسف الذي في الأرض؟
كان سوبارو عبارة عن طعام ملقى في الأرض، ماذا إن أتت الديدان وأكلت سوبارو بالكامل؟ لقد سمع أن الفئران تقضم أصابع وآذان المرضى. لماذا لا يجعل من نفسه طعمًا ويكتشف ذلك بنفسه؟
إذا نسي أنه كيان بشري وفكر في أنه مجرد مجموعة بسيطة من اللحم، فعندها…
” ____”
لقد كان قلبه مثقلًا بحب الموت؛ لقد تأخر في ملاحظة ذلك.
خطوة
لقد شعر بكيان إنساني يقترب منه، فهل حان الوقت ليعتني به أحد مرة أخرى؟ هذه فرصة أخرى لتعميق عزلته.
سمع صوت شيء يطرق على الأرض الصلبة وببطء كان يتجه نحو سوبارو الملقى على الأرض، لقد اقترب أكثر، حتى عندما نسي سوبارو ما إذا كان وجهه متجهًا لأعلى أم لأسفل في هذه اللحظة.
الموت من الجوع. ماذا إن مات من الجفاف؟ إذا رفض الأكل بعناد، فإن الموت سيقترب منه، ببطء ولكن بثبات.
معتقدًا أن الأمر يستحق المحاولة، سيحاول القيام بذلك… سيرفض اليد التي يمدها القائم على رعايته له –
“ظننتك ستكون في حالة رهيبة، لكن هذا أكثر خطورة مما كنت أفترضه.”
للحظة، لم يفهم سوبارو ما هو الأمر.
في هذا العالم، تجاوز شيء ما حدود أنفاسه القذرة وخفقان قلبه، ما الذي يمكن أن يجعل طبلة أذنه ترتعش؟ لقد شعر أنه شيء يفوق معرفته، وفي وقت متأخر جدًا من هذه العملية، أدرك أنه كان شيئًا يسمى “الصوت”.
لقد كان صوت شخص ما، كم مر من الوقت لم يسمعه فيه صوت أي أحد يا ترى؟ ناهيك عن كونه صوت شخص معروف له.
” آآ…”
“أوه، أرجوك لا ترفع صوتك، نحن نعبر ممرًا حساسًا إلى حد ما، لذا أفضل ألا يقبض علي أحد الحراس هنا، لا أحد منا يجيد الإستسلام كما تعلم؟”
بنبرة هادئة، رد الطرف الآخر على صوت أنين سوبارو الذي انخفض بينما كان يفعل شيئًا بجسده، الصوت الخفيف جعل سوبارو يفهم أن القيود التي كانت على يديه وقدميه قد تم فكها. ذراعيه وساقيه – يمكنهم التحرك بحرية.
قام سوبارو بقلب جسده جاعلًأ وجهه متجهًا للأعلى. لماذا كان من الصعب عليه أن يتنفس؟
“سأقوم بإخراج الكمامة من فمك، بالإضافة إلى نزع عصبة العين من عليك”
” ____”
ومع الشيء الذي كان يجعل التنفس صعبًا عليه، خرج اللعاب من زاوية فمه، تم فك العصابة المربوطة حول عينيه طوال ذلك الوقت. لقد كان شعورًا بالتحرر، ارتفع جفناه المليئان بالدموع.
مع صوت مثل تمزق الورق فتح عينيه لينجلي الظلام و…
“على كل حال، أشعر بالارتياح لأنني وجدتك حيًا يا سيد ناتسوكي.”
– ابتسم أوتو قائلًا هذه الكلمات بعد مرور ما بدا وكأنه قرون.
6
مقابلًا ذلك الوجه الموجود أمام عينيه، أصبح سوبارو عاجزًا عن الكلام، وتحولت نظراته من مجرد التحديق إلى الدهشة.
“ما هذا؟ تعلوا وجهك نظرات رجل يبدو وكأنه في حالة فوضى بالكامل، كما لو أن ما يراه أمام عينيه كان مستيحل الحدوث، هل أنت غير قادر على تصديق ما تراه بسبب عقلك، لذا تشك في أنه قد يكون حلمًا أو وهمًا؟”
“…هذا ليس….”
كان أوتو قد وضع يده على وركه وتعلوا وجهه نظرة غاضبة إلى حد ما، نظر سوبارو إليه بطريقة غريبة.
كان حلقه جافًا، وجسده مرهقًا من الهزال لدرجة أن الهواء نفسه كان ثقيلًا على صدره، مجرد تحريك جسده ويديه وقدميه المقيدة سابقًا جعله يشعر بألم ساحق يمر خلالهما، ليدرك إصابات أخرى لم يكن يلاحظها أثناء تقييده.
ومع ذلك، كان على قيد الحياة. وأيضًا—
” مجيئك هو آخر شيء توقعته.”
“حسنا، يمكنني تفهم ذلك. لأكون صادقًا، يبدو أنني غير جدير بالثقة إلى حدٍ ما…”
“الأمر هو أني… أشعر بشيء يتدفق منك من أعلى رأسك إلى أخمص قدمك، لا أبالغ إن قلتً أن مجيئك إلى هنا لم يخطر ببالي ولو لمرة واحدة طوال هذا الوقت…”
“حتى في وضعك هذا تتحدث يما في داخل عقلك دون مراعات لمشاعر أحد…!!!”
“هيه، ألست من أخبرني ألا أرفع صوتي….”
عندما رفع أوتو صوته بما بدا وكأنه تذمر مظهرًا عدم تقبله لتحذير سوبارو، أعاد حديثهما ذكريات سوبارو عنه مما أكد له أن أوتو الذي أمامه حقيقي.
“كل تلك العزلة والهلوسات… برأيك كيف سيكون وضعي إن كنتَ أنتَ أول من يظهر لي….”
“إنه لأمر مدهش أن باستطاعتك قول كل ذلك وحلقك وجسدك في مثل هذه الحالة العصيبة، تفضل بعض الماء “.
قدم أوتو حافظة مياه معدنية لإسكات لسان سوبارو الحاد، ليأخذها سوبارو منه ويستحم فيها عمليا قبل أن يشرب الماء المتبقي فيها، والذي كان يشكل قرابة النصف من معتوياتها، حيث قام برش جزء منه على وجهه.
بعد ترطيب حلقه بالماء البارد وغسل وجهه المتسخ، تحسن مزاجه كثيرًا.
“هل أنت مستعد للتحدث أخيرًا؟”
“كيووههه…. أجل، بالكاد… هل يمكنني
أن أسأل شيئا أولا؟ كم مرّ يوم حتى الآن؟”
“إذا كنت تقصد بسؤالك هذا يا سيد ناتسوكي بالإشارة إلى ليلة اختفائك، فقد مرت ثلاثة أيام، إنه الليل في الخارج… بعبارة أدق، موعد المحاكمة”
“ثلاثة ايام……!! وما زالت المحاكمة مستمرة؟!”
الإجابة على سؤاله والمعلومات التي لحقت بتلك الإجابة غيرت تعابير وجه سوبارو بالكامل.
إذا كان في الليل بعد ثلاثة أيام، فهذا يعني أنه الآن قد وصل لمنتصف اليوم بعد حادثة القصر، وكان لاستمرار المحاكمة تأثير مباشر على الوضع في الملجأ بعد حبس سوبارو.
ردة فعل سوبارو جعلت أوتو يهز رأسه ويكمل حديثه:
“سيد ناتسوكي، أفهم ما تشعر به، لكن السيدة إميليا لديها رأيها الخاص، ويظل رفع الحاجز ضرورة كما كان من قبل، لسبب واحد…”
“أتمانع إذا سألتك عما حدث في الوقت الذي اختفيت فيه؟”
“نظرا للظروف، لا أستطيع التحدث عن ذلك بكثير من التفصيل، ولكن…”
وهكذا، بعد إدخال تلك المقدمة الغريبة، بدأ أوتو يتحدث ببطء عما حدث منذ ذلك الحين. كانت محور الحديث هو ما حدث في الليلة التي اختفى فيها سوبارو – وبعبارة أخرى، ما الذي تسبب به اختفاء سوبارو.
“من الطبيعي تمامًا أن تنتشر أخبار اختفاء السيد ناتسوكي على الفور حيث انتشر أنه كان لديك وعد مع الماركيز لتلك الليلة، وحتى بدون ذلك الموعد يا سيد ناتسوكي، أنت شخص مشهور إلى حد ما،لذا….”
“يمكنك التوقف عن التملق ومتابعة حديثك”
“لم أقصد أن يكون كلامي تملقًا على وجه الخصوص، ولكن… على أي حال، أثار اختفاؤك يا سيد ناتسوكي موضوع التسوية في الملجأ إلى حد كبير، على وجه الخصوص، بدت السيدة إميليا في حالة ذعر كبيرة إلى حد ما، لدرجة أنها لم تخض في المحاكمة في اليوم التالي.”
“إميليا قامت بذلك…”
سماعه لكلمة (ذعر) جعله يتخيل أن حالة إميليا العقلية كانت سيئة للغاية، وبدون وجود سوبارو بجانبها، كان عليها الاستغناء عن دعمه العاطفي بما في ذلك في اليوم الأول.
وبعد فترة طويلة من وقوع الحادث، أعرب عن حزنه لعدم قدرته على تشجيعها ومواساتها بالكلمات اللطيفة.
” هل أتابع الحديث يا سيد ناتسوكي؟”
“…نعم من فضلك.”
بطريقة هادئة، شرح أوتو الأحداث التي وقعت في الملجأ والتي أعقبت اختفاءه من وجهة نظر المراقب.
تم إلقاء اللوم على اختفاء سوبارو على دخولهه لوست وودز في الليل. لم تتمكن رام من تحديد موقع سوبارو حتى مع قدرة استبصارها ، وذهبت إميليا إلى الغابة للبحث عنه لفترة من الوقت، كما اجتمع متطوعون من سكان قرية إيرلهام معًا أيضًا وشكلوا وأرسلوا مجموعات بحث بحثت في جميع أنحاء الغابة.
وتعاون غارفيل مع تلك المجهودات بلا تحفظ –
“”لقد أشعل النيران، وركض حاملًا دلو المياه… بطريقة ما ، لقد نجح في إدارة الأمور بشكل جيد في الخارج.”
على الرغم من أن تعليقه أشار إلى أن اختفاء سوبارو تم التستر عليه بشكل جيد، إلا أن موضوع غارفيل كان ينم عن إهمال كبير فقد بدت تصرفات غارفيل عشوائية تمامًا.
“”ولكن… الحقيقية هي أن إيميليا نادت بالبحث عني…”
“لقد كانت تلك الفكرة في رأس إيميليا، ولكن الماركيز هو من نادى على البحث”
عندما خفض سوبارو رأسه في شك، رفع أوتو إصبعه، وهزه يمينًا ويسارًا.
“لقد كان المركيز هو من قدم الاقتراح للسيدة إميليا، إذا كان تفتيش الغابة بأعداد صغيرة لا جدوى منه، فإن فريق بحث واسع النطاق هو الوسيلة الوحيدة القابلة للتطبيق، ولفعل هذا، كان لتحرير الملجأ الأولوية”
“فريق بحث في الغابة… وإميليا وافقت على ذلك؟”
“لقد تعهد الماركيز رسميًا بأنه لن يستهين بأي حال من الأحوال بموضوع السيد ناتسوكي الذي أخضعت خدمته الجديرة بالتقدير الحوت الأبيض ودمرت مطران من طائفة الساحرة.”
خفض أوتو عينيه بشكل محرج، ولكن داخل قلبه، كان سوبارو مذهولًا تمامًا. بغض النظر عن كيفية شرح غارفيل للأمور، كانت هناك الكثير من الألغاز وراء موقف روزوال .
كان سوبارو بالأساس يعتزم إلزام روزوال بالإجابة على الأسئلة في ذلك الوقت، أراد أن يستفسر عن مأساة القصر، وكيف كانت بياتريس -التي تحمل الإنجيل بين يديها- مرتبطة به، وبماذا كانت تفكر فيه هي والروح! حيث كان الشخص الأكثر معرفة بكل هذه الأمور هو روزوال الذي وعده بالإجابة على أسئلته.
هذه المرة، كان هدف سوبارو هو إقناع روزوال بالكشف عن العلاقة بين الإثنين، وعدم السماح لأي شيء بالبقاء مخفيًا، على الرغم من أن تدخل غارفيل وريوزو قد أعاق ذلك …
“بسبب هذا التعهد، كانت السيدة إميليا تتحدى المحاكمة بالأمس واليوم بقوة كبيرة وواضحة، مع أن قلبها يبدو متألمًا للغاية لعدم قدرتها على التغلب على المحاكمة بالرغم من كل ذلك…”
“في الواقع، كان هنالك شيء يضايقني منذ فترة”
“حقًا؟ وما هو؟”
بعد أن انقطع أوتو عن سرد قصته، رفع حاجبيه: “الأمر فقط…” قال سوبارو كتمهيد قبل أن يتابع حديثه “يبدو أن كل ما ذكرته لي الآن أنه كان محادثة بين أشخاص آخرين، فكيف تفسر سماعك لذلك أيضًا؟”
وبغض النظر عن جوهر القصة، كان أوتو نفسه أحد الأشخاص العاديين عندما يتعلق الأمر بالقضايا المختلفة التي تحدث في الملجأ، فلماذا بدت قصته التي ذكرها للتو وكأنها شيء سمعه من مناقشات مجموعات أخرى؟
” آه ، إن كان هذا ما تسأل عنه … هذا صعب إلى حد ما بالنسبة لي ، لكن ..”
عند تلقي سؤال سوبارو، تصرف أوتو بطريقة مريبة للغاية، حيث حك خده بإصبعه، وابتسم ابتسامة متألمة مع نظرة غريبة على وجهه.
ماذا كان يقصد بـ “هذا صعب بالنسبة لي؟” تساءل سوبارو محطمًا نفسه قليلا.
“ماذا؟ لقد كنتَ تخبرني بالأحداث الصادمة حدثًا بعد حدث، سحب معلومة أخرى منك لن يكون صعبًا، أظن أن بإمكاني الكشف عن أي أسرار قد تكون لديك، مثل المبلغ المتبقي في حسابك المصرفي. ”
“إذا رأيت دفتر حساباتي البنكية، فقد ينتهي بك الأمر إلى الشعور بالفزع الشديد يا سيد ناتسوكي.”
“لا تحاول التهرب”
كان سوبارو هو من بدأ تعليقاته الوقحة، لكنه لم يسمح لأوتو بالتهرب من خلال العبث معه.
بعد أن أدرك أوتو إصرار سوبارو من نظرته، تنهد بشيء من التردد وأجاب أخيرًا.
“في الواقع، كما ترى… تمامًا مثلك يا سيد ناتسوكي، وضع غارفيل عينيه عليّ، وأنا حاليًا في أهرب من هنا إلى هناك في كل أنحاء الملجأ”
” هاه؟”
“أعني! إن كنتَ مسجونًا يا سيد ناتسوكي، فأنا هارب تتم ملاحقته! كل هذه المعلومات، جمعتها أثناء هروبي… ولهذا السبب، في واقع الأمر، كانت كل هذه الأمور هي أشياء سمعتها”.
في خضم تفاجؤ سوبارو، نظر أوتو إليه بينما كان كتفيه يغرقان بتعبير متعب للغاية.
رمش سوبارو جفنيه عدة مرات عند سماعه تفسيره، وحدق في أوتو باهتمام أكبر، ثم أدرك متأخرًا أن أوتو، الذي كان يقف أمام عينيه مباشرة، كان في حالة مزرية.
نظرًا لعمله كتاجر، لطالما كان أوتو -الذي دائمًا ما يهتم بمظهره الخارجي- متهئًا على الدوام، لقد سمع أيضًا من أوتو مباشرةً أن هذا كان جزءًا لا يتجزأ من استعداده كتاجر.
كان هنالك فرق بين أوتو آنذاك وأوتو الواقف أمامه، حيث كان وجهه ملطخًا بالعرق والأتربة، ذو شعر أشعث، وقبعة غير مفرودة، وملابس ممزقة من كل جانب وحذاءه متسخ بالطين، وفوق كل ذلك-
“- يا رجل، رائحتك كريهة!! إنها تخترق أنفي!!”
“لقد كان هذا فظًا!! ألا تدرك أن هذا لا ينطبق علي فقط، بل عليك أيضًا؟!”
“آه، حسنًا، أعتقد ذلك… أعتقد أنك على حق، هاهاها.”
أطلق سوبارو ضحكة فاترة عندما وضع أنفه على كمه، لقد كانت رائحته فظيعة للغاية.
فبفضل ربطهم لعينيه وحبسه، أصبحت رؤيته وسمعه حساسين للغاية، ولكن يبدو أن أنفه السليم قد أصبح أقوى أيضًا. لكن السبب الأكبر لذلك هو أن رائحة جسده ساعدت في ذلك.
لقد كانت هنالك رائحة كريهة أكثر وضوحًا وحدة ملأت المنطقة المحيطة به، ويبدو أنها اخترقت أنفه.
“هذه الرائحة كريهة حقًا، لا يمكن أن تكون… إنها ليست رائحة المستنقع، أليس كذلك…؟”
“أنا لا أعرف لماذا تتحدث عن المستنقع فجأة، ولكن لا داعي للقلق. نحن بالفعل بالقرب من قبر الساحرة، ولكن لا يوجد شيء خطير يحوم حولهـ هذا لا يعني أن سبب هذه الرائحة هو شيء آمن تمامًا، ولكن…”
“هل تعرف ما هي المياسما؟”
“يكفي أن أعرف أن رأسي سيتصرف بغرابة إذا كان مستنقعًا معلقًا في الهواء…”
للحظة جعله تصريح أوتو يأخذ خذره، ولكنه ما بات إلا وأن أرخى دفاعاته بعد أن تابع أوتو حديثه، ففي كلتا الحالتين، لم يكن للرائحة أي علاقة بالميازما.
“بمعنى آخر، لابد أن هذه رائحة المكان نفسها، لا أريد البقاء هنا لفترة طويلة.”
“بمعنى آخر، أتفق معك، أود أن نبعد أنفسنا قبل أن يعود الحارس.”
“الطريقة التي تذكر بها الحارس هذا تشير إلى كونه مخيفًا، ولكن قبل ذلك….”
أبقى أوتو صوته منخفضًا محاولًا التقدم إلى موضوع الهروب، ومع ذلك -قبل اتباع خطته- كان لدى سوبارو شيء عليه أن يتأكد منه أولاً.
كان عليه أن يجعل أوتو يواصل الحديث عن وضعه في الحرم.
“دعني أسألك هذا، كيف انتهى بك الأمر بجعل غارفيل يسعى خلفك؟ أليس الركض هو السبب خلف مظهرك الفوضوي هذا؟!”
“….”
“أنا ممتن حقًا لأنك أتيت لمساعدتي، لأكون صادقًا، قبل أن أرى وجهك، كنت محاصرًا لدرجة أنني ظننت الموت أفضل لي من الاستمرار هكذا، لكن…”
هناك، جمّع سوبارو كلماته داخل عقله وهو يحدق في أوتو الذي ظل صامتًا.
لمرة واحدة، استقبل أوتو نظرة سوبارو بتعبير قريب من الجدية التامة، لذا تابع سوبارو.
“لا أعلم لمَ قد تقدم لي يد المساعدة. منطقيا، يمكنني التفكير في بعض الاحتماليات، ولكن…”
لم يكن الأمر أنه كان يشك في أوتو، لكن سوبارو لم يستطع معرفة دوافعه، إذا كانت الأمور سيئة بما فيه الكفاية لدرجة أنه أصبح في حالة يرثى لها، بعد أن صنع لنفسه عدوًا من غارفيل -أقوى مقاتل في الملجأ- فلماذا يساعد سوبارو؟ وبطبيعة الحال، كانت هناك بعض الأسباب المحتملة.
فمن خلال كسب تأييد سوبارو ووضع الأساس للتعامل مع مشاكل الملجأ المختلفة الأخرى، سيكتسب الكثير من المحبة من طرف إميليا. وحتى روزوال -أكبر مساهم في الفصيل- سيتذكر بالتأكيد أفعاله. سيكون ذلك كافيًا لتحقيق هدف أوتو الأساسي المتمثل في كسب تأييد الماركيز.
لكن ذلك لم يكن كافيًا، ففيما يتعلق بالأرباح، والنتائج الكبيرة، وأي شأن تجاري آخر، كانت الاحتمالات ضده.
فقد بدت الهزيمة الكاملة حتمية، ومع عدم وجود وسيلة واضحة للنصر، لم يكن الأمر مغامرة، بل كان سلوكًا انتحاريًا ببساطة.
لو كان لديه سبب لعدم اعتبار هذا الفعل سلوكًا انتحاريًا، لكانت القصة مختلفة، لكن…
“لا يبدو أنك من النوع الذي يحب أن يقتل نفسه.”
“… هل هناك شخص يحب أن يُقتل نفسه؟”
ردًا على سؤال أوتو، لوى سوبارو رقبته وقال: “من يدري؟”
على أقل تقدير، كان هناك رجل واحد في الغرفة قضى الأيام الثلاثة الماضية لا يفكر إلا في الموت.
نعم، خلال تلك الأيام الثلاثة، توسل سوبارو من أجل الموت عدة مرات. حتى عندما كان يتوسل من أجل الموت، عادت به ذاكرته بكل الوفيات التي شهدها حتى الآن. ما قاله لأوتو كان الحقيقة، لم يكن الأمر مزاحًا على الإطلاق: ففي تلك الأيام الثلاثة، لم يتذكر أوتو ولو مرة واحدة.
بمعنى آخر، كانت هذه هي الثقة التي كان يحملها سوبارو تجاه أوتو.
مع تراكم العديد من المواقف الفظيعة فوق بعضها البعض، لم يكن يريد أن يكون هناك أي سبب ليكون على أهبة الاستعداد حتى ضد أوتو.
لقد كان نوعًا من الثقة مراوغًا للغاية.
” لذا أجبني يا أوتو، لماذا أتيت لمساعدتي؟”
كان السؤال الهادئ هو الحد الفاصل بين الإثنين الواقفين في ذلك المكان.
انتظر سوبارو رد أوتو بفارغ الصبر، وعند تلقي سؤال سوبارو، ابتلع أوتو ريقه للحظة وجيزة، وهو يحدق في الفتى الذي أمامه.
“سيج ناتسوكي، ملاحقة غارفيل لي كانت بسببك”
“بسببي؟”
“سيد ناتسوكي، في تلك الليلة، تعلم أنني كنت آخر من قابلك أنت وغارفيل ، أليس كذلك؟ عندما اختفيت يا سيد ناتسوكي بعد ذلك، شك فيّ بطبيعة الحال. من المؤكد أنه وجد أن كوني شاهد عيان أمر غير مريح، لذا أراد مني الإحتفاظ بشهادتي لنفسي”
تردد صدى ذلك التفسير بعمق داخل صدر سوبارو.
بعبارة أخرى ، كان غارفيل يلاحق أوتو لإسكاته. وبما أن الأمر كان كذلك ، كان من الطبيعي تمامًا أن يقرر أوتو أن إنقاذ سوبارو في النهاية هو أفضل طريقة للخروج من هذه المعضلة.
“لقد قال أنه لن يؤذيني إن أبقيت موضوع لقاءه معك يا سيد ناتسوكي سرا، وقد قدم لي نوعًا من الكريستال كتعويض “.
ومع ذلك، كان أوتو نفسه هو من صدم سوبارو بسبب استنتاجه السابق لأوانه. لم يحاول غارفيل إسكاته بالقوة، بل بالكلمات والتعويض.
الآن، لم يعد للتفسير السابق أي معنى حيث كان لدى أوتو خيار من شأنه أن يضمن سلامته.
“لكنك رفضت عرضه؟ ولهذا السبب يلاحقك غارفيل ؟”
“حسنًا قد يكون عرضه مقنعًا، لكنه ليس مستساغًا على وجه الخصوص…”
“لا تمزح في مثل هذا الوقت! هل أنت أبله؟ لماذا فعلت شيئاً كهذا؟! ما…”
– ما السبب الذي دفعه لخوض هذه المغامرة الخطيرة؟ ما الذي يمكن أن يكون الدافع الذي جعله يفعل ذلك؟
“ما الذي…”
“يا إلهي، سيد ناتسوكي.”
مع وصول سوبارو إلى قمة غضبه، قاطع أوتو كلماته، ومرر يده خلال شعره الرمادي.
ثم قام بإصلاح قبعته المسحوقة عندما أجاب أخيرًا.
“- هل من الغريب أن يساعد المرء صديقه؟”
– للحظة، توقف الوقت بالنسبة لسوبارو، حيث كان غير متأكد مما قيل له.
لقد مرت عدة ثوان قبل أن يتحرك الوقت مرة أخرى – حيث عاد ببطء شديد.
وحتى عندما عاد الووقت للتحرك، لم تتوقف ارتباكات سوبارو، لم يستوعب معنى تلك الكلمات، ما هي التعويذة السحرية التي ألقاها أوتو على سوبارو في تلك اللحظة؟
—صديق؟ ما الذي تعنيه كلمة صديق أصلًا؟ ما الذي كان يقوله له هذا الشخص؟
” لماذا – لماذا تجمد وجهك في مثل هذه النظرة المتفاجئة …”
“لا، لقد قمت بذكر شخص لا أعرفه للتو… هل كنت تتحدث عن شخص يسمى صديق؟”

“هذا الاستنتاج خاطئ تمامًا! لا أعرف اسمَ شخص يدعى صديق!! بل أعني كلمة صديق!!”
“الأصدقاء… تعني الصداقة؟! بين من ومن؟!”
“بيني وبينك يا سيد ناتسوكي!!”
ضرب أوتو الأرض بقدمه مشيرًا إلى أن تلك الكلمة ترمز له ولسوبارو، لكن تصرفاته تركت عيون سوبارو تتسع أكثر، ردة فعل سوبارو جعل أوتو يقول:
“أوه، يا فرحتي!”
بينما كان يضرب على رأسه محاولًا إبعاد تلك الصدمة على ما يبدو!
“بالتأكيد! لدينا مصالح مشتركة فيما يتعلق بقدومي إلى هنا! حتى أتمكن من مقابلة الماركيز وأقدم المساعدة والدعم للسيدة إميليا. لكن في المقام الأول يا سيد ناتسوكي، أنت من أنقذتني عندما تم القبض علي من قبل طائفة الساحرة !”
” ……”
“لكن إذا تجاهلنا كل هذه الأمور المزعجة، أظن أني صديق لك يا سيد ناتسوكي، ليس فقط من حيث الطريقة العفوية التي تعاملني بها، بل هنالك أيضًا حس الصداقة بيننا”
حك أوتو رأسه متجنبًا تلاقي عينيه بعيني سوبارو، وربما توردت وجنتيه آنذاك، وبعد سماع كلامه بالكامل، لم يظهر سوبارو أي ردة فعل على الإطلاق. أثار صمته نظرة تساؤل على وجه أوتو. كان هناك قدر لا بأس به من القلق في عينيه لأن سوبارو لم يظهر أي رد فعل على كلماته على الإطلاق. ربما كان سوبارو يفكر في عرض الصداقة زيادة عن اللزوم.
يبدو أن تلاميذ أوتو لديهم مائة وجه يظهرونه في وقت واحد، كات هذا ما في قبل سوبارو، ولكن-
“*ضحكة مكتومة*”
“المعذرة؟”
” بواهاهاهاهاها ! أ-أصدقاء؟ الأصدقاء، هاه!! آه ، تلك هي!! تلك هي!! أوتو، أردتَ حقًا أن تصبح صديقي!!”
“ما-؟!”
غير قادر على كبح جماح ضحكه بعد الآن، انهار سوبارو ضاحكًا وهو يضرب كتف أوتو الذي احمّر وجهه. وبالرغم من فعله لذلك لم تختف ضحكته، ظل سوبارو يضرب الأرض بقدميه ويتلوى وهو ممسك ببطنه.
“بواهاها، صديق! اللعنة ! أوتو ، اللعنة عليك ، أيها الوغد! ”
“آه، آه! لما فعلت هذا؟! آه ، لقد كانت حماقة مني أن أقول ذلك! أستطيع أن أفهم لماذا تضحك يا سيد ناتسوكي! لكني واثق أن الأمر ليس مضحكًا لهذه الدرجة!”
“لا ، لا ، لا ، الأمر مضحك بحق! أنت لست من يتصرف بغرابة هنا … أنا أضحك على شدة سذاجتي وحماقتي، أنـا مصدوم من نفسي ليس إلا!”
مسح سوبارو بيده اليسرى دموعه الناجمة عن شدة ضحكه، كان سوبارو لا يزال مندهشًا من كل ذلك بينما قام بتقويم ظهره، بينما ظهرت على وجه أوتو تعابير تشير إلى ندمه على نطقه كلمة صديق، ردًا على تعابيره، أعرب سوبارو عن امتنانه، وأوضح أن سخريته لم تكن موجهة إلا لنفسه.
– لم يستطع فهم أوتو سابقًا، لم يكن يعرف ماذا يصدق، ومع ذلك ها هو أوتو يأتي لمساعدة سوبارو ليس لسبب أكثر من كونه صديق سوبارو. وفي مواجهة مثل هذا الرجل الذي يقف أمامه، لم يكن يثق بمشاعره بقدر ما كان يشعر بالندم على حماقته في الشك فيما قد يكمن وراءه.
لقد صدمه الموقف كثيرًا، وأصبح غير قادر على فهم مشاعر الأشخاص من حوله. لقد كان يؤمن بالخبث بقوة لدرجة أنه نسي حتى وجود شيء يسمى حسن النية. لقد كان أحمقًا بالفعل.
لقد أصبح يشعر وكأن عودته بالموت عدة مرات علمته أشياء جديدة.
–بعبارة أخرى، المعركة لم تنته. لم يكن عليه أن يتخلى عن أي شيء، ليس بعد.
“سيد ناتسوكي؟”
ظهرت علامة استفهام فوق رأس أوتو، لم يفهم ما قصده سوبارو بالسخرية من نفسه وتوبيخ ذاته.
هز سوبارو رأسه عندما رآى ردة فعل الرجل وشعر بطريقة ما بأنه أكثر إشراقًا، عندها أخذ نفس عميقًا ثم قال:
“آسف، أنت صديقي يا أوتو، شكرًا لك على حضورك لمساعدتي”.
وهكذا نقل إلى صديقه الشكر الذي كان ينبغي أن يكون أول كلمة تخرج من فمه.
/////
– لو اردتهم زيادة سرعة نشر الفصول ادعموا الرواية.
سعر الفصل الواحد يعادل 500 دهبة
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.