4 - طعم الموت.
《١》
«هاه، مَن يدري؟ بالنسبة لي، لم أسمع شيئًا من العجوز. كل ما عرفتُه أنك عدت ومعك إحدى ”العيون“. هذا وحده كان كافيًا ليجعلني أخرج لأرى الأمر بنفسي.»
من وخز الهواء البارد الذي غطَّى جلده، تيقَّن سوبارو تقريبًا مما يحدث.
لكن رؤية ذلك المشهد بعينه أصابت قلبه بصدمة عميقة، صدمة يستحيل فهمها.
«لن أفصح عنها. لديَّ عهد لا يمكنني نقضه، تمامًا كما هو حالك. ما قلته حتى الآن هو أقصى ما أستطيع تقديمه لك من تنازلات. لكن دعني أقول هذا.»
تجاوز البرد القارس في الملجأ كل توقعات سوبارو الفاترة.
«—إميليا.»
«هذا ليس مضحكًا… ما زلنا في اليوم الثاني فقط…»
ضامًا كتفيه وناثرًا أنفاسًا بيضاء بفعل الصقيع، صرَّ سوبارو على أسنانه بإحكام. وشدَّ فكيه دون أن يُطابق بينها، متجاهلًا الألم النابض في عينه اليسرى، ومجبرًا عينه اليمنى المتجمدة على البقاء مفتوحة.
لكن غارفيل لم يهتم بهذا التغيير. قال بغضب: «يا ألن تنكر الأمر؟»
قطعت الرياح الباردة كالخناجر جسده، وتساقطت الثلوج عليه؛ لا لتتراكم بل لتصدمه بقسوة. كلاهما سلبا منه حرارة جسده سريعًا، وكأنها كابوس أبيض يسلب حياته ثانيةً بعد ثانية.
—وقبَّلت شفتي سوبارو الصامت.
تساقط الثلج كاسيًا الملجأ. عرف سوبارو هذا المنظر جيدًا.
جاء رد فعل سوبارو متأخرًا جدًا على تلك الكلمات، إذ كان غارقًا في ذلك المشهد الذي ترسخ في ذاكرته.
لقد قاوم سوبارو هذا الشعور في تلك اللحظة التي لجأت إليه إميليا في القبر. تحمل كل ذلك لأنه علم أن تلك لم تكن مشاعرها الحقيقية، ولم يسمح لنفسه أن يغرق في مشاعر حب مزيفة ليست سوى ظل باهت للحقيقة—
«ولكن… لماذا بهذه السرعة؟»
«الوضع برمَّته خاطئ. الثلج وإميليا… لو كانت معتكفة في القبر، فالتوقيت المرتبط بتساقط الثلج مختل تمامًا. وإن كانت إميليا مَن أسقطت الثلج، فما هو السبب؟»
رأى سوبارو هذا المشهد المغطى بالثلوج من قبل، خلال دورته الأخيرة. عندما كاد غارفيل أن يقتله، نقلته قوة البلورة إلى منشأة التجارب. وعندما خرج منها، كان العالم من حوله قد تلون بالأبيض. لكن حينها… كان الثلج قد غطى كل شيء بالفعل.
«…»
الآن، ومع برودة الهواء الذي يلسع جلده، تأكد تقريبًا مما سيحدث.
لم يولي تساقط الثلج نفسه أهمية كبيرة آنذاك، ولكن—
«إذًا، تساقط الثلج بهذه الغزارة…»
ازداد شحوب وجه سوبارو فيما وضع روزوال يده على ذقنه وأومأ بتفكير. لم يكن هناك شك: لقد لمست كلمات روزوال للتو المحظور الذي يخفيه سوبارو في أعماقه—
كان عليه أن يدرك الأمر. في غضون ساعات قليلة، أو نصف يوم على الأكثر، سيغرق الملجأ بالكامل تحت طبقة سميكة من الثلوج، كان هذا الانهمار الغزير في مثل هذا الوقت القصير كافيًا لتخيُّل شدَّته.
لكن تلك الحيرة أوجدت مساحة كافية بينهما للحوار في تلك اللحظة.
وفي الحاضر، تمامًا كما في ذلك الحين، أحاط البرد بسوبارو كما لو أن جسده على وشك التجمد تمامًا.
—واصل الركض.
ذلك الشك كان أن روزوال يمتلك وسيلة لوراثة الذكريات.
«على أي حال… المستوطنة في هذا الاتجاه…»
«لا، انتهينا. على الأقل، ليس لديَّ ما أقوله لك بعد الآن، ولا سبب للعيش.»
في الحقيقة، كل شيء جرى وفقًا لمخططات روزوال حتى أدق التفاصيل.
نفض سوبارو الثلج المتراكم عن كتفيه، ثم ركَّز ذهنه على الوصول إلى المستوطنة، ساعيًا لفهم الوضع.
الخفقان المستمر في عينه اليسرى كان يُذكِّره بالمآسي المتتالية التي وقعت قبل لحظات. كأنها تهمس: ”لا تنسَ، لا تنسَ“.
«أين روزوال؟»
وضع سوبارو تلك الأفكار على الرف مؤقتًا. سيكون هناك متسع لها لاحقًا، لكن في الوقت الراهن كان عليه التركيز. إذا تهاون، ستتوقف قدماه عن المسير. وهذا ما كان يخشى حدوثه.
تسللت الشكوك إلى كلمات روزوال وهو يطرح السؤال على نفسه. لكن سرعان ما تخلَّى عن تلك الشكوك.
«إذا كنتِ تسمعينني، أرجوكِ، أجيبي…»
أطلق روزوال هذه الكلمات أثناء انتقال نظراته الساخرة نحو غارفيل الواقف بجانب سوبارو، الذي وقف متأهبًا عند مدخل الغرفة ليغلق طريق الخروج. شم غارفيل أنفه باشمئزاز وهو يعبر عن ضيقه.
«أوه، سوبارو، أنت تلمس شعري أحيانًا، أليس كذلك؟ لذا عليَّ أن أردَّ لك الجميل.»
أزاح سوبارو الظلال المتراقصة في ذهنه، ومدَّ يده إلى جيبه ليخرج البلورة. أمسك بها بإحكام بينما تركَّزت أفكاره عليها. إذا كان لا يزال مؤهلًا، فمن المؤكد أنها ستظهر.
«لا تتدخلي الآن يا رام. لا أريد أن أوجه مخالبي نحوك.»
تلك العين التي تراقب الملجأ، ستستجيب لرغبة رسول الجشع—
«أظن يا أنك لا تدرك أنك السبب. اختفاؤك كان له تأثير كبير على قلب الأميرة. لقد أخرجها عن مسارها، ثم دخلت إلى القبر… ولم تخرج منذ ذلك الحين.»
«—آه.»
«لا يمكن أن تقول إميليا إنها تحبني… أنها تعتمد عليَّ بالكامل، وتقول إن وجودي يكفيها ولا تحتاج إلى شيء آخر؟ هذا مستحيل».
«لكن الأمر مختلف الآن. كنت أفكر فيك طوال هذا الوقت، سوبارو. شعرت بكل هذه المشاعر… والآن أريد أن أقول لك كل ما كنت تقوله لي. أنا آسفة جدًا… هذا غير منصف مني. أحتاج حقًا أن أعبر عن هذه الأمور على نحوٍ صحيح.»
وسط الرياح التي تعصف من حوله، لم يسمع سوبارو أي صوت. لكن ببطء، بدأت ملامح شخص تظهر.
«سوبارو، هل تشعر بالنعاس؟»
حافية القدمين، تسير فوق الثلج المتراكم؛ كانت ريوزو أو بالأحرى، نسخة عنها. من المرجح أن تكون بيكو، إحدى النسخ التي أوكلت إليها الحراسة قرب منشأة التجارب.
«كان عليَّ إيجاد طريقة لتمييزك عن البقية…»
أصابت كلمات روزوال قلب سوبارو كطعنة موجعة، حتى شعر وكأن قلبه ينفث دماءً.
ربما لم يتمكن عقله من استيعاب ذلك حينها بسبب الصدمة. أو ربما كان اكتشافه لهذا الأمر فقط في هذه اللحظة تحت هذا الضغط دليلًا على ضعفه وهروبه من الحقيقة… وهو أمر لم يعد مسموحًا بعد الآن.
«بيكو، أعتقد أن هذا أنتِ على أية حال… لديَّ طلب. أرشديني إلى المستوطنة. لا وقت لديَّ للضياع.»
اختلط صوت طقطقة لسان غارفيل بتفسيره، ما دفع سوبارو إلى إيماءة إقرار. التفت بنظرة جانبية إلى الوراء، ليرى بيكو تتبعه دون أن تنبس بكلمة. منظرها أثار انزعاج غارفيل.
«…»
ترك روزوال برهة قبل أن يتابع حديثه: «—هل سمعت هذا مني، كما أظن؟»
لم تنبس النسخة بيكو بكلمة، ولم تهز رأسها تأكيدًا، بل أدارت ظهرها لسوبارو بهدوء وركضت بخفة على الثلوج، غير مكترثة بما يحيط بها. تبعها سوبارو على الفور، مستعجلًا خلفها.
«أحب أن أدللك، لكن تعلم أن الأطفال المدللين يتعرضون للمزاح بشعرهم…»
«—معرفة الجواب هي آخر شيء أود تحقيقه في هذا العالم».
كان ما حصل عليه من سلطة دون قصد لا يزال صالحًا، لكن استخدام الحقوق التي منحته إياها الساحرة بقرار منها جعل مزاجه متوترًا. بالطبع، كان ممتنًا بشدة، ولكن—
«مثلما قال هو، كل شيء يتوقف على الظروف. أنا لن أهدأ حتى أتيقن ممن هو عدو. وعندما أعرف سأمزقه إربًا.»
«إلى أي مدى توقعتِ هذا يا إيكيدنا…؟»
ليس هناك أي سحر شفاء قادر على إنقاذ وجه ميت كتلك الملامح التي ارتسمت على وجه رام. وحتى إن حاول، فلن يُفعَّل السحر على جسد فارقته الحياة بالفعل.
ثم تابع روزوال حديثه:
كانت قد زرعت في منديل بترا تدبيرًا لمواجهة الساحرات، ومنحته القدرة على جعل بيكو تتعاون معه في تلك اللحظة تحديدًا. لم يفهم مقصدها الحقيقي. لم يشك في كونها متعاونة معه، ولكن…
لكن ذلك التحول يعني وقف السحر، وبالتالي موت رام. تصارعت عقله الواعي، الساعي لإنقاذها، مع غرائزه التي تناديه بالتحول حفاظًا على حياته.
كان هناك الكثير مما لم يفهمه بعد. لو أمكن، لتمنى لو أنه يجد جوابًا لهذا الوضع الغامض في تلك اللحظة ذاتها. لغز الملجأ، ونحيب بياتريس. لا شك أن إيكيدنا تمتلك الأجوبة لكل ذلك، بل ولكل ما لم يتضح بعد—
«إلى أي مدى توقعتِ هذا يا إيكيدنا…؟»
«اللعنة… سأفكر في هذا لاحقًا. الآن… يجب أن أتحرك!»
«إيه؟»
غمر الثلج الكثيف الملجأ، مسكونًا ببرود قاتل، يصبغ الحياة وكل شيء آخر باللون الأبيض القاتم.
«إذا كنتِ تسمعينني، أرجوكِ، أجيبي…»
سبق لسوبارو أن أرى هذا المشهد من قبل. ودفع حياته بسببه أيضًا.
«ما هذا الذي…؟»
إذا كان كل شيء الآن مشابهًا لما حدث آنذاك، إذا كان كل شيء يسير بالنسق ذاته—
احترق الهدف بالكامل في غمضة عين، متحولًا إلى رماد، ولم يتبقَّ منه سوى صوت صرخاته المحتضرة: «كيي، كيي…»
«—إميليا… ماذا جرى لكِ؟»
في مواجهة سؤال لم يفهمه، لم يستطع سوبارو تخمين الإجابة المرجوة.
إذا كانت هي مَن سبَّبت هذا الجحيم الأبيض، فما الذي كان يدور في خلدها حينها؟
«يا للغرابة! ألا ترى أن اجتماعكم في هذا الوقت بالذات أمر مثير للاهتمام؟»
《٢》
في الغرفة الحجرية، نامت إميليا بسلام تحت معطف سوبارو.
«الكاتدرائية—!»
استغرق سوبارو أكثر من ساعة حتى وصل إلى المستوطنة.
العالم الأبيض الذي عبث بحسِه للمسافات، وفقدانه عينه حديثًا، جعلا هذه الرحلة مرهقةً إلى حد يصعب احتماله. سلبت الثلوج حرارة جسده، وقدرته على التفكير تراجعت لتصبح ثقيلة ومشوشة، أما ساقاه فقد بدتا وكأنهما تزحفان ببطء السلحفاة.
«والآن، ووفاءً بالعهد الذي قطعناه، فلنتحدث يا ناتسكي سوبارو.»
«مع ذلك…»
جاء رد فعل سوبارو متأخرًا جدًا على تلك الكلمات، إذ كان غارقًا في ذلك المشهد الذي ترسخ في ذاكرته.
همس سوبارو بشفاه مرتجفة ومخدَّرة، وهو يرفع قدميه من بين الثلوج التي غمرته حتى كاحليه.
لم يستطع سوبارو، الذي وقف مشلولًا من الصدمة، حتى أن ينطق بكلمة واحدة بعد مشاهدته لهذا العمل الوحشي. ولما أدرك روزوال حالة الذهول التي استبدت بسوبارو، حدَّق فيه بعينه الصفراء الوحيدة، وقال بنبرة هادئة:
أمامه، من خلف الرياح التي تعصف بالثلج، استطاع بصعوبة أن يلمح مبنًى حجريًا بسيطًا. بطريقة ما، نجح في العودة إلى المستوطنة التي يقيم فيها سكان الملجأ.
«—ماذا؟»
لقد دفع بالفعل برسالة تحت باب منزل ريوزو. كان سوبارو قد كتب وترك رسالة تخبرها بأنه سيغادر الملجأ. إذا كانت إميليا قد قرأتها، فلا ينبغي أن تتفاجأ إلى حد يجعلها تقع في حالة من الضيق. وحتى بدون تلك الرسالة، لم يكن هناك سبب يجعلها تختبئ عن الآخرين.
لكن ما أقلق سوبارو بشدة؛ أنه لم يكن هناك أي أثر للحياة في المستوطنة.
«بمفردك، بمفردك… بمفردك؟! ماذا عن الأميرة… ماذا عن نصف الشيطانة؟! وماذا عن هذا الثلج اللعين؟!»
«لا أضواء في المنازل… أليس هناك أحد بالداخل…؟»
بقدر ما استطاعت رؤيته، لم تكن هناك أضواء من مصابيح البلور أو الشموع. وفي ظلِّ هذا البرد القارس، كان عدم إشعال النار ضربًا من الانتحار. فلا شكَّ أن وجود النار يمثل ضرورة قصوى لوجود الحياة.
«ها؟» همس بغضب وهو يقول: «…أفهم يا. لقد أجبرت العجوز على التحدث عن قوة البلور رغمًا عنها، أليس كذلك؟»
لكن ذلك التحول يعني وقف السحر، وبالتالي موت رام. تصارعت عقله الواعي، الساعي لإنقاذها، مع غرائزه التي تناديه بالتحول حفاظًا على حياته.
في الحال، تجمدت أحشاء سوبارو من الخوف. ومض في ذهنه أن هذا الملجأ المغطى بالثلوج قد يكون بالفعل مقدمةً لظهور ذلك الوحش الأبيض الرهيب—
«إن كنت لا تزال عاقلًا وغير هائج على نحوٍ مفاجئ… فهذا يعني أن الآخرين بأمان، أليس كذلك؟»
‹—هل اجتاح الأرنب العظيم الملجأ بالفعل؟›
/////
«—أوه، لقد عدت أخيرًا، لكن ما هذا الوجه الغبي الذي أعدته معك؟»
«—واجب؟ ما الذي تعرفه عن واجبها…؟»
ارتد سوبارو على الفور عند سماعه الصوت الذي اخترق أذنيه. وحين استدار، رأى شخصية تتقدم عبر الثلج بفظاظة.
«—ماذا؟ حبيسة في القبر…؟»
سار غارفيل بخطوات واثقة، مبعدًا كتل الثلج الغزير وكأنها لا شيء. توقف على مسافة أمتار قليلة أمام سوبارو، عابسًا بوجه مشمئز.
«آه؟ حقًا، ما هذه الملامح؟ هل سقطت عينك اليسرى في مكان ما أم ماذا؟»
«نعم. هذا صحيح، سوبارو… إنها أنا. أنا، إميليا.»
«حدثت أشياء كثيرة بعد مغادرتي… ليس من طبعك أن تكون هكذا، تخرج طوعًا لاستقبالي عند عودتي.»
وقفت رام بثبات أمام ذراعه الممدودة، نافخة صدرها المتواضع بعزم، لتسد طريقه بجسدها النحيل. لوهلة، لمع في عيني غارفيل مزيج غريب من الغضب والتردد، مزيج سببه خوفه من أن يؤذي شخصًا عزيزًا عليه. لكن بعد لحظة قصيرة، ظهر في نظره شيء آخر؛ عزيمة قاسية، وكأن إرادته باتت تميل نحو إزالة رام من طريقه أيضًا.
«غوا.»
«ها! هذا ليس تعاطفًا. بالإضافة إلى ذلك، يبدو أنك لاحظت القوة الموجودة في البلور أيضًا.»
فبالنسبة إلى روزوال الذي سيموت في هذه الحلقة، تنتهي حياته ووعيه هنا. حتى لو أعاد سوبارو الزمن، لن يكون هذا ”روزوال“ في انتظاره في الطرف الآخر.
ورغم أن الكلمات بدت قاسية، إلا أن وقعها على مسامع سوبارو كان يوحي وكأن غارفيل يحاول إقناع نفسه بها.
من خلال رؤية بيكو واقفة بجانبه، استنتج غارفيل أن سوبارو قد حصل على حقوق القيادة. زادت عدائية غارفيل أكثر، وألم عينه اليسرى تفاقم بفعل المشاعر المعادية المتجسدة في غارفيل.
كان هناك الكثير مما لم يفهمه بعد. لو أمكن، لتمنى لو أنه يجد جوابًا لهذا الوضع الغامض في تلك اللحظة ذاتها. لغز الملجأ، ونحيب بياتريس. لا شك أن إيكيدنا تمتلك الأجوبة لكل ذلك، بل ولكل ما لم يتضح بعد—
حينما استدار روزوال واتجه نحو السرير، حاول سوبارو أن يقترب منه، لكنه تردد في تخطِّي بركة الدم التي لامست أطراف أصابعه، حيث ترقد جثتا رام وغارفيل.
لكن، رغم الألم المتزايد، لم يشعر سوبارو بالخوف من عدائية غارفيل.
لكن ذلك التحول يعني وقف السحر، وبالتالي موت رام. تصارعت عقله الواعي، الساعي لإنقاذها، مع غرائزه التي تناديه بالتحول حفاظًا على حياته.
ليس الأمر بسبب برودة الطقس التي تشتت انتباهه عن الألم؛ بل ارتبط ذلك بطبيعة العداء الذي يواجهه.
بينما كان غارفيل يمارس سحر الشفاء، بدأت عضلاته ترتجف وتتضخم، وكأن عروقه تنبض بتسارع غريب.
«… لا حاجة للانخراط في هذا الحديث الآن، رغم أن الأمر صحيح، فهذا ليس من طبعك. لا أظن أن الشخص الذي أعرفه سيقف هنا يتحدث معي بصورة غير رسمية في وقت مثل هذا.»
امتزج الفراء الأبيض الناصع تمامًا مع مشهد الثلج الذي غطَّى أراضي الملجأ، بينما ارتجفت أجساد صغيرة لا تكاد تملأ راحة اليد، وأخذت أعينها المستديرة تتفحص المكان ببراءة مخادعة. كانت تلك المخلوقات تبدو لطيفة، لكنها ليست سوى أدوات عشوائية للقتل.
«رام، أنتِ خادمة رائعة بحق.»
«الآن بدأت أشعر بالقلق. ليس لديَّ وقت لهراءك. إذا كنت ترى هذا الثلج، فلا حاجة لتفسير لماذا لا يمكنني الحديث معك أثناء شرب الشاي، اللعنة.»
عالم مكتمل، مستقبل بعيد المنال، آمال ضائعة، وروابط مداسة: كان كل شيء منها يعبق بطعم الدم.
«بمعنى أنه لديك شيء مهم لتخبرني به وليس حديثًا أثناء شرب الشاي.»
«أحب أن أدللك، لكن تعلم أن الأطفال المدللين يتعرضون للمزاح بشعرهم…»
«…».
«أ-أنت مَن اختار ذلك الطريق بنفسك، أيها الأحمق! فماذا؟ هل تساقط هذا الثلج عقابًا على كل إخفاقاتها؟! هل تقول إنها تلقي باللوم عليَّ وعلى العجائز هنا؟!»
تجمد غارفيل في صمته، حيث برزت مشاعر معقدة في عينيه الجادين.
في لحظة واحدة، تحطم قلب غارفيل الذي كان ملتهبًا بالكراهية، بفعل رؤية الجروح التي أصابت محبوبته.
كان غاضبًا، وغضبه كان شديدًا. ولكنه في الوقت ذاته، كان خائفًا. عندما فكر في تلك اللحظة، تدهورت علاقته مع غارفيل بطريقة تختلف عن تلك التي تجلت عند لجوئه إلى القتل.
ما زالت حيرة غارفيل من أفعال سوبارو، التي تتضمن حساب الموت، قائمة.
«أنا… سكان الملجأ لا يمكنهم الدخول. هذا هو القانون. وأنا أحد سكان هذا المكان.»
لكن تلك الحيرة أوجدت مساحة كافية بينهما للحوار في تلك اللحظة.
كان مقيدًا برغبته الأنانية في البقاء إلى جانبها خلال لحظاته الأخيرة.
«إن كنت لا تزال عاقلًا وغير هائج على نحوٍ مفاجئ… فهذا يعني أن الآخرين بأمان، أليس كذلك؟»
أما روزوال، الذي لا يستمر وعيه، فحين يموت تنتهي قصته. ومع إدراكه لهذه النهاية، قبل بها وضمنها ضمن خطته وكأنها أمر واقع. كان هذا ضربًا من الجنون.
«دونو لا أدري إلى أي مدى تعرَّف الآخرين، لكن رجالنا ونسائنا ومَن في قريتك موجودون جميعًا في الكاتدرائية. جاء الرجل المزعج بهذه الفكرة.»
«أوتو فعل ذلك؟ هو مَن اقترح ذلك؟»
—بين إحساس بالخسارة ووحشة الوحدة، تمنى سوبارو أن يختفي، وأراد أن يحدث ذلك في أقرب وقت ممكن.
«الثلج…! لا شيء يمنعها من التهام السحر العظيم الذي يتحكم في الطقس. لهذا السبب…!»
«في وضع مثل هذا، لا يوجد أعداء أو حلفاء، هذا ما قاله. لا سبب يدفعنا لعض بعضنا البعض بلا تفكير. وتخيَّل أنه مجرد شخص عادي متورط في كل هذا.»
وسط هذه اللحظة التي حملت في طياتها إلحاحًا وصدقًا عميقين، ارتسمت ابتسامة على وجه روزوال وهو ينظر إلى سوبارو.
«ذ-ذاك… انتقامٌ مني ومن العجائز…»
بينما كانت أنياب غارفيل تصطدم ببعضها البعض، أومأ سوبارو له برأسه. وسط هذا الثلج، لا، في هذا الوضع في الملجأ، كان ممتنًا من أعماق قلبه لأن أوتو اقترح قرارًا منطقيًا. بفضل تمكنه من التحدث مع غارفيل، تأكد من أمان القرويين. المسألة المتبقية، كانت أمرًا يجب عليه تأكيده بنفسه—
«—الثلج. هل فعلت إميليا هذا؟»
وكأن تلك الكلمات كانت المفتاح لفهم نوايا روزوال الحقيقية— وما إن عرفها، لم يعد بإمكانه التراجع.
بالنسبة لسوبارو، كان سؤالًا بدا ككذبة واضحة.
«إلى أي مدى توقعتِ هذا يا إيكيدنا…؟»
كان يعرف إجابة السؤال. لم يسألها رغم ذلك لأنه كان يأمل في العثور على شعاع من الأمل. من المحتمل أنه كان… خائفًا.
بدعوة من الصوت، خطا إلى الأمام بخطى ثقيلة، وفي وسط الغرفة، وقفت فتاة تنظر إليه وتقول:
اندفع غارفيل بخطوات واثقة نحو روزوال، ليختصر المسافة القليلة بين الباب والسرير في لحظة. وبحركة خاطفة، مد يده ليقبض على عنق روزوال الواثق.
خائفًا من استنتاجه الخاص: أن إميليا قد تسببت في هذا المشهد بنفسها. جعل سؤال سوبارو الذي أطلقه بصوت بدا خشنًا، غارفيل يتفوه بـ «ها!»
«دونو لا أدري ذلك، أيضًا. الأميرة حبيسة في القبر منذ الليلة الماضية، كما ترى؟»
«—لا يمكن أن تقول إميليا إنها تحبني، مستحيل!!»
«—ماذا؟ حبيسة في القبر…؟»
«أظن يا أنك لا تدرك أنك السبب. اختفاؤك كان له تأثير كبير على قلب الأميرة. لقد أخرجها عن مسارها، ثم دخلت إلى القبر… ولم تخرج منذ ذلك الحين.»
صدمت كلمات روزوال سوبارو كأنها صاعقة. كان روزوال يؤكد أن الفرصة لإعادة المحاولة تخص سوبارو وحده، وأن كل شيء آخر في الحلقة الزمنية لا علاقة له بها.
«هذا جنون! أعني، تركت لها رسالة ملائمة وكل…»
«—!! توقف عن النظر إليَّ بهذه العين! ما هذا بحق؟ ماذا دهاك؟!»
«رسالة…؟»
《٦》
شعر بملمس دافئ وناعم. دفء اللمسة أمامه جعل جسده يتجمد من المفاجأة.
‹ماذا تقصد بالرسالة؟› كان ذلك معنيًّا ضمنيًا في الرد، مما جعل سوبارو يلتقط أنفاسه.
«حسنًا. بما أنك لا تفهم، سأقوم، بوصفي شخصًا يعتقد أنه يفهم، بإرشادك بإرادتي. سأخبرك تحديدًا لماذا، رغم مشاهدتك موت هذين الاثنين ومواجهتك لي، مَن قتلهما بيديه، لا تتصرف بدافع عاطفة.»
«كما قلت، أنا أحسدها. —ففي النهاية، يبدو أن أمنيتي العزيزة لن تتحقق أبدًا.»
لقد دفع بالفعل برسالة تحت باب منزل ريوزو. كان سوبارو قد كتب وترك رسالة تخبرها بأنه سيغادر الملجأ. إذا كانت إميليا قد قرأتها، فلا ينبغي أن تتفاجأ إلى حد يجعلها تقع في حالة من الضيق. وحتى بدون تلك الرسالة، لم يكن هناك سبب يجعلها تختبئ عن الآخرين.
«أرى أنك ترفض هذا اليوم. يا للخسارة بالنسبة لي. يبدو أن النسخة الحالية منك منشغلة بأمور جانبية أكثر مما ينبغي.»
«… يبدو أن هناك مخططًا يحاكَ ليس منك أو مني.»
وسرعان ما أدرك سوبارو أن هذا ليس وهمًا أو سوء فهم.
«إيه؟»
«دع ذلك لوقتٍ لاحق. اتبعني. قرار إيزولتي أعاد الأمور إلى نصابها. يغضبني ذلك، لكنك الوحيد الذي يمكنني الاعتماد عليه. سنتجه إلى القبر.»
لم يكن سوبارو مدركًا تمامًا إلى أي حدٍّ يرغب في أن يكون الأهم بالنسبة لإميليا. لكنه ليس مغرورًا بما يكفي ليصدق أنه يحتل هذه المكانة بالفعل.
مؤشرًا برأسه، أشار غارفيل له ليتبعه وهو يمشي للخارج. القوة الكبيرة في أرجلهم تعني أن غارفيل دفع الثلج بعيدًا دون توقف. ومع ذلك، تمكن سوبارو من اللحاق به بعض الشيء.
«حسنًا. بما أنك لا تفهم، سأقوم، بوصفي شخصًا يعتقد أنه يفهم، بإرشادك بإرادتي. سأخبرك تحديدًا لماذا، رغم مشاهدتك موت هذين الاثنين ومواجهتك لي، مَن قتلهما بيديه، لا تتصرف بدافع عاطفة.»
«دونو لا أدري إلى أي مدى تعرَّف الآخرين، لكن رجالنا ونسائنا ومَن في قريتك موجودون جميعًا في الكاتدرائية. جاء الرجل المزعج بهذه الفكرة.»
«القبر، يمعنى… أنك ستسمح لي بلقاء إميليا؟!»
«لا يمكن أن تقول إميليا إنها تحبني… أنها تعتمد عليَّ بالكامل، وتقول إن وجودي يكفيها ولا تحتاج إلى شيء آخر؟ هذا مستحيل».
«أنت متفائل للغاية. لن أسمح لك بلقائها. سأجعلك تتحدث مع أميرتك لتوقف هذا الثلج عن السقوط. أنت مَن سيذهب للداخل. هذا هو عملك اللعين، وليس عملي.»
«…! حسنًا، هذا مقبول بالنسبة لي. إذا كنت لن تتدخل في حديثي مع إميليا، فحينها…»
«—يمكنك أن تصبح مثلي.»
«أوه، سوبارو، أنت تلمس شعري أحيانًا، أليس كذلك؟ لذا عليَّ أن أردَّ لك الجميل.»
كان طلب فظ، لكن سوبارو لم يعترض، وقبل ذلك برحابة صدر.
لم يفقد أي من سوبارو وغارفيل عداءهما تجاه بعضهما البعض. ولكن كما حدث عندما واجها الساحرة، وضعت هذه المهمة اللحظية كليهما على نفس الصفحة، وهكذا ساروا معًا في تلك اللحظة.
«غارفيل، كم سمعت من ريوزو؟»
رأى سوبارو هذا المشهد المغطى بالثلوج من قبل، خلال دورته الأخيرة. عندما كاد غارفيل أن يقتله، نقلته قوة البلورة إلى منشأة التجارب. وعندما خرج منها، كان العالم من حوله قد تلون بالأبيض. لكن حينها… كان الثلج قد غطى كل شيء بالفعل.
فجأة، بينما كان سوبارو يحدق في الثلج، طرح هذا السؤال على غارفيل الذي يمشي أمامه. لم تجعل الكلمات غارفيل يلتفت إليه.
‹ها… ماذا؟ هناك ذراع بشرية تخرج من ظهر غارفيل…›
جاء رد فعل سوبارو متأخرًا جدًا على تلك الكلمات، إذ كان غارقًا في ذلك المشهد الذي ترسخ في ذاكرته.
«ها؟» همس بغضب وهو يقول: «…أفهم يا. لقد أجبرت العجوز على التحدث عن قوة البلور رغمًا عنها، أليس كذلك؟»
كانت صورة غارفيل في ذهنه لشخص بعيد تمامًا عن ممارسة أي نوع من السحر، فما بالك بسحر الشفاء. أن يُتقنه بهذا القدر وفي مثل هذا الظرف الحرج كشف عن مهارة مدهشة لم يتوقعها سوبارو أبدًا.
«قد يسيء الناس الفهم إن سمعوا ذلك، لكن معظم ذلك الحديث كان طوعيًّا… حسنًا، بما أن المعني بالأمر قال إن هناك سلطة إجبارية، فربما يجدر الشك في مدى طواعيته حقًا…»
لو كان قادرًا على التظاهر بالغباء، والاكتفاء بما قُدم له، لما كان هذا الألم ينهش صدره الآن.
«هاه، مَن يدري؟ بالنسبة لي، لم أسمع شيئًا من العجوز. كل ما عرفتُه أنك عدت ومعك إحدى ”العيون“. هذا وحده كان كافيًا ليجعلني أخرج لأرى الأمر بنفسي.»
«العيون… فهمتُ. إذًا، ما يصل إلى ريوزو يمر من بيكو، أليس كذلك؟»
«أي عذر أتيت لتخبرني به الآن هاه؟»
اختلط صوت طقطقة لسان غارفيل بتفسيره، ما دفع سوبارو إلى إيماءة إقرار. التفت بنظرة جانبية إلى الوراء، ليرى بيكو تتبعه دون أن تنبس بكلمة. منظرها أثار انزعاج غارفيل.
أطلق روزوال زفرة ثقيلة، وكأن الكلمات فقدت معناها لديه.
«لا أدري ما قصتك مع بيكو، لكن لا تمنحهم أسماء. هؤلاء مجرد دمى بلا عقول. لا فائدة من أن تشفق عليهم.»
بحلول اللحظة التي سحب فيها روزوال يده، كانت روح رام قد غادرت بالفعل، بعد أن تحطم قلبها.
«… وكيف لا أشعر بذلك وهم يشبهون ريوزو تمامًا؟»
«لهذا السبب تحديدًا. لدينا عجوز واحدة، ولسنا بحاجة إلى المزيد. هؤلاء مجرد نسخ مزيفة.»
من خلال رؤية بيكو واقفة بجانبه، استنتج غارفيل أن سوبارو قد حصل على حقوق القيادة. زادت عدائية غارفيل أكثر، وألم عينه اليسرى تفاقم بفعل المشاعر المعادية المتجسدة في غارفيل.
ورغم أن الكلمات بدت قاسية، إلا أن وقعها على مسامع سوبارو كان يوحي وكأن غارفيل يحاول إقناع نفسه بها.
بإمكانه أن يعود إلى الوراء، مستخدمًا قدرته لإعادة الأحداث، ليخلق ”فرصة أخيرة“ للتحدث مع بياتريس مرارًا وتكرارًا. لكن كيف يمكن علاج حزن استمر أربعة قرون؟
«العيون… فهمتُ. إذًا، ما يصل إلى ريوزو يمر من بيكو، أليس كذلك؟»
«ها قد وصلنا. حتى هنا عند المدخل، تراكم الثلج على نحو لا بأس به.»
«لا أدري ما قصتك مع بيكو، لكن لا تمنحهم أسماء. هؤلاء مجرد دمى بلا عقول. لا فائدة من أن تشفق عليهم.»
توقف غارفيل، بينما ألقى سوبارو نظرة من خلف كتفه على ظل المبنى الكبير المحجوب بستار من الثلج المتطاير، ليؤكد أن القبر كان هناك. شعر بأنفاسه تتباطأ قليلًا.
«—سوبارو؟»
«—لأنك تؤمن بأن ما حدث يمكن التراجع عنه، أليس كذلك؟»
«إميليا بالداخل. مع معرفتك بذلك، ألم تفكر في الدخول بنفسك؟»
«أنا… سكان الملجأ لا يمكنهم الدخول. هذا هو القانون. وأنا أحد سكان هذا المكان.»
«لن أقتلك. لكن، أستطيع فعل أي شيء آخر بك. أليس كذلك؟»
«سمعت من ريوزو أن الحاجز يمنعهم من المغادرة، لكن الدخول والخروج مسألتان مختلفتان، أليس كذلك؟ بالنظر إلى الوضع الحالي، كان بإمكانك… غووه؟!»
لقد كانت إميليا هي من أسقط الثلج، وكل ذرة تراب في تلك الأرض، في ذلك العالم، حملت مبررًا لإلصاق كل جريمة بها، بغض النظر عن الفاعل الحقيقي.
«بإمكاني أن أعلن براءتي، لكنك لن تتقبلها بأي حال، أليس كذلك؟ فقد جئت إلى هنا بعد أن جمعت ما يكفي من الأسباب لذلك. ألا يستحق هذا بعض الاحترام؟»
«توقف عن هذا الهراء المطوَّل، أيها الوغد.»
«بصراحة، كنت خائفة حقًا. خفت من أن سوبارو لا يحبني من أعماق قلبه، وأنه قد يكرهني. لهذا السبب جئت إلى هنا، ولكن لم أتمكن من النجاح… ولهذا أنا سعيدة جدًا، جدًا، لأنك جئت، سوبارو.»
حاول سوبارو الإشارة إلى أن غارفيل كان بإمكانه انتهاك القاعدة والدخول بنفسه.
دون أن ينظر إلى مشهد النيران، حوَّل سوبارو رأسه نحو الثلوج، إلى حيث يُفترض أن يكون القبر.
ولكن غارفيل قطع حديثه بالإمساك بياقة سوبارو ورفعه قليلًا عن الأرض، بينما اقتربت يده المتحولة إلى مخالب من وجهه، وأظهر له أنيابه بوضوح.
ضاق سوبارو ذرعًا بتعليق روزوال، لكنه أدرك في أعماقه أن الأخير محق إلى حد ما. فمنذ وصوله إلى هذا العالم، لم يحقق سوى انتصار واحد في قتال فردي… انتصار تحقق بضربات مباغتة ثلاث.
طفحت في قلب سوبارو كلمات عديدة، كأصداء غاضبة تتزاحم على شفتيه، جاهزة لتُقال.
«دوري هو حماية هذا المكان. أما دورك فهو حماية الأميرة. المحارب الحقيقي لا يتراجع. أو لعلي أنتزع عينك اليمنى أيضًا؟»
تفجرت عدائية غارفيل المدمرة باتجاه سوبارو قبل أن يرخى قبضته أخيرًا. سعل سوبارو بخفة وهو يحدق في غارفيل بنظرة غاضبة، لكن كل ما فعله غارفيل هو أن أشار له بذقنه.
لم يكن في وسع سوبارو امتلاك القوة أو المعرفة الكافية ليداوي جراح أربعة قرون من العزلة.
«اذهب.»
ومع غياب باك، وجد سوبارو نفسه يؤدي دور البديل، لا أكثر.
سمع سوبارو مناجاة بياتريس وآلامها. ومع ذلك، كيف يمكن لرجل مثل روزوال، الذي لم يفعل شيئًا من أجلها، أن يتصرف وكأنه يفهم بياتريس حقًا؟
ليس هناك مجال للمماطلة أو النقاش. بعد أن وصلوا إلى هذه النقطة، ليس لدى غارفيل سوى هذه الكلمة ليقولها.
تذكَّر سوبارو أن الأرانب العظيمة هاجمت الملجأ، وفقًا لما يعرفه، في اليوم الخامس. كان يفترض أن هناك متسعًا من الوقت. فما الذي دفعها إلى الظهور بهذه السرعة؟
استدار سوبارو وسار بخطواته على الثلج النقي، متجهًا نحو مدخل القبر المدفون تحت البياض.
كان قد توقع عدة ردود من روزوال: أعذار، ارتباك، محاولات للتهرب، وربما حتى عنف. لكن الرد الذي حصل عليه كان خارجًا عن كل تلك التوقعات.
حاولت رام أن تنطق باسمه بضعف، لكن روزوال قاطعها بصوت غاية في اللطف: «لم أنقض عهدي. أقدم هذه الروح لكِ.»
أما مَن راقبا ظهره وهما يقفان جنبًا إلى جنب، فكان غارفيل وبيكو فقط.
منذ البداية كان الأمر مريبًا. وليس من الصعب على سوبارو أن يستنتج أن هناك مَن خطط لهذا المشهد بهذه الدقة.
إحداهما بلا مشاعر، أما الآخر فكانت مشاعره غامضة، تغلي في أعماق غضبه العارم.
«اصمت. حتى لو كانت الفتاة التي وقعت في حبها متورطة، هذا لا يغير ما عليَّ فعله».
《٣》
كان الهواء البارد الساكن في الداخل مختلفًا تمامًا عن الصقيع القارس في الخارج، وكأن الزمن نفسه قد توقف.
«في وضع مثل هذا، لا يوجد أعداء أو حلفاء، هذا ما قاله. لا سبب يدفعنا لعض بعضنا البعض بلا تفكير. وتخيَّل أنه مجرد شخص عادي متورط في كل هذا.»
نعم، لقد كانت الحقيقة. سوبارو سمع مناجاة بياتريس. حاول أن يمد يده لينقذها، لكن يده رُفضت، وصوته لم يصل إليها، وفي النهاية، سُلبت حياة بياتريس بسيف آثم.
في ظلمة الممر، ترددت صوت خطوات سوبارو، بينما لم يسأل قلبه سوى سؤال واحد:
تفاقمت عاصفة مشاعره العنيفة، فأخذ يصرخ بكل ما أثقله من ألم حتى تلك اللحظة. ومع ذلك، كان التعبير الذي ارتسم على وجه روزوال غريبًا، لا يناسب الموقف.
في هذه اللحظة، هل ما زال يتمتع بعقله، أم أن اضطرابًا قد ألمَّ به؟
«حقًا؟ ألستَ ترغم نفسك؟ أعني، أنت دائمًا تفعل أشياء متهورة من أجل الآخرين… أنت تدرك ذلك، أليس كذلك؟ وهذا يجعلني أقلق حقًا.»
لقد وقعت بالفعل مآسٍ لا يمكن إصلاحها في هذا العالم…
عندما ركز سوبارو أفكاره، محاولًا مطابقة ما يراه مع ذكرياته السابقة، وجد الدليل الذي يبحث عنه. مُتجاهلًا واقع اللحظة الراهنة، أرهق عقله حتى حافة الانهيار، ليصل في النهاية إلى استنتاج ذي معنى.
فقد ريم وبترا وفريدريكا، وشاهد بياتريس تموت أمامه. وبعد كل ذلك، عاد ليجد الملجأ في هذه الحالة. محاولاته للاحتفاظ بهدوئه ليست سوى ضرب من العبث في نظره.
ومَن يدرك عبثية الأمور لا بد أن يصاب بالاضطراب. ليس هناك سبيل لأن يكون عاقلًا بعد كل هذا.
ومع ذلك، لم يكن بإمكانه التوقف عن التفكير. أزاح كل أفكار الاستسلام جانبًا بعزم لا يلين. كان عليه أن يتطلع إلى المستقبل، مهما كان بعيدًا وصعبًا. مستعدًّا لدفع أي ثمن من أجل ذلك، حتى لو كلفه الأمر حياته.
وإلا، فلن يكون منطقيًا كيف يمكنه التخطيط معتمدًا على إمكانية إعادة الأمور.
لم يكن هذا جوابًا على سؤاله. ومع ذلك، نظرت إميليا إلى سوبارو بإخلاص شديد. لم يكن في عينيها سوى سوبارو. سوبارو وحده، ولا أحد غيره.
وإلا، فما الذي يُبقي سوبارو حيًا إلى الآن—؟
«—سوبارو؟»
جاءه الصوت من العتمة، وكأنما أطلقه من قفص أفكاره الطويل. أمامه تمامًا، انتهى الممر، ليكشف عن غرفة حجرية تشع بريقًا أزرق خافتًا. وفي قلب الغرفة، وقفت تلك الشخصية الوحيدة.
وسط الرياح التي تعصف من حوله، لم يسمع سوبارو أي صوت. لكن ببطء، بدأت ملامح شخص تظهر.
شعرها الفضي يلمع في الضوء الخفيف، وعيناها البنفسجيتان تأسران مَن ينظر إليهما. لم يخطر سوبارو أي وصف لهذه الملامح، بل خرجت همسة خافتة من شفتيه:
مسدت إميليا على رأسه. خديها ازدادا احمرارًا، بينما ارتسمت على وجهها ابتسامة لطيفة.
«—إميليا.»
«أ-أنت مَن اختار ذلك الطريق بنفسك، أيها الأحمق! فماذا؟ هل تساقط هذا الثلج عقابًا على كل إخفاقاتها؟! هل تقول إنها تلقي باللوم عليَّ وعلى العجائز هنا؟!»
ورغم أن الكلمات بدت قاسية، إلا أن وقعها على مسامع سوبارو كان يوحي وكأن غارفيل يحاول إقناع نفسه بها.
«نعم. هذا صحيح، سوبارو… إنها أنا. أنا، إميليا.»
«تذكرت كلماتك، سوبارو. كلماتك التي ظلت ترافقني طوال هذه المدة. منذ لقائنا الأول، وأنت تمنحني الشجاعة وتدفعني للمضي قدمًا، تدعمني… وتقول لي إنك تحبني…»
أربع مقاطع قصيرة تحولت إلى اسم، ومع الرد الذي تلقاه، اجتاح شعور هائل سوبارو كأنما صاعقة اخترقته.
«—إميليا.»
لم تهدأ قسوة الثلج؛ بل زادت قوة الرياح التي حملته، فبدأت تتراكم طبقات الثلج وتغمر معالم الملجأ تدريجيًا. وكما هو متوقع من أحد سكان الملجأ، كان من الطبيعي أن يشعر غارفيل بالغضب تجاه هذا المشهد. ومن غير المعقول ألا يصب هذا الغضب على سوبارو أيضًا.
ارتجفت ركبتاه وسقطتا تحت ثقله. قد يراه البعض أمرًا مبالغًا فيه، لكنه لم يعد قادرًا على التحمل.
كيف يمكنه أن يقول هذا بكل هذا الهدوء وبتلك الوقاحة؟! اشتعل غضب أسود في أعماق سوبارو.
«هذا المكان مرتبط بساحرة، والسيدة إميليا تقف في مواجهة التجربة لتحرير الملجأ. في مثل هذا الوضع، إذا هطل الثلج في غير موسمه في المكان الذي توجد فيه… يمكن تخيُّل ما سيحدث، أليس كذلك؟»
الإرهاق، الخسارة، اليأس، والراحة… مشاعر كثيرة أثقلت جسده بالرصاص. قاومها طويلًا بقوة الإرادة، لكن حين وصل إلى أذنيه ذلك الصوت الناعم كجرس فضي، بلغ حده.
«لا أدري ما قصتك مع بيكو، لكن لا تمنحهم أسماء. هؤلاء مجرد دمى بلا عقول. لا فائدة من أن تشفق عليهم.»
مع انقطاع تلك الأوتار المشدودة، سقط بجسده إلى الأمام. وفي اللحظة ذاتها، امتدت ذراعان لدعمه برفق.
شعر بملمس دافئ وناعم. دفء اللمسة أمامه جعل جسده يتجمد من المفاجأة.
تساقط الثلج كاسيًا الملجأ. عرف سوبارو هذا المنظر جيدًا.
في تلك اللحظة، كانت إميليا تحتضنه بلطف.
«إميليا؟»
«آه، أنا… آسف… جسدي استسلم فجأة…»
«دوري هو حماية هذا المكان. أما دورك فهو حماية الأميرة. المحارب الحقيقي لا يتراجع. أو لعلي أنتزع عينك اليمنى أيضًا؟»
«…»
«إميليا؟»
ثم تابع روزوال حديثه:
بدلًا من الرد على اعتذاره المرتبك، أحكمت إميليا ذراعيها حوله، وشدت عناقها أكثر. لم تكن قوة كبيرة، لكنها حملت إحساسًا عميقًا وكأنها تتعلق به بشدة.
وسرعان ما أدرك سوبارو أن هذا ليس وهمًا أو سوء فهم.
«—شعرت بالوحدة.»
عينه اليسرى غارقة في ظلمة فارغة، ورؤيته في عينه اليمنى تلاشت شيئًا فشيئًا. ومع ذلك، لم يكترث بالألم.
«… إيه؟»
توقف سوبارو عن الحركة تمامًا. وجهها الجميل كان قريبًا جدًا منه، يكفي ليشعر بأنفاسها تلامس أنفاسه. وأثارت دهشته أكثر حين رأى حاجبيها ينخفضان بحزن بينما قالت:
التقط سوبارو أنفاسه بعمق، ثم فتح عينه اليمنى. وعندما وقع نظره على روزوال، قال مباشرة:
«شعرت بالوحدة، سوبارو… أعني، لقد تركتني وذهبت.»
«هـ…ـذا… أ-أنتِ مخطئة. لم أقصد أبدًا أن أترككِ هكذا…»
انطلق كرة نارية قرمزية بحجم قبضة اليد بسرعة سهم، مخترقة النافذة ومذيبة زجاجها في طريقها، لتصيب مباشرة الظل الذي حاول التسلل عبر النافذة.
«يبدو أن الأمر لا يقتصر على النصف شيطانية فقط بل تحب أنت أيضًا إثارة أعصابي، صحيح لديك الجرأة لتتحدث عن هراء الحب هذا وسط كل هذه الفوضى، أليس كذلك يا؟!»
تكلم سوبارو بصعوبة، محاولًا تبرير خروجه من الملجأ. شعر أن ما حدث ما كان ليكون هكذا لو وصلت رسالته إليها. نعم، الرسالة…
بينما غرس روزوال أظافره في خاصرة سوبارو الملقى على الأرض، أمال رأسه كما لو كان هذا مجرد موقف عادي. لم يعتمد على قوة ركلاته بقدر ما استغل معرفته الدقيقة بنقاط الضعف، ليزيد عذاب سوبارو بدقة مؤلمة.
«الرسالة… صحيح. كتبتُ رسالة. أخبرتكِ بكل شيء فيها، ولهذا السبب… نويت إخباركِ بكل شيء، لكن…»
وفي الحاضر، تمامًا كما في ذلك الحين، أحاط البرد بسوبارو كما لو أن جسده على وشك التجمد تمامًا.
«تييي- هييي.» ضحكت إميليا فجأة، ضحكة صغيرة ولطيفة.
«إيه؟»
لم يدرك سوبارو مغزى السؤال.
وسط تلك الأجواء المشحونة، بدت ضحكتها وكأنها قادمة من عالم آخر. ضحكة بريئة وكأن شيئًا لم يكن يحدث، كما لو كان سوبارو قد ألقى مزحة عفوية في أيامهما العادية داخل القصر. وكأنها نسيت واجبها تجاه المحاكمة.
«دع ذلك لوقتٍ لاحق. اتبعني. قرار إيزولتي أعاد الأمور إلى نصابها. يغضبني ذلك، لكنك الوحيد الذي يمكنني الاعتماد عليه. سنتجه إلى القبر.»
ومع استمرار ذلك الإحساس المزعج عالقًا في حلقه، حاول سوبارو تغيير الموضوع بأداء كارثي حتى بمقاييسه. شعر أن عليه التمسك بأي شيء قبل أن ينجرف تمامًا في صوتها الحلو.
«حتى لو لم تبذل كل هذا الجهد لتبرير نفسك، لن أغضب منك. أوه، سوبارو، لا داعي لأن تكون شاحب الوجه هكذا. حقًا، أنت فقط… مهمل بعض الشيء.»
«إ… إميليا…؟»
«تريد أن تؤمن…»
«لا بأس. لا داعي لأي أعذار. المهم أنك عدت، سوبارو. آمنت دائمًا بأنك ستعود. قلت لنفسي: سيأتي سوبارو من أجلي. إذا اجتهدت وأتممت واجبي على أكمل وجه، فسيأتي وينقذني… وهكذا كان الحال دائمًا، أليس كذلك؟»
ساد صمت ثقيل في الغرفة، وكانت التعابير المتجهمة على وجهيهما تنبئ بما لا يدع مجالًا للشك أن التوتر بات يخيم على الأجواء. ورغم كل ذلك، ظل روزوال محتفظًا بهدوئه المعتاد، بل بدا وكأنه في مزاج طيب وهو يفتح ذراعيه ببساطة متعمدة.
بينما كانت تتحدث بنعومة، اقتربت إميليا من صدر سوبارو.
بالنسبة لسوبارو، الذي يستمر وعيه عبر الحلقات، تختلف الشروط الأساسية تمامًا.
ابتسامتها كانت ساحرة على نحو لا يُقاوم، وهمساتها الحلوة كانت تخلب القلب. تأمل سوبارو الحرارة المنبعثة من أنفاسها اللامعة والرطوبة في عينيها، فيما شعور غريب شبيه بالسحر التف حول قلبه.
«والآن، ووفاءً بالعهد الذي قطعناه، فلنتحدث يا ناتسكي سوبارو.»
《٥》
ثم، وسط تلك المشاعر العميقة التي جعلت حلقه يجف، صرخ حدسه بشيء واحد.
«أين روزوال؟»
أمامه، من خلف الرياح التي تعصف بالثلج، استطاع بصعوبة أن يلمح مبنًى حجريًا بسيطًا. بطريقة ما، نجح في العودة إلى المستوطنة التي يقيم فيها سكان الملجأ.
هناك خطأ. شيء ما ليس على ما يرام. الإحساس المزعج الذي شعر به منذ لحظة لقائهما لم يتبدد.
«آه—»
هناك شيء خاطئ. شيء ما، في مكان ما، بدا غير طبيعي، رغم أن إميليا بدت فاتنة للغاية.
«—؟!!»
«—؟!!»
رغم أنها بدت فاتنة للغاية وهي تتجاوب مع سوبارو…
«عـ-على كل حال… سمعت أنك كنتِ هنا منذ الأمس…»
حينما استقرت قدما سوبارو على الأرض، مرَّر يده برفق على عنقه، ثم أومأ برأسه تجاه غارفيل بامتنان.
ومع استمرار ذلك الإحساس المزعج عالقًا في حلقه، حاول سوبارو تغيير الموضوع بأداء كارثي حتى بمقاييسه. شعر أن عليه التمسك بأي شيء قبل أن ينجرف تمامًا في صوتها الحلو.
«كونك هنا يعني أنك دخلتِ المحاكمة، صحيح؟ ولكنك الآن…»
همس سوبارو بشفاه مرتجفة ومخدَّرة، وهو يرفع قدميه من بين الثلوج التي غمرته حتى كاحليه.
ذلك الاعتراف بالحب، تلك الأنامل المرتعشة بحرارة، وتلك الأنفاس المتقطعة. لم يرد أن يصدق أنها كانت كلها مزيفة.
بينما كان يتحدث، وضع سوبارو إصبعه على أحد أطراف ذلك الإحساس المزعج.
تبدل لون وجه سوبارو حين استشفَّ ما تخفيه تلك النظرة؛ فقد سبق له في حلقة زمنية سابقة أن رأى غارفيل ينهي حياة رام بيديه.
هذه الغرفة هي غرفة المحاكمة داخل القبر. المحاكمة يبدأ بمجرد دخول إميليا، إذ تُستدعى لمواجهة ماضيها ولا يُسمح لعقلها بالخروج قبل انتهاء المحاكمة.
ومع ذلك، ها هي مستيقظة أمامه، مما يعني أن محاكمتها قد انتهى—
«إميليا؟»
«…»
توقف سوبارو عن الكلام فجأة، إثر إحساس غير متوقع. أصابعها تسللت بين خصلات شعره الأسود وبدأت تملس على رأسه برفق.
تسببت كلمات روزوال في ارتباك سوبارو للحظة، لكنه استوعب سريعًا معناها، وفي الوقت ذاته أدرك اختلافها عن الحقائق التي يعرفها.
مسدت إميليا على رأسه. خديها ازدادا احمرارًا، بينما ارتسمت على وجهها ابتسامة لطيفة.
«أوه، سوبارو، أنت تلمس شعري أحيانًا، أليس كذلك؟ لذا عليَّ أن أردَّ لك الجميل.»
ارتد سوبارو على الفور عند سماعه الصوت الذي اخترق أذنيه. وحين استدار، رأى شخصية تتقدم عبر الثلج بفظاظة.
«أنا أبذل قصارى جهدي دائمًا، وأتصرف بما يخدم مصلحتي في تحقيق رغبتي العزيزة. كل مخططاتي، تجديفي، دعمي ومساعدتي— كلها من أجل ذلك الهدف. لم أُدر ظهري له أبدًا.»
«…»
وضع سوبارو تلك الأفكار على الرف مؤقتًا. سيكون هناك متسع لها لاحقًا، لكن في الوقت الراهن كان عليه التركيز. إذا تهاون، ستتوقف قدماه عن المسير. وهذا ما كان يخشى حدوثه.
«بصراحة، كنت خائفة حقًا. خفت من أن سوبارو لا يحبني من أعماق قلبه، وأنه قد يكرهني. لهذا السبب جئت إلى هنا، ولكن لم أتمكن من النجاح… ولهذا أنا سعيدة جدًا، جدًا، لأنك جئت، سوبارو.»
الخفقان المستمر في عينه اليسرى كان يُذكِّره بالمآسي المتتالية التي وقعت قبل لحظات. كأنها تهمس: ”لا تنسَ، لا تنسَ“.
لم يكن هذا جوابًا على سؤاله. ومع ذلك، نظرت إميليا إلى سوبارو بإخلاص شديد. لم يكن في عينيها سوى سوبارو. سوبارو وحده، ولا أحد غيره.
«—رسالة؟»
مع انقطاع تلك الأوتار المشدودة، سقط بجسده إلى الأمام. وفي اللحظة ذاتها، امتدت ذراعان لدعمه برفق.
لإيقاف هذا الحوار العقيم، ضرب غارفيل بكعب حذائه الأرضية الخشبية بقوة، مما أثار سحابة من غبار الخشب في الغرفة. أغمض سوبارو عينه، متجاهلًا هدير غارفيل الغاضب.

لهذا السبب—
وكأن تلك الفكرة أشعلت عزمه، دفع سوبارو جسده المتألم إلى الوقوف بصعوبة. مسح دماء أنفه بكمه، وتقدم نحو روزوال مع اقتراب هجوم الأرانب الوشيك.
«هل تبقى معي إلى الأبد؟ طالما أنك بجانبي، لا أحتاج إلى أي شيء آخر.»
‹ما الذي تفهمه أنت!؟ كيف لا أكون حزينًا على موتهما! سأقتلك!!›
المُلام الوحيد هو ناتسكي سوبارو. هو مَن دفعهم إلى اتخاذ قرار ينهي حياتهم، تلك الحياة التي، على عكس حياته، لن تُمنح فرصة أخرى. هذا كان ذنب ناتسكي سوبارو— جريمة لا يمكن محوها أبدًا.
في أشد أحلامه جنونًا، لم يكن يتخيل مدى الرعب الذي قد تحمله نظرات إميليا الغارقة في حب أعمى.
احترق الهدف بالكامل في غمضة عين، متحولًا إلى رماد، ولم يتبقَّ منه سوى صوت صرخاته المحتضرة: «كيي، كيي…»
«في البداية، كنت خائفة جدًا، كما ترى. استعسر الأمر عليَّ. أعني، لم أتمكن من القيام بأي شيء كما يجب، واعتقدت أن سوبارو سيشعر بالإحباط مني هكذا.»
‹ما الذي تفهمه أنت!؟ كيف لا أكون حزينًا على موتهما! سأقتلك!!›
«لكنني فكرت بعدها: هذا لا يصح. لا يمكنني الاستسلام للخوف وأتوقع من الآخرين أن يهتموا بكل شيء… كان هذا غباءً مني، أليس كذلك؟ أدركت أخيرًا أنك تكفلت دائمًا بكل شيء، سوبارو.»
«هناك مَن دفع تلك الفتاة إلى زاوية خانقة، حتى انتهى بها الحال إلى هذا الوضع. حوصر قلبها إلى درجة اضطرارها للاعتماد على شخص مثلي…».
«تذكرت كلماتك، سوبارو. كلماتك التي ظلت ترافقني طوال هذه المدة. منذ لقائنا الأول، وأنت تمنحني الشجاعة وتدفعني للمضي قدمًا، تدعمني… وتقول لي إنك تحبني…»
«أدركت أخيرًا أنك دائمًا ما فعلت أشياء عظيمة من أجلي. لكن بالرغم من كل ذلك، غيابك أرهقني؛ شعرت أن هذا العبء سيحطمني…»
أطلق روزوال زفرة ثقيلة، وكأن الكلمات فقدت معناها لديه.
«لهذا، عندما رأيتك تأتي إليَّ الآن، شعرت أن قلبي ينقبض… وبدأت الحرارة تتصاعد بداخلي حتى لم أعد أستطيع تحملها. فكرت: ربما هذا حلم، لكنه ليس كذلك… أنا آسفة، حتى أنني لم أعد أعلم ما أريد قوله. أنا… ممم… أريد أن أعبر عن مشاعري بطريقة صحيحة، لذا…»
«أنا آسفة على كل ما حدث، سوبارو. لقد أسأت إليك. أن يكون هناك شخص دائم التفكير بك بهذه الطريقة أمر لا يصدق… أنا أنانية للغاية. حتى عندما قلتُ إنني أريد أن أفهمك أكثر، لم أفهمك على الإطلاق.»
من خلفها، احتضن روزوال جسدها النحيل برقة، وراح يمرر يده اليسرى بلطف على خصلات شعرها الوردي. بدا وكأن رام قد فقدت وعيها داخل لمسته الساحرة، إذ احمرت وجنتاها وارتسمت على شفتيها ابتسامة جذابة.
«لكن الأمر مختلف الآن. كنت أفكر فيك طوال هذا الوقت، سوبارو. شعرت بكل هذه المشاعر… والآن أريد أن أقول لك كل ما كنت تقوله لي. أنا آسفة جدًا… هذا غير منصف مني. أحتاج حقًا أن أعبر عن هذه الأمور على نحوٍ صحيح.»
«إذا كان الأمر كذلك… فهذا مقبول. لكن إن كان صحيحًا… فلا أستطيع…»
همس سوبارو بشفاه مرتجفة ومخدَّرة، وهو يرفع قدميه من بين الثلوج التي غمرته حتى كاحليه.
«أحتاج… ممم أن… أوصلها لك بوضوح.»
«سوبارو، أحبك. أحبك حقًا. عندما أفكر فيك، عندما أفكر فيك وحدك، أرغب في أن أكون معك إلى الأبد. هذا ما أشعر به.»
«سأكون سعيدة… إذا كنت تشعر نحوي بنفس الطريقة، سوبارو…»
«لا يهمني سبب انفجارها على هذا النحو! أحضر النصف شيطانية الآن! إذا عجزت حتى عن هذا…»
لكن من زاوية تلك الابتسامة الناعمة، بدأ خيط من الدم الطازج بالتدفق ببطء.
«إيه-هيه-هيه. نعم… أحبك. سوبارو… أحبك كثيرًا.»
توقف سوبارو عن الحركة تمامًا. وجهها الجميل كان قريبًا جدًا منه، يكفي ليشعر بأنفاسها تلامس أنفاسه. وأثارت دهشته أكثر حين رأى حاجبيها ينخفضان بحزن بينما قالت:
《٤》
«—؟!!»
《٥》
«—ما الذي تظن نفسك فاعله، هااا؟!»
«—لكن لا أخفي أنني أحسدها.»
عندما وقف سوبارو عند مدخل القبر، استقبله صوت غارفيل مشحونًا بالغضب.
بالنسبة لسوبارو، الذي يستمر وعيه عبر الحلقات، تختلف الشروط الأساسية تمامًا.
لم تهدأ قسوة الثلج؛ بل زادت قوة الرياح التي حملته، فبدأت تتراكم طبقات الثلج وتغمر معالم الملجأ تدريجيًا. وكما هو متوقع من أحد سكان الملجأ، كان من الطبيعي أن يشعر غارفيل بالغضب تجاه هذا المشهد. ومن غير المعقول ألا يصب هذا الغضب على سوبارو أيضًا.
في لحظة واحدة، تحطم قلب غارفيل الذي كان ملتهبًا بالكراهية، بفعل رؤية الجروح التي أصابت محبوبته.
كانت تلك حقًا كلمات شخص يتوهم أنه يدرك ما يدور في عقل الآخر.
فقد خرج وحده، تاركًا الفتاة التي يُرجَّح أنها سبب هذا الثلج خلفه.
«بمفردك، بمفردك… بمفردك؟! ماذا عن الأميرة… ماذا عن نصف الشيطانة؟! وماذا عن هذا الثلج اللعين؟!»
«لا بأس. لا داعي لأي أعذار. المهم أنك عدت، سوبارو. آمنت دائمًا بأنك ستعود. قلت لنفسي: سيأتي سوبارو من أجلي. إذا اجتهدت وأتممت واجبي على أكمل وجه، فسيأتي وينقذني… وهكذا كان الحال دائمًا، أليس كذلك؟»
«إميليا لن تخرج. إنها نائمة هناك الآن.»
ومع ذلك، لم يشعر سوبارو مطلقًا بأن روزوال يمتلك الإرادة للمقاومة. كان تقدمه المستمر يوحي بوضوح أنَّه رجل يمضي إلى حتفه بإرادته.
ثم إن إرادته وقواه كانت قد خارت تمامًا. فما كان يجب أن يملأ بطنه قد تسرب منه بالفعل…
«تقول إنها نائمة هذا ليس وقت الاسترخاء…»
—بين إحساس بالخسارة ووحشة الوحدة، تمنى سوبارو أن يختفي، وأراد أن يحدث ذلك في أقرب وقت ممكن.
«دع ذلك لوقتٍ لاحق. اتبعني. قرار إيزولتي أعاد الأمور إلى نصابها. يغضبني ذلك، لكنك الوحيد الذي يمكنني الاعتماد عليه. سنتجه إلى القبر.»
«إنها منهكة. ظلت تخوض المحاكمة مرارًا وتكرارًا منذ الليلة الماضية. عقلها وجسدها… خاصةً عقلها، استُهلكا تمامًا. الآن، كل ما أريده هو أن أتركها ترتاح.»
«آآه… أم أن هذه محاولة أخرى منك بالفعل؟ الآن بعدما فكرت في الأمر، لا أملك وسيلة لمعرفة ما إذا كنت قد جربت أم لا. يا لها من هفوة كبيرة في حساباتي.»
أصرَّت إميليا على تحدي المحاكمة عدة مرات، معتقدة أن ذلك هو السبيل الوحيد لكسر هذه الأزمة. لكنها لم تتمكن من تجاوزه رغم ذلك، وليس صعبًا تخيل الحالة النفسية التي وصلت إليها بعد كل تلك المحاولات الفاشلة.
فهم سوبارو تمامًا ما شعرت به؛ فقد تذوق هذا الشعور بالعجز مرارًا، تمامًا كما ذاق الموت مرات لا تُحصى.
«حـ-حتى لو أعدت المحاولة، هذا المسار هو الأسوأ! لو تحدثنا أكثر… لو تحدثنا بصدق… أم أنك تظنُّ أنَّك ستفعل ذلك في المرة القادمة، لكن…»
في الغرفة الحجرية، نامت إميليا بسلام تحت معطف سوبارو.
《٢》
ظلت همسات حبها المتفاني ودفء عناقها الحار عالقة في ذاكرته، مشتعلة في قلبه بمشاعر حب جياشة تكفي لجعل دمه يغلي، ومشحونة بندم ساحق جعله يتمنى الموت.
تكررت في ذهنه مرارًا صورة وجنتيها المحمرتين وارتعاشة شفتيها وهمساتها الحانية بالحب.
وقف سوبارو في ذهول وسط هذا المشهد الذي يفوق التصور.
لن يفهم أحد مدى عذاب سوبارو حين فكر في الاستسلام لذلك الدفء، الغرق فيه، والانحدار في هذا المستنقع مع إميليا.
لا ملامة عليه. فهذا العالم قد انهار بالفعل. كان مجرد فقاعة معدَّة للزوال. فمَن ذا الذي يمكنه لومه على اختياره الراحة وإسدال الستار على كل شيء؟
ما بين سكان قرية إيرهام وأهالي الملجأ، كان ينبغي أن يكون هناك ما يقارب مئة نفس احتموا بداخلها. المكان الذي كان من المفترض أن ينتظر فيه الناجون قد التهمته النيران بالكامل.
«إذًا تركت الهجينة، والثلج لم يتوقف بعد؟! تعود خالي اليدين ورأسك منخفض، وتظن أنني سأتقبل هذا ببساطة؟! هيه، مَن تظن نفسك هاه؟!»
كان غارفيل لا يزال غاضبًا، وقد صكَّ أنيابه وهو يقترب من القبر. وقبل أن يصل إليه، وقف سوبارو عند المدخل. في تلك اللحظة، ضاقت عينا غارفيل بلونهما اليشمي، مشيرة إلى خطر داهم.
‹—هل اجتاح الأرنب العظيم الملجأ بالفعل؟›
«أي عذر أتيت لتخبرني به الآن هاه؟»
«إميليا… قالت لي إنها تحبني».
«…»
تلك العين التي تراقب الملجأ، ستستجيب لرغبة رسول الجشع—
في حين كان غارفيل يصر على غضبه ويؤكد مشاعره الغاضبة، جاءت إجابة سوبارو من حيث لم يتوقع. كان وقعها مفاجئًا إلى درجة أن غارفيل لم يستطع إلا أن يحدق فيه بذهول.
حينما استقرت قدما سوبارو على الأرض، مرَّر يده برفق على عنقه، ثم أومأ برأسه تجاه غارفيل بامتنان.
لكنه سرعان ما كشف عن أنيابه مرة أخرى، وقد أشعلت هذه الكلمات في داخله غضبًا كأنه تعرَّض للسخرية.
بينما كانت تتحدث بنعومة، اقتربت إميليا من صدر سوبارو.
«يبدو أن الأمر لا يقتصر على النصف شيطانية فقط بل تحب أنت أيضًا إثارة أعصابي، صحيح لديك الجرأة لتتحدث عن هراء الحب هذا وسط كل هذه الفوضى، أليس كذلك يا؟!»
لم تهدأ قسوة الثلج؛ بل زادت قوة الرياح التي حملته، فبدأت تتراكم طبقات الثلج وتغمر معالم الملجأ تدريجيًا. وكما هو متوقع من أحد سكان الملجأ، كان من الطبيعي أن يشعر غارفيل بالغضب تجاه هذا المشهد. ومن غير المعقول ألا يصب هذا الغضب على سوبارو أيضًا.
«فقط… قليلًا… نعم. آه، لا بأس، لا بأس… يمكنني فعل هذا… يمكنني فعل هذا…»
تحت وطأة الغضب المتفجر داخله، تصاعد البخار من الثلج الذي لامس جسد غارفيل، إذ بخر الغليان في داخله كل ما حوله. أطراف أنيابه أخذت تصدر صريرًا وهي تزداد طولًا، فيما بدأ جسده يتضخم، على شفا التحوُّل، حتى بلغ ضعف حجمه الأصلي.
«على أي حال… المستوطنة في هذا الاتجاه…»
رغم أن سوبارو لاحظ علامات هذا التحول الوشيك، لم تهتز ملامحه.
كل ما فعله هو التحديق بعينه اليمنى فقط في غارفيل الغاضب، مستمرًا في الكلام بصوت ثابت:
«إميليا أخبرتني بأنها تحبني. قالت لي إن وجودي بجانبها يكفيها».
«أنت… ماذا…؟»
«قالتها بوجه لطيف، بصوت عذب، بجواري مباشرة… كان ذلك ساحرًا، لا شك في ذلك».
«ما الذي تقصده بحق؟! أليس واضحًا منذ البداية أن النصف شيطانية تحمل مشاعر نحوك! لكن ما أهمية ذلك الآن؟ أتريدني أن أسحق رأسك بين أنيابـ؟!»
«—لا يمكن أن تقول إميليا إنها تحبني، مستحيل!!»
كان ذلك يعني موتها— لكن حتى مع علمه بذلك، لم يطلب سوبارو من إميليا الهروب.
«العيون… فهمتُ. إذًا، ما يصل إلى ريوزو يمر من بيكو، أليس كذلك؟»
«—؟!!»
«—؟!!»
«لا تتدخلي الآن يا رام. لا أريد أن أوجه مخالبي نحوك.»
حين زأر غارفيل بكلماته، اندفع سوبارو نحوه، صارخًا في وجهه بكل ما أوتي من قوة.
تكلم سوبارو بصعوبة، محاولًا تبرير خروجه من الملجأ. شعر أن ما حدث ما كان ليكون هكذا لو وصلت رسالته إليها. نعم، الرسالة…
هذا الانفجار العاطفي جعل حتى غارفيل الغاضب يتراجع للحظة، ناسيًا غضبه. أطبق فمه على غير عادته، فيما سوبارو، وقد أصابته موجة من الاضطراب، أطلق صرخته المحمومة.
تذكَّر سوبارو أن الأرانب العظيمة هاجمت الملجأ، وفقًا لما يعرفه، في اليوم الخامس. كان يفترض أن هناك متسعًا من الوقت. فما الذي دفعها إلى الظهور بهذه السرعة؟
تقدمت الأمور تمامًا كما تنبأ روزوال. لكن المسألة لم تكن في النتائج؛ بل في التفكير المتطرف الذي قاده لاتخاذ مثل هذا القرار.
بغضبٍ ومرارة، ألقى الكلمات التي قيلت في القبر، والدفء الذي شعر به من قربها، وكل المشاعر التي تأججت بينهما، في مهب الريح.
رغم أن كليهما شك في الشخص ذاته، إلا أن ذلك لم يعني وجود ثقة بينهما. لم يطمئن سوبارو بدوره تمامًا إلى غارفيل. فكما كان لغارفيل مخالبه جاهزة، لم يكن سوبارو مستعدًا لخفض دفاعاته.
لقد أحس بخسارتها. ولا مجال لإنكار هذا الألم.
«… تخمين قائم على بعض الأمل من جانبي. أريد أن أصدق ذلك وحسب. حتى في أشد حالات يأسها، إميليا ليست من النوع الذي يفعل شيئًا كهذا. هذا ما أريد أن أؤمن به».
ندم على ضياع تلك الكلمات، وتلك اللحظات الحميمة، وتلك المشاعر التي خفق بها قلبه. ومع ذلك، لم يكن سوبارو قادرًا على أن يخدع نفسه بقبول ما بدا له كجوهرة زائفة.
«ولكن… لماذا بهذه السرعة؟»
كان ذلك يعني موتها— لكن حتى مع علمه بذلك، لم يطلب سوبارو من إميليا الهروب.
لو كان قادرًا على التظاهر بالغباء، والاكتفاء بما قُدم له، لما كان هذا الألم ينهش صدره الآن.
«لا يمكن أن تقول إميليا إنها تحبني… أنها تعتمد عليَّ بالكامل، وتقول إن وجودي يكفيها ولا تحتاج إلى شيء آخر؟ هذا مستحيل».
«مـ-ماذا تحاول أن تقول…؟»
«سوبارو.»
«أن تقول لي ”كل شيء“ بهذا الشكل… هذا أمر غير ممكن. ثم لو كان باك بجانبها، لما اعتمدت عليَّ بهذه الطريقة…!»
لم يكن سوبارو مدركًا تمامًا إلى أي حدٍّ يرغب في أن يكون الأهم بالنسبة لإميليا. لكنه ليس مغرورًا بما يكفي ليصدق أنه يحتل هذه المكانة بالفعل.
وإلا، لماذا حمت سوبارو في النهاية؟
أولى ثقتها المطلقة، ومكانتها الأهم، كانت لروح القط الصغير، رفيقها الوحيد وعائلتها.
لهذا السبب—
لا يستطيع إعادة عقارب الزمن لتغيير السنوات الطويلة التي قضتها بياتريس بين رفوف أرشيف الكتب المحرَّمة.
ومع غياب باك، وجد سوبارو نفسه يؤدي دور البديل، لا أكثر.
«كفاكم هذا الهراء! لم آتِ هنا لأناقش تفاهاتٍ كهذه! هل فقدتما صوابكما؟ العجائز في الخارج يرتجفن من البرد وينتظرن!»
فبالنسبة إلى روزوال الذي سيموت في هذه الحلقة، تنتهي حياته ووعيه هنا. حتى لو أعاد سوبارو الزمن، لن يكون هذا ”روزوال“ في انتظاره في الطرف الآخر.
ذلك الاعتراف بالحب، تلك الأنامل المرتعشة بحرارة، وتلك الأنفاس المتقطعة. لم يرد أن يصدق أنها كانت كلها مزيفة.
لكنها لم تكن حقيقية. وإذا لم تكن حقيقية، فلا يمكنه أن يقبل بها.
قطعت الرياح الباردة كالخناجر جسده، وتساقطت الثلوج عليه؛ لا لتتراكم بل لتصدمه بقسوة. كلاهما سلبا منه حرارة جسده سريعًا، وكأنها كابوس أبيض يسلب حياته ثانيةً بعد ثانية.
عينه اليسرى غارقة في ظلمة فارغة، ورؤيته في عينه اليمنى تلاشت شيئًا فشيئًا. ومع ذلك، لم يكترث بالألم.
«هناك مَن دفع تلك الفتاة إلى زاوية خانقة، حتى انتهى بها الحال إلى هذا الوضع. حوصر قلبها إلى درجة اضطرارها للاعتماد على شخص مثلي…».
«أنا… بخير… تمامًا…»
فجأة، بينما كان سوبارو يحدق في الثلج، طرح هذا السؤال على غارفيل الذي يمشي أمامه. لم تجعل الكلمات غارفيل يلتفت إليه.
«أ-أنت مَن اختار ذلك الطريق بنفسك، أيها الأحمق! فماذا؟ هل تساقط هذا الثلج عقابًا على كل إخفاقاتها؟! هل تقول إنها تلقي باللوم عليَّ وعلى العجائز هنا؟!»
لم يعد هناك ما يمكن إنقاذه في الملجأ. لقد تحوَّل إلى مجرد أرض صيد لجحافل الأرانب العظيمة. امتزجت الصرخات الغاضبة واليائسة بصيحات الوحوش وأصوات مضغها، فيما كانت نهايات وحشية بلا عد تتكشف وسط تلك الثلوج الناعمة.
«لماذا قتلت…؟ لماذا قتلت رام؟ وغارفيل أيضًا…»
ومثل مَن يمضغ كلماته بمرارة، دفع غارفيل الثلج جانبًا وأمسك بياقة سوبارو، ثم زجَّ به بعنف نحو الحائط خلفه. ارتطم جسد سوبارو، وخرجت من حنجرته آهة مؤلمة، كأنها غصة مغروسة في حلقه.
شهق سوبارو عندما قبض روزوال على عنقه من الأمام ورفع جسده بسهولة بيد نحيلة. أنَّ سوبارو وتلوى في محاولة للفرار، لكن روزوال لم يعر مقاومته أي اهتمام. بخطى سريعة، جرَّه بلا رحمة نحو الباب، ليخرجه بعنف من المنزل ويقذفه إلى الخارج، حيث هبَّت رياح باردة تعصف بلا شفقة.
«لا يهمني سبب انفجارها على هذا النحو! أحضر النصف شيطانية الآن! إذا عجزت حتى عن هذا…»
《٨》
«لا يمكن أن تقول إميليا إنها تحبني… أنها تعتمد عليَّ بالكامل، وتقول إن وجودي يكفيها ولا تحتاج إلى شيء آخر؟ هذا مستحيل».
«إخراج إميليا لتوقف تساقط الثلج؟… لن ينفع. لأن…»
«لأن ماذا؟!»
«—هذا ليس منطق إنسان.»
«—لأن إميليا ليست هي مَن تسبب في تساقط هذا الثلج».
جعل تصريح سوبارو الواثق قبضة غارفيل على ياقة قميصه ترتخي.
«لكن… هذا جنون. اليوم هو الثاني فقط… لماذا يحدث هذا الآن…؟!»
في الحال، تجمدت أحشاء سوبارو من الخوف. ومض في ذهنه أن هذا الملجأ المغطى بالثلوج قد يكون بالفعل مقدمةً لظهور ذلك الوحش الأبيض الرهيب—
وبينما كان غارفيل يحملق فيه بذهول، تابع سوبارو حديثه بنبرة هادئة:
«—هذا ليس منطق إنسان.»
«الوضع برمَّته خاطئ. الثلج وإميليا… لو كانت معتكفة في القبر، فالتوقيت المرتبط بتساقط الثلج مختل تمامًا. وإن كانت إميليا مَن أسقطت الثلج، فما هو السبب؟»
«بيكو، أعتقد أن هذا أنتِ على أية حال… لديَّ طلب. أرشديني إلى المستوطنة. لا وقت لديَّ للضياع.»
«ذ-ذاك… انتقامٌ مني ومن العجائز…»
«أتمنى ألا تقول لي: لماذا لم تفعل شيئًا من أجلها؟ أو ما شابه. هل تعرف ماذا أرادت تلك الفتاة من شخص ما ليبدد حزنها؟ لقد سمعت مناجاتها، أليس كذلك؟»
«لماذا قد ترغب إميليا في الانتقام منك؟ هذا غريب جدًا. أنت تحمل ضغينة ضدها الآن بسبب تساقط الثلج. لكن الثلج، والضغط الذي دفعها إلى الزاوية… التوقيت لا يتطابق».
لم يستطع سوبارو، الذي وقف مشلولًا من الصدمة، حتى أن ينطق بكلمة واحدة بعد مشاهدته لهذا العمل الوحشي. ولما أدرك روزوال حالة الذهول التي استبدت بسوبارو، حدَّق فيه بعينه الصفراء الوحيدة، وقال بنبرة هادئة:
«…»
منذ البداية كان الأمر مريبًا. وليس من الصعب على سوبارو أن يستنتج أن هناك مَن خطط لهذا المشهد بهذه الدقة.
شخص ما داخل الملجأ كان يحرك الخيوط؛ أخفى رسالة سوبارو، وأقنع إميليا بأن تعتكف في القبر، وأجَّج غضب غارفيل تجاهها.
«الأمر بسيط للغاية. أنت لست حزينًا على موتهما. أنت مندهش. ولكن، لا تشعر بالحزن. ولهذا السبب لم تهجم عليَّ بدافع الغضب.»
أما عن هوية هذا الشخص، فقد كان لديه حدس وحيد.
أصدر غارفيل صوتًا منزعجًا وهو يقرع لسانه بضيق: «لندع رام جانبًا… ليس لديَّ سبب لسماع كلامك أو الهدوء. كن حذرًا من كلامك، فمخالبي يمكن تنغرس في أحدكما.»
ارتجف سوبارو، إذ شعر بقشعريرة كأنما أصبع مبتل يمر على طول عموده الفقري.
«عندما نتحدث عن شخص يمكنه التحكم في الطقس، لديَّ مشتبهان فقط. لكن إميليا ليست إحداهما. فدون باك، لا يمكنها تنفيذ أمر بهذا الحجم».
«—يبدو أنك تسيء فهم شيء ما، سوبارو.»
«هل أنت واثق من ذلك؟»
«—!! إذًا…»
«… تخمين قائم على بعض الأمل من جانبي. أريد أن أصدق ذلك وحسب. حتى في أشد حالات يأسها، إميليا ليست من النوع الذي يفعل شيئًا كهذا. هذا ما أريد أن أؤمن به».
«تريد أن تؤمن…»
توقف سوبارو عن الحركة تمامًا. وجهها الجميل كان قريبًا جدًا منه، يكفي ليشعر بأنفاسها تلامس أنفاسه. وأثارت دهشته أكثر حين رأى حاجبيها ينخفضان بحزن بينما قالت:
أغمض غارفيل عينيه متأملًا للحظة، مستغرقًا في أفكاره، قبل أن يتخذ قراره. حرر قبضته عن ياقة سوبارو، مفسحًا له المجال ليلتقط أنفاسه.
«غـ… فو…!»
أن يصل إلى ذلك الحد بعقل مشتت كان نتاجًا لعزيمة تشبه الهوس، ومعجزة بائسة ساعدتها برودة الجو التي أبطأت عملية الأيض في جسده. لكن حتى تلك المعجزة الرخيصة بلغت حدودها.
حينما استقرت قدما سوبارو على الأرض، مرَّر يده برفق على عنقه، ثم أومأ برأسه تجاه غارفيل بامتنان.
توجهت الأنظار نحوه عندما ذُكر اسمه، وبقي سوبارو صامتًا، مترقبًا ما سيقال بعد ذلك.
«أين روزوال؟»
«أين روزوال؟»
«ذلك الوغد في بيت العجوز. رام كان من المفترض أن تذهب لإحضاره، لكن… لا تتوقع منها الكثير في مثل هذا الوقت».
‹ما الذي تفهمه أنت!؟ كيف لا أكون حزينًا على موتهما! سأقتلك!!›
بسبب تعابيرها البريئة والمحببة، لم يخطر ببال سوبارو أن يبعد يديها عنه.
عند البحث عن مَن تتوفر فيه شروط العقل المدبر، ليس هناك سوى اسم واحد يناسب هذا الوصف. بدا أن غارفيل تقبَّل هذه الفكرة بسهولة، ربما لأن الشكوك حول روزوال كانت قد بدأت تتغلغل في داخله مسبقًا.
«قتلك سيكون كمن يضع العربة أمام الحصان، ألا تعتقد؟ سيكون موتك مزعجًا بالنسبة لي. فأنا بحاجة ماسَّة إلى أن تغتنم الفرصة التالية، مهما حدث لك.»
«رام…»
قطعت الرياح الباردة كالخناجر جسده، وتساقطت الثلوج عليه؛ لا لتتراكم بل لتصدمه بقسوة. كلاهما سلبا منه حرارة جسده سريعًا، وكأنها كابوس أبيض يسلب حياته ثانيةً بعد ثانية.
«اصمت. حتى لو كانت الفتاة التي وقعت في حبها متورطة، هذا لا يغير ما عليَّ فعله».
«ها قد وصلنا. حتى هنا عند المدخل، تراكم الثلج على نحو لا بأس به.»
صوت غارفيل العميق، المليء بالعزم، قطع محاولة سوبارو التعبير عن قلقه بشأن رام. أحسَّ سوبارو بشيء من الحسد إزاء هذا التصميم الجازم؛ فبينما كان غارفيل يتمسك بموقفه حتى لو ثبت أن مَن يحبها قد تكون عدوته، امتلك قلبًا من فولاذ. وهو ما كان سوبارو يتمنى لو امتلكه.
«غارفيل، كم سمعت من ريوزو؟»
أما فيما يخص رام، فلم يتيقن سوبارو تمامًا من مكانتها في مخططات روزوال. بناءً على ما رآه منها خلال العوالم المتكررة في الملجأ، كان لديه تخمين يقترب من الأمل، لكن…
وهذه الحقيقة بحد ذاتها أكدت أنها شريكة في مخططات روزوال، وإن لم تكن مشاركة في كل تفاصيلها. إلا أن الغموض كان يكمن في الغاية الحقيقية من تلك المخططات.
كان جسده المثقل بالجراح ملفوفًا بالضمادات، مستلقيًا على جانبه فوق السرير في الغرفة المخصصة له. وجهه كان مغطى كالعادة بتلك الألوان البهلوانية التي تشبه زينة المهرجين.
«—معرفة الجواب هي آخر شيء أود تحقيقه في هذا العالم».
ثم أدرك ما كان أمامه، فتسمر في مكانه وعقدت الدهشة لسانه.
ومع احتضار سوبارو تحت وطأة الألم، استمر روزوال في إنزال ضرباته عليه بلا هوادة— لكمات وركلات وأحيانًا ضربة قاسية على رأسه، حتى سالت من محجر عينه اليسرى دموع من دماء.
همس سوبارو بهذه الكلمات بصوت خافت، بحيث لا يسمعها غارفيل المتحفز.
اهتز جسد غارفيل بعنف، وكأن الزمن قد تجمد لوهلة، قبل أن ينحني على ركبتيه ويسقط أرضًا. ومع ارتطام ركبتيه بالخشب، اختفت الذراع فجأة من ظهره، لتتدفق الدماء بغزارة من الجرح الذي كانت تسده.
《٥》
«الأ-الأرانب…!»
«يا للغرابة! ألا ترى أن اجتماعكم في هذا الوقت بالذات أمر مثير للاهتمام؟»
بينما غرس روزوال أظافره في خاصرة سوبارو الملقى على الأرض، أمال رأسه كما لو كان هذا مجرد موقف عادي. لم يعتمد على قوة ركلاته بقدر ما استغل معرفته الدقيقة بنقاط الضعف، ليزيد عذاب سوبارو بدقة مؤلمة.
ابتسم روزوال ابتسامة مشبعة بالعبث عند رؤية ضيوفه غير المتوقعين.
هل كان هذا الرجل يدرك حقًا مشاعر بياتريس الحقيقية، تلك الفتاة التي صرخت بمرارة وحدتها؟
تقدَّم خطوة واحدة، غامرًا في بركة الدماء، مما دفع جسد سوبارو إلى الارتداد لا إراديًّا إلى الخلف. لوَّح روزوال بذراعه الطويلة، مرتسمًا على وجهه ابتسامة حزينة، ثم قال:
كان جسده المثقل بالجراح ملفوفًا بالضمادات، مستلقيًا على جانبه فوق السرير في الغرفة المخصصة له. وجهه كان مغطى كالعادة بتلك الألوان البهلوانية التي تشبه زينة المهرجين.
أطلق روزوال هذه الكلمات أثناء انتقال نظراته الساخرة نحو غارفيل الواقف بجانب سوبارو، الذي وقف متأهبًا عند مدخل الغرفة ليغلق طريق الخروج. شم غارفيل أنفه باشمئزاز وهو يعبر عن ضيقه.
أمام هذا الرجل الذي اشتبها في كونه العقل المدبر، وقف سوبارو وغارفيل جنبًا إلى جنب، مستعدين لمواجهته.
شعر سوبارو أن غضبه يبدو أنانيًّا، وربما منفصلًا عن مشاعر الحقد والاحتقار التي حملها طوال رحلته حتى تلك اللحظة. لكنه لم يستطع السيطرة عليه.
ساد صمت ثقيل في الغرفة، وكانت التعابير المتجهمة على وجهيهما تنبئ بما لا يدع مجالًا للشك أن التوتر بات يخيم على الأجواء. ورغم كل ذلك، ظل روزوال محتفظًا بهدوئه المعتاد، بل بدا وكأنه في مزاج طيب وهو يفتح ذراعيه ببساطة متعمدة.
«إذًا جاء شابان ليأخذا رجلًا مصابًا بجراح بالغة وسط هذا الثلج العنيف… مع أني أجد من الضروري أن أتساءل عن اختياراتكما. من مظهر عينك اليسرى، يبدو أنك بدورك مصاب بجراح خطيرة، أليس كذلك؟»
«الأمر واضح.؛ لعزل السيدة إميليا.»
«وفر سخريتك، روزوال. كلانا يعرف جيدًا نوع الرجل الذي أنت عليه… لكن هناك مواقف معينة يتغير فيها ما يمكن التغاضي عنه، مثل هذه اللحظة.»
كان حال سوبارو يرثى له، حتى بات من الصعب على أي شخص أن يتحمل رؤيته في هذه الحالة.
«حين أراكما واقفين جنبًا إلى جنب، تصبح كلماتك أكثر إقناعًا بكثير…»
ارتجفت ركبتاه وسقطتا تحت ثقله. قد يراه البعض أمرًا مبالغًا فيه، لكنه لم يعد قادرًا على التحمل.
أطلق روزوال هذه الكلمات أثناء انتقال نظراته الساخرة نحو غارفيل الواقف بجانب سوبارو، الذي وقف متأهبًا عند مدخل الغرفة ليغلق طريق الخروج. شم غارفيل أنفه باشمئزاز وهو يعبر عن ضيقه.
«حتى لو أتيحت لك الفرصة لتكرار الأمور، لا أملك أنا مثلها. الشخص الذي ينتظرك بعد المحاولة الجديدة لن يكون أنا الذي تراه أمامك الآن. هذه نهايتي— ولكن هذا لا بأس به.»
منذ البداية كان الأمر مريبًا. وليس من الصعب على سوبارو أن يستنتج أن هناك مَن خطط لهذا المشهد بهذه الدقة.
«مثلما قال هو، كل شيء يتوقف على الظروف. أنا لن أهدأ حتى أتيقن ممن هو عدو. وعندما أعرف سأمزقه إربًا.»
«بمجرد أن تعتمد السيدة إميليا عليك، لن تتمكن أبدًا من إبعادها. بالطبع، فأنت تحبها… وإذا منحتك محبوبتك السيدة إميليا ثقتها الكاملة، فلن تتمكن من صدَّها.»
ابتسم روزوال بخبث: «يا لها من طريقة همجية في التفكير… يبدو أن غارف هو غارف، كما هو معتاد.»
أمام خطواته التي تركت آثارًا فوق الثلج، كانت الأرانب العظيمة تتقدم في خط غير منظم، لكنها تحمل الموت معها.
«استمع جيدًا ياسوبارو.لديك شيء مهم شيء واحد عزيز عليك بحق. تجرد من كل شيء آخر. تخلَّ عن كل ما سواه وفكر فقط في حماية ذلك الشيء الغالي على قلبك.»
أطلق غارفيل صوتًا منخفضًا أشبه بالهدير، بينما أطلقت رام، التي وقفت في زاوية الغرفة، تنهيدة ملؤها الاستهجان. وكما توقعا عند القبر، كانت رام بالفعل تنتظر إلى جانب روزوال، حتى في ظل هذا الثلج المتساقط.
كان غاضبًا، وغضبه كان شديدًا. ولكنه في الوقت ذاته، كان خائفًا. عندما فكر في تلك اللحظة، تدهورت علاقته مع غارفيل بطريقة تختلف عن تلك التي تجلت عند لجوئه إلى القتل.
وهذه الحقيقة بحد ذاتها أكدت أنها شريكة في مخططات روزوال، وإن لم تكن مشاركة في كل تفاصيلها. إلا أن الغموض كان يكمن في الغاية الحقيقية من تلك المخططات.
ما الذي يسعى إليه روزوال حقًا؟ ولماذا تتعاون رام معه؟
«مع ذلك…»
«لا تتدخلي الآن يا رام. لا أريد أن أوجه مخالبي نحوك.»
«إن كنت لا تزال عاقلًا وغير هائج على نحوٍ مفاجئ… فهذا يعني أن الآخرين بأمان، أليس كذلك؟»
هذا الانفجار العاطفي جعل حتى غارفيل الغاضب يتراجع للحظة، ناسيًا غضبه. أطبق فمه على غير عادته، فيما سوبارو، وقد أصابته موجة من الاضطراب، أطلق صرخته المحمومة.
رفعت رام حاجبها ببرود: «إذا تجرأت على إظهار وقاحة تجاه السيد روزوال، فلن أتردد في الوقوف أمامك. الأمر كله يتوقف عليك، يا غارف.»
تساقط الثلج كاسيًا الملجأ. عرف سوبارو هذا المنظر جيدًا.
تدخل روزوال مبتسمًا: «اهدآ أنتما الاثنان، سواء غارفيل أو رام. عليكم الآن التزام الصمت… تلك كلمات يجب أن تُقال في اللحظة المناسبة.»
«حين أراكما واقفين جنبًا إلى جنب، تصبح كلماتك أكثر إقناعًا بكثير…»
سمع صوت *سكرت سكرت* حادًّا، أشبه باحتكاك أشياء صلبة ببعضها، وكان هذا الصوت مألوفًا بالنسبة له— تلك كانت أنشودة أنياب مصممة لتمزيق فرائسها. إنه صوت جرَّبه من قبل.
تراجعت رام خطوة إلى الوراء، وعلت ملامحها نظرة مهيبة وهي تقول: «عليك أن تشكر سيد روزوال على كرمه.»
كان روزوال يبتسم. انفرجت شفتاه الرقيقتان بابتسامة شيطانية، يفيض وجهه بتعبير ملؤه الترحيب والسعادة وهو يواصل التحديق في سوبارو.
أصدر غارفيل صوتًا منزعجًا وهو يقرع لسانه بضيق: «لندع رام جانبًا… ليس لديَّ سبب لسماع كلامك أو الهدوء. كن حذرًا من كلامك، فمخالبي يمكن تنغرس في أحدكما.»
«ها؟» همس بغضب وهو يقول: «…أفهم يا. لقد أجبرت العجوز على التحدث عن قوة البلور رغمًا عنها، أليس كذلك؟»
«ألا يمكن التوقف عن وضعي ضمن أهدافك المحتملة وكأنها مسألة عادية؟ أما زلت تشك فيَّ بعد كل هذا؟»
الخفقان المستمر في عينه اليسرى كان يُذكِّره بالمآسي المتتالية التي وقعت قبل لحظات. كأنها تهمس: ”لا تنسَ، لا تنسَ“.
رد غارفيل بحدة: «لديك جبال من الأسباب للشك بك. يا صاحب رائحة الساحرة!»
كان جسده المثقل بالجراح ملفوفًا بالضمادات، مستلقيًا على جانبه فوق السرير في الغرفة المخصصة له. وجهه كان مغطى كالعادة بتلك الألوان البهلوانية التي تشبه زينة المهرجين.
من كل صوب، تردد صوت أنياب الوحوش، *كيشي كيشي*، أسرى لشهوتها التي لا تعرف شبعًا.
رغم أن كليهما شك في الشخص ذاته، إلا أن ذلك لم يعني وجود ثقة بينهما. لم يطمئن سوبارو بدوره تمامًا إلى غارفيل. فكما كان لغارفيل مخالبه جاهزة، لم يكن سوبارو مستعدًا لخفض دفاعاته.
كانت ذراع بشرية كاملة، بأصابعها الخمسة المرتجفة، تشق طريقها عبر صدره وتبرز من ظهره.
في تلك اللحظة، أغمض روزوال إحدى عينيه، لتلمع عينه الصفراء المتبقية بوميض متفحص وهو يقول: «إذا استبعدتُ مريضًا طريح الفراش مثلي، فلا تستهِن أبدًا بسوبارو. إن اشتبكتما، ليس مضمونًا على الإطلاق أن تكون كفة النصر في صالحك.»
عندما ركز سوبارو أفكاره، محاولًا مطابقة ما يراه مع ذكرياته السابقة، وجد الدليل الذي يبحث عنه. مُتجاهلًا واقع اللحظة الراهنة، أرهق عقله حتى حافة الانهيار، ليصل في النهاية إلى استنتاج ذي معنى.
«أنت متفائل للغاية. لن أسمح لك بلقائها. سأجعلك تتحدث مع أميرتك لتوقف هذا الثلج عن السقوط. أنت مَن سيذهب للداخل. هذا هو عملك اللعين، وليس عملي.»
قهقه غارفيل بسخرية: « هل أخسر أمام فاقد العين هذا؟ هل لديك مشكلة في عينك؟! سأفوز بلا شك.»
«لماذا قد ترغب إميليا في الانتقام منك؟ هذا غريب جدًا. أنت تحمل ضغينة ضدها الآن بسبب تساقط الثلج. لكن الثلج، والضغط الذي دفعها إلى الزاوية… التوقيت لا يتطابق».
ابتسم روزوال بخبث أعمق: «أوه، لو توافرت الظروف المناسبة… لا أظن أن فرص انتصاره ستكون ضئيلة كما تعتقد.»
«—لأن إميليا ليست هي مَن تسبب في تساقط هذا الثلج».
وعليه، اعتقد روزوال أنه لا يمكنه قتل سوبارو ما لم يُفعِّل الحلقة بنفسه عن طواعية. إذا كانت الأمور على هذا النحو، فهناك فرصة للنجاة—
ضاق سوبارو ذرعًا بتعليق روزوال، لكنه أدرك في أعماقه أن الأخير محق إلى حد ما. فمنذ وصوله إلى هذا العالم، لم يحقق سوى انتصار واحد في قتال فردي… انتصار تحقق بضربات مباغتة ثلاث.
«رسالة…؟»
بالطبع، لم يكن مجديًا مقارنة غارفيل بثلاثة أوباش في زقاق مظلم.
ركض سوبارو دون تردد، عابرًا وسط أهوال المشهد في خط مستقيم نحو وجهته. أصداء الأنياب المحمومة تحاصره من كل جانب، والأرانب الشرهة للحم استبشرت بقدوم فريسة جديدة إلى ساحة وليمتها. أخرج الكريستالة من جيبه وأطلق صرخة مجنونة محفوفة بالمخاطر.
«كفاكم هذا الهراء! لم آتِ هنا لأناقش تفاهاتٍ كهذه! هل فقدتما صوابكما؟ العجائز في الخارج يرتجفن من البرد وينتظرن!»
«حسنًا. بما أنك لا تفهم، سأقوم، بوصفي شخصًا يعتقد أنه يفهم، بإرشادك بإرادتي. سأخبرك تحديدًا لماذا، رغم مشاهدتك موت هذين الاثنين ومواجهتك لي، مَن قتلهما بيديه، لا تتصرف بدافع عاطفة.»
لإيقاف هذا الحوار العقيم، ضرب غارفيل بكعب حذائه الأرضية الخشبية بقوة، مما أثار سحابة من غبار الخشب في الغرفة. أغمض سوبارو عينه، متجاهلًا هدير غارفيل الغاضب.
«…»
لهذا السبب—
لم يخطئ غارفيل في غضبه. فقد ترك سوبارو إميليا في القبر، والجميع يعلم جيدًا أن الوقت لا يسمح بالمماطلة.
العالم الأبيض الذي عبث بحسِه للمسافات، وفقدانه عينه حديثًا، جعلا هذه الرحلة مرهقةً إلى حد يصعب احتماله. سلبت الثلوج حرارة جسده، وقدرته على التفكير تراجعت لتصبح ثقيلة ومشوشة، أما ساقاه فقد بدتا وكأنهما تزحفان ببطء السلحفاة.
التقط سوبارو أنفاسه بعمق، ثم فتح عينه اليمنى. وعندما وقع نظره على روزوال، قال مباشرة:
بدلًا من الرد على اعتذاره المرتبك، أحكمت إميليا ذراعيها حوله، وشدت عناقها أكثر. لم تكن قوة كبيرة، لكنها حملت إحساسًا عميقًا وكأنها تتعلق به بشدة.
ومع ذلك، ها هي مستيقظة أمامه، مما يعني أن محاكمتها قد انتهى—
«أنت مَن تسبب في تساقط الثلج هنا في الملجأ، أليس كذلك، روزوال؟»
«—!!»
باغت سوبارو الجوهر بلا تردد.
«…»
حتى تلك اللحظة، لم يستوعب سوبارو كلمة واحدة مما نطق به روزوال. كان ذهنه غارقًا في فوضى عارمة.
لم ينبس روزوال ببنت شفة، لكن الابتسامة التي ارتسمت على شفتيه تلاشت على الفور.
«أنت… هل أدركت ما كان يحدث لي؟!»
كانت تلك اللحظة كاشفة؛ فقد ظهر الوجه الحقيقي وراء قناع مساحيق التجميل الذي اعتاده. وصمته لم يكن إلا دليلًا إضافيًا على أن سوبارو أصاب الهدف.
«لا بأس. لا داعي لأي أعذار. المهم أنك عدت، سوبارو. آمنت دائمًا بأنك ستعود. قلت لنفسي: سيأتي سوبارو من أجلي. إذا اجتهدت وأتممت واجبي على أكمل وجه، فسيأتي وينقذني… وهكذا كان الحال دائمًا، أليس كذلك؟»
ساد الصمت في الغرفة، ولم يُسمع سوى صوت الرياح والثلج المتراكم على النافذة. استمر هذا الهدوء الثقيل وكأنه لا نهاية له، حتى انكسر فجأة.
«سوبارو.»
توجهت الأنظار نحوه عندما ذُكر اسمه، وبقي سوبارو صامتًا، مترقبًا ما سيقال بعد ذلك.
ترك روزوال برهة قبل أن يتابع حديثه: «—هل سمعت هذا مني، كما أظن؟»
ومع ذلك، عضَّ سوبارو على تلك المرارة المتصاعدة، متشبثًا بقراره.
لم يدرك سوبارو مغزى السؤال.
ثم أدرك ما كان أمامه، فتسمر في مكانه وعقدت الدهشة لسانه.
كان قد توقع عدة ردود من روزوال: أعذار، ارتباك، محاولات للتهرب، وربما حتى عنف. لكن الرد الذي حصل عليه كان خارجًا عن كل تلك التوقعات.
بحلول اللحظة التي سحب فيها روزوال يده، كانت روح رام قد غادرت بالفعل، بعد أن تحطم قلبها.
«ولكن… لماذا بهذه السرعة؟»
في مواجهة سؤال لم يفهمه، لم يستطع سوبارو تخمين الإجابة المرجوة.
«أنا أبذل قصارى جهدي دائمًا، وأتصرف بما يخدم مصلحتي في تحقيق رغبتي العزيزة. كل مخططاتي، تجديفي، دعمي ومساعدتي— كلها من أجل ذلك الهدف. لم أُدر ظهري له أبدًا.»
«رسالة…؟»
«همم-مم… أفهم… أفهم… كم هو مخيب للآمال.»
لم يفقد أي من سوبارو وغارفيل عداءهما تجاه بعضهما البعض. ولكن كما حدث عندما واجها الساحرة، وضعت هذه المهمة اللحظية كليهما على نفس الصفحة، وهكذا ساروا معًا في تلك اللحظة.
رغم أنها بدت فاتنة للغاية وهي تتجاوب مع سوبارو…
هز روزوال رأسه، وقد تجلت الخيبة على ملامحه، وكأن الكلمات لم تكن كافية للتعبير عن إحباطه. كان واضحًا من صوته الشاحب ووجهه المرهق أنه هذا ليس ما تمناه.
أحاطت الرياح بساقه المنثنية وهي تندفع لتسدد ضربة مباشرة إلى مؤخرة رأس غارفيل، محدثة صوتًا ثقيلًا أشبه بكسر بيضة. وفي لحظة، تحطمت جمجمته، وانتشرت خصلات شعره الأشقر الملطخة بالدماء على الأرض في مشهد بدا غير واقعي.
أربكت تلك النظرة سوبارو؛ إذ شعر وكأن روزوال، رغم جروحه البالغة وشحوب وجهه، قد انهار من مكانته التي تفوق الرجال العاديين.
لكن غارفيل لم يهتم بهذا التغيير. قال بغضب: «يا ألن تنكر الأمر؟»
بالنسبة لغارفيل، كان المهم هو كشف المتسبب في الأزمة التي ألمت بالملجأ، وليس مشاعر روزوال.
داعبت إميليا خصلات شعره، تداعب جبينه بأطراف أصابعها، وقد بدا عليها المرح وهي تستمتع بفعل ما يحلو لها مع سوبارو.
أطلق روزوال زفرة ثقيلة، وكأن الكلمات فقدت معناها لديه.
خارج القبر، كانت وحوش الأرانب العظيمة قد بدأت في إحاطة المكان. وليس من المستبعد أن تقتحم الداخل قريبًا. وحينها، مثلما ابتلعت روزوال، لن تترك الأرانب أي أثر من إميليا.
«بإمكاني أن أعلن براءتي، لكنك لن تتقبلها بأي حال، أليس كذلك؟ فقد جئت إلى هنا بعد أن جمعت ما يكفي من الأسباب لذلك. ألا يستحق هذا بعض الاحترام؟»
ضحك غارفيل بمرارة وقال: «الاحترام؟ ها! كم هو مثير للسخرية! ربما حان الوقت لأُريكم الاحترام على طريقتي، ياااه!»
في الغرفة الحجرية، نامت إميليا بسلام تحت معطف سوبارو.
اندفع غارفيل بخطوات واثقة نحو روزوال، ليختصر المسافة القليلة بين الباب والسرير في لحظة. وبحركة خاطفة، مد يده ليقبض على عنق روزوال الواثق.
«أوتو فعل ذلك؟ هو مَن اقترح ذلك؟»
‹ها… ماذا؟ هناك ذراع بشرية تخرج من ظهر غارفيل…›
هل يمكن أن ينجح ضبط النفس في كبح جماح القوة المسعورة التي تحركها نيران الغضب؟ أمام هذا الخطر، حاول سوبارو أن يرفع صوته، لكن حركة أسرع سبقته. فقد تقدمت شخصية بخفة أمام غارفيل لتقطع عليه الطريق، وارتفع صوتها:
في ذهنه المثقل، لم تتردد سوى صورة فتاة واحدة.
«أخبرتك يا غارف. لن أسمح بأي وقاحة تجاه السيد روزوال.»
بالنسبة لغارفيل، كان المهم هو كشف المتسبب في الأزمة التي ألمت بالملجأ، وليس مشاعر روزوال.
وقفت رام بثبات أمام ذراعه الممدودة، نافخة صدرها المتواضع بعزم، لتسد طريقه بجسدها النحيل. لوهلة، لمع في عيني غارفيل مزيج غريب من الغضب والتردد، مزيج سببه خوفه من أن يؤذي شخصًا عزيزًا عليه. لكن بعد لحظة قصيرة، ظهر في نظره شيء آخر؛ عزيمة قاسية، وكأن إرادته باتت تميل نحو إزالة رام من طريقه أيضًا.
سرت قشعريرة في جسد سوبارو بينما كان روزوال يتحدث. كان يشير إلى تلك الموجة الباردة التي عرفها سكان القصر والقرية سابقًا، عندما تساقط الثلج خارج موسمه حول قصر روزوال.
تبدل لون وجه سوبارو حين استشفَّ ما تخفيه تلك النظرة؛ فقد سبق له في حلقة زمنية سابقة أن رأى غارفيل ينهي حياة رام بيديه.
أربكت تلك النظرة سوبارو؛ إذ شعر وكأن روزوال، رغم جروحه البالغة وشحوب وجهه، قد انهار من مكانته التي تفوق الرجال العاديين.
كان غاضبًا، وغضبه كان شديدًا. ولكنه في الوقت ذاته، كان خائفًا. عندما فكر في تلك اللحظة، تدهورت علاقته مع غارفيل بطريقة تختلف عن تلك التي تجلت عند لجوئه إلى القتل.
«رام، أنتِ خادمة رائعة بحق.»
«—معرفة الجواب هي آخر شيء أود تحقيقه في هذا العالم».
جاء رد فعل سوبارو متأخرًا جدًا على تلك الكلمات، إذ كان غارقًا في ذلك المشهد الذي ترسخ في ذاكرته.
«لكن… هذا جنون. اليوم هو الثاني فقط… لماذا يحدث هذا الآن…؟!»
شعور بالغموض ساور سوبارو وهو يراقب الموقف، إذ انصب خوفه على احتمال اندلاع العنف من غارفيل وخشيته على سلامة رام. لم يكن هناك شيء غريب في جملة روزوال، فقد كان يمدح رام ببساطة على دفاعها المستميت عنه. لكن المشكلة لم تكن في الكلمات.
«… وكيف لا أشعر بذلك وهم يشبهون ريوزو تمامًا؟»
روزوال، الذي كان راقدًا على السرير حينها، لم يُبدِ أي محاولة للنهوض، ولم يوجه أي نظرة غاضبة نحو رام أو غارفيل.
من خلفها، احتضن روزوال جسدها النحيل برقة، وراح يمرر يده اليسرى بلطف على خصلات شعرها الوردي. بدا وكأن رام قد فقدت وعيها داخل لمسته الساحرة، إذ احمرت وجنتاها وارتسمت على شفتيها ابتسامة جذابة.
رغم أن كليهما شك في الشخص ذاته، إلا أن ذلك لم يعني وجود ثقة بينهما. لم يطمئن سوبارو بدوره تمامًا إلى غارفيل. فكما كان لغارفيل مخالبه جاهزة، لم يكن سوبارو مستعدًا لخفض دفاعاته.
ومع ذلك، تسلل إلى قلب سوبارو إحساس مزعج، وكأن شيئًا غريبًا يقبع في المشهد، دون أن يتمكن من تحديده بوضوح.
لو كان قادرًا على التظاهر بالغباء، والاكتفاء بما قُدم له، لما كان هذا الألم ينهش صدره الآن.
شعر سوبارو بصدمة هائلة. صحيح أن قدرة روزوال على القتال دون سلاح كانت مثيرة للإعجاب، لكن المقارنة بين هذه الصدمة والمشاعر التي اجتاحته بعد رؤية موت رام وغارفيل المفاجئ لم تكن بالأمر الهيِّن.
وسرعان ما تجسد ذلك الشعور الغريب أمام عينيه.
«هـ-هذا…»
منذ البداية كان الأمر مريبًا. وليس من الصعب على سوبارو أن يستنتج أن هناك مَن خطط لهذا المشهد بهذه الدقة.
«…»
‹ها… ماذا؟ هناك ذراع بشرية تخرج من ظهر غارفيل…›
«عـ-على كل حال… سمعت أنك كنتِ هنا منذ الأمس…»
كانت ذراع بشرية كاملة، بأصابعها الخمسة المرتجفة، تشق طريقها عبر صدره وتبرز من ظهره.
«قد يسيء الناس الفهم إن سمعوا ذلك، لكن معظم ذلك الحديث كان طوعيًّا… حسنًا، بما أن المعني بالأمر قال إن هناك سلطة إجبارية، فربما يجدر الشك في مدى طواعيته حقًا…»
«أخبرتك يا غارف. لن أسمح بأي وقاحة تجاه السيد روزوال.»
«غـ… فو…!»
«أدركت أخيرًا أنك دائمًا ما فعلت أشياء عظيمة من أجلي. لكن بالرغم من كل ذلك، غيابك أرهقني؛ شعرت أن هذا العبء سيحطمني…»
ابتسامتها كانت ساحرة على نحو لا يُقاوم، وهمساتها الحلوة كانت تخلب القلب. تأمل سوبارو الحرارة المنبعثة من أنفاسها اللامعة والرطوبة في عينيها، فيما شعور غريب شبيه بالسحر التف حول قلبه.
اهتز جسد غارفيل بعنف، وكأن الزمن قد تجمد لوهلة، قبل أن ينحني على ركبتيه ويسقط أرضًا. ومع ارتطام ركبتيه بالخشب، اختفت الذراع فجأة من ظهره، لتتدفق الدماء بغزارة من الجرح الذي كانت تسده.
ورغم أن غارفيل نفسه كان يعاني من جروح قاتلة، لم يأبه بجراحه، وكرَّس كل ما لديه من طاقة في محاولة لإنقاذ رام.
«—هاه؟»
«لهذا السبب تحديدًا. لدينا عجوز واحدة، ولسنا بحاجة إلى المزيد. هؤلاء مجرد نسخ مزيفة.»
جلس غارفيل على الأرض، غارقًا في دهشته ودمائه. بينما كانت رام وروزوال يحدقان إليه من أعلى، وفي الوقت ذاته…
«لهذا السبب تحديدًا. لدينا عجوز واحدة، ولسنا بحاجة إلى المزيد. هؤلاء مجرد نسخ مزيفة.»
المُلام الوحيد هو ناتسكي سوبارو. هو مَن دفعهم إلى اتخاذ قرار ينهي حياتهم، تلك الحياة التي، على عكس حياته، لن تُمنح فرصة أخرى. هذا كان ذنب ناتسكي سوبارو— جريمة لا يمكن محوها أبدًا.
كان هناك شيء يخترق صدر رام أيضًا.
في تلك اللحظة، أغمض روزوال إحدى عينيه، لتلمع عينه الصفراء المتبقية بوميض متفحص وهو يقول: «إذا استبعدتُ مريضًا طريح الفراش مثلي، فلا تستهِن أبدًا بسوبارو. إن اشتبكتما، ليس مضمونًا على الإطلاق أن تكون كفة النصر في صالحك.»
«رو…ز…»
كان عليه أن يبذل قصارى جهده لإنقاذ إميليا من هذا المكان.
طوال هذا الحوار، لم يكف روزوال عن التحديق في سوبارو بعينه اليسرى الوحيدة. كان بريق تلك القزحية الصفراء أشبه بشيء ينقب عميقًا في روحه، مما جعله يشعر بالغثيان حتى اهتز صوته وانكسر.
حاولت رام أن تنطق باسمه بضعف، لكن روزوال قاطعها بصوت غاية في اللطف: «لم أنقض عهدي. أقدم هذه الروح لكِ.»
من خلفها، احتضن روزوال جسدها النحيل برقة، وراح يمرر يده اليسرى بلطف على خصلات شعرها الوردي. بدا وكأن رام قد فقدت وعيها داخل لمسته الساحرة، إذ احمرت وجنتاها وارتسمت على شفتيها ابتسامة جذابة.
تسللت تلك الكلمات، وكأنها همسة عابرة، إلى أذنَي سوبارو المنهكتين.
لكن من زاوية تلك الابتسامة الناعمة، بدأ خيط من الدم الطازج بالتدفق ببطء.
ما بين سكان قرية إيرهام وأهالي الملجأ، كان ينبغي أن يكون هناك ما يقارب مئة نفس احتموا بداخلها. المكان الذي كان من المفترض أن ينتظر فيه الناجون قد التهمته النيران بالكامل.
بالطبع، فقد كان صدرها مثقوبًا بعمق من الخلف.
«إيه-هيه-هيه. نعم… أحبك. سوبارو… أحبك كثيرًا.»
«…»
«أحتاج… ممم أن… أوصلها لك بوضوح.»
تداخل هذا المشهد مع ذاكرة أخرى في عقل سوبارو؛ مشهد بياتريس وهي مطعونة أمامه.
انسحبت الذراع ببطء، ومع انعدام أي دعم لجسدها، انهارت رام إلى الأمام. كان غارفيل، رغم نزيفه الغزير، هو مَن تلقفها بين ذراعيه.
أغمض غارفيل عينيه متأملًا للحظة، مستغرقًا في أفكاره، قبل أن يتخذ قراره. حرر قبضته عن ياقة سوبارو، مفسحًا له المجال ليلتقط أنفاسه.
غارقين في دمائهما، احتضن كل منهما الآخر، وكأن الألم جمع بين روحيهما في لحظة مأساوية.
«حتى أنا كنت سأجد صعوبة بالغة في نسج سحر دون أن يلاحظ غارفيل. لذلك، لجأتُ للحظة وجيزة إلى وسائل تعتبر بدعة بالنسبة لساحر مثلي.»
«غـ… روز… را… رام… رام… رام… رااااام…»
غارقين في دمائهما، احتضن كل منهما الآخر، وكأن الألم جمع بين روحيهما في لحظة مأساوية.
في لحظة واحدة، تحطم قلب غارفيل الذي كان ملتهبًا بالكراهية، بفعل رؤية الجروح التي أصابت محبوبته.
لإيقاف هذا الحوار العقيم، ضرب غارفيل بكعب حذائه الأرضية الخشبية بقوة، مما أثار سحابة من غبار الخشب في الغرفة. أغمض سوبارو عينه، متجاهلًا هدير غارفيل الغاضب.
《٥》
بينما نادى غارفيل باسم الفتاة التي في أحضانه، انطلق منه زئير غاضب مصحوبًا بنزيف دموي، في حين بدأت ذراعه تشع بضوء شاحب. أدرك سوبارو على الفور أن الطاقة المتدفقة من ذلك الضوء اللامع ما هي إلا سحر شفاء.
كان ضجيج العالم يلاحقه، يعنفه بلا رحمة، ولكن سوبارو حاول بجهد تجاهل كل صوت، يدفعه بعيدًا عن أذنيه.
ولكن هذا المشهد بدا متناقضًا مع كل ما يعرفه، بل وأكثر من ذلك، أربكته فوضى اللحظة وعطلت تفكيره.
كان هناك شيء يخترق صدر رام أيضًا.
كانت صورة غارفيل في ذهنه لشخص بعيد تمامًا عن ممارسة أي نوع من السحر، فما بالك بسحر الشفاء. أن يُتقنه بهذا القدر وفي مثل هذا الظرف الحرج كشف عن مهارة مدهشة لم يتوقعها سوبارو أبدًا.
بالطبع، فقد كان صدرها مثقوبًا بعمق من الخلف.
إذا كانت هي مَن سبَّبت هذا الجحيم الأبيض، فما الذي كان يدور في خلدها حينها؟
ورغم أن غارفيل نفسه كان يعاني من جروح قاتلة، لم يأبه بجراحه، وكرَّس كل ما لديه من طاقة في محاولة لإنقاذ رام.
«بمعنى أنه لديك شيء مهم لتخبرني به وليس حديثًا أثناء شرب الشاي.»
لم يكن أي من هذا في حسبان سوبارو، فقد تجاوزت الأحداث كل ما يمكن لعقله تصوره، حتى أنه عجز عن تحريك قدم واحدة.
جاء رد فعل سوبارو متأخرًا جدًا على تلك الكلمات، إذ كان غارقًا في ذلك المشهد الذي ترسخ في ذاكرته.
《٣》
«غـاه-آآه-آآآآه…!»
《٢》
«إميليا أخبرتني بأنها تحبني. قالت لي إن وجودي بجانبها يكفيها».
بينما كان غارفيل يمارس سحر الشفاء، بدأت عضلاته ترتجف وتتضخم، وكأن عروقه تنبض بتسارع غريب.
ومع صرخته، كما لو أن الفزع استدعى الكارثة، قفزت الوحوش من بين الثلوج واحدة تلو الأخرى. أصدرت تلك الكائنات الصغيرة أصوات *كيي، كيي*، بينما استمر صوت *سكرت سكرت* يصاحب تحريك أنيابها، وعددها تجاوز حدود العد.
غطى الفراء الذهبي جسده المكشوف، وبدأت أنيابه الحادة تصدر صوتًا وهي تنمو ببطء. رغم أن جسده كان على شفا الموت، دفعته غريزته نحو التحول إلى هيئة النمر العملاق كوسيلة للهروب من الموت المحتم.
اختفت ابتسامة المهرِّج تحت أجساد الأرانب التي احتشدت بجنون حوله. وكأنها تلتهمه بشغف، غطَّت الأرانب جسد روزوال بالكامل. ومع سقوطه على جانبه بلا مقاومة، أخذت الأنياب تنهش جسده بلا رحمة. راحت الأرانب تتغذى بنهم، تلتهم كل ما طالته أنيابها.
لكن ذلك التحول يعني وقف السحر، وبالتالي موت رام. تصارعت عقله الواعي، الساعي لإنقاذها، مع غرائزه التي تناديه بالتحول حفاظًا على حياته.
خارج القبر، كانت وحوش الأرانب العظيمة قد بدأت في إحاطة المكان. وليس من المستبعد أن تقتحم الداخل قريبًا. وحينها، مثلما ابتلعت روزوال، لن تترك الأرانب أي أثر من إميليا.
«أمنيتها العزيزة…؟ هل… هل تقصد أن موتها بتلك الطريقة كان أمنيتها العزيزة؟!»
وإن توقف عن الشفاء قبل التحول، فقد يبقى هناك أمل ضئيل بنجاتهما معًا.
«ولعلك تسأل: ماذا أستفيد من عزل السيدة إميليا؟ حسنًا، السيدة إميليا ضعيفة للغاية، في واقع الأمر. ليس غريبًا أن تُلقي بنفسها بين يدي ”شخص“ يستطيع تقبُّلها. وإذا كان هذا الشخص يرغب في دعم السيدة إميليا بكل جوارحه، فذلك أفضل بكثير.»
«سيكون من المزعج السماح لك بالتحول، أليس كذلك؟»
لم يكن سوبارو مدركًا تمامًا إلى أي حدٍّ يرغب في أن يكون الأهم بالنسبة لإميليا. لكنه ليس مغرورًا بما يكفي ليصدق أنه يحتل هذه المكانة بالفعل.
تقدم روزوال بخطوة واحدة إلى الأمام. انثنت ساقه اليمنى، ثم انطلقت بسرعة خاطفة.
«—يبدو أنك تسيء فهم شيء ما، سوبارو.»
أحاطت الرياح بساقه المنثنية وهي تندفع لتسدد ضربة مباشرة إلى مؤخرة رأس غارفيل، محدثة صوتًا ثقيلًا أشبه بكسر بيضة. وفي لحظة، تحطمت جمجمته، وانتشرت خصلات شعره الأشقر الملطخة بالدماء على الأرض في مشهد بدا غير واقعي.
أصابت كلمات روزوال قلب سوبارو كطعنة موجعة، حتى شعر وكأن قلبه ينفث دماءً.
«—!!»
سقط غارفيل على جانبه، ووجه نحو روزوال نظرة حاقدة بعينه الوحيدة المتبقية. وفي مصير مأساوي، سقط هو ورام معًا وكأنهما جسد واحد، ممددين بلا حراك على الأرض.
«أمنيتها العزيزة…؟ هل… هل تقصد أن موتها بتلك الطريقة كان أمنيتها العزيزة؟!»
كانت الحياة تغادر جسد غارفيل، وفي أحضانه بقيت رام ساكنة، وابتسامة رقيقة لا تزال مرسومة على شفتيها.
مع انقطاع تلك الأوتار المشدودة، سقط بجسده إلى الأمام. وفي اللحظة ذاتها، امتدت ذراعان لدعمه برفق.
ليس هناك أي سحر شفاء قادر على إنقاذ وجه ميت كتلك الملامح التي ارتسمت على وجه رام. وحتى إن حاول، فلن يُفعَّل السحر على جسد فارقته الحياة بالفعل.
رغم أنها بدت فاتنة للغاية وهي تتجاوب مع سوبارو…
بحلول اللحظة التي سحب فيها روزوال يده، كانت روح رام قد غادرت بالفعل، بعد أن تحطم قلبها.
تبدل لون وجه سوبارو حين استشفَّ ما تخفيه تلك النظرة؛ فقد سبق له في حلقة زمنية سابقة أن رأى غارفيل ينهي حياة رام بيديه.
لم يكن غارفيل مدركًا لهذا، فواصل كفاحه في محاولة يائسة لإنقاذها. لكن لم يكن هناك ما يمكن فعله.
لكن، رغم الألم المتزايد، لم يشعر سوبارو بالخوف من عدائية غارفيل.
«حتى أنا كنت سأجد صعوبة بالغة في نسج سحر دون أن يلاحظ غارفيل. لذلك، لجأتُ للحظة وجيزة إلى وسائل تعتبر بدعة بالنسبة لساحر مثلي.»
«…هل أنت متعب؟»
مسح روزوال يديه وقدمه الملطخة بالدماء بأطراف الأغطية، ثم التفت نحو سوبارو، الذي ظل واقفًا في مكانه، عاجزًا عن النطق أو الحركة.
«—هاه؟»
رمق روزوال سوبارو بنظرة متفحصة قبل أن يضيق عينيه قليلًا، ثم هز كتفيه بلا مبالاة وهو يتحدث مجددًا:
«يبدو أنك لست بحاجة إلى تفسير حول محتويات الكتاب. كما يبدو أنك تعرف تمامًا مَن يمتلك النسخة الأخرى. في هذه الحالة، أظن أنني أجبت عن سؤالك، أليس كذلك؟»
«والآن، ووفاءً بالعهد الذي قطعناه، فلنتحدث يا ناتسكي سوبارو.»
لقد أحس بخسارتها. ولا مجال لإنكار هذا الألم.
رمق روزوال سوبارو بنظرة متفحصة قبل أن يضيق عينيه قليلًا، ثم هز كتفيه بلا مبالاة وهو يتحدث مجددًا:
《٦》
وقف سوبارو في ذهول وسط هذا المشهد الذي يفوق التصور.
لقد ارتكب روزوال العديد من الخطايا الفادحة لتحقيق هدف غامض بالنسبة لسوبارو، ولم يقتصر هذا المسار على هذه الحلقة فقط؛ بل كان نهج هذا الرجل في كل مرة ومضة من المستقبل القادم.
رقدت رام غارقة في بركة من الدماء، بينما سُحقت جمجمة غارفيل حتى قضى نحبه. فوق جثتيهما، وقف روزوال، الذي ارتكب تلك المجزرة، متأملًا بهدوء في اتجاه سوبارو.
لم يستطع سوبارو، الذي وقف مشلولًا من الصدمة، حتى أن ينطق بكلمة واحدة بعد مشاهدته لهذا العمل الوحشي. ولما أدرك روزوال حالة الذهول التي استبدت بسوبارو، حدَّق فيه بعينه الصفراء الوحيدة، وقال بنبرة هادئة:
«لا أضواء في المنازل… أليس هناك أحد بالداخل…؟»
شخص ما داخل الملجأ كان يحرك الخيوط؛ أخفى رسالة سوبارو، وأقنع إميليا بأن تعتكف في القبر، وأجَّج غضب غارفيل تجاهها.
«الاعتقاد بأن مستخدمي السحر لا يمكنهم القتال بلا سلاح… ضرب من التحيز، تراه؟ إنه الفخ الذي حتى الساحرات يقعن فيه أحيانًا. احرص على تذكُّر هذا لاحقًا.»
«بيكو، أعتقد أن هذا أنتِ على أية حال… لديَّ طلب. أرشديني إلى المستوطنة. لا وقت لديَّ للضياع.»
ربما كان يقصد بهذه الكلمات تقديم نصيحة صادقة، لكن حديثه المصحوب برفع إصبعه بدا أشبه بمحاضرة مرعبة لسوبارو.
‹لا. لا يمكن أن يكون هذا صحيحًا.›
شعر سوبارو بصدمة هائلة. صحيح أن قدرة روزوال على القتال دون سلاح كانت مثيرة للإعجاب، لكن المقارنة بين هذه الصدمة والمشاعر التي اجتاحته بعد رؤية موت رام وغارفيل المفاجئ لم تكن بالأمر الهيِّن.
«والآن، ووفاءً بالعهد الذي قطعناه، فلنتحدث يا ناتسكي سوبارو.»
«ذ-ذاك… انتقامٌ مني ومن العجائز…»
ومع ذلك، لم يكن قادرًا على استيعاب كيف يمكن لروزوال أن يبتسم بهذه الراحة، وكأن شيئًا لم يحدث.
قطعت الرياح الباردة كالخناجر جسده، وتساقطت الثلوج عليه؛ لا لتتراكم بل لتصدمه بقسوة. كلاهما سلبا منه حرارة جسده سريعًا، وكأنها كابوس أبيض يسلب حياته ثانيةً بعد ثانية.
تكلم سوبارو بصعوبة، محاولًا تبرير خروجه من الملجأ. شعر أن ما حدث ما كان ليكون هكذا لو وصلت رسالته إليها. نعم، الرسالة…
«لمـ-لماذا…؟»
لكن أعداد النسخ بدأت تتناقص أمام عينيه. لم يمضِ وقت طويل حتى تمزقت بيكو، أول مَن جاء لنجدته، بين أنياب الأرانب، وتحوَّلت النسخ الباقية إلى مجرد عوائق مؤقتة غير فعالة. دفع بها للقتال حتى النهاية، وجعلها تنفجر لتقضي على أكبر عدد ممكن من الوحوش. كرر هذا التكتيك مرارًا وتكرارًا—
«لكن الأمر مختلف الآن. كنت أفكر فيك طوال هذا الوقت، سوبارو. شعرت بكل هذه المشاعر… والآن أريد أن أقول لك كل ما كنت تقوله لي. أنا آسفة جدًا… هذا غير منصف مني. أحتاج حقًا أن أعبر عن هذه الأمور على نحوٍ صحيح.»
«مم؟ لماذا ماذا؟»
بينما كان سوبارو يحدق في الكتاب الأسود المغلَّف، دوى في أذنيه صوت رنين صاخب، وكأن العالم من حوله بدأ ينهار ببطء.
«لماذا قتلت…؟ لماذا قتلت رام؟ وغارفيل أيضًا…»
«وفر سخريتك، روزوال. كلانا يعرف جيدًا نوع الرجل الذي أنت عليه… لكن هناك مواقف معينة يتغير فيها ما يمكن التغاضي عنه، مثل هذه اللحظة.»
«لأن غارفيل كان عقبة تحول دون حديثي معك. أما بشأن رام… فقد ارتكبت بحقها أمرًا مريعًا، لكن تعاونها كان ضروريًّا لإبعاد غارفيل عن طريقي. لولا أنها خلقت لي فرصة، لكانت فرصتي في الانتصار ضئيلة جدًا.»
«—هاه؟»
بينما كانت أنياب غارفيل تصطدم ببعضها البعض، أومأ سوبارو له برأسه. وسط هذا الثلج، لا، في هذا الوضع في الملجأ، كان ممتنًا من أعماق قلبه لأن أوتو اقترح قرارًا منطقيًا. بفضل تمكنه من التحدث مع غارفيل، تأكد من أمان القرويين. المسألة المتبقية، كانت أمرًا يجب عليه تأكيده بنفسه—
رفع روزوال كتفيه كأنما يقول إنه أمر لا يستحق العناء، ثم اعترف بنواياه القاتلة بكل بساطة. اخترقت كلماته عقل سوبارو، متجاوزة مشاعره بالغضب، وأطلقت زفيرًا لا إراديًّا من صدره.
«الأمر واضح.؛ لعزل السيدة إميليا.»
كان هذا الجواب العبثي امتدادًا لوضعٍ يفوق التصور. تعليق مجنون على مصير مجنون. ما الذي يجري؟
بحلول اللحظة التي سحب فيها روزوال يده، كانت روح رام قد غادرت بالفعل، بعد أن تحطم قلبها.
«ردة فعل غير متوقعة. سوبارو الذي أعرفه شابٌّ لا يرى شيئًا سوى ما أمامه، فيندفع بغضب ويحاول الإمساك بي. أليس كذلك، ناتسكي سوبارو؟»
«ما الذي تحاول قوله؟ أنت مجنون… لن أستطيع أبدًا…!»
غطى الفراء الذهبي جسده المكشوف، وبدأت أنيابه الحادة تصدر صوتًا وهي تنمو ببطء. رغم أن جسده كان على شفا الموت، دفعته غريزته نحو التحول إلى هيئة النمر العملاق كوسيلة للهروب من الموت المحتم.
«أن تسامحني أو نحو ذلك؟ لا حاجة لمثل هذا الكلام. عليك أن تكون صادقًا مع قلبك. هذا هو الـ ”أنت“ الذي أريده، الـ ”أنت“ الذي كنت أريده دائمًا، دااائـمًا.»
بينما نادى غارفيل باسم الفتاة التي في أحضانه، انطلق منه زئير غاضب مصحوبًا بنزيف دموي، في حين بدأت ذراعه تشع بضوء شاحب. أدرك سوبارو على الفور أن الطاقة المتدفقة من ذلك الضوء اللامع ما هي إلا سحر شفاء.
«—!! توقف عن النظر إليَّ بهذه العين! ما هذا بحق؟ ماذا دهاك؟!»
طوال هذا الحوار، لم يكف روزوال عن التحديق في سوبارو بعينه اليسرى الوحيدة. كان بريق تلك القزحية الصفراء أشبه بشيء ينقب عميقًا في روحه، مما جعله يشعر بالغثيان حتى اهتز صوته وانكسر.
«الآن بدأت أشعر بالقلق. ليس لديَّ وقت لهراءك. إذا كنت ترى هذا الثلج، فلا حاجة لتفسير لماذا لا يمكنني الحديث معك أثناء شرب الشاي، اللعنة.»
«لقد قتلتَ شخصين! وليس هذا كل شيء! أتحدث عن كل ما حدث من قبل أيضًا! نعم، حين كنت تتحدث عن جماعة طائفة الساحرة! ظللتَ تخدعني مرارًا وتكرارًا—»
«—مرارًا وتكرارًا. نعم، مرارًا وتكرارًا، سوبارو.»
تذكَّر سوبارو أن الأرانب العظيمة هاجمت الملجأ، وفقًا لما يعرفه، في اليوم الخامس. كان يفترض أن هناك متسعًا من الوقت. فما الذي دفعها إلى الظهور بهذه السرعة؟
ارتجف سوبارو، إذ شعر بقشعريرة كأنما أصبع مبتل يمر على طول عموده الفقري.
تفاقمت عاصفة مشاعره العنيفة، فأخذ يصرخ بكل ما أثقله من ألم حتى تلك اللحظة. ومع ذلك، كان التعبير الذي ارتسم على وجه روزوال غريبًا، لا يناسب الموقف.
كان روزوال يبتسم. انفرجت شفتاه الرقيقتان بابتسامة شيطانية، يفيض وجهه بتعبير ملؤه الترحيب والسعادة وهو يواصل التحديق في سوبارو.
كان طلب فظ، لكن سوبارو لم يعترض، وقبل ذلك برحابة صدر.
لكن غارفيل لم يهتم بهذا التغيير. قال بغضب: «يا ألن تنكر الأمر؟»
ليس في هذه الابتسامة أي سخرية أو تهكم. شعر روزوال ببهجة صادقة لرؤية حال سوبارو. وبالنسبة إلى سوبارو، كان تدفق تلك المشاعر الغامضة مثيرًا للاشمئزاز.
«…! حسنًا، هذا مقبول بالنسبة لي. إذا كنت لن تتدخل في حديثي مع إميليا، فحينها…»
شعر بملمس دافئ وناعم. دفء اللمسة أمامه جعل جسده يتجمد من المفاجأة.
شعر بالخوف… فقد واجه شيئًا لم يستطع استيعابه إطلاقًا.
في اللحظة التالية، تلقى سوبارو ضربة عنيفة اخترقت ضلوعه وكأنها تستهدف ضفيرة معدته مباشرة، لترسله مرتطمًا بالجدار بقوة.
بينما كان روزوال يحدق في عيني سوبارو المرتجفتين، أومأ برأسه وكأنه إيماءة تنمُّ عن مودة مصطنعة.
في تلك اللحظة، أغمض روزوال إحدى عينيه، لتلمع عينه الصفراء المتبقية بوميض متفحص وهو يقول: «إذا استبعدتُ مريضًا طريح الفراش مثلي، فلا تستهِن أبدًا بسوبارو. إن اشتبكتما، ليس مضمونًا على الإطلاق أن تكون كفة النصر في صالحك.»
«لأن ماذا؟!»
«حسنًا. بما أنك لا تفهم، سأقوم، بوصفي شخصًا يعتقد أنه يفهم، بإرشادك بإرادتي. سأخبرك تحديدًا لماذا، رغم مشاهدتك موت هذين الاثنين ومواجهتك لي، مَن قتلهما بيديه، لا تتصرف بدافع عاطفة.»
«—ماذا؟»
«…»
«الأمر بسيط للغاية. أنت لست حزينًا على موتهما. أنت مندهش. ولكن، لا تشعر بالحزن. ولهذا السبب لم تهجم عليَّ بدافع الغضب.»
إذا كانت هي مَن سبَّبت هذا الجحيم الأبيض، فما الذي كان يدور في خلدها حينها؟
كانت تلك حقًا كلمات شخص يتوهم أنه يدرك ما يدور في عقل الآخر.
اهتز جسد غارفيل بعنف، وكأن الزمن قد تجمد لوهلة، قبل أن ينحني على ركبتيه ويسقط أرضًا. ومع ارتطام ركبتيه بالخشب، اختفت الذراع فجأة من ظهره، لتتدفق الدماء بغزارة من الجرح الذي كانت تسده.
ركض سوبارو دون تردد، عابرًا وسط أهوال المشهد في خط مستقيم نحو وجهته. أصداء الأنياب المحمومة تحاصره من كل جانب، والأرانب الشرهة للحم استبشرت بقدوم فريسة جديدة إلى ساحة وليمتها. أخرج الكريستالة من جيبه وأطلق صرخة مجنونة محفوفة بالمخاطر.
‹ما الذي تفهمه أنت!؟ كيف لا أكون حزينًا على موتهما! سأقتلك!!›
«رسالة…؟»
طفحت في قلب سوبارو كلمات عديدة، كأصداء غاضبة تتزاحم على شفتيه، جاهزة لتُقال.
لم يولي تساقط الثلج نفسه أهمية كبيرة آنذاك، ولكن—
«لكنني فكرت بعدها: هذا لا يصح. لا يمكنني الاستسلام للخوف وأتوقع من الآخرين أن يهتموا بكل شيء… كان هذا غباءً مني، أليس كذلك؟ أدركت أخيرًا أنك تكفلت دائمًا بكل شيء، سوبارو.»
كانت تلك العبارات بلا حصر، تشكَّلت من دوامات من المشاعر العنيفة التي عصفَت بداخله.
غارقين في دمائهما، احتضن كل منهما الآخر، وكأن الألم جمع بين روحيهما في لحظة مأساوية.
الغضب، واليأس، والحزن، والصدمة— كلها كانت تتأهب للانفجار في أي لحظة لتُمطر المهرِّج المتعالي بوابل من السخط والكراهية.
«—لأنك تؤمن بأن ما حدث يمكن التراجع عنه، أليس كذلك؟»
داعبت إميليا خصلات شعره، تداعب جبينه بأطراف أصابعها، وقد بدا عليها المرح وهي تستمتع بفعل ما يحلو لها مع سوبارو.
«—؟!!»
ولكن هذا المشهد بدا متناقضًا مع كل ما يعرفه، بل وأكثر من ذلك، أربكته فوضى اللحظة وعطلت تفكيره.
ارتعدت أوصاله وتجمد دمه في عروقه. شعر وكأن قلبه انقبض بقبضة قاتلة.
لم تكن تلك مجرَّد استعارة. بل كان إحساسًا حقيقيًا، وكأن قلبه قد وُضع تحت قبضة مميتة. وقع الكلمات كان شديدًا لدرجة لا توصف.
«هذا جنون! أعني، تركت لها رسالة ملائمة وكل…»
صدمته العبارة بقوة مرعبة، إذ بدت كلمات روزوال وكأنها تشير مباشرة إلى ”العودة بعد الموت“. كان القانون الذي تحكمه الساحرة صارمًا وقاسيًا. ربما يتوقف الزمن في تلك اللحظة، وتنبثق الأذرع السوداء لتفرض حكمها. أو ربما، لا تكفي تلك الأذرع وحدها، فتعود الساحرة من جديد، لتلتهم الملجأ بأكمله—
أطلق روزوال زفرة ثقيلة، وكأن الكلمات فقدت معناها لديه.
«… لن تأتي؟»
«هذا الترقب… أرى. إذًا لقد عقدتَ معها عهدًا. في ضوء ذلك، أستطيع الآن تقبُّل الكثير من أقوالك وأفعالك السابقة. إنها ماكرة بحق.»
«لا تتدخلي الآن يا رام. لا أريد أن أوجه مخالبي نحوك.»
«إن كنت لا تزال عاقلًا وغير هائج على نحوٍ مفاجئ… فهذا يعني أن الآخرين بأمان، أليس كذلك؟»
«تقبل؟ لا، قبل هذا كله… كيف…؟!»
لكن ما أقلق سوبارو بشدة؛ أنه لم يكن هناك أي أثر للحياة في المستوطنة.
«بالطبع. أنت تحب وسادتي، أليس كذلك؟ قلت لي هذا من قبل. ما زلت أذكر.»
ازداد شحوب وجه سوبارو فيما وضع روزوال يده على ذقنه وأومأ بتفكير. لم يكن هناك شك: لقد لمست كلمات روزوال للتو المحظور الذي يخفيه سوبارو في أعماقه—
التقط سوبارو أنفاسه بعمق، ثم فتح عينه اليمنى. وعندما وقع نظره على روزوال، قال مباشرة:
«أنت… هل أدركت ما كان يحدث لي؟!»
تذكَّر سوبارو أن الأرانب العظيمة هاجمت الملجأ، وفقًا لما يعرفه، في اليوم الخامس. كان يفترض أن هناك متسعًا من الوقت. فما الذي دفعها إلى الظهور بهذه السرعة؟
«لأشرح لك، ربما يكون من الأسرع أن أريك بدلًا من الكلام.»
«انتظر! يبدو أنك تتهرَّب مرة أخرى—»
ارتعش سوبارو وهو يصيح بذهول أمام ظهور ”الأرنب العظيم“، أحد الوحوش الثلاثة العظيمة.
حينما استدار روزوال واتجه نحو السرير، حاول سوبارو أن يقترب منه، لكنه تردد في تخطِّي بركة الدم التي لامست أطراف أصابعه، حيث ترقد جثتا رام وغارفيل.
كل ما فعله هو التحديق بعينه اليمنى فقط في غارفيل الغاضب، مستمرًا في الكلام بصوت ثابت:
تفاقمت عاصفة مشاعره العنيفة، فأخذ يصرخ بكل ما أثقله من ألم حتى تلك اللحظة. ومع ذلك، كان التعبير الذي ارتسم على وجه روزوال غريبًا، لا يناسب الموقف.
في تلك اللحظة، وصل روزوال إلى السرير. دسَّ يده تحت الوسادة، وبدأ يتلمس شيئًا هناك، ثم—
«…انتظر، لا تقل لي إن هذا…؟»
حتى تلك اللحظة، لم يستوعب سوبارو كلمة واحدة مما نطق به روزوال. كان ذهنه غارقًا في فوضى عارمة.
بعبارة أخرى، كان روزوال على دراية بأنَّ سوبارو يعيش ضمن حلقة زمنية متكررة، وحاول استغلال ذلك لهدف ما. غير أن ما فعله كان محدودًا بإطار هذه الفكرة فقط.
«كتاب السحر؟ اطمئن. هذا ليس مجرَّد نسخة مقلَّدة، بل هو واحد من النسختين الأصليتين.»
لكنها لم تكن حقيقية. وإذا لم تكن حقيقية، فلا يمكنه أن يقبل بها.
ارتعدت أوصاله وتجمد دمه في عروقه. شعر وكأن قلبه انقبض بقبضة قاتلة.
رفع روزوال الكتاب بين يديه، مما ذكَّر سوبارو بالكلمات التي سمعها منه سابقًا. حين تطرق الحديث إلى هذا الأمر من قبل، أوضح روزوال أن هاتين النسختين هما الأصليتان الوحيدتان، وأن إحداهما كانت بحوزة بياتريس. أما الأخرى—
«أنت… ماذا…؟»
غارقين في دمائهما، احتضن كل منهما الآخر، وكأن الألم جمع بين روحيهما في لحظة مأساوية.
«إذًا… كان معك طوال الوقت!»
لم تنبس النسخة بيكو بكلمة، ولم تهز رأسها تأكيدًا، بل أدارت ظهرها لسوبارو بهدوء وركضت بخفة على الثلوج، غير مكترثة بما يحيط بها. تبعها سوبارو على الفور، مستعجلًا خلفها.
«يبدو أنك لست بحاجة إلى تفسير حول محتويات الكتاب. كما يبدو أنك تعرف تمامًا مَن يمتلك النسخة الأخرى. في هذه الحالة، أظن أنني أجبت عن سؤالك، أليس كذلك؟»
«—يبدو أنك تسيء فهم شيء ما، سوبارو.»
تناثرت الدماء الطازجة على الثلوج البيضاء، لتشكِّل لوحة جحيمية على هذا القماش الطبيعي الهائل. ولم تلبث تلك اللوحة الدامية أن اختفت أيضًا، إذ راحت الوحوش الشيطانية تلعق الثلج الملطخ بالدماء، تمحو أي أثر متبقٍّ.
«…»
بينما كان سوبارو يحدق في الكتاب الأسود المغلَّف، دوى في أذنيه صوت رنين صاخب، وكأن العالم من حوله بدأ ينهار ببطء.
أطلق روزوال هذه الكلمات أثناء انتقال نظراته الساخرة نحو غارفيل الواقف بجانب سوبارو، الذي وقف متأهبًا عند مدخل الغرفة ليغلق طريق الخروج. شم غارفيل أنفه باشمئزاز وهو يعبر عن ضيقه.
«لقد قتلت رام وغارفيل، ثم تأتي لتلقي عليَّ مثل هذا الكلام؟!»
عندما ركز سوبارو أفكاره، محاولًا مطابقة ما يراه مع ذكرياته السابقة، وجد الدليل الذي يبحث عنه. مُتجاهلًا واقع اللحظة الراهنة، أرهق عقله حتى حافة الانهيار، ليصل في النهاية إلى استنتاج ذي معنى.
«بالطبع كنت أعرف. إنها شخص عرفته منذ ولادتي. إحساسها بالكآبة الذي تحمله في قلبها، ورغبتها في التحرر… كانت أمورًا لطالما أدركتها.»
في تلك اللحظة، وصل روزوال إلى السرير. دسَّ يده تحت الوسادة، وبدأ يتلمس شيئًا هناك، ثم—
كان في يد روزوال الكتاب الثاني للمعرفة— ذلك الكتاب الذي تنبأ بالمستقبل. وكما فعلت بياتريس، التي أحكمت عزلتها عبر قرون أربعة بكتابها الفارغ، فإن روزوال أيضًا كان قد قرأ محتويات هذا الكتاب مرارًا وتكرارًا—
تذكَّر سوبارو أن الأرانب العظيمة هاجمت الملجأ، وفقًا لما يعرفه، في اليوم الخامس. كان يفترض أن هناك متسعًا من الوقت. فما الذي دفعها إلى الظهور بهذه السرعة؟
«من مظهرك، يبدو أن بياتريس قد أدت واجبها بطريقةٍ ما.»
«—واجب؟ ما الذي تعرفه عن واجبها…؟»
قطعت تلك الجملة سيل أفكار سوبارو، وأوقفته مؤقتًا. وبينما واصل عقله محاولة التحقق من المعلومات المتراكمة، اشتعلت في صدره مشاعر الفقد، ليواجه روزوال غضبًا من أجل الفتاة التي كانت في صميم ذلك الألم.
«—هذا ليس منطق إنسان.»
فجأة، بينما كان سوبارو يحدق في الثلج، طرح هذا السؤال على غارفيل الذي يمشي أمامه. لم تجعل الكلمات غارفيل يلتفت إليه.
هل كان هذا الرجل يدرك حقًا مشاعر بياتريس الحقيقية، تلك الفتاة التي صرخت بمرارة وحدتها؟
«انتظر، انتظر… انتظر لحظة، انتظر!»
«ألم تكن تعرف ما كانت تعانيه؟! تلك التي ظلت أسيرة تلك الغرفة، متشبثة بوعد قديم مضى عليه زمن طويل… ألم تكن تعرف شيئًا عن دموعها؟!»
«أنـا… أنا… أنا…»
«بالنظر إلى كيف سيتطور ما بيننا بعد هذا، لا أظن أن هذه التصرفات مني لائقة. هل استخدمت المصطلح بالشكل الصحيح؟»
«بالطبع كنت أعرف. إنها شخص عرفته منذ ولادتي. إحساسها بالكآبة الذي تحمله في قلبها، ورغبتها في التحرر… كانت أمورًا لطالما أدركتها.»
«بالنظر إلى كيف سيتطور ما بيننا بعد هذا، لا أظن أن هذه التصرفات مني لائقة. هل استخدمت المصطلح بالشكل الصحيح؟»
«—!! إذًا…»
«أتمنى ألا تقول لي: لماذا لم تفعل شيئًا من أجلها؟ أو ما شابه. هل تعرف ماذا أرادت تلك الفتاة من شخص ما ليبدد حزنها؟ لقد سمعت مناجاتها، أليس كذلك؟»
أصابت كلمات روزوال قلب سوبارو كطعنة موجعة، حتى شعر وكأن قلبه ينفث دماءً.
«انتظر، انتظر، تبًا، روزوال…! لم ننتهِ بعد من حديثنا!»
نعم، لقد كانت الحقيقة. سوبارو سمع مناجاة بياتريس. حاول أن يمد يده لينقذها، لكن يده رُفضت، وصوته لم يصل إليها، وفي النهاية، سُلبت حياة بياتريس بسيف آثم.
«قد يسيء الناس الفهم إن سمعوا ذلك، لكن معظم ذلك الحديث كان طوعيًّا… حسنًا، بما أن المعني بالأمر قال إن هناك سلطة إجبارية، فربما يجدر الشك في مدى طواعيته حقًا…»
لم يكن في وسع سوبارو امتلاك القوة أو المعرفة الكافية ليداوي جراح أربعة قرون من العزلة.
رفع روزوال الكتاب بين يديه، مما ذكَّر سوبارو بالكلمات التي سمعها منه سابقًا. حين تطرق الحديث إلى هذا الأمر من قبل، أوضح روزوال أن هاتين النسختين هما الأصليتان الوحيدتان، وأن إحداهما كانت بحوزة بياتريس. أما الأخرى—
بإمكانه أن يعود إلى الوراء، مستخدمًا قدرته لإعادة الأحداث، ليخلق ”فرصة أخيرة“ للتحدث مع بياتريس مرارًا وتكرارًا. لكن كيف يمكن علاج حزن استمر أربعة قرون؟
«إذًا… كان معك طوال الوقت!»
لا يستطيع إعادة عقارب الزمن لتغيير السنوات الطويلة التي قضتها بياتريس بين رفوف أرشيف الكتب المحرَّمة.
«بالنسبة إلى الأرنب العظيم، هذا المكان مثالي للتغذية. السكان ذوو الدماء الشبيهة بالبشر تلقُّوا بركة مانا غزيرة منذ ولادتهم… والأهم من ذلك، أن الجميع -بما فيهم القرويون الذين تم إجلاؤهم-ومجتمعون في مكان واحد.»
«—لكن لا أخفي أنني أحسدها.»
«عـ-على كل حال… سمعت أنك كنتِ هنا منذ الأمس…»
«—لكن لا أخفي أنني أحسدها.»
تسللت تلك الكلمات، وكأنها همسة عابرة، إلى أذنَي سوبارو المنهكتين.
همس سوبارو بهذه الكلمات بصوت خافت، بحيث لا يسمعها غارفيل المتحفز.
لم يصدق ما سمعه للتو. رفع وجهه وحدق في فم روزوال، ذلك الفم الذي نطق بتلك الكلمات المستفزة. لكن روزوال لم ينتبه لنظراته، بل تابع كلامه مع تنهيدة غامضة:
«لكن الأمر مختلف الآن. كنت أفكر فيك طوال هذا الوقت، سوبارو. شعرت بكل هذه المشاعر… والآن أريد أن أقول لك كل ما كنت تقوله لي. أنا آسفة جدًا… هذا غير منصف مني. أحتاج حقًا أن أعبر عن هذه الأمور على نحوٍ صحيح.»
«تمكنت بياتريس من الاختفاء، محققة أمنيتها العزيزة. وهذا هو المغزى من كونك هنا الآن، أليس كذلك؟»
«—!! إذًا…»
«أمنيتها العزيزة…؟ هل… هل تقصد أن موتها بتلك الطريقة كان أمنيتها العزيزة؟!»
«الكاتدرائية—!»
«تلك كانت رغبتها. ما يتمناه كل شخص في نهايته هو أمر لا ينبغي للآخرين الاستهانة به، ورغباتها كانت تخصها وحدها. لا يحق لك أو لي تدنيس نهايتها.»
بينما تلعثم سوبارو، دفع روزوال صدره بخفة وواصل سيره بهدوء نحو الأمام.
كان حال سوبارو يرثى له، حتى بات من الصعب على أي شخص أن يتحمل رؤيته في هذه الحالة.
«لقد قتلت رام وغارفيل، ثم تأتي لتلقي عليَّ مثل هذا الكلام؟!»
«إيه-هيه-هيه. نعم… أحبك. سوبارو… أحبك كثيرًا.»
صرخ سوبارو في غضب، رافعًا إصبعه باتهام تجاه روزوال على المجزرة التي ارتكبها، لكن الأخير هز رأسه يمينًا ويسارًا وكأنه يقول: ”وهل كانت أفعالك أنت نبيلة بما يكفي لتأخذ هذا الموقف المتعالي؟“
لكن سوبارو لم يحق له في لومهم. لقد مارسوا ببساطة حقهم الطبيعي؛ حقَّهم في اختيار نهايتهم. هذا الحق الذي لا يملكه سوبارو. وهكذا، اتخذوا خيارهم.
سمع سوبارو مناجاة بياتريس وآلامها. ومع ذلك، كيف يمكن لرجل مثل روزوال، الذي لم يفعل شيئًا من أجلها، أن يتصرف وكأنه يفهم بياتريس حقًا؟
ثم، وسط تلك المشاعر العميقة التي جعلت حلقه يجف، صرخ حدسه بشيء واحد.
إذا كان كل شيء الآن مشابهًا لما حدث آنذاك، إذا كان كل شيء يسير بالنسق ذاته—
كيف يمكن فهم أمنيتها بالموت؟ تلك الأمنية لم تكن ما أرادته حقًا.
منذ البداية كان الأمر مريبًا. وليس من الصعب على سوبارو أن يستنتج أن هناك مَن خطط لهذا المشهد بهذه الدقة.
بالطبع، لم يكن مجديًا مقارنة غارفيل بثلاثة أوباش في زقاق مظلم.
وإلا، لماذا حمت سوبارو في النهاية؟
«إنها منهكة. ظلت تخوض المحاكمة مرارًا وتكرارًا منذ الليلة الماضية. عقلها وجسدها… خاصةً عقلها، استُهلكا تمامًا. الآن، كل ما أريده هو أن أتركها ترتاح.»
لا ملامة عليه. فهذا العالم قد انهار بالفعل. كان مجرد فقاعة معدَّة للزوال. فمَن ذا الذي يمكنه لومه على اختياره الراحة وإسدال الستار على كل شيء؟
«كما قلت، أنا أحسدها. —ففي النهاية، يبدو أن أمنيتي العزيزة لن تتحقق أبدًا.»
«أنت مَن تسبب في تساقط الثلج هنا في الملجأ، أليس كذلك، روزوال؟»
«—؟»
حتى تلك اللحظة، لم يستوعب سوبارو كلمة واحدة مما نطق به روزوال. كان ذهنه غارقًا في فوضى عارمة.
«مـ-ماذا تحاول أن تقول…؟»
ومع ذلك، أثار ما قاله روزوال أخيرًا شعورًا غريبًا ومُقلقًا في نفس سوبارو، كأن هناك نغمة نشازًا تخترق عقله.
«تريد أن تؤمن…»
تحقيق أمنية عزيزة؟ تلبية رغبة؟ بدا الأمر خاطئًا وغير متناسق. أما فيما يخص رغبته هو—
«ما الذي… تريده إذًا؟ ما رغبتك؟ ولماذا… لماذا تفعل كل هذا؟»
«لا بأس. لا داعي لأي أعذار. المهم أنك عدت، سوبارو. آمنت دائمًا بأنك ستعود. قلت لنفسي: سيأتي سوبارو من أجلي. إذا اجتهدت وأتممت واجبي على أكمل وجه، فسيأتي وينقذني… وهكذا كان الحال دائمًا، أليس كذلك؟»
«لن أفصح عنها. لديَّ عهد لا يمكنني نقضه، تمامًا كما هو حالك. ما قلته حتى الآن هو أقصى ما أستطيع تقديمه لك من تنازلات. لكن دعني أقول هذا.»
لم تكن الأرانب العظيمة، المسكونة بالجوع وحده، قادرة على إشعال النار في فرائسها. إذًا، مَن أشعل النار؟ ولأي غرض؟ لم يكن سوبارو بحاجة إلى التفكير في الإجابة، فقد عرفها في الحال.
«…»
«يبدو أنك لست بحاجة إلى تفسير حول محتويات الكتاب. كما يبدو أنك تعرف تمامًا مَن يمتلك النسخة الأخرى. في هذه الحالة، أظن أنني أجبت عن سؤالك، أليس كذلك؟»
«أنا أبذل قصارى جهدي دائمًا، وأتصرف بما يخدم مصلحتي في تحقيق رغبتي العزيزة. كل مخططاتي، تجديفي، دعمي ومساعدتي— كلها من أجل ذلك الهدف. لم أُدر ظهري له أبدًا.»
أكد روزوال بصراحة وجرأة، وبدون أي خجل، أنه كان مخلصًا في كل أفعاله حتى اللحظة.
«…»
لم ينبس روزوال ببنت شفة، لكن الابتسامة التي ارتسمت على شفتيه تلاشت على الفور.
كيف يمكنه أن يقول هذا بكل هذا الهدوء وبتلك الوقاحة؟! اشتعل غضب أسود في أعماق سوبارو.
تراجعت رام خطوة إلى الوراء، وعلت ملامحها نظرة مهيبة وهي تقول: «عليك أن تشكر سيد روزوال على كرمه.»
شعر سوبارو أن غضبه يبدو أنانيًّا، وربما منفصلًا عن مشاعر الحقد والاحتقار التي حملها طوال رحلته حتى تلك اللحظة. لكنه لم يستطع السيطرة عليه.
«مصلحة؟ لم تُدر ظهرك لها أبدًا، هراء! أنت… حتى أنت، الأمر يتعلق بذلك الكتاب، أليس كذلك؟! أنت تتبع ما كُتب فيه، أليس كذلك؟! هل ستخبرني بنفس ما قالته بياتريس؟! أن كل ما فعلته حتى الآن -وما تفعله في هذا الملجأ- هو…!»
كانت ذراع بشرية كاملة، بأصابعها الخمسة المرتجفة، تشق طريقها عبر صدره وتبرز من ظهره.
مسح روزوال يديه وقدمه الملطخة بالدماء بأطراف الأغطية، ثم التفت نحو سوبارو، الذي ظل واقفًا في مكانه، عاجزًا عن النطق أو الحركة.
في المحاولة الأولى التي اكتشف فيها سوبارو ذلك الكتاب، أخبرته بياتريس أنها تتبع ما كُتب فيه حرفيًّا. لكن ذلك كان كذبًا؛ فقد اكتشف سوبارو لاحقًا أن صفحات كتابها كانت فارغة.
تسللت تلك الكلمات، وكأنها همسة عابرة، إلى أذنَي سوبارو المنهكتين.
وماذا عن كتاب روزوال إذًا؟ هل كان المستقبل مكتوبًا بدقة فيه؟
《٥》
لم يدرك سوبارو مغزى السؤال.
«هل سقوط الثلج أيضًا وفقًا لما في الكتاب؟! هل الكتاب أخبرك أن تُسقط الثلج؟ ما الغاية من هذا بحق؟!»
«الأمر واضح.؛ لعزل السيدة إميليا.»
«—هـ…ـاه؟»
«يبدو أن عليَّ التكرار. هذا الثلج يضر بالسكان، ويؤدي إلى عزل السيدة إميليا، مما يجعلها في حالة نفسية مضطربة. ولولا هذا الثلج، لما وصلت إلى تلك الحالة، أليس كذلك؟»
الآن، ومع برودة الهواء الذي يلسع جلده، تأكد تقريبًا مما سيحدث.
«الكاتدرائية—!»
كان استنتاج روزوال يصف حالة إميليا في القبر بدقة، وكأنه يراها بعينيه.
لم يفقد أي من سوبارو وغارفيل عداءهما تجاه بعضهما البعض. ولكن كما حدث عندما واجها الساحرة، وضعت هذه المهمة اللحظية كليهما على نفس الصفحة، وهكذا ساروا معًا في تلك اللحظة.
تقدمت الأمور تمامًا كما تنبأ روزوال. لكن المسألة لم تكن في النتائج؛ بل في التفكير المتطرف الذي قاده لاتخاذ مثل هذا القرار.
في لحظة واحدة، تحطم قلب غارفيل الذي كان ملتهبًا بالكراهية، بفعل رؤية الجروح التي أصابت محبوبته.
وقف سوبارو في حيرة من أمره، فيما فتح روزوال ذراعيه قليلًا وكأنه يشرح أمرًا بديهيًّا.
مؤشرًا برأسه، أشار غارفيل له ليتبعه وهو يمشي للخارج. القوة الكبيرة في أرجلهم تعني أن غارفيل دفع الثلج بعيدًا دون توقف. ومع ذلك، تمكن سوبارو من اللحاق به بعض الشيء.
الغضب، واليأس، والحزن، والصدمة— كلها كانت تتأهب للانفجار في أي لحظة لتُمطر المهرِّج المتعالي بوابل من السخط والكراهية.
«هذا المكان مرتبط بساحرة، والسيدة إميليا تقف في مواجهة التجربة لتحرير الملجأ. في مثل هذا الوضع، إذا هطل الثلج في غير موسمه في المكان الذي توجد فيه… يمكن تخيُّل ما سيحدث، أليس كذلك؟»
«ها قد وصلنا. حتى هنا عند المدخل، تراكم الثلج على نحو لا بأس به.»
«لـ-لماذا… أنت…»
لقد ارتكب روزوال العديد من الخطايا الفادحة لتحقيق هدف غامض بالنسبة لسوبارو، ولم يقتصر هذا المسار على هذه الحلقة فقط؛ بل كان نهج هذا الرجل في كل مرة ومضة من المستقبل القادم.
«في مثل هذه الظروف، يكون انعدام الدهاء لدى غارفيل مفيدًا للغاية. ستجعله شكوكه الطبيعية يلقي اللوم مباشرة على السيدة إميليا، بصوت عالٍ كعادته. وهنا يأتي دور ذكريات سكان قرية إيرلهام. فهم يعرفون عن موجة البرد الموضعية التي تستطيع السيدة إميليا -أو بدقة أكبر، الروح العظمى- أن تتسبب بها.»
حين بدأت الدنيا تتلاشى إلى بياض، كانت وعيه وروحه ينكمشان شيئًا فشيئًا، وبدأت قواه تتلاشى، وفقدت أطرافه الإحساس.
اشتبه غارفيل بإميليا، وامتدت شكوكه بين سكان المستوطنة كالنار في الهشيم. وعلى الرغم من أن أهل قرية إيرلهام أرادوا تصديق إميليا، إلا أن ذكرياتهم عن الثلج كانت مرتبطة بها.
سرت قشعريرة في جسد سوبارو بينما كان روزوال يتحدث. كان يشير إلى تلك الموجة الباردة التي عرفها سكان القصر والقرية سابقًا، عندما تساقط الثلج خارج موسمه حول قصر روزوال.
«تقبل؟ لا، قبل هذا كله… كيف…؟!»
تلك اللحظات كانت فترة سلام ممتعة بين سكان القصر وأهل القرية. لكن روزوال كان يستغل تلك الذكريات الآن.
بقوته الساحرة، كواحد من أعظم السحرة في المملكة، لم يكن هناك مكان أفضل لخوض معركة مثل هذه. العدد لم يشكل عائقًا بالنسبة له؛ فبقوته الساحقة، يستطيع بلا شك اجتثاث ذلك الحشد وفتح الطريق.
في الحقيقة، كل شيء جرى وفقًا لمخططات روزوال حتى أدق التفاصيل.
«أن تقول لي ”كل شيء“ بهذا الشكل… هذا أمر غير ممكن. ثم لو كان باك بجانبها، لما اعتمدت عليَّ بهذه الطريقة…!»
اشتبه غارفيل بإميليا، وامتدت شكوكه بين سكان المستوطنة كالنار في الهشيم. وعلى الرغم من أن أهل قرية إيرلهام أرادوا تصديق إميليا، إلا أن ذكرياتهم عن الثلج كانت مرتبطة بها.
لم تنبس النسخة بيكو بكلمة، ولم تهز رأسها تأكيدًا، بل أدارت ظهرها لسوبارو بهدوء وركضت بخفة على الثلوج، غير مكترثة بما يحيط بها. تبعها سوبارو على الفور، مستعجلًا خلفها.
لقد كانت إميليا هي من أسقط الثلج، وكل ذرة تراب في تلك الأرض، في ذلك العالم، حملت مبررًا لإلصاق كل جريمة بها، بغض النظر عن الفاعل الحقيقي.
ومَن يدرك عبثية الأمور لا بد أن يصاب بالاضطراب. ليس هناك سبيل لأن يكون عاقلًا بعد كل هذا.
«—مرارًا وتكرارًا. نعم، مرارًا وتكرارًا، سوبارو.»
ذلك كان الشيطان المسمى بالتحامل، الذي أذاق إميليا مرارة الألم على مدار سنوات طويلة.
وضع سوبارو تلك الأفكار على الرف مؤقتًا. سيكون هناك متسع لها لاحقًا، لكن في الوقت الراهن كان عليه التركيز. إذا تهاون، ستتوقف قدماه عن المسير. وهذا ما كان يخشى حدوثه.
«ولعلك تسأل: ماذا أستفيد من عزل السيدة إميليا؟ حسنًا، السيدة إميليا ضعيفة للغاية، في واقع الأمر. ليس غريبًا أن تُلقي بنفسها بين يدي ”شخص“ يستطيع تقبُّلها. وإذا كان هذا الشخص يرغب في دعم السيدة إميليا بكل جوارحه، فذلك أفضل بكثير.»
«روزوال…؟»
«أحب أن أدللك، لكن تعلم أن الأطفال المدللين يتعرضون للمزاح بشعرهم…»
«انتظر، انتظر… انتظر لحظة، انتظر!»
«بصراحة، كنت خائفة حقًا. خفت من أن سوبارو لا يحبني من أعماق قلبه، وأنه قد يكرهني. لهذا السبب جئت إلى هنا، ولكن لم أتمكن من النجاح… ولهذا أنا سعيدة جدًا، جدًا، لأنك جئت، سوبارو.»
استمرت اعترافات روزوال، وأثارت تلك الكلمات في نفس سوبارو خوفًا غريزيًّا جعله يرفع يديه.
لم ترَ إميليا ما كان خطأً في سوبارو، ولم تدرك التغيرات التي طالت الملجأ، ولا النهاية التي كانت تقترب منهما ببطء. وربما كان سوبارو أيضًا على نفس الحال.
شعر وكأن حقيقة مروِّعة، أو معلومة صادمة، قد كُشفت أمامه في تلك اللحظة.
ارتعدت أوصاله وتجمد دمه في عروقه. شعر وكأن قلبه انقبض بقبضة قاتلة.
حتى تلك اللحظة، لم يستوعب سوبارو كلمة واحدة مما نطق به روزوال. كان ذهنه غارقًا في فوضى عارمة.
وكأن تلك الكلمات كانت المفتاح لفهم نوايا روزوال الحقيقية— وما إن عرفها، لم يعد بإمكانه التراجع.
«رو…ز…»
في تلك اللحظة، كانت إميليا تحتضنه بلطف.
«بمجرد أن تعتمد السيدة إميليا عليك، لن تتمكن أبدًا من إبعادها. بالطبع، فأنت تحبها… وإذا منحتك محبوبتك السيدة إميليا ثقتها الكاملة، فلن تتمكن من صدَّها.»
كان ضجيج العالم يلاحقه، يعنفه بلا رحمة، ولكن سوبارو حاول بجهد تجاهل كل صوت، يدفعه بعيدًا عن أذنيه.
«هذا ليس…»
«تقبل؟ لا، قبل هذا كله… كيف…؟!»
كان جسده المثقل بالجراح ملفوفًا بالضمادات، مستلقيًا على جانبه فوق السرير في الغرفة المخصصة له. وجهه كان مغطى كالعادة بتلك الألوان البهلوانية التي تشبه زينة المهرجين.
‹لا. لا يمكن أن يكون هذا صحيحًا.›
بقدر ما استطاعت رؤيته، لم تكن هناك أضواء من مصابيح البلور أو الشموع. وفي ظلِّ هذا البرد القارس، كان عدم إشعال النار ضربًا من الانتحار. فلا شكَّ أن وجود النار يمثل ضرورة قصوى لوجود الحياة.
لقد قاوم سوبارو هذا الشعور في تلك اللحظة التي لجأت إليه إميليا في القبر. تحمل كل ذلك لأنه علم أن تلك لم تكن مشاعرها الحقيقية، ولم يسمح لنفسه أن يغرق في مشاعر حب مزيفة ليست سوى ظل باهت للحقيقة—
«أرى أنك ترفض هذا اليوم. يا للخسارة بالنسبة لي. يبدو أن النسخة الحالية منك منشغلة بأمور جانبية أكثر مما ينبغي.»
«—لأن إميليا ليست هي مَن تسبب في تساقط هذا الثلج».
«إيه؟»
«أمور جانبية؟ انتظر… هل هذا السبب وراء ما فعلته برسالتي؟»
لم تنبس النسخة بيكو بكلمة، ولم تهز رأسها تأكيدًا، بل أدارت ظهرها لسوبارو بهدوء وركضت بخفة على الثلوج، غير مكترثة بما يحيط بها. تبعها سوبارو على الفور، مستعجلًا خلفها.
«—رسالة؟»
كان روزوال يبتسم. انفرجت شفتاه الرقيقتان بابتسامة شيطانية، يفيض وجهه بتعبير ملؤه الترحيب والسعادة وهو يواصل التحديق في سوبارو.
تسللت الشكوك إلى كلمات روزوال وهو يطرح السؤال على نفسه. لكن سرعان ما تخلَّى عن تلك الشكوك.
تطايرت الدماء، وتردد صوت تمزيق اللحم معلنًا بداية مشهد مأساوي. تأخرت باقي الأرانب قليلًا، لكنها سرعان ما انقضَّت على ذراعيه، وركبتيه، وظهره.
تقدَّم خطوة واحدة، غامرًا في بركة الدماء، مما دفع جسد سوبارو إلى الارتداد لا إراديًّا إلى الخلف. لوَّح روزوال بذراعه الطويلة، مرتسمًا على وجهه ابتسامة حزينة، ثم قال:
«—ماذا؟»
مسدت إميليا على رأسه. خديها ازدادا احمرارًا، بينما ارتسمت على وجهها ابتسامة لطيفة.
«النسخة الحالية منك غير كافية لتحقيق المستقبل الذي ورد في النص. وأي انحراف عما هو مسجَّل يتطلب تصحيحًا.»
«هل تنوي… قتلي؟»
«لا أضواء في المنازل… أليس هناك أحد بالداخل…؟»
«قتلك سيكون كمن يضع العربة أمام الحصان، ألا تعتقد؟ سيكون موتك مزعجًا بالنسبة لي. فأنا بحاجة ماسَّة إلى أن تغتنم الفرصة التالية، مهما حدث لك.»
«غـاه-آآه-آآآآه…!»
ازداد شحوب وجه سوبارو فيما وضع روزوال يده على ذقنه وأومأ بتفكير. لم يكن هناك شك: لقد لمست كلمات روزوال للتو المحظور الذي يخفيه سوبارو في أعماقه—
«—ماذا؟»
ضاق سوبارو ذرعًا بتعليق روزوال، لكنه أدرك في أعماقه أن الأخير محق إلى حد ما. فمنذ وصوله إلى هذا العالم، لم يحقق سوى انتصار واحد في قتال فردي… انتصار تحقق بضربات مباغتة ثلاث.
«—يبدو أن الحديث قد انتهى…»
تسببت كلمات روزوال في ارتباك سوبارو للحظة، لكنه استوعب سريعًا معناها، وفي الوقت ذاته أدرك اختلافها عن الحقائق التي يعرفها.
صرخ سوبارو في غضب، رافعًا إصبعه باتهام تجاه روزوال على المجزرة التي ارتكبها، لكن الأخير هز رأسه يمينًا ويسارًا وكأنه يقول: ”وهل كانت أفعالك أنت نبيلة بما يكفي لتأخذ هذا الموقف المتعالي؟“
بناءً على ما هو مكتوب في كتاب المعرفة، أدرك روزوال أن سوبارو يخوض حلقات زمنية. لكنه لم يكن يعلم أن الموت هو الزناد الذي يفعِّل العودة بالزمن.
وعليه، اعتقد روزوال أنه لا يمكنه قتل سوبارو ما لم يُفعِّل الحلقة بنفسه عن طواعية. إذا كانت الأمور على هذا النحو، فهناك فرصة للنجاة—
«لن أقتلك. لكن، أستطيع فعل أي شيء آخر بك. أليس كذلك؟»
غطى الفراء الذهبي جسده المكشوف، وبدأت أنيابه الحادة تصدر صوتًا وهي تنمو ببطء. رغم أن جسده كان على شفا الموت، دفعته غريزته نحو التحول إلى هيئة النمر العملاق كوسيلة للهروب من الموت المحتم.
في اللحظة التالية، تلقى سوبارو ضربة عنيفة اخترقت ضلوعه وكأنها تستهدف ضفيرة معدته مباشرة، لترسله مرتطمًا بالجدار بقوة.
«غـ-آه…»
«—الثلج. هل فعلت إميليا هذا؟»
«بالنظر إلى كيف سيتطور ما بيننا بعد هذا، لا أظن أن هذه التصرفات مني لائقة. هل استخدمت المصطلح بالشكل الصحيح؟»
بينما كان غارفيل يمارس سحر الشفاء، بدأت عضلاته ترتجف وتتضخم، وكأن عروقه تنبض بتسارع غريب.
«غـواا! غـ-غيااا!»
«…انتظر، لا تقل لي إن هذا…؟»
بينما غرس روزوال أظافره في خاصرة سوبارو الملقى على الأرض، أمال رأسه كما لو كان هذا مجرد موقف عادي. لم يعتمد على قوة ركلاته بقدر ما استغل معرفته الدقيقة بنقاط الضعف، ليزيد عذاب سوبارو بدقة مؤلمة.
فقد ريم وبترا وفريدريكا، وشاهد بياتريس تموت أمامه. وبعد كل ذلك، عاد ليجد الملجأ في هذه الحالة. محاولاته للاحتفاظ بهدوئه ليست سوى ضرب من العبث في نظره.
ومع احتضار سوبارو تحت وطأة الألم، استمر روزوال في إنزال ضرباته عليه بلا هوادة— لكمات وركلات وأحيانًا ضربة قاسية على رأسه، حتى سالت من محجر عينه اليسرى دموع من دماء.
«في البداية، كنت خائفة جدًا، كما ترى. استعسر الأمر عليَّ. أعني، لم أتمكن من القيام بأي شيء كما يجب، واعتقدت أن سوبارو سيشعر بالإحباط مني هكذا.»
ومع كل هذا، لم يمت. لم تحدث العودة بالموت. لم تتكرر الحلقة.
«أمور جانبية؟ انتظر… هل هذا السبب وراء ما فعلته برسالتي؟»
«…فعلت كل هذا، ومع ذلك لا تحاول مرة أخرى؟ تبدو عنيدًا للغاية.»
«سوبارو، أحبك. أحبك حقًا. عندما أفكر فيك، عندما أفكر فيك وحدك، أرغب في أن أكون معك إلى الأبد. هذا ما أشعر به.»
«أنـا… أنا… أنا…»
أما مَن راقبا ظهره وهما يقفان جنبًا إلى جنب، فكان غارفيل وبيكو فقط.
«آآه… أم أن هذه محاولة أخرى منك بالفعل؟ الآن بعدما فكرت في الأمر، لا أملك وسيلة لمعرفة ما إذا كنت قد جربت أم لا. يا لها من هفوة كبيرة في حساباتي.»
كانت نظرات روزوال المشفقة الموجهة نحو سوبارو تحمل سخرية مبطَّنة أثارت في نفسه مرارة أشد من الألم نفسه. لكن ما دفع الألم الحقيقي إلى التسرب من شفتي سوبارو كان شيئًا أعمق وأثقل، دائم الحضور في أعماقه:
«روز…وال… أنت… تتحدث وكأني جربت… مرات كثيرة…»
«همم-مم… أفهم… أفهم… كم هو مخيب للآمال.»
«رسالة…؟»
«أوه؟ يبدو أننا نخوض في موضوع بالغ الأهمية الآن؟ هيا أخبرني.»
لم تكن تلك مجرَّد استعارة. بل كان إحساسًا حقيقيًا، وكأن قلبه قد وُضع تحت قبضة مميتة. وقع الكلمات كان شديدًا لدرجة لا توصف.
«مصلحة؟ لم تُدر ظهرك لها أبدًا، هراء! أنت… حتى أنت، الأمر يتعلق بذلك الكتاب، أليس كذلك؟! أنت تتبع ما كُتب فيه، أليس كذلك؟! هل ستخبرني بنفس ما قالته بياتريس؟! أن كل ما فعلته حتى الآن -وما تفعله في هذا الملجأ- هو…!»
«أنا… مَن يطرح عليك السؤال… لماذا… تتصرف… وتخطط بناءً على افتراض أنني… أو أن أحدًا آخر… يمكنه إعادة الأمور؟ هل تعتقد حقًا…؟»
«حـ-حتى لو أعدت المحاولة، هذا المسار هو الأسوأ! لو تحدثنا أكثر… لو تحدثنا بصدق… أم أنك تظنُّ أنَّك ستفعل ذلك في المرة القادمة، لكن…»
أخيرًا، تحولت الهواجس التي لطالما رافقته إلى شك ملموس.
لكن هذا النوع من التفكير كان ببساطة—
ذلك الشك كان أن روزوال يمتلك وسيلة لوراثة الذكريات.
«لا يمكن أن تقول إميليا إنها تحبني… أنها تعتمد عليَّ بالكامل، وتقول إن وجودي يكفيها ولا تحتاج إلى شيء آخر؟ هذا مستحيل».
«إذًا… كان معك طوال الوقت!»
كما كانت تفعل إيكيدنا داخل القبر، حيث تقبع في قصر أحلامها المنفصل عن الواقع، فهل ورث روزوال الذكريات حتى بعد عودة سوبارو بالموت؟
وإلا، فلن يكون منطقيًا كيف يمكنه التخطيط معتمدًا على إمكانية إعادة الأمور.
«إذا كان الأمر كذلك… فهذا مقبول. لكن إن كان صحيحًا… فلا أستطيع…»
«سوبارو.»
لا أستطيع مسامحتك. إذا كان كلاهما قد ورث تلك الذكريات، فلن يكون هناك مجال لاستمرار العلاقة بينهما.
لقد ارتكب روزوال العديد من الخطايا الفادحة لتحقيق هدف غامض بالنسبة لسوبارو، ولم يقتصر هذا المسار على هذه الحلقة فقط؛ بل كان نهج هذا الرجل في كل مرة ومضة من المستقبل القادم.
شعر سوبارو أن غضبه يبدو أنانيًّا، وربما منفصلًا عن مشاعر الحقد والاحتقار التي حملها طوال رحلته حتى تلك اللحظة. لكنه لم يستطع السيطرة عليه.
إذا كان الأمر كذلك، فإن المستقبل الأمثل الذي يسعى إليه سوبارو، وأهداف روزوال—
روزوال، الذي كان راقدًا على السرير حينها، لم يُبدِ أي محاولة للنهوض، ولم يوجه أي نظرة غاضبة نحو رام أو غارفيل.
تلك العين التي تراقب الملجأ، ستستجيب لرغبة رسول الجشع—
«—يبدو أن الحديث قد انتهى…»
لكن بينما بدأت كلمات سوبارو المتكسرة تخفت، التفت روزوال نحو نافذة الغرفة. وفي زاوية عين سوبارو المغمضة، ضاقت عينا روزوال قليلًا قبل أن ينطق بكلمة واحدة:
تلك العين التي تراقب الملجأ، ستستجيب لرغبة رسول الجشع—
«آه، أنا… آسف… جسدي استسلم فجأة…»
«غوا.»
كيف يمكن فهم أمنيتها بالموت؟ تلك الأمنية لم تكن ما أرادته حقًا.
على الرغم من همسه بالكلمة بصوت منخفض، إلا أن النتيجة كانت ساطعة بلون أحمر متوهج.
انطلق كرة نارية قرمزية بحجم قبضة اليد بسرعة سهم، مخترقة النافذة ومذيبة زجاجها في طريقها، لتصيب مباشرة الظل الذي حاول التسلل عبر النافذة.
حينما استقرت قدما سوبارو على الأرض، مرَّر يده برفق على عنقه، ثم أومأ برأسه تجاه غارفيل بامتنان.
احترق الهدف بالكامل في غمضة عين، متحولًا إلى رماد، ولم يتبقَّ منه سوى صوت صرخاته المحتضرة: «كيي، كيي…»
شهق سوبارو عندما قبض روزوال على عنقه من الأمام ورفع جسده بسهولة بيد نحيلة. أنَّ سوبارو وتلوى في محاولة للفرار، لكن روزوال لم يعر مقاومته أي اهتمام. بخطى سريعة، جرَّه بلا رحمة نحو الباب، ليخرجه بعنف من المنزل ويقذفه إلى الخارج، حيث هبَّت رياح باردة تعصف بلا شفقة.
«ما هذا الذي…؟»
«ها قد وصلنا. حتى هنا عند المدخل، تراكم الثلج على نحو لا بأس به.»
أما مَن راقبا ظهره وهما يقفان جنبًا إلى جنب، فكان غارفيل وبيكو فقط.
«أفهم، أفهم… —إذًا هكذا ينتهي الأمر؟»
شهق سوبارو عندما قبض روزوال على عنقه من الأمام ورفع جسده بسهولة بيد نحيلة. أنَّ سوبارو وتلوى في محاولة للفرار، لكن روزوال لم يعر مقاومته أي اهتمام. بخطى سريعة، جرَّه بلا رحمة نحو الباب، ليخرجه بعنف من المنزل ويقذفه إلى الخارج، حيث هبَّت رياح باردة تعصف بلا شفقة.
بالطبع، فقد كان صدرها مثقوبًا بعمق من الخلف.
قُذف سوبارو وسط الثلوج، فحاول نفض شيء بارد لمس رأسه، وتمكَّن بصعوبة من الجلوس.
وإلا، لماذا حمت سوبارو في النهاية؟
ثم أدرك ما كان أمامه، فتسمر في مكانه وعقدت الدهشة لسانه.
بينما نادى غارفيل باسم الفتاة التي في أحضانه، انطلق منه زئير غاضب مصحوبًا بنزيف دموي، في حين بدأت ذراعه تشع بضوء شاحب. أدرك سوبارو على الفور أن الطاقة المتدفقة من ذلك الضوء اللامع ما هي إلا سحر شفاء.
«…»
سمع صوت *سكرت سكرت* حادًّا، أشبه باحتكاك أشياء صلبة ببعضها، وكان هذا الصوت مألوفًا بالنسبة له— تلك كانت أنشودة أنياب مصممة لتمزيق فرائسها. إنه صوت جرَّبه من قبل.
امتزج الفراء الأبيض الناصع تمامًا مع مشهد الثلج الذي غطَّى أراضي الملجأ، بينما ارتجفت أجساد صغيرة لا تكاد تملأ راحة اليد، وأخذت أعينها المستديرة تتفحص المكان ببراءة مخادعة. كانت تلك المخلوقات تبدو لطيفة، لكنها ليست سوى أدوات عشوائية للقتل.
«الأ-الأرانب…!»
تقدم عبر ممر حجري جاف، يمضي أعمق فأعمق حتى وصل إلى وجهته—
ارتعش سوبارو وهو يصيح بذهول أمام ظهور ”الأرنب العظيم“، أحد الوحوش الثلاثة العظيمة.
هل يمكن أن ينجح ضبط النفس في كبح جماح القوة المسعورة التي تحركها نيران الغضب؟ أمام هذا الخطر، حاول سوبارو أن يرفع صوته، لكن حركة أسرع سبقته. فقد تقدمت شخصية بخفة أمام غارفيل لتقطع عليه الطريق، وارتفع صوتها:
ومع صرخته، كما لو أن الفزع استدعى الكارثة، قفزت الوحوش من بين الثلوج واحدة تلو الأخرى. أصدرت تلك الكائنات الصغيرة أصوات *كيي، كيي*، بينما استمر صوت *سكرت سكرت* يصاحب تحريك أنيابها، وعددها تجاوز حدود العد.
«بالنسبة إلى الأرنب العظيم، هذا المكان مثالي للتغذية. السكان ذوو الدماء الشبيهة بالبشر تلقُّوا بركة مانا غزيرة منذ ولادتهم… والأهم من ذلك، أن الجميع -بما فيهم القرويون الذين تم إجلاؤهم-ومجتمعون في مكان واحد.»
لم يكن سوبارو مدركًا تمامًا إلى أي حدٍّ يرغب في أن يكون الأهم بالنسبة لإميليا. لكنه ليس مغرورًا بما يكفي ليصدق أنه يحتل هذه المكانة بالفعل.
هذه الوحوش، التي لم يبقَ لها من غرائز سوى جوع لا يشبع، وصلت إلى الملجأ.
«لكن… هذا جنون. اليوم هو الثاني فقط… لماذا يحدث هذا الآن…؟!»
باستخدام حقوقه بصفته رسولًا، استدعى سوبارو النسخ المتبقية من ريوزو في الملجأ. كلفها بمهمة اعتراض الوحوش الشيطانية، وفي غمرة الفوضى، تمكَّن بصعوبة من النجاة.
من خلال رؤية بيكو واقفة بجانبه، استنتج غارفيل أن سوبارو قد حصل على حقوق القيادة. زادت عدائية غارفيل أكثر، وألم عينه اليسرى تفاقم بفعل المشاعر المعادية المتجسدة في غارفيل.
تذكَّر سوبارو أن الأرانب العظيمة هاجمت الملجأ، وفقًا لما يعرفه، في اليوم الخامس. كان يفترض أن هناك متسعًا من الوقت. فما الذي دفعها إلى الظهور بهذه السرعة؟
«تقبل؟ لا، قبل هذا كله… كيف…؟!»
«لا شك أن الثلوج هي السبب.»
«—يبدو أنك تسيء فهم شيء ما، سوبارو.»
«—! دافني قالت إن الأرانب تتغذى على الطاقة السحرية؛ وكلما زادت المانا، كان أفضل لها…!»
«الأ-الأرانب…!»
تسللت الشكوك إلى كلمات روزوال وهو يطرح السؤال على نفسه. لكن سرعان ما تخلَّى عن تلك الشكوك.
خلال لقائه العابر مع الساحرات، أخبرته ”ساحرة الشراهة“؛ دافني، أن الأرانب تنجذب إلى المانا. وعلى الرغم من أنه لم يجد بعد وسيلة لاستغلال هذه المعلومة لمواجهة تهديد الوحوش، إلا أن الحقيقة كانت واضحة الآن—
قطعت تلك الجملة سيل أفكار سوبارو، وأوقفته مؤقتًا. وبينما واصل عقله محاولة التحقق من المعلومات المتراكمة، اشتعلت في صدره مشاعر الفقد، ليواجه روزوال غضبًا من أجل الفتاة التي كانت في صميم ذلك الألم.
«الثلج…! لا شيء يمنعها من التهام السحر العظيم الذي يتحكم في الطقس. لهذا السبب…!»
‹لا. لا يمكن أن يكون هذا صحيحًا.›
«بالنسبة إلى الأرنب العظيم، هذا المكان مثالي للتغذية. السكان ذوو الدماء الشبيهة بالبشر تلقُّوا بركة مانا غزيرة منذ ولادتهم… والأهم من ذلك، أن الجميع -بما فيهم القرويون الذين تم إجلاؤهم-ومجتمعون في مكان واحد.»
سمع سوبارو مناجاة بياتريس وآلامها. ومع ذلك، كيف يمكن لرجل مثل روزوال، الذي لم يفعل شيئًا من أجلها، أن يتصرف وكأنه يفهم بياتريس حقًا؟
«—يبدو أنك تسيء فهم شيء ما، سوبارو.»
«الكاتدرائية—!»
تكلم سوبارو بصعوبة، محاولًا تبرير خروجه من الملجأ. شعر أن ما حدث ما كان ليكون هكذا لو وصلت رسالته إليها. نعم، الرسالة…
«القبر، يمعنى… أنك ستسمح لي بلقاء إميليا؟!»
وكأن تلك الفكرة أشعلت عزمه، دفع سوبارو جسده المتألم إلى الوقوف بصعوبة. مسح دماء أنفه بكمه، وتقدم نحو روزوال مع اقتراب هجوم الأرانب الوشيك.
غارقين في دمائهما، احتضن كل منهما الآخر، وكأن الألم جمع بين روحيهما في لحظة مأساوية.
«روزوال! الآن… فقط الآن، لنوقف القتال! علينا التوجه إلى الكاتدرائية! هل يمكننا الاحتماء هناك؟ لا، يجب أن نلتقي بإميليا في القبر ونهرب معًا إلى الخارج…»
«فقط… قليلًا… نعم. آه، لا بأس، لا بأس… يمكنني فعل هذا… يمكنني فعل هذا…»
«الهرب؟ إلى أين؟ هناك الحاجز. سكان الملجأ لا يستطيعون الفرار.»
«…»
«هـ-هذا…»
«لم يكن الوقت كافيًا، سوبارو. ما دامت التجربة لم تنتهِ، فلن يتمكن السكان من مغادرة الملجأ. وبذلك، فإن المستقبل الذي تطمح إليه لن يتحقق أبدًا.»
بينما تلعثم سوبارو، دفع روزوال صدره بخفة وواصل سيره بهدوء نحو الأمام.
«روزوال! الآن… فقط الآن، لنوقف القتال! علينا التوجه إلى الكاتدرائية! هل يمكننا الاحتماء هناك؟ لا، يجب أن نلتقي بإميليا في القبر ونهرب معًا إلى الخارج…»
«رام…»
أمام خطواته التي تركت آثارًا فوق الثلج، كانت الأرانب العظيمة تتقدم في خط غير منظم، لكنها تحمل الموت معها.
بقوته الساحرة، كواحد من أعظم السحرة في المملكة، لم يكن هناك مكان أفضل لخوض معركة مثل هذه. العدد لم يشكل عائقًا بالنسبة له؛ فبقوته الساحقة، يستطيع بلا شك اجتثاث ذلك الحشد وفتح الطريق.
ومع ذلك، لم يشعر سوبارو مطلقًا بأن روزوال يمتلك الإرادة للمقاومة. كان تقدمه المستمر يوحي بوضوح أنَّه رجل يمضي إلى حتفه بإرادته.
التقط سوبارو أنفاسه بعمق، ثم فتح عينه اليمنى. وعندما وقع نظره على روزوال، قال مباشرة:
«انتظر، انتظر، تبًا، روزوال…! لم ننتهِ بعد من حديثنا!»
مسح روزوال يديه وقدمه الملطخة بالدماء بأطراف الأغطية، ثم التفت نحو سوبارو، الذي ظل واقفًا في مكانه، عاجزًا عن النطق أو الحركة.
«لا، انتهينا. على الأقل، ليس لديَّ ما أقوله لك بعد الآن، ولا سبب للعيش.»
لم ينبس روزوال ببنت شفة، لكن الابتسامة التي ارتسمت على شفتيه تلاشت على الفور.
«…».
«حـ-حتى لو أعدت المحاولة، هذا المسار هو الأسوأ! لو تحدثنا أكثر… لو تحدثنا بصدق… أم أنك تظنُّ أنَّك ستفعل ذلك في المرة القادمة، لكن…»
«—يبدو أنك تسيء فهم شيء ما، سوبارو.»
«ماذا؟»
«رام، أنتِ خادمة رائعة بحق.»
تجمَّد سوبارو عند سماع كلمة ”سوء فهم“. وقف روزوال في مكانه، لكنه اكتفى بإدارة رأسه نحو سوبارو، الذي ظل مشدوهًا دون أن ينبس ببنت شفة.
في ذهنه المثقل، لم تتردد سوى صورة فتاة واحدة.
لم يدرك سوبارو مغزى السؤال.
ثم تابع روزوال حديثه:
«حتى لو أتيحت لك الفرصة لتكرار الأمور، لا أملك أنا مثلها. الشخص الذي ينتظرك بعد المحاولة الجديدة لن يكون أنا الذي تراه أمامك الآن. هذه نهايتي— ولكن هذا لا بأس به.»
وإلا، فما الذي يُبقي سوبارو حيًا إلى الآن—؟
هناك خطأ. شيء ما ليس على ما يرام. الإحساس المزعج الذي شعر به منذ لحظة لقائهما لم يتبدد.
صدمت كلمات روزوال سوبارو كأنها صاعقة. كان روزوال يؤكد أن الفرصة لإعادة المحاولة تخص سوبارو وحده، وأن كل شيء آخر في الحلقة الزمنية لا علاقة له بها.
أطلق روزوال زفرة ثقيلة، وكأن الكلمات فقدت معناها لديه.
بعبارة أخرى، كان روزوال على دراية بأنَّ سوبارو يعيش ضمن حلقة زمنية متكررة، وحاول استغلال ذلك لهدف ما. غير أن ما فعله كان محدودًا بإطار هذه الفكرة فقط.
منذ البداية كان الأمر مريبًا. وليس من الصعب على سوبارو أن يستنتج أن هناك مَن خطط لهذا المشهد بهذه الدقة.
فبالنسبة إلى روزوال الذي سيموت في هذه الحلقة، تنتهي حياته ووعيه هنا. حتى لو أعاد سوبارو الزمن، لن يكون هذا ”روزوال“ في انتظاره في الطرف الآخر.
تذكَّر سوبارو أن الأرانب العظيمة هاجمت الملجأ، وفقًا لما يعرفه، في اليوم الخامس. كان يفترض أن هناك متسعًا من الوقت. فما الذي دفعها إلى الظهور بهذه السرعة؟
لم يكن في وسع سوبارو امتلاك القوة أو المعرفة الكافية ليداوي جراح أربعة قرون من العزلة.
لكن هذا النوع من التفكير كان ببساطة—
جاء رد فعل سوبارو متأخرًا جدًا على تلك الكلمات، إذ كان غارقًا في ذلك المشهد الذي ترسخ في ذاكرته.
«—هذا ليس منطق إنسان.»
«… لن تأتي؟»
—بين إحساس بالخسارة ووحشة الوحدة، تمنى سوبارو أن يختفي، وأراد أن يحدث ذلك في أقرب وقت ممكن.
بالنسبة لسوبارو، الذي يستمر وعيه عبر الحلقات، تختلف الشروط الأساسية تمامًا.
«شعرت بالوحدة، سوبارو… أعني، لقد تركتني وذهبت.»
جاءه الصوت من العتمة، وكأنما أطلقه من قفص أفكاره الطويل. أمامه تمامًا، انتهى الممر، ليكشف عن غرفة حجرية تشع بريقًا أزرق خافتًا. وفي قلب الغرفة، وقفت تلك الشخصية الوحيدة.
أما روزوال، الذي لا يستمر وعيه، فحين يموت تنتهي قصته. ومع إدراكه لهذه النهاية، قبل بها وضمنها ضمن خطته وكأنها أمر واقع. كان هذا ضربًا من الجنون.
حتى تلك اللحظة، لم يستوعب سوبارو كلمة واحدة مما نطق به روزوال. كان ذهنه غارقًا في فوضى عارمة.
ولكن هذا المشهد بدا متناقضًا مع كل ما يعرفه، بل وأكثر من ذلك، أربكته فوضى اللحظة وعطلت تفكيره.
«في النهاية، سيأتي اليوم الذي تلحق بي فيه حقًا، يا سوبارو.»
«روزوال…؟»
«بصراحة، كنت خائفة حقًا. خفت من أن سوبارو لا يحبني من أعماق قلبه، وأنه قد يكرهني. لهذا السبب جئت إلى هنا، ولكن لم أتمكن من النجاح… ولهذا أنا سعيدة جدًا، جدًا، لأنك جئت، سوبارو.»
فبالنسبة إلى روزوال الذي سيموت في هذه الحلقة، تنتهي حياته ووعيه هنا. حتى لو أعاد سوبارو الزمن، لن يكون هذا ”روزوال“ في انتظاره في الطرف الآخر.
«استمع جيدًا ياسوبارو.لديك شيء مهم شيء واحد عزيز عليك بحق. تجرد من كل شيء آخر. تخلَّ عن كل ما سواه وفكر فقط في حماية ذلك الشيء الغالي على قلبك.»
قهقه غارفيل بسخرية: « هل أخسر أمام فاقد العين هذا؟ هل لديك مشكلة في عينك؟! سأفوز بلا شك.»
«…»
«وفر سخريتك، روزوال. كلانا يعرف جيدًا نوع الرجل الذي أنت عليه… لكن هناك مواقف معينة يتغير فيها ما يمكن التغاضي عنه، مثل هذه اللحظة.»
《٨》
«إذا فعلت ذلك—»
فهم سوبارو تمامًا ما شعرت به؛ فقد تذوق هذا الشعور بالعجز مرارًا، تمامًا كما ذاق الموت مرات لا تُحصى.
«توقف عن هذا الهراء المطوَّل، أيها الوغد.»
وسط هذه اللحظة التي حملت في طياتها إلحاحًا وصدقًا عميقين، ارتسمت ابتسامة على وجه روزوال وهو ينظر إلى سوبارو.
ارتعش سوبارو وهو يصيح بذهول أمام ظهور ”الأرنب العظيم“، أحد الوحوش الثلاثة العظيمة.
ثم انقضَّ الأرنب العظيم، الذي كان قد اقترب بشدة، وغرس أنيابه في عنق روزوال.
«سيكون من المزعج السماح لك بالتحول، أليس كذلك؟»
تطايرت الدماء، وتردد صوت تمزيق اللحم معلنًا بداية مشهد مأساوي. تأخرت باقي الأرانب قليلًا، لكنها سرعان ما انقضَّت على ذراعيه، وركبتيه، وظهره.
«روز…وال… أنت… تتحدث وكأني جربت… مرات كثيرة…»
«شعرت بالوحدة، سوبارو… أعني، لقد تركتني وذهبت.»
«روزواااااال—!!»
في لحظة واحدة، تحطم قلب غارفيل الذي كان ملتهبًا بالكراهية، بفعل رؤية الجروح التي أصابت محبوبته.
«غـاه-آآه-آآآآه…!»
«—يمكنك أن تصبح مثلي.»
لقد ارتكب روزوال العديد من الخطايا الفادحة لتحقيق هدف غامض بالنسبة لسوبارو، ولم يقتصر هذا المسار على هذه الحلقة فقط؛ بل كان نهج هذا الرجل في كل مرة ومضة من المستقبل القادم.
سار غارفيل بخطوات واثقة، مبعدًا كتل الثلج الغزير وكأنها لا شيء. توقف على مسافة أمتار قليلة أمام سوبارو، عابسًا بوجه مشمئز.
اختفت ابتسامة المهرِّج تحت أجساد الأرانب التي احتشدت بجنون حوله. وكأنها تلتهمه بشغف، غطَّت الأرانب جسد روزوال بالكامل. ومع سقوطه على جانبه بلا مقاومة، أخذت الأنياب تنهش جسده بلا رحمة. راحت الأرانب تتغذى بنهم، تلتهم كل ما طالته أنيابها.
ضامًا كتفيه وناثرًا أنفاسًا بيضاء بفعل الصقيع، صرَّ سوبارو على أسنانه بإحكام. وشدَّ فكيه دون أن يُطابق بينها، متجاهلًا الألم النابض في عينه اليسرى، ومجبرًا عينه اليمنى المتجمدة على البقاء مفتوحة.
تناثرت الدماء الطازجة على الثلوج البيضاء، لتشكِّل لوحة جحيمية على هذا القماش الطبيعي الهائل. ولم تلبث تلك اللوحة الدامية أن اختفت أيضًا، إذ راحت الوحوش الشيطانية تلعق الثلج الملطخ بالدماء، تمحو أي أثر متبقٍّ.
«كونك هنا يعني أنك دخلتِ المحاكمة، صحيح؟ ولكنك الآن…»
في صمتٍ مطبق، راقب سوبارو المشهد المروِّع؛ شاهد كيف زال روزوال عن الوجود، وكيف تلاشت حياته قطعة بعد أخرى.
توقف سوبارو عن الكلام فجأة، إثر إحساس غير متوقع. أصابعها تسللت بين خصلات شعره الأسود وبدأت تملس على رأسه برفق.
—لقد شاهد كل شيء.
صدمته العبارة بقوة مرعبة، إذ بدت كلمات روزوال وكأنها تشير مباشرة إلى ”العودة بعد الموت“. كان القانون الذي تحكمه الساحرة صارمًا وقاسيًا. ربما يتوقف الزمن في تلك اللحظة، وتنبثق الأذرع السوداء لتفرض حكمها. أو ربما، لا تكفي تلك الأذرع وحدها، فتعود الساحرة من جديد، لتلتهم الملجأ بأكمله—
«أوه؟ يبدو أننا نخوض في موضوع بالغ الأهمية الآن؟ هيا أخبرني.»
《٧》
عالم مكتمل، مستقبل بعيد المنال، آمال ضائعة، وروابط مداسة: كان كل شيء منها يعبق بطعم الدم.
«كما قلت، أنا أحسدها. —ففي النهاية، يبدو أن أمنيتي العزيزة لن تتحقق أبدًا.»
ومع ذلك، عضَّ سوبارو على تلك المرارة المتصاعدة، متشبثًا بقراره.
تجمد غارفيل في صمته، حيث برزت مشاعر معقدة في عينيه الجادين.
لقد حان الوقت. هذه المرة سيستسلم حقًّا لهذا العالم؛ فقد آن الأوان للتخلي عنه.
عالم مكتمل، مستقبل بعيد المنال، آمال ضائعة، وروابط مداسة: كان كل شيء منها يعبق بطعم الدم.
من كل صوب، تردد صوت أنياب الوحوش، *كيشي كيشي*، أسرى لشهوتها التي لا تعرف شبعًا.
منذ البداية كان الأمر مريبًا. وليس من الصعب على سوبارو أن يستنتج أن هناك مَن خطط لهذا المشهد بهذه الدقة.
لم يعد هناك ما يمكن إنقاذه في الملجأ. لقد تحوَّل إلى مجرد أرض صيد لجحافل الأرانب العظيمة. امتزجت الصرخات الغاضبة واليائسة بصيحات الوحوش وأصوات مضغها، فيما كانت نهايات وحشية بلا عد تتكشف وسط تلك الثلوج الناعمة.
ركض سوبارو دون تردد، عابرًا وسط أهوال المشهد في خط مستقيم نحو وجهته. أصداء الأنياب المحمومة تحاصره من كل جانب، والأرانب الشرهة للحم استبشرت بقدوم فريسة جديدة إلى ساحة وليمتها. أخرج الكريستالة من جيبه وأطلق صرخة مجنونة محفوفة بالمخاطر.
أصابت كلمات روزوال قلب سوبارو كطعنة موجعة، حتى شعر وكأن قلبه ينفث دماءً.
«هـ-هذا…»
باستخدام حقوقه بصفته رسولًا، استدعى سوبارو النسخ المتبقية من ريوزو في الملجأ. كلفها بمهمة اعتراض الوحوش الشيطانية، وفي غمرة الفوضى، تمكَّن بصعوبة من النجاة.
لكن أعداد النسخ بدأت تتناقص أمام عينيه. لم يمضِ وقت طويل حتى تمزقت بيكو، أول مَن جاء لنجدته، بين أنياب الأرانب، وتحوَّلت النسخ الباقية إلى مجرد عوائق مؤقتة غير فعالة. دفع بها للقتال حتى النهاية، وجعلها تنفجر لتقضي على أكبر عدد ممكن من الوحوش. كرر هذا التكتيك مرارًا وتكرارًا—
«—لأنك تؤمن بأن ما حدث يمكن التراجع عنه، أليس كذلك؟»
«ها-ها-ها-ها…»
ضاق سوبارو ذرعًا بتعليق روزوال، لكنه أدرك في أعماقه أن الأخير محق إلى حد ما. فمنذ وصوله إلى هذا العالم، لم يحقق سوى انتصار واحد في قتال فردي… انتصار تحقق بضربات مباغتة ثلاث.
تسربت ضحكة جافة من فمه وهو يتوقف، لتقع عيناه على المبنى المشتعل أمامه. كانت ألسنة اللهب تتراقص ببراعة مدمرة.
لكن غارفيل لم يهتم بهذا التغيير. قال بغضب: «يا ألن تنكر الأمر؟»
لقد كانت الكاتدرائية.
ومع ذلك، أثار ما قاله روزوال أخيرًا شعورًا غريبًا ومُقلقًا في نفس سوبارو، كأن هناك نغمة نشازًا تخترق عقله.
ما بين سكان قرية إيرهام وأهالي الملجأ، كان ينبغي أن يكون هناك ما يقارب مئة نفس احتموا بداخلها. المكان الذي كان من المفترض أن ينتظر فيه الناجون قد التهمته النيران بالكامل.
‹—هل اجتاح الأرنب العظيم الملجأ بالفعل؟›
لم تكن الأرانب العظيمة، المسكونة بالجوع وحده، قادرة على إشعال النار في فرائسها. إذًا، مَن أشعل النار؟ ولأي غرض؟ لم يكن سوبارو بحاجة إلى التفكير في الإجابة، فقد عرفها في الحال.
بغضبٍ ومرارة، ألقى الكلمات التي قيلت في القبر، والدفء الذي شعر به من قربها، وكل المشاعر التي تأججت بينهما، في مهب الريح.
«—!!»
أولئك الذين في الداخل اختاروا الموت حرقًا بدلًا من أن تُنهش أجسادهم على يد الوحوش الشيطانية. هذا كل ما في الأمر.
«لهذا السبب تحديدًا. لدينا عجوز واحدة، ولسنا بحاجة إلى المزيد. هؤلاء مجرد نسخ مزيفة.»
الجحيم— هذا كان تصويرًا حيًّا للجحيم ذاته. كان سكان القرية، وأهالي الملجأ، وربما حتى ريوزو وأوتو، جميعهم داخل الكاتدرائية. كيف استطاعوا أن يتخذوا قرارًا بهذه السرعة؟
—واصل الركض.
لكن سوبارو لم يحق له في لومهم. لقد مارسوا ببساطة حقهم الطبيعي؛ حقَّهم في اختيار نهايتهم. هذا الحق الذي لا يملكه سوبارو. وهكذا، اتخذوا خيارهم.
المُلام الوحيد هو ناتسكي سوبارو. هو مَن دفعهم إلى اتخاذ قرار ينهي حياتهم، تلك الحياة التي، على عكس حياته، لن تُمنح فرصة أخرى. هذا كان ذنب ناتسكي سوبارو— جريمة لا يمكن محوها أبدًا.
لقد أحس بخسارتها. ولا مجال لإنكار هذا الألم.
«… اجعلوا حياتكم في سبيل حمايتي. وبمجرد وصولي إلى القبر، افعلوا ما شئتم.»
توقف سوبارو عن الكلام فجأة، إثر إحساس غير متوقع. أصابعها تسللت بين خصلات شعره الأسود وبدأت تملس على رأسه برفق.
أحاطت الأرانب العظيمة بالكاتدرائية، التي كانت تنهار تحت وطأة ألسنة اللهب. ومع اقتراب الوحوش، ترك سوبارو هذه الأوامر الأخيرة للنسخ الست المتبقية من ريوزو.
«أنا… بخير… تمامًا…»
دون أن ينظر إلى مشهد النيران، حوَّل سوبارو رأسه نحو الثلوج، إلى حيث يُفترض أن يكون القبر.
بخطوات متثاقلة ثم بخطوات متسارعة، ركض سوبارو متخليًا عن تردده، ليندفع بقوة نحو هدفه. خلفه، أدركت الوحوش الشيطانية أن الفريسة الجديدة قد ولَّت هاربة، فقفزت الأجساد الصغيرة في أثره، لا تعرف سوى الجوع. التزمت النسخ بالأوامر، تقاتل دون هوادة، متجاهلة مصيرها في سبيل حمايته من الوحوش الطاردة.
وضع سوبارو تلك الأفكار على الرف مؤقتًا. سيكون هناك متسع لها لاحقًا، لكن في الوقت الراهن كان عليه التركيز. إذا تهاون، ستتوقف قدماه عن المسير. وهذا ما كان يخشى حدوثه.
اختلطت الأصوات من حوله: صرخات الوحوش وأصوات النسخ الممزقة وهي تتحول إلى نور ثم تنفجر. ترك كل ذلك وراءه، واضعًا يديه على أذنيه، وواصل الركض عبر الرياح المحمَّلة بالثلوج.
«تذكرت كلماتك، سوبارو. كلماتك التي ظلت ترافقني طوال هذه المدة. منذ لقائنا الأول، وأنت تمنحني الشجاعة وتدفعني للمضي قدمًا، تدعمني… وتقول لي إنك تحبني…»
«—آه.»
كان ضجيج العالم يلاحقه، يعنفه بلا رحمة، ولكن سوبارو حاول بجهد تجاهل كل صوت، يدفعه بعيدًا عن أذنيه.
—لقد شاهد كل شيء.
—واصل الركض.
—واصل الركض.
«—لكن لا أخفي أنني أحسدها.»
《٨》
عينه اليسرى غارقة في ظلمة فارغة، ورؤيته في عينه اليمنى تلاشت شيئًا فشيئًا. ومع ذلك، لم يكترث بالألم.
في الحقيقة، كل شيء جرى وفقًا لمخططات روزوال حتى أدق التفاصيل.
في ذهنه المثقل، لم تتردد سوى صورة فتاة واحدة.
قهقه غارفيل بسخرية: « هل أخسر أمام فاقد العين هذا؟ هل لديك مشكلة في عينك؟! سأفوز بلا شك.»
تقدم عبر ممر حجري جاف، يمضي أعمق فأعمق حتى وصل إلى وجهته—
«—سوبارو؟»
همس سوبارو بشفاه مرتجفة ومخدَّرة، وهو يرفع قدميه من بين الثلوج التي غمرته حتى كاحليه.
في نهاية الممر، كانت غرفة حجرية مضاءة بضوء أزرق خافت. ومن هناك، جاءه صوت ينادي باسمه.
حين زأر غارفيل بكلماته، اندفع سوبارو نحوه، صارخًا في وجهه بكل ما أوتي من قوة.
بدعوة من الصوت، خطا إلى الأمام بخطى ثقيلة، وفي وسط الغرفة، وقفت فتاة تنظر إليه وتقول:
اشتبه غارفيل بإميليا، وامتدت شكوكه بين سكان المستوطنة كالنار في الهشيم. وعلى الرغم من أن أهل قرية إيرلهام أرادوا تصديق إميليا، إلا أن ذكرياتهم عن الثلج كانت مرتبطة بها.
«ألم تكن تعرف ما كانت تعانيه؟! تلك التي ظلت أسيرة تلك الغرفة، متشبثة بوعد قديم مضى عليه زمن طويل… ألم تكن تعرف شيئًا عن دموعها؟!»
«سوبارو، هذا أنت حقًّا! عجبًا، أين كنت؟ كنت قلقة عليك!»
ركضت إميليا بخطوات صغيرة نحوه، وأمسكت بكلتا يديه. وملامحها تحمل شيئًا من العبوس، شدَّت يديه بلطف إلى صدرها. امتزج دفء جسدها بنعومة ملمسها، ورفعت عينيها لتنظر إليه بنظرة تفيض حنانًا.
«…هل أنت متعب؟»
«إذا فعلت ذلك—»
«نعم… ربما قليلًا.»
«…»
«أفهم، أفهم… —إذًا هكذا ينتهي الأمر؟»
«تيي-هيي إذًا… في هذه الحالة…»
ابتسمت إميليا وقد احمرَّت وجنتاها خجلًا، ثم انحنت قليلًا، مائلةً على جنبها، وطوت ساقيها تحتها، وربتت على فخذيها الأبيضين.
«أفهم، أفهم… —إذًا هكذا ينتهي الأمر؟»
كان الهواء البارد الساكن في الداخل مختلفًا تمامًا عن الصقيع القارس في الخارج، وكأن الزمن نفسه قد توقف.
«…وسادة على الفخذين، هاه؟»
«بالطبع. أنت تحب وسادتي، أليس كذلك؟ قلت لي هذا من قبل. ما زلت أذكر.»
تسللت الشكوك إلى كلمات روزوال وهو يطرح السؤال على نفسه. لكن سرعان ما تخلَّى عن تلك الشكوك.
في ذهنه المثقل، لم تتردد سوى صورة فتاة واحدة.
بفخر طفيف يملأ تعابيرها مع احمرار خفيف على وجهها، قدمت إميليا عرضها. وببطء، جلس سوبارو في مكانه واستسلم لكرمها، واضعًا رأسه على فخذيها الناعمين. وبمجرد أن لامس شعره جلدها، تنهدت بلطف، «هممم.»، لكنها بدأت على الفور تمسح على رأسه برفق.
ومع ذلك، لم يشعر سوبارو مطلقًا بأن روزوال يمتلك الإرادة للمقاومة. كان تقدمه المستمر يوحي بوضوح أنَّه رجل يمضي إلى حتفه بإرادته.
«إذًا… كان معك طوال الوقت!»
«كم مرة قدمت لك وسادة من فخذي يا سوبارو؟»
لو كان قادرًا على التظاهر بالغباء، والاكتفاء بما قُدم له، لما كان هذا الألم ينهش صدره الآن.
«لا أدري… ربما للمرة الثالثة؟ وأعتقد أنني كنت محطمًا في كل مرة.»
«إذًا تركت الهجينة، والثلج لم يتوقف بعد؟! تعود خالي اليدين ورأسك منخفض، وتظن أنني سأتقبل هذا ببساطة؟! هيه، مَن تظن نفسك هاه؟!»
«روز…وال… أنت… تتحدث وكأني جربت… مرات كثيرة…»
«أحب أن أدللك، لكن تعلم أن الأطفال المدللين يتعرضون للمزاح بشعرهم…»
«تمكنت بياتريس من الاختفاء، محققة أمنيتها العزيزة. وهذا هو المغزى من كونك هنا الآن، أليس كذلك؟»
في مواجهة سؤال لم يفهمه، لم يستطع سوبارو تخمين الإجابة المرجوة.
داعبت إميليا خصلات شعره، تداعب جبينه بأطراف أصابعها، وقد بدا عليها المرح وهي تستمتع بفعل ما يحلو لها مع سوبارو.
«حتى أنا كنت سأجد صعوبة بالغة في نسج سحر دون أن يلاحظ غارفيل. لذلك، لجأتُ للحظة وجيزة إلى وسائل تعتبر بدعة بالنسبة لساحر مثلي.»
بسبب تعابيرها البريئة والمحببة، لم يخطر ببال سوبارو أن يبعد يديها عنه.
ثم، وسط تلك المشاعر العميقة التي جعلت حلقه يجف، صرخ حدسه بشيء واحد.
ثم إن إرادته وقواه كانت قد خارت تمامًا. فما كان يجب أن يملأ بطنه قد تسرب منه بالفعل…
«…»
كان حال سوبارو يرثى له، حتى بات من الصعب على أي شخص أن يتحمل رؤيته في هذه الحالة.
رغم أنها بدت فاتنة للغاية وهي تتجاوب مع سوبارو…
وصلت عضة الوحش في وركه إلى أمعائه. لم يتبقَ من أصابع يده اليمنى، التي استخدمها لإبعاد أرنب وثّاَب، سوى الإبهام. وتحت خصره، تراكمت جروح غائرة كشفت عن العظام، وقد نزف منها ما يفوق قدرة الجسد على الاحتمال.
«—أوه، لقد عدت أخيرًا، لكن ما هذا الوجه الغبي الذي أعدته معك؟»
أن يصل إلى ذلك الحد بعقل مشتت كان نتاجًا لعزيمة تشبه الهوس، ومعجزة بائسة ساعدتها برودة الجو التي أبطأت عملية الأيض في جسده. لكن حتى تلك المعجزة الرخيصة بلغت حدودها.
«سوبارو، هل تشعر بالنعاس؟»
«فقط… قليلًا… نعم. آه، لا بأس، لا بأس… يمكنني فعل هذا… يمكنني فعل هذا…»
«أنا آسفة على كل ما حدث، سوبارو. لقد أسأت إليك. أن يكون هناك شخص دائم التفكير بك بهذه الطريقة أمر لا يصدق… أنا أنانية للغاية. حتى عندما قلتُ إنني أريد أن أفهمك أكثر، لم أفهمك على الإطلاق.»
رفع روزوال كتفيه كأنما يقول إنه أمر لا يستحق العناء، ثم اعترف بنواياه القاتلة بكل بساطة. اخترقت كلماته عقل سوبارو، متجاوزة مشاعره بالغضب، وأطلقت زفيرًا لا إراديًّا من صدره.
«حقًا؟ ألستَ ترغم نفسك؟ أعني، أنت دائمًا تفعل أشياء متهورة من أجل الآخرين… أنت تدرك ذلك، أليس كذلك؟ وهذا يجعلني أقلق حقًا.»
في الغرفة الحجرية، نامت إميليا بسلام تحت معطف سوبارو.
«أنا… بخير… تمامًا…»
«إنها منهكة. ظلت تخوض المحاكمة مرارًا وتكرارًا منذ الليلة الماضية. عقلها وجسدها… خاصةً عقلها، استُهلكا تمامًا. الآن، كل ما أريده هو أن أتركها ترتاح.»
«أشعر ببعض التردد حيال ذلك. أريدك أن تفعل أشياء متهورة من أجلي وحدي… لكن لا أريدك أن تتظاهر بعدم رؤية الآخرين… آسفة، أعلم أنني أنانية جدًا، أليس كذلك؟»
«هـ-هذا…»
أخذت إميليا تتحدث بسرعة، وكلماتها توالت بلا توقف. لكن صوتها بدأ يبتعد شيئًا فشيئًا.
تجمد غارفيل في صمته، حيث برزت مشاعر معقدة في عينيه الجادين.
وقفت رام بثبات أمام ذراعه الممدودة، نافخة صدرها المتواضع بعزم، لتسد طريقه بجسدها النحيل. لوهلة، لمع في عيني غارفيل مزيج غريب من الغضب والتردد، مزيج سببه خوفه من أن يؤذي شخصًا عزيزًا عليه. لكن بعد لحظة قصيرة، ظهر في نظره شيء آخر؛ عزيمة قاسية، وكأن إرادته باتت تميل نحو إزالة رام من طريقه أيضًا.
على عكس الساحات المغمورة بالثلوج في الملجأ، كانت أجواء القبر تحتفظ بقدر من الدفء، ما أعاد سريان الحياة في جسد سوبارو الممزق وأعاد نزيفه من جديد. بقع الدم على الأرض الحجرية أخذت في الاتساع، والدم الذي كان يسعل به سوبارو تناثر على خد إميليا. لكنها لم تكترث لذلك، ولم تلتفت إلى الدم الذي لطخها.
«مهلًا، سوبارو، هل تسمعني؟ هناك الكثير والكثير مما أريد أن أقوله لك. لذا، أرجوك، دعني أبقى إلى جانبك. استمع إلى صوتي. دعني أتحدث، حسنًا؟»
رمق روزوال سوبارو بنظرة متفحصة قبل أن يضيق عينيه قليلًا، ثم هز كتفيه بلا مبالاة وهو يتحدث مجددًا:
لم تكن تتجاهله، بل لم تكن تعي حالته. لم تدرك ما حدث له، ولا الدم الذي لطخ وجنتها.
اندفع غارفيل بخطوات واثقة نحو روزوال، ليختصر المسافة القليلة بين الباب والسرير في لحظة. وبحركة خاطفة، مد يده ليقبض على عنق روزوال الواثق.
عكست عيناها البنفسجيتان صورة سوبارو بوضوح تام، لكن الواقع لم ينعكس في نظراتها.
لم ترَ إميليا ما كان خطأً في سوبارو، ولم تدرك التغيرات التي طالت الملجأ، ولا النهاية التي كانت تقترب منهما ببطء. وربما كان سوبارو أيضًا على نفس الحال.
هناك خطأ. شيء ما ليس على ما يرام. الإحساس المزعج الذي شعر به منذ لحظة لقائهما لم يتبدد.
«…»
كان عليه أن يبذل قصارى جهده لإنقاذ إميليا من هذا المكان.
«لا يمكن أن تقول إميليا إنها تحبني… أنها تعتمد عليَّ بالكامل، وتقول إن وجودي يكفيها ولا تحتاج إلى شيء آخر؟ هذا مستحيل».
خارج القبر، كانت وحوش الأرانب العظيمة قد بدأت في إحاطة المكان. وليس من المستبعد أن تقتحم الداخل قريبًا. وحينها، مثلما ابتلعت روزوال، لن تترك الأرانب أي أثر من إميليا.
ليس الأمر بسبب برودة الطقس التي تشتت انتباهه عن الألم؛ بل ارتبط ذلك بطبيعة العداء الذي يواجهه.
كان ذلك يعني موتها— لكن حتى مع علمه بذلك، لم يطلب سوبارو من إميليا الهروب.
كان مقيدًا برغبته الأنانية في البقاء إلى جانبها خلال لحظاته الأخيرة.
جاءه الصوت من العتمة، وكأنما أطلقه من قفص أفكاره الطويل. أمامه تمامًا، انتهى الممر، ليكشف عن غرفة حجرية تشع بريقًا أزرق خافتًا. وفي قلب الغرفة، وقفت تلك الشخصية الوحيدة.
كلمات روزوال الأخيرة، موته المهيب، ندمه على فقدان رام وغارفيل، غموض مصير بيترا وفريدريكا، عجزه عن إنقاذ ريم وبياتريس— كلها كانت تمزق قلب سوبارو.
《٣》
—بين إحساس بالخسارة ووحشة الوحدة، تمنى سوبارو أن يختفي، وأراد أن يحدث ذلك في أقرب وقت ممكن.
نعم، لقد كانت الحقيقة. سوبارو سمع مناجاة بياتريس. حاول أن يمد يده لينقذها، لكن يده رُفضت، وصوته لم يصل إليها، وفي النهاية، سُلبت حياة بياتريس بسيف آثم.
حين بدأت الدنيا تتلاشى إلى بياض، كانت وعيه وروحه ينكمشان شيئًا فشيئًا، وبدأت قواه تتلاشى، وفقدت أطرافه الإحساس.
احترق الهدف بالكامل في غمضة عين، متحولًا إلى رماد، ولم يتبقَّ منه سوى صوت صرخاته المحتضرة: «كيي، كيي…»
إميليا، التي لم تدرك أن سوبارو يحتضر، ستكون الوحيدة المتبقية.
هل سيتركها هنا؟ إميليا، التي لم يعد لديها أحد تعتمد عليه؟
لكن رؤية ذلك المشهد بعينه أصابت قلبه بصدمة عميقة، صدمة يستحيل فهمها.
«آه—»
حتى لو أراد الندم، كان الأوان قد فات. فات الأوان على كل شيء.
صوت غارفيل العميق، المليء بالعزم، قطع محاولة سوبارو التعبير عن قلقه بشأن رام. أحسَّ سوبارو بشيء من الحسد إزاء هذا التصميم الجازم؛ فبينما كان غارفيل يتمسك بموقفه حتى لو ثبت أن مَن يحبها قد تكون عدوته، امتلك قلبًا من فولاذ. وهو ما كان سوبارو يتمنى لو امتلكه.
خانته الكلمات، وبهت الضوء في عينيه السوداوين.
«أ-أنت مَن اختار ذلك الطريق بنفسك، أيها الأحمق! فماذا؟ هل تساقط هذا الثلج عقابًا على كل إخفاقاتها؟! هل تقول إنها تلقي باللوم عليَّ وعلى العجائز هنا؟!»
لم تنتبه إميليا لذلك، بل ظنَّت أنه صمت وحسب. أمالت رأسها في براءة، ثم ابتسمت بلطف، واقتربت من وجهه بهدوء—
«سيكون من المزعج السماح لك بالتحول، أليس كذلك؟»
اندفع غارفيل بخطوات واثقة نحو روزوال، ليختصر المسافة القليلة بين الباب والسرير في لحظة. وبحركة خاطفة، مد يده ليقبض على عنق روزوال الواثق.
«…»
سمع صوت *سكرت سكرت* حادًّا، أشبه باحتكاك أشياء صلبة ببعضها، وكان هذا الصوت مألوفًا بالنسبة له— تلك كانت أنشودة أنياب مصممة لتمزيق فرائسها. إنه صوت جرَّبه من قبل.
—وقبَّلت شفتي سوبارو الصامت.
بإمكانه أن يعود إلى الوراء، مستخدمًا قدرته لإعادة الأحداث، ليخلق ”فرصة أخيرة“ للتحدث مع بياتريس مرارًا وتكرارًا. لكن كيف يمكن علاج حزن استمر أربعة قرون؟
«…»

«لم يكن الوقت كافيًا، سوبارو. ما دامت التجربة لم تنتهِ، فلن يتمكن السكان من مغادرة الملجأ. وبذلك، فإن المستقبل الذي تطمح إليه لن يتحقق أبدًا.»
ثم، وسط تلك المشاعر العميقة التي جعلت حلقه يجف، صرخ حدسه بشيء واحد.
وسط الرياح التي تعصف من حوله، لم يسمع سوبارو أي صوت. لكن ببطء، بدأت ملامح شخص تظهر.
—طعم قبلتها الأولى كان طعم الموت البارد.
«بالنسبة إلى الأرنب العظيم، هذا المكان مثالي للتغذية. السكان ذوو الدماء الشبيهة بالبشر تلقُّوا بركة مانا غزيرة منذ ولادتهم… والأهم من ذلك، أن الجميع -بما فيهم القرويون الذين تم إجلاؤهم-ومجتمعون في مكان واحد.»
بعبارة أخرى، كان روزوال على دراية بأنَّ سوبارو يعيش ضمن حلقة زمنية متكررة، وحاول استغلال ذلك لهدف ما. غير أن ما فعله كان محدودًا بإطار هذه الفكرة فقط.
لم تكن تلك مجرَّد استعارة. بل كان إحساسًا حقيقيًا، وكأن قلبه قد وُضع تحت قبضة مميتة. وقع الكلمات كان شديدًا لدرجة لا توصف.
«روزوال…؟»
كيف يمكن فهم أمنيتها بالموت؟ تلك الأمنية لم تكن ما أرادته حقًا.
/////
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
/////
