1 - اليوم الأخير لقصر روزوال.
- حتى الآن، كلما تذكرت تلك اللحظة، شعرت بندم يعتريها.
من أعماق الممر، حيث يشحُّ ضوءُ القمر، ارتفعت مخالب وحشية ضخمة، ممزقةً الأجنحة عن الفئران ذات الأجنحة السوداء، تاركةً إياها تتساقط كالهشيم العاجز على السجاجيد، مضرجة بالدماء السوداء الداكنة. وأخيرًا، امتدت فكوك ضخمة لالتهام أجسادها، ماضغةً إياها بعنف.
أصابعها التي مدتها نحوها تم إبعادها، حتى عندما نادت باسم الفتاة بحب.
حتى في الظلام، استطاع سوبارو أن يرى وجه بيترا يحمرّ وهي تصرخ، متشبثةً بحجر أزرق متوهج — حجر مضيء لطرد الوحوش الشيطانية. كان هذا ما جهزه سوبارو والآخرون لتحييد أثر سيدة الوحوش.
“أعلم أنني شخص جريء، وقد تأملت فيما جلبه لي هذا الطبع من متاعبٍ ماضيه. ومع ذلك، لن أتراجع أبدًا في الأمور الهامة.”
كلمات الوداع التي قالتها الفتاة بدت مليئة بالحنان، مليئة بسعادة وعزيمة في عينيها الممتلئتين بالدموع؛ وعند رؤيتها لذلك، تلاشى الصوت في حلقها.
والآن صار غاضبًا من القدر ذاته، بعد أن رأى بياتريس تتخلى عن كل أمل.
حتى الآن، لا تتذكر ما جال في خاطرها حينها.
لماذا الآن، من بين كل الأوقات، تذكرت ذلك الندم. تلك الذكرى، اسم تلك الفتاة؟
حتى الآن، لا تعلم ما الذي وجب قوله.
“أليست حياة بيتي قاحلة مثل هذا الكتاب، أتساءل؟ أليست فارغة مثله؟ لم أقرر شيئًا لنفسي. لا إنجازات ولا نجاحات… ليس لدي شيء على الإطلاق…”
حتى الآن، لا تملك إجابة لذاك السؤال.
شظية من ذكرى قديمة من أعماق عقلها جعلت ذلك الاسم يتدفق من شفتيها.
اندفع سوبارو بقوةٍ نحو الحائط، متألماً بشدة بينما ينهار على الأرض بفعل الصدمة.
‘ماذا كان عليّ أن أفعل بشكل مختلف؟‘
صوتها، الذي بدا خاليًا من أي عاطفة، ترك سوبارو عاجزًا عن الكلام.
لقد شرح منطقه مسبقًا، ولم يحتج للتفكير مرتين.
- لذلك،حتى الآن، هي وحدها، تتوارى في أرشيف الكتب المحرمة، غير قادرة على المغادرة.
“و–والدتي لن ترتكب مثل هذا الخطأ، أ–أليس ذلك واضحًا كالشمس، يا تُرى؟ هذه والدتي التي نتحدث عنها! هل ستُشكك في كلمات والدتك أنت؟!”
“…ريوزو”
تلك الابتسامة الغريبة والمثيرة للريبة أشعلت النار في صدر سوبارو حتى اشتعل غضباً.
لحست إلزا شفتيها عندما شاهدت ذلك.
شظية من ذكرى قديمة من أعماق عقلها جعلت ذلك الاسم يتدفق من شفتيها.
عض غارفيل على أنيابه وهو ينادي شقيقته المترددة. لكن فريدريكا بدت بطيئة الاستجابة، وظلت أقدامها كأنها مغروسة في الأرض، وليس ذلك ضعفًا منها بقدر ما هو رهبة من مستوى المعركة أمامها.
لقد قضت تلك الأشهر، تلك السنوات الفارغة والمليئة بالجمود بنفس الطريقة، مغشيةً عينيها عن ذلك الماضي المؤلم.
لماذا الآن، من بين كل الأوقات، تذكرت ذلك الندم. تلك الذكرى، اسم تلك الفتاة؟
استثار الغضب داخله بلا حدود. وحين تأمل الأمر، أدرك أن الأحداث المحيطة بالمعبد جعلته يواجه هذا الغضب مرة تلو الأخرى.
بدا الاحتمال الأكبر حدسها.
لم يظهر أي تنبؤات بالمستقبل في صفحاته طوال الأربعمئة سنة الماضية.
لقد شرح منطقه مسبقًا، ولم يحتج للتفكير مرتين.
حدسٌ يشبه تماماً كيف تم رفضها منذ زمن بعيد —
سأخرجك من هنا، يا بياتريس — هذه المرة، يدي هي من ستقودك مباشرةً تحت الشمس الساطعة، وسنلعب حتى يصبح فستانك أسوداً تمامًا من الطين.
- ولكنهذه المرة، كان دورها لتُبعد اليد التي مُدَّت إليها.
بزئير مزلزل، اندفع غارفيل داخل القصر، وإلزا لا تزال معلقةً على الحائط، تاركاً خلفه غبار الحطام المتناثر. بدت ضرباته قويةً بما يكفي لتركها عاجزةً عن المقاومة. كل ما كان عليه فعله الآن هو كسر عنقها، تحطيم جمجمتها، وجرها على الجدار حتى تتحول إلى مجرد أشلاء. ثم سيعود لينضم إلى أصدقائه ويكمل المعركة —
—
توجه نظرها للأسفل، وشفتيها ترتجفان وهي تحدق في الكتاب الذي على حضنها.
“— ما هذا؟“
اشتدت المعركة حتى بلغت ذروتها، وتحطم سكون القصر الراقي بالكامل تحت وطأة قوى الدمار الهائلة التي يشتعل داخله.
لم يستطع سوبارو تجاهل الاحتمال بأن غارفيل قد يرحم خصمه بدلاً من أن يرحم نفسه، فتنقلب مشاعره النبيلة ضدّه وتُفقده قوته في اللحظات الحاسمة.
“— آآآااه!!”
وقبل لحظة الاصطدام، تقلص أنف غارفيل، مكشراً عن أنيابه، وزمجر بصوت جهور. “هذه معركة أولى لعينة يالقائد، لذا جهز نفسك وكن على قدرها!”
“تباً، أنتم… لماذا لا تزالون في القصر؟! كان من المفترض أن تفتحوا الأبواب في الطابق الأول وتغادروا مباشرةً، أليس كذلك؟“
تعالت صرخة مزلزلة، واصطدم الصلب بالصلب. كانت الشرارات المتطايرة ترسم مشهداً أشبه برقصة شرسة، صداها يملأ أرجاء القصر.
بينما فقد سوبارو توازنه، وجد جسده فجأة يطفو في الهواء. وبدافعٍ غريزي، مد يده وسحب جسدًا صغيرًا نحوه. وفيما يسقط نحو مركز الحفرة، حاول حماية الطفلة الصغيرة الملتصقة بصدره قبل الاصطدام بالأرض.
نفد ضوء القمر عبر نوافذ قصر روزوال، ليضيء مسرح الوالتز الدامي الذي بلغ أقصى درجاته.
“هذا صحيح، لكن للأسف، ظهرت مشكلة داخل القصر…”
ناظرةً إلى فريدريكا التي سدت طريقها، نفخت ميلي وجنتيها غضبًا. وامتثالًا لأمر سيدته، أصدر الوحش الشيطاني الهائل زئيراً هز أرجاء المكان.
“— رائع. أنت مذهل حقاً. لا يُوصف.”
ضربة واحدة حطمت زجاج نافذة، وأخرى مزقت الأرضية، فيما مزقت الصدمات لوحة كانت تزين الجدار. الصوت المثير الذي تسلل إلى أذن الوحش الذهبي المفترس بدا مشبعاً بمتعة دامية، مستمتعاً بمشهد القتال الذي يعج بالحياة والموت.
“آآآه… لا أستطيع التصديق…! تلك الحمقاء… كنا في منتصف حديثنا…!!”
“مدخك لاا يثعدني، تباًلك!”
“لا يسعدني سماع المديح إلا من رام!!”
لم يكن الأرشيف آمنًا كما ظنت بياتريس. حاول سوبارو أن يشرح، ولكن —
انطلق غارفيل بصيحة غاضبة، قاطعاً الصوت المثير، مطلقاً قبضته الهائلة التي اندفعت كالعاصفة، متجاوزةً رأس خصمه لتخترق الحائط خلفها. حاولت المرأة استغلال الفرصة للانزلاق نحو نقطة عمياء من محيطه قبل أن يقابلها مجدداً بهجومٍ قاتلٍ آخر.
“ماذا…؟”
مزق ذراعه الحائط الذي اخترقه كلياً، آخذاً معه قطعة ضخمة منه.
“آاه…!”
عندما رأت المرأة – إلزا – الهجوم المقترب، أطلقت تنهيدة إعجاب مثيرة، إذ بدت أمامها ضربه بحجم مئة ضعف قبضة اليد.
حتى الآن، لا تملك إجابة لذاك السؤال.
كانت اللحظة التالية شديدة الحسم لدرجة أن مجرد طرفة عين قد تكون مميتة.
“يعني هذا أن ميلي هنا، أليس كذلك… لكن من المفترض أن تُؤخذ بالحسبان بالفعل.”
وكأن الوحش الشيطاني الأسود استجاب لغضب سوبارو، أطلق زئيرًا هز أرجاء القصر. أحاطت به رهبة كعاصفة هوجاء قبل أن يعدل سوبارو وضعية ريم على ظهره مصراً على أسنانه.
ولأن هجوم غارفيل لم يترك أي ثغرات، على غرار الجدار الذي يحمله، اختارت إلزا التقدم بدلاً من التراجع. وبرشاقة تفوق الوصف، قللت من حجم الضرر الذي تعرضت له، بينما راحت شفراتها السوداء خلفها تنسلُّ كظل الموت ذاته نحو عنقه.
شعر سوبارو بضربة تأتي من تحت قدميه، مستعيرةً انتباهه على الفور. سرعان ما لاحظ أن هناك تموجاً غريباً أسفل السجادة الحمراء التي تغطي أرضية الممر. بدأت السجادة بالانتفاخ أكثر، ثم —
لكن ضربة بقوة الإعصار أطاحت بها بعيدًا. ورغم تراجعها، كانت متأكدة أنها خلال تلك المواجهة، قد وصلت شفراتها إلى —
لكن تلك العيون الزرقاء التي نظرت إليه، بها شيء لا يمكن إنكاره — حزنٌ عميق.
“— رائع.”
“لا يوجد شيء هنا، على ما أعتقد. مصير بيتي صفحة بيضاء.”
“مدخك لاا يثعدني، تباًلك!”
“سأقوم بتقديم ضيافة خاصة لتلك الفتاة – تلك القاتلة. وخلال ذلك، عليكم جميعاً أن…”
تمتمت إلسا بدهشة وهي منحنية لأسفل، إحدى يديها على الأرض، غير مصدقة ما رأت. تمكن غارفيل من صد سيف الكوكري* خاصتها بأنيابه، ووسط نظرتها المندهشة، حطم النصل في قضمة واحدة ثم بصق ما تبقى منه.
“لو كنتُ دمية بلا قلب، أو قصة لا تهتز بمرور الزمن، لما عانيت مثل هذا”
“فريدريكا! سنتوجه إلى غرفة روزوال!”
منذ أول مواجهة بينهما، أدرك أن هذه المرأة ليست خصمًا يمكنه التهاون معه.
“أنت حقًا حمقاء… ليس هناك أيّ سبيل بحق الجحيم يجعلني أصبح ذلك الشخص الغبيّ الذي تنتظرينه.”
أمام خصم بهذه القوة، حيث الأساليب العادية بدت عديمة الفائدة، التفت غارفيل بنظرة خاطفة إلى الوراء. كانت هناك امرأة بعيون زمردية – فريدريكا – تتابع القتال بجمود.
“عُلم وينفذ!”
بلمح البصر، انخفض وحش الشياطين — غيلتراو — موجهًا نفسه نحو المجموعة…
سلاح الكوكري*
بالطبع كان يعلم أن الوفاء بالوعود أمرٌ مهم.
“يبدو لي كأنه فرس نهر ضخم.”
وقبل لحظة الاصطدام، تقلص أنف غارفيل، مكشراً عن أنيابه، وزمجر بصوت جهور. “هذه معركة أولى لعينة يالقائد، لذا جهز نفسك وكن على قدرها!”
لم يبدُ على ميلي أدنى أثر للندم وهي تلمس خدّها، كأنها تُقيّم فريستها بعينٍ باهتة. كانت تلك أقصر الطرق لاستدراجهم، لكنها كادت تُبيدهم جميعاً لولا وجود فريدريكا.
“هاي، أختاه. لم تقفين هكذا ، تطالعينني وحسب؟”
“…يبدو أن أختي قد بدأت طريقها. والباقي على عاتق القائد.”
“إنه الغيلتراو! حجر الطرد لن يؤثر فيه! إنه عدوّنا الأخطر هنا!”
“هاه؟ آه، حسناً، لم أقصد أن…”
“آسف، لكن يبدو أني لن أتمكن من استعراض مهاراتي أمامك الآن. القائد كلفني بمهمة الحفاظ على سلامتك، لذا من فضلك.”
وبينما ظل سوبارو بجانبها، نظرت إليه بياتريس وهزت رأسها ببطء، وكأنها ترفض بصدقٍ متردّد.
بينما سوبارو غارقٌ في أفكاره، ظهرت ظلال سوداء تطير باتجاهه في الممر المضاء بضوء القمر، قبل أن تصير أمامه مباشرة.
عض غارفيل على أنيابه وهو ينادي شقيقته المترددة. لكن فريدريكا بدت بطيئة الاستجابة، وظلت أقدامها كأنها مغروسة في الأرض، وليس ذلك ضعفًا منها بقدر ما هو رهبة من مستوى المعركة أمامها.
“يـ – يا للسعادة، كم أنا سعيدة… بما أننا صديقتان، فهذا يعني أنكِ ستتركيننا نذهب، أليس كذلك؟”
كانت اللحظة التالية شديدة الحسم لدرجة أن مجرد طرفة عين قد تكون مميتة.
المواجهة بين غارفيل وإلزا وصلت إلى مستوى مرعب جعل التدخل أمرًا مستحيلاً لها. فكرة تقديم المساعدة باتت بعيدة المنال؛ مجرد التحرك تطلب شجاعة جبارة. ولذا —
“حان الوقت لأثبت أنني الأخ المثالي!”
“عُلم وينفذ!”
“غارف؟!”
عندما رآها لم تتحرك، قرر غارفيل اتخاذ الخطوة الأولى بنفسه.
“هاه؟ آه، حسناً، لم أقصد أن…”
لحست إلزا شفتيها عندما شاهدت ذلك.
حينما قفز بوحشية نحو خصمه، ابتسمت إلزا ابتسامةً ساحرة، مدركةً تمامًا ما كان ينوي فعله.
لابد أن لروزوال سبب لهذا كله. بمعنى آخر —
“تفكر في أختك في مثل هذا الوقت؟ يا لك من فتىً طيب.”
هزت بيترا رأسها، شاحبة الوجه، متوسلةً لسوبارو. فجأةً أدرك الحقيقة؛ لقد خمن بالفعل ما كان أوتو سيقوله.
تحدثت القاتلة وهي تصد مخالبه الوحشية بسكينها، ثم قفزت للخلف، مبتعدةً مسافة كبيرة. تبعها غارفيل، محولاً ساحة المعركة إلى جزء أعمق من القصر، ليفتح الطريق نحو الأميرة النائمة – ريم.
كان على وشك أن يقول *مميز*، لكن حدث شيئان قبل أن يُكمل — صوت ارتطام مدوٍّ، تلاه صرخات موت حادة.
بمجرد أن أعلن بصدق عما في قلبه، وُصد الباب أمامه.
وإذا ما استغلت فريدريكا هذه الفرصة وأخذت ريم معها وغادرت بينما يشغل أخوها العدو، فلن يكون هناك ما يدعو للقلق.
“غارف!”
وسط وابل من لكماته العنيفة، سمع صوتاً واضحاً وقوياً يناديه من الخلف. لم يكن لديه وقت للنظر، لكن كان لأخته رسالة واحدة توجهها إلى أخيها الصغير، الذي صارت قامته أضخم مما كانت تتذكر —
“أنا أؤمن بك!”
في كل مرة يلتقيان، بدا من المحتم أن يحدث شيء من الفوضى. ومع ذلك، الغريب أن أذواقهما وتفضيلاتهما ظلت تتطابق بطرق غير متوقعة وغريبة.
بعد عشر سنوات من الفراق، لم تكن تلك إلا لحظات قصيرة، لكنها بدت كافية. لقد وضعت ثقتها في قوة أخيها الصغير، والذي صار مصمماً على أن يكون عند حسن ظنها — وهذا كل ما احتاجاه.
“لقد استمررت في حماية هذا القصر، وحيدة، لأن أمي طلبت مني ذلك… متى اخترتُ شيئًا بنفسي؟ من بياتريس تلك التي تتحدث عنها، وماذا فعلت من أجل نفسها؟”
“بيتي تسيطر على أرشيف الأرواح العظيمة للكتب المحرمة، مكان بعيد عن العالم الفاني. بغض النظر عن أي تهديد قد يكمن وراء تلك الأبواب، هل يهم ذلك حقًا؟ قلقك ليس له معنى“
“بالطبع تؤمنين بي!!!”
“أنا — أعتذر بشدة، سيد أوتو. لقد كانت أولوياتي مختلفة بعض الشيء…”
اشتعلت قوته كسعير في أعماق جوفه.
حاولت إلزا التملص من ضربة مخالبه المتوحشة، لكنها لم تكن سريعة بما يكفي. أمسك غارفيل بضفيرتها السوداء وضربها بقوة على الحائط قبل أن ينطلق بها متجهاً نحو الممر.
والآن، عبر الزمن والمسافات، عاد ليعوض عجزه السابق، وعن كل ما لم يستطع إيصاله.
“عآآآآااااه!!!”
بزئير مزلزل، اندفع غارفيل داخل القصر، وإلزا لا تزال معلقةً على الحائط، تاركاً خلفه غبار الحطام المتناثر. بدت ضرباته قويةً بما يكفي لتركها عاجزةً عن المقاومة. كل ما كان عليه فعله الآن هو كسر عنقها، تحطيم جمجمتها، وجرها على الجدار حتى تتحول إلى مجرد أشلاء. ثم سيعود لينضم إلى أصدقائه ويكمل المعركة —
وإذا ما استغلت فريدريكا هذه الفرصة وأخذت ريم معها وغادرت بينما يشغل أخوها العدو، فلن يكون هناك ما يدعو للقلق.
“تسرح بذهنك وسط رقصة الموت؟ يا لك من فتىً مشاغب“
بسرعة تفوق قدرته على التفكير، ابتعد عن ضربتها الغادرة بحركة غريزية بحتة.
في اللحظة التالية، انحرفت الضربة التي كانت تستهدفه مباشرةً لتجرح أذنه اليسرى فقط. وعندما اختل توازنه، لم يكن السقف وحده الذي تهدم؛ بل الأرض نفسها من تحته.
تذكر سوبارو كلمات إيكيدنا.
سقط في الفراغ الذي أحدثته ضربة إلزا، وظلت هجماتها القاتلة تتوالى حتى وهو يهوي. استند غارفيل على حدسه محاولاً صد الهجمات بالدروع المربوطة على ذراعيه — دفاع، دفاع، دفاع. ومع ذلك، لم يستطع اعتراض كل ضربة، وسالت دماؤه من جروح جديدة غطت جسده.
لابد أن لروزوال سبب لهذا كله. بمعنى آخر —
“هل كنتَ تُصغي إليّ، أتساءل؟ ماذا أنوي فعله؟ هل من الضروري أن أشرح أن بيتي لن تُظهر أي رحمة، يا تُرى؟ لقد… قبلتُ قدري بالفعل.”
بمجرد أن لامس الأرض أسفله، تدحرج غارفيل بعيداً عن “منطقة الموت”، ثم نهض على قاماته الأربع، محملقاً إلى الأمام بنظرة حادة. تبدد الغبار الأبيض كاشفاً عن خصمه، وكأنها واقفة فوق مسرح مضاء بضوء القمر.
كانت القاتلة الجميلة تبتسم، تقبض على سكين الكوكري بكلتا يديها، وجزء من جسدها العلوي ملطخ بالدماء.
“نعم، هذا بالضبط.”
“…يبدو أن أختي قد بدأت طريقها. والباقي على عاتق القائد.”
لكن ضربة بقوة الإعصار أطاحت بها بعيدًا. ورغم تراجعها، كانت متأكدة أنها خلال تلك المواجهة، قد وصلت شفراتها إلى —
شعر غارفيل براحة عندما أدرك أن الهدف الأول قد تحقق، إذ شعر بوجود فريدريكا تغادر الطابق العلوي. وفقاً لخطة سوبارو، كانت هناك أهداف أخرى…
عندما صرخ في وجهها، نظرت بياتريس إلى الأسفل وفتحت الكتاب ببطء في يديها. ثم قلبت صفحاته لتكشف له أنه لم يكن مكتوبًا فيه شيء.
… مهلاً، ما هي تلك الأهداف مجددًا؟
“غارف؟!”
“حسنًا. سأقولها بوضوح حتى تسمعي أنتِ ووالدتكِ جيدًا، يا أيتها الحمقاء!”
“آآآه، تباً. نسيتها… لا بأس“
////
بالتأكيد كان هناك خطة احتياطية في حال لم يحقق غارفيل النصر — خطة لإبقاء الجميع أحياءً حتى يلجئوا إلى الأمان في “الملاذ”. لكنه لم يكترث لذلك، فهذا غير مهم.
“— لكن هناك وحوش شيطانية لا تتأثر على الإطلاق بأحجار طرد الوحوش!!”
طالما فاز، لم تكن هناك حاجة لتذكر تلك الخطة. ومع هذه الفكرة الأخيرة، ضرب غارفيل درعيه معاً أمامه، متحصناً بصوت المعدن القاسي أثناء خدشه.
لكن، بعد سماعه لقصة ماضي الملاذ من ريوزو، شعر أن هناك فارقًا بين إيكيدنا تلك وبين الساحرة الملتوية التي واجهها بنفسه. كانت الحقيقة تراوغه، لكنها لم تعنه الآن. ما يحتاج إليه هو أن يحطم الجدران المتماسكة التي تحيط بقلب بياتريس، أن يخبرها بالكلمات السحرية التي ستمنحها سببًا لتتشبث به في هذا العالم.
لحست إلزا شفتيها عندما شاهدت ذلك.
” – إلزا غرامهيلد، صائدة الأحشاء“
بدت طريقتها في فهم الصداقة مختلفة تماماً. حاولت بيترا بشجاعة التفاوض، لكن المحاولة باءت بالفشل. ميلي، رغم صغر سنها، نُسجت بالفعل على قيم قاسية تحمل بصمة قاتل مأجور؛ فمعاييرها الأخلاقية تشوّهت عميقاً، لا فرق عندها بين الخير والشر. لن يجدوا موطئاً مشتركاً معها.
“غارفيل تينزل، درع الملاذ فائق القوة“
ابتسامتها القرمزية تلاشت في الظلام بينما بدأت تتنقل بحرية في كل اتجاه، منتظرة مطاردته.
وقبل لحظة الاصطدام، تقلص أنف غارفيل، مكشراً عن أنيابه، وزمجر بصوت جهور. “هذه معركة أولى لعينة يالقائد، لذا جهز نفسك وكن على قدرها!”
—
ترددت الأصوات المريعة لتحطم العظام وابتلاع اللحم الدموي عبر أرجاء الممر.
كم مرة زار هذه الغرفة المألوفة للغاية ليقابلها بهذه الطريقة؟
تمسكت بيترا بفريدريكا التي أعلنت بكل شجاعة عزمها أن تصبح الحامية المتأخرة للمجموعة. لم يستطع سوبارو سوى الصمت، بينما تلتفت فريدريكا بهدوء إلى الخادمة الشابة التي رفضت ترك خصرها.
أول لقاء بينهما كان في مساء اليوم الذي وصل فيه سوبارو لأول مرة إلى قصر روزوال. لم يجد صعوبة في اختراق الوهم الذي ألقته على الممر، واضعاً قدمه في أرشيف الكتب المحرمة هذا نفسه.
لقد نجحوا بالخروج من القصر بالفعل، لكن لم يكن هذا فراراً حقيقياً؛ إذ لا يزالون محاصرين بتلك الكائنات – بل إن وضعهم صار أكثر خطورة من ذي قبل.
لا شك أن كلاهما قد ترك أسوأ انطباع ممكن خلال لقائهما الأول.
بعد أن استنزفت جسده، الذي ما زال في طور التعافي، من طاقة المانا، انهار سوبارو دون أي مقاومة تُذكر. مدفوعًا بشعور الانتقام، أخذ يزعجها ويضايقها عند كل فرصة، مقاطعًا عزلتها باستمرار.
وسوبارو، الذي وقع في حب ساحرة أرواح، كان مدركاً تماماً لثقل هذه المسألة.
قضى شهرين في قصر روزوال على هذا النحو، وخلال ذلك الوقت، تشاجر هو والفتاة – بياتريس – وتجادلا مرات عديدة، وتعاملا بأسلوب طفولي تمامًا.
إميليا كانت تبذل جهدها في “الملاذ“، ومن واجب سوبارو أن يفعل الشيء نفسه في القصر.
اهتز صوت بياتريس ، وعينيها تهيم بعيدًا تحت وطأة عزيمة سوبارو التي اخترقتها ثباتها.
في كل مرة يلتقيان، بدا من المحتم أن يحدث شيء من الفوضى. ومع ذلك، الغريب أن أذواقهما وتفضيلاتهما ظلت تتطابق بطرق غير متوقعة وغريبة.
“لقد كان لديكِ أربعمائة عام لتفهمي الأمر! لماذا الحل الوحيد الذي توصلتِ إليه متطرفٌ هكذا…؟! لماذا فكرتِ في خطة واحدة فقط؟ هناك الكثير من الأمور الأخرى التي أمكنك القيام بها، اللعنة!”
لماذا؟ كان هناك شيء ما يقلق سوبارو باستمرار – ذلك وأنها بدت وحيدة دائمًا. حتى الآن، يعتبر تلك الأيام واللحظات التي قضياها معًا شيئًا لا يُعوض، رابطًا غير مرئي يجمعهما.
“هل تريد أخذ بيتي من هذا المكان…؟”
غرزت أظافرها في الكتاب الذي تحتضنه على صدرها، وعضت شفتها بينما حدقت في سوبارو.
عاد سوبارو ليقابل بياتريس مرة أخرى، وهذه المرة، لن يسمح لنفسه بتركها أبدًا.
“هاه؟ آه، حسناً، لم أقصد أن…”
“هل تريد أخذ بيتي من هذا المكان…؟”
ناظرةً إلى فريدريكا التي سدت طريقها، نفخت ميلي وجنتيها غضبًا. وامتثالًا لأمر سيدته، أصدر الوحش الشيطاني الهائل زئيراً هز أرجاء المكان.
كان هذا الواجب هو السبب الأكبر الذي جعلها تتمسك بعهدها رغم كل العذاب.
كررت بياتريس كلمات سوبارو بتعجب عندما أعلن عزمه لحظة دخوله الغرفة.
تلقى أوتو الأوامر وانطلق مع بيترا. سوبارو، حاملاً ريم على ظهره، متقدماً نحو مدخل القصر من الفناء.
وهي جالسةً على مقعدها المعتاد، ضمت الكتاب الأسود إلى صدرها بإحكام أكبر.
—
كانت تمسك بكتاب المعرفة الذي ورثته من والدتها، بصفحاته التي صارت خاوية من النبوءات.
“لا يسعدني سماع المديح إلا من رام!!”
“فريدريكا! سنتوجه إلى غرفة روزوال!”
“هل… هذا من شأنك أصلاً؟ لم يطلب أحد منك… أن تفعل ذلك.”
“كنت متأكدًا أنكِ ستقولين ذلك، لكن ليس لدي وقت للنقاش المطول. سأخرجك معي من هنا، بغض النظر عن رأيك.”
“يا لك من… أناني… هل ستغادر فورًا، ربما؟ غادر وابكِ كما يحلو لك على أحضان تلك الفتاة.”
“تحاولين بدء شجار، ها؟ استمري وستتحول لحرب فعلية…!!”
صرخت بياتريس، على وشك البكاء، بينما تشوه وجهها.
ارتعشت شفتي سوبارو خجلاً عندما ذكَّرته بذكريات سخيفة له. صحيح أن الاستلقاء على ساقي إميليا كان نعمة عظيمة، لكنه لم يستطع الاعتماد عليها الآن.
ظهرت على شفتيها ابتسامة عابرة، تلك الابتسامة التي تحمل شوقًا لشيء غابر في أعماق الماضي.
تمسكت بيترا بفريدريكا التي أعلنت بكل شجاعة عزمها أن تصبح الحامية المتأخرة للمجموعة. لم يستطع سوبارو سوى الصمت، بينما تلتفت فريدريكا بهدوء إلى الخادمة الشابة التي رفضت ترك خصرها.
إميليا كانت تبذل جهدها في “الملاذ“، ومن واجب سوبارو أن يفعل الشيء نفسه في القصر.
“أربعمائة عام… أليس هذا وقتًا أكثر من كافٍ لتمرّي بمرحلة تمرد واحدة على الأقل؟“
“على أي حال، ليس هنالك وقت للكلام الفارغ. “أنتِ على علم بما يحدث في الخارج، أليس كذلك؟”
“ليس وقت المزاح الآن!! إذا… إذا لم نفعل شيئًا سريعًا، السيدة فريدريكا ستـ —!”
بالطبع كان يعلم أن الوفاء بالوعود أمرٌ مهم.
“…أفهم أن هناك غرباء اقتحموا القصر، على ما يبدو. ومع ذلك، لماذا يجب على بيتي أن تتورط في هذا الصراع؟ من يرغب في القتال في الوحل، فليفعل كما يشاء”
وبدا هذا واضحًا في التحرر الصافي الذي يملأ ابتسامتها —
“للأسف، الوضع أبعد من أن يُسمى مجرد قتال عابر. تركتُ المعركة ضد العدو الأقوى لوافد جديد يحمل آمالاً كبيرة، لكن… يبدو أنه أضعف مما توقعت”
ارتجافات وتشوّهات الممر كانا مجرد إنذار.
هز سوبارو رأسه بتجاعيد على جبينه، مفكرًا في كيفية توزيع قواتهم في أرجاء القصر.
لن يتزعزع جواب سوبارو. فقد تعلقت المسألة منذ البداية بقلب بياتريس.
أكبر سلاح لديهم – غارفيل – من المؤكد أنه في مواجهة التهديد الرئيسي – إلزا. كلاهما يمتلك قوة تفوق البشر، لذلك من المفترض أن تصبح المعركة متكافئة، أو هكذا أمل سوبارو. لكنه لم يعد واثقًا تمامًا.
“انتظري، حقاً؟! كنت متأكداً أن هذه الأحجار ستبقيهم بعيداً، كما حدث خلال حادثة أورغاروم… لماذا لا يعمل؟!”
لم يكن الأمر أن غارفيل ضعيف، بل كان قلبه أكبر من جسده. هذه هي الحقيقة المُرَّة التي يجب أن يُعبر عنها.
لقد اعتمد سوبارو ورفاقه على طيبة قلبه في معركتهم ضدّه في “الملاذ“. لكن كيف ستؤثر هذه الشخصية الرقيقة على سير المعركة في القصر؟ لا أحد يمكنه التنبؤ بذلك.
لم يستطع سوبارو تجاهل الاحتمال بأن غارفيل قد يرحم خصمه بدلاً من أن يرحم نفسه، فتنقلب مشاعره النبيلة ضدّه وتُفقده قوته في اللحظات الحاسمة.
لإخراج الجميع بأمان من القصر، كان على غارفيل أن يظل في أقوى حالاته، قادرًا على مواجهة التهديد الأشد.
رفعت بيترا حجر الصدّ عاليًا، فابتعدت الفئران السوداء فورًا.
“توقفي عن السماح لكتاب فارغٍ وعهدٍ مضى عليه أربعة قرون أن يتحكما بكِ. بياتريس، ما تريدين فعله الآن هو خيارك.”
“ببساطة، هذا يعني أنه يجب عليّ إزالة أي عائق يقف في طريق سلاحنا القاتل حتى يتمكن من إظهار قوته الكاملة. تركت بيترا في يد أوتو، وأعتمد على فريدريكا لتأمين ريم، لذا…”
الكائن الذي رأوه كان عملاقًا. لونه وجلده بدوا مثل الصخور، وأطرافه الأربعة ضخمة وثقيلة كأحجار الطاحونة. كان له وجهاً مرعباً، وعينان حمراوان متقدتان بالعداء، وقرن مكسور يبرز من أنفه. علاوة على ذلك، جلست فتاة صغيرة على ظهر الوحش.
“وهذا يعني أنه يبقى أنت وبيتي فقط… هل هذا ما تعنيه حقًا؟”
“نعم، هذا بالضبط.”
“سأقوم بتقديم ضيافة خاصة لتلك الفتاة – تلك القاتلة. وخلال ذلك، عليكم جميعاً أن…”
ردت بياتريس على صوت سوبارو المتوتر بإيماءة رأس واحدة.
إذا لم يكن هناك ما يمنعه، لأطلق غارفيل كل قوته المدمرة بالفعل. لذا كانت الأولوية القصوى هي إخراج بيترا والبقية من القصر أولاً. كان واثقًا أن فريدريكا ستتولى تأمين ريم وتلحق بالبقية في أقرب وقت.
هذا هو الردّ الذي طمحت ساحرة الجشع إليه.
“— ميلي!”
“والقطعة الأخيرة من اللغز هي أنني يجب أن أخرجكِ من هذا المكان. إذا لم تريدِ الهروب يداً بيد، فسأحملكِ بين ذراعيّ أو على ظهري، كما تشائين. ولكن لتصبح الأمور واضحة، لن أتراجع عن هذا“
“لا تجبرني على تكرار نفسي. هل مساعدتك ضرورية حقًا، يا ترى؟“
ظهرت على شفتيها ابتسامة عابرة، تلك الابتسامة التي تحمل شوقًا لشيء غابر في أعماق الماضي.
عندما حاول سوبارو الاقتراب خطوة أخرى، رفضته بياتريس بصوت منخفض.
أدارت رأسها، كما لو كانت عنت التحدث إلى الغرفة بدلاً من سوبارو.
في الحقيقة، علم سوبارو تمامًا أن الكتاب الغامض لبياتريس كان فارغًا.
“بيتي تسيطر على أرشيف الأرواح العظيمة للكتب المحرمة، مكان بعيد عن العالم الفاني. بغض النظر عن أي تهديد قد يكمن وراء تلك الأبواب، هل يهم ذلك حقًا؟ قلقك ليس له معنى“
“لا، لا أستطيع ترك الأمر هكذا. أرشيفك للكتب المحرمة رائع، لا جدال في ذلك، لكن له نقطة ضعف قاتلة. والأهم من ذلك، أن العدو يعرف كيف يستغلها“
هذه الانتقادات لقدرات انتقالها عبر الأبواب، وهو أساس ثقتها، جعلت بياتريس ترفع حاجبيها بتعبير غير راضٍ.
حاليًا، كان هدفهم الوصول إلى مكتبة روزوال، حيث يوجد مخرج سري يؤدي إلى الخارج، مخفي خلف رف الكتب في الغرفة. سيتيح لهم ذلك تجاوز الوحوش الشيطانية المحيطة بالقصر.
بالتأكيد، عندما يتعلق الأمر بالاختفاء، يوفر أرشيف الكتب المحرمة العديد من المزايا. ومع ذلك، رأى سوبارو بنفسه في محاولات سابقة أن هذه المزايا ليست مطلقة.
“أسلوبك في الانتقال يعمل فقط مع الأبواب المغلقة. إذا قام أحدهم بفتح جميع الأبواب في القصر…”
لم يستطع سوبارو تجاهل الاحتمال بأن غارفيل قد يرحم خصمه بدلاً من أن يرحم نفسه، فتنقلب مشاعره النبيلة ضدّه وتُفقده قوته في اللحظات الحاسمة.
أخرهم سيؤدي حتمًا إلى الأرشيف المحرم. في محاولة سابقة، استخدمت إلزا هذه الطريقة للتسلل إلى الأرشيف وهاجمت بياتريس محاولةً قتلها.
لمعت عينا بيترا وهي تتأمل الخادمة الأكبر التي ابعدت شعرها بلطف، ماسحةً الأوساخ عن خدها.
لم يكن الأرشيف آمنًا كما ظنت بياتريس. حاول سوبارو أن يشرح، ولكن —
“نعم، هذا بالضبط.”
” – لماذا يعرف العدو عن نقطة الضعف تلك، يا ترى؟“
سؤال بياتريس جعل سوبارو يتنفس بعمق.
عندما هز سوبارو رأسه ليستفيق من دواره، قفزت بيترا من بين ذراعيه، مركزةً نظرتها على شخص يتطاير شعره الذهبي الجميل مع الريح؛ فريدريكا.
“روزوال هو من أخبرهم… لابد أنه هو من كشف لهم“
وصلت إلى هذه الاستنتاج بسرعة مذهلة، مما جعل سوبارو عاجزًا عن تقديم أي عذر.
لم يستطع إلا أن يحدق في دهشة وهو يرى يقين بياتريس يزداد وضوحًا. جاء المهاجمون إلى القصر بتوجيهات من روزوال، وبدا من الضروري التغلب على قدرات بياتريس في الانتقال لتحقيق أهدافهم.
أخرهم سيؤدي حتمًا إلى الأرشيف المحرم. في محاولة سابقة، استخدمت إلزا هذه الطريقة للتسلل إلى الأرشيف وهاجمت بياتريس محاولةً قتلها.
لابد أن لروزوال سبب لهذا كله. بمعنى آخر —
“أوه؟ لا يبدو أن أياً منكم مندهش حقًا. هذا محبط قليلاً.”
“هل وفاة بيتي مسجلة في كتاب روزوال للمعرفة، يا ترى؟“
بعد أن قالت هذا بصوت منخفض، أطلقت بياتريس زفرة قصيرة.
“حسناً، لم أستطع العثور على الخادمتين المستهدفتين، لذا طلبت من ‘خنزير الصخور’ أن يُساعدني. وبفضله، انتهى بي الأمر بالعثور عليكم جميعاً، أليس كذلك؟”
ومن فوقها، اقترب بوجهه إلى أن صار قريبًا لدرجة استطاع معها الشعور بأنفاسها المرتجفة.
هااه.
مزقت مخالبه مزقت السجادة، وزئيره زلزل الأساس. ومع صرخة شرسة، انقض عليهم.
اشتعلت قوته كسعير في أعماق جوفه.
تنهدت، كأنها نفست عن كل الضغط الذي عانت منه. هذا المشهد أدخل سوبارو في نوبة غضبٍ مفاجئة.
“آآآه، تباً. نسيتها… لا بأس“
سقط في الفراغ الذي أحدثته ضربة إلزا، وظلت هجماتها القاتلة تتوالى حتى وهو يهوي. استند غارفيل على حدسه محاولاً صد الهجمات بالدروع المربوطة على ذراعيه — دفاع، دفاع، دفاع. ومع ذلك، لم يستطع اعتراض كل ضربة، وسالت دماؤه من جروح جديدة غطت جسده.
“أنتِ…! ماذا كانت تلك التنهيدة الآن؟ لماذا تبدين وكأنكِ راضية عن كل هذا؟!”
تعالت صرخة مزلزلة، واصطدم الصلب بالصلب. كانت الشرارات المتطايرة ترسم مشهداً أشبه برقصة شرسة، صداها يملأ أرجاء القصر.
“…إذا كنت قد وصلت إلى هنا، فلا بد أنك تفهم. روزوال ببساطة يُنفذ ما هو مكتوب في كتاب الحكمة، على ما أعتقد. إذا كانت هذه هي النتيجة، فمستقبل بيتي قد تم تحديده بالفعل.”
“ماذا تعنين…؟ كتاب روزوال هو ملكه، وكتابكِ هو ملككِ، أليس كذلك؟ أم أنكِ تقولين أن هذا الكتاب الذي تحتضنينه يقرر في مرحلة ما أنه سيأمركِ بالموت؟!”
“سيدي ناتسكي! هناك فئران ذات أجنحة سوداء أمامنا!”
أشار سوبارو بإصبعه نحو كتاب المعرفة، الذي احتضنته بياتريس كما لو تأمل في أن ينكسر استسلامها.
“السيدة فريدريكا تتدبر الأمور بطريقة ما! لكننا لا نزال بلا خطة جيدة للتعامل مع الوحوش الشيطانية!”
في الحقيقة، علم سوبارو تمامًا أن الكتاب الغامض لبياتريس كان فارغًا.
تعالت صرخة مزلزلة، واصطدم الصلب بالصلب. كانت الشرارات المتطايرة ترسم مشهداً أشبه برقصة شرسة، صداها يملأ أرجاء القصر.
لم يظهر أي تنبؤات بالمستقبل في صفحاته طوال الأربعمئة سنة الماضية.
ناظرةً إلى فريدريكا التي سدت طريقها، نفخت ميلي وجنتيها غضبًا. وامتثالًا لأمر سيدته، أصدر الوحش الشيطاني الهائل زئيراً هز أرجاء المكان.
عندما صرخ في وجهها، نظرت بياتريس إلى الأسفل وفتحت الكتاب ببطء في يديها. ثم قلبت صفحاته لتكشف له أنه لم يكن مكتوبًا فيه شيء.
لكن ضربة بقوة الإعصار أطاحت بها بعيدًا. ورغم تراجعها، كانت متأكدة أنها خلال تلك المواجهة، قد وصلت شفراتها إلى —
“لا يوجد شيء هنا، على ما أعتقد. مصير بيتي صفحة بيضاء.”
“إذن هذا يعني أنه ليس لديكِ سبب لتدعي روزوال يحقق مراده! عليكِ أن تقرري ماذا تريدين أن تفعلي بنفسكِ كما فعلتِ دائمًا!”
“…كما فعلت دائمًا؟”
لأنها كانت تحب والدتها، ظلت بياتريس مكبلةً بوحشتها وفراغها.
اتسعت عينا بياتريس بدهشة، وهي تكرر تلك الكلمات بصوتٍ هادئ.
ثم رآه.
صوتها، الذي بدا خاليًا من أي عاطفة، ترك سوبارو عاجزًا عن الكلام.
مزق ذراعه الحائط الذي اخترقه كلياً، آخذاً معه قطعة ضخمة منه.
لكن تلك العيون الزرقاء التي نظرت إليه، بها شيء لا يمكن إنكاره — حزنٌ عميق.
“—!”
“ماذا قررت بيتي لنفسها في كل تلك الأيام؟“
بينما كانت تهمس، قلبت بياتريس صفحات الكتاب بعناية بأصابعها الرفيعة، وكأنها تعتقد أن هذه الصفحات النظيفة تمثل مجموع السنوات الطويلة التي قضتها.
“حسناً، لم أستطع العثور على الخادمتين المستهدفتين، لذا طلبت من ‘خنزير الصخور’ أن يُساعدني. وبفضله، انتهى بي الأمر بالعثور عليكم جميعاً، أليس كذلك؟”
فارغة، بلا هدف.
“لقد استمررت في حماية هذا القصر، وحيدة، لأن أمي طلبت مني ذلك… متى اخترتُ شيئًا بنفسي؟ من بياتريس تلك التي تتحدث عنها، وماذا فعلت من أجل نفسها؟”
“— ميلي!”
“…بياتريس“
تحدثت القاتلة وهي تصد مخالبه الوحشية بسكينها، ثم قفزت للخلف، مبتعدةً مسافة كبيرة. تبعها غارفيل، محولاً ساحة المعركة إلى جزء أعمق من القصر، ليفتح الطريق نحو الأميرة النائمة – ريم.
“أفهم الآن وأشكرك على ملاحظتك. إليك ترجمة مشابهة لما طلبت:
“لقد كان لديكِ أربعمائة عام لتفهمي الأمر! لماذا الحل الوحيد الذي توصلتِ إليه متطرفٌ هكذا…؟! لماذا فكرتِ في خطة واحدة فقط؟ هناك الكثير من الأمور الأخرى التي أمكنك القيام بها، اللعنة!”
ما زالت نوايا إيكيدنا الحقيقية حينما منحت بياتريس كتاب المعرفة لغزًا عصيًا على الفهم. لم يسقط احتمال أن توكل تلك الساحرة الماكرة بهذا الكتاب لتلهب فكرها وتدمر سكونها.
“أليست حياة بيتي قاحلة مثل هذا الكتاب، أتساءل؟ أليست فارغة مثله؟ لم أقرر شيئًا لنفسي. لا إنجازات ولا نجاحات… ليس لدي شيء على الإطلاق…”
حتى الآن، لا تملك إجابة لذاك السؤال.
تلقى أوتو الأوامر وانطلق مع بيترا. سوبارو، حاملاً ريم على ظهره، متقدماً نحو مدخل القصر من الفناء.
برفق، أغلقت كتاب المعرفة. مررت بياتريس يدها ببطء على الغلاف الذي لم يحمل عنوانًا. ظلت تداعبه بلطف، بحسدٍ. ثم تحدثت بهدوء مرة أخرى.
بزئير مزلزل، اندفع غارفيل داخل القصر، وإلزا لا تزال معلقةً على الحائط، تاركاً خلفه غبار الحطام المتناثر. بدت ضرباته قويةً بما يكفي لتركها عاجزةً عن المقاومة. كل ما كان عليه فعله الآن هو كسر عنقها، تحطيم جمجمتها، وجرها على الجدار حتى تتحول إلى مجرد أشلاء. ثم سيعود لينضم إلى أصدقائه ويكمل المعركة —
“حقًا… لكان من الأفضل لو كانت بيتي مجرد كتاب.”
“أفهم الآن وأشكرك على ملاحظتك. إليك ترجمة مشابهة لما طلبت:
غير قادرة على الغرق حتى في خيال عابر، اعترفت بياتريس بأمنيتها الحزينة المؤلمة.
“لو كنتُ دمية بلا قلب، أو قصة لا تهتز بمرور الزمن، لما عانيت مثل هذا”
“— لكن هناك وحوش شيطانية لا تتأثر على الإطلاق بأحجار طرد الوحوش!!”
لكنها لم تستطع. ولذلك غمر الحزن قلبها.
حينما قفز بوحشية نحو خصمه، ابتسمت إلزا ابتسامةً ساحرة، مدركةً تمامًا ما كان ينوي فعله.
////
“للأسف، بيتي لديها قلب. بعد أن انتظرت طويلاً حتى تلاشى كل أمل وثقة، أتت بعض الأفكار بلا إرادة. هل كانت هذه مخاوف وهموم، يا ترى؟ كثيرًا ما اجتمعتُ مع ذكرياتي وتعلقتُ بها، قلقةً من أنني قد أنسى وجه أمي أو ابتسامتها يومًا ما.”
غرزت أظافرها في الكتاب الذي تحتضنه على صدرها، وعضت شفتها بينما حدقت في سوبارو.
“السبب واضح.”
“كان هناك أوقات كنتُ أخاف فيها من الوحدة، وأريد بشدة أن أكون مع أحدهم، أي أحد. لكن مع مرور السنوات، تركني الجميع في النهاية. جميعهم قالوا شيئًا غير مفهوم عن كيف كان لشيء أكثر أهمية… رحلت أمي! وكذلك روزوال! حتى ريوزو!”
صرخت بياتريس، على وشك البكاء، بينما تشوه وجهها.
صرخة بيترا اليائسة جعلت سوبارو وأوتو يتوقفان عن المزاح ويجمعان أفكارهما في محاولة للعثور على خطة.
الأسماء التي نطقتها آلمت سوبارو بعمق، مسترجعاً كل ما تعلمه عن بياتريس في الملاذ.
بعد أن استنزفت جسده، الذي ما زال في طور التعافي، من طاقة المانا، انهار سوبارو دون أي مقاومة تُذكر. مدفوعًا بشعور الانتقام، أخذ يزعجها ويضايقها عند كل فرصة، مقاطعًا عزلتها باستمرار.
في الوقت القصير الذي قضته الفتاتان معًا، كانت قد شكلت بلا شك رابطًا مع ريوزو ماير، الفتاة التي أصبحت تضحية لحماية الملاذ – وهو شيء جرح قلب بياتريس حتى يومنا هذا.
“هل تنوي إهانة والدتي، أتساءل؟! والدتي لم تكن لتفعل مثل هذا الخطأ السخيف أبدًا — “
“بيتي… الروح بياتريس… كانت دائمًا وحيدة، مقدرًا لها أن تُترك من الجميع… لكن الآن، ربما يمكنني أن أرتاح قليلًا.”
“أنتِ من لا يفهم. إذا كان الإيفاء بالعهد يعني موتك، فما عليكِ إلا كسره والبقاء على قيد الحياة. هذا ما سأفعله لو كنت مكانك. هل يبدو غريبًا أنني سأختار هذا الطريق؟“
“…لماذا؟ لماذا تشعرين بالراحة لأنك قد تُقتلين على يد شخص تعرفينه؟“
كانت تمسك بكتاب المعرفة الذي ورثته من والدتها، بصفحاته التي صارت خاوية من النبوءات.
“السبب واضح.”
“حسنًا. سأقولها بوضوح حتى تسمعي أنتِ ووالدتكِ جيدًا، يا أيتها الحمقاء!”
“أنتِ…! ماذا كانت تلك التنهيدة الآن؟ لماذا تبدين وكأنكِ راضية عن كل هذا؟!”
ردت بياتريس على صوت سوبارو المتوتر بإيماءة رأس واحدة.
“هذا يعنى أن ذلك الوحش — ”
نهض أوتو ومسح ركبتيه موجهاً سؤاله للجميع، باستثناء ريم النائمة. إذا كان على سوبارو التخمين…
ظهرت على شفتيها ابتسامة عابرة، تلك الابتسامة التي تحمل شوقًا لشيء غابر في أعماق الماضي.
“بالطبع تؤمنين بي!!!”
“حتى وإن كان ذلك فقط في كتاب المعرفة الخاص برزوال، كون بيتي مسجلةً هناك… أيمكن أن يعني ذلك أن والدتي لم تنسَ ابنتها، يا تُرى؟”
“أنت حقًا حمقاء… ليس هناك أيّ سبيل بحق الجحيم يجعلني أصبح ذلك الشخص الغبيّ الذي تنتظرينه.”
“سيد سوبارو — لقد أحضرتُها كما طلبتَ.”
بابتسامة خافتة، نطقت بياتريس بتلك الكلمات وكأنها شكلٌ من أشكال الخلاص.
أخرهم سيؤدي حتمًا إلى الأرشيف المحرم. في محاولة سابقة، استخدمت إلزا هذه الطريقة للتسلل إلى الأرشيف وهاجمت بياتريس محاولةً قتلها.
بدت الفتاة سعيدة، وكأن الحكم بالموت ، المكتوب في الكتاب السحري الذي تركته والدتها ، هو بالضبط ما تتمناه. وكأنها تستطيع إيجاد راحتها في الموت على يد رجل ينتمي إلى نفس الأسرة التي عاملتها كفردٍ من العائلة لعقودٍ طويلة.
بعد انتظار وأملٍ داما لأربعمائة عام، صارت بياتريس سعيدةً أخيرًا بتحقيق رغبة والدتها، حتى وإن كانت تلك الرغبة تعني الموت.
كان إخلاصها الأعمى لوصايا والدتها هو الذي جعلها عاجزة عن رفض مصيرها. آمنت بالساحرة إيكيدنا كشهيدة مستعدة للتضحية في سبيل إيمانها.
لمعت عينا بيترا وهي تتأمل الخادمة الأكبر التي ابعدت شعرها بلطف، ماسحةً الأوساخ عن خدها.
حينما قفز بوحشية نحو خصمه، ابتسمت إلزا ابتسامةً ساحرة، مدركةً تمامًا ما كان ينوي فعله.
وبدا هذا واضحًا في التحرر الصافي الذي يملأ ابتسامتها —
اشتعلت قوته كسعير في أعماق جوفه.
“كفاكِ هراءً بالفعل.”
“هذا يعنى أن ذلك الوحش — ”
تلك الابتسامة الغريبة والمثيرة للريبة أشعلت النار في صدر سوبارو حتى اشتعل غضباً.
إميليا كانت تبذل جهدها في “الملاذ“، ومن واجب سوبارو أن يفعل الشيء نفسه في القصر.
“هل… ستصبح ذلك الشخص من أجل بيتي؟”
السعادة المأساوية التي شعرت بها بياتريس بعد أن بدت وكأنها قد وجدت دليلاً على حب والدتها بدت مشوهة ومزعجة. كانت هراءً لا أكثر.
وكأن إدانة ابنتها بالموت يمكن أن تُعتبر صورة من صور الحب الأمومي.
“سيد سوبارو…”
“…ماذا… تنوين فعله؟”
تملكه الغضب العارم، لدرجة أنه خطا خطوة للأمام دون أن يشعر، والتعبير المقلق على وجهه جعل بياتريس تتجمد حذرًا.
“أنا — أعتذر بشدة، سيد أوتو. لقد كانت أولوياتي مختلفة بعض الشيء…”
بعد أن كشف أفكارها الداخلية بهذا الوضوح، ارتجفت وكأن طوفانًا من المشاعر اجتاحها، وبدأت الدموع تتلألأ في عينيها.
“هل كنتَ تُصغي إليّ، أتساءل؟ ماذا أنوي فعله؟ هل من الضروري أن أشرح أن بيتي لن تُظهر أي رحمة، يا تُرى؟ لقد… قبلتُ قدري بالفعل.”
لن يتزعزع جواب سوبارو. فقد تعلقت المسألة منذ البداية بقلب بياتريس.
“يا له من هراء محض. أنتِ مثل روزوال. لم تتغيري على الإطلاق. بل أنتِ أسوأ منه بكثير. على الأقل، روزوال يعرف ما يفعله. لماذا تصرين على تعقيد كل شيء إلى هذا الحد، بحق اللعنة؟”
استثار الغضب داخله بلا حدود. وحين تأمل الأمر، أدرك أن الأحداث المحيطة بالمعبد جعلته يواجه هذا الغضب مرة تلو الأخرى.
“أنتِ…! ماذا كانت تلك التنهيدة الآن؟ لماذا تبدين وكأنكِ راضية عن كل هذا؟!”
كان غاضبًا من نفسه أثناء التجارب؛ غاضبًا من الساحرات اللواتي لعبن به؛ غاضبًا من غارفيل، ذلك الفتى العنيد الذي احتقره؛ غاضبًا من روزوال، الرجل الذي حاول إثبات هشاشة معتقدات سوبارو عبر التمسك بما هو محتوم؛ وغاضبًا من إميليا، التي رفضت تصديق ليس فقط حب سوبارو، بل أيضًا نفسها.
بالتأكيد كان هناك خطة احتياطية في حال لم يحقق غارفيل النصر — خطة لإبقاء الجميع أحياءً حتى يلجئوا إلى الأمان في “الملاذ”. لكنه لم يكترث لذلك، فهذا غير مهم.
والآن، عبر الزمن والمسافات، عاد ليعوض عجزه السابق، وعن كل ما لم يستطع إيصاله.
والآن صار غاضبًا من القدر ذاته، بعد أن رأى بياتريس تتخلى عن كل أمل.
“لقد استمررت في حماية هذا القصر، وحيدة، لأن أمي طلبت مني ذلك… متى اخترتُ شيئًا بنفسي؟ من بياتريس تلك التي تتحدث عنها، وماذا فعلت من أجل نفسها؟”
“بياتريس، أنتِ غبية. غبية مثل الصخر، لا شك في ذلك! النظر إليه وحسب يؤلمني!!”
بصوتٍ متقطع، زفرت ببطء، وكأنها تحاول أن تغفر لنفسها.
“ماذا…؟!”
صرخة سوبارو المفاجئة وغضبه الفجائي أذهلا بياتريس، مما جعلها عاجزةً عن الرد.
“هل… هذا من شأنك أصلاً؟ لم يطلب أحد منك… أن تفعل ذلك.”
الإحباط والارتباك اللذان شعرت بهما منعاها من رفع صوتها فورًا. استغل سوبارو حيرتها ليزيد من هجومه عليها.
“حتى لو كانت حالة طارئة، أرجو أن تعذروا تصرفي غير اللائق. فريدريكا باومان قد عادت.”
“لقد كان لديكِ أربعمائة عام لتفهمي الأمر! لماذا الحل الوحيد الذي توصلتِ إليه متطرفٌ هكذا…؟! لماذا فكرتِ في خطة واحدة فقط؟ هناك الكثير من الأمور الأخرى التي أمكنك القيام بها، اللعنة!”
“بالطبع فكرتُ في ذلك! حاولت بيتي التحقق مرارًا وتكرارًا مما إذا كان هناك شيء ما على تلك الصفحات الفارغة… لكن لم يتغير شيء أبدًا!”
“ولهذا السبب أنتِ غبية! ماذا عن محاولة تسخين الصفحات لترين إن كانت هناك كلمات مكتوبة بحبرٍ خفي؟! في هذه الأيام، حتى بطاقات العام الجديد المزيفة لا تخدع أحدًا بهذه الحيلة! فكّري في مزيد من الاحتمالات، أليس كذلك؟!”
رؤيتها لسوبارو وجماعته يهربون جعل ميلي تصرخ من أعلى وحشها الشيطاني. بعينين دامعتين، ردت بيترا وهي تمد لسانها بسخرية نحو ميلي.
“…ماذا… تنوين فعله؟”
لقد أقنعتها الصفحات الفارغة في الكتاب بأن مصيرها يؤدي حتمًا إلى طريق مسدود.
ولكن إذا لم يكن ذلك صحيحًا بالضرورة… إذا كان هناك احتمال آخر، إذن —
“سيد سوبارو — لقد أحضرتُها كما طلبتَ.”
“ماذا لو كانت والدتكِ قد أخطأت وأعطتكِ الكتاب الخطأ بالصدفة؟!”
“ماذا…؟”
منذ أول مواجهة بينهما، أدرك أن هذه المرأة ليست خصمًا يمكنه التهاون معه.
لمسة من الغموض جعلت التجاعيد تزداد عمقاً على جبين سوبارو بينما يلتقط بيان أوتو بهمس.
كانت الفرضية الأخيرة التي طرحها سوبارو عشوائية لدرجة أن بياتريس لم تعرف حتى كيف ترد. سرعان ما تحول دهشتها إلى غضب، وازداد استياؤها.
بذلك، فرّ سوبارو والبقية نحو القصر. حاولت ميلي اللحاق بهم، لكن —
“هل تنوي إهانة والدتي، أتساءل؟! والدتي لم تكن لتفعل مثل هذا الخطأ السخيف أبدًا — “
“هل يمكنكِ أن تقولي بيقين مطلق عدم إمكانية حدوثه أبداً؟ ألا يساوركِ أدنى شك؟ هل أنتِ متأكدة تمامًا أن التفسير الوحيد الممكن هو أن والدتكِ قدّمت لابنتها كتابًا لا يحمل سوى الفراغ عمداً؟”
“— لكن هناك وحوش شيطانية لا تتأثر على الإطلاق بأحجار طرد الوحوش!!”
ظل سوبارو يستند إلى مغالطاتٍ ومنطقٍ ضبابي ليتلاعب بالحقيقة ويغمرها في سرابٍ من الاحتمالات، محاولاً شق ثغرةً بحديثه في يقين بياتريس المتجذّر.
“أغلب الوحوش الشيطانية تقول، ‘أنا آكلك بالكامل’. وهذا لا يُعتبر محادثة…”
ما زالت نوايا إيكيدنا الحقيقية حينما منحت بياتريس كتاب المعرفة لغزًا عصيًا على الفهم. لم يسقط احتمال أن توكل تلك الساحرة الماكرة بهذا الكتاب لتلهب فكرها وتدمر سكونها.
بالتأكيد كان هناك خطة احتياطية في حال لم يحقق غارفيل النصر — خطة لإبقاء الجميع أحياءً حتى يلجئوا إلى الأمان في “الملاذ”. لكنه لم يكترث لذلك، فهذا غير مهم.
لكن، بعد سماعه لقصة ماضي الملاذ من ريوزو، شعر أن هناك فارقًا بين إيكيدنا تلك وبين الساحرة الملتوية التي واجهها بنفسه. كانت الحقيقة تراوغه، لكنها لم تعنه الآن. ما يحتاج إليه هو أن يحطم الجدران المتماسكة التي تحيط بقلب بياتريس، أن يخبرها بالكلمات السحرية التي ستمنحها سببًا لتتشبث به في هذا العالم.
استثار الغضب داخله بلا حدود. وحين تأمل الأمر، أدرك أن الأحداث المحيطة بالمعبد جعلته يواجه هذا الغضب مرة تلو الأخرى.
“لا، إنه مختلف الآن… في الماضي، كنت قد سلمت نفسي للموت.”
“لماذا… تتحدث بهذه الطريقة؟”
لأنها كانت تحب والدتها، ظلت بياتريس مكبلةً بوحشتها وفراغها.
مرر سوبارو إصبعه بلطف على وجنة ريم النائمة، بينما ينظر بامتنان شديد نحو فريدريكا ليعبر عن شكره. ثم حوّل نظره إلى الجناح الغربي من القصر، الذي بدا محطّمًا بشكل مذهل.
اهتز صوت بياتريس ، وعينيها تهيم بعيدًا تحت وطأة عزيمة سوبارو التي اخترقتها ثباتها.
كانت بياتريس تؤمن بأمها إيمانًا عميقًا، إيمانًا جعلها عاجزةً عن تصور أن الأم التي أحبتها واحترمتها ستلقي بها في بئرٍ من الوحدة عمداً. ورغم ذلك، هزت رأسها بعناد. حينما وقفت بين الإيمان الأعمى والمحبة الراسخة، اختارت أن تتشبث بإيمانها.
كان الأمر كما لو أنها لم تجد في هذا العالم كله شيئًا لتتمسك به سوى كلمات والدتها، كلمات لم يخالطها شكٌ منذ أربعة قرون.
“و–والدتي لن ترتكب مثل هذا الخطأ، أ–أليس ذلك واضحًا كالشمس، يا تُرى؟ هذه والدتي التي نتحدث عنها! هل ستُشكك في كلمات والدتك أنت؟!”
صعباً للغاية. ترك أوتو هذه الكلمات غير مُعلنة وهو يكمل شرحه عن كيف انقلبت الأمور فجأة ضدهم. وبعد ذلك —
“بالطبع سأفعل! اللحظات التي أستطيع أن أضع فيها كامل ثقتي بها تعدّ على أصابع اليد! والدتي هي الشخص نفسه الذي سمع ذات يوم أن قمرًا صناعيًا يسقط في ‘الغلاف الجوي‘ واعتقدت أن ذلك يعني سقوطه في ‘محافظة آيتشي‘! ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أثق بأي خبر يخرج من فمها! كان الأمر محرجًا للغاية حينما كررت تلك الحماقة على مسامع الآخرين!”
لم ينسَ أبدًا كيف ضحك زملاؤه وجيرانه منه، وكيف سخرت منه مدينته بأكملها حين أخذ تلك القصة مأخذ الجد وراح يبشر بها. والأشد من ذلك، أن والدته، الجانية الأصلية، قد نسيت القصة برمتها وسألته باستنكار: “لماذا رددت ذلك الكلام للناس؟”
“آسف، لكن يبدو أني لن أتمكن من استعراض مهاراتي أمامك الآن. القائد كلفني بمهمة الحفاظ على سلامتك، لذا من فضلك.”
ومنذ تلك الواقعة، منذ أن كان في سنٍ صغيرة، علّمته الحياة أن يصبح أكثر حذرًا وألّا يأخذ أقوال والديه على أنها حقائق لا تحتمل النقاش.
لهذا السبب صارت ثقة بياتريس الثابتة في والدتها ككائنٍ لا يمكن أن يخطئ تستفز سوبارو إلى أقصى حد.
“لماذا… تتحدث بهذه الطريقة؟”
أخرهم سيؤدي حتمًا إلى الأرشيف المحرم. في محاولة سابقة، استخدمت إلزا هذه الطريقة للتسلل إلى الأرشيف وهاجمت بياتريس محاولةً قتلها.
“حتى لو كان لدي ضعف عدد أصابعي، لن تكفي يدي لأحصي كم مرة انتهى نقاش بيني وبين والدي إلى شجارٍ بالأيدي، وكل ذلك خلال أقل من عشرين عامًا. لقد قضيتِ عشرين ضعف ذلك الوقت. هل تريدين القول أنكِ لم تشعري بشكٍ كهذا ولو لمرة واحدة؟“
وكأن إدانة ابنتها بالموت يمكن أن تُعتبر صورة من صور الحب الأمومي.
“أنا… لا أفهم مطلقًا… ما الذي تريد من بيتي أن تقوله، أتساءل؟! لا أستطيع فهمه أبدًا! رغبتك، هدفك… لا معنى لهما! لا معنى لهما على الإطلاق!”
“لقد استمررت في حماية هذا القصر، وحيدة، لأن أمي طلبت مني ذلك… متى اخترتُ شيئًا بنفسي؟ من بياتريس تلك التي تتحدث عنها، وماذا فعلت من أجل نفسها؟”
“حسنًا. سأقولها بوضوح حتى تسمعي أنتِ ووالدتكِ جيدًا، يا أيتها الحمقاء!”
فالعرض الحقيقي للدمار يحدث في الطابق السفلي، مسببًا انهيار الجناح الغربي بالكامل، جارفًا معه الممر الذي وقفوا فيه. تكسر الزجاج، وتناثرت العوارض الخشبية، وبدأ القصر بأكمله يئن تحت وطأة الضغط.
بينما تضع بياتريس يديها على رأسها، اقترب منها سوبارو وأمسك بيديها الاثنتين.
ما زالت نوايا إيكيدنا الحقيقية حينما منحت بياتريس كتاب المعرفة لغزًا عصيًا على الفهم. لم يسقط احتمال أن توكل تلك الساحرة الماكرة بهذا الكتاب لتلهب فكرها وتدمر سكونها.
ومن فوقها، اقترب بوجهه إلى أن صار قريبًا لدرجة استطاع معها الشعور بأنفاسها المرتجفة.
“هل… يمكنك؟”
“توقفي عن السماح لكتاب فارغٍ وعهدٍ مضى عليه أربعة قرون أن يتحكما بكِ. بياتريس، ما تريدين فعله الآن هو خيارك.”
صمتت بياتريس، وظل سوبارو مستمراً في الحديث.
“بياتريس، أنتِ غبية. غبية مثل الصخر، لا شك في ذلك! النظر إليه وحسب يؤلمني!!”
“أربعمائة عام… أليس هذا وقتًا أكثر من كافٍ لتمرّي بمرحلة تمرد واحدة على الأقل؟“
منذ أول مواجهة بينهما، أدرك أن هذه المرأة ليست خصمًا يمكنه التهاون معه.
لأنها كانت تحب والدتها، ظلت بياتريس مكبلةً بوحشتها وفراغها.
ربما كانت إيكيدنا ترى في عذابات ابنتها النفسية وجبةً لذيذة فاخرة. لكن ماذا يبقى من قلب الإنسان عندما ينسى كيف يبكي، أو كيف يشعر بالرغبة في البكاء حتى؟ شعر سوبارو برغبةٍ حقيقية في الصراخ من أعماق قلبه.
“آسف، لكن يبدو أني لن أتمكن من استعراض مهاراتي أمامك الآن. القائد كلفني بمهمة الحفاظ على سلامتك، لذا من فضلك.”
لا تزال بياتريس جالسةً على المقعد، وجهها منحرفٌ عنه بينما تُضَم يداها في قبضته.
“لو كنتُ دمية بلا قلب، أو قصة لا تهتز بمرور الزمن، لما عانيت مثل هذا”
“فريدريكا!!”
توجه نظرها للأسفل، وشفتيها ترتجفان وهي تحدق في الكتاب الذي على حضنها.
“بغض النظر عما تقوله… العهد هو العهد. والعهد مطلق… ولهذا السبب…”
“لا يسعدني سماع المديح إلا من رام!!”
“كلام كبير من فتاة تبحث عن ثغرةٍ في هذا العهد، ومستعدةٌ للموت ما دام ذلك لا ينتهك العهد في جوهره.”
تراجعت بياتريس عن نظراته الثاقبة حتى جعل تعليقه عيناها تتسعان من الدهشة.
بدا أنه قد أصاب عين الحقيقة.
تحدثت فريدريكا إلى بيترا بينما تربت بلطف على رأسها، وعندما رأت الأخيرة العزيمة في عيني فريدريكا الزمرّدية عن قرب، توقفت عن الاعتراض، ولكن بالتأكيد، فهمت أن هذه الكلمات لم تكن عبثاً غرضه الطمأنينة. المرأة التي كانت تنظر إليها بتقدير كبير، أبت أن تتنازل عن مبادئها، وباتت مستعدة لتواجه قدرها بكل قوة. لقد كانت حقاً شقيقة غارفيل.
بعد أن كشف أفكارها الداخلية بهذا الوضوح، ارتجفت وكأن طوفانًا من المشاعر اجتاحها، وبدأت الدموع تتلألأ في عينيها.
بينما صاح سوبارو باسمها، عقدت ميلي شفتيها بضيق بسبب فشلها في إبهارهم بما كان من المفترض أن يصير ظهورها العظيم. وللأسف، لم يكن لدى سوبارو والبقية أي سبب لمجاملتها.
والآن، صار سؤال بياتريس ثمرة كل تلك السنين – نتاج كل ذلك الانتظار المرير.
بدا هذا طبيعي ، فقد سمع سوبارو تلك الهموم من شفتي بياتريس نفسها من قبل.
“ألّا يمكنكَ… أن تصمت، أتساءل؟“
أشار سوبارو بإصبعه نحو كتاب المعرفة، الذي احتضنته بياتريس كما لو تأمل في أن ينكسر استسلامها.
والآن، عبر الزمن والمسافات، عاد ليعوض عجزه السابق، وعن كل ما لم يستطع إيصاله.
المواجهة بين غارفيل وإلزا وصلت إلى مستوى مرعب جعل التدخل أمرًا مستحيلاً لها. فكرة تقديم المساعدة باتت بعيدة المنال؛ مجرد التحرك تطلب شجاعة جبارة. ولذا —
“كلامك متناقض تمامًا، بياتريس. ألم تلاحظي ذلك؟ لا أصدق أنكِ لم تلحظي التناقضات. أنتِ ذكية بما يكفي.”
“ألّا يمكنكَ… أن تصمت، أتساءل؟“
“لا، لن أصمت. تريدين إنهاء العهد؟ حسنًا، لا بأس عندي. أنتِ من يكره التمسك بوعدك لدرجة أنكِ مستعدة للموت. لن يلومكِ أحد إذا قررتِ كسره.”
“أنا من ستلوم نفسها! لماذا لا تستطيع فهم ذلك؟!”
“أنتِ من لا يفهم. إذا كان الإيفاء بالعهد يعني موتك، فما عليكِ إلا كسره والبقاء على قيد الحياة. هذا ما سأفعله لو كنت مكانك. هل يبدو غريبًا أنني سأختار هذا الطريق؟“
لإخراج الجميع بأمان من القصر، كان على غارفيل أن يظل في أقوى حالاته، قادرًا على مواجهة التهديد الأشد.
نظرت بياتريس، التي ظلت تتشبث بالعهد، إلى سوبارو كما لو كان كائنًا يتجاوز حدود فهمها.
لمسة من الغموض جعلت التجاعيد تزداد عمقاً على جبين سوبارو بينما يلتقط بيان أوتو بهمس.
تعالت صرخة مزلزلة، واصطدم الصلب بالصلب. كانت الشرارات المتطايرة ترسم مشهداً أشبه برقصة شرسة، صداها يملأ أرجاء القصر.
بدا من المدهش لسوبارو أن يُنظر إليه بهذه الطريقة.
بدا من المدهش لسوبارو أن يُنظر إليه بهذه الطريقة.
“انتظري، حقاً؟! كنت متأكداً أن هذه الأحجار ستبقيهم بعيداً، كما حدث خلال حادثة أورغاروم… لماذا لا يعمل؟!”
بالطبع كان يعلم أن الوفاء بالوعود أمرٌ مهم.
“…ريوزو”
لقد وبخته إميليا أكثر من مرة لكسره وعوده، وتعلم هذا الدرس بعد تجارب مؤلمة. حتى شخص مثله بات يقدر أهمية إيفاء العهود.
“و–والدتي لن ترتكب مثل هذا الخطأ، أ–أليس ذلك واضحًا كالشمس، يا تُرى؟ هذه والدتي التي نتحدث عنها! هل ستُشكك في كلمات والدتك أنت؟!”
ومع ذلك، لم يشعر سوبارو بأدنى تردد في نصح بياتريس بكسر عهدها.
هز سوبارو رأسه بتجاعيد على جبينه، مفكرًا في كيفية توزيع قواتهم في أرجاء القصر.
“لا تجبرني على تكرار نفسي. هل مساعدتك ضرورية حقًا، يا ترى؟“
لقد شرح منطقه مسبقًا، ولم يحتج للتفكير مرتين.
بينما سوبارو غارقٌ في أفكاره، ظهرت ظلال سوداء تطير باتجاهه في الممر المضاء بضوء القمر، قبل أن تصير أمامه مباشرة.
“ك–كيف يمكنك أن تكون بهذا القدر من الجرأة والدهاء، أتساءل…؟“
— هذا هو وحش الشياطين الذي رآه سوبارو يقتل بيترا ذات مرة. واسمه…
“أعلم أنني شخص جريء، وقد تأملت فيما جلبه لي هذا الطبع من متاعبٍ ماضيه. ومع ذلك، لن أتراجع أبدًا في الأمور الهامة.”
لن يتزعزع جواب سوبارو. فقد تعلقت المسألة منذ البداية بقلب بياتريس.
ومن فوقها، اقترب بوجهه إلى أن صار قريبًا لدرجة استطاع معها الشعور بأنفاسها المرتجفة.
فجأة، وقبل أن يستطيع سوبارو التفكير في خطة للهروب، وقفت الخادمة الأكبر سنًا أمامه مباشرة، فيما لا تزال ريم محمولةً على ظهرها. لم تُجب فريدريكا على ندائه؛ بل بدأت بفك العقد الذي يُثبت ريم، محررةً إياها. سارع سوبارو لالتقاط جسد ريم النائم قبل أن يسقط.
لم تستطع إخفاء صدمتها وارتباكها عندما أخبرها بتجاهل عهدها. وبدا هذا متوقعاً؛ ففي هذا العالم، تحمل العهود أهمية بالغة لدى الكائنات المعروفة بالأرواح.
غرزت أظافرها في الكتاب الذي تحتضنه على صدرها، وعضت شفتها بينما حدقت في سوبارو.
وسوبارو، الذي وقع في حب ساحرة أرواح، كان مدركاً تماماً لثقل هذه المسألة.
فهم ذلك جيداً. ومع ذلك، أخبر بياتريس أن تعطي الأولوية لنفسها على عهدها.
“هذا صحيح، لكن للأسف، ظهرت مشكلة داخل القصر…”
“ل–لو كنت أنت… ذلك الذي كنت أنتظره… فربما…”
“آنسة فريدريكا!”
وبينما ظل سوبارو بجانبها، نظرت إليه بياتريس وهزت رأسها ببطء، وكأنها ترفض بصدقٍ متردّد.
وكأن الوحش الشيطاني الأسود استجاب لغضب سوبارو، أطلق زئيرًا هز أرجاء القصر. أحاطت به رهبة كعاصفة هوجاء قبل أن يعدل سوبارو وضعية ريم على ظهره مصراً على أسنانه.
هزت بيترا رأسها، شاحبة الوجه، متوسلةً لسوبارو. فجأةً أدرك الحقيقة؛ لقد خمن بالفعل ما كان أوتو سيقوله.
كان هناك واجبٌ واحدٌ متشابكٌ حول قلب بياتريس، يقيّدها على مدى أربعمائة عام، بينما ظلت صفحات إرث والدتها الفارغة تنحت قلبها ببطء.
لم يستطع سوبارو تجاهل الاحتمال بأن غارفيل قد يرحم خصمه بدلاً من أن يرحم نفسه، فتنقلب مشاعره النبيلة ضدّه وتُفقده قوته في اللحظات الحاسمة.
كان هذا الواجب هو السبب الأكبر الذي جعلها تتمسك بعهدها رغم كل العذاب.
“لماذا… تتحدث بهذه الطريقة؟”
لو أنها فقط أتمّت هذا الواجب، لتمكنت بياتريس أخيرًا من نيل حريتها.
عندما حاول سوبارو الاقتراب خطوة أخرى، رفضته بياتريس بصوت منخفض.
“بيتي تسيطر على أرشيف الأرواح العظيمة للكتب المحرمة، مكان بعيد عن العالم الفاني. بغض النظر عن أي تهديد قد يكمن وراء تلك الأبواب، هل يهم ذلك حقًا؟ قلقك ليس له معنى“
لهذا، نظرت بياتريس إلى عيني سوبارو السوداوين، كأنها تتشبث بهما، كأنها تسلّم قلبها إليهما.
هااه.
“هل… يمكنك؟”
بصوتٍ متقطع، زفرت ببطء، وكأنها تحاول أن تغفر لنفسها.
“عآآآآااااه!!!”
“هل… ستصبح ذلك الشخص من أجل بيتي؟”
عندما هز سوبارو رأسه ليستفيق من دواره، قفزت بيترا من بين ذراعيه، مركزةً نظرتها على شخص يتطاير شعره الذهبي الجميل مع الريح؛ فريدريكا.
تحدثت ، بنبرة حازمة مليئة بالتحدي.
بدا هذا الطلب بمثابة استغاثة، لإنهاء أربعة قرون من الفراغ الذي كابدته بياتريس.
كانت القاتلة الجميلة تبتسم، تقبض على سكين الكوكري بكلتا يديها، وجزء من جسدها العلوي ملطخ بالدماء.
تذكر سوبارو كلمات إيكيدنا.
كان المهاجمان – إلزا صائدة الأحشاء وميلي سيدة الوحوش – أشبه بشقيقتين في فنون الذبح.
هذا هو الردّ الذي طمحت ساحرة الجشع إليه.
نظراً بأنه ليس هناك جواب واضح حول من هذا الشخص، صار على بياتريس اختياره من تلقاء نفسها، قراراً زرعته الساحرة في قلب ابنتها بغرض إشباع فضولها، ودفع بياتريس إلى رحلة عزلة دامت أربعة قرون.
بدا أنه قد أصاب عين الحقيقة.
والآن، صار سؤال بياتريس ثمرة كل تلك السنين – نتاج كل ذلك الانتظار المرير.
ومع رؤيته للباب يُغلق أمامه مباشرة، قفز سوبارو بسرعة ليحاول فتحه، لكن ما إن فعله، لم يجد أمامه سوى غرفة ضيافة عادية. لقد فُعَّلت آلية الانتقال، وبذلك مُنع سوبارو مرة أخرى من الوصول إلى أرشيف الكتب المحرمة.
حبست بياتريس أنفاسها، بانتظار جوابه.
لإخراج الجميع بأمان من القصر، كان على غارفيل أن يظل في أقوى حالاته، قادرًا على مواجهة التهديد الأشد.
وجاءها رد سوبارو ، بصوتٍ واضح وثابت، عاقدًا نظره في عينيها:
بينما تضع بياتريس يديها على رأسها، اقترب منها سوبارو وأمسك بيديها الاثنتين.
ومنذ تلك الواقعة، منذ أن كان في سنٍ صغيرة، علّمته الحياة أن يصبح أكثر حذرًا وألّا يأخذ أقوال والديه على أنها حقائق لا تحتمل النقاش.
“أنت حقًا حمقاء… ليس هناك أيّ سبيل بحق الجحيم يجعلني أصبح ذلك الشخص الغبيّ الذي تنتظرينه.”
—
“سيد سوبارو — لقد أحضرتُها كما طلبتَ.”
اندفع سوبارو بقوةٍ نحو الحائط، متألماً بشدة بينما ينهار على الأرض بفعل الصدمة.
“نسيت اسمه تمامًا، لكن… ها نحن نلتقي مجددًا، أيها الوحش اللعين!”
بعد أن اصطدم بقسوة بعمود في الممر، أطلق صرخة مكتومة وهو يتلوى على الأرض.
“آآآه… لا أستطيع التصديق…! تلك الحمقاء… كنا في منتصف حديثنا…!!”
“هل يمكنكِ أن تقولي بيقين مطلق عدم إمكانية حدوثه أبداً؟ ألا يساوركِ أدنى شك؟ هل أنتِ متأكدة تمامًا أن التفسير الوحيد الممكن هو أن والدتكِ قدّمت لابنتها كتابًا لا يحمل سوى الفراغ عمداً؟”
ومع رؤيته للباب يُغلق أمامه مباشرة، قفز سوبارو بسرعة ليحاول فتحه، لكن ما إن فعله، لم يجد أمامه سوى غرفة ضيافة عادية. لقد فُعَّلت آلية الانتقال، وبذلك مُنع سوبارو مرة أخرى من الوصول إلى أرشيف الكتب المحرمة.
“توقفي، سيدتي فريدريكا! هذا تماماً كما حدث من قبل… لقد التقينا للتو مجدداً، و…”
بمجرد أن أعلن بصدق عما في قلبه، وُصد الباب أمامه.
في الوقت القصير الذي قضته الفتاتان معًا، كانت قد شكلت بلا شك رابطًا مع ريوزو ماير، الفتاة التي أصبحت تضحية لحماية الملاذ – وهو شيء جرح قلب بياتريس حتى يومنا هذا.
“روزوال هو من أخبرهم… لابد أنه هو من كشف لهم“
“لا يزال لدي المزيد لأقوله… تباً لتلك الطفلة سريعة الغضب…!”
كان اختيار كلماته سيئاً، واشتعل صدره بألمٍ بينما يتذكر التعبيرات الأخيرة التي رأى بياتريس تُظهرها، والتي بدت مليئة بالحزن والغضب.
“أليست حياة بيتي قاحلة مثل هذا الكتاب، أتساءل؟ أليست فارغة مثله؟ لم أقرر شيئًا لنفسي. لا إنجازات ولا نجاحات… ليس لدي شيء على الإطلاق…”
لم يكن سوى أوتو، الذي رافق سوبارو إلى القصر، والذي من المفترض أن يتحرك بشكل مستقل. وكما رأى أوتو هناك، أخرجت بيترا أيضاً رأسها من خلفه لترى ما الذي يحدث. اتسعت عينا سوبارو دهشة وهو يدرك الوضع.
لم يقل لبياتريس كل ما أراد قوله، وإذا لم يجد طريقاً سريعاً للعودة إلى أرشيف الكتب المحرمة —
“ما الذي حدث للتو…؟“
“هل كنتَ تُصغي إليّ، أتساءل؟ ماذا أنوي فعله؟ هل من الضروري أن أشرح أن بيتي لن تُظهر أي رحمة، يا تُرى؟ لقد… قبلتُ قدري بالفعل.”
“— السيد ناتسكي؟!”
جاءه صوت أوقفه بينما يستعد للركض بحثاً عن الأرشيف. وعندما استدار ليرى مَن وراءَه، وقعت عيناه على شخصٍ يطل عليه من الغرفة المجاورة.
—
لم يكن سوى أوتو، الذي رافق سوبارو إلى القصر، والذي من المفترض أن يتحرك بشكل مستقل. وكما رأى أوتو هناك، أخرجت بيترا أيضاً رأسها من خلفه لترى ما الذي يحدث. اتسعت عينا سوبارو دهشة وهو يدرك الوضع.
وصلت إلى هذه الاستنتاج بسرعة مذهلة، مما جعل سوبارو عاجزًا عن تقديم أي عذر.
“تباً، أنتم… لماذا لا تزالون في القصر؟! كان من المفترض أن تفتحوا الأبواب في الطابق الأول وتغادروا مباشرةً، أليس كذلك؟“
ولأن هجوم غارفيل لم يترك أي ثغرات، على غرار الجدار الذي يحمله، اختارت إلزا التقدم بدلاً من التراجع. وبرشاقة تفوق الوصف، قللت من حجم الضرر الذي تعرضت له، بينما راحت شفراتها السوداء خلفها تنسلُّ كظل الموت ذاته نحو عنقه.
“هذا صحيح، لكن للأسف، ظهرت مشكلة داخل القصر…”
أخرهم سيؤدي حتمًا إلى الأرشيف المحرم. في محاولة سابقة، استخدمت إلزا هذه الطريقة للتسلل إلى الأرشيف وهاجمت بياتريس محاولةً قتلها.
رغم دهشته من اللقاء غير المتوقع، شحب وجه سوبارو عندما أخبره أوتو أن هناك مشكلة قد حدثت.
“السبب واضح.”
كان ضمان مسار للهروب من القصر واستخدامه لتجنب الأعداء هو جوهر خطتهم. ولهذا السبب، عَهِدَ سوبارو بهذه المهمة إلى أوتو. فإذا وجد أوتو نفسه المهمة صعبة، فلا خيار سوى قبول استحالتها.
“—!!!”
“ماذا حدث؟ بشكل مختصر، من فضلك.”
“كنت متأكدًا أنكِ ستقولين ذلك، لكن ليس لدي وقت للنقاش المطول. سأخرجك معي من هنا، بغض النظر عن رأيك.”
“عُلم وينفذ!”
“أعتقد أن هذا من عمل سيد الوحوش الذي تحدثت عنه. لقد امتلأ القصر بالفعل بوحوش شيطانية.”
“يعني هذا أن ميلي هنا، أليس كذلك… لكن من المفترض أن تُؤخذ بالحسبان بالفعل.”
حتى الآن، لا تتذكر ما جال في خاطرها حينها.
لمسة من الغموض جعلت التجاعيد تزداد عمقاً على جبين سوبارو بينما يلتقط بيان أوتو بهمس.
كان المهاجمان – إلزا صائدة الأحشاء وميلي سيدة الوحوش – أشبه بشقيقتين في فنون الذبح.
الخطر الذي تشكله إلزا واضح بشكل مؤلم، لكن السيطرة التي تمتلكها ميلي على الوحوش الشيطانية لا يمكن الاستهانة بها إذا أرادوا الخروج من هذا الموقف بسلام. ولهذا، كان سوبارو قد جهّز خطة مضادة —
انطلق غارفيل بصيحة غاضبة، قاطعاً الصوت المثير، مطلقاً قبضته الهائلة التي اندفعت كالعاصفة، متجاوزةً رأس خصمه لتخترق الحائط خلفها. حاولت المرأة استغلال الفرصة للانزلاق نحو نقطة عمياء من محيطه قبل أن يقابلها مجدداً بهجومٍ قاتلٍ آخر.
طالما فاز، لم تكن هناك حاجة لتذكر تلك الخطة. ومع هذه الفكرة الأخيرة، ضرب غارفيل درعيه معاً أمامه، متحصناً بصوت المعدن القاسي أثناء خدشه.
“— لكن هناك وحوش شيطانية لا تتأثر على الإطلاق بأحجار طرد الوحوش!!”
حتى في الظلام، استطاع سوبارو أن يرى وجه بيترا يحمرّ وهي تصرخ، متشبثةً بحجر أزرق متوهج — حجر مضيء لطرد الوحوش الشيطانية. كان هذا ما جهزه سوبارو والآخرون لتحييد أثر سيدة الوحوش.
“انتظري، حقاً؟! كنت متأكداً أن هذه الأحجار ستبقيهم بعيداً، كما حدث خلال حادثة أورغاروم… لماذا لا يعمل؟!”
“هل يمكنكِ أن تقولي بيقين مطلق عدم إمكانية حدوثه أبداً؟ ألا يساوركِ أدنى شك؟ هل أنتِ متأكدة تمامًا أن التفسير الوحيد الممكن هو أن والدتكِ قدّمت لابنتها كتابًا لا يحمل سوى الفراغ عمداً؟”
“لا أعرف! ربما الوحوش التي ظهرت هنا كانت استثناءً، لكن على أية حال، إذا افترضنا أن هذه الوحوش الشيطانية قد ظهرت في جميع أنحاء القصر، فإن الوصول حتى إلى غرفة الماركيز سيصبح…”
“هل يمكنكِ أن تقولي بيقين مطلق عدم إمكانية حدوثه أبداً؟ ألا يساوركِ أدنى شك؟ هل أنتِ متأكدة تمامًا أن التفسير الوحيد الممكن هو أن والدتكِ قدّمت لابنتها كتابًا لا يحمل سوى الفراغ عمداً؟”
صعباً للغاية. ترك أوتو هذه الكلمات غير مُعلنة وهو يكمل شرحه عن كيف انقلبت الأمور فجأة ضدهم. وبعد ذلك —
بابتسامة خافتة، نطقت بياتريس بتلك الكلمات وكأنها شكلٌ من أشكال الخلاص.
لن يتزعزع جواب سوبارو. فقد تعلقت المسألة منذ البداية بقلب بياتريس.
“—؟؟!”
انطلق غارفيل بصيحة غاضبة، قاطعاً الصوت المثير، مطلقاً قبضته الهائلة التي اندفعت كالعاصفة، متجاوزةً رأس خصمه لتخترق الحائط خلفها. حاولت المرأة استغلال الفرصة للانزلاق نحو نقطة عمياء من محيطه قبل أن يقابلها مجدداً بهجومٍ قاتلٍ آخر.
شعر سوبارو بضربة تأتي من تحت قدميه، مستعيرةً انتباهه على الفور. سرعان ما لاحظ أن هناك تموجاً غريباً أسفل السجادة الحمراء التي تغطي أرضية الممر. بدأت السجادة بالانتفاخ أكثر، ثم —
“لو كنتُ دمية بلا قلب، أو قصة لا تهتز بمرور الزمن، لما عانيت مثل هذا”
كان ضمان مسار للهروب من القصر واستخدامه لتجنب الأعداء هو جوهر خطتهم. ولهذا السبب، عَهِدَ سوبارو بهذه المهمة إلى أوتو. فإذا وجد أوتو نفسه المهمة صعبة، فلا خيار سوى قبول استحالتها.
انفجرت.
ارتجافات وتشوّهات الممر كانا مجرد إنذار.
حينما دوى ذلك الصوت الصارخ وسط الفوضى، بذل سوبارو كل ما في وسعه للامتثال. في اللحظة التالية، شعر بجسده يُسحب من مؤخرة عنقه. ثم أُلقي على الأرض بشكل غير متوقع، مما منحه هبوطًا أكثر نعومة.
فالعرض الحقيقي للدمار يحدث في الطابق السفلي، مسببًا انهيار الجناح الغربي بالكامل، جارفًا معه الممر الذي وقفوا فيه. تكسر الزجاج، وتناثرت العوارض الخشبية، وبدأ القصر بأكمله يئن تحت وطأة الضغط.
تعالت صرخة مزلزلة، واصطدم الصلب بالصلب. كانت الشرارات المتطايرة ترسم مشهداً أشبه برقصة شرسة، صداها يملأ أرجاء القصر.
بينما فقد سوبارو توازنه، وجد جسده فجأة يطفو في الهواء. وبدافعٍ غريزي، مد يده وسحب جسدًا صغيرًا نحوه. وفيما يسقط نحو مركز الحفرة، حاول حماية الطفلة الصغيرة الملتصقة بصدره قبل الاصطدام بالأرض.
“النساء والأطفال، ثم المسنون، ثم الرجال، وأخيرًا أوتو، أليس كذلك؟“
“— تأكد من ألا تفلتها!!”
أصابعها التي مدتها نحوها تم إبعادها، حتى عندما نادت باسم الفتاة بحب.
حينما دوى ذلك الصوت الصارخ وسط الفوضى، بذل سوبارو كل ما في وسعه للامتثال. في اللحظة التالية، شعر بجسده يُسحب من مؤخرة عنقه. ثم أُلقي على الأرض بشكل غير متوقع، مما منحه هبوطًا أكثر نعومة.
شعر بخده يلامس العشب. وعندما تفحّص المكان، وجد أنه قد تدحرج إلى الفناء الأخضر المفتوح خارج القصر.
أمام خصم بهذه القوة، حيث الأساليب العادية بدت عديمة الفائدة، التفت غارفيل بنظرة خاطفة إلى الوراء. كانت هناك امرأة بعيون زمردية – فريدريكا – تتابع القتال بجمود.
“ما الذي حدث للتو…؟“
“هل… ستصبح ذلك الشخص من أجل بيتي؟”
“آنسة فريدريكا!”
… مهلاً، ما هي تلك الأهداف مجددًا؟
“توقفي عن السماح لكتاب فارغٍ وعهدٍ مضى عليه أربعة قرون أن يتحكما بكِ. بياتريس، ما تريدين فعله الآن هو خيارك.”
عندما هز سوبارو رأسه ليستفيق من دواره، قفزت بيترا من بين ذراعيه، مركزةً نظرتها على شخص يتطاير شعره الذهبي الجميل مع الريح؛ فريدريكا.
… مهلاً، ما هي تلك الأهداف مجددًا؟
لمعت عينا بيترا وهي تتأمل الخادمة الأكبر التي ابعدت شعرها بلطف، ماسحةً الأوساخ عن خدها.
“حتى لو كانت حالة طارئة، أرجو أن تعذروا تصرفي غير اللائق. فريدريكا باومان قد عادت.”
نظراً بأنه ليس هناك جواب واضح حول من هذا الشخص، صار على بياتريس اختياره من تلقاء نفسها، قراراً زرعته الساحرة في قلب ابنتها بغرض إشباع فضولها، ودفع بياتريس إلى رحلة عزلة دامت أربعة قرون.
أعطت فريدريكا جواباً رشيقاً بعد أن ثبت سوبارو ريم على ظهره، متأهبةً للمعركة الوشيكة. غارفيل ضد إلزا؛ فريدريكا ضد ميلي — كان وجود أخوي الوحوش في مواجهة الأخوات القاتلات أفضل نهاية قد يتمنونها. الآن، ما عليهم سوى النجاة من هذا الهجوم.
“فريدريكا!!”
“لكن، تغير الكثير. بعد مرور عشر سنوات، التقيت مجددًا بـ غارف… بشقيقي الأصغر. وأنتِ، خادمتي الصغيرة التي لا أستطيع وصف مدى جمالها. لم أشعر من قبل بهذا القدر من السعادة. لهذا السبب، أرفض أن أُهزم هنا.”
بينما طغت العاطفة على بيترا، ألقت نفسها نحو فريدريكا التي ابتسمت بلطف وهي تحتضن تلميذتها الصغيرة وتضمها إلى صدرها بحنان. نتيجة لذلك، انطرح أوتو، الذي كانت فريدريكا تدعمه، على الأرض بشكل غير لائق.
بمجرد أن لامس الأرض أسفله، تدحرج غارفيل بعيداً عن “منطقة الموت”، ثم نهض على قاماته الأربع، محملقاً إلى الأمام بنظرة حادة. تبدد الغبار الأبيض كاشفاً عن خصمه، وكأنها واقفة فوق مسرح مضاء بضوء القمر.
“آه!! انتظري لحظة! أنا ممتن لأنكِ أنقذتِ حياتي، لكن ما هذا التعامل الخشن؟!”
“أنا — أعتذر بشدة، سيد أوتو. لقد كانت أولوياتي مختلفة بعض الشيء…”
“النساء والأطفال، ثم المسنون، ثم الرجال، وأخيرًا أوتو، أليس كذلك؟“
حينما دوى ذلك الصوت الصارخ وسط الفوضى، بذل سوبارو كل ما في وسعه للامتثال. في اللحظة التالية، شعر بجسده يُسحب من مؤخرة عنقه. ثم أُلقي على الأرض بشكل غير متوقع، مما منحه هبوطًا أكثر نعومة.
“هل طُردتُ حتى من فئة الرجال؟!”
“إذن هذا يعني أنه ليس لديكِ سبب لتدعي روزوال يحقق مراده! عليكِ أن تقرري ماذا تريدين أن تفعلي بنفسكِ كما فعلتِ دائمًا!”
مع تجاهل تذمرات أوتو، تأكدت المجموعة سريعًا من أنهم بخير. بفضل فريدريكا، تم إنقاذ الجميع من القصر بسلام، ولم يقتصر ذلك على سوبارو، وأوتو، وبيترا فحسب.
“هل يمكنكِ أن تقولي بيقين مطلق عدم إمكانية حدوثه أبداً؟ ألا يساوركِ أدنى شك؟ هل أنتِ متأكدة تمامًا أن التفسير الوحيد الممكن هو أن والدتكِ قدّمت لابنتها كتابًا لا يحمل سوى الفراغ عمداً؟”
“سيد سوبارو — لقد أحضرتُها كما طلبتَ.”
“ماذا حدث؟ بشكل مختصر، من فضلك.”
“النساء والأطفال، ثم المسنون، ثم الرجال، وأخيرًا أوتو، أليس كذلك؟“
بينما تحتضن بيترا، استدارت فريدريكا لتُرِي سوبارو ما قصدَته. هناك، رُبطت الفتاة النائمة، ريم، بأمان بملاءة سرير على ظهر فريدريكا. تجمد سوبارو في مكانه، واحتبست أنفاسه لوهلة.
“و–والدتي لن ترتكب مثل هذا الخطأ، أ–أليس ذلك واضحًا كالشمس، يا تُرى؟ هذه والدتي التي نتحدث عنها! هل ستُشكك في كلمات والدتك أنت؟!”
ولكن سرعان ما استبدلت هذه الجدية براحة وامتنان.
“هيي، انتظروا لحظة…! لا تتخذوا القرارات بمفردكم هكذا! بيتراااا!”
تعالت صرخة مزلزلة، واصطدم الصلب بالصلب. كانت الشرارات المتطايرة ترسم مشهداً أشبه برقصة شرسة، صداها يملأ أرجاء القصر.
“لقد فعلتِها… شكرًا لكِ… شكرًا حقًا على إخراجها بسلام.”
“غارفيل تينزل، درع الملاذ فائق القوة“
“بلاااع!”
“هذا فقط الطبيعي لفعله. لكن لدينا مشكلة ملحّة علينا التعامل معها…”
مرر سوبارو إصبعه بلطف على وجنة ريم النائمة، بينما ينظر بامتنان شديد نحو فريدريكا ليعبر عن شكره. ثم حوّل نظره إلى الجناح الغربي من القصر، الذي بدا محطّمًا بشكل مذهل.
اتسعت عينا بياتريس بدهشة، وهي تكرر تلك الكلمات بصوتٍ هادئ.
بدت درجة الدمار توازي صدمة مركبة ضخمة في المبنى، وإن كان هذا التشبيه ليس بعيدًا عن الواقع. والفرق الوحيد هو أنه بدلًا من مركبة —
“— ما هذا؟“
وهي جالسةً على مقعدها المعتاد، ضمت الكتاب الأسود إلى صدرها بإحكام أكبر.
نهض أوتو ومسح ركبتيه موجهاً سؤاله للجميع، باستثناء ريم النائمة. إذا كان على سوبارو التخمين…
“آنسة فريدريكا!”
لو أنها فقط أتمّت هذا الواجب، لتمكنت بياتريس أخيرًا من نيل حريتها.
“يبدو لي كأنه فرس نهر ضخم.”
اندفع سوبارو بقوةٍ نحو الحائط، متألماً بشدة بينما ينهار على الأرض بفعل الصدمة.
الكائن الذي رأوه كان عملاقًا. لونه وجلده بدوا مثل الصخور، وأطرافه الأربعة ضخمة وثقيلة كأحجار الطاحونة. كان له وجهاً مرعباً، وعينان حمراوان متقدتان بالعداء، وقرن مكسور يبرز من أنفه. علاوة على ذلك، جلست فتاة صغيرة على ظهر الوحش.
“أوه. هذا مثير للإعجاب. أنا مندهشة نوعًا ما من أن هجومنا لم يُسقط أحدًا.”
“—!!!”
“إذن هذا يعني أنه ليس لديكِ سبب لتدعي روزوال يحقق مراده! عليكِ أن تقرري ماذا تريدين أن تفعلي بنفسكِ كما فعلتِ دائمًا!”
تحدثت الفتاة الصغيرة، التي تأرجح ساقيها على ظهر الوحش العملاق، بصوت يملؤه التسلية. رنة كلماتها القاسية البريئة مألوفة لسوبارو— ولبيترا كذلك.
“لا، لا أستطيع ترك الأمر هكذا. أرشيفك للكتب المحرمة رائع، لا جدال في ذلك، لكن له نقطة ضعف قاتلة. والأهم من ذلك، أن العدو يعرف كيف يستغلها“
////
مرتديةً ملابساً سوداء، وشعرها الأزرق العميق مربوط في جديلة —
“أنا من ستلوم نفسها! لماذا لا تستطيع فهم ذلك؟!”
“— ميلي!”
“لا، لن أصمت. تريدين إنهاء العهد؟ حسنًا، لا بأس عندي. أنتِ من يكره التمسك بوعدك لدرجة أنكِ مستعدة للموت. لن يلومكِ أحد إذا قررتِ كسره.”
“و–والدتي لن ترتكب مثل هذا الخطأ، أ–أليس ذلك واضحًا كالشمس، يا تُرى؟ هذه والدتي التي نتحدث عنها! هل ستُشكك في كلمات والدتك أنت؟!”
“أوه؟ لا يبدو أن أياً منكم مندهش حقًا. هذا محبط قليلاً.”
“مدخك لاا يثعدني، تباًلك!”
بعدما انفصلوا عن فريدريكا، ركض سوبارو ورفاقه بسرعة نحو الجناح الرئيسي للقصر، متجهين إلى أعلى طابق.
بينما صاح سوبارو باسمها، عقدت ميلي شفتيها بضيق بسبب فشلها في إبهارهم بما كان من المفترض أن يصير ظهورها العظيم. وللأسف، لم يكن لدى سوبارو والبقية أي سبب لمجاملتها.
تحدثت فريدريكا إلى بيترا بينما تربت بلطف على رأسها، وعندما رأت الأخيرة العزيمة في عيني فريدريكا الزمرّدية عن قرب، توقفت عن الاعتراض، ولكن بالتأكيد، فهمت أن هذه الكلمات لم تكن عبثاً غرضه الطمأنينة. المرأة التي كانت تنظر إليها بتقدير كبير، أبت أن تتنازل عن مبادئها، وباتت مستعدة لتواجه قدرها بكل قوة. لقد كانت حقاً شقيقة غارفيل.

بصوتٍ متقطع، زفرت ببطء، وكأنها تحاول أن تغفر لنفسها.
“تدميرك لهذا القصر هو مسألة كبرى حقاً! ما الذي تعتقدين أنكِ تفعلينه؟!”
“هل… يمكنك؟”
بدا هذا طبيعي ، فقد سمع سوبارو تلك الهموم من شفتي بياتريس نفسها من قبل.
“حسناً، لم أستطع العثور على الخادمتين المستهدفتين، لذا طلبت من ‘خنزير الصخور’ أن يُساعدني. وبفضله، انتهى بي الأمر بالعثور عليكم جميعاً، أليس كذلك؟”
“يا لك من… أناني… هل ستغادر فورًا، ربما؟ غادر وابكِ كما يحلو لك على أحضان تلك الفتاة.”
لم يبدُ على ميلي أدنى أثر للندم وهي تلمس خدّها، كأنها تُقيّم فريستها بعينٍ باهتة. كانت تلك أقصر الطرق لاستدراجهم، لكنها كادت تُبيدهم جميعاً لولا وجود فريدريكا.
“لكنكم أدهشتموني حقاً. ظننت أن هذه المهمة ستكون سهلة، والآن انقلب كل شيء رأساً على عقب.”
حتى الآن، لا تتذكر ما جال في خاطرها حينها.
“أهكذا إذن؟ إذا كنتم متأخرين عن الجدول، فعليكِ إبلاغ قائدكِ وانتظار التعليمات. لو اعتمدتِ على حكمكِ الخاص في الموقع، لا يُمكن توقّع حجم الكوارث التي قد تحدث.”
“هيهيهي. لا، لا يمكنك خداعي.”
هزت بيترا رأسها، شاحبة الوجه، متوسلةً لسوبارو. فجأةً أدرك الحقيقة؛ لقد خمن بالفعل ما كان أوتو سيقوله.
رغم تلك المواجهة المريبة وإحاطتهم بوَحوشٍ شيطانية، حافظ سوبارو على حديثٍ أشبه بالمحادثة العادية مع ميلي. مقارنةً بإلزا، كانت ميلي تُعتبر تحسناً طفيفاً – فهي على الأقل لا تتخذ من أمعائه هدفاً لأحاديثها. لكن مع ذلك، لم تتأثر بمحاولاته للإقناع، فبينما يتبادلان الحوار الوديّ، شعر سوبارو بالوحوش الشيطانية تقترب منهم ببطء.
لقد نجحوا بالخروج من القصر بالفعل، لكن لم يكن هذا فراراً حقيقياً؛ إذ لا يزالون محاصرين بتلك الكائنات – بل إن وضعهم صار أكثر خطورة من ذي قبل.
“أشعر بالأسف على إلزا، لكنني سآخذ كل الخادمات لنفسي. آه، لا داعي للقلق، سألطف ببيترا. فنحن صديقتان، أليس كذلك؟”
لم يستطع سوبارو تجاهل الاحتمال بأن غارفيل قد يرحم خصمه بدلاً من أن يرحم نفسه، فتنقلب مشاعره النبيلة ضدّه وتُفقده قوته في اللحظات الحاسمة.
“يـ – يا للسعادة، كم أنا سعيدة… بما أننا صديقتان، فهذا يعني أنكِ ستتركيننا نذهب، أليس كذلك؟”
“حان الوقت لأثبت أنني الأخ المثالي!”
“هيهيهي. بالطبع نحن صديقتان. لهذا سنتعايش بسعادة حتى النهاية، أليس كذلك؟”
“آه، سوبارو، عذراً، بذلت قصارى جهدي، لكن لم ينفع الأمر…”
أكبر سلاح لديهم – غارفيل – من المؤكد أنه في مواجهة التهديد الرئيسي – إلزا. كلاهما يمتلك قوة تفوق البشر، لذلك من المفترض أن تصبح المعركة متكافئة، أو هكذا أمل سوبارو. لكنه لم يعد واثقًا تمامًا.
حاولت إلزا التملص من ضربة مخالبه المتوحشة، لكنها لم تكن سريعة بما يكفي. أمسك غارفيل بضفيرتها السوداء وضربها بقوة على الحائط قبل أن ينطلق بها متجهاً نحو الممر.
بدت طريقتها في فهم الصداقة مختلفة تماماً. حاولت بيترا بشجاعة التفاوض، لكن المحاولة باءت بالفشل. ميلي، رغم صغر سنها، نُسجت بالفعل على قيم قاسية تحمل بصمة قاتل مأجور؛ فمعاييرها الأخلاقية تشوّهت عميقاً، لا فرق عندها بين الخير والشر. لن يجدوا موطئاً مشتركاً معها.
ابتسامتها القرمزية تلاشت في الظلام بينما بدأت تتنقل بحرية في كل اتجاه، منتظرة مطاردته.
“سيد سوبارو…”
“فريدريكا؟ ما الذي…؟ وااااه!”
فجأة، وقبل أن يستطيع سوبارو التفكير في خطة للهروب، وقفت الخادمة الأكبر سنًا أمامه مباشرة، فيما لا تزال ريم محمولةً على ظهرها. لم تُجب فريدريكا على ندائه؛ بل بدأت بفك العقد الذي يُثبت ريم، محررةً إياها. سارع سوبارو لالتقاط جسد ريم النائم قبل أن يسقط.
ظل سوبارو يستند إلى مغالطاتٍ ومنطقٍ ضبابي ليتلاعب بالحقيقة ويغمرها في سرابٍ من الاحتمالات، محاولاً شق ثغرةً بحديثه في يقين بياتريس المتجذّر.
السعادة المأساوية التي شعرت بها بياتريس بعد أن بدت وكأنها قد وجدت دليلاً على حب والدتها بدت مشوهة ومزعجة. كانت هراءً لا أكثر.
“سأقوم بتقديم ضيافة خاصة لتلك الفتاة – تلك القاتلة. وخلال ذلك، عليكم جميعاً أن…”
تحدثت ، بنبرة حازمة مليئة بالتحدي.
بدا هذا الطلب بمثابة استغاثة، لإنهاء أربعة قرون من الفراغ الذي كابدته بياتريس.
“سيدة فريدريكا! لا!”
عندما حاول سوبارو الاقتراب خطوة أخرى، رفضته بياتريس بصوت منخفض.
تمسكت بيترا بفريدريكا التي أعلنت بكل شجاعة عزمها أن تصبح الحامية المتأخرة للمجموعة. لم يستطع سوبارو سوى الصمت، بينما تلتفت فريدريكا بهدوء إلى الخادمة الشابة التي رفضت ترك خصرها.
“هل طُردتُ حتى من فئة الرجال؟!”
“توقفي، سيدتي فريدريكا! هذا تماماً كما حدث من قبل… لقد التقينا للتو مجدداً، و…”
في الحقيقة، علم سوبارو تمامًا أن الكتاب الغامض لبياتريس كان فارغًا.
لو أنها فقط أتمّت هذا الواجب، لتمكنت بياتريس أخيرًا من نيل حريتها.
“لا، إنه مختلف الآن… في الماضي، كنت قد سلمت نفسي للموت.”
لم ينسَ أبدًا كيف ضحك زملاؤه وجيرانه منه، وكيف سخرت منه مدينته بأكملها حين أخذ تلك القصة مأخذ الجد وراح يبشر بها. والأشد من ذلك، أن والدته، الجانية الأصلية، قد نسيت القصة برمتها وسألته باستنكار: “لماذا رددت ذلك الكلام للناس؟”
“—!”
“ولهذا السبب أنتِ غبية! ماذا عن محاولة تسخين الصفحات لترين إن كانت هناك كلمات مكتوبة بحبرٍ خفي؟! في هذه الأيام، حتى بطاقات العام الجديد المزيفة لا تخدع أحدًا بهذه الحيلة! فكّري في مزيد من الاحتمالات، أليس كذلك؟!”
“لكن، تغير الكثير. بعد مرور عشر سنوات، التقيت مجددًا بـ غارف… بشقيقي الأصغر. وأنتِ، خادمتي الصغيرة التي لا أستطيع وصف مدى جمالها. لم أشعر من قبل بهذا القدر من السعادة. لهذا السبب، أرفض أن أُهزم هنا.”
لذلك،حتى الآن، هي وحدها، تتوارى في أرشيف الكتب المحرمة، غير قادرة على المغادرة.
بالتأكيد، عندما يتعلق الأمر بالاختفاء، يوفر أرشيف الكتب المحرمة العديد من المزايا. ومع ذلك، رأى سوبارو بنفسه في محاولات سابقة أن هذه المزايا ليست مطلقة.
تحدثت فريدريكا إلى بيترا بينما تربت بلطف على رأسها، وعندما رأت الأخيرة العزيمة في عيني فريدريكا الزمرّدية عن قرب، توقفت عن الاعتراض، ولكن بالتأكيد، فهمت أن هذه الكلمات لم تكن عبثاً غرضه الطمأنينة. المرأة التي كانت تنظر إليها بتقدير كبير، أبت أن تتنازل عن مبادئها، وباتت مستعدة لتواجه قدرها بكل قوة. لقد كانت حقاً شقيقة غارفيل.
بينما كانت تهمس، قلبت بياتريس صفحات الكتاب بعناية بأصابعها الرفيعة، وكأنها تعتقد أن هذه الصفحات النظيفة تمثل مجموع السنوات الطويلة التي قضتها.
“فريدريكا! سنتوجه إلى غرفة روزوال!”
تملكه الغضب العارم، لدرجة أنه خطا خطوة للأمام دون أن يشعر، والتعبير المقلق على وجهه جعل بياتريس تتجمد حذرًا.
“افعلوا ذلك. سأنضم إليكم بعد أن أمنح هذه الفتاة درساً لا يُنسى”
كان إخلاصها الأعمى لوصايا والدتها هو الذي جعلها عاجزة عن رفض مصيرها. آمنت بالساحرة إيكيدنا كشهيدة مستعدة للتضحية في سبيل إيمانها.
أعطت فريدريكا جواباً رشيقاً بعد أن ثبت سوبارو ريم على ظهره، متأهبةً للمعركة الوشيكة. غارفيل ضد إلزا؛ فريدريكا ضد ميلي — كان وجود أخوي الوحوش في مواجهة الأخوات القاتلات أفضل نهاية قد يتمنونها. الآن، ما عليهم سوى النجاة من هذا الهجوم.
“أوتو! خذ بيترا!”
“عُلم وينفذ!”
” – لماذا يعرف العدو عن نقطة الضعف تلك، يا ترى؟“
تلقى أوتو الأوامر وانطلق مع بيترا. سوبارو، حاملاً ريم على ظهره، متقدماً نحو مدخل القصر من الفناء.
وسوبارو، الذي وقع في حب ساحرة أرواح، كان مدركاً تماماً لثقل هذه المسألة.
“هيي، انتظروا لحظة…! لا تتخذوا القرارات بمفردكم هكذا! بيتراااا!”
تملكه الغضب العارم، لدرجة أنه خطا خطوة للأمام دون أن يشعر، والتعبير المقلق على وجهه جعل بياتريس تتجمد حذرًا.
رؤيتها لسوبارو وجماعته يهربون جعل ميلي تصرخ من أعلى وحشها الشيطاني. بعينين دامعتين، ردت بيترا وهي تمد لسانها بسخرية نحو ميلي.
حتى الآن، لا تملك إجابة لذاك السؤال.
“بلاااع!”
اهتز صوت بياتريس ، وعينيها تهيم بعيدًا تحت وطأة عزيمة سوبارو التي اخترقتها ثباتها.
إذا لم يكن هناك ما يمنعه، لأطلق غارفيل كل قوته المدمرة بالفعل. لذا كانت الأولوية القصوى هي إخراج بيترا والبقية من القصر أولاً. كان واثقًا أن فريدريكا ستتولى تأمين ريم وتلحق بالبقية في أقرب وقت.
بذلك، فرّ سوبارو والبقية نحو القصر. حاولت ميلي اللحاق بهم، لكن —
“— ضيفتي العزيزة، من هذه اللحظة، سأصرّ على أن تظلي هنا وتتذوقي ضيافة عائلة ميزرس!”
“سأجعلكِ تندمين على هذا! اهجم، يا خنزوري الصخري!”
وسط وابل من لكماته العنيفة، سمع صوتاً واضحاً وقوياً يناديه من الخلف. لم يكن لديه وقت للنظر، لكن كان لأخته رسالة واحدة توجهها إلى أخيها الصغير، الذي صارت قامته أضخم مما كانت تتذكر —
“—!!!”
ناظرةً إلى فريدريكا التي سدت طريقها، نفخت ميلي وجنتيها غضبًا. وامتثالًا لأمر سيدته، أصدر الوحش الشيطاني الهائل زئيراً هز أرجاء المكان.
ومع حركة خفيفة في ثوبها، تحول ذراعا فريدريكا، مصدرتا صوتًا أشبه بالأنين وهي تستعد للقتال.
“على أي حال، ليس هنالك وقت للكلام الفارغ. “أنتِ على علم بما يحدث في الخارج، أليس كذلك؟”
“اقتربي إذن. اليوم، سأعلمكِ بعض الدروس القاسية! تهيئي.”
—
“لقد فعلتِها… شكرًا لكِ… شكرًا حقًا على إخراجها بسلام.”
بعدما انفصلوا عن فريدريكا، ركض سوبارو ورفاقه بسرعة نحو الجناح الرئيسي للقصر، متجهين إلى أعلى طابق.
لم تستطع إخفاء صدمتها وارتباكها عندما أخبرها بتجاهل عهدها. وبدا هذا متوقعاً؛ ففي هذا العالم، تحمل العهود أهمية بالغة لدى الكائنات المعروفة بالأرواح.
“أوتو! هل هناك ما يقلقنا من الخلف؟!”
لو أنها فقط أتمّت هذا الواجب، لتمكنت بياتريس أخيرًا من نيل حريتها.
“السيدة فريدريكا تتدبر الأمور بطريقة ما! لكننا لا نزال بلا خطة جيدة للتعامل مع الوحوش الشيطانية!”
لقد شرح منطقه مسبقًا، ولم يحتج للتفكير مرتين.
بينما صاح سوبارو باسمها، عقدت ميلي شفتيها بضيق بسبب فشلها في إبهارهم بما كان من المفترض أن يصير ظهورها العظيم. وللأسف، لم يكن لدى سوبارو والبقية أي سبب لمجاملتها.
فيما تسارعوا عبر الممرات، أكد أوتو أن الوحوش الشيطانية ما زالت تمثل خطرًا قائماً دون حل. لم يحضر سوبارو خطة جديدة جاهزة بعد. ما الذي يمكنهم استخدامه ضد وحوش محصنة من أحجار الصدّ…؟
إميليا كانت تبذل جهدها في “الملاذ“، ومن واجب سوبارو أن يفعل الشيء نفسه في القصر.
“ماذا لو استخدمنا موهبتك في لغة الوحوش ومهاراتك في المفاوضة للتفاوض مع الوحوش الشيطانية وإقناعهم بالسماح لنا بالهروب؟ ستصبح بطلاً!”
“سيدي ناتسكي! هناك فئران ذات أجنحة سوداء أمامنا!”
رغم تلك المواجهة المريبة وإحاطتهم بوَحوشٍ شيطانية، حافظ سوبارو على حديثٍ أشبه بالمحادثة العادية مع ميلي. مقارنةً بإلزا، كانت ميلي تُعتبر تحسناً طفيفاً – فهي على الأقل لا تتخذ من أمعائه هدفاً لأحاديثها. لكن مع ذلك، لم تتأثر بمحاولاته للإقناع، فبينما يتبادلان الحوار الوديّ، شعر سوبارو بالوحوش الشيطانية تقترب منهم ببطء.
“أغلب الوحوش الشيطانية تقول، ‘أنا آكلك بالكامل’. وهذا لا يُعتبر محادثة…”
—
استثار الغضب داخله بلا حدود. وحين تأمل الأمر، أدرك أن الأحداث المحيطة بالمعبد جعلته يواجه هذا الغضب مرة تلو الأخرى.
“ليس وقت المزاح الآن!! إذا… إذا لم نفعل شيئًا سريعًا، السيدة فريدريكا ستـ —!”
“ماذا لو استخدمنا موهبتك في لغة الوحوش ومهاراتك في المفاوضة للتفاوض مع الوحوش الشيطانية وإقناعهم بالسماح لنا بالهروب؟ ستصبح بطلاً!”
حتى الآن، لا تعلم ما الذي وجب قوله.
صرخة بيترا اليائسة جعلت سوبارو وأوتو يتوقفان عن المزاح ويجمعان أفكارهما في محاولة للعثور على خطة.
“— لكن هناك وحوش شيطانية لا تتأثر على الإطلاق بأحجار طرد الوحوش!!”
حاليًا، كان هدفهم الوصول إلى مكتبة روزوال، حيث يوجد مخرج سري يؤدي إلى الخارج، مخفي خلف رف الكتب في الغرفة. سيتيح لهم ذلك تجاوز الوحوش الشيطانية المحيطة بالقصر.
“بلاااع!”
لكن من المحتم أن تلك الكائنات ستعترض طريقهم قبل أن يصلوا —
— وهكذا، اشتعلت ثلاث معارك في آن واحد. معركة قصر روزوال… قد بدأت.
“سيدي ناتسكي! هناك فئران ذات أجنحة سوداء أمامنا!”
“لا! لن ينفع، سوبارو! ذلك الوحش هو…”
“وااه!”
لماذا؟ كان هناك شيء ما يقلق سوبارو باستمرار – ذلك وأنها بدت وحيدة دائمًا. حتى الآن، يعتبر تلك الأيام واللحظات التي قضياها معًا شيئًا لا يُعوض، رابطًا غير مرئي يجمعهما.
“أعلم أنني شخص جريء، وقد تأملت فيما جلبه لي هذا الطبع من متاعبٍ ماضيه. ومع ذلك، لن أتراجع أبدًا في الأمور الهامة.”
بينما سوبارو غارقٌ في أفكاره، ظهرت ظلال سوداء تطير باتجاهه في الممر المضاء بضوء القمر، قبل أن تصير أمامه مباشرة.
“آآآه، تباً. نسيتها… لا بأس“
بدت تلك الوحوش الشيطانية بأجسام مستديرة، بحجم الجراء تقريبًا، تشبه الفئران الطائرة بأجنحة سوداء مثل أجنحة الخفافيش. اتجه اثنان منها، يُطلق عليهما اسم “فئران الأجنحة السوداء”، بأنيابهما الحادة نحو سوبارو.
لم يبدُ على ميلي أدنى أثر للندم وهي تلمس خدّها، كأنها تُقيّم فريستها بعينٍ باهتة. كانت تلك أقصر الطرق لاستدراجهم، لكنها كادت تُبيدهم جميعاً لولا وجود فريدريكا.
“ابتعدوا!”
رفعت بيترا حجر الصدّ عاليًا، فابتعدت الفئران السوداء فورًا.
“لقد أنقذتني، بيترا! …لكن هذا يعني أن الحجر ليس عديم الفاعلية تمامًا، أليس كذلك؟”
لمسة من الغموض جعلت التجاعيد تزداد عمقاً على جبين سوبارو بينما يلتقط بيان أوتو بهمس.
مرتديةً ملابساً سوداء، وشعرها الأزرق العميق مربوط في جديلة —
“بالنسبة للوحوش الشيطانية العادية، سيعمل الحجر بشكل جيد! حتى الآن، الحجر غير فعال فقط ضد وحش واحد. طالما أن ذلك الوحش ليس…”
“هذا يعنى أن ذلك الوحش — ”
كان على وشك أن يقول *مميز*، لكن حدث شيئان قبل أن يُكمل — صوت ارتطام مدوٍّ، تلاه صرخات موت حادة.
بصوتٍ متقطع، زفرت ببطء، وكأنها تحاول أن تغفر لنفسها.
من أعماق الممر، حيث يشحُّ ضوءُ القمر، ارتفعت مخالب وحشية ضخمة، ممزقةً الأجنحة عن الفئران ذات الأجنحة السوداء، تاركةً إياها تتساقط كالهشيم العاجز على السجاجيد، مضرجة بالدماء السوداء الداكنة. وأخيرًا، امتدت فكوك ضخمة لالتهام أجسادها، ماضغةً إياها بعنف.
“…أفهم أن هناك غرباء اقتحموا القصر، على ما يبدو. ومع ذلك، لماذا يجب على بيتي أن تتورط في هذا الصراع؟ من يرغب في القتال في الوحل، فليفعل كما يشاء”
“هل… ستصبح ذلك الشخص من أجل بيتي؟”
ترددت الأصوات المريعة لتحطم العظام وابتلاع اللحم الدموي عبر أرجاء الممر.
ثم رآه.
“لماذا… تتحدث بهذه الطريقة؟”
كان لدى المخلوق رأسَ أسد، جذعَ حصان، ذيلَ أفعى، وقرنًا ملتويًا مرعبًا يبرز من وجهه — كائن مهيب بين وحوش الشياطين، جسَّدَ في كيانه الخطر ذاته.
“والقطعة الأخيرة من اللغز هي أنني يجب أن أخرجكِ من هذا المكان. إذا لم تريدِ الهروب يداً بيد، فسأحملكِ بين ذراعيّ أو على ظهري، كما تشائين. ولكن لتصبح الأمور واضحة، لن أتراجع عن هذا“
— هذا هو وحش الشياطين الذي رآه سوبارو يقتل بيترا ذات مرة. واسمه…
“لقد فعلتِها… شكرًا لكِ… شكرًا حقًا على إخراجها بسلام.”
“نسيت اسمه تمامًا، لكن… ها نحن نلتقي مجددًا، أيها الوحش اللعين!”
لم يكن الأرشيف آمنًا كما ظنت بياتريس. حاول سوبارو أن يشرح، ولكن —
وهي جالسةً على مقعدها المعتاد، ضمت الكتاب الأسود إلى صدرها بإحكام أكبر.
“!!!”
تعالت صرخة مزلزلة، واصطدم الصلب بالصلب. كانت الشرارات المتطايرة ترسم مشهداً أشبه برقصة شرسة، صداها يملأ أرجاء القصر.
كان هناك واجبٌ واحدٌ متشابكٌ حول قلب بياتريس، يقيّدها على مدى أربعمائة عام، بينما ظلت صفحات إرث والدتها الفارغة تنحت قلبها ببطء.
وكأن الوحش الشيطاني الأسود استجاب لغضب سوبارو، أطلق زئيرًا هز أرجاء القصر. أحاطت به رهبة كعاصفة هوجاء قبل أن يعدل سوبارو وضعية ريم على ظهره مصراً على أسنانه.
“ماذا…؟”
“أوتو! امنحه طعنة بحجر الطرد — ”
“السيدة فريدريكا تتدبر الأمور بطريقة ما! لكننا لا نزال بلا خطة جيدة للتعامل مع الوحوش الشيطانية!”
“لا! لن ينفع، سوبارو! ذلك الوحش هو…”
بينما فقد سوبارو توازنه، وجد جسده فجأة يطفو في الهواء. وبدافعٍ غريزي، مد يده وسحب جسدًا صغيرًا نحوه. وفيما يسقط نحو مركز الحفرة، حاول حماية الطفلة الصغيرة الملتصقة بصدره قبل الاصطدام بالأرض.
هزت بيترا رأسها، شاحبة الوجه، متوسلةً لسوبارو. فجأةً أدرك الحقيقة؛ لقد خمن بالفعل ما كان أوتو سيقوله.
“ولهذا السبب أنتِ غبية! ماذا عن محاولة تسخين الصفحات لترين إن كانت هناك كلمات مكتوبة بحبرٍ خفي؟! في هذه الأيام، حتى بطاقات العام الجديد المزيفة لا تخدع أحدًا بهذه الحيلة! فكّري في مزيد من الاحتمالات، أليس كذلك؟!”
“إنه الغيلتراو! حجر الطرد لن يؤثر فيه! إنه عدوّنا الأخطر هنا!”
لمعت عينا بيترا وهي تتأمل الخادمة الأكبر التي ابعدت شعرها بلطف، ماسحةً الأوساخ عن خدها.
بلمح البصر، انخفض وحش الشياطين — غيلتراو — موجهًا نفسه نحو المجموعة…
حدسٌ يشبه تماماً كيف تم رفضها منذ زمن بعيد —
ثم اندفع.
لأنها كانت تحب والدتها، ظلت بياتريس مكبلةً بوحشتها وفراغها.
مزقت مخالبه مزقت السجادة، وزئيره زلزل الأساس. ومع صرخة شرسة، انقض عليهم.
“آآآه… لا أستطيع التصديق…! تلك الحمقاء… كنا في منتصف حديثنا…!!”
— وهكذا، اشتعلت ثلاث معارك في آن واحد. معركة قصر روزوال… قد بدأت.
“تفكر في أختك في مثل هذا الوقت؟ يا لك من فتىً طيب.”
////
“ابتعدوا!”
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
بدا هذا طبيعي ، فقد سمع سوبارو تلك الهموم من شفتي بياتريس نفسها من قبل.
لم تستطع إخفاء صدمتها وارتباكها عندما أخبرها بتجاهل عهدها. وبدا هذا متوقعاً؛ ففي هذا العالم، تحمل العهود أهمية بالغة لدى الكائنات المعروفة بالأرواح.
