1 - اليوم الأخير لقصر روزوال.
- حتى الآن، كلما تذكرت تلك اللحظة، شعرت بندم يعتريها.
أصابعها التي مدتها نحوها تم إبعادها، حتى عندما نادت باسم الفتاة بحب.
كلمات الوداع التي قالتها الفتاة بدت مليئة بالحنان، مليئة بسعادة وعزيمة في عينيها الممتلئتين بالدموع؛ وعند رؤيتها لذلك، تلاشى الصوت في حلقها.
شعر سوبارو بضربة تأتي من تحت قدميه، مستعيرةً انتباهه على الفور. سرعان ما لاحظ أن هناك تموجاً غريباً أسفل السجادة الحمراء التي تغطي أرضية الممر. بدأت السجادة بالانتفاخ أكثر، ثم —
بدا من المدهش لسوبارو أن يُنظر إليه بهذه الطريقة.
حتى الآن، لا تتذكر ما جال في خاطرها حينها.
تحدثت القاتلة وهي تصد مخالبه الوحشية بسكينها، ثم قفزت للخلف، مبتعدةً مسافة كبيرة. تبعها غارفيل، محولاً ساحة المعركة إلى جزء أعمق من القصر، ليفتح الطريق نحو الأميرة النائمة – ريم.
حتى الآن، لا تعلم ما الذي وجب قوله.
لقد اعتمد سوبارو ورفاقه على طيبة قلبه في معركتهم ضدّه في “الملاذ“. لكن كيف ستؤثر هذه الشخصية الرقيقة على سير المعركة في القصر؟ لا أحد يمكنه التنبؤ بذلك.
وسوبارو، الذي وقع في حب ساحرة أرواح، كان مدركاً تماماً لثقل هذه المسألة.
حتى الآن، لا تملك إجابة لذاك السؤال.
“أوتو! خذ بيترا!”
“تحاولين بدء شجار، ها؟ استمري وستتحول لحرب فعلية…!!”
‘ماذا كان عليّ أن أفعل بشكل مختلف؟‘
بينما تحتضن بيترا، استدارت فريدريكا لتُرِي سوبارو ما قصدَته. هناك، رُبطت الفتاة النائمة، ريم، بأمان بملاءة سرير على ظهر فريدريكا. تجمد سوبارو في مكانه، واحتبست أنفاسه لوهلة.
“ببساطة، هذا يعني أنه يجب عليّ إزالة أي عائق يقف في طريق سلاحنا القاتل حتى يتمكن من إظهار قوته الكاملة. تركت بيترا في يد أوتو، وأعتمد على فريدريكا لتأمين ريم، لذا…”
- لذلك،حتى الآن، هي وحدها، تتوارى في أرشيف الكتب المحرمة، غير قادرة على المغادرة.
“كنت متأكدًا أنكِ ستقولين ذلك، لكن ليس لدي وقت للنقاش المطول. سأخرجك معي من هنا، بغض النظر عن رأيك.”
“…ريوزو”
“…ريوزو”
شظية من ذكرى قديمة من أعماق عقلها جعلت ذلك الاسم يتدفق من شفتيها.
ارتعشت شفتي سوبارو خجلاً عندما ذكَّرته بذكريات سخيفة له. صحيح أن الاستلقاء على ساقي إميليا كان نعمة عظيمة، لكنه لم يستطع الاعتماد عليها الآن.
لقد قضت تلك الأشهر، تلك السنوات الفارغة والمليئة بالجمود بنفس الطريقة، مغشيةً عينيها عن ذلك الماضي المؤلم.
“للأسف، الوضع أبعد من أن يُسمى مجرد قتال عابر. تركتُ المعركة ضد العدو الأقوى لوافد جديد يحمل آمالاً كبيرة، لكن… يبدو أنه أضعف مما توقعت”
لم تستطع إخفاء صدمتها وارتباكها عندما أخبرها بتجاهل عهدها. وبدا هذا متوقعاً؛ ففي هذا العالم، تحمل العهود أهمية بالغة لدى الكائنات المعروفة بالأرواح.
لماذا الآن، من بين كل الأوقات، تذكرت ذلك الندم. تلك الذكرى، اسم تلك الفتاة؟
بدا الاحتمال الأكبر حدسها.
حدسٌ يشبه تماماً كيف تم رفضها منذ زمن بعيد —
سأخرجك من هنا، يا بياتريس — هذه المرة، يدي هي من ستقودك مباشرةً تحت الشمس الساطعة، وسنلعب حتى يصبح فستانك أسوداً تمامًا من الطين.
- ولكنهذه المرة، كان دورها لتُبعد اليد التي مُدَّت إليها.
كان المهاجمان – إلزا صائدة الأحشاء وميلي سيدة الوحوش – أشبه بشقيقتين في فنون الذبح.
—
توجه نظرها للأسفل، وشفتيها ترتجفان وهي تحدق في الكتاب الذي على حضنها.
أول لقاء بينهما كان في مساء اليوم الذي وصل فيه سوبارو لأول مرة إلى قصر روزوال. لم يجد صعوبة في اختراق الوهم الذي ألقته على الممر، واضعاً قدمه في أرشيف الكتب المحرمة هذا نفسه.
اشتدت المعركة حتى بلغت ذروتها، وتحطم سكون القصر الراقي بالكامل تحت وطأة قوى الدمار الهائلة التي يشتعل داخله.
“ماذا لو استخدمنا موهبتك في لغة الوحوش ومهاراتك في المفاوضة للتفاوض مع الوحوش الشيطانية وإقناعهم بالسماح لنا بالهروب؟ ستصبح بطلاً!”
“ماذا تعنين…؟ كتاب روزوال هو ملكه، وكتابكِ هو ملككِ، أليس كذلك؟ أم أنكِ تقولين أن هذا الكتاب الذي تحتضنينه يقرر في مرحلة ما أنه سيأمركِ بالموت؟!”
“— آآآااه!!”
فيما تسارعوا عبر الممرات، أكد أوتو أن الوحوش الشيطانية ما زالت تمثل خطرًا قائماً دون حل. لم يحضر سوبارو خطة جديدة جاهزة بعد. ما الذي يمكنهم استخدامه ضد وحوش محصنة من أحجار الصدّ…؟
“وهذا يعني أنه يبقى أنت وبيتي فقط… هل هذا ما تعنيه حقًا؟”
تعالت صرخة مزلزلة، واصطدم الصلب بالصلب. كانت الشرارات المتطايرة ترسم مشهداً أشبه برقصة شرسة، صداها يملأ أرجاء القصر.
“هل وفاة بيتي مسجلة في كتاب روزوال للمعرفة، يا ترى؟“
نفد ضوء القمر عبر نوافذ قصر روزوال، ليضيء مسرح الوالتز الدامي الذي بلغ أقصى درجاته.
“— رائع. أنت مذهل حقاً. لا يُوصف.”
ضربة واحدة حطمت زجاج نافذة، وأخرى مزقت الأرضية، فيما مزقت الصدمات لوحة كانت تزين الجدار. الصوت المثير الذي تسلل إلى أذن الوحش الذهبي المفترس بدا مشبعاً بمتعة دامية، مستمتعاً بمشهد القتال الذي يعج بالحياة والموت.
بالتأكيد كان هناك خطة احتياطية في حال لم يحقق غارفيل النصر — خطة لإبقاء الجميع أحياءً حتى يلجئوا إلى الأمان في “الملاذ”. لكنه لم يكترث لذلك، فهذا غير مهم.
“لا يسعدني سماع المديح إلا من رام!!”
“لا أعرف! ربما الوحوش التي ظهرت هنا كانت استثناءً، لكن على أية حال، إذا افترضنا أن هذه الوحوش الشيطانية قد ظهرت في جميع أنحاء القصر، فإن الوصول حتى إلى غرفة الماركيز سيصبح…”
انطلق غارفيل بصيحة غاضبة، قاطعاً الصوت المثير، مطلقاً قبضته الهائلة التي اندفعت كالعاصفة، متجاوزةً رأس خصمه لتخترق الحائط خلفها. حاولت المرأة استغلال الفرصة للانزلاق نحو نقطة عمياء من محيطه قبل أن يقابلها مجدداً بهجومٍ قاتلٍ آخر.
كان هناك واجبٌ واحدٌ متشابكٌ حول قلب بياتريس، يقيّدها على مدى أربعمائة عام، بينما ظلت صفحات إرث والدتها الفارغة تنحت قلبها ببطء.
مزق ذراعه الحائط الذي اخترقه كلياً، آخذاً معه قطعة ضخمة منه.
“آاه…!”
عندما رأت المرأة – إلزا – الهجوم المقترب، أطلقت تنهيدة إعجاب مثيرة، إذ بدت أمامها ضربه بحجم مئة ضعف قبضة اليد.
“ببساطة، هذا يعني أنه يجب عليّ إزالة أي عائق يقف في طريق سلاحنا القاتل حتى يتمكن من إظهار قوته الكاملة. تركت بيترا في يد أوتو، وأعتمد على فريدريكا لتأمين ريم، لذا…”
بالطبع كان يعلم أن الوفاء بالوعود أمرٌ مهم.
كانت اللحظة التالية شديدة الحسم لدرجة أن مجرد طرفة عين قد تكون مميتة.
“بالنسبة للوحوش الشيطانية العادية، سيعمل الحجر بشكل جيد! حتى الآن، الحجر غير فعال فقط ضد وحش واحد. طالما أن ذلك الوحش ليس…”
“سيدي ناتسكي! هناك فئران ذات أجنحة سوداء أمامنا!”
ولأن هجوم غارفيل لم يترك أي ثغرات، على غرار الجدار الذي يحمله، اختارت إلزا التقدم بدلاً من التراجع. وبرشاقة تفوق الوصف، قللت من حجم الضرر الذي تعرضت له، بينما راحت شفراتها السوداء خلفها تنسلُّ كظل الموت ذاته نحو عنقه.
بدا هذا طبيعي ، فقد سمع سوبارو تلك الهموم من شفتي بياتريس نفسها من قبل.
عض غارفيل على أنيابه وهو ينادي شقيقته المترددة. لكن فريدريكا بدت بطيئة الاستجابة، وظلت أقدامها كأنها مغروسة في الأرض، وليس ذلك ضعفًا منها بقدر ما هو رهبة من مستوى المعركة أمامها.
لكن ضربة بقوة الإعصار أطاحت بها بعيدًا. ورغم تراجعها، كانت متأكدة أنها خلال تلك المواجهة، قد وصلت شفراتها إلى —
بدت طريقتها في فهم الصداقة مختلفة تماماً. حاولت بيترا بشجاعة التفاوض، لكن المحاولة باءت بالفشل. ميلي، رغم صغر سنها، نُسجت بالفعل على قيم قاسية تحمل بصمة قاتل مأجور؛ فمعاييرها الأخلاقية تشوّهت عميقاً، لا فرق عندها بين الخير والشر. لن يجدوا موطئاً مشتركاً معها.
“— رائع.”
“مدخك لاا يثعدني، تباًلك!”
تلقى أوتو الأوامر وانطلق مع بيترا. سوبارو، حاملاً ريم على ظهره، متقدماً نحو مدخل القصر من الفناء.
تمتمت إلسا بدهشة وهي منحنية لأسفل، إحدى يديها على الأرض، غير مصدقة ما رأت. تمكن غارفيل من صد سيف الكوكري* خاصتها بأنيابه، ووسط نظرتها المندهشة، حطم النصل في قضمة واحدة ثم بصق ما تبقى منه.
لمعت عينا بيترا وهي تتأمل الخادمة الأكبر التي ابعدت شعرها بلطف، ماسحةً الأوساخ عن خدها.
منذ أول مواجهة بينهما، أدرك أن هذه المرأة ليست خصمًا يمكنه التهاون معه.
اشتعلت قوته كسعير في أعماق جوفه.
أمام خصم بهذه القوة، حيث الأساليب العادية بدت عديمة الفائدة، التفت غارفيل بنظرة خاطفة إلى الوراء. كانت هناك امرأة بعيون زمردية – فريدريكا – تتابع القتال بجمود.
“لا، لا أستطيع ترك الأمر هكذا. أرشيفك للكتب المحرمة رائع، لا جدال في ذلك، لكن له نقطة ضعف قاتلة. والأهم من ذلك، أن العدو يعرف كيف يستغلها“
سلاح الكوكري*
ولكن سرعان ما استبدلت هذه الجدية براحة وامتنان.
“هاي، أختاه. لم تقفين هكذا ، تطالعينني وحسب؟”
“أليست حياة بيتي قاحلة مثل هذا الكتاب، أتساءل؟ أليست فارغة مثله؟ لم أقرر شيئًا لنفسي. لا إنجازات ولا نجاحات… ليس لدي شيء على الإطلاق…”
“هاه؟ آه، حسناً، لم أقصد أن…”
“لقد فعلتِها… شكرًا لكِ… شكرًا حقًا على إخراجها بسلام.”
تذكر سوبارو كلمات إيكيدنا.
“آسف، لكن يبدو أني لن أتمكن من استعراض مهاراتي أمامك الآن. القائد كلفني بمهمة الحفاظ على سلامتك، لذا من فضلك.”
عض غارفيل على أنيابه وهو ينادي شقيقته المترددة. لكن فريدريكا بدت بطيئة الاستجابة، وظلت أقدامها كأنها مغروسة في الأرض، وليس ذلك ضعفًا منها بقدر ما هو رهبة من مستوى المعركة أمامها.
وهي جالسةً على مقعدها المعتاد، ضمت الكتاب الأسود إلى صدرها بإحكام أكبر.
“—!!!”
المواجهة بين غارفيل وإلزا وصلت إلى مستوى مرعب جعل التدخل أمرًا مستحيلاً لها. فكرة تقديم المساعدة باتت بعيدة المنال؛ مجرد التحرك تطلب شجاعة جبارة. ولذا —
“النساء والأطفال، ثم المسنون، ثم الرجال، وأخيرًا أوتو، أليس كذلك؟“
“حان الوقت لأثبت أنني الأخ المثالي!”
“غارف؟!”
“تسرح بذهنك وسط رقصة الموت؟ يا لك من فتىً مشاغب“
عندما رآها لم تتحرك، قرر غارفيل اتخاذ الخطوة الأولى بنفسه.
الإحباط والارتباك اللذان شعرت بهما منعاها من رفع صوتها فورًا. استغل سوبارو حيرتها ليزيد من هجومه عليها.
حينما قفز بوحشية نحو خصمه، ابتسمت إلزا ابتسامةً ساحرة، مدركةً تمامًا ما كان ينوي فعله.
تعالت صرخة مزلزلة، واصطدم الصلب بالصلب. كانت الشرارات المتطايرة ترسم مشهداً أشبه برقصة شرسة، صداها يملأ أرجاء القصر.
“تفكر في أختك في مثل هذا الوقت؟ يا لك من فتىً طيب.”
“سيد سوبارو — لقد أحضرتُها كما طلبتَ.”
تحدثت القاتلة وهي تصد مخالبه الوحشية بسكينها، ثم قفزت للخلف، مبتعدةً مسافة كبيرة. تبعها غارفيل، محولاً ساحة المعركة إلى جزء أعمق من القصر، ليفتح الطريق نحو الأميرة النائمة – ريم.
ولكن سرعان ما استبدلت هذه الجدية براحة وامتنان.
لقد شرح منطقه مسبقًا، ولم يحتج للتفكير مرتين.
وإذا ما استغلت فريدريكا هذه الفرصة وأخذت ريم معها وغادرت بينما يشغل أخوها العدو، فلن يكون هناك ما يدعو للقلق.
فهم ذلك جيداً. ومع ذلك، أخبر بياتريس أن تعطي الأولوية لنفسها على عهدها.
“غارف!”
وسط وابل من لكماته العنيفة، سمع صوتاً واضحاً وقوياً يناديه من الخلف. لم يكن لديه وقت للنظر، لكن كان لأخته رسالة واحدة توجهها إلى أخيها الصغير، الذي صارت قامته أضخم مما كانت تتذكر —
“أنا أؤمن بك!”
“غارف!”
بعد عشر سنوات من الفراق، لم تكن تلك إلا لحظات قصيرة، لكنها بدت كافية. لقد وضعت ثقتها في قوة أخيها الصغير، والذي صار مصمماً على أن يكون عند حسن ظنها — وهذا كل ما احتاجاه.
“هذا صحيح، لكن للأسف، ظهرت مشكلة داخل القصر…”
“بالطبع تؤمنين بي!!!”
اشتعلت قوته كسعير في أعماق جوفه.
حينما قفز بوحشية نحو خصمه، ابتسمت إلزا ابتسامةً ساحرة، مدركةً تمامًا ما كان ينوي فعله.
حاولت إلزا التملص من ضربة مخالبه المتوحشة، لكنها لم تكن سريعة بما يكفي. أمسك غارفيل بضفيرتها السوداء وضربها بقوة على الحائط قبل أن ينطلق بها متجهاً نحو الممر.
“عآآآآااااه!!!”
“لقد فعلتِها… شكرًا لكِ… شكرًا حقًا على إخراجها بسلام.”
بزئير مزلزل، اندفع غارفيل داخل القصر، وإلزا لا تزال معلقةً على الحائط، تاركاً خلفه غبار الحطام المتناثر. بدت ضرباته قويةً بما يكفي لتركها عاجزةً عن المقاومة. كل ما كان عليه فعله الآن هو كسر عنقها، تحطيم جمجمتها، وجرها على الجدار حتى تتحول إلى مجرد أشلاء. ثم سيعود لينضم إلى أصدقائه ويكمل المعركة —
لم يستطع سوبارو تجاهل الاحتمال بأن غارفيل قد يرحم خصمه بدلاً من أن يرحم نفسه، فتنقلب مشاعره النبيلة ضدّه وتُفقده قوته في اللحظات الحاسمة.
“تسرح بذهنك وسط رقصة الموت؟ يا لك من فتىً مشاغب“
أعطت فريدريكا جواباً رشيقاً بعد أن ثبت سوبارو ريم على ظهره، متأهبةً للمعركة الوشيكة. غارفيل ضد إلزا؛ فريدريكا ضد ميلي — كان وجود أخوي الوحوش في مواجهة الأخوات القاتلات أفضل نهاية قد يتمنونها. الآن، ما عليهم سوى النجاة من هذا الهجوم.
بسرعة تفوق قدرته على التفكير، ابتعد عن ضربتها الغادرة بحركة غريزية بحتة.
في اللحظة التالية، انحرفت الضربة التي كانت تستهدفه مباشرةً لتجرح أذنه اليسرى فقط. وعندما اختل توازنه، لم يكن السقف وحده الذي تهدم؛ بل الأرض نفسها من تحته.
“هيهيهي. بالطبع نحن صديقتان. لهذا سنتعايش بسعادة حتى النهاية، أليس كذلك؟”
سقط في الفراغ الذي أحدثته ضربة إلزا، وظلت هجماتها القاتلة تتوالى حتى وهو يهوي. استند غارفيل على حدسه محاولاً صد الهجمات بالدروع المربوطة على ذراعيه — دفاع، دفاع، دفاع. ومع ذلك، لم يستطع اعتراض كل ضربة، وسالت دماؤه من جروح جديدة غطت جسده.
ربما كانت إيكيدنا ترى في عذابات ابنتها النفسية وجبةً لذيذة فاخرة. لكن ماذا يبقى من قلب الإنسان عندما ينسى كيف يبكي، أو كيف يشعر بالرغبة في البكاء حتى؟ شعر سوبارو برغبةٍ حقيقية في الصراخ من أعماق قلبه.
“يبدو لي كأنه فرس نهر ضخم.”
بمجرد أن لامس الأرض أسفله، تدحرج غارفيل بعيداً عن “منطقة الموت”، ثم نهض على قاماته الأربع، محملقاً إلى الأمام بنظرة حادة. تبدد الغبار الأبيض كاشفاً عن خصمه، وكأنها واقفة فوق مسرح مضاء بضوء القمر.
“سأقوم بتقديم ضيافة خاصة لتلك الفتاة – تلك القاتلة. وخلال ذلك، عليكم جميعاً أن…”
سلاح الكوكري*
كانت القاتلة الجميلة تبتسم، تقبض على سكين الكوكري بكلتا يديها، وجزء من جسدها العلوي ملطخ بالدماء.
“كلامك متناقض تمامًا، بياتريس. ألم تلاحظي ذلك؟ لا أصدق أنكِ لم تلحظي التناقضات. أنتِ ذكية بما يكفي.”
“…يبدو أن أختي قد بدأت طريقها. والباقي على عاتق القائد.”
الإحباط والارتباك اللذان شعرت بهما منعاها من رفع صوتها فورًا. استغل سوبارو حيرتها ليزيد من هجومه عليها.
شعر غارفيل براحة عندما أدرك أن الهدف الأول قد تحقق، إذ شعر بوجود فريدريكا تغادر الطابق العلوي. وفقاً لخطة سوبارو، كانت هناك أهداف أخرى…
… مهلاً، ما هي تلك الأهداف مجددًا؟
ومع حركة خفيفة في ثوبها، تحول ذراعا فريدريكا، مصدرتا صوتًا أشبه بالأنين وهي تستعد للقتال.
تعالت صرخة مزلزلة، واصطدم الصلب بالصلب. كانت الشرارات المتطايرة ترسم مشهداً أشبه برقصة شرسة، صداها يملأ أرجاء القصر.
“آآآه، تباً. نسيتها… لا بأس“
بالتأكيد كان هناك خطة احتياطية في حال لم يحقق غارفيل النصر — خطة لإبقاء الجميع أحياءً حتى يلجئوا إلى الأمان في “الملاذ”. لكنه لم يكترث لذلك، فهذا غير مهم.
حاليًا، كان هدفهم الوصول إلى مكتبة روزوال، حيث يوجد مخرج سري يؤدي إلى الخارج، مخفي خلف رف الكتب في الغرفة. سيتيح لهم ذلك تجاوز الوحوش الشيطانية المحيطة بالقصر.
طالما فاز، لم تكن هناك حاجة لتذكر تلك الخطة. ومع هذه الفكرة الأخيرة، ضرب غارفيل درعيه معاً أمامه، متحصناً بصوت المعدن القاسي أثناء خدشه.
لحست إلزا شفتيها عندما شاهدت ذلك.
” – إلزا غرامهيلد، صائدة الأحشاء“
“نسيت اسمه تمامًا، لكن… ها نحن نلتقي مجددًا، أيها الوحش اللعين!”
“غارفيل تينزل، درع الملاذ فائق القوة“
“…ريوزو”
ابتسامتها القرمزية تلاشت في الظلام بينما بدأت تتنقل بحرية في كل اتجاه، منتظرة مطاردته.
وقبل لحظة الاصطدام، تقلص أنف غارفيل، مكشراً عن أنيابه، وزمجر بصوت جهور. “هذه معركة أولى لعينة يالقائد، لذا جهز نفسك وكن على قدرها!”
“— تأكد من ألا تفلتها!!”
—
تحدثت الفتاة الصغيرة، التي تأرجح ساقيها على ظهر الوحش العملاق، بصوت يملؤه التسلية. رنة كلماتها القاسية البريئة مألوفة لسوبارو— ولبيترا كذلك.
كم مرة زار هذه الغرفة المألوفة للغاية ليقابلها بهذه الطريقة؟
صمتت بياتريس، وظل سوبارو مستمراً في الحديث.
أول لقاء بينهما كان في مساء اليوم الذي وصل فيه سوبارو لأول مرة إلى قصر روزوال. لم يجد صعوبة في اختراق الوهم الذي ألقته على الممر، واضعاً قدمه في أرشيف الكتب المحرمة هذا نفسه.
هزت بيترا رأسها، شاحبة الوجه، متوسلةً لسوبارو. فجأةً أدرك الحقيقة؛ لقد خمن بالفعل ما كان أوتو سيقوله.
لا شك أن كلاهما قد ترك أسوأ انطباع ممكن خلال لقائهما الأول.
بعد أن استنزفت جسده، الذي ما زال في طور التعافي، من طاقة المانا، انهار سوبارو دون أي مقاومة تُذكر. مدفوعًا بشعور الانتقام، أخذ يزعجها ويضايقها عند كل فرصة، مقاطعًا عزلتها باستمرار.
“هذا صحيح، لكن للأسف، ظهرت مشكلة داخل القصر…”
قضى شهرين في قصر روزوال على هذا النحو، وخلال ذلك الوقت، تشاجر هو والفتاة – بياتريس – وتجادلا مرات عديدة، وتعاملا بأسلوب طفولي تمامًا.
“بيتي… الروح بياتريس… كانت دائمًا وحيدة، مقدرًا لها أن تُترك من الجميع… لكن الآن، ربما يمكنني أن أرتاح قليلًا.”
في كل مرة يلتقيان، بدا من المحتم أن يحدث شيء من الفوضى. ومع ذلك، الغريب أن أذواقهما وتفضيلاتهما ظلت تتطابق بطرق غير متوقعة وغريبة.
“حقًا… لكان من الأفضل لو كانت بيتي مجرد كتاب.”
لماذا؟ كان هناك شيء ما يقلق سوبارو باستمرار – ذلك وأنها بدت وحيدة دائمًا. حتى الآن، يعتبر تلك الأيام واللحظات التي قضياها معًا شيئًا لا يُعوض، رابطًا غير مرئي يجمعهما.
تلك الابتسامة الغريبة والمثيرة للريبة أشعلت النار في صدر سوبارو حتى اشتعل غضباً.
عاد سوبارو ليقابل بياتريس مرة أخرى، وهذه المرة، لن يسمح لنفسه بتركها أبدًا.
“هل تريد أخذ بيتي من هذا المكان…؟”
“سيدي ناتسكي! هناك فئران ذات أجنحة سوداء أمامنا!”
“آآآه… لا أستطيع التصديق…! تلك الحمقاء… كنا في منتصف حديثنا…!!”
كررت بياتريس كلمات سوبارو بتعجب عندما أعلن عزمه لحظة دخوله الغرفة.
“اقتربي إذن. اليوم، سأعلمكِ بعض الدروس القاسية! تهيئي.”
وهي جالسةً على مقعدها المعتاد، ضمت الكتاب الأسود إلى صدرها بإحكام أكبر.
“للأسف، بيتي لديها قلب. بعد أن انتظرت طويلاً حتى تلاشى كل أمل وثقة، أتت بعض الأفكار بلا إرادة. هل كانت هذه مخاوف وهموم، يا ترى؟ كثيرًا ما اجتمعتُ مع ذكرياتي وتعلقتُ بها، قلقةً من أنني قد أنسى وجه أمي أو ابتسامتها يومًا ما.”
“آه!! انتظري لحظة! أنا ممتن لأنكِ أنقذتِ حياتي، لكن ما هذا التعامل الخشن؟!”
كانت تمسك بكتاب المعرفة الذي ورثته من والدتها، بصفحاته التي صارت خاوية من النبوءات.
“— رائع.”
“هل… هذا من شأنك أصلاً؟ لم يطلب أحد منك… أن تفعل ذلك.”
“كنت متأكدًا أنكِ ستقولين ذلك، لكن ليس لدي وقت للنقاش المطول. سأخرجك معي من هنا، بغض النظر عن رأيك.”
ارتجافات وتشوّهات الممر كانا مجرد إنذار.
“لماذا… تتحدث بهذه الطريقة؟”
“يا لك من… أناني… هل ستغادر فورًا، ربما؟ غادر وابكِ كما يحلو لك على أحضان تلك الفتاة.”
“—!!!”
“تحاولين بدء شجار، ها؟ استمري وستتحول لحرب فعلية…!!”
كم مرة زار هذه الغرفة المألوفة للغاية ليقابلها بهذه الطريقة؟
ارتعشت شفتي سوبارو خجلاً عندما ذكَّرته بذكريات سخيفة له. صحيح أن الاستلقاء على ساقي إميليا كان نعمة عظيمة، لكنه لم يستطع الاعتماد عليها الآن.
“…بياتريس“
إميليا كانت تبذل جهدها في “الملاذ“، ومن واجب سوبارو أن يفعل الشيء نفسه في القصر.
تلك الابتسامة الغريبة والمثيرة للريبة أشعلت النار في صدر سوبارو حتى اشتعل غضباً.
“على أي حال، ليس هنالك وقت للكلام الفارغ. “أنتِ على علم بما يحدث في الخارج، أليس كذلك؟”
تلك الابتسامة الغريبة والمثيرة للريبة أشعلت النار في صدر سوبارو حتى اشتعل غضباً.
فالعرض الحقيقي للدمار يحدث في الطابق السفلي، مسببًا انهيار الجناح الغربي بالكامل، جارفًا معه الممر الذي وقفوا فيه. تكسر الزجاج، وتناثرت العوارض الخشبية، وبدأ القصر بأكمله يئن تحت وطأة الضغط.
“…أفهم أن هناك غرباء اقتحموا القصر، على ما يبدو. ومع ذلك، لماذا يجب على بيتي أن تتورط في هذا الصراع؟ من يرغب في القتال في الوحل، فليفعل كما يشاء”
“للأسف، الوضع أبعد من أن يُسمى مجرد قتال عابر. تركتُ المعركة ضد العدو الأقوى لوافد جديد يحمل آمالاً كبيرة، لكن… يبدو أنه أضعف مما توقعت”
“ولهذا السبب أنتِ غبية! ماذا عن محاولة تسخين الصفحات لترين إن كانت هناك كلمات مكتوبة بحبرٍ خفي؟! في هذه الأيام، حتى بطاقات العام الجديد المزيفة لا تخدع أحدًا بهذه الحيلة! فكّري في مزيد من الاحتمالات، أليس كذلك؟!”
“ما الذي حدث للتو…؟“
هز سوبارو رأسه بتجاعيد على جبينه، مفكرًا في كيفية توزيع قواتهم في أرجاء القصر.
— هذا هو وحش الشياطين الذي رآه سوبارو يقتل بيترا ذات مرة. واسمه…
لإخراج الجميع بأمان من القصر، كان على غارفيل أن يظل في أقوى حالاته، قادرًا على مواجهة التهديد الأشد.
أكبر سلاح لديهم – غارفيل – من المؤكد أنه في مواجهة التهديد الرئيسي – إلزا. كلاهما يمتلك قوة تفوق البشر، لذلك من المفترض أن تصبح المعركة متكافئة، أو هكذا أمل سوبارو. لكنه لم يعد واثقًا تمامًا.
وكأن إدانة ابنتها بالموت يمكن أن تُعتبر صورة من صور الحب الأمومي.
“أعلم أنني شخص جريء، وقد تأملت فيما جلبه لي هذا الطبع من متاعبٍ ماضيه. ومع ذلك، لن أتراجع أبدًا في الأمور الهامة.”
لم يكن الأمر أن غارفيل ضعيف، بل كان قلبه أكبر من جسده. هذه هي الحقيقة المُرَّة التي يجب أن يُعبر عنها.
“والقطعة الأخيرة من اللغز هي أنني يجب أن أخرجكِ من هذا المكان. إذا لم تريدِ الهروب يداً بيد، فسأحملكِ بين ذراعيّ أو على ظهري، كما تشائين. ولكن لتصبح الأمور واضحة، لن أتراجع عن هذا“
لقد اعتمد سوبارو ورفاقه على طيبة قلبه في معركتهم ضدّه في “الملاذ“. لكن كيف ستؤثر هذه الشخصية الرقيقة على سير المعركة في القصر؟ لا أحد يمكنه التنبؤ بذلك.
“—!”
لم يستطع سوبارو تجاهل الاحتمال بأن غارفيل قد يرحم خصمه بدلاً من أن يرحم نفسه، فتنقلب مشاعره النبيلة ضدّه وتُفقده قوته في اللحظات الحاسمة.
“آنسة فريدريكا!”
لإخراج الجميع بأمان من القصر، كان على غارفيل أن يظل في أقوى حالاته، قادرًا على مواجهة التهديد الأشد.
“ببساطة، هذا يعني أنه يجب عليّ إزالة أي عائق يقف في طريق سلاحنا القاتل حتى يتمكن من إظهار قوته الكاملة. تركت بيترا في يد أوتو، وأعتمد على فريدريكا لتأمين ريم، لذا…”
“أنا — أعتذر بشدة، سيد أوتو. لقد كانت أولوياتي مختلفة بعض الشيء…”
بينما فقد سوبارو توازنه، وجد جسده فجأة يطفو في الهواء. وبدافعٍ غريزي، مد يده وسحب جسدًا صغيرًا نحوه. وفيما يسقط نحو مركز الحفرة، حاول حماية الطفلة الصغيرة الملتصقة بصدره قبل الاصطدام بالأرض.
“وهذا يعني أنه يبقى أنت وبيتي فقط… هل هذا ما تعنيه حقًا؟”
“نعم، هذا بالضبط.”
لكن ضربة بقوة الإعصار أطاحت بها بعيدًا. ورغم تراجعها، كانت متأكدة أنها خلال تلك المواجهة، قد وصلت شفراتها إلى —
إذا لم يكن هناك ما يمنعه، لأطلق غارفيل كل قوته المدمرة بالفعل. لذا كانت الأولوية القصوى هي إخراج بيترا والبقية من القصر أولاً. كان واثقًا أن فريدريكا ستتولى تأمين ريم وتلحق بالبقية في أقرب وقت.
ظهرت على شفتيها ابتسامة عابرة، تلك الابتسامة التي تحمل شوقًا لشيء غابر في أعماق الماضي.
“والقطعة الأخيرة من اللغز هي أنني يجب أن أخرجكِ من هذا المكان. إذا لم تريدِ الهروب يداً بيد، فسأحملكِ بين ذراعيّ أو على ظهري، كما تشائين. ولكن لتصبح الأمور واضحة، لن أتراجع عن هذا“
غير قادرة على الغرق حتى في خيال عابر، اعترفت بياتريس بأمنيتها الحزينة المؤلمة.
“لا تجبرني على تكرار نفسي. هل مساعدتك ضرورية حقًا، يا ترى؟“
عندما حاول سوبارو الاقتراب خطوة أخرى، رفضته بياتريس بصوت منخفض.
ومع رؤيته للباب يُغلق أمامه مباشرة، قفز سوبارو بسرعة ليحاول فتحه، لكن ما إن فعله، لم يجد أمامه سوى غرفة ضيافة عادية. لقد فُعَّلت آلية الانتقال، وبذلك مُنع سوبارو مرة أخرى من الوصول إلى أرشيف الكتب المحرمة.
أدارت رأسها، كما لو كانت عنت التحدث إلى الغرفة بدلاً من سوبارو.
غير قادرة على الغرق حتى في خيال عابر، اعترفت بياتريس بأمنيتها الحزينة المؤلمة.
“بيتي تسيطر على أرشيف الأرواح العظيمة للكتب المحرمة، مكان بعيد عن العالم الفاني. بغض النظر عن أي تهديد قد يكمن وراء تلك الأبواب، هل يهم ذلك حقًا؟ قلقك ليس له معنى“
“لا، لا أستطيع ترك الأمر هكذا. أرشيفك للكتب المحرمة رائع، لا جدال في ذلك، لكن له نقطة ضعف قاتلة. والأهم من ذلك، أن العدو يعرف كيف يستغلها“
هذه الانتقادات لقدرات انتقالها عبر الأبواب، وهو أساس ثقتها، جعلت بياتريس ترفع حاجبيها بتعبير غير راضٍ.
“بلاااع!”
بالتأكيد، عندما يتعلق الأمر بالاختفاء، يوفر أرشيف الكتب المحرمة العديد من المزايا. ومع ذلك، رأى سوبارو بنفسه في محاولات سابقة أن هذه المزايا ليست مطلقة.
“أسلوبك في الانتقال يعمل فقط مع الأبواب المغلقة. إذا قام أحدهم بفتح جميع الأبواب في القصر…”
أخرهم سيؤدي حتمًا إلى الأرشيف المحرم. في محاولة سابقة، استخدمت إلزا هذه الطريقة للتسلل إلى الأرشيف وهاجمت بياتريس محاولةً قتلها.
لم يكن الأرشيف آمنًا كما ظنت بياتريس. حاول سوبارو أن يشرح، ولكن —
وجاءها رد سوبارو ، بصوتٍ واضح وثابت، عاقدًا نظره في عينيها:
” – لماذا يعرف العدو عن نقطة الضعف تلك، يا ترى؟“
غرزت أظافرها في الكتاب الذي تحتضنه على صدرها، وعضت شفتها بينما حدقت في سوبارو.
سؤال بياتريس جعل سوبارو يتنفس بعمق.
وكأن الوحش الشيطاني الأسود استجاب لغضب سوبارو، أطلق زئيرًا هز أرجاء القصر. أحاطت به رهبة كعاصفة هوجاء قبل أن يعدل سوبارو وضعية ريم على ظهره مصراً على أسنانه.
“روزوال هو من أخبرهم… لابد أنه هو من كشف لهم“
وصلت إلى هذه الاستنتاج بسرعة مذهلة، مما جعل سوبارو عاجزًا عن تقديم أي عذر.
لم يستطع إلا أن يحدق في دهشة وهو يرى يقين بياتريس يزداد وضوحًا. جاء المهاجمون إلى القصر بتوجيهات من روزوال، وبدا من الضروري التغلب على قدرات بياتريس في الانتقال لتحقيق أهدافهم.
لم يكن الأرشيف آمنًا كما ظنت بياتريس. حاول سوبارو أن يشرح، ولكن —
لابد أن لروزوال سبب لهذا كله. بمعنى آخر —
“ما الذي حدث للتو…؟“
“هل وفاة بيتي مسجلة في كتاب روزوال للمعرفة، يا ترى؟“
بعد أن قالت هذا بصوت منخفض، أطلقت بياتريس زفرة قصيرة.
وكأن إدانة ابنتها بالموت يمكن أن تُعتبر صورة من صور الحب الأمومي.
هااه.
شعر بخده يلامس العشب. وعندما تفحّص المكان، وجد أنه قد تدحرج إلى الفناء الأخضر المفتوح خارج القصر.
تنهدت، كأنها نفست عن كل الضغط الذي عانت منه. هذا المشهد أدخل سوبارو في نوبة غضبٍ مفاجئة.
ابتسامتها القرمزية تلاشت في الظلام بينما بدأت تتنقل بحرية في كل اتجاه، منتظرة مطاردته.
“هيهيهي. بالطبع نحن صديقتان. لهذا سنتعايش بسعادة حتى النهاية، أليس كذلك؟”
“أنتِ…! ماذا كانت تلك التنهيدة الآن؟ لماذا تبدين وكأنكِ راضية عن كل هذا؟!”
“…لماذا؟ لماذا تشعرين بالراحة لأنك قد تُقتلين على يد شخص تعرفينه؟“
كلمات الوداع التي قالتها الفتاة بدت مليئة بالحنان، مليئة بسعادة وعزيمة في عينيها الممتلئتين بالدموع؛ وعند رؤيتها لذلك، تلاشى الصوت في حلقها.
“…إذا كنت قد وصلت إلى هنا، فلا بد أنك تفهم. روزوال ببساطة يُنفذ ما هو مكتوب في كتاب الحكمة، على ما أعتقد. إذا كانت هذه هي النتيجة، فمستقبل بيتي قد تم تحديده بالفعل.”
والآن صار غاضبًا من القدر ذاته، بعد أن رأى بياتريس تتخلى عن كل أمل.
“ماذا تعنين…؟ كتاب روزوال هو ملكه، وكتابكِ هو ملككِ، أليس كذلك؟ أم أنكِ تقولين أن هذا الكتاب الذي تحتضنينه يقرر في مرحلة ما أنه سيأمركِ بالموت؟!”
أشار سوبارو بإصبعه نحو كتاب المعرفة، الذي احتضنته بياتريس كما لو تأمل في أن ينكسر استسلامها.
عندما رأت المرأة – إلزا – الهجوم المقترب، أطلقت تنهيدة إعجاب مثيرة، إذ بدت أمامها ضربه بحجم مئة ضعف قبضة اليد.
في الحقيقة، علم سوبارو تمامًا أن الكتاب الغامض لبياتريس كان فارغًا.
“لو كنتُ دمية بلا قلب، أو قصة لا تهتز بمرور الزمن، لما عانيت مثل هذا”
لم يظهر أي تنبؤات بالمستقبل في صفحاته طوال الأربعمئة سنة الماضية.
عندما صرخ في وجهها، نظرت بياتريس إلى الأسفل وفتحت الكتاب ببطء في يديها. ثم قلبت صفحاته لتكشف له أنه لم يكن مكتوبًا فيه شيء.
صرخت بياتريس، على وشك البكاء، بينما تشوه وجهها.
“لا يوجد شيء هنا، على ما أعتقد. مصير بيتي صفحة بيضاء.”
“إذن هذا يعني أنه ليس لديكِ سبب لتدعي روزوال يحقق مراده! عليكِ أن تقرري ماذا تريدين أن تفعلي بنفسكِ كما فعلتِ دائمًا!”
“…كما فعلت دائمًا؟”
بينما كانت تهمس، قلبت بياتريس صفحات الكتاب بعناية بأصابعها الرفيعة، وكأنها تعتقد أن هذه الصفحات النظيفة تمثل مجموع السنوات الطويلة التي قضتها.
اتسعت عينا بياتريس بدهشة، وهي تكرر تلك الكلمات بصوتٍ هادئ.
رفعت بيترا حجر الصدّ عاليًا، فابتعدت الفئران السوداء فورًا.
صوتها، الذي بدا خاليًا من أي عاطفة، ترك سوبارو عاجزًا عن الكلام.
لكن تلك العيون الزرقاء التي نظرت إليه، بها شيء لا يمكن إنكاره — حزنٌ عميق.
“ماذا قررت بيتي لنفسها في كل تلك الأيام؟“
“هل يمكنكِ أن تقولي بيقين مطلق عدم إمكانية حدوثه أبداً؟ ألا يساوركِ أدنى شك؟ هل أنتِ متأكدة تمامًا أن التفسير الوحيد الممكن هو أن والدتكِ قدّمت لابنتها كتابًا لا يحمل سوى الفراغ عمداً؟”
بينما كانت تهمس، قلبت بياتريس صفحات الكتاب بعناية بأصابعها الرفيعة، وكأنها تعتقد أن هذه الصفحات النظيفة تمثل مجموع السنوات الطويلة التي قضتها.
بلمح البصر، انخفض وحش الشياطين — غيلتراو — موجهًا نفسه نحو المجموعة…
فارغة، بلا هدف.
////
“لقد استمررت في حماية هذا القصر، وحيدة، لأن أمي طلبت مني ذلك… متى اخترتُ شيئًا بنفسي؟ من بياتريس تلك التي تتحدث عنها، وماذا فعلت من أجل نفسها؟”
بينما كانت تهمس، قلبت بياتريس صفحات الكتاب بعناية بأصابعها الرفيعة، وكأنها تعتقد أن هذه الصفحات النظيفة تمثل مجموع السنوات الطويلة التي قضتها.
بدا الاحتمال الأكبر حدسها.
“…بياتريس“
“يعني هذا أن ميلي هنا، أليس كذلك… لكن من المفترض أن تُؤخذ بالحسبان بالفعل.”
“أنا أؤمن بك!”
“أفهم الآن وأشكرك على ملاحظتك. إليك ترجمة مشابهة لما طلبت:
تمتمت إلسا بدهشة وهي منحنية لأسفل، إحدى يديها على الأرض، غير مصدقة ما رأت. تمكن غارفيل من صد سيف الكوكري* خاصتها بأنيابه، ووسط نظرتها المندهشة، حطم النصل في قضمة واحدة ثم بصق ما تبقى منه.
إميليا كانت تبذل جهدها في “الملاذ“، ومن واجب سوبارو أن يفعل الشيء نفسه في القصر.
فيما تسارعوا عبر الممرات، أكد أوتو أن الوحوش الشيطانية ما زالت تمثل خطرًا قائماً دون حل. لم يحضر سوبارو خطة جديدة جاهزة بعد. ما الذي يمكنهم استخدامه ضد وحوش محصنة من أحجار الصدّ…؟
“أليست حياة بيتي قاحلة مثل هذا الكتاب، أتساءل؟ أليست فارغة مثله؟ لم أقرر شيئًا لنفسي. لا إنجازات ولا نجاحات… ليس لدي شيء على الإطلاق…”
////
برفق، أغلقت كتاب المعرفة. مررت بياتريس يدها ببطء على الغلاف الذي لم يحمل عنوانًا. ظلت تداعبه بلطف، بحسدٍ. ثم تحدثت بهدوء مرة أخرى.
“حقًا… لكان من الأفضل لو كانت بيتي مجرد كتاب.”
حتى الآن، لا تتذكر ما جال في خاطرها حينها.
غير قادرة على الغرق حتى في خيال عابر، اعترفت بياتريس بأمنيتها الحزينة المؤلمة.
“لو كنتُ دمية بلا قلب، أو قصة لا تهتز بمرور الزمن، لما عانيت مثل هذا”
أخرهم سيؤدي حتمًا إلى الأرشيف المحرم. في محاولة سابقة، استخدمت إلزا هذه الطريقة للتسلل إلى الأرشيف وهاجمت بياتريس محاولةً قتلها.
لكنها لم تستطع. ولذلك غمر الحزن قلبها.
بذلك، فرّ سوبارو والبقية نحو القصر. حاولت ميلي اللحاق بهم، لكن —
“فريدريكا! سنتوجه إلى غرفة روزوال!”
“للأسف، بيتي لديها قلب. بعد أن انتظرت طويلاً حتى تلاشى كل أمل وثقة، أتت بعض الأفكار بلا إرادة. هل كانت هذه مخاوف وهموم، يا ترى؟ كثيرًا ما اجتمعتُ مع ذكرياتي وتعلقتُ بها، قلقةً من أنني قد أنسى وجه أمي أو ابتسامتها يومًا ما.”
ربما كانت إيكيدنا ترى في عذابات ابنتها النفسية وجبةً لذيذة فاخرة. لكن ماذا يبقى من قلب الإنسان عندما ينسى كيف يبكي، أو كيف يشعر بالرغبة في البكاء حتى؟ شعر سوبارو برغبةٍ حقيقية في الصراخ من أعماق قلبه.
غرزت أظافرها في الكتاب الذي تحتضنه على صدرها، وعضت شفتها بينما حدقت في سوبارو.
“—؟؟!”
“كان هناك أوقات كنتُ أخاف فيها من الوحدة، وأريد بشدة أن أكون مع أحدهم، أي أحد. لكن مع مرور السنوات، تركني الجميع في النهاية. جميعهم قالوا شيئًا غير مفهوم عن كيف كان لشيء أكثر أهمية… رحلت أمي! وكذلك روزوال! حتى ريوزو!”
صرخت بياتريس، على وشك البكاء، بينما تشوه وجهها.
منذ أول مواجهة بينهما، أدرك أن هذه المرأة ليست خصمًا يمكنه التهاون معه.
الأسماء التي نطقتها آلمت سوبارو بعمق، مسترجعاً كل ما تعلمه عن بياتريس في الملاذ.
في الوقت القصير الذي قضته الفتاتان معًا، كانت قد شكلت بلا شك رابطًا مع ريوزو ماير، الفتاة التي أصبحت تضحية لحماية الملاذ – وهو شيء جرح قلب بياتريس حتى يومنا هذا.
“بيتي… الروح بياتريس… كانت دائمًا وحيدة، مقدرًا لها أن تُترك من الجميع… لكن الآن، ربما يمكنني أن أرتاح قليلًا.”
سقط في الفراغ الذي أحدثته ضربة إلزا، وظلت هجماتها القاتلة تتوالى حتى وهو يهوي. استند غارفيل على حدسه محاولاً صد الهجمات بالدروع المربوطة على ذراعيه — دفاع، دفاع، دفاع. ومع ذلك، لم يستطع اعتراض كل ضربة، وسالت دماؤه من جروح جديدة غطت جسده.
بعد انتظار وأملٍ داما لأربعمائة عام، صارت بياتريس سعيدةً أخيرًا بتحقيق رغبة والدتها، حتى وإن كانت تلك الرغبة تعني الموت.
“…لماذا؟ لماذا تشعرين بالراحة لأنك قد تُقتلين على يد شخص تعرفينه؟“
“السبب واضح.”
“لو كنتُ دمية بلا قلب، أو قصة لا تهتز بمرور الزمن، لما عانيت مثل هذا”
ردت بياتريس على صوت سوبارو المتوتر بإيماءة رأس واحدة.
عاد سوبارو ليقابل بياتريس مرة أخرى، وهذه المرة، لن يسمح لنفسه بتركها أبدًا.
ظهرت على شفتيها ابتسامة عابرة، تلك الابتسامة التي تحمل شوقًا لشيء غابر في أعماق الماضي.
بالطبع كان يعلم أن الوفاء بالوعود أمرٌ مهم.
“حتى وإن كان ذلك فقط في كتاب المعرفة الخاص برزوال، كون بيتي مسجلةً هناك… أيمكن أن يعني ذلك أن والدتي لم تنسَ ابنتها، يا تُرى؟”
عندما حاول سوبارو الاقتراب خطوة أخرى، رفضته بياتريس بصوت منخفض.
بابتسامة خافتة، نطقت بياتريس بتلك الكلمات وكأنها شكلٌ من أشكال الخلاص.
“أوه؟ لا يبدو أن أياً منكم مندهش حقًا. هذا محبط قليلاً.”
بدت الفتاة سعيدة، وكأن الحكم بالموت ، المكتوب في الكتاب السحري الذي تركته والدتها ، هو بالضبط ما تتمناه. وكأنها تستطيع إيجاد راحتها في الموت على يد رجل ينتمي إلى نفس الأسرة التي عاملتها كفردٍ من العائلة لعقودٍ طويلة.
صوتها، الذي بدا خاليًا من أي عاطفة، ترك سوبارو عاجزًا عن الكلام.
لم يستطع إلا أن يحدق في دهشة وهو يرى يقين بياتريس يزداد وضوحًا. جاء المهاجمون إلى القصر بتوجيهات من روزوال، وبدا من الضروري التغلب على قدرات بياتريس في الانتقال لتحقيق أهدافهم.
بعد انتظار وأملٍ داما لأربعمائة عام، صارت بياتريس سعيدةً أخيرًا بتحقيق رغبة والدتها، حتى وإن كانت تلك الرغبة تعني الموت.
كان إخلاصها الأعمى لوصايا والدتها هو الذي جعلها عاجزة عن رفض مصيرها. آمنت بالساحرة إيكيدنا كشهيدة مستعدة للتضحية في سبيل إيمانها.
“مدخك لاا يثعدني، تباًلك!”
وبدا هذا واضحًا في التحرر الصافي الذي يملأ ابتسامتها —
“سأجعلكِ تندمين على هذا! اهجم، يا خنزوري الصخري!”
ومنذ تلك الواقعة، منذ أن كان في سنٍ صغيرة، علّمته الحياة أن يصبح أكثر حذرًا وألّا يأخذ أقوال والديه على أنها حقائق لا تحتمل النقاش.
“كفاكِ هراءً بالفعل.”
“النساء والأطفال، ثم المسنون، ثم الرجال، وأخيرًا أوتو، أليس كذلك؟“
“ليس وقت المزاح الآن!! إذا… إذا لم نفعل شيئًا سريعًا، السيدة فريدريكا ستـ —!”
تلك الابتسامة الغريبة والمثيرة للريبة أشعلت النار في صدر سوبارو حتى اشتعل غضباً.
لكنها لم تستطع. ولذلك غمر الحزن قلبها.
السعادة المأساوية التي شعرت بها بياتريس بعد أن بدت وكأنها قد وجدت دليلاً على حب والدتها بدت مشوهة ومزعجة. كانت هراءً لا أكثر.
غير قادرة على الغرق حتى في خيال عابر، اعترفت بياتريس بأمنيتها الحزينة المؤلمة.
وكأن إدانة ابنتها بالموت يمكن أن تُعتبر صورة من صور الحب الأمومي.
كانت القاتلة الجميلة تبتسم، تقبض على سكين الكوكري بكلتا يديها، وجزء من جسدها العلوي ملطخ بالدماء.
“…ماذا… تنوين فعله؟”
تملكه الغضب العارم، لدرجة أنه خطا خطوة للأمام دون أن يشعر، والتعبير المقلق على وجهه جعل بياتريس تتجمد حذرًا.
عض غارفيل على أنيابه وهو ينادي شقيقته المترددة. لكن فريدريكا بدت بطيئة الاستجابة، وظلت أقدامها كأنها مغروسة في الأرض، وليس ذلك ضعفًا منها بقدر ما هو رهبة من مستوى المعركة أمامها.
أول لقاء بينهما كان في مساء اليوم الذي وصل فيه سوبارو لأول مرة إلى قصر روزوال. لم يجد صعوبة في اختراق الوهم الذي ألقته على الممر، واضعاً قدمه في أرشيف الكتب المحرمة هذا نفسه.
“هل كنتَ تُصغي إليّ، أتساءل؟ ماذا أنوي فعله؟ هل من الضروري أن أشرح أن بيتي لن تُظهر أي رحمة، يا تُرى؟ لقد… قبلتُ قدري بالفعل.”
“ببساطة، هذا يعني أنه يجب عليّ إزالة أي عائق يقف في طريق سلاحنا القاتل حتى يتمكن من إظهار قوته الكاملة. تركت بيترا في يد أوتو، وأعتمد على فريدريكا لتأمين ريم، لذا…”
تنهدت، كأنها نفست عن كل الضغط الذي عانت منه. هذا المشهد أدخل سوبارو في نوبة غضبٍ مفاجئة.
“يا له من هراء محض. أنتِ مثل روزوال. لم تتغيري على الإطلاق. بل أنتِ أسوأ منه بكثير. على الأقل، روزوال يعرف ما يفعله. لماذا تصرين على تعقيد كل شيء إلى هذا الحد، بحق اللعنة؟”
بدا هذا طبيعي ، فقد سمع سوبارو تلك الهموم من شفتي بياتريس نفسها من قبل.
استثار الغضب داخله بلا حدود. وحين تأمل الأمر، أدرك أن الأحداث المحيطة بالمعبد جعلته يواجه هذا الغضب مرة تلو الأخرى.
“هيهيهي. بالطبع نحن صديقتان. لهذا سنتعايش بسعادة حتى النهاية، أليس كذلك؟”
كان غاضبًا من نفسه أثناء التجارب؛ غاضبًا من الساحرات اللواتي لعبن به؛ غاضبًا من غارفيل، ذلك الفتى العنيد الذي احتقره؛ غاضبًا من روزوال، الرجل الذي حاول إثبات هشاشة معتقدات سوبارو عبر التمسك بما هو محتوم؛ وغاضبًا من إميليا، التي رفضت تصديق ليس فقط حب سوبارو، بل أيضًا نفسها.
والآن صار غاضبًا من القدر ذاته، بعد أن رأى بياتريس تتخلى عن كل أمل.
“بياتريس، أنتِ غبية. غبية مثل الصخر، لا شك في ذلك! النظر إليه وحسب يؤلمني!!”
“تفكر في أختك في مثل هذا الوقت؟ يا لك من فتىً طيب.”
“ماذا…؟!”
في الحقيقة، علم سوبارو تمامًا أن الكتاب الغامض لبياتريس كان فارغًا.
صرخة سوبارو المفاجئة وغضبه الفجائي أذهلا بياتريس، مما جعلها عاجزةً عن الرد.
“إذن هذا يعني أنه ليس لديكِ سبب لتدعي روزوال يحقق مراده! عليكِ أن تقرري ماذا تريدين أن تفعلي بنفسكِ كما فعلتِ دائمًا!”
الإحباط والارتباك اللذان شعرت بهما منعاها من رفع صوتها فورًا. استغل سوبارو حيرتها ليزيد من هجومه عليها.
“هاي، أختاه. لم تقفين هكذا ، تطالعينني وحسب؟”
“لقد كان لديكِ أربعمائة عام لتفهمي الأمر! لماذا الحل الوحيد الذي توصلتِ إليه متطرفٌ هكذا…؟! لماذا فكرتِ في خطة واحدة فقط؟ هناك الكثير من الأمور الأخرى التي أمكنك القيام بها، اللعنة!”
لإخراج الجميع بأمان من القصر، كان على غارفيل أن يظل في أقوى حالاته، قادرًا على مواجهة التهديد الأشد.
“بالطبع فكرتُ في ذلك! حاولت بيتي التحقق مرارًا وتكرارًا مما إذا كان هناك شيء ما على تلك الصفحات الفارغة… لكن لم يتغير شيء أبدًا!”
ومع حركة خفيفة في ثوبها، تحول ذراعا فريدريكا، مصدرتا صوتًا أشبه بالأنين وهي تستعد للقتال.
ناظرةً إلى فريدريكا التي سدت طريقها، نفخت ميلي وجنتيها غضبًا. وامتثالًا لأمر سيدته، أصدر الوحش الشيطاني الهائل زئيراً هز أرجاء المكان.
“ولهذا السبب أنتِ غبية! ماذا عن محاولة تسخين الصفحات لترين إن كانت هناك كلمات مكتوبة بحبرٍ خفي؟! في هذه الأيام، حتى بطاقات العام الجديد المزيفة لا تخدع أحدًا بهذه الحيلة! فكّري في مزيد من الاحتمالات، أليس كذلك؟!”
“حتى لو كانت حالة طارئة، أرجو أن تعذروا تصرفي غير اللائق. فريدريكا باومان قد عادت.”
لقد أقنعتها الصفحات الفارغة في الكتاب بأن مصيرها يؤدي حتمًا إلى طريق مسدود.
إميليا كانت تبذل جهدها في “الملاذ“، ومن واجب سوبارو أن يفعل الشيء نفسه في القصر.
ولكن إذا لم يكن ذلك صحيحًا بالضرورة… إذا كان هناك احتمال آخر، إذن —
“حان الوقت لأثبت أنني الأخ المثالي!”
“ماذا لو كانت والدتكِ قد أخطأت وأعطتكِ الكتاب الخطأ بالصدفة؟!”
وإذا ما استغلت فريدريكا هذه الفرصة وأخذت ريم معها وغادرت بينما يشغل أخوها العدو، فلن يكون هناك ما يدعو للقلق.
انفجرت.
“ماذا…؟”
كانت الفرضية الأخيرة التي طرحها سوبارو عشوائية لدرجة أن بياتريس لم تعرف حتى كيف ترد. سرعان ما تحول دهشتها إلى غضب، وازداد استياؤها.
تحدثت الفتاة الصغيرة، التي تأرجح ساقيها على ظهر الوحش العملاق، بصوت يملؤه التسلية. رنة كلماتها القاسية البريئة مألوفة لسوبارو— ولبيترا كذلك.
شظية من ذكرى قديمة من أعماق عقلها جعلت ذلك الاسم يتدفق من شفتيها.
“هل تنوي إهانة والدتي، أتساءل؟! والدتي لم تكن لتفعل مثل هذا الخطأ السخيف أبدًا — “
وهي جالسةً على مقعدها المعتاد، ضمت الكتاب الأسود إلى صدرها بإحكام أكبر.
“هل يمكنكِ أن تقولي بيقين مطلق عدم إمكانية حدوثه أبداً؟ ألا يساوركِ أدنى شك؟ هل أنتِ متأكدة تمامًا أن التفسير الوحيد الممكن هو أن والدتكِ قدّمت لابنتها كتابًا لا يحمل سوى الفراغ عمداً؟”
“بالطبع فكرتُ في ذلك! حاولت بيتي التحقق مرارًا وتكرارًا مما إذا كان هناك شيء ما على تلك الصفحات الفارغة… لكن لم يتغير شيء أبدًا!”
ظل سوبارو يستند إلى مغالطاتٍ ومنطقٍ ضبابي ليتلاعب بالحقيقة ويغمرها في سرابٍ من الاحتمالات، محاولاً شق ثغرةً بحديثه في يقين بياتريس المتجذّر.
“لقد كان لديكِ أربعمائة عام لتفهمي الأمر! لماذا الحل الوحيد الذي توصلتِ إليه متطرفٌ هكذا…؟! لماذا فكرتِ في خطة واحدة فقط؟ هناك الكثير من الأمور الأخرى التي أمكنك القيام بها، اللعنة!”
“بالطبع تؤمنين بي!!!”
ما زالت نوايا إيكيدنا الحقيقية حينما منحت بياتريس كتاب المعرفة لغزًا عصيًا على الفهم. لم يسقط احتمال أن توكل تلك الساحرة الماكرة بهذا الكتاب لتلهب فكرها وتدمر سكونها.
فارغة، بلا هدف.
حينما قفز بوحشية نحو خصمه، ابتسمت إلزا ابتسامةً ساحرة، مدركةً تمامًا ما كان ينوي فعله.
لكن، بعد سماعه لقصة ماضي الملاذ من ريوزو، شعر أن هناك فارقًا بين إيكيدنا تلك وبين الساحرة الملتوية التي واجهها بنفسه. كانت الحقيقة تراوغه، لكنها لم تعنه الآن. ما يحتاج إليه هو أن يحطم الجدران المتماسكة التي تحيط بقلب بياتريس، أن يخبرها بالكلمات السحرية التي ستمنحها سببًا لتتشبث به في هذا العالم.
“بالطبع سأفعل! اللحظات التي أستطيع أن أضع فيها كامل ثقتي بها تعدّ على أصابع اليد! والدتي هي الشخص نفسه الذي سمع ذات يوم أن قمرًا صناعيًا يسقط في ‘الغلاف الجوي‘ واعتقدت أن ذلك يعني سقوطه في ‘محافظة آيتشي‘! ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أثق بأي خبر يخرج من فمها! كان الأمر محرجًا للغاية حينما كررت تلك الحماقة على مسامع الآخرين!”
“لماذا… تتحدث بهذه الطريقة؟”
اهتز صوت بياتريس ، وعينيها تهيم بعيدًا تحت وطأة عزيمة سوبارو التي اخترقتها ثباتها.
كم مرة زار هذه الغرفة المألوفة للغاية ليقابلها بهذه الطريقة؟
اندفع سوبارو بقوةٍ نحو الحائط، متألماً بشدة بينما ينهار على الأرض بفعل الصدمة.
كانت بياتريس تؤمن بأمها إيمانًا عميقًا، إيمانًا جعلها عاجزةً عن تصور أن الأم التي أحبتها واحترمتها ستلقي بها في بئرٍ من الوحدة عمداً. ورغم ذلك، هزت رأسها بعناد. حينما وقفت بين الإيمان الأعمى والمحبة الراسخة، اختارت أن تتشبث بإيمانها.
نظراً بأنه ليس هناك جواب واضح حول من هذا الشخص، صار على بياتريس اختياره من تلقاء نفسها، قراراً زرعته الساحرة في قلب ابنتها بغرض إشباع فضولها، ودفع بياتريس إلى رحلة عزلة دامت أربعة قرون.
كان الأمر كما لو أنها لم تجد في هذا العالم كله شيئًا لتتمسك به سوى كلمات والدتها، كلمات لم يخالطها شكٌ منذ أربعة قرون.
“و–والدتي لن ترتكب مثل هذا الخطأ، أ–أليس ذلك واضحًا كالشمس، يا تُرى؟ هذه والدتي التي نتحدث عنها! هل ستُشكك في كلمات والدتك أنت؟!”
بمجرد أن أعلن بصدق عما في قلبه، وُصد الباب أمامه.
“بالطبع سأفعل! اللحظات التي أستطيع أن أضع فيها كامل ثقتي بها تعدّ على أصابع اليد! والدتي هي الشخص نفسه الذي سمع ذات يوم أن قمرًا صناعيًا يسقط في ‘الغلاف الجوي‘ واعتقدت أن ذلك يعني سقوطه في ‘محافظة آيتشي‘! ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أثق بأي خبر يخرج من فمها! كان الأمر محرجًا للغاية حينما كررت تلك الحماقة على مسامع الآخرين!”
المواجهة بين غارفيل وإلزا وصلت إلى مستوى مرعب جعل التدخل أمرًا مستحيلاً لها. فكرة تقديم المساعدة باتت بعيدة المنال؛ مجرد التحرك تطلب شجاعة جبارة. ولذا —
لم ينسَ أبدًا كيف ضحك زملاؤه وجيرانه منه، وكيف سخرت منه مدينته بأكملها حين أخذ تلك القصة مأخذ الجد وراح يبشر بها. والأشد من ذلك، أن والدته، الجانية الأصلية، قد نسيت القصة برمتها وسألته باستنكار: “لماذا رددت ذلك الكلام للناس؟”
كان اختيار كلماته سيئاً، واشتعل صدره بألمٍ بينما يتذكر التعبيرات الأخيرة التي رأى بياتريس تُظهرها، والتي بدت مليئة بالحزن والغضب.
ومنذ تلك الواقعة، منذ أن كان في سنٍ صغيرة، علّمته الحياة أن يصبح أكثر حذرًا وألّا يأخذ أقوال والديه على أنها حقائق لا تحتمل النقاش.
“كفاكِ هراءً بالفعل.”
لهذا السبب صارت ثقة بياتريس الثابتة في والدتها ككائنٍ لا يمكن أن يخطئ تستفز سوبارو إلى أقصى حد.
“أعلم أنني شخص جريء، وقد تأملت فيما جلبه لي هذا الطبع من متاعبٍ ماضيه. ومع ذلك، لن أتراجع أبدًا في الأمور الهامة.”
“حتى لو كان لدي ضعف عدد أصابعي، لن تكفي يدي لأحصي كم مرة انتهى نقاش بيني وبين والدي إلى شجارٍ بالأيدي، وكل ذلك خلال أقل من عشرين عامًا. لقد قضيتِ عشرين ضعف ذلك الوقت. هل تريدين القول أنكِ لم تشعري بشكٍ كهذا ولو لمرة واحدة؟“
“لا يزال لدي المزيد لأقوله… تباً لتلك الطفلة سريعة الغضب…!”
“أنا… لا أفهم مطلقًا… ما الذي تريد من بيتي أن تقوله، أتساءل؟! لا أستطيع فهمه أبدًا! رغبتك، هدفك… لا معنى لهما! لا معنى لهما على الإطلاق!”
“حسنًا. سأقولها بوضوح حتى تسمعي أنتِ ووالدتكِ جيدًا، يا أيتها الحمقاء!”
بينما تضع بياتريس يديها على رأسها، اقترب منها سوبارو وأمسك بيديها الاثنتين.
“— ميلي!”
ومن فوقها، اقترب بوجهه إلى أن صار قريبًا لدرجة استطاع معها الشعور بأنفاسها المرتجفة.
“توقفي عن السماح لكتاب فارغٍ وعهدٍ مضى عليه أربعة قرون أن يتحكما بكِ. بياتريس، ما تريدين فعله الآن هو خيارك.”
نظراً بأنه ليس هناك جواب واضح حول من هذا الشخص، صار على بياتريس اختياره من تلقاء نفسها، قراراً زرعته الساحرة في قلب ابنتها بغرض إشباع فضولها، ودفع بياتريس إلى رحلة عزلة دامت أربعة قرون.
صمتت بياتريس، وظل سوبارو مستمراً في الحديث.
“أربعمائة عام… أليس هذا وقتًا أكثر من كافٍ لتمرّي بمرحلة تمرد واحدة على الأقل؟“
” – لماذا يعرف العدو عن نقطة الضعف تلك، يا ترى؟“
لا تزال بياتريس جالسةً على المقعد، وجهها منحرفٌ عنه بينما تُضَم يداها في قبضته.
لأنها كانت تحب والدتها، ظلت بياتريس مكبلةً بوحشتها وفراغها.
— هذا هو وحش الشياطين الذي رآه سوبارو يقتل بيترا ذات مرة. واسمه…
كان الأمر كما لو أنها لم تجد في هذا العالم كله شيئًا لتتمسك به سوى كلمات والدتها، كلمات لم يخالطها شكٌ منذ أربعة قرون.
ربما كانت إيكيدنا ترى في عذابات ابنتها النفسية وجبةً لذيذة فاخرة. لكن ماذا يبقى من قلب الإنسان عندما ينسى كيف يبكي، أو كيف يشعر بالرغبة في البكاء حتى؟ شعر سوبارو برغبةٍ حقيقية في الصراخ من أعماق قلبه.
بزئير مزلزل، اندفع غارفيل داخل القصر، وإلزا لا تزال معلقةً على الحائط، تاركاً خلفه غبار الحطام المتناثر. بدت ضرباته قويةً بما يكفي لتركها عاجزةً عن المقاومة. كل ما كان عليه فعله الآن هو كسر عنقها، تحطيم جمجمتها، وجرها على الجدار حتى تتحول إلى مجرد أشلاء. ثم سيعود لينضم إلى أصدقائه ويكمل المعركة —
كم مرة زار هذه الغرفة المألوفة للغاية ليقابلها بهذه الطريقة؟
لا تزال بياتريس جالسةً على المقعد، وجهها منحرفٌ عنه بينما تُضَم يداها في قبضته.
— وهكذا، اشتعلت ثلاث معارك في آن واحد. معركة قصر روزوال… قد بدأت.
توجه نظرها للأسفل، وشفتيها ترتجفان وهي تحدق في الكتاب الذي على حضنها.
“لا تجبرني على تكرار نفسي. هل مساعدتك ضرورية حقًا، يا ترى؟“
“بغض النظر عما تقوله… العهد هو العهد. والعهد مطلق… ولهذا السبب…”
“كلام كبير من فتاة تبحث عن ثغرةٍ في هذا العهد، ومستعدةٌ للموت ما دام ذلك لا ينتهك العهد في جوهره.”
تراجعت بياتريس عن نظراته الثاقبة حتى جعل تعليقه عيناها تتسعان من الدهشة.
بدا أنه قد أصاب عين الحقيقة.
لقد اعتمد سوبارو ورفاقه على طيبة قلبه في معركتهم ضدّه في “الملاذ“. لكن كيف ستؤثر هذه الشخصية الرقيقة على سير المعركة في القصر؟ لا أحد يمكنه التنبؤ بذلك.
بعد أن كشف أفكارها الداخلية بهذا الوضوح، ارتجفت وكأن طوفانًا من المشاعر اجتاحها، وبدأت الدموع تتلألأ في عينيها.
كان هناك واجبٌ واحدٌ متشابكٌ حول قلب بياتريس، يقيّدها على مدى أربعمائة عام، بينما ظلت صفحات إرث والدتها الفارغة تنحت قلبها ببطء.
إذا لم يكن هناك ما يمنعه، لأطلق غارفيل كل قوته المدمرة بالفعل. لذا كانت الأولوية القصوى هي إخراج بيترا والبقية من القصر أولاً. كان واثقًا أن فريدريكا ستتولى تأمين ريم وتلحق بالبقية في أقرب وقت.
بدا هذا طبيعي ، فقد سمع سوبارو تلك الهموم من شفتي بياتريس نفسها من قبل.
والآن، عبر الزمن والمسافات، عاد ليعوض عجزه السابق، وعن كل ما لم يستطع إيصاله.
عاد سوبارو ليقابل بياتريس مرة أخرى، وهذه المرة، لن يسمح لنفسه بتركها أبدًا.
ظهرت على شفتيها ابتسامة عابرة، تلك الابتسامة التي تحمل شوقًا لشيء غابر في أعماق الماضي.
“كلامك متناقض تمامًا، بياتريس. ألم تلاحظي ذلك؟ لا أصدق أنكِ لم تلحظي التناقضات. أنتِ ذكية بما يكفي.”
“ألّا يمكنكَ… أن تصمت، أتساءل؟“
ترددت الأصوات المريعة لتحطم العظام وابتلاع اللحم الدموي عبر أرجاء الممر.
“لا، لن أصمت. تريدين إنهاء العهد؟ حسنًا، لا بأس عندي. أنتِ من يكره التمسك بوعدك لدرجة أنكِ مستعدة للموت. لن يلومكِ أحد إذا قررتِ كسره.”
“أنا من ستلوم نفسها! لماذا لا تستطيع فهم ذلك؟!”
“أنتِ من لا يفهم. إذا كان الإيفاء بالعهد يعني موتك، فما عليكِ إلا كسره والبقاء على قيد الحياة. هذا ما سأفعله لو كنت مكانك. هل يبدو غريبًا أنني سأختار هذا الطريق؟“
“لقد كان لديكِ أربعمائة عام لتفهمي الأمر! لماذا الحل الوحيد الذي توصلتِ إليه متطرفٌ هكذا…؟! لماذا فكرتِ في خطة واحدة فقط؟ هناك الكثير من الأمور الأخرى التي أمكنك القيام بها، اللعنة!”
نظرت بياتريس، التي ظلت تتشبث بالعهد، إلى سوبارو كما لو كان كائنًا يتجاوز حدود فهمها.
ومع ذلك، لم يشعر سوبارو بأدنى تردد في نصح بياتريس بكسر عهدها.
بدا من المدهش لسوبارو أن يُنظر إليه بهذه الطريقة.
“نعم، هذا بالضبط.”
بالطبع كان يعلم أن الوفاء بالوعود أمرٌ مهم.
حتى الآن، لا تعلم ما الذي وجب قوله.
لقد وبخته إميليا أكثر من مرة لكسره وعوده، وتعلم هذا الدرس بعد تجارب مؤلمة. حتى شخص مثله بات يقدر أهمية إيفاء العهود.
نهض أوتو ومسح ركبتيه موجهاً سؤاله للجميع، باستثناء ريم النائمة. إذا كان على سوبارو التخمين…
ومع ذلك، لم يشعر سوبارو بأدنى تردد في نصح بياتريس بكسر عهدها.
شعر غارفيل براحة عندما أدرك أن الهدف الأول قد تحقق، إذ شعر بوجود فريدريكا تغادر الطابق العلوي. وفقاً لخطة سوبارو، كانت هناك أهداف أخرى…
“غارف!”
لقد شرح منطقه مسبقًا، ولم يحتج للتفكير مرتين.
“ك–كيف يمكنك أن تكون بهذا القدر من الجرأة والدهاء، أتساءل…؟“
“أعلم أنني شخص جريء، وقد تأملت فيما جلبه لي هذا الطبع من متاعبٍ ماضيه. ومع ذلك، لن أتراجع أبدًا في الأمور الهامة.”
ثم رآه.
لن يتزعزع جواب سوبارو. فقد تعلقت المسألة منذ البداية بقلب بياتريس.
“أوتو! خذ بيترا!”
بالتأكيد كان هناك خطة احتياطية في حال لم يحقق غارفيل النصر — خطة لإبقاء الجميع أحياءً حتى يلجئوا إلى الأمان في “الملاذ”. لكنه لم يكترث لذلك، فهذا غير مهم.
لم تستطع إخفاء صدمتها وارتباكها عندما أخبرها بتجاهل عهدها. وبدا هذا متوقعاً؛ ففي هذا العالم، تحمل العهود أهمية بالغة لدى الكائنات المعروفة بالأرواح.
استثار الغضب داخله بلا حدود. وحين تأمل الأمر، أدرك أن الأحداث المحيطة بالمعبد جعلته يواجه هذا الغضب مرة تلو الأخرى.
وسوبارو، الذي وقع في حب ساحرة أرواح، كان مدركاً تماماً لثقل هذه المسألة.
السعادة المأساوية التي شعرت بها بياتريس بعد أن بدت وكأنها قد وجدت دليلاً على حب والدتها بدت مشوهة ومزعجة. كانت هراءً لا أكثر.
فهم ذلك جيداً. ومع ذلك، أخبر بياتريس أن تعطي الأولوية لنفسها على عهدها.
حينما دوى ذلك الصوت الصارخ وسط الفوضى، بذل سوبارو كل ما في وسعه للامتثال. في اللحظة التالية، شعر بجسده يُسحب من مؤخرة عنقه. ثم أُلقي على الأرض بشكل غير متوقع، مما منحه هبوطًا أكثر نعومة.
“ل–لو كنت أنت… ذلك الذي كنت أنتظره… فربما…”
منذ أول مواجهة بينهما، أدرك أن هذه المرأة ليست خصمًا يمكنه التهاون معه.
وبينما ظل سوبارو بجانبها، نظرت إليه بياتريس وهزت رأسها ببطء، وكأنها ترفض بصدقٍ متردّد.
كان هناك واجبٌ واحدٌ متشابكٌ حول قلب بياتريس، يقيّدها على مدى أربعمائة عام، بينما ظلت صفحات إرث والدتها الفارغة تنحت قلبها ببطء.
كان اختيار كلماته سيئاً، واشتعل صدره بألمٍ بينما يتذكر التعبيرات الأخيرة التي رأى بياتريس تُظهرها، والتي بدت مليئة بالحزن والغضب.
‘ماذا كان عليّ أن أفعل بشكل مختلف؟‘
كان هذا الواجب هو السبب الأكبر الذي جعلها تتمسك بعهدها رغم كل العذاب.
لو أنها فقط أتمّت هذا الواجب، لتمكنت بياتريس أخيرًا من نيل حريتها.
“النساء والأطفال، ثم المسنون، ثم الرجال، وأخيرًا أوتو، أليس كذلك؟“
لهذا، نظرت بياتريس إلى عيني سوبارو السوداوين، كأنها تتشبث بهما، كأنها تسلّم قلبها إليهما.
“هل… يمكنك؟”
“أوه. هذا مثير للإعجاب. أنا مندهشة نوعًا ما من أن هجومنا لم يُسقط أحدًا.”
بصوتٍ متقطع، زفرت ببطء، وكأنها تحاول أن تغفر لنفسها.
“…لماذا؟ لماذا تشعرين بالراحة لأنك قد تُقتلين على يد شخص تعرفينه؟“
“هل… ستصبح ذلك الشخص من أجل بيتي؟”
بدا هذا الطلب بمثابة استغاثة، لإنهاء أربعة قرون من الفراغ الذي كابدته بياتريس.
” – لماذا يعرف العدو عن نقطة الضعف تلك، يا ترى؟“
تذكر سوبارو كلمات إيكيدنا.
ربما كانت إيكيدنا ترى في عذابات ابنتها النفسية وجبةً لذيذة فاخرة. لكن ماذا يبقى من قلب الإنسان عندما ينسى كيف يبكي، أو كيف يشعر بالرغبة في البكاء حتى؟ شعر سوبارو برغبةٍ حقيقية في الصراخ من أعماق قلبه.
هذا هو الردّ الذي طمحت ساحرة الجشع إليه.
“— رائع.”
نظراً بأنه ليس هناك جواب واضح حول من هذا الشخص، صار على بياتريس اختياره من تلقاء نفسها، قراراً زرعته الساحرة في قلب ابنتها بغرض إشباع فضولها، ودفع بياتريس إلى رحلة عزلة دامت أربعة قرون.
بينما تضع بياتريس يديها على رأسها، اقترب منها سوبارو وأمسك بيديها الاثنتين.
“لا، إنه مختلف الآن… في الماضي، كنت قد سلمت نفسي للموت.”
والآن، صار سؤال بياتريس ثمرة كل تلك السنين – نتاج كل ذلك الانتظار المرير.
وهي جالسةً على مقعدها المعتاد، ضمت الكتاب الأسود إلى صدرها بإحكام أكبر.
حبست بياتريس أنفاسها، بانتظار جوابه.
لهذا السبب صارت ثقة بياتريس الثابتة في والدتها ككائنٍ لا يمكن أن يخطئ تستفز سوبارو إلى أقصى حد.
وجاءها رد سوبارو ، بصوتٍ واضح وثابت، عاقدًا نظره في عينيها:
“أنت حقًا حمقاء… ليس هناك أيّ سبيل بحق الجحيم يجعلني أصبح ذلك الشخص الغبيّ الذي تنتظرينه.”
—
الإحباط والارتباك اللذان شعرت بهما منعاها من رفع صوتها فورًا. استغل سوبارو حيرتها ليزيد من هجومه عليها.
اندفع سوبارو بقوةٍ نحو الحائط، متألماً بشدة بينما ينهار على الأرض بفعل الصدمة.
ما زالت نوايا إيكيدنا الحقيقية حينما منحت بياتريس كتاب المعرفة لغزًا عصيًا على الفهم. لم يسقط احتمال أن توكل تلك الساحرة الماكرة بهذا الكتاب لتلهب فكرها وتدمر سكونها.
بعد أن اصطدم بقسوة بعمود في الممر، أطلق صرخة مكتومة وهو يتلوى على الأرض.
هز سوبارو رأسه بتجاعيد على جبينه، مفكرًا في كيفية توزيع قواتهم في أرجاء القصر.
“آآآه… لا أستطيع التصديق…! تلك الحمقاء… كنا في منتصف حديثنا…!!”
“…ريوزو”
بابتسامة خافتة، نطقت بياتريس بتلك الكلمات وكأنها شكلٌ من أشكال الخلاص.
ومع رؤيته للباب يُغلق أمامه مباشرة، قفز سوبارو بسرعة ليحاول فتحه، لكن ما إن فعله، لم يجد أمامه سوى غرفة ضيافة عادية. لقد فُعَّلت آلية الانتقال، وبذلك مُنع سوبارو مرة أخرى من الوصول إلى أرشيف الكتب المحرمة.
بمجرد أن أعلن بصدق عما في قلبه، وُصد الباب أمامه.
رغم تلك المواجهة المريبة وإحاطتهم بوَحوشٍ شيطانية، حافظ سوبارو على حديثٍ أشبه بالمحادثة العادية مع ميلي. مقارنةً بإلزا، كانت ميلي تُعتبر تحسناً طفيفاً – فهي على الأقل لا تتخذ من أمعائه هدفاً لأحاديثها. لكن مع ذلك، لم تتأثر بمحاولاته للإقناع، فبينما يتبادلان الحوار الوديّ، شعر سوبارو بالوحوش الشيطانية تقترب منهم ببطء.
لمعت عينا بيترا وهي تتأمل الخادمة الأكبر التي ابعدت شعرها بلطف، ماسحةً الأوساخ عن خدها.
“لا يزال لدي المزيد لأقوله… تباً لتلك الطفلة سريعة الغضب…!”
انفجرت.
كان اختيار كلماته سيئاً، واشتعل صدره بألمٍ بينما يتذكر التعبيرات الأخيرة التي رأى بياتريس تُظهرها، والتي بدت مليئة بالحزن والغضب.
لم يقل لبياتريس كل ما أراد قوله، وإذا لم يجد طريقاً سريعاً للعودة إلى أرشيف الكتب المحرمة —
بمجرد أن أعلن بصدق عما في قلبه، وُصد الباب أمامه.
بينما صاح سوبارو باسمها، عقدت ميلي شفتيها بضيق بسبب فشلها في إبهارهم بما كان من المفترض أن يصير ظهورها العظيم. وللأسف، لم يكن لدى سوبارو والبقية أي سبب لمجاملتها.
“— السيد ناتسكي؟!”
عندما رآها لم تتحرك، قرر غارفيل اتخاذ الخطوة الأولى بنفسه.
“أوه. هذا مثير للإعجاب. أنا مندهشة نوعًا ما من أن هجومنا لم يُسقط أحدًا.”
جاءه صوت أوقفه بينما يستعد للركض بحثاً عن الأرشيف. وعندما استدار ليرى مَن وراءَه، وقعت عيناه على شخصٍ يطل عليه من الغرفة المجاورة.
“افعلوا ذلك. سأنضم إليكم بعد أن أمنح هذه الفتاة درساً لا يُنسى”
لم يكن سوى أوتو، الذي رافق سوبارو إلى القصر، والذي من المفترض أن يتحرك بشكل مستقل. وكما رأى أوتو هناك، أخرجت بيترا أيضاً رأسها من خلفه لترى ما الذي يحدث. اتسعت عينا سوبارو دهشة وهو يدرك الوضع.
“تباً، أنتم… لماذا لا تزالون في القصر؟! كان من المفترض أن تفتحوا الأبواب في الطابق الأول وتغادروا مباشرةً، أليس كذلك؟“
“لا أعرف! ربما الوحوش التي ظهرت هنا كانت استثناءً، لكن على أية حال، إذا افترضنا أن هذه الوحوش الشيطانية قد ظهرت في جميع أنحاء القصر، فإن الوصول حتى إلى غرفة الماركيز سيصبح…”
بينما سوبارو غارقٌ في أفكاره، ظهرت ظلال سوداء تطير باتجاهه في الممر المضاء بضوء القمر، قبل أن تصير أمامه مباشرة.
“هذا صحيح، لكن للأسف، ظهرت مشكلة داخل القصر…”
رغم دهشته من اللقاء غير المتوقع، شحب وجه سوبارو عندما أخبره أوتو أن هناك مشكلة قد حدثت.
ولكن إذا لم يكن ذلك صحيحًا بالضرورة… إذا كان هناك احتمال آخر، إذن —
“بالطبع سأفعل! اللحظات التي أستطيع أن أضع فيها كامل ثقتي بها تعدّ على أصابع اليد! والدتي هي الشخص نفسه الذي سمع ذات يوم أن قمرًا صناعيًا يسقط في ‘الغلاف الجوي‘ واعتقدت أن ذلك يعني سقوطه في ‘محافظة آيتشي‘! ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أثق بأي خبر يخرج من فمها! كان الأمر محرجًا للغاية حينما كررت تلك الحماقة على مسامع الآخرين!”
كان ضمان مسار للهروب من القصر واستخدامه لتجنب الأعداء هو جوهر خطتهم. ولهذا السبب، عَهِدَ سوبارو بهذه المهمة إلى أوتو. فإذا وجد أوتو نفسه المهمة صعبة، فلا خيار سوى قبول استحالتها.
بدا من المدهش لسوبارو أن يُنظر إليه بهذه الطريقة.
“ماذا حدث؟ بشكل مختصر، من فضلك.”
“آه!! انتظري لحظة! أنا ممتن لأنكِ أنقذتِ حياتي، لكن ما هذا التعامل الخشن؟!”
“للأسف، بيتي لديها قلب. بعد أن انتظرت طويلاً حتى تلاشى كل أمل وثقة، أتت بعض الأفكار بلا إرادة. هل كانت هذه مخاوف وهموم، يا ترى؟ كثيرًا ما اجتمعتُ مع ذكرياتي وتعلقتُ بها، قلقةً من أنني قد أنسى وجه أمي أو ابتسامتها يومًا ما.”
“أعتقد أن هذا من عمل سيد الوحوش الذي تحدثت عنه. لقد امتلأ القصر بالفعل بوحوش شيطانية.”
استثار الغضب داخله بلا حدود. وحين تأمل الأمر، أدرك أن الأحداث المحيطة بالمعبد جعلته يواجه هذا الغضب مرة تلو الأخرى.
“يعني هذا أن ميلي هنا، أليس كذلك… لكن من المفترض أن تُؤخذ بالحسبان بالفعل.”
لأنها كانت تحب والدتها، ظلت بياتريس مكبلةً بوحشتها وفراغها.
لمسة من الغموض جعلت التجاعيد تزداد عمقاً على جبين سوبارو بينما يلتقط بيان أوتو بهمس.
لإخراج الجميع بأمان من القصر، كان على غارفيل أن يظل في أقوى حالاته، قادرًا على مواجهة التهديد الأشد.
بالتأكيد، عندما يتعلق الأمر بالاختفاء، يوفر أرشيف الكتب المحرمة العديد من المزايا. ومع ذلك، رأى سوبارو بنفسه في محاولات سابقة أن هذه المزايا ليست مطلقة.
كان المهاجمان – إلزا صائدة الأحشاء وميلي سيدة الوحوش – أشبه بشقيقتين في فنون الذبح.
الخطر الذي تشكله إلزا واضح بشكل مؤلم، لكن السيطرة التي تمتلكها ميلي على الوحوش الشيطانية لا يمكن الاستهانة بها إذا أرادوا الخروج من هذا الموقف بسلام. ولهذا، كان سوبارو قد جهّز خطة مضادة —
— هذا هو وحش الشياطين الذي رآه سوبارو يقتل بيترا ذات مرة. واسمه…
—
“— لكن هناك وحوش شيطانية لا تتأثر على الإطلاق بأحجار طرد الوحوش!!”
حتى في الظلام، استطاع سوبارو أن يرى وجه بيترا يحمرّ وهي تصرخ، متشبثةً بحجر أزرق متوهج — حجر مضيء لطرد الوحوش الشيطانية. كان هذا ما جهزه سوبارو والآخرون لتحييد أثر سيدة الوحوش.
“— تأكد من ألا تفلتها!!”
“…يبدو أن أختي قد بدأت طريقها. والباقي على عاتق القائد.”
“انتظري، حقاً؟! كنت متأكداً أن هذه الأحجار ستبقيهم بعيداً، كما حدث خلال حادثة أورغاروم… لماذا لا يعمل؟!”
“لا أعرف! ربما الوحوش التي ظهرت هنا كانت استثناءً، لكن على أية حال، إذا افترضنا أن هذه الوحوش الشيطانية قد ظهرت في جميع أنحاء القصر، فإن الوصول حتى إلى غرفة الماركيز سيصبح…”
منذ أول مواجهة بينهما، أدرك أن هذه المرأة ليست خصمًا يمكنه التهاون معه.
صعباً للغاية. ترك أوتو هذه الكلمات غير مُعلنة وهو يكمل شرحه عن كيف انقلبت الأمور فجأة ضدهم. وبعد ذلك —
“—؟؟!”
بالطبع كان يعلم أن الوفاء بالوعود أمرٌ مهم.
شعر سوبارو بضربة تأتي من تحت قدميه، مستعيرةً انتباهه على الفور. سرعان ما لاحظ أن هناك تموجاً غريباً أسفل السجادة الحمراء التي تغطي أرضية الممر. بدأت السجادة بالانتفاخ أكثر، ثم —
هزت بيترا رأسها، شاحبة الوجه، متوسلةً لسوبارو. فجأةً أدرك الحقيقة؛ لقد خمن بالفعل ما كان أوتو سيقوله.
انفجرت.
تمتمت إلسا بدهشة وهي منحنية لأسفل، إحدى يديها على الأرض، غير مصدقة ما رأت. تمكن غارفيل من صد سيف الكوكري* خاصتها بأنيابه، ووسط نظرتها المندهشة، حطم النصل في قضمة واحدة ثم بصق ما تبقى منه.
ارتجافات وتشوّهات الممر كانا مجرد إنذار.
فالعرض الحقيقي للدمار يحدث في الطابق السفلي، مسببًا انهيار الجناح الغربي بالكامل، جارفًا معه الممر الذي وقفوا فيه. تكسر الزجاج، وتناثرت العوارض الخشبية، وبدأ القصر بأكمله يئن تحت وطأة الضغط.
“آه!! انتظري لحظة! أنا ممتن لأنكِ أنقذتِ حياتي، لكن ما هذا التعامل الخشن؟!”
تحدثت ، بنبرة حازمة مليئة بالتحدي.
بينما فقد سوبارو توازنه، وجد جسده فجأة يطفو في الهواء. وبدافعٍ غريزي، مد يده وسحب جسدًا صغيرًا نحوه. وفيما يسقط نحو مركز الحفرة، حاول حماية الطفلة الصغيرة الملتصقة بصدره قبل الاصطدام بالأرض.
تلك الابتسامة الغريبة والمثيرة للريبة أشعلت النار في صدر سوبارو حتى اشتعل غضباً.
قضى شهرين في قصر روزوال على هذا النحو، وخلال ذلك الوقت، تشاجر هو والفتاة – بياتريس – وتجادلا مرات عديدة، وتعاملا بأسلوب طفولي تمامًا.
“— تأكد من ألا تفلتها!!”
بينما سوبارو غارقٌ في أفكاره، ظهرت ظلال سوداء تطير باتجاهه في الممر المضاء بضوء القمر، قبل أن تصير أمامه مباشرة.
“آنسة فريدريكا!”
حينما دوى ذلك الصوت الصارخ وسط الفوضى، بذل سوبارو كل ما في وسعه للامتثال. في اللحظة التالية، شعر بجسده يُسحب من مؤخرة عنقه. ثم أُلقي على الأرض بشكل غير متوقع، مما منحه هبوطًا أكثر نعومة.
شعر بخده يلامس العشب. وعندما تفحّص المكان، وجد أنه قد تدحرج إلى الفناء الأخضر المفتوح خارج القصر.
تحدثت القاتلة وهي تصد مخالبه الوحشية بسكينها، ثم قفزت للخلف، مبتعدةً مسافة كبيرة. تبعها غارفيل، محولاً ساحة المعركة إلى جزء أعمق من القصر، ليفتح الطريق نحو الأميرة النائمة – ريم.
“ما الذي حدث للتو…؟“
أمام خصم بهذه القوة، حيث الأساليب العادية بدت عديمة الفائدة، التفت غارفيل بنظرة خاطفة إلى الوراء. كانت هناك امرأة بعيون زمردية – فريدريكا – تتابع القتال بجمود.
“آنسة فريدريكا!”
“ك–كيف يمكنك أن تكون بهذا القدر من الجرأة والدهاء، أتساءل…؟“
عندما هز سوبارو رأسه ليستفيق من دواره، قفزت بيترا من بين ذراعيه، مركزةً نظرتها على شخص يتطاير شعره الذهبي الجميل مع الريح؛ فريدريكا.
“هيهيهي. لا، لا يمكنك خداعي.”
“حقًا… لكان من الأفضل لو كانت بيتي مجرد كتاب.”
لمعت عينا بيترا وهي تتأمل الخادمة الأكبر التي ابعدت شعرها بلطف، ماسحةً الأوساخ عن خدها.
“حتى لو كانت حالة طارئة، أرجو أن تعذروا تصرفي غير اللائق. فريدريكا باومان قد عادت.”
“توقفي عن السماح لكتاب فارغٍ وعهدٍ مضى عليه أربعة قرون أن يتحكما بكِ. بياتريس، ما تريدين فعله الآن هو خيارك.”
“فريدريكا!!”
الخطر الذي تشكله إلزا واضح بشكل مؤلم، لكن السيطرة التي تمتلكها ميلي على الوحوش الشيطانية لا يمكن الاستهانة بها إذا أرادوا الخروج من هذا الموقف بسلام. ولهذا، كان سوبارو قد جهّز خطة مضادة —
“فريدريكا!!”
بينما طغت العاطفة على بيترا، ألقت نفسها نحو فريدريكا التي ابتسمت بلطف وهي تحتضن تلميذتها الصغيرة وتضمها إلى صدرها بحنان. نتيجة لذلك، انطرح أوتو، الذي كانت فريدريكا تدعمه، على الأرض بشكل غير لائق.
بدا هذا الطلب بمثابة استغاثة، لإنهاء أربعة قرون من الفراغ الذي كابدته بياتريس.
“آه!! انتظري لحظة! أنا ممتن لأنكِ أنقذتِ حياتي، لكن ما هذا التعامل الخشن؟!”
عض غارفيل على أنيابه وهو ينادي شقيقته المترددة. لكن فريدريكا بدت بطيئة الاستجابة، وظلت أقدامها كأنها مغروسة في الأرض، وليس ذلك ضعفًا منها بقدر ما هو رهبة من مستوى المعركة أمامها.
“أنا — أعتذر بشدة، سيد أوتو. لقد كانت أولوياتي مختلفة بعض الشيء…”
عندما حاول سوبارو الاقتراب خطوة أخرى، رفضته بياتريس بصوت منخفض.
“النساء والأطفال، ثم المسنون، ثم الرجال، وأخيرًا أوتو، أليس كذلك؟“
حاليًا، كان هدفهم الوصول إلى مكتبة روزوال، حيث يوجد مخرج سري يؤدي إلى الخارج، مخفي خلف رف الكتب في الغرفة. سيتيح لهم ذلك تجاوز الوحوش الشيطانية المحيطة بالقصر.
“فريدريكا؟ ما الذي…؟ وااااه!”
“هل طُردتُ حتى من فئة الرجال؟!”
انطلق غارفيل بصيحة غاضبة، قاطعاً الصوت المثير، مطلقاً قبضته الهائلة التي اندفعت كالعاصفة، متجاوزةً رأس خصمه لتخترق الحائط خلفها. حاولت المرأة استغلال الفرصة للانزلاق نحو نقطة عمياء من محيطه قبل أن يقابلها مجدداً بهجومٍ قاتلٍ آخر.
مع تجاهل تذمرات أوتو، تأكدت المجموعة سريعًا من أنهم بخير. بفضل فريدريكا، تم إنقاذ الجميع من القصر بسلام، ولم يقتصر ذلك على سوبارو، وأوتو، وبيترا فحسب.
“فريدريكا؟ ما الذي…؟ وااااه!”
“سيد سوبارو — لقد أحضرتُها كما طلبتَ.”
ضربة واحدة حطمت زجاج نافذة، وأخرى مزقت الأرضية، فيما مزقت الصدمات لوحة كانت تزين الجدار. الصوت المثير الذي تسلل إلى أذن الوحش الذهبي المفترس بدا مشبعاً بمتعة دامية، مستمتعاً بمشهد القتال الذي يعج بالحياة والموت.
بينما تحتضن بيترا، استدارت فريدريكا لتُرِي سوبارو ما قصدَته. هناك، رُبطت الفتاة النائمة، ريم، بأمان بملاءة سرير على ظهر فريدريكا. تجمد سوبارو في مكانه، واحتبست أنفاسه لوهلة.
“آه، سوبارو، عذراً، بذلت قصارى جهدي، لكن لم ينفع الأمر…”
ولكن سرعان ما استبدلت هذه الجدية براحة وامتنان.
“ابتعدوا!”
كانت تمسك بكتاب المعرفة الذي ورثته من والدتها، بصفحاته التي صارت خاوية من النبوءات.
“لقد فعلتِها… شكرًا لكِ… شكرًا حقًا على إخراجها بسلام.”
“هذا فقط الطبيعي لفعله. لكن لدينا مشكلة ملحّة علينا التعامل معها…”
لقد اعتمد سوبارو ورفاقه على طيبة قلبه في معركتهم ضدّه في “الملاذ“. لكن كيف ستؤثر هذه الشخصية الرقيقة على سير المعركة في القصر؟ لا أحد يمكنه التنبؤ بذلك.
مرر سوبارو إصبعه بلطف على وجنة ريم النائمة، بينما ينظر بامتنان شديد نحو فريدريكا ليعبر عن شكره. ثم حوّل نظره إلى الجناح الغربي من القصر، الذي بدا محطّمًا بشكل مذهل.
بدت درجة الدمار توازي صدمة مركبة ضخمة في المبنى، وإن كان هذا التشبيه ليس بعيدًا عن الواقع. والفرق الوحيد هو أنه بدلًا من مركبة —
“بالنسبة للوحوش الشيطانية العادية، سيعمل الحجر بشكل جيد! حتى الآن، الحجر غير فعال فقط ضد وحش واحد. طالما أن ذلك الوحش ليس…”
“— ما هذا؟“
لم يستطع سوبارو تجاهل الاحتمال بأن غارفيل قد يرحم خصمه بدلاً من أن يرحم نفسه، فتنقلب مشاعره النبيلة ضدّه وتُفقده قوته في اللحظات الحاسمة.
نهض أوتو ومسح ركبتيه موجهاً سؤاله للجميع، باستثناء ريم النائمة. إذا كان على سوبارو التخمين…
استثار الغضب داخله بلا حدود. وحين تأمل الأمر، أدرك أن الأحداث المحيطة بالمعبد جعلته يواجه هذا الغضب مرة تلو الأخرى.
“يبدو لي كأنه فرس نهر ضخم.”
جاءه صوت أوقفه بينما يستعد للركض بحثاً عن الأرشيف. وعندما استدار ليرى مَن وراءَه، وقعت عيناه على شخصٍ يطل عليه من الغرفة المجاورة.
الكائن الذي رأوه كان عملاقًا. لونه وجلده بدوا مثل الصخور، وأطرافه الأربعة ضخمة وثقيلة كأحجار الطاحونة. كان له وجهاً مرعباً، وعينان حمراوان متقدتان بالعداء، وقرن مكسور يبرز من أنفه. علاوة على ذلك، جلست فتاة صغيرة على ظهر الوحش.
لذلك،حتى الآن، هي وحدها، تتوارى في أرشيف الكتب المحرمة، غير قادرة على المغادرة.
“أوه. هذا مثير للإعجاب. أنا مندهشة نوعًا ما من أن هجومنا لم يُسقط أحدًا.”
تحدثت الفتاة الصغيرة، التي تأرجح ساقيها على ظهر الوحش العملاق، بصوت يملؤه التسلية. رنة كلماتها القاسية البريئة مألوفة لسوبارو— ولبيترا كذلك.
“أعتقد أن هذا من عمل سيد الوحوش الذي تحدثت عنه. لقد امتلأ القصر بالفعل بوحوش شيطانية.”
مرتديةً ملابساً سوداء، وشعرها الأزرق العميق مربوط في جديلة —
لقد شرح منطقه مسبقًا، ولم يحتج للتفكير مرتين.
“— ميلي!”
هذه الانتقادات لقدرات انتقالها عبر الأبواب، وهو أساس ثقتها، جعلت بياتريس ترفع حاجبيها بتعبير غير راضٍ.
بلمح البصر، انخفض وحش الشياطين — غيلتراو — موجهًا نفسه نحو المجموعة…
“أوه؟ لا يبدو أن أياً منكم مندهش حقًا. هذا محبط قليلاً.”
“كلام كبير من فتاة تبحث عن ثغرةٍ في هذا العهد، ومستعدةٌ للموت ما دام ذلك لا ينتهك العهد في جوهره.”
تلقى أوتو الأوامر وانطلق مع بيترا. سوبارو، حاملاً ريم على ظهره، متقدماً نحو مدخل القصر من الفناء.
بينما صاح سوبارو باسمها، عقدت ميلي شفتيها بضيق بسبب فشلها في إبهارهم بما كان من المفترض أن يصير ظهورها العظيم. وللأسف، لم يكن لدى سوبارو والبقية أي سبب لمجاملتها.

“تدميرك لهذا القصر هو مسألة كبرى حقاً! ما الذي تعتقدين أنكِ تفعلينه؟!”
ومنذ تلك الواقعة، منذ أن كان في سنٍ صغيرة، علّمته الحياة أن يصبح أكثر حذرًا وألّا يأخذ أقوال والديه على أنها حقائق لا تحتمل النقاش.
“آسف، لكن يبدو أني لن أتمكن من استعراض مهاراتي أمامك الآن. القائد كلفني بمهمة الحفاظ على سلامتك، لذا من فضلك.”
“حسناً، لم أستطع العثور على الخادمتين المستهدفتين، لذا طلبت من ‘خنزير الصخور’ أن يُساعدني. وبفضله، انتهى بي الأمر بالعثور عليكم جميعاً، أليس كذلك؟”
الكائن الذي رأوه كان عملاقًا. لونه وجلده بدوا مثل الصخور، وأطرافه الأربعة ضخمة وثقيلة كأحجار الطاحونة. كان له وجهاً مرعباً، وعينان حمراوان متقدتان بالعداء، وقرن مكسور يبرز من أنفه. علاوة على ذلك، جلست فتاة صغيرة على ظهر الوحش.
لم يبدُ على ميلي أدنى أثر للندم وهي تلمس خدّها، كأنها تُقيّم فريستها بعينٍ باهتة. كانت تلك أقصر الطرق لاستدراجهم، لكنها كادت تُبيدهم جميعاً لولا وجود فريدريكا.
“— رائع.”
لقد اعتمد سوبارو ورفاقه على طيبة قلبه في معركتهم ضدّه في “الملاذ“. لكن كيف ستؤثر هذه الشخصية الرقيقة على سير المعركة في القصر؟ لا أحد يمكنه التنبؤ بذلك.
“لكنكم أدهشتموني حقاً. ظننت أن هذه المهمة ستكون سهلة، والآن انقلب كل شيء رأساً على عقب.”
“أهكذا إذن؟ إذا كنتم متأخرين عن الجدول، فعليكِ إبلاغ قائدكِ وانتظار التعليمات. لو اعتمدتِ على حكمكِ الخاص في الموقع، لا يُمكن توقّع حجم الكوارث التي قد تحدث.”
كانت القاتلة الجميلة تبتسم، تقبض على سكين الكوكري بكلتا يديها، وجزء من جسدها العلوي ملطخ بالدماء.
“هيهيهي. لا، لا يمكنك خداعي.”
“هل تنوي إهانة والدتي، أتساءل؟! والدتي لم تكن لتفعل مثل هذا الخطأ السخيف أبدًا — “
رغم تلك المواجهة المريبة وإحاطتهم بوَحوشٍ شيطانية، حافظ سوبارو على حديثٍ أشبه بالمحادثة العادية مع ميلي. مقارنةً بإلزا، كانت ميلي تُعتبر تحسناً طفيفاً – فهي على الأقل لا تتخذ من أمعائه هدفاً لأحاديثها. لكن مع ذلك، لم تتأثر بمحاولاته للإقناع، فبينما يتبادلان الحوار الوديّ، شعر سوبارو بالوحوش الشيطانية تقترب منهم ببطء.
“…أفهم أن هناك غرباء اقتحموا القصر، على ما يبدو. ومع ذلك، لماذا يجب على بيتي أن تتورط في هذا الصراع؟ من يرغب في القتال في الوحل، فليفعل كما يشاء”
لقد نجحوا بالخروج من القصر بالفعل، لكن لم يكن هذا فراراً حقيقياً؛ إذ لا يزالون محاصرين بتلك الكائنات – بل إن وضعهم صار أكثر خطورة من ذي قبل.
“أوه؟ لا يبدو أن أياً منكم مندهش حقًا. هذا محبط قليلاً.”
“أشعر بالأسف على إلزا، لكنني سآخذ كل الخادمات لنفسي. آه، لا داعي للقلق، سألطف ببيترا. فنحن صديقتان، أليس كذلك؟”
ثم رآه.
“يـ – يا للسعادة، كم أنا سعيدة… بما أننا صديقتان، فهذا يعني أنكِ ستتركيننا نذهب، أليس كذلك؟”
تحدثت القاتلة وهي تصد مخالبه الوحشية بسكينها، ثم قفزت للخلف، مبتعدةً مسافة كبيرة. تبعها غارفيل، محولاً ساحة المعركة إلى جزء أعمق من القصر، ليفتح الطريق نحو الأميرة النائمة – ريم.
“هيهيهي. بالطبع نحن صديقتان. لهذا سنتعايش بسعادة حتى النهاية، أليس كذلك؟”
اشتعلت قوته كسعير في أعماق جوفه.
ولأن هجوم غارفيل لم يترك أي ثغرات، على غرار الجدار الذي يحمله، اختارت إلزا التقدم بدلاً من التراجع. وبرشاقة تفوق الوصف، قللت من حجم الضرر الذي تعرضت له، بينما راحت شفراتها السوداء خلفها تنسلُّ كظل الموت ذاته نحو عنقه.
“آه، سوبارو، عذراً، بذلت قصارى جهدي، لكن لم ينفع الأمر…”
صرخت بياتريس، على وشك البكاء، بينما تشوه وجهها.
بدت طريقتها في فهم الصداقة مختلفة تماماً. حاولت بيترا بشجاعة التفاوض، لكن المحاولة باءت بالفشل. ميلي، رغم صغر سنها، نُسجت بالفعل على قيم قاسية تحمل بصمة قاتل مأجور؛ فمعاييرها الأخلاقية تشوّهت عميقاً، لا فرق عندها بين الخير والشر. لن يجدوا موطئاً مشتركاً معها.
“ل–لو كنت أنت… ذلك الذي كنت أنتظره… فربما…”
“سيد سوبارو…”
ثم رآه.
“فريدريكا؟ ما الذي…؟ وااااه!”
نظرت بياتريس، التي ظلت تتشبث بالعهد، إلى سوبارو كما لو كان كائنًا يتجاوز حدود فهمها.
فجأة، وقبل أن يستطيع سوبارو التفكير في خطة للهروب، وقفت الخادمة الأكبر سنًا أمامه مباشرة، فيما لا تزال ريم محمولةً على ظهرها. لم تُجب فريدريكا على ندائه؛ بل بدأت بفك العقد الذي يُثبت ريم، محررةً إياها. سارع سوبارو لالتقاط جسد ريم النائم قبل أن يسقط.
“سأقوم بتقديم ضيافة خاصة لتلك الفتاة – تلك القاتلة. وخلال ذلك، عليكم جميعاً أن…”
أصابعها التي مدتها نحوها تم إبعادها، حتى عندما نادت باسم الفتاة بحب.
تحدثت ، بنبرة حازمة مليئة بالتحدي.
بينما كانت تهمس، قلبت بياتريس صفحات الكتاب بعناية بأصابعها الرفيعة، وكأنها تعتقد أن هذه الصفحات النظيفة تمثل مجموع السنوات الطويلة التي قضتها.
“سيدة فريدريكا! لا!”
صمتت بياتريس، وظل سوبارو مستمراً في الحديث.
تمسكت بيترا بفريدريكا التي أعلنت بكل شجاعة عزمها أن تصبح الحامية المتأخرة للمجموعة. لم يستطع سوبارو سوى الصمت، بينما تلتفت فريدريكا بهدوء إلى الخادمة الشابة التي رفضت ترك خصرها.
“مدخك لاا يثعدني، تباًلك!”
ومع رؤيته للباب يُغلق أمامه مباشرة، قفز سوبارو بسرعة ليحاول فتحه، لكن ما إن فعله، لم يجد أمامه سوى غرفة ضيافة عادية. لقد فُعَّلت آلية الانتقال، وبذلك مُنع سوبارو مرة أخرى من الوصول إلى أرشيف الكتب المحرمة.
“توقفي، سيدتي فريدريكا! هذا تماماً كما حدث من قبل… لقد التقينا للتو مجدداً، و…”
لكنها لم تستطع. ولذلك غمر الحزن قلبها.
“لا، إنه مختلف الآن… في الماضي، كنت قد سلمت نفسي للموت.”
وهي جالسةً على مقعدها المعتاد، ضمت الكتاب الأسود إلى صدرها بإحكام أكبر.
بينما فقد سوبارو توازنه، وجد جسده فجأة يطفو في الهواء. وبدافعٍ غريزي، مد يده وسحب جسدًا صغيرًا نحوه. وفيما يسقط نحو مركز الحفرة، حاول حماية الطفلة الصغيرة الملتصقة بصدره قبل الاصطدام بالأرض.
“—!”
“هيهيهي. لا، لا يمكنك خداعي.”
“لكن، تغير الكثير. بعد مرور عشر سنوات، التقيت مجددًا بـ غارف… بشقيقي الأصغر. وأنتِ، خادمتي الصغيرة التي لا أستطيع وصف مدى جمالها. لم أشعر من قبل بهذا القدر من السعادة. لهذا السبب، أرفض أن أُهزم هنا.”
في الوقت القصير الذي قضته الفتاتان معًا، كانت قد شكلت بلا شك رابطًا مع ريوزو ماير، الفتاة التي أصبحت تضحية لحماية الملاذ – وهو شيء جرح قلب بياتريس حتى يومنا هذا.
مع تجاهل تذمرات أوتو، تأكدت المجموعة سريعًا من أنهم بخير. بفضل فريدريكا، تم إنقاذ الجميع من القصر بسلام، ولم يقتصر ذلك على سوبارو، وأوتو، وبيترا فحسب.
تحدثت فريدريكا إلى بيترا بينما تربت بلطف على رأسها، وعندما رأت الأخيرة العزيمة في عيني فريدريكا الزمرّدية عن قرب، توقفت عن الاعتراض، ولكن بالتأكيد، فهمت أن هذه الكلمات لم تكن عبثاً غرضه الطمأنينة. المرأة التي كانت تنظر إليها بتقدير كبير، أبت أن تتنازل عن مبادئها، وباتت مستعدة لتواجه قدرها بكل قوة. لقد كانت حقاً شقيقة غارفيل.
من أعماق الممر، حيث يشحُّ ضوءُ القمر، ارتفعت مخالب وحشية ضخمة، ممزقةً الأجنحة عن الفئران ذات الأجنحة السوداء، تاركةً إياها تتساقط كالهشيم العاجز على السجاجيد، مضرجة بالدماء السوداء الداكنة. وأخيرًا، امتدت فكوك ضخمة لالتهام أجسادها، ماضغةً إياها بعنف.
“فريدريكا! سنتوجه إلى غرفة روزوال!”
عندما رأت المرأة – إلزا – الهجوم المقترب، أطلقت تنهيدة إعجاب مثيرة، إذ بدت أمامها ضربه بحجم مئة ضعف قبضة اليد.
لم يستطع إلا أن يحدق في دهشة وهو يرى يقين بياتريس يزداد وضوحًا. جاء المهاجمون إلى القصر بتوجيهات من روزوال، وبدا من الضروري التغلب على قدرات بياتريس في الانتقال لتحقيق أهدافهم.
“افعلوا ذلك. سأنضم إليكم بعد أن أمنح هذه الفتاة درساً لا يُنسى”
بعدما انفصلوا عن فريدريكا، ركض سوبارو ورفاقه بسرعة نحو الجناح الرئيسي للقصر، متجهين إلى أعلى طابق.
في الوقت القصير الذي قضته الفتاتان معًا، كانت قد شكلت بلا شك رابطًا مع ريوزو ماير، الفتاة التي أصبحت تضحية لحماية الملاذ – وهو شيء جرح قلب بياتريس حتى يومنا هذا.
أعطت فريدريكا جواباً رشيقاً بعد أن ثبت سوبارو ريم على ظهره، متأهبةً للمعركة الوشيكة. غارفيل ضد إلزا؛ فريدريكا ضد ميلي — كان وجود أخوي الوحوش في مواجهة الأخوات القاتلات أفضل نهاية قد يتمنونها. الآن، ما عليهم سوى النجاة من هذا الهجوم.
“…ماذا… تنوين فعله؟”
“بالطبع فكرتُ في ذلك! حاولت بيتي التحقق مرارًا وتكرارًا مما إذا كان هناك شيء ما على تلك الصفحات الفارغة… لكن لم يتغير شيء أبدًا!”
“أوتو! خذ بيترا!”
انفجرت.
“أوه. هذا مثير للإعجاب. أنا مندهشة نوعًا ما من أن هجومنا لم يُسقط أحدًا.”
“عُلم وينفذ!”
“كنت متأكدًا أنكِ ستقولين ذلك، لكن ليس لدي وقت للنقاش المطول. سأخرجك معي من هنا، بغض النظر عن رأيك.”
تلقى أوتو الأوامر وانطلق مع بيترا. سوبارو، حاملاً ريم على ظهره، متقدماً نحو مدخل القصر من الفناء.
لماذا؟ كان هناك شيء ما يقلق سوبارو باستمرار – ذلك وأنها بدت وحيدة دائمًا. حتى الآن، يعتبر تلك الأيام واللحظات التي قضياها معًا شيئًا لا يُعوض، رابطًا غير مرئي يجمعهما.
“هيي، انتظروا لحظة…! لا تتخذوا القرارات بمفردكم هكذا! بيتراااا!”
“آه، سوبارو، عذراً، بذلت قصارى جهدي، لكن لم ينفع الأمر…”
رؤيتها لسوبارو وجماعته يهربون جعل ميلي تصرخ من أعلى وحشها الشيطاني. بعينين دامعتين، ردت بيترا وهي تمد لسانها بسخرية نحو ميلي.
بدت طريقتها في فهم الصداقة مختلفة تماماً. حاولت بيترا بشجاعة التفاوض، لكن المحاولة باءت بالفشل. ميلي، رغم صغر سنها، نُسجت بالفعل على قيم قاسية تحمل بصمة قاتل مأجور؛ فمعاييرها الأخلاقية تشوّهت عميقاً، لا فرق عندها بين الخير والشر. لن يجدوا موطئاً مشتركاً معها.
كانت بياتريس تؤمن بأمها إيمانًا عميقًا، إيمانًا جعلها عاجزةً عن تصور أن الأم التي أحبتها واحترمتها ستلقي بها في بئرٍ من الوحدة عمداً. ورغم ذلك، هزت رأسها بعناد. حينما وقفت بين الإيمان الأعمى والمحبة الراسخة، اختارت أن تتشبث بإيمانها.
“بلاااع!”
كلمات الوداع التي قالتها الفتاة بدت مليئة بالحنان، مليئة بسعادة وعزيمة في عينيها الممتلئتين بالدموع؛ وعند رؤيتها لذلك، تلاشى الصوت في حلقها.
بذلك، فرّ سوبارو والبقية نحو القصر. حاولت ميلي اللحاق بهم، لكن —
“لقد كان لديكِ أربعمائة عام لتفهمي الأمر! لماذا الحل الوحيد الذي توصلتِ إليه متطرفٌ هكذا…؟! لماذا فكرتِ في خطة واحدة فقط؟ هناك الكثير من الأمور الأخرى التي أمكنك القيام بها، اللعنة!”
“— ضيفتي العزيزة، من هذه اللحظة، سأصرّ على أن تظلي هنا وتتذوقي ضيافة عائلة ميزرس!”
عندما حاول سوبارو الاقتراب خطوة أخرى، رفضته بياتريس بصوت منخفض.
“سأجعلكِ تندمين على هذا! اهجم، يا خنزوري الصخري!”
لم ينسَ أبدًا كيف ضحك زملاؤه وجيرانه منه، وكيف سخرت منه مدينته بأكملها حين أخذ تلك القصة مأخذ الجد وراح يبشر بها. والأشد من ذلك، أن والدته، الجانية الأصلية، قد نسيت القصة برمتها وسألته باستنكار: “لماذا رددت ذلك الكلام للناس؟”
لم يكن الأمر أن غارفيل ضعيف، بل كان قلبه أكبر من جسده. هذه هي الحقيقة المُرَّة التي يجب أن يُعبر عنها.
“—!!!”
ناظرةً إلى فريدريكا التي سدت طريقها، نفخت ميلي وجنتيها غضبًا. وامتثالًا لأمر سيدته، أصدر الوحش الشيطاني الهائل زئيراً هز أرجاء المكان.
ومع حركة خفيفة في ثوبها، تحول ذراعا فريدريكا، مصدرتا صوتًا أشبه بالأنين وهي تستعد للقتال.
ارتجافات وتشوّهات الممر كانا مجرد إنذار.
“اقتربي إذن. اليوم، سأعلمكِ بعض الدروس القاسية! تهيئي.”
“ماذا…؟!”
“…ريوزو”
—
غرزت أظافرها في الكتاب الذي تحتضنه على صدرها، وعضت شفتها بينما حدقت في سوبارو.
بعدما انفصلوا عن فريدريكا، ركض سوبارو ورفاقه بسرعة نحو الجناح الرئيسي للقصر، متجهين إلى أعلى طابق.
كانت الفرضية الأخيرة التي طرحها سوبارو عشوائية لدرجة أن بياتريس لم تعرف حتى كيف ترد. سرعان ما تحول دهشتها إلى غضب، وازداد استياؤها.
“أوتو! هل هناك ما يقلقنا من الخلف؟!”
“السيدة فريدريكا تتدبر الأمور بطريقة ما! لكننا لا نزال بلا خطة جيدة للتعامل مع الوحوش الشيطانية!”
“هل تريد أخذ بيتي من هذا المكان…؟”
فهم ذلك جيداً. ومع ذلك، أخبر بياتريس أن تعطي الأولوية لنفسها على عهدها.
فيما تسارعوا عبر الممرات، أكد أوتو أن الوحوش الشيطانية ما زالت تمثل خطرًا قائماً دون حل. لم يحضر سوبارو خطة جديدة جاهزة بعد. ما الذي يمكنهم استخدامه ضد وحوش محصنة من أحجار الصدّ…؟
“لا! لن ينفع، سوبارو! ذلك الوحش هو…”
“ماذا لو استخدمنا موهبتك في لغة الوحوش ومهاراتك في المفاوضة للتفاوض مع الوحوش الشيطانية وإقناعهم بالسماح لنا بالهروب؟ ستصبح بطلاً!”
“أغلب الوحوش الشيطانية تقول، ‘أنا آكلك بالكامل’. وهذا لا يُعتبر محادثة…”
“سأجعلكِ تندمين على هذا! اهجم، يا خنزوري الصخري!”
“بالطبع فكرتُ في ذلك! حاولت بيتي التحقق مرارًا وتكرارًا مما إذا كان هناك شيء ما على تلك الصفحات الفارغة… لكن لم يتغير شيء أبدًا!”
“ليس وقت المزاح الآن!! إذا… إذا لم نفعل شيئًا سريعًا، السيدة فريدريكا ستـ —!”
تلك الابتسامة الغريبة والمثيرة للريبة أشعلت النار في صدر سوبارو حتى اشتعل غضباً.
صرخة بيترا اليائسة جعلت سوبارو وأوتو يتوقفان عن المزاح ويجمعان أفكارهما في محاولة للعثور على خطة.
حاليًا، كان هدفهم الوصول إلى مكتبة روزوال، حيث يوجد مخرج سري يؤدي إلى الخارج، مخفي خلف رف الكتب في الغرفة. سيتيح لهم ذلك تجاوز الوحوش الشيطانية المحيطة بالقصر.
“أنتِ…! ماذا كانت تلك التنهيدة الآن؟ لماذا تبدين وكأنكِ راضية عن كل هذا؟!”
لكن من المحتم أن تلك الكائنات ستعترض طريقهم قبل أن يصلوا —
“حتى لو كانت حالة طارئة، أرجو أن تعذروا تصرفي غير اللائق. فريدريكا باومان قد عادت.”
“سيدي ناتسكي! هناك فئران ذات أجنحة سوداء أمامنا!”
“وااه!”
“هل طُردتُ حتى من فئة الرجال؟!”
“بالطبع سأفعل! اللحظات التي أستطيع أن أضع فيها كامل ثقتي بها تعدّ على أصابع اليد! والدتي هي الشخص نفسه الذي سمع ذات يوم أن قمرًا صناعيًا يسقط في ‘الغلاف الجوي‘ واعتقدت أن ذلك يعني سقوطه في ‘محافظة آيتشي‘! ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أثق بأي خبر يخرج من فمها! كان الأمر محرجًا للغاية حينما كررت تلك الحماقة على مسامع الآخرين!”
بينما سوبارو غارقٌ في أفكاره، ظهرت ظلال سوداء تطير باتجاهه في الممر المضاء بضوء القمر، قبل أن تصير أمامه مباشرة.
“أوه؟ لا يبدو أن أياً منكم مندهش حقًا. هذا محبط قليلاً.”
وبدا هذا واضحًا في التحرر الصافي الذي يملأ ابتسامتها —
بدت تلك الوحوش الشيطانية بأجسام مستديرة، بحجم الجراء تقريبًا، تشبه الفئران الطائرة بأجنحة سوداء مثل أجنحة الخفافيش. اتجه اثنان منها، يُطلق عليهما اسم “فئران الأجنحة السوداء”، بأنيابهما الحادة نحو سوبارو.
“هل تنوي إهانة والدتي، أتساءل؟! والدتي لم تكن لتفعل مثل هذا الخطأ السخيف أبدًا — “
“ابتعدوا!”
سأخرجك من هنا، يا بياتريس — هذه المرة، يدي هي من ستقودك مباشرةً تحت الشمس الساطعة، وسنلعب حتى يصبح فستانك أسوداً تمامًا من الطين.
“ولهذا السبب أنتِ غبية! ماذا عن محاولة تسخين الصفحات لترين إن كانت هناك كلمات مكتوبة بحبرٍ خفي؟! في هذه الأيام، حتى بطاقات العام الجديد المزيفة لا تخدع أحدًا بهذه الحيلة! فكّري في مزيد من الاحتمالات، أليس كذلك؟!”
رفعت بيترا حجر الصدّ عاليًا، فابتعدت الفئران السوداء فورًا.
لم يبدُ على ميلي أدنى أثر للندم وهي تلمس خدّها، كأنها تُقيّم فريستها بعينٍ باهتة. كانت تلك أقصر الطرق لاستدراجهم، لكنها كادت تُبيدهم جميعاً لولا وجود فريدريكا.
“لقد أنقذتني، بيترا! …لكن هذا يعني أن الحجر ليس عديم الفاعلية تمامًا، أليس كذلك؟”
بعد أن استنزفت جسده، الذي ما زال في طور التعافي، من طاقة المانا، انهار سوبارو دون أي مقاومة تُذكر. مدفوعًا بشعور الانتقام، أخذ يزعجها ويضايقها عند كل فرصة، مقاطعًا عزلتها باستمرار.
استثار الغضب داخله بلا حدود. وحين تأمل الأمر، أدرك أن الأحداث المحيطة بالمعبد جعلته يواجه هذا الغضب مرة تلو الأخرى.
“بالنسبة للوحوش الشيطانية العادية، سيعمل الحجر بشكل جيد! حتى الآن، الحجر غير فعال فقط ضد وحش واحد. طالما أن ذلك الوحش ليس…”
في كل مرة يلتقيان، بدا من المحتم أن يحدث شيء من الفوضى. ومع ذلك، الغريب أن أذواقهما وتفضيلاتهما ظلت تتطابق بطرق غير متوقعة وغريبة.
بالتأكيد، عندما يتعلق الأمر بالاختفاء، يوفر أرشيف الكتب المحرمة العديد من المزايا. ومع ذلك، رأى سوبارو بنفسه في محاولات سابقة أن هذه المزايا ليست مطلقة.
“هذا يعنى أن ذلك الوحش — ”
“هذا يعنى أن ذلك الوحش — ”
كان على وشك أن يقول *مميز*، لكن حدث شيئان قبل أن يُكمل — صوت ارتطام مدوٍّ، تلاه صرخات موت حادة.
كانت القاتلة الجميلة تبتسم، تقبض على سكين الكوكري بكلتا يديها، وجزء من جسدها العلوي ملطخ بالدماء.
“— رائع.”
من أعماق الممر، حيث يشحُّ ضوءُ القمر، ارتفعت مخالب وحشية ضخمة، ممزقةً الأجنحة عن الفئران ذات الأجنحة السوداء، تاركةً إياها تتساقط كالهشيم العاجز على السجاجيد، مضرجة بالدماء السوداء الداكنة. وأخيرًا، امتدت فكوك ضخمة لالتهام أجسادها، ماضغةً إياها بعنف.
“…يبدو أن أختي قد بدأت طريقها. والباقي على عاتق القائد.”
ترددت الأصوات المريعة لتحطم العظام وابتلاع اللحم الدموي عبر أرجاء الممر.
ثم رآه.
لماذا الآن، من بين كل الأوقات، تذكرت ذلك الندم. تلك الذكرى، اسم تلك الفتاة؟
حتى الآن، لا تتذكر ما جال في خاطرها حينها.
كان لدى المخلوق رأسَ أسد، جذعَ حصان، ذيلَ أفعى، وقرنًا ملتويًا مرعبًا يبرز من وجهه — كائن مهيب بين وحوش الشياطين، جسَّدَ في كيانه الخطر ذاته.
“أعلم أنني شخص جريء، وقد تأملت فيما جلبه لي هذا الطبع من متاعبٍ ماضيه. ومع ذلك، لن أتراجع أبدًا في الأمور الهامة.”
— هذا هو وحش الشياطين الذي رآه سوبارو يقتل بيترا ذات مرة. واسمه…
“تفكر في أختك في مثل هذا الوقت؟ يا لك من فتىً طيب.”
“نسيت اسمه تمامًا، لكن… ها نحن نلتقي مجددًا، أيها الوحش اللعين!”
“وااه!”
“!!!”
لمعت عينا بيترا وهي تتأمل الخادمة الأكبر التي ابعدت شعرها بلطف، ماسحةً الأوساخ عن خدها.
وكأن الوحش الشيطاني الأسود استجاب لغضب سوبارو، أطلق زئيرًا هز أرجاء القصر. أحاطت به رهبة كعاصفة هوجاء قبل أن يعدل سوبارو وضعية ريم على ظهره مصراً على أسنانه.
“أوتو! امنحه طعنة بحجر الطرد — ”
“لا! لن ينفع، سوبارو! ذلك الوحش هو…”
توجه نظرها للأسفل، وشفتيها ترتجفان وهي تحدق في الكتاب الذي على حضنها.
هزت بيترا رأسها، شاحبة الوجه، متوسلةً لسوبارو. فجأةً أدرك الحقيقة؛ لقد خمن بالفعل ما كان أوتو سيقوله.
ربما كانت إيكيدنا ترى في عذابات ابنتها النفسية وجبةً لذيذة فاخرة. لكن ماذا يبقى من قلب الإنسان عندما ينسى كيف يبكي، أو كيف يشعر بالرغبة في البكاء حتى؟ شعر سوبارو برغبةٍ حقيقية في الصراخ من أعماق قلبه.
وجاءها رد سوبارو ، بصوتٍ واضح وثابت، عاقدًا نظره في عينيها:
“إنه الغيلتراو! حجر الطرد لن يؤثر فيه! إنه عدوّنا الأخطر هنا!”
شعر بخده يلامس العشب. وعندما تفحّص المكان، وجد أنه قد تدحرج إلى الفناء الأخضر المفتوح خارج القصر.
بلمح البصر، انخفض وحش الشياطين — غيلتراو — موجهًا نفسه نحو المجموعة…
كان إخلاصها الأعمى لوصايا والدتها هو الذي جعلها عاجزة عن رفض مصيرها. آمنت بالساحرة إيكيدنا كشهيدة مستعدة للتضحية في سبيل إيمانها.
تعالت صرخة مزلزلة، واصطدم الصلب بالصلب. كانت الشرارات المتطايرة ترسم مشهداً أشبه برقصة شرسة، صداها يملأ أرجاء القصر.
ثم اندفع.
بعد عشر سنوات من الفراق، لم تكن تلك إلا لحظات قصيرة، لكنها بدت كافية. لقد وضعت ثقتها في قوة أخيها الصغير، والذي صار مصمماً على أن يكون عند حسن ظنها — وهذا كل ما احتاجاه.
كان لدى المخلوق رأسَ أسد، جذعَ حصان، ذيلَ أفعى، وقرنًا ملتويًا مرعبًا يبرز من وجهه — كائن مهيب بين وحوش الشياطين، جسَّدَ في كيانه الخطر ذاته.
مزقت مخالبه مزقت السجادة، وزئيره زلزل الأساس. ومع صرخة شرسة، انقض عليهم.
— وهكذا، اشتعلت ثلاث معارك في آن واحد. معركة قصر روزوال… قد بدأت.
كانت القاتلة الجميلة تبتسم، تقبض على سكين الكوكري بكلتا يديها، وجزء من جسدها العلوي ملطخ بالدماء.
////
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
في الحقيقة، علم سوبارو تمامًا أن الكتاب الغامض لبياتريس كان فارغًا.
