Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ري زيرو: بدء الحياة في عالم أخر من الصفر 2

2 - السعادة منعكسة على سطح الماء.

2 - السعادة منعكسة على سطح الماء.

“ليا، توقفي عن هز رأسك بهذه الطريقة واجلسي بهدوء، هلّا فعلتِ؟”

 

 

“— أفهم. أنا واثقة بأنني سأكمل هذا الطريق. وعندما يحين الوقت، يمكننا التحدث بشكل جيد.”

قبل أن تفتح عينيها، كان أول ما سمعته صوتًا لطيفًا وعذبًا.

حتى لو كان هذا صحيحًا، شعرت إيميليا بالامتنان يغمر قلبها.

 

“—أنتِ…”

وببطء، وكأن هذا الصوت يوجه وعيها، طافت بها اليقظة نحو السطح.

بل باتت أقوى وأعمق، تتدفق داخل قلبها، وقد عزمت على حملها للأبد. في لحظات التجربة الثانية، شعرت بأن عزيمتها قد صُقلت وتجلت بوضوح أكثر. كانت تلك المشاعر ثمينة، وقد أعطتها التجربتان الأولى والثانية شيئًا غاليًا لا يمكن إنكاره.

 

 

بدت رؤيتها ضبابية. ببضع رموش سريعة، أدركت أنها جالسة على كرسي، وأنها في بيتها.

 

 

وفي اللحظة ذاتها، فهمت بشكل غريزي كيف يمكنها إنهاء المحاكمة الثانية.

كان بيتهم، بيتٌ محفور داخل جوف شجرة عظيمة في الغابة. كانت تجلس على كرسيها الخاص في غرفة المعيشة.

 

 

“جييوس، إن كنت تحب طعام أمي إلى هذه الدرجة، يمكنك العيش معنا في الغابة.”

” – يا إلهي، إلى متى ستظلين مدلّلة كهذه؟ أنتِ حقًا لا يمكن إصلاحك.”

 

 

بدا أن الحادث الذي وقع عند مغادرتهم أثر قليلًا على مزاج فورتونا، حيث ظل جييوس منشغلًا بالتفكير في ردة فعلها. لكن من وجهة نظر إيميليا، لم تكن والدتها غاضبة حقًا — بل تشعر فقط بالخجل. أزعجها بعض الشيء أن جييوس لم يلتقط هذا الشعور كما فعلت هي.

من مسافة قريبة بما يكفي لتشعر بأنفاسها، سمعت صوتًا رقيقًا يبدو وكأنه يحتضنها، أثار شعورًا غامضًا في صدرها، جعلها – إيميليا – تستدير بسرعة.

“أرجو أن تعلمي أن ذلك ليس بسببك، سيدتي إيميليا. كان ذلك بناءً على إرادة السكان… وحقًا، كان عنادي الشخصي هو الذي منعني من السماح لكي بلقاء سكان الملاذ.”

 

“أوه! ألهذا فقط؟ وكنتُ أظن أنني بحاجة للقلق، لتأتي وتداعبيني بهذا الشكل.”

رأت على الفور امرأة بشعر فضي قصير، بنظرة لاذعة، وبدت – في نظر إيميليا – هي النموذج المثالي للمرأة.

“لكن… كلّنا سمعنا صوت غارفيل — صوت ذلك الفتى الغاضب.”

 

سمعت إيميليا ذات مرة بأن عدد اللاجئين من قرية إيرلهام الذين لجأوا إلى هنا يبلغ حوالي خمسين شخصًا. وأما سكان الملاذ في الساحة، فقد كانوا يقاربون العدد ذاته، مما يجعل العدد الكلي للنفوس المتجمعة في هذا المكان حوالي مئة شخص.

” – أمي…”

 

 

 

“استدرتِ بسرعة، لقد فاجأتني… هل كنتِ تغفين؟ هل أخذتِ قيلولة وتركتي شعركِ لي لأعتني به؟ إننا أمام أميرة كسولة حقًا.”

 

 

“ههه، الآنسة إيميليا… أرى، لقد نشأتِ بخير وسلامة. وإن هذا لَشيءٌ مبهج حقًا.”

اتسعت عينا إيميليا بينما ابتسمت والدتها – فورتونا – بابتسامة مليئة بالحنان، لم تفهم إيميليا لماذا شعرت بهذا الانفعال العميق بمجرد رؤية تلك النظرة الثاقبة والابتسامة الهادئة لأمها.

“أظنهما ثنائيًا مناسبًا. الجميع في الغابة يعتقد ذلك. السيدة فورتونا صارمة جدًا مع نفسها، رغم أننا نفضل أن تفكر في سعادتها الخاصة قليلاً…”

 

تابعوا السير على هذا النحو حتى انسحبت الغابة فجأة من حولهم، وظهرت البحيرة أمامهم.

” أمي…”

 

 

 

“همم؟ ما الأمر؟ إذا حدث أي شيء، يمكنكِ إخباري.”

 

 

 

“أنتِ حقًا متألقة اليوم، أمي. تبدين لطيفة للغاية.”

“سيدتي إيميليا… هل لنا ببعض الكلمات معكِ؟”

 

 

“أوه! ألهذا فقط؟ وكنتُ أظن أنني بحاجة للقلق، لتأتي وتداعبيني بهذا الشكل.”

 

 

 

احمرت وجنتا فورتونا قليلاً قبل أن تنقر جبهة إيميليا برفق بإصبعها. وضعت إيميليا يدها على جبهتها وهي تضحك بمرح.

“…”

 

 

كانت إيميليا دائمًا فخورة بأمها، لكنها رأت فورتونا جميلة بشكل استثنائي في ذلك اليوم. وذلك لأنها ارتدت تنورة لأول مرة، بدلاً من ملابسها العملية المعتادة. بدت ملابسها خالية من الزخرفة، لكن تنسيق الألوان المنعش ناسبها بشكل رائع.

 

 

 

“أوه، انظري إلى نفسك. على الرغم من أن وجهك لطيف جدًا، إلا أنكِ تبدين فوضوية اليوم… حقًا تبدين وكأنكِ ما زلتِ نصف نائمة. أعتقد أنني أرسلتكِ لغسل شعركِ عند البئر. هل شربتِ فقط وعدتي؟”

 

 

 

“أوف، أمي تسخر مني مجددًا. ليس في جسدي ذرة واحدة من الإهمال. والجميع يقولون إنني فتاة مؤدبة جدًا.”

قبل أن تفتح عينيها، كان أول ما سمعته صوتًا لطيفًا وعذبًا.

 

 

“على الرغم من أنكِ لا تزالين تستخدمين هذه العبارات السخيفة، أشعر بالقلق من أن الآخرين يملؤون رأسك بأفكار غريبة. يجب أن أُتحدث مع آرتشي بعد هذا.”

 

 

“لا، ربما من الأفضل ألا أزيد من توترك…”

أغلقت فورتونا شفتيها كما لو كانت غير راضية، لكنها وضعت راحة يدها على جبهتها بشكل يتعارض مع تلك النظرة. تقدمت والدتها أمام إيميليا، التي كانت عابسة، واستأنفت تسريح شعرها.

 

 

 

كان لديها شعر طويل، فضي مثل فورتونا تمامًا. قامت والدتها بجدله بمهارة، كما لو تستخدم السحر.

 

 

“آه! هل سنذهب إلى البحيرة؟”

“ها قد انتهينا، أصبح الآن جميلًا تمامًا. اذهبي وانظري في المرآة.”

 

 

عندما ربتت فورتونا على كتفها، نهضت إيميليا بابتسامة عريضة لتفعل ما طُلب منها. لكن الطفلة الصغيرة توقفت فجأة قبل أن تصل إلى المرآة الطويلة.

“همم، شكرًا لكِ، أمي. المرآة…”

“آاااه —”

 

لو انتقدها صوته على قراراتها الخاطئة، أو وبخها على ضعفها، أو أهانها لجحدها، لسهّل ذلك عليها. لكن أرتشي قال بكل ثقة أنه لن يفعل ذلك أبدًا.

عندما ربتت فورتونا على كتفها، نهضت إيميليا بابتسامة عريضة لتفعل ما طُلب منها. لكن الطفلة الصغيرة توقفت فجأة قبل أن تصل إلى المرآة الطويلة.

— لهذا السبب، ستعيش إيميليا في العالم الخارجي.

 

ثم، غير قادرة على كبح مشاعرها أكثر، استدارت لتنظر إليهما مباشرة، وافترّت شفتيها مرة أخرى.

“إيميليا؟”

حان الوقت لتضع حدًا لذلك.

 

 

نادتها فورتونا بنبرة تساؤل، لكن إيميليا لم ترد. لسببٍ ما، لم تستطع الاقتراب من المرآة الطويلة. لم تعلم السبب، حتى هي نفسها لم تعرف.

وفي وسط هذه الفوضى، كادت السلة أن تسقط على الأرض، لكن إيميليا أمسكت بها في اللحظة الأخيرة.

 

— كل ما أراده هو أن تصبح إيميليا سعيدة، وأن تجد السلام.

تشنجت ساقاها. وبينما بدت إيميليا غارقة في كآبتها، جاءها الخلاص من اتجاه مختلف.

“من الجيد رؤية الأم والابنة معًا.”

 

 

سمعت صوت طرقٍ على باب منزلهم. رفعت رأسها بسرعة ونادت.

ــــ أنقذيه

 

 

“ضيف!”

 

 

“لا تذهبي وتخترعي أمورًا من عندك! جييوس… إنه رجل شرير حتى النخاع.”

استدارت بسرعة، لتركض بأقدامٍ متلهفة نحو الباب. وعندما فتحته —

 

 

 

“صباح الخير لكِ، سيدتي إيميليا. يسعدني أنكِ أتيتِ لتحيتي.”

كان من المفترض أن يبقى سكان القرية في الملاذ حتى يتم رفع الحاجز كجزء من الاتفاق، ولكن بما أن غارفيل قد تراجع عن طلباته السابقة، لم يعد هناك سبب لبقائهم.

 

ـــ ربما لأنه لا توجد سعادة أعظم من هذه.

عندما فتحت الباب على عجل، توقفت أنفاس إيميليا عند رؤية الضيف الطويل الذي يقف أمامها. الرجل ذو الشعر الأخضر وملامح الوجه المبتسمة واللطيفة.

 

 

“أنا لستُ أفضل حالاً، إذ قضيت مئة عام تقريباً في نوم عميق.”

عندما رأت الوداعة الهادئة في عينيه، لم تستطع إيميليا إلا أن تبتسم على نطاق واسع.

“— الوقت.”

 

 

“جييوس… صـ ـ صباح الخير لك أيضًا.”

“— أحبكما كليكما.”

 

“— ! كنت متأكدًا أن هذا الكلام يشير فقط إلى السيدة إيميليا والسيدة فورتونا…”

“نعم، مضى وقتٌ طويل، سيدتي إيميليا. آمل أن تعامليني بلطفٍ اليوم.”

 

 

— لو فقط تستطيع ارتداء قناع الجهل ، أن تنسى بطريقة ما وفاة والدتها المأساوية، وحزن “جييوس” العميق.

“اليوم…؟”

“انسجما جيدًا وانتظراني، حسنًا؟ ودائمًا، داااائمًا انسجما جيدًا جدًا.”

 

“جييوس، إن كنت تحب طعام أمي إلى هذه الدرجة، يمكنك العيش معنا في الغابة.”

عندما سمعت تحية الضيف — جييوس — أمالت إيميليا رأسها بحيرة. هذا الرد الفضولي أثار ابتسامةً طفيفة من جييوس، رافعاً حاجبًا باستغراب.

“إيميليا وجييوس أيضًا.”

 

لقد كانت ممتنة من أعماق قلبها لأنها حصلت على هذه الفرصة لرؤية كل شيء هنا.

“ألم تعلمي؟ كنت أظن أننا قد أرسلنا إشعارًا مسبقًا…”

“لا، لا حاجة للإسراع. خذي وقتك. سننتظر لأطول فترة تحتاجينها، سيدة إيميليا.”

 

 

“جييوس، لا تأخذها بجدية. ليا ما زالت نعسة هذا الصباح.”

 

 

 

“أوه، لا أصدق أن أمي ما زالت تقول مثل هذه الأمور…”

وفي اللحظة ذاتها، فهمت بشكل غريزي كيف يمكنها إنهاء المحاكمة الثانية.

 

“أوه، لقد خرجت!”

جعلها صوت فورتونا المتذمر تنظر باتجاهها، لكن كلماتها توقفت في حلقها. لم تكن فورتونا مرتدية ملابسها المعتادة، وكانت تحمل سلة بوضوح مُعدّة للنزهات. أمكنها شمّ رائحة اللحم المشوي بالأعشاب المحشو بين قطع من الخبز الذي صنعته والدتها يدويًا. بمعنى آخر —

 

 

“لقد أحسنتِ في اجتيازكِ للتجربة، سيدتي إيميليا. نحن ممتنون لكِ لهذا. وأيضاً…”

“آه! هل سنذهب إلى البحيرة؟”

 

 

 

“يا إلهي، يبدو أن هذه الفتاة تذكرت للتو رغم أنها من طلب الذهاب في الأصل…”

استمرت في الضحك وهي تتقدم نحو البحيرة. ثم ألقت نظرة خاطفة للخلف، نحو فورتونا وجييوس.

 

رفعت إيميليا رأسها، ناظرةً مباشرة إلى الشخص الذي كان بمثابة شقيق لها، وتحدثت بحزم ما شعرت به.

“هل حقًا طلبت؟ …ربما طلبت. إذا كان هذا صحيحًا، فسأكون سعيدة مرتين.”

 

 

وببطء، وكأن هذا الصوت يوجه وعيها، طافت بها اليقظة نحو السطح.

عندما فكرت في الأمر، شعرت وكأنها قد قدمت هذا الطلب حقًا. ولأنها قد نسيته، فعندما تذكرته شعرت كأنها حصلت على فرصة للاستمتاع به مرتين.

 

 

 

“… جييوس، ما رأيك فيها؟”

فجأة، لاحظ الاثنان وجود إيميليا، ولوحا لها، فردت عليهما بالمثل.

 

“وهكذا، انتهت التجربة الثانية… أليس كذلك؟” قالت ذلك وهي تنهض، وتترك خلفها الأسئلة المتعلقة بتصرفات إيكيدنا الأخيرة، معتزمةً التأمل فيها لاحقًا.

“أظن أن هذا جزءٌ من طبيعة سيدتي إيميليا. إنها تُبدع في مضاعفة سعادتها. ربما يجب علينا تعلم شيء أو اثنين منها.”

عندما سمعت تحية الضيف — جييوس — أمالت إيميليا رأسها بحيرة. هذا الرد الفضولي أثار ابتسامةً طفيفة من جييوس، رافعاً حاجبًا باستغراب.

 

“لا تذهبي وتخترعي أمورًا من عندك! جييوس… إنه رجل شرير حتى النخاع.”

“تدليلها غير المسؤول يضعني في مأزق. يا إلهي… لا بد أن هذا بسبب دم أختي فيها.”

ربما لم تتوقع فورتونا هذا الرد، فقد فاجأها بشدة. ورؤية هذا الجانب غير المعتاد منها جعل جييوس يضحك، وكذلك ضحكت إيميليا.

 

وبينما تراقب ذلك من طرف عينها، أشارت ريوزو بذقنها نحو القبر وتحدثت. “الآن، سيدة إميليا، يسعدني أننا استطعنا مساعدتكِ… الآن أمامك التجربة الأخيرة، لكن…”

تنهدت فورتونا وهي تلمس جبهتها بيدها. وعندما لاحظت أن جييوس بدا مركزاً نظره عليها بإمعان، نظرت إليه نظرة حادة وكأنها تسأله،  ماذا؟

ــــ أنقذيه

 

كانت والدتها، التي تنتظرها على ضفة البحيرة مرتديةً أجمل ملابسها، تضع ذات الزينة الشعرية التي ترتديها إيميليا.

“لا، ربما من الأفضل ألا أزيد من توترك…”

“ليا، توقفي عن هز رأسك بهذه الطريقة واجلسي بهدوء، هلّا فعلتِ؟”

 

 

“لقد عرفنا بعضنا بما يكفي. لا يوجد شيءٌ يمكنك قوله ليهزني الآن، جييوس.”

 

 

 

“إذًا سأقولها بوضوح. سيدتي فورتونا، اختيار ملابسك اليوم مدهش. أجد نفسي مفتونًا بجمالك.”

“يا إلهي، يبدو أن هذه الفتاة تذكرت للتو رغم أنها من طلب الذهاب في الأصل…”

 

تمنت لو أن الجميع في الغابة يستطيعون الابتسام معًا، لو تستطيع أن تظل قريبة من أرتشي، تعيش في عالم سعيد كهذا.

عندما عبّر جييوس عن رأيه بنظرة خالية من التصنع، تجمدت فورتونا لبرهة.

 

 

ابتلعت فورتونا كلماتها، ولم تستطع إلا أن ترد بارتباك.

“—!”

تجنبها للمرايا وتدريبها على ألا تنظر حتى إلى سطح الماء العاكس كانا جزءًا من عقدها مع باك، الذي ظل يختار لها مظهرها كل يوم.

 

 

ثم احمرّ وجهها. وفي لحظة، وجهت لكمة قوية إلى كتفه جعلت جييوس يطير بعيدًا.

 

 

 

وفي وسط هذه الفوضى، كادت السلة أن تسقط على الأرض، لكن إيميليا أمسكت بها في اللحظة الأخيرة.

“انسجما جيدًا وانتظراني، حسنًا؟ ودائمًا، داااائمًا انسجما جيدًا جدًا.”

 

 

 

 

 

“هل قلت حقًا شيئًا غير لائق؟”

 

 

 

“لا، الأمر ليس كذلك. أمي تشعر بالحرج بسهولة، لذا لم تستطع إلا أن تحمر خجلًا عندما قلت لها ذلك، جييوس. هي ما عليها، أمي لطيفة جدًا.”

 

 

عندما سمعت تحية الضيف — جييوس — أمالت إيميليا رأسها بحيرة. هذا الرد الفضولي أثار ابتسامةً طفيفة من جييوس، رافعاً حاجبًا باستغراب.

“لا تذهبي وتخترعي أمورًا من عندك! جييوس… إنه رجل شرير حتى النخاع.”

“— يبدو أن صوتك وملامحك مختلفة يا إيميليا. هل تركت شرودك المعتاد في مكانٍ ما؟ بدأت أشعر بالقلق عليك.”

 

“جييوس، إن كنت تحب طعام أمي إلى هذه الدرجة، يمكنك العيش معنا في الغابة.”

بعد فض الخلاف الطفيف، تابع الثلاثة السير معًا بود. سارت فورتونا أمامهم بخطوات متسارعة بعض الشيء وبنفَس ممتعض، في حين مشى جييوس وإيميليا جنبًا إلى جنب في طريقهم نحو البحيرة وسط الغابة.

كما كان الحال مع التجربة الثانية، كان عليها مغادرة القبر والدخول مجددًا للانتقال إلى التحدي الجديد. وحتى إن لم يكن ذلك شرطًا، فإيميليا بحاجة لإبلاغ رام، التي تنتظرها بالخارج، بنتيجة التجربة الثانية.

 

أغلقت فورتونا شفتيها كما لو كانت غير راضية، لكنها وضعت راحة يدها على جبهتها بشكل يتعارض مع تلك النظرة. تقدمت والدتها أمام إيميليا، التي كانت عابسة، واستأنفت تسريح شعرها.

بدا أن الحادث الذي وقع عند مغادرتهم أثر قليلًا على مزاج فورتونا، حيث ظل جييوس منشغلًا بالتفكير في ردة فعلها. لكن من وجهة نظر إيميليا، لم تكن والدتها غاضبة حقًا — بل تشعر فقط بالخجل. أزعجها بعض الشيء أن جييوس لم يلتقط هذا الشعور كما فعلت هي.

بل باتت أقوى وأعمق، تتدفق داخل قلبها، وقد عزمت على حملها للأبد. في لحظات التجربة الثانية، شعرت بأن عزيمتها قد صُقلت وتجلت بوضوح أكثر. كانت تلك المشاعر ثمينة، وقد أعطتها التجربتان الأولى والثانية شيئًا غاليًا لا يمكن إنكاره.

 

 

لكن العلاقة بين جييوس ووالدتها كانت قوية، وإن امتازت بنوع من الوخز الطفيف، إلا أنها بدت سعيدة.

“— أحبكما كليكما.”

 

 

“أوه، سيدتي فورتونا.”

“مشاعري تجاه أمي وأبي… وتجاه أخي وكل من أحببت… لم تتغير.”

 

استمرت في الضحك وهي تتقدم نحو البحيرة. ثم ألقت نظرة خاطفة للخلف، نحو فورتونا وجييوس.

“إيميليا وجييوس أيضًا.”

 

 

 

“من الجيد رؤية الأم والابنة معًا.”

ثم احمرّ وجهها. وفي لحظة، وجهت لكمة قوية إلى كتفه جعلت جييوس يطير بعيدًا.

 

 

علقت ربات المنازل اللاتي يسكنّ بالقرب من الطريق بينما شاهدن الثلاثي يسيرون باتجاه البحيرة. وقبل أن تتمكن فورتونا من الرد على تعليقاتهن بحدة، علّق جييوس بابتسامة.

“أوف، أمي تسخر مني مجددًا. ليس في جسدي ذرة واحدة من الإهمال. والجميع يقولون إنني فتاة مؤدبة جدًا.”

 

 

“من الواضح أن الناس يحبونكِ كثيرًا.”

“أرجو أن تعلمي أن ذلك ليس بسببك، سيدتي إيميليا. كان ذلك بناءً على إرادة السكان… وحقًا، كان عنادي الشخصي هو الذي منعني من السماح لكي بلقاء سكان الملاذ.”

 

 

ابتلعت فورتونا كلماتها، ولم تستطع إلا أن ترد بارتباك.

 

 

 

“أ ـ … أظن ذلك.”

 

 

 

ثم، بدون أن تشعر، ضبطت فورتونا خطاها لتسير جنبًا إلى جنب مع إيميليا وجييوس. ألقت إيميليا تحية خفيفة بيدها لربات المنازل اللاتي بادلنها التحية بابتسامات مرحة.

“لكن…”

 

 

تابعوا السير على هذا النحو حتى انسحبت الغابة فجأة من حولهم، وظهرت البحيرة أمامهم.

“ألم تعلمي؟ كنت أظن أننا قد أرسلنا إشعارًا مسبقًا…”

 

“…أريد أن يظن الناس أنني رائعة”

“كالعادة، الهواء هنا منعش جدًا. أشعر وكأنني في مزاج أفضل بالفعل.”

“الآنسة ريوزو…”

 

 

“هذا لأنكِ تتحملين عبئًا ثقيلًا دائمًا، سيدتي فورتونا. يجب أن تأخذي قسطًا من الراحة بين الحين والآخر. دعيني أساعدكِ في الاسترخاء.”

كانت تراقب الزوجين عند الشاطئ البعيد للبحيرة بعيونها البنفسجية التي لطالما أثنت عليها والدتها. قال “جييوس” شيئًا دون أن يدرك أثر كلماته، فاحمر وجه “فورتونا” وهي ترد عليه. ضمت إيميليا شفتيها وهي تتابع المشهد المضحك قليلاً. وفجأة —

 

“يبدو أنكم عدتم بعد اجتياز التجربة الثانية.”

وضعت فورتونا أغراضها عند ضفة البحيرة وأخذت تمدد جسدها قليلاً، بينما انشغل جييوس بترتيب مكان الجلوس وإعدادات النزهة. وبينما كانت تراقب المشهد، حادثت إيميليا.

“لسنا واثقين مما إذا كان ينبغي علينا أن نثق بكِ أم لا. نحن الذين لا نعرف شيئًا عن العالم الخارجي لا نستطيع إلا أن نشعر بالخوف من مغادرة الملاذ. وينطبق هذا عليّ أيضًا. لقد وُلدت وترعرعت هنا.”

 

“أعتقد أن هذا فكرة رائعة. فلتفكرا في الأمر، حسنًا؟”

“اليوم، يتم معاملتي ليس كقائدة لشعبي، بل كفتاة صغيرة عجوز. لا أستطيع الاسترخاء بهذه الطريقة. هيّا، إيميليا، قولي شيئًا، هلّا…؟”

“ربما اعتدتِ على ملوك ضعيفي الذاكرة. أنا بارعة في التعلم.”

 

 

” – ”

 

 

لا تزال ذكرى كراهيتها من قبل إيكيدنا خلال المحاكمة الأولى حديثة في ذهنها. لقد تنازلت عن الأمل في سماع صوتها في هذا العالم، ناهيك عن رؤيتها.

“إيميليا؟ ما الأمر؟”

“أنتم تتفاهمون بشكل جيد حقًا.”

 

قالت إميليا ذلك وقد أخرجت لسانها بمرح. نظرت ريوزو إلى وجه الرجل بدهشة، وهو بدوره نظر إليها. ومن هناك، ارتفعت ضحكاتهما.

مدّت فورتونا يدها باتجاه ابنتها الحبيبة، التي ظلت جامدة تمامًا وهي تحدق بتركيز، تصبّ نظرها في المشهد عند حافة البحيرة.

“— أفهم. أنا واثقة بأنني سأكمل هذا الطريق. وعندما يحين الوقت، يمكننا التحدث بشكل جيد.”

 

 

“تبدين غريبة حقًا هذا الصباح. إذا كنتِ لا تشعرين بخير، يمكننا العودة إلى البيت و …”

 

 

 

ثم، وبينما كانت تُعبّر عن قلقها بصوتٍ حنون…

كانت إيميليا دائمًا فخورة بأمها، لكنها رأت فورتونا جميلة بشكل استثنائي في ذلك اليوم. وذلك لأنها ارتدت تنورة لأول مرة، بدلاً من ملابسها العملية المعتادة. بدت ملابسها خالية من الزخرفة، لكن تنسيق الألوان المنعش ناسبها بشكل رائع.

 

 

”  ”

 

 

 

أصدر بطن إيميليا صوتًا لطيفًا يطالب بالطعام. على الفور، تبدد القلق الذي ظهر على وجه فورتونا، ولم تستطع سوى إطلاق تنهيدة عميقة.

 

 

 

“أمي، أنا جائعة حقًا…”

 

 

 

“هذا واضح حتى لو لم تخبريني، وبدون تلك النظرة الحزينة على وجهك. يا للعجب، تجعلين الناس يقلقون فقط ليظهر أن الأمر مجرد جوع. أنت حقًا طفلة تشغلين من حولك.”

 

 

تأخر عودتهم إلى منازلهم كان مرتبطاً بإزالة حاجز الملاذ، وإيميليا وعدتهم بتحقيق ذلك.

ثم نقرت فورتونا على جبين إيميليا برفق وسحبتها إلى صدرها. لم تكن بحاجة للانحناء لهذا؛ فقد كانت إيميليا مائلة قليلًا للأمام، إذ أن طولهما كان تقريبًا متساويًا.

 

 

 

“أنتم تتفاهمون دائمًا بشكل رائع. رؤية ذلك عن قرب يجعلني أبتسم فعلًا.”

“ومع ذلك، فإن عنادنا استمر أجيالاً وأجيالاً على مدى أربعة قرون، لذا دعينا نعتبر الأمر متعادلاً.”

 

“صباح الخير لكِ، سيدتي إيميليا. يسعدني أنكِ أتيتِ لتحيتي.”

“…هل ترغب في الانضمام، جييوس؟”

“واه… أنا حقًا آسفة على ذلك.”

 

 

“لا تقولي أشياء سخيفة. جييوس، افتح السلة، لنبدأ بالطعام مبكرًا قليلًا لأن الأميرة تطلب ذلك.”

 

 

بل باتت أقوى وأعمق، تتدفق داخل قلبها، وقد عزمت على حملها للأبد. في لحظات التجربة الثانية، شعرت بأن عزيمتها قد صُقلت وتجلت بوضوح أكثر. كانت تلك المشاعر ثمينة، وقد أعطتها التجربتان الأولى والثانية شيئًا غاليًا لا يمكن إنكاره.

وبهذا الإعلان، احتضنت فورتونا إيميليا بينما توجهتا للانضمام إلى جييوس، حيث وضع محتويات السلة على بقعة مسطحة من العشب. كانت والدتها بارعة في الطهي على النار، وهذه الوصفة مميزة لديها. الطعام المشوي بالأعشاب كان من مفضلات إيميليا، وأيضًا —

 

 

 

“أشعر بالامتنان دائمًا عندما تشاركوني هذا… نكهته لا تقاوم.”

 

 

 

بتعبير سعيد، تناول جييوس الطعام المشوي بالأعشاب بفرح، فهو يعرف أن وصفة فورتونا الخاصة تضمن له وليمة في كل مرة يخرجون فيها للنزهة.

 

 

“— شكرًا لكِ على إظهار هذا العالم لي، إيكيدنا.”

لا يمكن إنكار ذلك. كان هناك… شعور غامض في قلبها.

وجدت نفسها مستلقيةً على جنبها في المساحة الصغيرة الباردة وسط ضوء خافت في القبر. رمشت بعينيها مرارًا، محاولةً استيعاب ما رأته وما شعرت به. ربما كان ما رأته مجرد وهم، عالم لم يكن له وجود حقيقي، ومع ذلك، بدا الشعور المرافق له قويًا لدرجة أذهلتها.

 

 

“جييوس، إن كنت تحب طعام أمي إلى هذه الدرجة، يمكنك العيش معنا في الغابة.”

 

 

 

دفعت إيميليا هذا الشعور بعيدًا، وطرحت فكرة الحياة المشتركة على هذا الثنائي القريب.

لم تعلق إيميليا على الارتباك الذي لاحظته في الكلمات التي خرجت بصعوبة من إيكيدنا.

 

لم تستطع إيميليا تحمّل رؤية وجه ريوزو المُحبط، فقامت بممازحتها ببعض الكلمات التي ساعدت على تخفيف الجو. حاولت تقليد تصرفات سوبارو، تلك التي اعتاد استخدامها لتخفيف الأجواء في المناسبات الجادة.

“إ-إيميليا…!” فورًا، احمر وجه فورتونا وصاحت. “لا تقولي أشياء غير محسوبة. هذا أمر صعب بالنسبة لجييوس أيضًا. عليه أن يجد وقتًا بين انشغالاته ليزورنا.”

استمرت في الضحك وهي تتقدم نحو البحيرة. ثم ألقت نظرة خاطفة للخلف، نحو فورتونا وجييوس.

 

////

“أنا مسرور جدًا لسماعك تقولين ذلك يا سيدتي إيميليا. لو كان ذلك ممكنًا، لرغبت في ذلك من أعماق قلبي.”

 

 

لقد نست إميليا في اللحظة التي خرجت فيها من القبر وسط الحشد الكبير، لكن عندها، لم تكن رام موجودة في أي مكان تراه بعينيها.

التوتر على وجه والدتها بدا نقيضاً للهدوء في تعبير جييوس. لكن كلمات جييوس، “لو كان ذلك ممكنًا”، جعلت إيميليا تشعر ببعض الاستياء.

 

 

“…”

“إذا أردت ذلك، فقط افعل، ليس لأنه ‘ممكن’ فقط. إن لم يكن لدى أي منكما مشكلة في الأمر… بالإضافة، لن يمنعكما أحد… أو هل أنا العقبة؟”

 

 

 

“لا أبدًا.”

 

 

 

“ليس كذلك.”

 

 

 

تساءلت إيميليا عما إذا كان وجودها هو السبب في عدم قدرة الثنائي على التواجد معًا، ولما أنكرا ذلك، تابعت قائلةً بلا تفكير.

“لا تذهبي وتخترعي أمورًا من عندك! جييوس… إنه رجل شرير حتى النخاع.”

 

ردًا على كلمات الامتنان من إيميليا، سمعت صوتًا — ليس صوت أرتشي، بل صوت امرأة، صوت الساحرة.

“أنتم تتفاهمون بشكل جيد حقًا.”

“هذا واضح حتى لو لم تخبريني، وبدون تلك النظرة الحزينة على وجهك. يا للعجب، تجعلين الناس يقلقون فقط ليظهر أن الأمر مجرد جوع. أنت حقًا طفلة تشغلين من حولك.”

 

 

“أوه، ها أنتِ تقولين ذلك مجددًا… جييوس، قل شيئًا، من فضلك.”

 

 

عندما نادت فورتونا فجأة، سارعت إيميليا لتغطي وجهها بيديها. أدركت متأخرةً أنها بدأت بالبكاء دون وعي. قالت بصوت مخنوق وهي تكافح لكبح دموعها، “أه، ربما علقت قطعة من الغبار في عيني. قطعة غبار كبيرة جدًا.”

“أجل، يجب أن لا تقولي هذا، سيدتي إيميليا. السيدة فورتونا لديها واجب مهم. إذا ظللت هنا طويلاً، فقد تنتشر شائعات مزعجة وتتسبب لها بالإحراج.”

 

 

 

“شائعات عن أمي وجييوس…؟ أشعر أنه قد فات الأوان لإيقاف تلك الشائعات…”

“…هل ترغب في الانضمام، جييوس؟”

 

رأت على الفور امرأة بشعر فضي قصير، بنظرة لاذعة، وبدت – في نظر إيميليا – هي النموذج المثالي للمرأة.

رد جييوس الضعيف جعل إيميليا تضع إصبعًا على شفتيها وتفكر. بدا جييوس غير مدرك لما تعنيه، لذا علقت إيميليا. “أعني… جاراتنا قلن أننا نبدو كعائلة سعيدة متوافقة.”

 

 

“… شكرًا لكم على قلقكم. أنا بخير تمامًا ولم أتأذَّ على الإطلاق.”

“— ! كنت متأكدًا أن هذا الكلام يشير فقط إلى السيدة إيميليا والسيدة فورتونا…”

“همم؟ ما الأمر؟ إذا حدث أي شيء، يمكنكِ إخباري.”

 

“أنتم تتفاهمون دائمًا بشكل رائع. رؤية ذلك عن قرب يجعلني أبتسم فعلًا.”

“توقعاتي لم تخب بشأنك، جييوس… لكن أمي تفهم ذلك، أليس كذلك؟”

“…آسف جدًا، سيدتي العجوز.”

 

لذا، لم يكن هناك داعٍ لانتظار نجاح إيميليا أو فشلها في التجارب. ولكن…

تسببت كلمات إيميليا في أن تبتعد فورتونا بنظرها، ووجهها محمر. حتى إيميليا لاحظت بوضوح مشاعر والدتها. وبالتأكيد، شعر جييوس بنفس الشيء.

 

 

علقت ربات المنازل اللاتي يسكنّ بالقرب من الطريق بينما شاهدن الثلاثي يسيرون باتجاه البحيرة. وقبل أن تتمكن فورتونا من الرد على تعليقاتهن بحدة، علّق جييوس بابتسامة.

“أعتقد أن هذا فكرة رائعة. فلتفكرا في الأمر، حسنًا؟”

“اليوم…؟”

 

 

” — ”

 

 

 

“لا أحد في الغابة، بما فيهم أنا، يرى في الأمر شيئًا غريبًا. ولن أسمح أبدًا لأي أحد أن يقول أي شيء سيئ!”

ثم، أمام عيني إيميليا مباشرةً، بدأت صورة إيكيدنا تتلاشى، مثل تموجات على سطح الماء، وبدا وجودها مشوهًا قبل أن تختفي من العالم الوهمي.

 

 

ببعض الطعام المشوي بين يديها، لاحظت إيميليا أنها تشعر بالحماس حول هذا الموضوع. ومع ذلك، أرادت أن تقول هذا؛ كان عليها أن تقوله. لم ترد لفورتونا وجييوس أن يخافا من السعادة معًا — أرادت أن يصبحا سعيدين.

 

 

ثم أدارت ظهرها له، وعادت للوقوف أعلى الجرف. من هناك، استطاعت أن ترى فورتونا وجييوس عن بعد، وكذلك سطح البحيرة مباشرةً تحتها.

“— قلت ما أردت قوله. سأترك الباقي للزوجين الشابين. امضيا قُدمًا بلا تردد.”

لم تستطع إيميليا أن تدرك أنها قد عادت إلى الواقع تمامًا؛ فبرودة المياه وحدّتها لم تتبدد تمامًا حتى حين استعادت وعيها، والذكرى الأخيرة للمشهد الوهمي الذي عاشته في التجربة الثانية لا تزال تدق في صدرها.

 

 

“إيميليا، حقًا، من أين تعلّمتِ مثل هذه الأمور؟”

 

 

بتعبير سعيد، تناول جييوس الطعام المشوي بالأعشاب بفرح، فهو يعرف أن وصفة فورتونا الخاصة تضمن له وليمة في كل مرة يخرجون فيها للنزهة.

قالت إيميليا تلك الكلمات ويداها على خصرها، بينما نظرت إليها فورتونا بتعبيرها المعتاد المليء بالضجر. غير أن ذلك التعبير تلاشى على الفور، ليتحوّل إلى ابتسامة لم تستطع كبحها.

“إيميليا…”

 

 

“ههه، آه-هه. أوه، إيميليا… أنتِ حقًا فتاة لطيفة جدًا.”

 

 

 

“ههه، الآنسة إيميليا… أرى، لقد نشأتِ بخير وسلامة. وإن هذا لَشيءٌ مبهج حقًا.”

 

 

كما كان الحال مع التجربة الثانية، كان عليها مغادرة القبر والدخول مجددًا للانتقال إلى التحدي الجديد. وحتى إن لم يكن ذلك شرطًا، فإيميليا بحاجة لإبلاغ رام، التي تنتظرها بالخارج، بنتيجة التجربة الثانية.

“بالطبع، لقد نشأت كذلك. إنها ابنتي، فخري وسعادتي. لا يحتاج الأمر إلى توضيح.”

 

 

“صباح الخير لكِ، سيدتي إيميليا. يسعدني أنكِ أتيتِ لتحيتي.”

“نعم، أرى ذلك بوضوح.”

 

 

“على الرغم من أنكِ لا تزالين تستخدمين هذه العبارات السخيفة، أشعر بالقلق من أن الآخرين يملؤون رأسك بأفكار غريبة. يجب أن أُتحدث مع آرتشي بعد هذا.”

بينما تراقب الضحكات والابتسامات المتبادلة بين الاثنين، شعرت إيميليا بدفء يتصاعد في صدرها، وبكل صدق، رغبت في أن تظل تلك اللحظة للأبد، بأن تغمر نفسها في هذا المشهد.

كان هؤلاء هم سكان قرية إيرلهام الذين تم إجلاؤهم إلى الملاذ واحتموا في الكاتدرائية.

 

 

ـــ ربما لأنه لا توجد سعادة أعظم من هذه.

 

 

 

“…إيميليا؟”

“مهما صارت النتيجة في النهاية، فإن ما تحاولين القيام به هو أمر مدهش ويستحق الإشادة. لن أذهب إلى حد القول بأن كل شخص هنا يشارك هذه المشاعر، وحتى أنا لا أستطيع القول بأنني تمامًا في صفك حتى الآن. لكن من فضلك، اسمحي لنا بأن نراقبكِ حتى النهاية.”

 

لم يكن هذا الأمر مقتصرًا على شخص أو شخصين، بل انضم الجميع في تمثيل جماعي وكأنهم يسمعون بذلك لأول مرة.

عندما نادت فورتونا فجأة، سارعت إيميليا لتغطي وجهها بيديها. أدركت متأخرةً أنها بدأت بالبكاء دون وعي. قالت بصوت مخنوق وهي تكافح لكبح دموعها، “أه، ربما علقت قطعة من الغبار في عيني. قطعة غبار كبيرة جدًا.”

لطالما اعتبرته بمثابة أخ لها، لكن الخجل وشعور التحدي بداخلها منعها من مناداته بذلك ولو لمرة واحدة.

 

ابتلعت فورتونا كلماتها، ولم تستطع إلا أن ترد بارتباك.

“كبيرة لهذه الدرجة؟ هل أنت بخير؟”

“…نعم، هذا صحيح. ماذا تظن عنهما يا أرتشي؟”

 

في هذا العالم، شعرت إيميليا بفرح عارم، وحب دافئ، وسعادة حزينة جعلت القشعريرة تتخلل كل جسدها.

“أنا… أنا بخير تمامًا. أنا في أفضل حالة، مثل تلك الصخرة هناك.”

 

 

 

“تلك الصخرة الضخمة؟! هل أنتِ متأكدة أنك بخير؟!”

“أريد أن أصبح مثل باك، الذي ظل يحميّني كي لا أبقى وحيدة. أريد أن أصبح مثل رام، التي تعمل بكل قوتها من أجل الشخص الذي تحبه. أريد أن أصبح مثل أوتو، الذي يبذل قصارى جهده من أجل صديقه. أريد أن أصبح مثل غارفييل، الذي يرفض أن يتفوه بكلمة خوف أو شكوى.”

 

“إيميليا؟”

“قلت لكِ إنني بخير!!”

 

 

 

وبينما تجيب على قلق الثنائي، فركت إيميليا عينيها وتوجهت نحو البحيرة.

بدت رؤيتها ضبابية. ببضع رموش سريعة، أدركت أنها جالسة على كرسي، وأنها في بيتها.

 

 

“سأغسل عينيّ قليلًا، وقد ابدأ في التجوّل حول البحيرة.”

 

 

 

“تأكدي من ألا تسقطي عينيك عن طريق الخطأ. إنها بلون جميل… عيون بنفسجية رائعة، تمامًا مثل عيون أخي.”

 

 

“لا أبدًا.”

“حسنًا، عيون أمي جميلة أيضًا.”

“توقعاتي لم تخب بشأنك، جييوس… لكن أمي تفهم ذلك، أليس كذلك؟”

 

تأخر عودتهم إلى منازلهم كان مرتبطاً بإزالة حاجز الملاذ، وإيميليا وعدتهم بتحقيق ذلك.

ربما لم تتوقع فورتونا هذا الرد، فقد فاجأها بشدة. ورؤية هذا الجانب غير المعتاد منها جعل جييوس يضحك، وكذلك ضحكت إيميليا.

كانت إيميليا دائمًا فخورة بأمها، لكنها رأت فورتونا جميلة بشكل استثنائي في ذلك اليوم. وذلك لأنها ارتدت تنورة لأول مرة، بدلاً من ملابسها العملية المعتادة. بدت ملابسها خالية من الزخرفة، لكن تنسيق الألوان المنعش ناسبها بشكل رائع.

 

 

استمرت في الضحك وهي تتقدم نحو البحيرة. ثم ألقت نظرة خاطفة للخلف، نحو فورتونا وجييوس.

“تبدين غريبة حقًا هذا الصباح. إذا كنتِ لا تشعرين بخير، يمكننا العودة إلى البيت و …”

 

“آه… آنسة ريوزو، من المفاجئ قليلًا سماع شخص يناديكِ بالسيدة العجوز بهذا الشكل.”

“انسجما جيدًا وانتظراني، حسنًا؟ ودائمًا، داااائمًا انسجما جيدًا جدًا.”

 

 

 

“نعم، نعم، أيتها القلقة الصغيرة. لكن لا تجعلينا ننتظر طويلًا. ذلك سيضعني في مأزق حقيقي.”

“— يبدو أن صوتك وملامحك مختلفة يا إيميليا. هل تركت شرودك المعتاد في مكانٍ ما؟ بدأت أشعر بالقلق عليك.”

 

 

“لا، لا حاجة للإسراع. خذي وقتك. سننتظر لأطول فترة تحتاجينها، سيدة إيميليا.”

“أنا لستُ أفضل حالاً، إذ قضيت مئة عام تقريباً في نوم عميق.”

 

 

وبينما ودعت والديها بابتساماتهما، أخذت إيميليا نفسًا عميقًا.

“أنتِ حقًا متألقة اليوم، أمي. تبدين لطيفة للغاية.”

 

 

ثم، غير قادرة على كبح مشاعرها أكثر، استدارت لتنظر إليهما مباشرة، وافترّت شفتيها مرة أخرى.

 

 

 

“— أحبكما كليكما.”

 

 

“السيد سوبارو؟ هيه، هل أخبرنا بأي شيء حقًا؟”

 

 

اصطفت ريوزو بجانب رئيسة قرية إيرلهام وتنهدت وكأنها تقول: “لقد وصلنا في الوقت المناسب”.

من على هضبة تطل على البحيرة بأكملها، وقفت إيميليا، يلامسها النسيم برفق.

“كالعادة، الهواء هنا منعش جدًا. أشعر وكأنني في مزاج أفضل بالفعل.”

 

 

كانت تراقب الزوجين عند الشاطئ البعيد للبحيرة بعيونها البنفسجية التي لطالما أثنت عليها والدتها. قال “جييوس” شيئًا دون أن يدرك أثر كلماته، فاحمر وجه “فورتونا” وهي ترد عليه. ضمت إيميليا شفتيها وهي تتابع المشهد المضحك قليلاً. وفجأة —

 

 

 

“أليس من الخطر أن تكوني هنا بمفردك، إيميليا؟”

“…بعد أن استمعتُ لما قاله غارفيل الشاب وما قاله القرويون هنا… واستمعْتُ لكلام كلٍ من سكان هذا المكان والأجانب على حد سواء، استطعت أخيرًا أن أستجمع هذه العظام القديمة وأتحرك. يمكنني القول إنني انتهازية.”

 

في لحظة، جذبها الثقل إلى الأسفل، لتسقط رأسًا على عقب نحو الماء. الريح تعانق شعرها الفضي الطويل وتلتف حول جسدها.

عندما سمعت صوتًا مألوفًا يناديها من خلفها، استدارت إيميليا لترى شابًا وسيمًا بشعر ذهبي وعينين خضراوين يقف أمامها —

 

 

 

“أرتشي إليور”، أحد الجان الذين يعيشون معهم في غابة إليور الكبرى، وبالنسبة لإيميليا، كان بمثابة شقيقٍ لها.

نظر القرويون إلى وجوه بعضهم وبدأوا يتبادلون كلمات لا تصدق، وكأنهم جميعًا يتصرفون وكأنهم لا يعرفون شيئًا عما تتحدث عنه إيميليا.

 

 

“أرتشي…”

 

 

 

“— يبدو أن صوتك وملامحك مختلفة يا إيميليا. هل تركت شرودك المعتاد في مكانٍ ما؟ بدأت أشعر بالقلق عليك.”

 

 

ببعض الطعام المشوي بين يديها، لاحظت إيميليا أنها تشعر بالحماس حول هذا الموضوع. ومع ذلك، أرادت أن تقول هذا؛ كان عليها أن تقوله. لم ترد لفورتونا وجييوس أن يخافا من السعادة معًا — أرادت أن يصبحا سعيدين.

“همف، هذا كلام غير لطيف، أرتشي الأحمق. أنا لا أعرفك، ابتعد عني.”

“كالعادة، الهواء هنا منعش جدًا. أشعر وكأنني في مزاج أفضل بالفعل.”

 

 

“آسف، آسف. إن كان هناك أمر يشغلك حقًا، فسأصغي إليك بجدية، حسناً؟”

 

 

“بصراحة، أنا… لا، نحن… لم نقرر بعد في قلوبنا.”

أظهر أرتشي ابتسامة متألمة بينما رفع يديه مستسلمًا، وتقدم نحوها ليقف إلى جانبها فوق الجرف.

 

 

“بالتأكيد، ترغبين في سعادتهما. بالتأكيد، تريدين أن تعيشي هنا لترين ذلك. في النهاية، هذا هو الحاضر المثالي لك… المستقبل الذي تمنيته بنفسك.”

“ما الأمر؟” سألها بإمالة رأسه. “من المفترض أن يأتي سيدي الأسقف إلى الغابة اليوم، صحيح؟ ألم تكوني معه؟… آه، أليس هناك؟ هل أعطيتهم بعض الوقت ليكونوا وحدهم، ربما؟”

 

 

وببطء، وكأن هذا الصوت يوجه وعيها، طافت بها اليقظة نحو السطح.

“…نعم، هذا صحيح. ماذا تظن عنهما يا أرتشي؟”

“ليا، توقفي عن هز رأسك بهذه الطريقة واجلسي بهدوء، هلّا فعلتِ؟”

 

 

“أظنهما ثنائيًا مناسبًا. الجميع في الغابة يعتقد ذلك. السيدة فورتونا صارمة جدًا مع نفسها، رغم أننا نفضل أن تفكر في سعادتها الخاصة قليلاً…”

عندما سمعت صوتًا مألوفًا يناديها من خلفها، استدارت إيميليا لترى شابًا وسيمًا بشعر ذهبي وعينين خضراوين يقف أمامها —

 

 

أثناء حديثه، شهق أرتشي بذهول عندما رأى عيون إيميليا وقد امتلأت بالدموع، مستعدةً للانهمار.

“— واجهي الكارثة القادمة.”

 

 

“آه، إيميليا، لا… لا تقلقي! حتى لو اجتمعت السيدة فورتونا وسيدي الأسقف، لن يتخليا عنك أبدًا!”

 

 

 

“…هذا ليس السبب، أيها الأحمق.”

 

 

كما أكد غارفيل سابقاً، كان هذا هو حال الملاذ في وضعه الراهن. العديد من سكان هذا المكان تعرضوا للاضطهاد بسبب دمائهم التي تختلف عن البشر وأنصاف البشر، مما دفعهم إلى السعي لهذا المكان كملاذ يجدون فيه بعض الطمأنينة. وبعضهم وُلِد هنا، وعاش حياته بالكامل هنا، ثم عاد إلى التراب.

“ليس هذا، إذن؟… آه، حسنًا، ماذا عن هذا؟ قد يكون الأمر صعبًا الآن، ولا أعرف كم من السنوات ستنقضي، لكن يومًا ما، كلاهما سيـ —”

 

 

“أنا مسرور جدًا لسماعك تقولين ذلك يا سيدتي إيميليا. لو كان ذلك ممكنًا، لرغبت في ذلك من أعماق قلبي.”

“— الوقت.”

 

 

كانت مغادرته المفاجئة آخر ما كانت تريده إميليا. وبدا من الطبيعي أن يشعر سكان الملاذ بنفس القدر من النفور تجاه أن يُفرض عليهم أمر كهذا من قبل الآخرين.

رفعت إيميليا رأسها بشفاه مرتعشة، وهي تقاطعه.

 

 

“لن نعود إلى القرية حتى ترفعي الحاجز بنفسك. لن نغير موقفنا أبداً.”

لو كان لديهما وقت، لتقلصت المسافة بين فورتونا وجييوس تدريجيًا. في الواقع، وتيرة الأمور الحالية بدت بطيئة كزحف الحلزون، لكن يومًا ما سيأتي ذلك اليوم الذي يجتمعان فيه.

“أنتم تتفاهمون بشكل جيد حقًا.”

 

تأخر عودتهم إلى منازلهم كان مرتبطاً بإزالة حاجز الملاذ، وإيميليا وعدتهم بتحقيق ذلك.

عندما يحل ذلك اليوم، سيحتفل الجميع في الغابة، وبالطبع، ستكون إيميليا أول من يحتفل، وستتمنى لو يحتفل به كل الناس حول العالم.

 

 

“— شكرًا لكِ على إظهار هذا العالم لي، إيكيدنا.”

عندها، سيصبح هناك عالم من السلام، من الهدوء، من الحرية المطلقة، حيث يبتسم الجميع سويًا —

ربما كانت الأم، الأب، الأخ الأكبر، وجميع من رأتهم هنا مجرد تخيلات.

 

 

“— لكن ذلك العالم لا وجود له.”  

“أنتِ…”

 

لم يكن الغضب ما حوى صوته. بل —

أخفضت إيميليا عينيها المحاطة بأهداب طويلة، ولمست زينتها الشعرية وتمتمت — تلك الزينة ، التي على شكل وردة، والتي ورثتها عن والدتها، والتي لا ينبغي أن يوجد لها مثيل في هذا العالم.

بدا أن المجموعة تتقدم بحذر، وكانت تقودهم فتاة بشعر وردي طويل وعباءة سوداء تحمل عصا في يدها.

 

لو كان لديهما وقت، لتقلصت المسافة بين فورتونا وجييوس تدريجيًا. في الواقع، وتيرة الأمور الحالية بدت بطيئة كزحف الحلزون، لكن يومًا ما سيأتي ذلك اليوم الذي يجتمعان فيه.

كانت والدتها، التي تنتظرها على ضفة البحيرة مرتديةً أجمل ملابسها، تضع ذات الزينة الشعرية التي ترتديها إيميليا.

“لقد أحسنتِ في اجتيازكِ للتجربة، سيدتي إيميليا. نحن ممتنون لكِ لهذا. وأيضاً…”

 

 

بمعنى آخر، كان هذا مكانًا بعيدًا عن الغابة التي خُتمت بنهايتها الثلجية. كان مستقبلًا مثاليًا، مجهولًا، وغير ممكن —

 

 

 

“… بالنظر إلى هذا الحاضر الغامض، ألم تفكري من قبل: أريد أن أعيش هنا؟

” ـــ ”

 

“وماذا عن الجراح التي ستعانينها؟ والألم؟ ما فقدتيه لن يعود أبدًا. هل ستواصلين السعي، رغم ذلك؟”

“أرتشي…”

 

 

“أرجو أن تعلمي أن ذلك ليس بسببك، سيدتي إيميليا. كان ذلك بناءً على إرادة السكان… وحقًا، كان عنادي الشخصي هو الذي منعني من السماح لكي بلقاء سكان الملاذ.”

“هنا، حيث أنا، السيدة فورتونا، سيدي الأسقف، والجميع، نعيش جميعًا بأمان وسلام. لا مأساة ستحل بهذا المكان. إنه عالم سعيد. إيميليا، يمكنك أن تعيشي حياة طيبة، خالية من الهموم والألم.”

“الآنسة ريوزو و … سكان الملاذ؟”

 

 

وجه أرتشي نداءً رقيقًا لإيميليا، التي أدركت أن هذا العالم زائف، طالبًا منها ألا ترتسم على وجهها تلك النظرة الحزينة. صار عدم تشكيكه في هذا العالم في حد ذاته دليلاً على زيفه.

 

 

 

كان من الكذب قول أن ندائه لم يمسّ قلبها.

 

 

 

“بالتأكيد، ترغبين في سعادتهما. بالتأكيد، تريدين أن تعيشي هنا لترين ذلك. في النهاية، هذا هو الحاضر المثالي لك… المستقبل الذي تمنيته بنفسك.”

 

 

اجتمع الجميع في مجموعتين، فاصلين الساحة المفتوحة بينهما.

“المستقبل الذي… نعم، أعتقد أنك محق. أنا واثقة من ذلك.”

 

 

“…”

كانت تريد لفورتونا السعادة. كانت ترغب أن يجعل “جييوس” والدتها سعيدة.

 

 

توسعت عيناها قليلاً بهدوء.

تمنت لو أن الجميع في الغابة يستطيعون الابتسام معًا، لو تستطيع أن تظل قريبة من أرتشي، تعيش في عالم سعيد كهذا.

“صباح الخير لكِ، سيدتي إيميليا. يسعدني أنكِ أتيتِ لتحيتي.”

 

 

— لو فقط تستطيع ارتداء قناع الجهل ، أن تنسى بطريقة ما وفاة والدتها المأساوية، وحزن “جييوس” العميق.

لم يكن هذا الأمر مقتصرًا على شخص أو شخصين، بل انضم الجميع في تمثيل جماعي وكأنهم يسمعون بذلك لأول مرة.

 

 

“لقد رحلت السيدة فورتونا. وسلامة سيدي الأسقف أو عدمها مجهولة. والجميع في الغابة تحولوا إلى تماثيل من الجليد.”

 

 

 

“…نعم.”

 

 

“جييوس، لا تأخذها بجدية. ليا ما زالت نعسة هذا الصباح.”

“وطننا جُمّد بالكامل، ومُنع الوصول إليه من الجميع، وحتى أنك انفصلت عن الروح التي كانت كعائلة لك.”

“ها قد انتهينا، أصبح الآن جميلًا تمامًا. اذهبي وانظري في المرآة.”

 

أغلقت إيميليا عينيها وهي تستوعب كلمات أرتشي.

 

 

 

لصار الأمر أيسر لو آلمها صوته.

 

 

كانت إيميليا ضعيفة، بائسة، دائمة الفشل، لكن رغم ذلك، ترغب في فعل كل ما بوسعها من أجل الأشخاص الذين ترغب في أن تظل بجانبهم — من أجل الذين يعيشون داخل الغابة وخارجها، من أجل أولئك الذين كانوا معها في الماضي ومن سيقفون بجانبها في المستقبل.

لو انتقدها صوته على قراراتها الخاطئة، أو وبخها على ضعفها، أو أهانها لجحدها، لسهّل ذلك عليها. لكن أرتشي قال بكل ثقة أنه لن يفعل ذلك أبدًا.

 

 

 

لم يكن الغضب ما حوى صوته. بل —

 

 

تشنجت ساقاها. وبينما بدت إيميليا غارقة في كآبتها، جاءها الخلاص من اتجاه مختلف.

“مع أنك تستطيعين العيش بسعادة هنا… مع أنك أردت هذا العالم… أيتها المسكينة…”

وفي وسط هذه الفوضى، كادت السلة أن تسقط على الأرض، لكن إيميليا أمسكت بها في اللحظة الأخيرة.

 

“على الرغم من أنكِ لا تزالين تستخدمين هذه العبارات السخيفة، أشعر بالقلق من أن الآخرين يملؤون رأسك بأفكار غريبة. يجب أن أُتحدث مع آرتشي بعد هذا.”

— كل ما أراده هو أن تصبح إيميليا سعيدة، وأن تجد السلام.

“لا أعتقد أن الملك بحاجة إلى تذكر اسم كل رعيته، ولكن…”

 

 

كان تمامًا كما قال؛ هذا العالم موجود فقط ليمنح إيميليا السعادة…

 

 

نطقت إيميليا بكلمات شكر حقيقية تجاه إيكيدنا؛ لم تكن مشاعرها هذه المرة مختلطة، بل صافية وصادقة.

“…آسفة، يا أرتشي.”

“—!”

 

 

“— لماذا ترغبين بمستقبل يجلب لك الألم؟”

“…آسفة، يا أرتشي.”

 

“ههه، الآنسة إيميليا… أرى، لقد نشأتِ بخير وسلامة. وإن هذا لَشيءٌ مبهج حقًا.”

“لا أريد أن أتألم. أنا أبحث عن مستقبل حيث لا حاجة لي أن أتألم، حيث لا أضطر للهرب، الاختباء، أو دفع الأمور بعيدًا. أريد عالمًا أستطيع فيه أن أمد يدي للآخرين.”

“هذا مؤسف… كنت أظنني أشبه أمي أكثر.”

 

 

“وماذا عن الجراح التي ستعانينها؟ والألم؟ ما فقدتيه لن يعود أبدًا. هل ستواصلين السعي، رغم ذلك؟”

 

 

 

حتى إيميليا فكرت مرات عديدة في حياة لا يعتبرها أحد فيها مكروهة. فكرت مرارًا في رمي كل الألم والمعاناة بعيدًا.

 

 

“ها قد انتهينا، أصبح الآن جميلًا تمامًا. اذهبي وانظري في المرآة.”

لامست كلمات أرتشي الصادقة عميقًا جراحًا عديدة في قلبها الضعيف.

كان بيتهم، بيتٌ محفور داخل جوف شجرة عظيمة في الغابة. كانت تجلس على كرسيها الخاص في غرفة المعيشة.

 

 

“…أريد أن يظن الناس أنني رائعة”

كانت طريقته في الحديث وابتسامته تلك كفيلة بجعل إيميليا تشعر بعمق محبته. يا تُرى، كم مرة حماها؟ وكم من الحب والسكينة منح لها؟

 

“أوه، لقد خرجت!”

“إيميليا؟”

“أوه، لقد خرجت!”

 

 

تسللت الشكوك إلى صوته؛ بدا أرتشي وكأنه لم يصدق أذنيه.

“جييوس، إن كنت تحب طعام أمي إلى هذه الدرجة، يمكنك العيش معنا في الغابة.”

 

بدا أن المجموعة تتقدم بحذر، وكانت تقودهم فتاة بشعر وردي طويل وعباءة سوداء تحمل عصا في يدها.

رفعت إيميليا رأسها، ناظرةً مباشرة إلى الشخص الذي كان بمثابة شقيق لها، وتحدثت بحزم ما شعرت به.

 

 

 

“أريد أن أصبح مثل أمي التي أعتبرها قدوتي. أريد أن أصبح لطيفة وقوية، مثل جييوس. أريد أن أصبح مثل الجدة تانسي والآخرين، الذين لم يكونوا يومًا لؤماء معي. أريد أن أصبح مثل أرتشي، الذي ظل يبتسم حتى النهاية كي لا أخاف.”

كل مشاعر إيميليا وأرتشي تجلتا في الابتسامات التي تبادلاها.

 

 

“…”

 

 

 

“أريد أن أصبح مثل باك، الذي ظل يحميّني كي لا أبقى وحيدة. أريد أن أصبح مثل رام، التي تعمل بكل قوتها من أجل الشخص الذي تحبه. أريد أن أصبح مثل أوتو، الذي يبذل قصارى جهده من أجل صديقه. أريد أن أصبح مثل غارفييل، الذي يرفض أن يتفوه بكلمة خوف أو شكوى.”

كما أكد غارفيل سابقاً، كان هذا هو حال الملاذ في وضعه الراهن. العديد من سكان هذا المكان تعرضوا للاضطهاد بسبب دمائهم التي تختلف عن البشر وأنصاف البشر، مما دفعهم إلى السعي لهذا المكان كملاذ يجدون فيه بعض الطمأنينة. وبعضهم وُلِد هنا، وعاش حياته بالكامل هنا، ثم عاد إلى التراب.

 

 

“إيميليا…”

 

 

“اليوم…؟”

“وأريد أن أصبح مثل سوبارو، الذي يتحمل الألم والجراح، الذي يتصرف بتهور دائمًا — الذي أخبرني أنه يحبني.”

مصاحبةً بتلك العزيمة القوية، خرجت إيميليا نحو مدخل القبر لتخبر رام بما حققته، لكنها توقفت مفاجأةً، مائلة رأسها باستغراب.

 

“إيميليا؟ ما الأمر؟”

كانت إيميليا ضعيفة، بائسة، دائمة الفشل، لكن رغم ذلك، ترغب في فعل كل ما بوسعها من أجل الأشخاص الذين ترغب في أن تظل بجانبهم — من أجل الذين يعيشون داخل الغابة وخارجها، من أجل أولئك الذين كانوا معها في الماضي ومن سيقفون بجانبها في المستقبل.

 

 

 

“أريد أن يظن هؤلاء الأشخاص أنني قوية. أريد أن أمد يدي للآخرين بنفس الطريقة التي طمأنني بها الكثيرون بأن كل شيء سيصبح على ما يرام.”

 

 

 

حان الوقت للفتاة التي اعتاد الجميع أن ينقذوها لتبدأ بإنقاذهم.

أرادت إميليا إخبار الفتاة التي ألهمتها لتجاوز التجربة بأنها قد حققت بعض النجاح أخيرًا، لكن…

 

عند سماع رد إميليا، ضيّقت ميلدي عينيها قليلًا، ثم انحنت لها بعمق.

الفتى الذي عانى كثيرًا من أجل إيميليا، الذي وثق بها، ووعدها بأن الأمور ستنتهي بخير.

 

 

“حسنًا، أعتقد أن الوقت قد حان.”

— لهذا السبب، ستعيش إيميليا في العالم الخارجي.

 

 

الفتى الذي عانى كثيرًا من أجل إيميليا، الذي وثق بها، ووعدها بأن الأمور ستنتهي بخير.

“أنا بخير. لست خائفةً من العالم الخارجي. لست خائفةً من المستقبل.”

“لا، لا حاجة للإسراع. خذي وقتك. سننتظر لأطول فترة تحتاجينها، سيدة إيميليا.”

 

 

“…”

 

 

“لن نعود إلى القرية حتى ترفعي الحاجز بنفسك. لن نغير موقفنا أبداً.”

“شكرًا لأنك قلق عليّ. أنا… بخير يا أخي الكبير.”

كانت التوقعات التي تدفعها إلى الأمام كثيرة — أكثر من المرة الأولى وبالتأكيد أكثر من الثانية. وبينما تحمل هذه التوقعات بجانب العزم القوي الذي سكن قلبها، سارت نحو أعماق القبر.

 

 

تلك العبارة جعلت عيني أرتشي تتسعان باندهاش. ابتسمت إيميليا وهي تراقب ملامح وجهه المتفاجئ.

“تلك الصخرة الضخمة؟! هل أنتِ متأكدة أنك بخير؟!”

 

لم يبقَ شيء وراءها. ومع اختفاء من كان يُفترض أنه أرتشي، بدأ الزمن والريح في التدفق من جديد.

لطالما اعتبرته بمثابة أخ لها، لكن الخجل وشعور التحدي بداخلها منعها من مناداته بذلك ولو لمرة واحدة.

 

 

“…بعد أن استمعتُ لما قاله غارفيل الشاب وما قاله القرويون هنا… واستمعْتُ لكلام كلٍ من سكان هذا المكان والأجانب على حد سواء، استطعت أخيرًا أن أستجمع هذه العظام القديمة وأتحرك. يمكنني القول إنني انتهازية.”

أما الآن، لم يعد هناك ما يدعو للخجل من تلك المشاعر الدافئة. بات بإمكانها أن تبوح بكل جرأة بما شعرت به دائمًا.

 

 

 

في غابة موطنها، امتلكت إيميليا أمًا وأبًا وأخًا كبيرًا — امتلكت عائلة.

 

 

 

“—أنتِ…”

“لن نعود إلى القرية حتى ترفعي الحاجز بنفسك. لن نغير موقفنا أبداً.”

 

 

أمام ابتسامتها الساحرة، حاول أرتشي قول شيءٍ ما، لكنَّ سيلًا من المشاعر المتشابكة والمتعذرة الوصف تلاشى بداخله دون أن يتخذ شكلًا واضحًا. في النهاية —

كان بيتهم، بيتٌ محفور داخل جوف شجرة عظيمة في الغابة. كانت تجلس على كرسيها الخاص في غرفة المعيشة.

 

 

“إيميليا، أنتِ عنيدة جدًا. حين تتخذين قرارًا ما، لا تستمعين لأي أحد. هل تدركين كم كان ذلك صعبًا على السيدة فورتونا وبقيتنا؟”

 

 

 

“واه… أنا حقًا آسفة على ذلك.”

 

 

 

“لا بأس. أعني…”

“ألم تعلمي؟ كنت أظن أننا قد أرسلنا إشعارًا مسبقًا…”

 

أخفضت إيميليا عينيها المحاطة بأهداب طويلة، ولمست زينتها الشعرية وتمتمت — تلك الزينة ، التي على شكل وردة، والتي ورثتها عن والدتها، والتي لا ينبغي أن يوجد لها مثيل في هذا العالم.

ثم توقف أرتشي عن الكلام وابتسم، وبدا في ابتسامته تلك إشراقة لا يشوبها أي قلق.

“— ولهذا، سيدتي إيميليا، سننتظر هنا كما وعدنا.”

 

 

“من واجب الأخ الأكبر أن يتحمل نزوات شقيقته الصغيرة.”

 

 

 

“…”

ببعض الطعام المشوي بين يديها، لاحظت إيميليا أنها تشعر بالحماس حول هذا الموضوع. ومع ذلك، أرادت أن تقول هذا؛ كان عليها أن تقوله. لم ترد لفورتونا وجييوس أن يخافا من السعادة معًا — أرادت أن يصبحا سعيدين.

 

 

كانت طريقته في الحديث وابتسامته تلك كفيلة بجعل إيميليا تشعر بعمق محبته. يا تُرى، كم مرة حماها؟ وكم من الحب والسكينة منح لها؟

 

 

لصار الأمر أيسر لو آلمها صوته.

“شكرًا لك، أخي الكبير.”

 

 

” ـــ آسفة على التأخير، رام… أم، لحظة؟”

كل مشاعر إيميليا وأرتشي تجلتا في الابتسامات التي تبادلاها.

 

 

“…هذا ليس السبب، أيها الأحمق.”

ثم أدارت ظهرها له، وعادت للوقوف أعلى الجرف. من هناك، استطاعت أن ترى فورتونا وجييوس عن بعد، وكذلك سطح البحيرة مباشرةً تحتها.

“أريد أن أصبح مثل أمي التي أعتبرها قدوتي. أريد أن أصبح لطيفة وقوية، مثل جييوس. أريد أن أصبح مثل الجدة تانسي والآخرين، الذين لم يكونوا يومًا لؤماء معي. أريد أن أصبح مثل أرتشي، الذي ظل يبتسم حتى النهاية كي لا أخاف.”

 

” – يا إلهي، إلى متى ستظلين مدلّلة كهذه؟ أنتِ حقًا لا يمكن إصلاحك.”

“…”

 

 

 

فجأة، لاحظ الاثنان وجود إيميليا، ولوحا لها، فردت عليهما بالمثل.

عندما نادت فورتونا فجأة، سارعت إيميليا لتغطي وجهها بيديها. أدركت متأخرةً أنها بدأت بالبكاء دون وعي. قالت بصوت مخنوق وهي تكافح لكبح دموعها، “أه، ربما علقت قطعة من الغبار في عيني. قطعة غبار كبيرة جدًا.”

 

 

حرصت على أن تخلد تلك الصورة ـــ مشهدهما معًا بسعادة ـــ في قلبها، في ذهنها، في روحها، وفي ذكرياتها، ثم تركتها خلفها جميعًا.

 

 

 

“— شكرًا لكِ على إظهار هذا العالم لي، إيكيدنا.”

 

 

انحنى الرجل، الذي قدرت إيميليا عمره بنحو ثلاثين عامًا، برأسه وتعبير التوتر واضح على وجهه.

كانت تتحدث إلى أرتشي الواقف خلفها — لا، لم يكن هذا أرتشي. لقد كانت تتحدث إلى إيكيدنا، الساحرة.

كان من المفترض أن يبقى سكان القرية في الملاذ حتى يتم رفع الحاجز كجزء من الاتفاق، ولكن بما أن غارفيل قد تراجع عن طلباته السابقة، لم يعد هناك سبب لبقائهم.

 

 

“…”

من على هضبة تطل على البحيرة بأكملها، وقفت إيميليا، يلامسها النسيم برفق.

 

“— نعم؟”

بما أن أرتشي بدا مطلعًا على تفاصيل كثيرة لم يكن من المفترض أن يعرفها، فإن هذا العالم كله كان مجرد وهم من البداية.

 

 

أرادت إميليا إخبار الفتاة التي ألهمتها لتجاوز التجربة بأنها قد حققت بعض النجاح أخيرًا، لكن…

تذكرت إيميليا المحاكمة، وفهمت أن هذا ليس واقعًا.

 

 

ربما كانت الأم، الأب، الأخ الأكبر، وجميع من رأتهم هنا مجرد تخيلات.

 

 

 

حتى لو كان هذا صحيحًا، شعرت إيميليا بالامتنان يغمر قلبها.

 

 

ثم احمرّ وجهها. وفي لحظة، وجهت لكمة قوية إلى كتفه جعلت جييوس يطير بعيدًا.

“ربما لا يمكن لهذا العالم أن يوجد أبدًا، لكنني لم أكن لأظن أنني سأرى يومًا أمي وجييوس… أمي وأبي معًا هكذا، مبتسمين جنبًا إلى جنب. لذلك، شكرًا لكِ.”

بحزم في قلبها، أغلقت إيميليا عينيها، وبعد لحظات، رفعت قدميها عن الأرض.

 

 

بدا من المخيف الاعتراف بأن هذا مجرد حلم زائل، غير حقيقي.

كان من المفترض أن يبقى سكان القرية في الملاذ حتى يتم رفع الحاجز كجزء من الاتفاق، ولكن بما أن غارفيل قد تراجع عن طلباته السابقة، لم يعد هناك سبب لبقائهم.

 

 

لكن، حتى لو كان عالمًا لن يتحقق، حصلت إيميليا على فرصة لرؤية السعادة التي كانت ممكنة.

لم تستطع إيميليا أن تدرك أنها قد عادت إلى الواقع تمامًا؛ فبرودة المياه وحدّتها لم تتبدد تمامًا حتى حين استعادت وعيها، والذكرى الأخيرة للمشهد الوهمي الذي عاشته في التجربة الثانية لا تزال تدق في صدرها.

 

 

في هذا العالم، شعرت إيميليا بفرح عارم، وحب دافئ، وسعادة حزينة جعلت القشعريرة تتخلل كل جسدها.

 

 

 

لقد كانت ممتنة من أعماق قلبها لأنها حصلت على هذه الفرصة لرؤية كل شيء هنا.

“مهما صارت النتيجة في النهاية، فإن ما تحاولين القيام به هو أمر مدهش ويستحق الإشادة. لن أذهب إلى حد القول بأن كل شخص هنا يشارك هذه المشاعر، وحتى أنا لا أستطيع القول بأنني تمامًا في صفك حتى الآن. لكن من فضلك، اسمحي لنا بأن نراقبكِ حتى النهاية.”

 

“— همم.”

“أنتِ…”

ـــ ربما لأنه لا توجد سعادة أعظم من هذه.

 

“— شكرًا لكِ على إظهار هذا العالم لي، إيكيدنا.”

ردًا على كلمات الامتنان من إيميليا، سمعت صوتًا — ليس صوت أرتشي، بل صوت امرأة، صوت الساحرة.

 

 

“الحمد لله أنك بخير وسلامة!”

لا تزال ذكرى كراهيتها من قبل إيكيدنا خلال المحاكمة الأولى حديثة في ذهنها. لقد تنازلت عن الأمل في سماع صوتها في هذا العالم، ناهيك عن رؤيتها.

 

 

الفتى الذي عانى كثيرًا من أجل إيميليا، الذي وثق بها، ووعدها بأن الأمور ستنتهي بخير.

لكن هناك، ظهرت إيكيدنا في هذا العالم الزائل في اللحظة الأخيرة، وبدا صوتها مرتجفاً.

 

 

 

“إيكيدنا…؟”

“أنا… أنا بخير تمامًا. أنا في أفضل حالة، مثل تلك الصخرة هناك.”

 

 

استدارت إيميليا لتواجه الساحرة مباشرة. وفي نفس اللحظة، تمنت لو أنها لم تفعل. فحين نظرت، رأت إيكيدنا تقف هناك، بوجه مهيأ للبكاء، مما جعل إيميليا تشعر بالندم لرؤية هذا المشهد.

“— نعم؟”

 

“ثم إننا لسنا وحدنا من يتوقع الكثير من جهودك، سيدتي إيميليا.”

— كانت إيكيدنا تقف فقط، تحدق بإيميليا بنظرة مليئة بالألم وبكلماتٍ محبوسة.

 

 

 

“أكرهكِ ـــ أكرهكِ فقط…”

“لا، الأمر ليس كذلك. أمي تشعر بالحرج بسهولة، لذا لم تستطع إلا أن تحمر خجلًا عندما قلت لها ذلك، جييوس. هي ما عليها، أمي لطيفة جدًا.”

 

“…”

“…”

“نعم، إنه وعد. في الواقع، بالنسبة لي وللباقين، تجاهل أي شخص بناءً على مظهره وموقعه من دون حتى الحديث معه ليس بالأمر الأفضل — واااهع!”

 

“لقد أطلت الحديث وأخذته بجدية كبيرة، وفي منتصفه انتقلت من قول ‘نحن’ إلى ‘أنا’. عار عليك، عار.”

لم تعلق إيميليا على الارتباك الذي لاحظته في الكلمات التي خرجت بصعوبة من إيكيدنا.

 

 

 

ثم، أمام عيني إيميليا مباشرةً، بدأت صورة إيكيدنا تتلاشى، مثل تموجات على سطح الماء، وبدا وجودها مشوهًا قبل أن تختفي من العالم الوهمي.

“آاااه —”

 

وضعت إيميليا يدها على صدرها، محاولةً تهدئة أنفاسها قبل أن تتوجه مجددًا نحو حافة الجرف وتنظر نحو المياه أسفلها.

لم يبقَ شيء وراءها. ومع اختفاء من كان يُفترض أنه أرتشي، بدأ الزمن والريح في التدفق من جديد.

أمام ابتسامتها الساحرة، حاول أرتشي قول شيءٍ ما، لكنَّ سيلًا من المشاعر المتشابكة والمتعذرة الوصف تلاشى بداخله دون أن يتخذ شكلًا واضحًا. في النهاية —

 

 

“إيكيدنا…”

 

 

بدا أن الحادث الذي وقع عند مغادرتهم أثر قليلًا على مزاج فورتونا، حيث ظل جييوس منشغلًا بالتفكير في ردة فعلها. لكن من وجهة نظر إيميليا، لم تكن والدتها غاضبة حقًا — بل تشعر فقط بالخجل. أزعجها بعض الشيء أن جييوس لم يلتقط هذا الشعور كما فعلت هي.

وضعت إيميليا يدها على صدرها، محاولةً تهدئة أنفاسها قبل أن تتوجه مجددًا نحو حافة الجرف وتنظر نحو المياه أسفلها.

“… بالنظر إلى هذا الحاضر الغامض، ألم تفكري من قبل: أريد أن أعيش هنا؟”

 

“أنتم تتفاهمون دائمًا بشكل رائع. رؤية ذلك عن قرب يجعلني أبتسم فعلًا.”

رأت انعكاسها على سطح البحيرة الصافي والهادئ، وشعرت أن ضربات قلبها تزداد قوة وسرعة.

استدارت بسرعة، لتركض بأقدامٍ متلهفة نحو الباب. وعندما فتحته —

 

 

وفي اللحظة ذاتها، فهمت بشكل غريزي كيف يمكنها إنهاء المحاكمة الثانية.

حرصت على أن تخلد تلك الصورة ـــ مشهدهما معًا بسعادة ـــ في قلبها، في ذهنها، في روحها، وفي ذكرياتها، ثم تركتها خلفها جميعًا.

 

“لا أريد أن أتألم. أنا أبحث عن مستقبل حيث لا حاجة لي أن أتألم، حيث لا أضطر للهرب، الاختباء، أو دفع الأمور بعيدًا. أريد عالمًا أستطيع فيه أن أمد يدي للآخرين.”

كانت الطريقة الوحيدة لإنهاء المحاكمة أن تجد نفسها، وأن تعترف وتقبل وتفهم ذاتها.

جعلها صوت فورتونا المتذمر تنظر باتجاهها، لكن كلماتها توقفت في حلقها. لم تكن فورتونا مرتدية ملابسها المعتادة، وكانت تحمل سلة بوضوح مُعدّة للنزهات. أمكنها شمّ رائحة اللحم المشوي بالأعشاب المحشو بين قطع من الخبز الذي صنعته والدتها يدويًا. بمعنى آخر —

 

ثم، بدون أن تشعر، ضبطت فورتونا خطاها لتسير جنبًا إلى جنب مع إيميليا وجييوس. ألقت إيميليا تحية خفيفة بيدها لربات المنازل اللاتي بادلنها التحية بابتسامات مرحة.

منذ أن تجمد وطنها وسقطت في سبات عميق، لم ترَ إيميليا نفسها وهي ناضجة. لقد مر أكثر من مئة عام، ولم يكن بإمكانها التفاعل مع نفسها الراشدة.

“أجل، يجب أن لا تقولي هذا، سيدتي إيميليا. السيدة فورتونا لديها واجب مهم. إذا ظللت هنا طويلاً، فقد تنتشر شائعات مزعجة وتتسبب لها بالإحراج.”

 

“من واجب الأخ الأكبر أن يتحمل نزوات شقيقته الصغيرة.”

السبب كان بسيطًا — لقد كانت خائفة ببساطة. كانت خائفة جدًا من أن تنظر.

“هذا لأنكِ تتحملين عبئًا ثقيلًا دائمًا، سيدتي فورتونا. يجب أن تأخذي قسطًا من الراحة بين الحين والآخر. دعيني أساعدكِ في الاسترخاء.”

 

أمامها، مدخل القبر ينتظرها، لذا دخلته دون أدنى تردد.

منذ استيقاظها، بدت ملامحها المتغيرة تتناقض مع ذكرياتها الضائعة. كانت هيئتها المجهولة والغير مألوفة تُرعب قلبها، ومعاملة الناس القريبة من الغابة زادت من هذا الخوف.

 

 

 

تجنبها للمرايا وتدريبها على ألا تنظر حتى إلى سطح الماء العاكس كانا جزءًا من عقدها مع باك، الذي ظل يختار لها مظهرها كل يوم.

“ومع ذلك، فإن عنادنا استمر أجيالاً وأجيالاً على مدى أربعة قرون، لذا دعينا نعتبر الأمر متعادلاً.”

 

“المستقبل الذي… نعم، أعتقد أنك محق. أنا واثقة من ذلك.”

“حقًا، كم من الناس ظلوا يحمونني…؟”

تابعوا السير على هذا النحو حتى انسحبت الغابة فجأة من حولهم، وظهرت البحيرة أمامهم.

 

“…”

كم من المرات فشلت في ملاحظة الحب والدعم الذي مُنح لها؟

 

 

لذا، لم يكن هناك داعٍ لانتظار نجاح إيميليا أو فشلها في التجارب. ولكن…

حان الوقت لتضع حدًا لذلك.

 

 

” – ”

بحزم في قلبها، أغلقت إيميليا عينيها، وبعد لحظات، رفعت قدميها عن الأرض.

 

 

 

في لحظة، جذبها الثقل إلى الأسفل، لتسقط رأسًا على عقب نحو الماء. الريح تعانق شعرها الفضي الطويل وتلتف حول جسدها.

“مع أنك تستطيعين العيش بسعادة هنا… مع أنك أردت هذا العالم… أيتها المسكينة…”

 

 

عندما شعرت بقرب سطح الماء، فتحت إيميليا عينيها.

 

 

“تدليلها غير المسؤول يضعني في مأزق. يا إلهي… لا بد أن هذا بسبب دم أختي فيها.”

رأت انعكاس الفتاة فضية الشعر وبنفسجية العينين في الماء الصافي وكأنها تقابل نهاية العالم وجهًا لوجه.

فجأة، لاحظ الاثنان وجود إيميليا، ولوحا لها، فردت عليهما بالمثل.

 

 

توسعت عيناها قليلاً بهدوء.

 

 

 

“— همم.”

 

 

“واه… أنا حقًا آسفة على ذلك.”

خرج صوت بخيبة أمل طفيفة، وصورة وجه الفتاة التي كبرت كثيرًا ظهرت أقرب وأقرب مع كل لحظة.

“وكنت أفكر، يا للعجب، لم أرها تتحدث مع أحدٍ غير غارفيل، أليس كذلك…؟”

 

رد جييوس الضعيف جعل إيميليا تضع إصبعًا على شفتيها وتفكر. بدا جييوس غير مدرك لما تعنيه، لذا علقت إيميليا. “أعني… جاراتنا قلن أننا نبدو كعائلة سعيدة متوافقة.”

تنهدت إيميليا برفق وهمست لنفسها،

“جييوس، لا تأخذها بجدية. ليا ما زالت نعسة هذا الصباح.”

 

لقد نست إميليا في اللحظة التي خرجت فيها من القبر وسط الحشد الكبير، لكن عندها، لم تكن رام موجودة في أي مكان تراه بعينيها.

“هذا مؤسف… كنت أظنني أشبه أمي أكثر.”

 

 

 

 

 

 

وفي لحظة، تحطمت في المرآة المائية.

 

 

 

لم تكن لتفرط أبدًا في السعادة التي وجدتها، لكن عالم الأحلام الذي كان عليها مغادرته وصل أخيرًا إلى نهايته…

لم تعلق إيميليا على الارتباك الذي لاحظته في الكلمات التي خرجت بصعوبة من إيكيدنا.

 

وعندما نظرت إليه مجددًا، كان قد فرد ظهره وشد وجهه المرهق، ثم واصل حديثه.

 

 

 

لم تستطع إيميليا أن تدرك أنها قد عادت إلى الواقع تمامًا؛ فبرودة المياه وحدّتها لم تتبدد تمامًا حتى حين استعادت وعيها، والذكرى الأخيرة للمشهد الوهمي الذي عاشته في التجربة الثانية لا تزال تدق في صدرها.

ابتلعت فورتونا كلماتها، ولم تستطع إلا أن ترد بارتباك.

 

 

وجدت نفسها مستلقيةً على جنبها في المساحة الصغيرة الباردة وسط ضوء خافت في القبر. رمشت بعينيها مرارًا، محاولةً استيعاب ما رأته وما شعرت به. ربما كان ما رأته مجرد وهم، عالم لم يكن له وجود حقيقي، ومع ذلك، بدا الشعور المرافق له قويًا لدرجة أذهلتها.

لم تعلق إيميليا على الارتباك الذي لاحظته في الكلمات التي خرجت بصعوبة من إيكيدنا.

 

“أليس من الخطر أن تكوني هنا بمفردك، إيميليا؟”

“مشاعري تجاه أمي وأبي… وتجاه أخي وكل من أحببت… لم تتغير.”

همس الناس للحظة، لكنهم سرعان ما التزموا الصمت في انتظار كلماتها.

 

— وبدأت التجربة الثالثة.

بل باتت أقوى وأعمق، تتدفق داخل قلبها، وقد عزمت على حملها للأبد. في لحظات التجربة الثانية، شعرت بأن عزيمتها قد صُقلت وتجلت بوضوح أكثر. كانت تلك المشاعر ثمينة، وقد أعطتها التجربتان الأولى والثانية شيئًا غاليًا لا يمكن إنكاره.

“…آسفة، يا أرتشي.”

 

كان من المفترض أن يبقى سكان القرية في الملاذ حتى يتم رفع الحاجز كجزء من الاتفاق، ولكن بما أن غارفيل قد تراجع عن طلباته السابقة، لم يعد هناك سبب لبقائهم.

نطقت إيميليا بكلمات شكر حقيقية تجاه إيكيدنا؛ لم تكن مشاعرها هذه المرة مختلطة، بل صافية وصادقة.

“…”

 

“— الوقت.”

“وهكذا، انتهت التجربة الثانية… أليس كذلك؟” قالت ذلك وهي تنهض، وتترك خلفها الأسئلة المتعلقة بتصرفات إيكيدنا الأخيرة، معتزمةً التأمل فيها لاحقًا.

 

 

من على هضبة تطل على البحيرة بأكملها، وقفت إيميليا، يلامسها النسيم برفق.

لكنها صارت واثقة من نفسها أكثر الآن، وشعور الإنجاز الذي اعتراها كان حقيقيًا، رغم أن النهاية لم تكن انتصارًا بالمعنى التقليدي؛ بل وكأنها أكملت مسيرة مشاعرها للنهاية.

 

 

 

رغم أن صورة والديها، ذلك المشهد العاطفي الذي غمرها في تلك اللحظات، لا تزال تستقر في عقلها، استدارت إيميليا مبتعدة عن الغرفة، متوجهةً نحو الخارج لمواجهة التجربة الثالثة.

صار لإيميليا، التي كانت تقف في أعلى درجات الضريح، رؤية كاملة للمشهد، ما جعلها تتأثر بشدة لتطلق همسة حزينة.

 

“أنا بخير. لست خائفةً من العالم الخارجي. لست خائفةً من المستقبل.”

كما كان الحال مع التجربة الثانية، كان عليها مغادرة القبر والدخول مجددًا للانتقال إلى التحدي الجديد. وحتى إن لم يكن ذلك شرطًا، فإيميليا بحاجة لإبلاغ رام، التي تنتظرها بالخارج، بنتيجة التجربة الثانية.

“أنا مسرور جدًا لسماعك تقولين ذلك يا سيدتي إيميليا. لو كان ذلك ممكنًا، لرغبت في ذلك من أعماق قلبي.”

 

عندما يحل ذلك اليوم، سيحتفل الجميع في الغابة، وبالطبع، ستكون إيميليا أول من يحتفل، وستتمنى لو يحتفل به كل الناس حول العالم.

ــــ أنقذيه

“أ ـ … أظن ذلك.”

 

صار لإيميليا، التي كانت تقف في أعلى درجات الضريح، رؤية كاملة للمشهد، ما جعلها تتأثر بشدة لتطلق همسة حزينة.

تذكرت رجاء رام، الذي طلبته منها. أرادت إيميليا من أعماق قلبها أن تردّ على هذا الرجاء، وأن تفي بوعدها.

 

 

“بالطبع، لقد نشأت كذلك. إنها ابنتي، فخري وسعادتي. لا يحتاج الأمر إلى توضيح.”

” ـــ آسفة على التأخير، رام… أم، لحظة؟”

 

 

مصاحبةً بتلك العزيمة القوية، خرجت إيميليا نحو مدخل القبر لتخبر رام بما حققته، لكنها توقفت مفاجأةً، مائلة رأسها باستغراب.

“آه، الحمد لله.”

 

 

تحت سماء ليلية يتوسطها القمر الفضي، لم تجد إيميليا الخادمة الوحيدة تنتظرها كما توقعت، بل واجهت جمعًا كبيرًا من الناس.

 

 

أصدر بطن إيميليا صوتًا لطيفًا يطالب بالطعام. على الفور، تبدد القلق الذي ظهر على وجه فورتونا، ولم تستطع سوى إطلاق تنهيدة عميقة.

“أوه، لقد خرجت!”

 

 

رفعت إيميليا رأسها بشفاه مرتعشة، وهي تقاطعه.

لاحظ أحدهم إيميليا المندهشة وأطلق صيحة، فالتفتت الأنظار إليها دفعة واحدة بقوة جعلتها تتراجع بخفة. لكنها تعرفت عليهم على الفور.

“هذا واضح حتى لو لم تخبريني، وبدون تلك النظرة الحزينة على وجهك. يا للعجب، تجعلين الناس يقلقون فقط ليظهر أن الأمر مجرد جوع. أنت حقًا طفلة تشغلين من حولك.”

 

 

كان هؤلاء هم سكان قرية إيرلهام الذين تم إجلاؤهم إلى الملاذ واحتموا في الكاتدرائية.

“— يبدو أن صوتك وملامحك مختلفة يا إيميليا. هل تركت شرودك المعتاد في مكانٍ ما؟ بدأت أشعر بالقلق عليك.”

 

 

تأخر عودتهم إلى منازلهم كان مرتبطاً بإزالة حاجز الملاذ، وإيميليا وعدتهم بتحقيق ذلك.

 

 

كانت والدتها، التي تنتظرها على ضفة البحيرة مرتديةً أجمل ملابسها، تضع ذات الزينة الشعرية التي ترتديها إيميليا.

حبست إيميليا أنفاسها وهي تشعر بأنها لم تفِ بوعدها بعد. توقعت أن يوجهوا لها اللوم، ويتهموها بعدم الوفاء بوعدها. ولكن…

“بالتأكيد، ترغبين في سعادتهما. بالتأكيد، تريدين أن تعيشي هنا لترين ذلك. في النهاية، هذا هو الحاضر المثالي لك… المستقبل الذي تمنيته بنفسك.”

 

 

“الحمد لله أنك بخير وسلامة!”

“ليا، توقفي عن هز رأسك بهذه الطريقة واجلسي بهدوء، هلّا فعلتِ؟”

 

“آه؟ لا أذكر. في الآونة الأخيرة، أصبحت ذاكرتي ضعيفة ولا أستطيع تذكر أي شيء.”

“هل تأذيتِ؟”

“أوه، لقد خرجت!”

 

 

“لقد كاد اللورد يفقد حياته بمجرد دخوله إلى هناك!”

استمرت في الضحك وهي تتقدم نحو البحيرة. ثم ألقت نظرة خاطفة للخلف، نحو فورتونا وجييوس.

 

“إيميليا، حقًا، من أين تعلّمتِ مثل هذه الأمور؟”

امتلأت الكلمات الأولى التي سمعتها بالاحترام لها، مما جعل ذهنها يتوقف للحظة. لكنها سرعان ما تمالكت نفسها، وانحنت بعمق من فوق الدرج نحوهم.

قالت إيميليا تلك الكلمات ويداها على خصرها، بينما نظرت إليها فورتونا بتعبيرها المعتاد المليء بالضجر. غير أن ذلك التعبير تلاشى على الفور، ليتحوّل إلى ابتسامة لم تستطع كبحها.

 

خرج صوت بخيبة أمل طفيفة، وصورة وجه الفتاة التي كبرت كثيرًا ظهرت أقرب وأقرب مع كل لحظة.

همس الناس للحظة، لكنهم سرعان ما التزموا الصمت في انتظار كلماتها.

همس الناس للحظة، لكنهم سرعان ما التزموا الصمت في انتظار كلماتها.

 

“نعم، مضى وقتٌ طويل، سيدتي إيميليا. آمل أن تعامليني بلطفٍ اليوم.”

“… شكرًا لكم على قلقكم. أنا بخير تمامًا ولم أتأذَّ على الإطلاق.”

“أنا لست كذلك. حتى الليلة، كنت مجرد فتاة عديمة الفائدة…”

 

 

“آه، الحمد لله.”

 

 

 

“جيّد، هذا هو المهم.”

 

 

“أريد أن أصبح مثل باك، الذي ظل يحميّني كي لا أبقى وحيدة. أريد أن أصبح مثل رام، التي تعمل بكل قوتها من أجل الشخص الذي تحبه. أريد أن أصبح مثل أوتو، الذي يبذل قصارى جهده من أجل صديقه. أريد أن أصبح مثل غارفييل، الذي يرفض أن يتفوه بكلمة خوف أو شكوى.”

“كان السيد سوبارو قلقًا عليك بلا داعٍ، أليس كذلك؟”

 

 

تمنت لو أن الجميع في الغابة يستطيعون الابتسام معًا، لو تستطيع أن تظل قريبة من أرتشي، تعيش في عالم سعيد كهذا.

“إنني فقط… آسفة للغاية. لم أنتهِ بعد من اجتياز كل التجارب المطلوبة… لكن لا بد أن سوبارو والآخرين قد أخبروكم بذلك، أليس كذلك؟”

أمامها، مدخل القبر ينتظرها، لذا دخلته دون أدنى تردد.

 

 

حملت إيميليا مشاعر اعتذار تجاه هؤلاء الناس القلقين، ثم تابعت.

 

 

 

“لم يعد هناك سبب يجبركم على البقاء في الملاذ. سأقوم بتحطيم الحاجز بالتأكيد، ولكن من الأفضل لكم أن تعودوا إلى عائلاتكم…”

نظر القرويون إلى وجوه بعضهم وبدأوا يتبادلون كلمات لا تصدق، وكأنهم جميعًا يتصرفون وكأنهم لا يعرفون شيئًا عما تتحدث عنه إيميليا.

 

 

كان من المفترض أن يبقى سكان القرية في الملاذ حتى يتم رفع الحاجز كجزء من الاتفاق، ولكن بما أن غارفيل قد تراجع عن طلباته السابقة، لم يعد هناك سبب لبقائهم.

“آسف، آسف. إن كان هناك أمر يشغلك حقًا، فسأصغي إليك بجدية، حسناً؟”

 

“أنتِ…”

علم القرويون بذلك بالفعل؛ فقد أخبرتهم رام أن سوبارو ورفاقه أوضحوا لهم الأمر قبل مغادرتهم إلى القصر.

 

 

قالت إميليا ذلك وقد أخرجت لسانها بمرح. نظرت ريوزو إلى وجه الرجل بدهشة، وهو بدوره نظر إليها. ومن هناك، ارتفعت ضحكاتهما.

لذا، لم يكن هناك داعٍ لانتظار نجاح إيميليا أو فشلها في التجارب. ولكن…

“همم؟ ما الأمر؟ إذا حدث أي شيء، يمكنكِ إخباري.”

 

 

“السيد سوبارو؟ هيه، هل أخبرنا بأي شيء حقًا؟”

ربما كانت الأم، الأب، الأخ الأكبر، وجميع من رأتهم هنا مجرد تخيلات.

 

 

“آه؟ لا أذكر. في الآونة الأخيرة، أصبحت ذاكرتي ضعيفة ولا أستطيع تذكر أي شيء.”

“— ! كنت متأكدًا أن هذا الكلام يشير فقط إلى السيدة إيميليا والسيدة فورتونا…”

 

 

“يا إلهي، طريقتك في الحديث بدت مقنعة لدرجة أنها أخافتني لوهلة! رغم أن هذا صحيح حقًا…”

 

 

علقت ربات المنازل اللاتي يسكنّ بالقرب من الطريق بينما شاهدن الثلاثي يسيرون باتجاه البحيرة. وقبل أن تتمكن فورتونا من الرد على تعليقاتهن بحدة، علّق جييوس بابتسامة.

نظر القرويون إلى وجوه بعضهم وبدأوا يتبادلون كلمات لا تصدق، وكأنهم جميعًا يتصرفون وكأنهم لا يعرفون شيئًا عما تتحدث عنه إيميليا.

بتعبير سعيد، تناول جييوس الطعام المشوي بالأعشاب بفرح، فهو يعرف أن وصفة فورتونا الخاصة تضمن له وليمة في كل مرة يخرجون فيها للنزهة.

 

“أشعر بالامتنان دائمًا عندما تشاركوني هذا… نكهته لا تقاوم.”

لم يكن هذا الأمر مقتصرًا على شخص أو شخصين، بل انضم الجميع في تمثيل جماعي وكأنهم يسمعون بذلك لأول مرة.

 

 

“أريد أن أصبح مثل أمي التي أعتبرها قدوتي. أريد أن أصبح لطيفة وقوية، مثل جييوس. أريد أن أصبح مثل الجدة تانسي والآخرين، الذين لم يكونوا يومًا لؤماء معي. أريد أن أصبح مثل أرتشي، الذي ظل يبتسم حتى النهاية كي لا أخاف.”

من الطبيعي أن إيميليا نظرت إليهم بدهشة، وبدا من الواضح أنهم جميعًا يتظاهرون. لم تستطع فهم السبب وراء ذلك —

“لسنا واثقين مما إذا كان ينبغي علينا أن نثق بكِ أم لا. نحن الذين لا نعرف شيئًا عن العالم الخارجي لا نستطيع إلا أن نشعر بالخوف من مغادرة الملاذ. وينطبق هذا عليّ أيضًا. لقد وُلدت وترعرعت هنا.”

 

قبل أن تفتح عينيها، كان أول ما سمعته صوتًا لطيفًا وعذبًا.

“— ولهذا، سيدتي إيميليا، سننتظر هنا كما وعدنا.”

أما الآن، لم يعد هناك ما يدعو للخجل من تلك المشاعر الدافئة. بات بإمكانها أن تبوح بكل جرأة بما شعرت به دائمًا.

 

“إيميليا؟ ما الأمر؟”

“—!”

 

 

أما الآن، لم يعد هناك ما يدعو للخجل من تلك المشاعر الدافئة. بات بإمكانها أن تبوح بكل جرأة بما شعرت به دائمًا.

“لن نعود إلى القرية حتى ترفعي الحاجز بنفسك. لن نغير موقفنا أبداً.”

 

 

 

قالت العجوز التي كانت تشغل منصب رئيسة قرية إيرلهام هذه الكلمات بابتسامة عريضة. حبست إيميليا أنفاسها، وبحلول هذه اللحظة، حتى إيميليا، التي كانت بطيئة في الاستيعاب، أدركت نواياهم.

 

 

 

لقد كانوا جميعًا ينتظرونها لتفي بوعدها. لا شك أنهم يريدون العودة إلى عائلاتهم على الفور، لكنهم يقمعون تلك الرغبة ليكرموا وعدهم لها.

 

 

“وماذا عن الجراح التي ستعانينها؟ والألم؟ ما فقدتيه لن يعود أبدًا. هل ستواصلين السعي، رغم ذلك؟”

كل هذا لأن إيميليا أقسمت بأن تبذل قصارى جهدها من أجلهم.

رد جييوس الضعيف جعل إيميليا تضع إصبعًا على شفتيها وتفكر. بدا جييوس غير مدرك لما تعنيه، لذا علقت إيميليا. “أعني… جاراتنا قلن أننا نبدو كعائلة سعيدة متوافقة.”

 

 

“ثم إننا لسنا وحدنا من يتوقع الكثير من جهودك، سيدتي إيميليا.”

تأخر عودتهم إلى منازلهم كان مرتبطاً بإزالة حاجز الملاذ، وإيميليا وعدتهم بتحقيق ذلك.

 

 

“ها…؟”

“هل تأذيتِ؟”

 

 

بينما أصبحت إيميليا متأثرة بهذا الموقف غير المتوقع، شعرت بفيض من المشاعر يغمرها، مما جعل صدرها يدفأ. ابتسمت العجوز بمكر وهي تومئ برأسها.

 

 

 

نظرت إيميليا إلى الاتجاه الذي أشارت إليه، لترى سكان قرية إيرلهام مصطفين أمامها، ووراءهم، مع حركة الشجيرات، دخل المزيد من الناس إلى الساحة.

“جيّد، هذا هو المهم.”

 

“هذا لأنكِ تتحملين عبئًا ثقيلًا دائمًا، سيدتي فورتونا. يجب أن تأخذي قسطًا من الراحة بين الحين والآخر. دعيني أساعدكِ في الاسترخاء.”

بدا أن المجموعة تتقدم بحذر، وكانت تقودهم فتاة بشعر وردي طويل وعباءة سوداء تحمل عصا في يدها.

“— همم.”

 

“— ! كنت متأكدًا أن هذا الكلام يشير فقط إلى السيدة إيميليا والسيدة فورتونا…”

“الآنسة ريوزو و … سكان الملاذ؟”

وجدت نفسها مستلقيةً على جنبها في المساحة الصغيرة الباردة وسط ضوء خافت في القبر. رمشت بعينيها مرارًا، محاولةً استيعاب ما رأته وما شعرت به. ربما كان ما رأته مجرد وهم، عالم لم يكن له وجود حقيقي، ومع ذلك، بدا الشعور المرافق له قويًا لدرجة أذهلتها.

 

“لا أريد أن أتألم. أنا أبحث عن مستقبل حيث لا حاجة لي أن أتألم، حيث لا أضطر للهرب، الاختباء، أو دفع الأمور بعيدًا. أريد عالمًا أستطيع فيه أن أمد يدي للآخرين.”

“يبدو أنكم عدتم بعد اجتياز التجربة الثانية.”

“…”

 

— وبدأت التجربة الثالثة.

اصطفت ريوزو بجانب رئيسة قرية إيرلهام وتنهدت وكأنها تقول: “لقد وصلنا في الوقت المناسب”.

بينما أصبحت إيميليا متأثرة بهذا الموقف غير المتوقع، شعرت بفيض من المشاعر يغمرها، مما جعل صدرها يدفأ. ابتسمت العجوز بمكر وهي تومئ برأسها.

 

عندما يحل ذلك اليوم، سيحتفل الجميع في الغابة، وبالطبع، ستكون إيميليا أول من يحتفل، وستتمنى لو يحتفل به كل الناس حول العالم.

اجتمع الجميع في مجموعتين، فاصلين الساحة المفتوحة بينهما.

تشنجت ساقاها. وبينما بدت إيميليا غارقة في كآبتها، جاءها الخلاص من اتجاه مختلف.

 

 

صار لإيميليا، التي كانت تقف في أعلى درجات الضريح، رؤية كاملة للمشهد، ما جعلها تتأثر بشدة لتطلق همسة حزينة.

 

 

 

“هل كان كل هؤلاء الناس يعيشون في الملاذ؟”

 

 

تجنبها للمرايا وتدريبها على ألا تنظر حتى إلى سطح الماء العاكس كانا جزءًا من عقدها مع باك، الذي ظل يختار لها مظهرها كل يوم.

سمعت إيميليا ذات مرة بأن عدد اللاجئين من قرية إيرلهام الذين لجأوا إلى هنا يبلغ حوالي خمسين شخصًا. وأما سكان الملاذ في الساحة، فقد كانوا يقاربون العدد ذاته، مما يجعل العدد الكلي للنفوس المتجمعة في هذا المكان حوالي مئة شخص.

“إيميليا، حقًا، من أين تعلّمتِ مثل هذه الأمور؟”

 

“من الواضح أن الناس يحبونكِ كثيرًا.”

ومع ذلك، بالرغم من كل الوقت الذي قضته إيميليا هنا، لم تتواجه فعلياً مع أي من سكان الملاذ باستثناء ريوزو وغارفيل، ولم تتح لها الفرصة للتحدث إلى أيٍّ منهم.

 

 

رأت انعكاسها على سطح البحيرة الصافي والهادئ، وشعرت أن ضربات قلبها تزداد قوة وسرعة.

“أرجو أن تعلمي أن ذلك ليس بسببك، سيدتي إيميليا. كان ذلك بناءً على إرادة السكان… وحقًا، كان عنادي الشخصي هو الذي منعني من السماح لكي بلقاء سكان الملاذ.”

 

 

عندما سمعت صوتًا مألوفًا يناديها من خلفها، استدارت إيميليا لترى شابًا وسيمًا بشعر ذهبي وعينين خضراوين يقف أمامها —

“الآنسة ريوزو…”

رأت انعكاسها على سطح البحيرة الصافي والهادئ، وشعرت أن ضربات قلبها تزداد قوة وسرعة.

 

“هذا مؤسف… كنت أظنني أشبه أمي أكثر.”

“لقد أحسنتِ في اجتيازكِ للتجربة، سيدتي إيميليا. نحن ممتنون لكِ لهذا. وأيضاً…”

كان بيتهم، بيتٌ محفور داخل جوف شجرة عظيمة في الغابة. كانت تجلس على كرسيها الخاص في غرفة المعيشة.

 

“إذًا سأقولها بوضوح. سيدتي فورتونا، اختيار ملابسك اليوم مدهش. أجد نفسي مفتونًا بجمالك.”

انحنت ريوزو برأسها عميقاً، قائلةً ما توقعت إيميليا أنها ستقوله، ثم ألقت نظرة على العجوز التي تقف بجوارها.

 

 

 

“…بعد أن استمعتُ لما قاله غارفيل الشاب وما قاله القرويون هنا… واستمعْتُ لكلام كلٍ من سكان هذا المكان والأجانب على حد سواء، استطعت أخيرًا أن أستجمع هذه العظام القديمة وأتحرك. يمكنني القول إنني انتهازية.”

أخفضت إيميليا عينيها المحاطة بأهداب طويلة، ولمست زينتها الشعرية وتمتمت — تلك الزينة ، التي على شكل وردة، والتي ورثتها عن والدتها، والتي لا ينبغي أن يوجد لها مثيل في هذا العالم.

 

“كالعادة، الهواء هنا منعش جدًا. أشعر وكأنني في مزاج أفضل بالفعل.”

“أنا لستُ أفضل حالاً، إذ قضيت مئة عام تقريباً في نوم عميق.”

”  ”

 

 

“ومع ذلك، فإن عنادنا استمر أجيالاً وأجيالاً على مدى أربعة قرون، لذا دعينا نعتبر الأمر متعادلاً.”

 

 

 

لم تستطع إيميليا تحمّل رؤية وجه ريوزو المُحبط، فقامت بممازحتها ببعض الكلمات التي ساعدت على تخفيف الجو. حاولت تقليد تصرفات سوبارو، تلك التي اعتاد استخدامها لتخفيف الأجواء في المناسبات الجادة.

“ليا، توقفي عن هز رأسك بهذه الطريقة واجلسي بهدوء، هلّا فعلتِ؟”

 

 

“أفهم ما تحدث عنه غارفيل… لكن هل استطاع الجميع فعلاً تبادل النقاشات مع سكان الملاذ؟”

 

 

 

“لم يكن هناك شيء بتلك العظمة. العيش في نفس المكان يؤدي بطبيعة الحال إلى بناء العلاقات. ونحن العجائز لدينا وقت فراغ نقضيه في تبادل الأحاديث أثناء إعداد الطعام والغسيل.”

— وبدأت التجربة الثالثة.

 

أرادت إميليا إخبار الفتاة التي ألهمتها لتجاوز التجربة بأنها قد حققت بعض النجاح أخيرًا، لكن…

“لذا، تحدثنا نحن كبار السن ممن لديهم الكثير من الوقت عن أمور شتى. لقد عشت في الملاذ منذ فترة طويلة… ومع ذلك، لم تسنح لي فرصة كهذه لتبادل الحديث مع شخص من خارج المكان.”

هكذا كانت حياتهم، وهكذا استمرت منذ تأسيس الملاذ قبل أربعة قرون.

 

ظلت إميليا صامتة وهي تتلقى كلمات الرجل — لا، ليس كلمات الرجل وحده، وإنما نظرات كل الناس خلفه والتي توجهت نحوها. وقد وقفت إميليا قوية وشامخة.

متأملةً بصوتٍ مرتفع، تبادلت ريوزو ورئيسة قرية إيرلهام النظرات، وارتسمت ابتسامات صغيرة على وجهَيْهما. وعلى الرغم من أن مظهرهما الخارجي لم يدل على أنهما من نفس العمر، إلا أن إيميليا شعرت وكأنها تراقب حديثًا بين صديقين قديمين.

 

 

 

ورأت إيميليا في هذا شيئًا عميقًا وثمينًا للغاية.

“آسف، آسف. إن كان هناك أمر يشغلك حقًا، فسأصغي إليك بجدية، حسناً؟”

 

 

“سيدتي إيميليا… هل لنا ببعض الكلمات معكِ؟”

“هل تأذيتِ؟”

 

 

“نـ – نعم.”

“… بالنظر إلى هذا الحاضر الغامض، ألم تفكري من قبل: أريد أن أعيش هنا؟”

 

“سأغسل عينيّ قليلًا، وقد ابدأ في التجوّل حول البحيرة.”

ثم رفع أحدهم يده وتقدم إلى الأمام. كان من سكان الملاذ، رجلٌ برأس مليء بالشعر الذي يشبه شعر الوحوش، وأنياب صغيرة تشبه أنياب الكلاب — ولا شك في أنه هجين الدم أيضًا.

تأخر عودتهم إلى منازلهم كان مرتبطاً بإزالة حاجز الملاذ، وإيميليا وعدتهم بتحقيق ذلك.

 

 

انحنى الرجل، الذي قدرت إيميليا عمره بنحو ثلاثين عامًا، برأسه وتعبير التوتر واضح على وجهه.

 

 

ثم، أمام عيني إيميليا مباشرةً، بدأت صورة إيكيدنا تتلاشى، مثل تموجات على سطح الماء، وبدا وجودها مشوهًا قبل أن تختفي من العالم الوهمي.

“بصراحة، أنا… لا، نحن… لم نقرر بعد في قلوبنا.”

 

 

“— ولهذا، سيدتي إيميليا، سننتظر هنا كما وعدنا.”

” ــــ ”

ثم توقف أرتشي عن الكلام وابتسم، وبدا في ابتسامته تلك إشراقة لا يشوبها أي قلق.

 

“أ ـ … أظن ذلك.”

“لسنا واثقين مما إذا كان ينبغي علينا أن نثق بكِ أم لا. نحن الذين لا نعرف شيئًا عن العالم الخارجي لا نستطيع إلا أن نشعر بالخوف من مغادرة الملاذ. وينطبق هذا عليّ أيضًا. لقد وُلدت وترعرعت هنا.”

“…نعم.”

 

شاركتهم الضحك. لم يكن الضحك محصورًا بين ريوزو والرجل فحسب، بل امتد ليشمل سكان الملاذ وحتى سكان قرية إيرلهام. لوهلة، امتلأت الساحة بالضحك.

كما أكد غارفيل سابقاً، كان هذا هو حال الملاذ في وضعه الراهن. العديد من سكان هذا المكان تعرضوا للاضطهاد بسبب دمائهم التي تختلف عن البشر وأنصاف البشر، مما دفعهم إلى السعي لهذا المكان كملاذ يجدون فيه بعض الطمأنينة. وبعضهم وُلِد هنا، وعاش حياته بالكامل هنا، ثم عاد إلى التراب.

 

 

كانت تراقب الزوجين عند الشاطئ البعيد للبحيرة بعيونها البنفسجية التي لطالما أثنت عليها والدتها. قال “جييوس” شيئًا دون أن يدرك أثر كلماته، فاحمر وجه “فورتونا” وهي ترد عليه. ضمت إيميليا شفتيها وهي تتابع المشهد المضحك قليلاً. وفجأة —

هكذا كانت حياتهم، وهكذا استمرت منذ تأسيس الملاذ قبل أربعة قرون.

 

 

“أوه، سيدتي فورتونا.”

رفع الحاجز يعني فقدان شيء اعتادوا عليه طوال حياتهم. ما مدى أهمية هذا الأمر بالنسبة لهم؟

لم يكن هذا الأمر مقتصرًا على شخص أو شخصين، بل انضم الجميع في تمثيل جماعي وكأنهم يسمعون بذلك لأول مرة.

 

 

فيما يتعلق بأخذ شيء ما كأمر مسلم به، كان باك هو أقرب مقارنة لإيميليا.

 

 

 

كانت مغادرته المفاجئة آخر ما كانت تريده إميليا. وبدا من الطبيعي أن يشعر سكان الملاذ بنفس القدر من النفور تجاه أن يُفرض عليهم أمر كهذا من قبل الآخرين.

“يا إلهي، طريقتك في الحديث بدت مقنعة لدرجة أنها أخافتني لوهلة! رغم أن هذا صحيح حقًا…”

 

 

“إذا كان السيد روزوال يعتني بنا حتى من الخارج، فما الفرق بين ذلك وبين بقائنا هنا؟ لطالما فكرت أنه ربما لسنا بحاجة للتغيير.”

 

 

“حسنًا، سأذهب.”

“…نعم.”

وبهذا الإعلان، احتضنت فورتونا إيميليا بينما توجهتا للانضمام إلى جييوس، حيث وضع محتويات السلة على بقعة مسطحة من العشب. كانت والدتها بارعة في الطهي على النار، وهذه الوصفة مميزة لديها. الطعام المشوي بالأعشاب كان من مفضلات إيميليا، وأيضًا —

 

 

“لكن…”

“… جييوس، ما رأيك فيها؟”

 

 

أخفضت إميليا عينيها، متلقيةً كلمات الرجل بصدر ثقيل. ظلت تترقب المزيد وهي تشعر بكآبة تسكن قلبها.

 

 

“لا أبدًا.”

وعندما نظرت إليه مجددًا، كان قد فرد ظهره وشد وجهه المرهق، ثم واصل حديثه.

 

 

 

“لكن… كلّنا سمعنا صوت غارفيل — صوت ذلك الفتى الغاضب.”

“إيميليا، حقًا، من أين تعلّمتِ مثل هذه الأمور؟”

 

لذا، لم يكن هناك داعٍ لانتظار نجاح إيميليا أو فشلها في التجارب. ولكن…

” ـــ ”

 

 

 

“نحن نعلم بالضبط ما يشعر به هذا الفتى المجتهد… وهذا يجعلني أشعر بالعار.”

رأت على الفور امرأة بشعر فضي قصير، بنظرة لاذعة، وبدت – في نظر إيميليا – هي النموذج المثالي للمرأة.

 

“ثم إننا لسنا وحدنا من يتوقع الكثير من جهودك، سيدتي إيميليا.”

حين رأته يذرف دموع الندم، وقد طغت نظرة حزن وتأنيب على وجهه، شعرت إميليا بانقباض في صدرها.

لم تستطع إيميليا أن تدرك أنها قد عادت إلى الواقع تمامًا؛ فبرودة المياه وحدّتها لم تتبدد تمامًا حتى حين استعادت وعيها، والذكرى الأخيرة للمشهد الوهمي الذي عاشته في التجربة الثانية لا تزال تدق في صدرها.

 

 

“إنه لا يزال طفلًا في الرابعة عشرة. كم من السنين أمضاها محصورًا في أفكاره تلك؟ إنه… طفل جيد. وأنتِ أيضًا، يا سيدة إميليا.”

 

 

 

“أنا لست كذلك. حتى الليلة، كنت مجرد فتاة عديمة الفائدة…”

 

 

“شكرًا لأنك قلق عليّ. أنا… بخير يا أخي الكبير.”

لم يكن لها أي إنجازات تُذكر. ليس بعد.

 

 

 

ومع أن إميليا أنكرت وجود ما تفخر به، تابع الرجل.

“…نعم.”

 

 

“رغم ذلك” حرك رأسه بالنفي. “قال لنا السيد روزوال أن الأمر لا جدوى منه، وأصبح الجميع خائفًا، يتهيبون التجربة… لكن رغم ذلك، ها أنتِ هنا. دخلت القبر، وخرجت منه. ولهذا…”

 

 

لم يكن هذا الأمر مقتصرًا على شخص أو شخصين، بل انضم الجميع في تمثيل جماعي وكأنهم يسمعون بذلك لأول مرة.

“— نعم؟”

 

 

 

“مهما صارت النتيجة في النهاية، فإن ما تحاولين القيام به هو أمر مدهش ويستحق الإشادة. لن أذهب إلى حد القول بأن كل شخص هنا يشارك هذه المشاعر، وحتى أنا لا أستطيع القول بأنني تمامًا في صفك حتى الآن. لكن من فضلك، اسمحي لنا بأن نراقبكِ حتى النهاية.”

متأملةً بصوتٍ مرتفع، تبادلت ريوزو ورئيسة قرية إيرلهام النظرات، وارتسمت ابتسامات صغيرة على وجهَيْهما. وعلى الرغم من أن مظهرهما الخارجي لم يدل على أنهما من نفس العمر، إلا أن إيميليا شعرت وكأنها تراقب حديثًا بين صديقين قديمين.

 

 

ظلت إميليا صامتة وهي تتلقى كلمات الرجل — لا، ليس كلمات الرجل وحده، وإنما نظرات كل الناس خلفه والتي توجهت نحوها. وقد وقفت إميليا قوية وشامخة.

 

 

 

“— أفهم. أنا واثقة بأنني سأكمل هذا الطريق. وعندما يحين الوقت، يمكننا التحدث بشكل جيد.”

“يا إلهي، يبدو أن هذه الفتاة تذكرت للتو رغم أنها من طلب الذهاب في الأصل…”

 

 

“نعم، إنه وعد. في الواقع، بالنسبة لي وللباقين، تجاهل أي شخص بناءً على مظهره وموقعه من دون حتى الحديث معه ليس بالأمر الأفضل — واااهع!”

 

 

كانت تراقب الزوجين عند الشاطئ البعيد للبحيرة بعيونها البنفسجية التي لطالما أثنت عليها والدتها. قال “جييوس” شيئًا دون أن يدرك أثر كلماته، فاحمر وجه “فورتونا” وهي ترد عليه. ضمت إيميليا شفتيها وهي تتابع المشهد المضحك قليلاً. وفجأة —

حين انحنى الرجل بعمق، قفز فجأة من مكانه وكأنه أصيب بشيء. وعندما نظرت إميليا بتمعن، وجدت أن السبب هي ريوزو التي كانت واقفة بجانبه، وقد غرزت أظافرها في جنبه فجأة. نظر الرجل إليها بنظرة معترضة بينما ضحكت ريوزو بصوت عالٍ.

بينما أصبحت إيميليا متأثرة بهذا الموقف غير المتوقع، شعرت بفيض من المشاعر يغمرها، مما جعل صدرها يدفأ. ابتسمت العجوز بمكر وهي تومئ برأسها.

 

 

“لقد أطلت الحديث وأخذته بجدية كبيرة، وفي منتصفه انتقلت من قول ‘نحن’ إلى ‘أنا’. عار عليك، عار.”

“بالطبع، لقد نشأت كذلك. إنها ابنتي، فخري وسعادتي. لا يحتاج الأمر إلى توضيح.”

 

قالت إميليا ذلك وقد أخرجت لسانها بمرح. نظرت ريوزو إلى وجه الرجل بدهشة، وهو بدوره نظر إليها. ومن هناك، ارتفعت ضحكاتهما.

“…آسف جدًا، سيدتي العجوز.”

حبست إيميليا أنفاسها وهي تشعر بأنها لم تفِ بوعدها بعد. توقعت أن يوجهوا لها اللوم، ويتهموها بعدم الوفاء بوعدها. ولكن…

 

حتى لو كان هذا صحيحًا، شعرت إيميليا بالامتنان يغمر قلبها.

“على أي حال، وجهة نظرنا الحالية هي ما قاله لتوه. هذا أيضًا… هم؟ ما الخطب؟”

رغم أن صورة والديها، ذلك المشهد العاطفي الذي غمرها في تلك اللحظات، لا تزال تستقر في عقلها، استدارت إيميليا مبتعدة عن الغرفة، متوجهةً نحو الخارج لمواجهة التجربة الثالثة.

 

“— نعم؟”

كانت ريوزو تمازح الرجل برفق عندما مالت إميليا برأسها وقد اتسعت عيناها.

“أكرهكِ ـــ أكرهكِ فقط…”

 

“لن نعود إلى القرية حتى ترفعي الحاجز بنفسك. لن نغير موقفنا أبداً.”

“آه… آنسة ريوزو، من المفاجئ قليلًا سماع شخص يناديكِ بالسيدة العجوز بهذا الشكل.”

 

 

 

“آاااه —”

“…هل ترغب في الانضمام، جييوس؟”

 

 

“وكنت أفكر، يا للعجب، لم أرها تتحدث مع أحدٍ غير غارفيل، أليس كذلك…؟”

“يا إلهي، طريقتك في الحديث بدت مقنعة لدرجة أنها أخافتني لوهلة! رغم أن هذا صحيح حقًا…”

 

 

قالت إميليا ذلك وقد أخرجت لسانها بمرح. نظرت ريوزو إلى وجه الرجل بدهشة، وهو بدوره نظر إليها. ومن هناك، ارتفعت ضحكاتهما.

 

 

 

“كوا-ها-ها-ها!”

“إذًا سأقولها بوضوح. سيدتي فورتونا، اختيار ملابسك اليوم مدهش. أجد نفسي مفتونًا بجمالك.”

 

 

شاركتهم الضحك. لم يكن الضحك محصورًا بين ريوزو والرجل فحسب، بل امتد ليشمل سكان الملاذ وحتى سكان قرية إيرلهام. لوهلة، امتلأت الساحة بالضحك.

“المستقبل الذي… نعم، أعتقد أنك محق. أنا واثقة من ذلك.”

 

 

“لا يبدو أن الضحك ملائم تمامًا… لكن، آه، آنسة ريوزو، شكرًا لكِ. وأيضًا، آنسة ميلدي، يبدو أنك بذلتي جهدًا كبيرًا في هذا.”

 

 

 

“— سيدة إميليا، هل تذكرتِ اسمي؟”

 

 

 

عندما شكرتها إميليا، ظهرت على وجه السيدة العجوز بجوار ريوزو ــــ ميلدي إيرلهام ــــ علامات الدهشة. وعند رؤيتها لذلك، أومأت إميليا برأسها بفخر ورفعت صدرها. “قد لا أبدو هكذا، لكنني أدرس لأصبح ملكة. تذكر الأسماء هو أقل ما أستطيع فعله.”

 

 

“آسف، آسف. إن كان هناك أمر يشغلك حقًا، فسأصغي إليك بجدية، حسناً؟”

“لا أعتقد أن الملك بحاجة إلى تذكر اسم كل رعيته، ولكن…”

قالت العجوز التي كانت تشغل منصب رئيسة قرية إيرلهام هذه الكلمات بابتسامة عريضة. حبست إيميليا أنفاسها، وبحلول هذه اللحظة، حتى إيميليا، التي كانت بطيئة في الاستيعاب، أدركت نواياهم.

 

تشنجت ساقاها. وبينما بدت إيميليا غارقة في كآبتها، جاءها الخلاص من اتجاه مختلف.

“ربما اعتدتِ على ملوك ضعيفي الذاكرة. أنا بارعة في التعلم.”

 

 

من الطبيعي أن إيميليا نظرت إليهم بدهشة، وبدا من الواضح أنهم جميعًا يتظاهرون. لم تستطع فهم السبب وراء ذلك —

عند سماع رد إميليا، ضيّقت ميلدي عينيها قليلًا، ثم انحنت لها بعمق.

 

 

 

وبينما تراقب ذلك من طرف عينها، أشارت ريوزو بذقنها نحو القبر وتحدثت. “الآن، سيدة إميليا، يسعدني أننا استطعنا مساعدتكِ… الآن أمامك التجربة الأخيرة، لكن…”

“اليوم، يتم معاملتي ليس كقائدة لشعبي، بل كفتاة صغيرة عجوز. لا أستطيع الاسترخاء بهذه الطريقة. هيّا، إيميليا، قولي شيئًا، هلّا…؟”

 

حبست إيميليا أنفاسها وهي تشعر بأنها لم تفِ بوعدها بعد. توقعت أن يوجهوا لها اللوم، ويتهموها بعدم الوفاء بوعدها. ولكن…

“نعم، أنوي خوضها حالًا. كنت أعتزم ذلك… آنسة ريوزو، هل تعرفين أين رام؟”

 

 

“أنا… أنا بخير تمامًا. أنا في أفضل حالة، مثل تلك الصخرة هناك.”

لقد نست إميليا في اللحظة التي خرجت فيها من القبر وسط الحشد الكبير، لكن عندها، لم تكن رام موجودة في أي مكان تراه بعينيها.

 

 

“المستقبل الذي… نعم، أعتقد أنك محق. أنا واثقة من ذلك.”

أرادت إميليا إخبار الفتاة التي ألهمتها لتجاوز التجربة بأنها قد حققت بعض النجاح أخيرًا، لكن…

 

 

“إيميليا، حقًا، من أين تعلّمتِ مثل هذه الأمور؟”

“…رام تؤدي واجبًا لا يمكنها التغاضي عنه. تركت رسالة، تدعو لك بالتوفيق. قالت: يجب أن تفعل سيدة إميليا ما لا يستطيع أحد سواها فعله، وكذلك يجب أن تفعل رام الشيء نفسه. لنقدم أفضل ما لدينا.”

 

 

عندما شكرتها إميليا، ظهرت على وجه السيدة العجوز بجوار ريوزو ــــ ميلدي إيرلهام ــــ علامات الدهشة. وعند رؤيتها لذلك، أومأت إميليا برأسها بفخر ورفعت صدرها. “قد لا أبدو هكذا، لكنني أدرس لأصبح ملكة. تذكر الأسماء هو أقل ما أستطيع فعله.”

قلدت ريوزو أسلوب رام في الحديث، مما رسم ابتسامة باهتة على وجه إميليا. لقد كانت تلك طريقة رام، بلا شك.

“لا، ربما من الأفضل ألا أزيد من توترك…”

 

 

وكان واجب رام، بلا ريب، مرتبطًا بالمشاعر التي أوصلتها من خلال طلبها لإميليا. وعندما فكرت في كيف قد تؤدي رام واجبها، شعرت بنبضة خفيفة في صدرها.

 

 

تسببت كلمات إيميليا في أن تبتعد فورتونا بنظرها، ووجهها محمر. حتى إيميليا لاحظت بوضوح مشاعر والدتها. وبالتأكيد، شعر جييوس بنفس الشيء.

لكن، وبدفع ذلك الشعور جانبًا، اختارت إميليا أن تثق برام، تمامًا كما اختارت رام أن تثق بها.

“…هل ترغب في الانضمام، جييوس؟”

 

 

“…لكن يجب أن أقول، لم ينتظرني أحد عند عودتي. لا سوبارو، ولا رام…”

 

 

 

“أوهوه، أفهم كيف قد يسبب ذلك لكِ شيئًا من المرارة. من المؤسف أن أولئك الذين تهتمين لأمرهم ليسوا هنا. إذا كانت هذه الملامح العجوز المتواضعة كافية لكِ، فسأنتظر هنا حتى عودتك مرة أخرى.”

“شكرًا لك، أخي الكبير.”

 

 

“حسنًا، أعتقد أن الوقت قد حان.”

“أوه، لا أصدق أن أمي ما زالت تقول مثل هذه الأمور…”

 

 

كانت إميليا قد بدأت تتذمر، لكن بعد سماع رد ريوزو، ابتسمت ثم استدارت.

 

 

“ليا، توقفي عن هز رأسك بهذه الطريقة واجلسي بهدوء، هلّا فعلتِ؟”

أمامها، مدخل القبر ينتظرها، لذا دخلته دون أدنى تردد.

 

 

 

“حسنًا، سأذهب.”

“ليس هذا، إذن؟… آه، حسنًا، ماذا عن هذا؟ قد يكون الأمر صعبًا الآن، ولا أعرف كم من السنوات ستنقضي، لكن يومًا ما، كلاهما سيـ —”

 

“أنتم تتفاهمون بشكل جيد حقًا.”

تعالت أصوات مختلفة من سكان الملاذ وقرية إيرلهام على حدٍ سواء، ينادونها من خلفها.

سمعت إيميليا ذات مرة بأن عدد اللاجئين من قرية إيرلهام الذين لجأوا إلى هنا يبلغ حوالي خمسين شخصًا. وأما سكان الملاذ في الساحة، فقد كانوا يقاربون العدد ذاته، مما يجعل العدد الكلي للنفوس المتجمعة في هذا المكان حوالي مئة شخص.

 

 

كانت التوقعات التي تدفعها إلى الأمام كثيرة — أكثر من المرة الأولى وبالتأكيد أكثر من الثانية. وبينما تحمل هذه التوقعات بجانب العزم القوي الذي سكن قلبها، سارت نحو أعماق القبر.

 

 

 

ثم —

“أنا مسرور جدًا لسماعك تقولين ذلك يا سيدتي إيميليا. لو كان ذلك ممكنًا، لرغبت في ذلك من أعماق قلبي.”

 

” – ”

“— واجهي الكارثة القادمة.”

“آه، إيميليا، لا… لا تقلقي! حتى لو اجتمعت السيدة فورتونا وسيدي الأسقف، لن يتخليا عنك أبدًا!”

 

 

— وبدأت التجربة الثالثة.

 

 

— وبدأت التجربة الثالثة.

////

تأخر عودتهم إلى منازلهم كان مرتبطاً بإزالة حاجز الملاذ، وإيميليا وعدتهم بتحقيق ذلك.

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

“الآنسة ريوزو و … سكان الملاذ؟”

🔥 تحدي أغسطس 2026 ⏳ 7 يوم متبقي
69,410 شعلة الهدف: 66,666
104.1%
🎉 حققنا هدف الشهر، شكرًا لكل الداعمين!
×

شراء عملة الشعلة

🥇M. K🔥 40,000
🥈Yazeed Alsaedi🔥 105
🥉Malek Aj🔥 100
4Mmm Llll🔥 100
5Mekya Hamoud🔥 100
6Mubarak M🔥 100
7Thabit Arnous🔥 100
8Omar Bazara🔥 100
9Othman Alanzi🔥 100
10Ralvain🔥 100

عندما عبّر جييوس عن رأيه بنظرة خالية من التصنع، تجمدت فورتونا لبرهة.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط