تجاوز إلى المحتوى
ملوك الروايات — أفضل منصة لقراءة روايات الخيال الصينية، الكورية، اليابانية، الإنجليزية والعربية معلومات الاتصال

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الفصلvol.15

7 - اختاريني.

المشاهدات 234 نشر في تاريخ يناير 10, 2025
Sins ReZero
ترجمة ورفع الفصل Sins ReZero
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

 

لقد كان ذلك مباشرةً بعد أن انفصلَت عن ريوزو… حين بدأت بياتريس في انتظار ذلك الشخص.

 

بعد أن فقدت ريوزو ماير، التي أسست الملاذ على حساب وجودها الخاص، تحملوا المواجهة مع هيكتور، شيطان الكآبة. وبدأ انتظارها فور انتهاء تلك المواجهة.

 

“بياتريس، أوكل إليكِ مهمة الإشراف على الأرشيف الذي يحتوي على معرفتي. حتى يحين الوقت المقدر، أريدكِ أن تحمي هذا الأرشيف المعرفي كحارسة له، بحيث لا يستطيع أحد العبث به.”

 

“…آه؟“

 

في مكتب والدتها، فتحت بياتريس عينيها على وسعهما، مذهولة ومضطربة من الأمر الذي تلقته بأن تبقى حارسة للأرشيف.


كانت متأكدة أن والدتها ــ الساحرة إيكيدنا ــ ستأمرها بالمخاطرة بحياتها للقتال بجانبها في المعركة المقبلة.
ولكن بياتريس لم تتوقع أبدًا أن يُعهد إليها بدور كهذا.

 

“لحسن الحظ، كونكِ ماهرة في السحر المظلم، تمتلكين مهارة المرور، التي تربط بين المساحات المعزولة والأماكن المألوفة… نعم، دعينا نسمي هذه المساحة أرشيف الكتب المحرمة. ستُجمع هناك جميع الكتابات التي تحتوي على كل المعرفة التي أمتلكها. هذا هو ما أريدكِ أن تحميه.”

 

“انتظري…”

 

“يمكنكِ ربط الأرشيف بقصر روزوال. ذلك الصبي… على الأرجح أن بوابته قد تحطمت في المعركة السابقة، ولن يتمكن أبدًا من استعراض عبقريته مرة أخرى. ومع ذلك، أنا متأكدة أنه سيصبح عونًا كبيرًا لكِ. أريدكما أن تتعاونا جيدًا وتنتظرا عودتي…”

 

“ـــ انتظري لحظة… هل يمكنكِ التوقف للحظة، أتساءل؟!”

 

بينما تجاهلت إيكيدنا صدمتها متابعةً الحديث بلا توقف، حاولت بياتريس بلهفة أن تطلب منها التمهل.
لم تستطع استيعاب كلمات والدتها. لا، غرائزها ظلت تصرخ بأنها لا يجب أن تسمح لنفسها بفهم ما يُقال.
كانت خطط إيكيدنا بعيدة النظر وتمتد لأفق بعيدة تفوق إدراك أي شخص عادي. كلماتها بدت دائمًا مطلقة، ولم تفكر بياتريس قط من قبل أن تقاطعها.


لكنها تدخلت الآن تحديدًا. لأنه إذا كانت الكلمات القادمة أيضًا مطلقة، فستندم إلى الأبد على سماحها لها بالانطلاق.

 

“أمي… ماذا تقولين؟! هـ – هل أفهم حقًا ما يعنيه هذا الأرشيف للكتب المحرمة، أتساءل؟! بيتي… تريد أن تبقى معكِ أمي!!”

 

“للأسف، حتى لو كنتِ معي، لا يمكنني فعل شيء أمام عدو لم يستطع روزوال نفسه مجابهته. إذا دُمّرنا أنا وأنتِ معًا، ماذا سيحدث للمعرفة التي جمعتها؟ لدي واجب بأن أرى هذه المعرفة تُورث.”

 

وكان توريث هذه المعرفة هو الواجب الذي عهدت به إلى بياتريس عبر تسليمها الأرشيف.

 

وفي تلك اللحظة، أدركت بياتريس الحقيقة. فهمت أخيرًا معنى السحر المظلم الذي درسته بحماس، والهدف من امتلاكها له.

 

“لا يمكن أن يكون… قوة بيتي… لطالما كانت لهذا الغرض؟”

 

“…”

 

“أمي، منذ البداية، كنتِ تعرفين أن الأمر سينتهي بهذا… إذن، ليس فقط هذا الشيء الذي يُدعى الأرشيف، بل أيضًا الملاذ… وروزوال، وريوزو كذلك…!”

 

بامتعاض، والدموع تملأ عينيها، هزّت بياتريس رأسها. صمتت إيكيدنا، مضيقةً عينيها السوداوين، ثم وقفت بلطف، وقدّمت لابنتها الكتاب الوحيد الذي كان مستقرًا على مكتبها.

 

“هذا هو…”

“نسخة غير مكتملة من سلطتي. هذا هو مجلد الحكمة. لم أحلل تمامًا المنهجية وراء هذا الكتاب السحري، لكن ينبغي أن يكون كافيًا كدليل بسيط يُظهر الطريق أمام حامل الكتاب نحو المستقبل.”

 

رنّ صدى تلك الكلمات، كتابٌ سحري يوجه الطريق إلى المستقبل، مما جعل بياتريس تلتقط أنفاسها بينما قبلت الكتاب.


لو كان لديها هذا من قبل، ليقودها نحو الطريق الصحيح، هل كانت الكلمات التي تسمعها الآن من والدتها، وما ينبغي أن تفعله بعد ذلك، مكتوبة بداخله؟

 

“هناك نسختان. الأولى، أقدمها لك، والثانية سأعطيها لروزوال. ينبغي أن يُجري الترتيبات المناسبة لاحقًا. أعلم أن هذا يبدو اعتباطيًا للغاية، لكن أريدك أن تفعلي كما أقول.”

 

عندما استوعبت بياتريس كل كلمات والدتها، أدركت أن الوقت قد فات بالفعل. 

 

مهما بكت بياتريس وتوسلت وتمسكت بها، قائلة “لا تذهبي”، فإن والدتها لن تغير قرارها.

 

لأن إيكيدنا، ساحرة الجشع، قد اختارت أن تصبح ساحرة أولاً قبل أن تكون أمًا.

 

“دعينا نتحدث عن مدتك كحارسة للأرشيف. حتى لو لم أعُد، يجب فتح الأرشيف لشخص ما في نهاية المطاف. الشخص المناسب لوراثة معرفتي سيأتي بلا شك يومًا ما. ستعرفين حينها أن الوقت قد حان.”

 

“يأتي من أجل بيتي…؟“


“كخطوة مؤقتة، دعينا نستخدم مصطلح ’ذلك الشخص‘. ستستمر مهمتك حتى يصل ’ذلك الشخص‘ إلى الأرشيف المحظور ويخبرك بأن مهمتك قد انتهت — هذا هو طلبي الأخير.”

 

طلبها الأخير — رنّ صدى تلك الكلمات مما جعل بياتريس تنظر إلى عيني إيكيدنا السوداوين مرة أخرى.

 

تعبير والدتها… لم يتغير أبدًا. ومع ذلك، للحظة عابرة، ظهر شعور مجهول على وجهها.

 

“بيتي — فلتكوني بخير.”

 

**

 

بعد أن افترقت بياتريس عن إيكيدنا، تواصلت خساراتها ووداعاتها.


كما أوصتها والدتها، استقرت بياتريس في منزل عائلة روزوال. هناك، استخدمت براعتها في السحر الأسود لإنشاء أرشيف الكتب المحرّمة، وملأته بمعرفة والدتها، وسمّت نفسها أمينته.


وانغمست في هذا الدور، مغمضةً عينيها عن كل اليأس الذي لا يزال يحيط بالعالم من حولها.

 

“نسخ الأرواح… استبدال الأوعية…”

 

في مرحلة ما، بدأ روزوال يزور أرشيف الكتب المحرّمة بشكل متكرر. لكن اهتمامه الوحيد كان ينصب على رفوف المعرفة داخله، لذا بالكاد تبادل هو وبياتريس الكلمات.


تساءلت بياتريس متى أصبح هذا الشاب، الذي كان هزيلًا فيما مضى ووجهه يغطيه الشَعر، بالغًا؟

 

كان يحمل عصًا ويبدو أنه يواجه صعوبة في المشي — الإصابات التي لحقت به خلال المعركة مع ذلك الشيطان قد تركت جسده في حالة تعوق حياته اليومية. ومع ذلك، منذ أن تمكن من المشي مجددًا، أخذ يسيء استخدام جسده المُنهَك بشدة، مستنزفًا حياته بينما يكرّس كل جهده لتلك الرفوف.

 

“هاااي، بياتريس. سأقتحم عزلتك اليوم أيضًا.”


“افعل ما يحلو لك.”

 

بحكم القواعد، كان ينبغي أن يكون أرشيف الكتب المحرّمة مكانًا لا يُسمح لأحد بدخوله.


طلبت إيكيدنا أن يُترك هذا المكان مغلقًا حتى يأتي ذلك الشخص الذي سيرث معرفتها. لم يكن مكتبة مفتوحة للجميع. فالجميع، عدا ذلك الشخص، مكانهم في الملاذ.

 

ومع ذلك، كان روزوال، وحده فقط، هو الاستثناء.

كان وحده مميزًا، الوحيد الذي عهدت إليه إيكيدنا، مثل بياتريس، بمهمة مصيرية.


وبالنسبة لبياتريس، أصبح التذكير الوحيد بأن الأيام التي كانت تعتز بها لم تكن مجرد وهم. نعم، بالنسبة لها، كان هو وحده —

 

“…”

 

أتى مجددًا إلى الأرشيف. ألقى روزوال نفسه في بحر معرفة إيكيدنا بجنون، كأنما يراهن بحياته على العثور على شيء ما — بياتريس لم تعلم إن كان قد وجده أم لا.


لكن، بعد عدة سنوات، مات روزوال أل. ميزرس — آخر شخص عرفته من تلك الأيام — قبل أن يبلغ الثلاثين، وتُركت إدارة القصر للجيل التالي.

 

“تحياتي، السيدة بياتريس. فكرت أن أقول لك شييئًااا بدلاً عن سلفي.”


“هل مات روزوال، يا ترى؟“


“لقد توفي سلفي. لكن، اطمئني. كرئيسٍ حالي للأسرة، أنا، روزوال ب. ميزرس، سأرث واجبه نحوك ودَينه لوالدتك.”

 

— ابتسم بينما عكست عيناه، إحداهما صفراء والأخرى زرقاء، وجهها الخالي من التعبير.

 

**

 

لم يحدث شيء يُذكر بعد ذلك.

استمر رؤساء عائلة ميزرس في تسمية أنفسهم “روزوال”، متوارثين الاسم من الأجيال السابقة.


كان الهدف من ذلك، كما يبدو، ألا ينسوا أبدًا تقديس إيكيدنا، والدة بياتريس الراحلة. ورغم أن بياتريس تفهمت هذا، لم تستطع أن تعاملهم كما فعلت مع الجيل الأول.


بالطبع، لم تستطع ذلك. بالنسبة لبياتريس، لم يكن هناك سوى روزوال واحد تعتبره مميزًا.


أما الآخرون، فكانوا مجرد مزيفين.

للحفاظ على أرشيف الكتب المحرّمة، كانت بحاجةٍ إليهم لإتاحة الوصول إلى القصر. علاوة على ذلك، حتى لو قدّموا خدمات أخرى، لم ترغب في شيءٍ منهم.


إذ كان هذا المكان مخصصٌ فقط لـ “ذلك الشخص“.


وهكذا، من أجل مهمتها الإرشادية، ظلت بياتريس وحيدة لفترةٍ طويلةٍ جدًا.


مرّت أربعمئة عام — وخلال تلك الفترة، كان عدد الذين وصلوا إلى الأرشيف قليلًا للغاية.

 

“قوتك ببساطة رائعة. أرجوكِ، بأي حال، أعيرينا قوتك كروح.”


اصمت. اغرب عن وجهي.

“حتى لو أمر أحدهم بذلك، فإن ترككِ وحدكِ في مكانٍ كهذا أمرٌ لا يُغتفر.”


وكأنك تفهم؟ هذه المهمة الثمينة أوكلتها لي أمي.


“المعرفة يجب أن تُنشر على نطاقٍ واسع. إذا تم مشاركة الحكمة الهائلة المتراكمة هنا، فكم من الناس تظنين أنها ستفيد؟ لا بد أنكِ تدركين ذلك.”


لا يهمني الآخرون. تريد بيتي فقط أن تنقذ شخصًا واحدًا.


“لنذهب معًا. لقد فعلتِ ما يكفي. دعيني أُنقذكِ.”


لا يوجد سوى شخصٍ واحد يمكنه إنقاذ بيتي الآن.

 

تحدث الرجال والنساء بجميع أنواع الكلمات لبيتي، حارسة أرشيف الكتب المحرّمة.


وفي النهاية، كانوا جميعهم بلا استثناء يطلبون منها فتح الأرشيف.


مراتٍ عديدة، جعلت مقترحاتهم، أوامرهم، والأيدي التي مدّوها إليها، قلبها يرتجف.

في كل مرة تُفتح فيها الباب، في كل مرة يأتي شخص، ظلت آمالها ترتفع. هل وصل “ذلك الشخص” أخيرًا؟
لكن آمالها ظلت تتحطم دائمًا.


لم يكن لدى هؤلاء الزوار أي علم بمهمة “ذلك الشخص”، ولم تُشِر المخطوطة السحرية التي تركتها لها والدتها إلى أيٍّ منهم على أنه “ذلك الشخص“.

 

لذلك، ظلت بياتريس ترفض كلماتهم، مشاعرهم، وأيديهم الممدودة إليها، وترفضهم جميعًا، متشبثةً بكلمات والدتها وحدها، مستمرةً في حبس نفسها تدريجيًا في قفص الوحدة.


فهل سيأتي مفتاح ذلك القفص من الداخل، أم من الخارج؟


— حتى بياتريس نفسها لم تعد تعلم.

 

**

 

بينما استمرت تلك الفترة الطويلة والفارغة، طرأ تغيير غير مرغوب عند عتبة بياتريس.

حتى بياتريس، التي بذلت قصارى جهدها لتجنب أي ارتباط بالعالم الخارجي، عرفت قدرًا لا بأس به عن ظروف الفتاة نصف الشيطانية — متعاقدة باك — التي جلبها روزوال إلى القصر.

يمكن اعتبار اللقاء غير المتوقع مع باك في قصر روزوال أحد الأحداث النادرة التي جعلت قلب بياتريس ينبض بشيءٍ من الحياة خلال أربعة قرونٍ من خدمتها.

 

كان باك روحًا عظيمة، أصوله مشابهة تمامًا لأصول بياتريس.

ولكن على عكسها، التي عاشت وفقًا لإرادة إيكيدنا الساحرة منذ أمدٍ بعيد، بدأ باك حياةً جديدة قبل ولادة الملاذ بفترة طويلة، ولم تره منذ ذلك الحين.

 

ومع ذلك، فإن السعادة التي شعرت بها بياتريس لرؤية الروح التي أحبّته كأخٍ أكبر — سرعان ما تحطمت. مشاهدة باك يقضي أيامًا هانئة مع الفتاة نصف الشيطانية التي تعاقد معها، ملأت قلبها بالشقوق.


لقد كانت غيرة، بل أكثر من ذلك — كانت حسدًا. حسدًا لأنه يؤدي واجبه، وهو ما لم تستطع بياتريس إلا أن تتخيله في أجرأ أحلامها.

 

لذلك، تجنبت قدر الإمكان التفاعل مع الفتاة نصف الشيطانية التي كانت غالية على قلب باك.

فلو لم تفعل ذلك، لسمحت فبلا شك يومًا ما للاضطراب المتأجج في قلبها بأن يُلقي ظلاله على تلك الفتاة.

كانتا ستتصادمان، ومن دون ذنب من أي طرف، لم تشك بياتريس بالتأكيد في أنها سترتكب خطأً لا يُغتفر بحق الفتاة التي اعتبرها أخوها الأكبر الحبيب أثمن من في العالم.

 

ناشدت بياتريس ضبط نفسها. كان قمع المشاعر وكتم الكلمات مهارتها المميزة.


لقد فعلت ذلك مرارًا وتكرارًا على مدار أربعة قرون.

قلبها لم يعد يخشى الصمت أو الوحدة في تلك المرحلة المتأخرة.

وكما اعتادت دائمًا، استسلمت واعتبرت الأمر جزءًا من اليأس الذي تعرفه جيدًا.

 

— خلال تلك الأيام المستسلمة، طرأ فجأة ما يقطع نطاقها المعتاد.


في البداية، ظنّت أنه مجرد إنسان أحمق آخر، ولم يكن يثير اهتمامها على الإطلاق.


كان مسافرًا جلبته الفتاة نصف الشيطانية من العاصمة الملكية، وأحمقاً في ذلك.

 

ولكن بمحض الصدفة، انتهى به الأمر إلى البقاء في القصر.

وإلى جانب ذلك، امتلك توافقًا قويًا مع السحر المظلم، مما جعله مناسبًا للغاية مع قدرة “الممر” الخاصة ببياتريس.


ونتيجةً لذلك، أصرّ على اقتحام أرشيف الكتب المحرمة مرةً تلو الأخرى.

 

كان فتىً غريبَ الأطوار.

كان واضحًا لأي شخص يمتلك عينين أن الفتى كان مغرمًا تمامًا بالفتاة نصف الشيطانية.


وكان واضحًا بنفس القدر أن هذا لم يكن خدعة أو طموحًا مظلمًا؛ الدافع الوحيد بدا حبه البسيط والصادم لها، ولا شيء أكثر من ذلك.

 

بدافع من نزوة، أنقذت بياتريس الفتى من لعنة وقدمّت له بضع كلمات من النصيحة.

 

ندمت على ذلك لاحقًا، عندما قرر الفتى أن يستقر في القصر بلا نهاية، مصرًّا على أن يصبح أكثر ألفة معها.

لكن ما أدهشها هو أنه على الرغم من معرفته بقدرات بياتريس، لم يكن لديه أي رغبة في استغلالها. في الحقيقة، عندما أتى يسأل عن اللعنات، كان يقصد بياتريس نفسها، وليس أرشيف الكتب المحرمة.

 

لم يحمل الفتى أي اهتمام بالمعرفة التي تركتها أمها في عهدتها أو بقوة بياتريس نفسها.

حتى ذلك الحين، كان أشخاص عديدون قد جاؤوا إلى أرشيف الكتب المحرمة، حيث وضعت بياتريس آمالها العابرة — ومع ذلك، كانت بياتريس نفسها من رفضتهم وأنكرتهم.

 

وفي المقام الأول، افتقر الفتى إلى العديد من السمات التي ظلت بياتريس تأمل أن تجدها في الشخص الذي تنتظره.


أولًا، كانت في عينيه نزعة وقحة.

كانت تصرفاته سيئة.

تربيته ناقصة.

ساقاه قصيرتان.

كان لديه بالفعل شخص يهتم به بكل كيانه.

ولم يكن لطيفًا مع بياتريس.

لم تستطع العثور على شيءٍ واحدٍ جيد فيه.

 

أصبح الأمر مؤلمًا حقًا عندما حاولت أن تفهم ما الذي تراه الفتاة نصف الشيطانية والأخت الصغرى للخادمتين فيه.


لم يمتلك أي مزايا تُذكر، ولهذا ظلت بياتريس تتمنى لو يعرف حدوده ويتقبل الوحدة بصمت.

 

ومع وضعه الحالي، فكرت أنه يمكنها على الأقل أن تصبح أكثر لطفًا معه عندما يدخل الأرشيف برأسه.


لكن حتى مع هذا الشعور في ذلك الوقت —

— في النهاية، وبدون أي اعتبار لحيرتها، استمر الزمن في التدفق، وتحرك العالم.

 

لم تكن بياتريس على درايةٍ بالتفاصيل الدقيقة لما حدث خارج القصر بعد ذلك.

لكن الفتاة نصف الشيطانية استُدعيت إلى العاصمة، وعندما عادت، كان الفتى، الذي من المفترض أن يسافر بجانبها، غائبًا.


وعندما ظهر مرة أخرى، كان قد حصل على إرث يعود لشخصٍ تحمل له بياتريس ذكريات عزيزة.

 

عند رؤيتها للكتاب، أدركت بياتريس كيف أن شخصًا آخر قد تركها وراءه في هذا العالم، حتى عندما أرسلت الفتى ومن معه إلى الملاذ وفقًا لمخططات روزوال.

كان متجهًا لمقابلة ساحرة الجشع، محققًا رغبة عائلته القديمة — تلك كانت كلمات روزوال التي تركها لبياتريس عندما زارها في الأرشيف قبل ذهابه إلى الملاذ.

 

من تلك الكلمات ونظرة روزوال في عينيه، استنتجت بياتريس أنه بات على وشك إنهاء الأمور. وفي الوقت ذاته، توصلت بياتريس إلى استنتاجها الخاص.

 

استنتاجٌ يتعلق بالشخص الموعود، الذي من المفترض أن يُسجل في كتاب المعرفة، والذي ظل فارغًا لأربعة قرون.


— ذلك الشخص لن يأتي أبدًا إلى عتبة بياتريس.

 

عندما انتشرت رائحة الموت في القصر، أدركت بياتريس ذلك فورًا.

حتى في وجود مثل هذه الهالة الكثيفة، لم يكن هناك شيء مكتوب في كتاب المعرفة حول مستقبل بياتريس. لقد تخلّى عنها القدر. ولسببٍ ما، تقبلت ذلك بسهولة.

 

ربما كان ذلك لأن بياتريس قد بدأت أخيرًا ترى الخاتمة التي لطالما تمنتها.


— ذلك الشخص لن يأتي أبدًا.

ومع ذلك، عليها أن تستمر في الانتظار.


وفي هذه الحالة، لم يكن أمام بياتريس سوى الانتظار حتى يأتي أحدٌ ما ليوقفها عن الانتظار.

 

إن عنى ذلك انتزاع حياتها، لم يهمها مَن يقوم بذلك.


لو أمكن، لرغبت في أن تترك ولو جزءًا ضئيلًا من نهاية تلك الأربعمائة عام لشخص آخر.


ولهذا السبب، في تلك الليلة، عندما اقتحم الفتى — ناتسكي سوبارو — أرشيف الكتب المحرمة، أفرغت بياتريس كل مشاعرها المكبوتة التي ظل يصعب عليها التعبير عنها بالكلمات.

 

في تلك اللحظة، لأول مرة، أرادت بياتريس أن تنتقم من القدر الذي لم يحاول أبدًا إنقاذ قلبها ولو لمرة واحدة.


لو أمكنه أن يصبح الشخص الذي يأخذها وينهي العهد أخيرًا، لكان ذلك…

 

“سوف أُخرجكِ من هنا يا بياتريس — وهذه المرة، يدي هي من ستقودكِ مباشرةً تحت ضوء الشمس الكبير، وسنلعب حتى يتغطى ذلك الفستان بالطين تمامًا.”

 

“…”

 

— إذاً، لماذا، عندما فات الأوان بالفعل، مزّق هذا العزم الصلب قلب بياتريس؟


كل ما فكرت فيه هو الوصول إلى نهايتها.

 

ومع ذلك، أراها الفتى مستقبلاً مختلفًا عن كل آمال بياتريس السابقة.

لم تكن تأمل في شيء كهذا. لقد أنهكتها السنوات الأربعمائة من كل رجاء.

 

“لو…لو كنت…الشخص الذي انتظرته…”

هكذا يجب أن يكون الأمر.

 

ومع ذلك، بينما تستمع إلى صوته الممتلئ بالغضب، بدأت شرارة تغيير تتقد في داخلها.


لو نطقت بالكلمات، لو قالتها بصوتٍ مسموع، فإن مشاعرها الساكنة ستفيض وستظهر على وجهها.

 

ستتحرر بياتريس من هوسها بكلمات والدتها التي قيدتها لأربعمائة عام، ومن تلك اللحظة فصاعدًا، ستمسك بشيء جديد، شيء لن تتركه أبدًا.


ومع علمها التام بهذا، طرحت بياتريس السؤال الحاسم —

 

“هل ستصبح…الشخص الذي تنتظره بيتي؟“


“أنتِ حقًا حمقاء. لا يمكنني أبدًا أن أصبح هذا الشخص الغبي أو أيًّا كان بالنسبة لكِ.”

 

**

 

لقد كانت على وشك ارتكاب شيء لن تستطيع الرجوع عنه أبدًا.


لكن قبل أن تحظى حتى بفرصة المحاولة، سُلبت تلك الإمكانية منها.

 

— شعرت كما لو أنها انحدرت إلى أن تصبح مهرّجًا تافهًا ورخيصًا جدًا.

 

“…هل أنا فقط…مرهقة، أتساءل؟“

 

في المقام الأول، كان من الخطأ أن تفكر حتى في أخذ يد ذلك الفتى.


لم يمتلك القلب النقي لشخص قد يلوث يديه من أجل إنقاذ الآخرين دون تردد.

 

تمامًا مثل بياتريس، كان يمتلك قلبًا ضعيفًا. مترددًا، ويعاني من أبسط الأشياء؛ دائم الشك في نفسه، متذبذبًا، ومستعدًا دائمًا لتكديس الأعذار الواهية بدلًا من مواجهة الأمور بجرأة.

 

ولهذا السبب، ظلت تعرف أن موتها سيأتي بطريقة مختلفة.


تمامًا مثل المتسللين الذين دخلوا القصر، محاطين بهالة كثيفة من الموت.

أو ربما ستلتهم النيران المتصاعدة القصر، وتحوله إلى رماد، كجحيم ناري.

كل ما كان عليها فعله هو الانتظار لذلك —

 

“ها قد عدت! يا لك من حمقاء كبيرة! لقد أوقعتِني حقًا في مأزق هناك، اللعنة…”

 

“ــــ!!”

 

“آااااغ؟!”

 

عندما ظهر الفتى فجأة في أرشيف الكتب المحرمة كما فعل مرات عديدة من قبل، أطاحت به بياتريس على الفور بغضبٍ غريزي.

 

لا يزال الغيظ يشتعل فيها، فجاء الهجوم أسرع من أن تدركه.


ضُرب الفتى بموجة صدمة أطاحت به خارج الباب الذي دخل منه للتو. وأُغلق الباب بصوت عالٍ خلفه.

 

“أنا — أنا انتهيت من الحديث معك…ومع ذلك، عدّتَ مجددًا. أي قدر من الوقاحة تمتلك، أتساءل؟!”

 

لم تستطع بياتريس حتى أن تفهم الجرأة المطلقة التي احتاجها ليُظهر وجهه أمامها مرة أخرى بعد ما قاله لها آخر مرة.

 

وكأنها تحاول تهدئة نفسها، أخذت بياتريس عدة أنفاس عميقة، تنتظر مرة أخرى أن يمضي الوقت —

 

“توقفي عن نوبات الغضب هذه! إذا لجأتِ إلى العنف مباشرةً، فلن…”


“أنت من يجب أن يتوقف!!”


“آااااه!”

 

ضربته موجتان متتاليتان من الطاقة السحرية، الأولى في وجهه، ثم في معدته.

تأوه الفتى من الألم، قبل أن يُلقى به خارج الغرفة مرة أخرى، وأُغلق الباب خلفه بعنف، ليُخرج بالقوة من المكان.

 

“هل هذا مضحك بأي شكل من الأشكال، أتساءل…؟“

 

تمتمت بياتريس بغيظ، وجلست مرة أخرى على مقعدها، ممسكةً بمجلد الحكمة الفارغ، وهي تحدق في الباب بقلق، تخشى أن يُفتح مرة أخرى.

 

كانت خائفة من أن تُجبر مشاعرها، التي دفعتها جانبًا بالمنطق التعسفي والمشاعر التي لا تُفكر فيها، على الظهور.

 

مهما حاولتَ القدوم مرارًا وتكرارًا، سأستمر في رفضك. أنتَ لستَ ذلك الشخص.

لقد تخلّيت عن أي حق لأخذ بياتريس من هنا.


لذلك، ستبقى بياتريس إلى أن تلقى هي ووعدها الذي لم يُوفَ به نهايتهما.

 

— في تلك اللحظة، كان ذلك هو الشيء الوحيد الذي اعتقدت بياتريس أنه يمكن أن يمنحها الخلاص.

 

**

 

متطايراً خارج الأرشيف، خفف سوبارو بذكاء من سقوطه فور اصطدامه بجدار الممر.


“آااااه… أنا بخير، قطعة واحدة!”

 

بعد أن انفصل عن بيترا وأوتو، أصبح مصممًا بشدة على محاولة إقناع بياتريس للمرة الرابعة. وبفضل تلقيه الكثير من الضربات في وقت قصير، بات خبيرًا إلى حد ما في تخفيف أثر موجات الصدمة غير المرئية.

 

“ليس هذا الوقت المناسب لصقل مهارات غبية كهذه. غرائزي تخبرني أن الحريق يزداد سوءًا.”

 

ماسحاً عرقه المتصبب على جبهته بأكمامه، انحنى سوبارو، ثم قرقع بلسانه بسبب الرؤية السيئة.

 

لقد تفاقم الحريق الذي يلتهم القصر، ووصل الدخان الأسود المتصاعد الآن إلى كل زاوية من الجناح الرئيسي. لقد غمر الطابق السفلي ألسنة النيران بالفعل؛ وإذا سقطت الأرضية تحته، فلن يتمكن من تفادي أن يتحول إلى رماد محترق.

 

مع انتشار الحريق إلى الجناحين الشرقي والغربي، لم يعد بالإمكان السيطرة عليه.

 

الجانب المشرق الوحيد كان تقليل عدد من يمكنه العبور بشكل كبير، وهروب العديد من الوحوش الشيطانية بسبب الحريق، مما ترك سوبارو بدون أعداء يعيقون طريقه وهو يركض في القصر. ومع ذلك، كلما زادت المساحات المشتعلة في القصر، ارتفعت احتمالات احتراق سوبارو حتى الموت.

 

لم يكن أمامه سوى وقت قصير قبل أن ينهار القصر بفعل النيران. أصبح عليه إخراج بياتريس من هناك قبل حدوث ذلك.

 

“وفوق ذلك، ماذا سيحدث لأرشيف الكتب المحرمة إذا احترقت كل الأبواب تمامًا…؟“

 

إذا قُطعت كل الروابط مع الأبواب، إلى أين سيؤدي باب الأرشيف؟ ربما سيؤدي إلى اللاشيء، وسيستمر عالم تلك الفتاة الوحيد في العزلة إلى الأبد؟


أو ربما، سيشارك الأرشيف مصير القصر، تُلتهمه النيران ويُعاد إلى رماد؟

 

“كما لو أنني سأقف مكتوف اليدين وأدعكِ تنتهين هكذا…!”

 

استنشق سوبارو نفسًا عميقًا، واندفع على الأرض كأنه يلعقها، فاتحًا الباب الذي طُرح من خلاله، واضعًا يده على الباب التالي، فاتحًا واحدًا تلو الآخر.

 

بينما ظلت مواد البناء تحترق، سُمع صوت يشبه الانفجار، والقصر، حيث قضى أيامًا لا تُقدّر بثمن، بدأ ينهار بفعل النيران.

 

“— غاه، آاااه!”

 

عندما أمسك بمقبض باب لم يُفتح بعد، كتم صرخته من ألم كفه المحترق. ومع ذلك، خلال هذا الوقت القصير، أصبح ذلك الألم شعورًا اعتاد عليه.

 

كان الألم يخترق رأسه كما لو أنه طعنة حادة، لكنه ركّل الباب واندفع إلى الداخل.

 

“…”

 

لهث وهو يستنشق عبق الكتب القديمة، ليجد نفسه في أجواء منفصلة عن حرارة النار المشتعلة — لقد كان الأرشيف المحرّم.

 

بمجرد أن أدرك ذلك، رفع سوبارو رأسه. الفتاة الجالسة على المقعد كانت تحدق فيه مباشرة بغضب.

 

“أنت مجددًا. ألا تعرف متى تستسلم…!”

“هاه!! بالطبع لا أعرف! سأقتحم هنا وأخرجكِ من هذا المكان بقدر ما يتطلب الأمر! إذا كنتِ تكرهين ذلك، فتعالِ معي وحسب! افعلي ذلك، وسأجعلها المرة الأخيرة التي أقتحم فيها هذا المكان بهذه الطريقة!”

 

“لقد سئمت من لغوك الذي لا ينتهي! هل تدرك حتى أن القصر يشتعل بالنيران، أتساءل؟! إذا لم تهرب على الفور، فلن ينتظرك سوى الموت وسط اللهب!”


في المحاولة الخامسة التي تحدى فيها سوبارو بياتريس، وبخته بشدة، معتبرةً إياه أحمقًا لا أمل فيه. ظلت عيناها الزرقاوان تشتعلان بمشاعر عنيفة، شفتاها ترتعشان، وأصابعها تغرز في كتابها السحري.

 

“أنت… ألا تدرك أنك قد استنفدت فرص الحديث مع بيتي، أتساءل؟! أنت دخيل غير مرحب به… لماذا لا تفهم ذلك؟!”

 

“حسنًا، لا أفهم. طالما أنكِ لا ترفضينني بجدية، سأعود مرات ومرات كما أريد.”

 

“بيتي ترفـ ــــ!!”

 

كانت غاضبةً جدًا، مستاءةً جدًا، حتى أن كلمات بياتريس توقفت في منتصف طريقها إلى الخارج قبل أن تتسع عيناها بدهشة.


لم تدرك تمامًا مغزى كلمات سوبارو.

 

كلمات وأفعال بياتريس نفسها بدت تتناقض مع وجود سوبارو ذاته.

 

“بياتريس، إذا كنتِ حقًا لا تريدين رؤيتي، لاختبتِ هنا في الأرشيف.”

 

“ماذا…؟ في الوقت الحالي، هل تستطيع بيتي أن تخطو خطوة واحدة خارج الأرشيف، أتساءل؟! ومع ذلك — ومع ذلك، أنت تقتحم المكان بمفردك و…”

 

“لا، أنتِ مخطئة. لو كنتِ جادة، لما استطعت الوصول إلى هذا المكان مرارًا وتكرارًا في مثل هذا الوقت القصير. رفضكِ سطحي فقط.”

 

“— أنا، آه…”

 

زاد ارتباك بياتريس. بدت حائرة، غير قادرة على إيجاد الكلمات التي تمكنها من رفضه.

 

لم تكن تقنية “المرور” قوة مطلقة. تلك ببساطة حقيقة. ومع ذلك، فيه تقترب من ذلك بشكل مذهل.

 

لو أرادت بياتريس بصدق أن تفصل الأرشيف المحرّم عن العالم الخارجي، لبات من السهل منع سوبارو من الدخول.

 

هل لم تفعل ذلك — أم لم تستطع فعل ذلك — لأن قلبها قد انحرف؟

 

“…”

 

بعد أن تأملت في تأكيدات سوبارو، بدأت بياتريس أيضًا تشك في قلبها.

 

حتى وإن لم تفعل، فإن الوعد الذي ظل يشكل أساسها على مدى أربعة قرون قد تلاشى، تاركًا إياها في حالة من التردد.

 

لم تعد تعرف ما إذا كانت كلمات سوبارو أم آمالها هي الصحيحة.

 

— وفي الحقيقة، حتى سوبارو لم يكن يعلم.

 

ربما كان الأمر ببساطة أن القصر كلما اشتعل، كلما قلت الخيارات أمامهما.

 

ربما سوبارو قد اكتشف قوى خفية بشكل ملائم في اللحظة المثالية، مما مكنه من تجاوز “المرور”.

 

وربما، كان صحيحًا أن بياتريس لم تستطع أن تجلب نفسها لرفض سوبارو بصدق، ولهذا ظل مدخل “المرور” مفتوحًا أمامه.

 

لم يعلم أي الاحتمالات هو الصحيح — لكن سوبارو ظل يأمل، يصلي أن تكون الأخيرة.


ولكن مهما كانت الحقيقة، فإنها لم تعد تهم.

في تلك اللحظة، كل جزء من ناتسكي سوبارو  بات مكرسًا للوصول إلى إمكانية أخذ بياتريس معه.

 

“أنت… أنت…! أنتَ لست ذلك الشخص لبيتي!”

غير قادرة على احتواء العاصفة الداخلية التي تدور بداخلها أكثر، أمسكت بياتريس بحافة تنورتها ورفعت صوتها.


متخليةً عن الأفكار المتصارعة في عقلها، بدت على وشك الانفجار في البكاء بينما واجهت سوبارو بما يختلج في صدرها.

 

“لقد قلتَ بنفسك أنك لست كذلك! لقد قلتها بنفسك! ألم تقلها، أتساءل؟ لو كنت ذلك الشخص… لو قلت ذلك، حتى ولو كان كذبًا، لربما صدقتك بيتي. حتى وهي تعرف أنه كذب، لوجب عليها أن تصدقك.”

 

“بياتريس…”

 

“ولكنك لم تقل ذلك، أليس كذلك، أتساءل؟ قلت إنه خطأ، وقلت إنه سخيف. حسنًا، أعتقد أنك كنتَ محقًا. نعم، بيتي غبية، غبية كبيرة لا تستطيع أن تنسى وعدًا شفهيًا قطعته قبل أربعة قرون… ولهذا! مهما قلت، أليس كل شيء قد انتهى بالفعل، أتساءل؟!”

 

عندما صرخت بياتريس برفضها، اندلعت عواصف قوية من حولها، أحاطت بها كأنها قفص.


دفق الطاقة السحرية جعل فستان الفتاة وشعرها يرفرفان في الريح، وغمر الأرشيف المحرّم جو مأساوي.


بعد أن شاهد كل هذا، التقط سوبارو أنفاسه، ثم بدأ يسير إلى الأمام.

 

كان قلبه الضعيف خائفًا — خائفًا من أن تؤذيه هذه العواصف.


مقاومًا ذلك الخوف، قبض على كفيه المحترقتين بإحكام، مستخدمًا الألم للتركيز فقط على النظر إلى الأمام.

 

“أنا…”


“…”


“لست ذلك الشخص أو أي شيء من هذا القبيل. سأقولها بقدر ما تريدين. الأمير الذي يمتطي الحصان الأبيض الذي تنتظرينه لن يأتي. لن يأتي أبدًا مهما انتظرتِ هنا.”

 

بينما ظلت تستمع إلى هذه النفي المتكرر، ازدادت اليأس في عيني بياتريس عمقًا.


لو انتهى كل شيء هنا مجددًا، فلن يتغير شيء.


ومع ذلك، إذا تمكن من قول ما يتبع ذلك —

 

“لكن…”

 

“…”


“أريد أن أكون بجانبكِ، بياتريس.”

 

“ــــ!”


“أريد أن أكون هنا من أجلكِ، حتى لا تصبح نفسكِ الطيبة حزينة بعد الآن.”

 

“آه… أوووغ…!”


التوت ملامح بياتريس.

الطاقة السحرية المتدفقة فقدت تركيزها، وبدأت الرياح تعصف بلا تمييز، تقترب أكثر فأكثر من إيذاء بياتريس نفسها.

بدا وجهها يلتوي بالحزن والغضب… وشيء أعمق من ذلك.


ثم فتحت الكتاب الموجود على حجرها، متمسكةً به وكأنه شريان حياتها.

الصفحات التي ترفرف في الريح… ظلت بيضاء. كلها كانت فارغة.

 

— كتاب النبوءة لم يُظهر شيئًا يدفعها إلى اتخاذ قرار بالرغم من ذلك.

 

“— ماذا بحق السماء؟!”

 

أغلقت بياتريس الكتاب. وفي ذات اللحظة، حدث تشوه غير طبيعي في مجال رؤية سوبارو.


باتت رؤيته ضبابية، وسقط على ركبتيه، غير قادر على الوقوف.

بالتأكيد، لم تكن الأنيميا أو التعب هو ما أسقطه.

 

السبب الحقيقي كان الأرشيف المحرّم ذاته، الذي بدأ يتمايل بعنف.

باتت الأرضية تلتوي، والرفوف المكدسة بالكتب فقدت توازنها وانهارت واحدة تلو الأخرى.


الكتب التي كانت تصطف على الرفوف تطايرت، ملأت الغرفة ببحر من الأغلفة والصفحات والأوراق.

 

لقد صنعت بياتريس الأرشيف المحرّم بنفسها — وإن كان حاله يعكس حالتها النفسية، فمن الواضح أنها باتت مضطربة لدرجة أنها لم تعد قادرة على الحفاظ عليه.

 

“بياتريس ـــــ!”

 

بينما أصبح كل شيء من حوله مشوَّهًا بشكل متزايد، بذل سوبارو قصارى جهده ليقف، مادًّا يده نحو بياتريس.


المنطقة حولها فقط هي التي لم تتأثر بالتشوه؛ ومع ذلك، لا تزال الفتاة جالسة على المقعد.


لو قفز، فسيصل إليها. واثقًا بهذا، استدار سوبارو نحو بياتريس واتخذ قفزة إيمان.

 

في اللحظة التي قفز فيها، انشقَّت المساحة نفسها وكأنها قطعة من الورق، ولم يعد جسد سوبارو سوى لحظاتٍ بعيدًا عن أن يُبتلع في الشق.

 

“أوه، تبًّا…!”

لن يصل.

غير قادر على فعل أي شيء آخر، اندفع سوبارو إلى داخل الفجوة.


لم تكن تلك قوة “المرور“.


لقد كانت قفزة عبر الفضاء حيث لم تتضمن أي باب — وقد مرَّ سوبارو بهذه التجربة من قبل.

 

كان ذلك عندما ترك إيميليا تموت.


وكان ذلك عندما ترك بياتريس تموت.

 

“…”


في اللحظة الأخيرة، عندما نظر بعينيه نحو الشق في الفضاء، رأى شفتي بياتريس تتحركان.

 

— كل تعابير وجهها بدت وكأنها تقول الشيء نفسه.

 

وداعًا.

 

**

 

بمجرد أن عبر المسافة الفاصلة، تسبب الدخان الذي استنشقه في موجة من السعال الحاد، وشعر أن الرياح الحارة تكاد تحرق جلده.

 

“— المدخل؟! يا لها من لفتة مهذبة. اللعنة!”

 

رفع سوبارو وجهه الأسود المتسخ، ليدرك أنه أصبح عند مدخل القصر المشتعل.

 

بإلقاء نظرة أبعد، تأكد أن المبنى بأكمله قد ابتلعه اللهيب؛ لم تقتصر النيران على الجناح الرئيسي حيث بدأت، بل امتدت أيضًا إلى الجناحين الشرقي والغربي.

 

بات من الصعب العثور على أي جزء من القصر لم تلتهمه ألسنة النار. حتى باب المدخل الذي خرج منه سوبارو للتو أصبح نصفه السفلي محاصرًا بالنيران. أن يعمل الممر على الإطلاق بدا معجزةً بحد ذاتها.

 

لم يعد بإمكانه العودة إلى أرشيف الكتب المحرمة من هناك، بل شك في وجود أي باب متصل بالأرشيف ما زال قائمًا داخل القصر.

 

لقد طُرد خارج القصر المحترق. وربما كانت هذه رسالة بياتريس له، جوابها النهائي.

 

“وداعًا؟! عن أي وداع تتحدثين؟ كيف تتظاهرين بالقوة بينما تظهرين لي وجهًا كهذا في النهاية؟!”

 

دفع سوبارو شكوكه جانبًا، وركل الباب المشتعل بعنف، وعاد للاندفاع إلى داخل المدخل. استقبلته على الفور موجة من الحرارة لا تضاهى بأي شيء شعر به في الخارج، وأحس بأن ألمه في القصبة الهوائية المحترقة يكاد يجلب الدموع إلى عينيه.

 

الدخول إلى مبنى مشتعل مثل هذا، كمن يحاول إنقاذ الأرواح ببسالة بطولية، بدا ضربًا من الحماقة. لكن سوبارو لم ينوِ الموت.

 

“ولن أدعها تموت أيضًا!”

 

اندفع سوبارو عبر ألسنة النار التي تلتهم قصر روزوال، باحثًا عن أي شيء قد يقوده إلى الأرشيف.

 

ظل وجهه وعنقه وأطرافه يتعرضون للشواء، وشعره بالألم يتفاقم كما لو أن جلده يُحترق ببطء. كان التنفس يؤلمه، لكنه لم يكن كافيًا لإيقافه عن الركض.

 

دفع سوبارو كل الأفكار الأخرى بعيدًا، مركزًا على هدفه الوحيد.

 

لو بات قادرًا على رؤية الموقف بوضوح أكثر في تلك اللحظة، لربما جعله هول المشهد يرتجف من الخوف.

 

إذ بينما ظل يركض عبر هذا الجحيم، يقسم على إنقاذ الفتاة مهما كلف الأمر، كان سوبارو مغطى بهالة سوداء كثيفة للغاية، كأنها عباءة من الظلال تحميه من النيران.

 

دون وعي منه، اخترق سوبارو جدارًا هائلًا من اللهب ووجد نفسه أمام السلم.

 

كانت غرفة الطعام في الطابق الأول هي المكان الذي بدأ فيه الحريق. ومع المدخل، بات من المحتمل أن كل الأبواب هناك قد احترقت بالكامل. إذا كان هناك باب لا يزال سليمًا، فسيكون في طابق أعلى — ربما في الطابق العلوي.

 

في مثل هذا الحريق، بدا من غير المحتمل أن يتمكن من الصعود إلى الطابق الأعلى من الطابق الأول. لكن رغم ذلك، دون أدنى تردد، بدأ سوبارو في تسلق الدرج، متجهًا نحو الطابق الأعلى.

 

ثم —

 

“…”

 

سمع صوتًا يشبه صوت شيء مبلل يتم جره على الأرض؛ لذا استدار سوبارو بسرعة.

 

صدر الصوت من الممر المؤدي إلى الجناح الرئيسي، حيث كانت النيران تشتعل بشراسة. ومع ذلك، يقتضي أي منطق باستحالة وجود أي شيء حي في هذا المكان.

 

بعد انهيار قيادتها، هربت الوحوش الشيطانية ، إذ أن هذا الجحيم المشتعل لم يسمح لأي كائن حي بالبقاء. فما الذي يمكن أن يوجد في مكان كهذا؟

 

— مهلًا، ما هذا بحق الجحيم؟

 

ظهرت شخصية ترتدي الأسود من بين ألسنة اللهب: امرأة سوداء الشعر تمسك بسيف أسود في يدها.

 

“إلزا؟“

 

“…”


لم يكن هناك أي رد، لكن بناءً على معرفة سوبارو، لم يكن من الممكن أن يكون أي أحد غير تلك القاتلة السوداء بالكامل.

 

في مرات متعددة وعبر حلقات متكررة، واجه سوبارو هذه المرأة ومات على يديها. وفي خطته الأخيرة، تركها لأقوى رفاقه، معتقدًا أنه لن يراها مرة أخرى أبدًا.

 

ومع ذلك، في هذا العالم الناري بين الحياة والموت، وقف سوبارو وإلزا وجهًا لوجه مجددًا.

 

“…”


عند مواجهتها في قصر روزوال المحترق، لعق سوبارو شفتيه، ناسياً أي شعور بالقلق.

 

لقد استعار قوة الكثيرين ليصل إلى هذه النقطة.

أوتو. رام. ريوزو. شيما. باتلاش.

إيميليا. سكان قرية إيرلهام. غارفيل. بيترا. فريدريكا.

 

بفضلهم، تمكن سوبارو من الوقوف هنا والآن — ناتسكي سوبارو لم يشك في حلفائه.

 

“غارفيل لن يخسر أمامك. لا يمكن أن تهزميه.”


“…”


“أنتِ لم تعودي إلزا، أليس كذلك؟“

 

عندما طرح سوبارو السؤال، وجهت إلزا — لا، ما كانت إلزا — عينيها السوداوين الفارغتين نحوه. لم يكن هناك بريق حياة فيهما، بل مجرد هوة لا قعر لها.

 

كان سوبارو يحدق في هاوية.

 

جسد فارغ، روح راحلة، وتجسيد للهوس. مدفوعة بعطش دماء لا ينضب، ظلت تزحف نحو سوبارو عبر النيران المشتعلة، وهي تسحب جسدها المهشم.

 

هذا تجاوز بكثير مجرد قوة غير طبيعية تُبقي الموت بعيدًا. لقد أصبحت القوة مجرد لعنة.

 

تمامًا مثل عودة سوبارو بواسطة الموت، لم تكن سوى لعنة،ٌ وُضِع على حياته ذاتها.

 

“أنتِ تعيشين وضعًا صعبًا أيضًا، لكني لا أملك وقتًا للتعامل معك. عليّ أن آخذ بياتريس —“

 

“…”

 

لم يكمل حديثه للجثة التي كانت إلزا، مستعدًا لتركها للنيران. من المؤكد أنها كانت تزحف ببطء كافٍ يسمح له بالهرب بسهولة. لكن —

 

“—!!”

 

فجأة شعر سوبارو بالموت يلامس مؤخرة عنقه، فقفز على الفور. وبعد أن قفز إلى الدرجات المشتعلة، استدار. خلفه، كانت شفرة الجثة الشريرة قد قطعت الدرج بالكامل.

 

مقتربةً، استعدت الجثة لضربة أخرى لتنتزع حياة سوبارو. بطبيعة الحال، لم يكن السبب في تفاديها الضربة هو الرحمة. بل فشل الهجوم لأن الجزء السفلي المحطم للجثة منعها من الاندفاع بشكل صحيح.

 

“أنتِ تمزحين معي —!”

 

بسرعة، ركل سوبارو يد الجثة التي حاولت الإمساك بالدرج، واندفع مبتعدًا.

 

يتحرك الدخان من النار للأعلى. وبناءً على ذلك، صار أكثر كثافة في الطابق العلوي، مما زاد من حدته. كانت النيران هناك قوية أيضًا؛ البحث عن باب في تلك الظروف لم يبد واقعيًا جدًا.

 

— والأهم من ذلك، أن الجثة لم تتراجع عن ملاحقته ولو للحظة، ظلت تطارد سوبارو بلا هوادة.

 

“اللعنة! يجب أن أصعد للأعلى!”

 

مطاردًا بلا هوادة من الجثة التي فقدت إنسانيتها، واصل سوبارو الركض إلى الطابق العلوي. وعندما وصل مترنحًا إلى الطابق الثالث المحاط بالنيران، وجد نفسه في الممر المؤدي إلى المكتب حيث ودع بيترا وأوتو.

 

كانوا قد خرجوا جميعًا بأمان وسلام. غارفيل وفريدريكا أيضًا.


وبالنظر إلى الفوضى بين وحوش الشياطين، بدا من الواضح أن ميلي قد هُزمت كذلك. أما بالنسبة لإلزا —

 

“روووووووه!!”


“هاااه؟!”

 

مع زئيرٍ مفاجئ ومخالب وحشية تخرج من بين النيران القريبة، صرخ سوبارو غير قادر على إخفاء صدمته.

 

كان المذنب وحشًا شيطانيًا بوجه أسد. لقد فقد عرفه، ونصف جسده بدا محترقًا بشكل مريع، لكن لم يكن هناك شك: هذا هو نفس الـ”غيلتيراو” الذي ظن سوبارو والبقية أنهم أحرقوه حتى الموت في قاعة الطعام.

 

بدا وكأنه يكافح حتى للتنفس، ربما كان واقفًا فقط لطاعة أوامر سيده.

 

إذا كان ذلك صحيحًا، فإن سوبارو أصبح كالعثة التي تطارد النار — مفارقة لقاء هذا الوحش وسط هذا الجحيم المشتعل بدت مثيرة السخرية بشكل لا يُطاق.

 

“!!!”

 

زائرًا، قام الوحش الشيطاني المحتضر بضرب ذراعه الضخمة نحو سوبارو. جرف الحائط، مع ضربة قاتلة تصفر في الهواء وهي تقترب منه. حتى وهو بالكاد متمسك بالحياة، كان هذا الوحش قادرًا على سلب حياة سوبارو بسهولة كاقتلاع بعض الأعشاب.

 

“أنتم كلاكما تافهان بنفس الطريقة!”

 

تفادى سوبارو الهجوم بالتدحرج للأمام نحو جانب الوحش الشيطاني — لقد تعلم، ربما من كثرة التجارب المؤلمة، أن وحوش الشياطين عادة ما تستهدف النقاط الحيوية لدى فرائسها.

 

محبطًا بعد أن أخطأ الهدف، أطلق الوحش الشيطاني هجومًا آخر بغضب —

 

” !!!”

 

عندها فقط، كشّرت الجثة المطاردة لسوبارو عن أنيابها تجاه الوحش الشيطاني.

 

لم يكن هناك أي سبب يدفع الوحش الشيطاني والجثة إلى القتال. بالنسبة للجثة التي ظلت تطارد سوبارو، كان الجسد الضخم للوحش مجرد عائق في الطريق الذي عبره سوبارو أولًا.

 

لم يكن هناك سبب أعمق وراء قيام الجثة بقطع مخلب الوحش الخلفي. ومع صرخة الوحش وهو ينزف دمه الأسود، انطلق ذيله المتعرج مهاجمًا الجثة.

 

في حركة تتجاوز حدود الجسد البشري، تفادت الجثة الهجوم، وردت بقطع الذيل من قاعدته. مستخدمةً تقنيات القتل المغروسة في جسدها، شنت الجثة هجومًا أحادي الجانب على الوحش الشيطاني.

 

سوبارو، مستغلًا الفرصة لتحويل محنته إلى نعمة، بدأ بفتح باب تلو الآخر في الطابق العلوي.

 

كانت الغرفة الرسمية وغرفة المراجع فارغتين. استمرت المعركة بين الجثة والوحش الشيطاني، لكن كل ما ظل يسمعه هو صرخات الوحش، واضحًا أنه يخسر في المعركة غير المتكافئة.

 

“من فضلكِ، بياتريس…!”

 

أخيرًا، وصل سوبارو إلى المكتب، وفتح الباب بقوة، داعيًا في قلبه.

 

ومع ذلك، بدأ الشك يتسلل إليه عندما لم يجد أمامه سوى مكتب مدمر تمامًا.

 

“هذا لم ينجح أيضًا…! إذًا الباب الأخير هو…”

 

الطوابق المحترقة أدناه قد دُمرت بالكامل. الأجنحة الأخرى ظلت تحترق بسرعة أكبر من الجناح الرئيسي، ربما بسبب الانهيارات هناك. تُرى، هل كان هناك أي باب سليم بقي داخل قصر روزوال في هذه المرحلة؟

 

“لا، ليس بعد! لا يزال هناك المزيد! هناك باب واحد!”

 

متجاهلًا كل الأفكار التي تدعوه للاستسلام، ثبت سوبارو عينيه على المدخل المفتوح على مصراعيه للسلم الحلزوني المؤدي إلى النفق السري. إذا نزل الدرج ووصل إلى الممر السفلي — فلا بد أن هناك بابًا في الأمام.

 

في السابق، عندما عاد إلى القصر خلال هجوم طائفة الساحرة، توجه سوبارو إلى أعماق النفق السري، وتلقى برودة قاسية عبر الباب، قبل أن يتحول إلى غبار ويموت — ذاك الباب لا يزال هناك.

 

في الحال، ارتاب الشك في ذهن سوبارو. لم يكن خوفًا، بل تردد.

 

تجمعت أفكاره. هل أفعاله هذه كانت موجهة؟ جميع الأبواب الأخرى في القصر صارت بلا فائدة، مما دفع سوبارو إلى النفق السري — هل كان هذا قصد بياتريس؟

 

هل هذا كله جزء من خطة بياتريس ليتمكن سوبارو من الهروب خارجًا، ليبقى على قيد الحياة؟

 

“لا أملك الوقت للتفكير في هذا!”

 

خلفه، اهتزت أرجاء القصر بصراخ الموت الأخير للوحش الشيطاني وهو يتلقى الضربة القاضية. كان الوحش، دون أن يدري، يكسب له الوقت، لكن مع تلك الضربة الأخيرة، أزهقت الجثة القاسية روحه بلا شك.

 

— لم يعد أمامه أي خيار آخر. اندفع سوبارو نحو الممر السري.

 

كان الدخان يغمر السلم الحلزوني المؤدي إلى قبو القصر. مع انعدام الرؤية وحقيقة أن أخذ نفس واحد قد يعني الهلاك والانتقال بلا رجعة إلى عالم الكوابيس، شدد سوبارو عزمه، حابساً أنفاسه، ثم اندفع نزولًا.

 

ما كان يومًا ما بردًا قارسًا أصبح الآن حرارة لاهبة. تقدم سوبارو أعمق وأعمق في الممر المظلم تحت الأرض.

 

أخيرًا، في ظلام مليء بالدخان، توقف عندما وجد الباب الذي يبحث عنه.

 

“هذا هو…”

 

كانت هذه الفرصة الأخيرة — حبس سوبارو أنفاسه بينما تسرب إليه هذا الإدراك.

 

لم يسبق لسوبارو أن تجاوز هذا الباب في الممر السري. كان يعلم أن هذا النفق ينتهي بكوخ في الغابة، لكنه لم يخطُ يومًا إلى هذا الحد. كل ما وراء هذا الباب كان مجهولًا بالنسبة لسوبارو.

 

وبالتالي، أصبح هذا الباب بالنسبة له هو الخيار الأخير، فرصته الأخيرة للوصول إلى بياتريس.

 

إذا كان حقًا قد وُجه إلى هنا بإرادة بياتريس، فستصبح مخاطرة محفوفة بالمخاطر.


خائفًا من ذلك الاحتمال، مد سوبارو يده نحو مقبض الباب —

 

“دااه! هذا الباب مجددًا…!!”

شعر وكأن راحة يده تشتعل. أصابعه لم تلمسه حتى.

 

سحب سوبارو يده للخلف وحدق في الباب. بدا رد فعل الباب وكأنه يسخر من خوف سوبارو مما قد يحدث — وفجأة، أدرك أمرًا.

 

“مقبض الباب ساخن…؟“

 

— حتى لو تسرب الهواء الساخن، لم يكن هناك أثر للنيران في النفق السري تحت الأرض.

 

الدخان والحرارة المتسربة قد تسللوا من خلال الفجوات بين حجارة السلالم الحلزونية. لم يكن هناك أي شيء يحترق في الممر. فكيف يمكن لهذا الباب الداخلي أن يحمل كل هذه الحرارة؟

 

“…بياتريس. إن كنتِ تستطيعين سماعي، فأرجوكِ استمعي لي.”

 

حافظ سوبارو على يده بعيدًا عن الباب، ورفع عنقه قليلًا إلى الأعلى بينما نطق بهذه الكلمات.

 

لقد آمن بأن صوته سيصل إلى الفتاة التي لم تُر في أي مكان.

 

“لقد قُدّتِني إلى هنا، أليس كذلك؟ بصراحة، إذا كنتِ تخططين لإيصالي إلى النفق السري بجعل هذا الخيار الوحيد، وجررتني إلى هنا بشكل صارخ، فإن خطتكِ فاشلة تمامًا.”

 

حتى لو اضطر إلى تجاوز حريق القصر، وإلزا، والوحش الشيطاني في طريقه، فلا شك أنها وضعت خطة ونفذتها. إذا لم يؤد هذا الباب أيضًا إلى شيء، مما يجبره على التوجه إلى الكوخ، فسيتحقق هدفها.

 

“لكن لا يبدو أن الأمور ستسير بهذه السلاسة… حتى لو كان هذا الباب بلا جدوى، لن أهرب كما تريدين. هذا ليس مجرد كلام جريء أو تحدٍ فارغ بأنني لا أريد الهرب، حسنًا؟ صحيح أن تسعة أعشار ما أشعر به يتماشى مع ذلك… لكن الأمر يتعلق بمسألة جادة وحقيقية.”

 

واصل سوبارو محاولاته الجادة لإقناعها، دون أن يعرف حتى إذا أمكن الطرف الآخر سماعه.

 

طرق سوبارو الباب الذي يمنعه من التقدم برفق بقدمه، وأطلق تنهيدة عميقة.

“إذا فتحتُ هذا الباب، سأموت على الأرجح. لا أعرف إن كنتِ أو أي شخص آخر يدرك ذلك، لكن هذا ما سيحدث بالضبط… وأنا أعلم ذلك لأنني أملك قوة العلم.”

 

رغم أنها خانته بشدة في إخفاقه في قاعة الطعام، إلا أن المعرفة الحديثة الكامنة في ذهن سوبارو ظلت تدق ناقوس الخطر الآن.

 

الباب أمام عيني سوبارو في تلك اللحظة كان بابًا يجب أن يظل مغلقًا. كان ذلك خطرًا شائعًا في مواقع الحرائق.

 

الباب أمامه بات جحيماً مشتعلاً. وخلفه كانت إلزا الميتة التي لا تزال تطارده — صار هذا كازينو يلعب فيه بحياته على المحك.

 

“بياتريس. سأفتح هذا الباب — وسأترك لكِ تفسير كلماتي.”

 

هل يصل صوته حقًا إلى بياتريس؟

وإذا وصل، هل ستصدق بياتريس كلمات سوبارو؟

 

بطريقة ما، فكرة أن حياته ستُحدد بقرارها جعلت قلب سوبارو يشعر بالراحة.

 

…بالطبع فعلت.

“— بياتريس. أنا… أثق بكِ.”

 

وبينما يتحدث، شعر سوبارو بألم كفه المحترق بينما دفع الباب بقوة وفتحه.

 

ثم —

 

**

 

—و صلت الميتة الحية إلى أعماق الطابق السفلي، ليس عبر النزول على الدرج الحلزوني بل بالتدحرج عليه.

 

اخترق الدخان الأسود رئتيها، وأحرق الجلد الحرارة، وهددت النيران حياتها. مع ذلك، اندفعت بلا مبالاة بالمخاطر المحيطة.

 

كانت تقبض بيدها اليمنى على شفرة شريرة، وفي يدها اليسرى قلب الوحش الشيطاني الذي قتلته. مشهد مروع ليس له مثيل في العالم. ومع ذلك، شعرت تلك الميتة الحية بإحساس لا ينضب من الواجب وهي تلاحق فريستها.

 

لقد دُمر جسدها إلى درجة جعلت حركته شبه مستحيلة، وحياتها قد تآكلت إلى ما بعد قدرتها على التجدد. لم تعد إرادة أي إنسان تسكن هذا الجسد الزاحف.

 

لكنها استمرت في الحركة، لأن سبب وجودها كان ينتظر في الأمام.

 

وأخيرًا، بصمتٍ وقسوةٍ، وصلت الجثة إلى أبعد نقطة في النفق.

 

“…”

 

شعرت بالدخان الأسود، الراكد والمسموم، يتسلل من الأمام. وعلى الفور، هاجمت شفرتها بلا تردد.

 

كان الباب المغلق بإحكام هدفها، لتقطع حياة الفريسة على الجانب الآخر.

 

صدر صوت مكتوم عندما انشق الباب إلى نصفين. ومع ركلة أزاحت الحطام، نظرت الميتة الحية إلى الظلام على الجانب الآخر —

 

“…”

 

هب نسيم خفيف. شعرت الميتة الحية وكأنها تُسحب إلى الظلام أمامها.

 

أمام عينيها، اندفعت دخان أبيض من أعماق الظلام.

 

وفجأة، اختلط الدخان الأبيض بالدخان الأسود في الممر، مما تسبب في زوبعة حرارية.

 

على الفور، تدفق الأكسجين إلى النفق، حيث كان الاحتراق غير المكتمل سائداً. وفي اللحظة التي تلامست فيها الحرارة مع الهواء الغني بالأكسجين، انفجرت النيران في ألسنة مشتعلة.

 

رغم أن المحاولة السابقة لإحداث انفجار غباري قد فشلت، فإن النار الآن تسببت في الظاهرة الانفجارية المعروفة بـ “الانفجار العكسي”. لم تكن هذه فكرة يمكن لجثة حية خالية من العقل أن تستوعبها أبدًا.

 

“…”

الألسنة القاسية، عديمة الرحمة، للانفجار الناري أحاطت بالميتة الحية. أحرقت النيران الجحيمية جسدها فورًا.

 

بعد أن فقدت قدرتها على الشفاء، التهمت النيران هذا الجسد المتعفن، وحولته إلى رماد. وما تبقى منها أُحرق على الفور — ودُمّر بالكامل تحت زئير النيران.

 

بدت قوة النيران عظيمة جدًا لدرجة أنها لم تتوقف عند هذا الحد. اندفعت عبر النفق السفلي، وحولت الدرج الحلزوني إلى بحر من الحرارة المتوهجة، وانفجرت في المكتب، مما تسبب في اشتعاله أيضًا.

 

تلك الليلة، أُحرق كل شيء، وابتلعت النيران كل ما تبقى.

 

أبواب قصر روزوال لم تعد موجودة.

 

وهكذا، بلغ قصر روزوال المشتعل خاتمته الحقيقية.

 

**

مشهد أرشيف الكتب المحرمة، الذي دُعي إليه سوبارو، جعله يلتقط أنفاسه دون وعي.

 

غطّت الشروخ الأرضية والجدران، والتمزق في الفضاء الذي طُرد منه سوبارو ظل مفتوحًا. بدت رفوف الكتب المقلوبة والكتب المبعثرة كما هي، وفوق ذلك، بدأت النيران ترتفع في زاوية من الغرفة.

 

آثار حريق قصر روزوال وصلت أخيرًا إلى الأرشيف.

 

“…”

 

لكن أي مشاعر تجاه الغرفة وما بداخلها تلاشت فور أن ألقى نظرة واحدة نحو سوبارو.

 

في تلك اللحظة، ركّز على الشيء الأكثر أهمية — فتاة صغيرة واحدة.

 

— لأنه كان يعلم أن هذه ربما تكون فرصته الأخيرة.

 

“…أنت أحمق.”

 

“هذا أول شيء تقولينه لي؟“

 

“هل أنا مخطئة، أتساءل؟ رغم كل ما فعلته بيتي لتتيح لك الهرب، رميتَ ذلك هباءً… هل تبقّت أي أبواب في القصر يمكنها الاتصال بالممر، أتساءل؟ صار الطريق مسدوداً.”

 

في الواقع، كانت محقة. لم يتبقَ باب واحد في القصر يمكن للممر أن يتصل به.

 

النيران التي وصلت إلى أرشيف الكتب المحرمة ظلت تزداد قوة تدريجيًا، وتنتشر إلى المعرفة التي حمتها بياتريس لأربعمئة عام، محولةً ذلك الوعد إلى رماد.

 

واجبها الثمين بات يحترق. كانت الكتب قابلة للاشتعال بسهولة، ولا شك أنها ستُدمر بالكامل قريبًا.

 

“بهذا المعدل، أنا وأنت نهايتنا محتومة.”

 

“…نعم، هل هذه هي النهاية، أتساءل؟ لم تعد بيتي تتمنى شيئًا الآن. كل ما كان ينبغي أن تمنحه لذلك الشخص سيحترق قريبًا. أليس كل شيء الآن مخالفًا تمامًا لوعدها للأم، أتساءل؟“

 

“أوه، حقًا؟ إذن استمعي لي حتى النهاية، حسنًا؟“

 

لقد فشلت في الحفاظ على وعدها. وفشل سوبارو في إقناعها. نظرت بياتريس إليه بعينين فارغتين وحسب.

 

لم تنطق بكلمات تأكيد أو نفي. لكن على الأقل، بدت وكأنها تعطيه فرصة للحديث. حتى في موقف كهذا، لم يكن في طبيعتها أن ترفض الآخرين حتى الرمق الأخير.

 

أخذ نفسًا عميقًا. كانت هناك كلمات لم يستطع أن يقولها عندما افترقا آخر مرة.

 

— هذه المرة، سيقول لها كل ما في قلبه.

 

“بياتريس — أرجوكِ أنقذيني.”

 

“…هاه؟“

 

قال سوبارو تلك الكلمات بشجاعة، رافعًا رأسه عالياً.

 

عندما سمعته يقول شيئًا كهذا، ووجهه مغطى بالسخام، لم تستطع بياتريس سوى أن تحدق به مصدومة.

 

لا شك أنها تخيلت عددًا لا حصر له من الاحتمالات لما قد يقوله.

 

مع اقتراب نهاية لا مفر منها لكليهما، ربما أجرت بياتريس العديد من السيناريوهات في ذهنها حول الكلمات التي قد ينطق بها سوبارو، ناويةً بلا شك أن ترفض كل واحدة منها.

 

— أريد أن أنقذكِ. لن أترككِ وحدك. أنا بحاجة إليكِ.

 

كانت هذه النوعية من الكلمات الرجولية الباردة التي توقعت أن تسمعها من ذلك الشخص.

 

ولكن إذا عنى ذلك محاولة التعبير عن مشاعر كاذبة، فإن سوبارو لم يكن ليتمكن من فعل ذلك.

 

“كنت أفكر في قول أشياء تبدو أكثر برودة عن انتشالك من هذه الوحدة، لكن صدقيني… لم أعتقد أن أيًا منها سيجدي نفعًا. فكرت أن أفضل شيء هو أن أقول ما أفكر فيه عنكِ، وما أريد أن أخبركِ به حقًا.”

 

أصبحت بياتريس عاجزة عن الكلام بينما ظل سوبارو يسكب مشاعره الحقيقية.

 

ومع ذلك، اعتبر أن ترك الكرة بالكامل في ملعبها بدا تصرفًا قاسيًا بعض الشيء.

 

“حقًا، أنتِ لا تحتاجين إلى قوتي. لا لإنقاذكِ ولا لأي شيء آخر. أنتِ قوية، ذكية، وجميلة… يمكنكِ فعل أي شيء لو وضعتِ عقلكِ فيه.”

 

“…”

 

“ولكن، على الرغم من أنكِ قوية وذكية وجميلة، كنتِ خائفةً من العيش بمفردكِ. لا بد أن الأمر كان صعبًا. لا بد أنه كان مؤلمًا. لا يمكن لأحد أن يلومكِ على التشبث بفكرة ذلك الشخص.”

 

“هـ – هذا ليس من شأنك… لقد رفضت مشاعر بيتي… ماذا تعرف عن ذلك؟!”

 

عضّت بياتريس شفتها، ونظرت إلى سوبارو بنظرة تكاد تبدو مشبعة بالكراهية.

 

ومع ذلك، فإن ارتجافها لم يعكس ذلك أبدًا. بدا تيار مشاعرها الجياشة مهددًا بالتبدد على الفور، وهزّت رأسها يائسةً محاولةً الحفاظ على صلابتها وعزيمتها.

 

“أعرف. أعرف كم أنتِ طيبة. أعرف أنكِ إذا رأيتِ أحدهم يتقلب في كابوس، ستُمسكين بيدهِ لتهدئتهِ. وإذا كان هناك شخص يعاني من مشكلة لا يستطيع التغلب عليها، ستصلين إليهِ وتفتحين الطريق له. تشعرين بالحزن على من فقدوا أحبائهم، حتى لو كنتِ لا تستطيعين إلا أن تكرهيهم.”

 

“تتحدث وكأنك تعرف…”

 

“أنا عاجز. لا أستطيع إنقاذكِ. لكنني لا أريدكِ أن تظلي وحدكِ. إذا كان هناك شيء واحد يمكن لشخص مثلي أن يفعله، فهو التشبث بكِ والتوسل.”

 

عندما مدّ سوبارو يده اليمنى، اتسعت عينا بياتريس أكثر.

 

كانت يده محترقة ومشوهة، منظرها مريع. ومع ذلك، بدت في حالة أفضل من يده اليسرى، التي تعرضت لأضرار جسيمة لدرجة أن مجرد رؤيتها بات أمرًا لا يُحتمل.

 

قدّم اليد الوحيدة التي يمكن تنظيفها لتبدو مقبولة لتأخذ يد فتاة جميلة.

 

“بياتريس. أنقذيني، أرجوكِ.”

 

“…”

 

“سأصبح وحيدًا جدًا إذا عشتُ من دونكِ. أنقذيني.”

 

حقًا، إلى أي مدى كان هذا الطلب بائسًا ومثيرًا للشفقة؟

 

ادّعى أنه لا يستطيع المضي قدمًا بدونها ليجبرها على قبول يده.

 

لم يعرف ما الذي يمكنه أن يفعله من أجلها، لذا أخبرها بما يمكنها أن تفعله من أجله، ضاغطاً عليها لتستخدم ذلك كذريعة للعيش.

 

كان ذلك أنانيًا جدًا، وغير منطقي بالكامل. ولكن أصبحت تلك هي كل وسائل الإكراه التي استطاع ناتسكي سوبارو حشدها.

 

“هذا ليس عدلًا… هذا… ليس عدلًا.”

 

جعلت هذه المناورة الوقحة شفتي بياتريس ترتجفان بمشاعر مكثفة لا تكاد تحتمل من أعماق قلبها.

 

“كيف… كيف يمكنك أن تتحدث بهذه الطريقة مع بيتي… الآن، وفي هذا الوقت بالتحديد؟ أعني، أنتَ لستَ حتى ذلك الشخص… لقد رفضّتَ بيتي…! ومع ذلك…!”

لم تستطع أن تتحدث بشكل صحيح. ظلت كلماتها تتعثر. ظلت تتردد. بات قلب بياتريس في حالة ذعر وهي تتعذب بسبب الاختيار.

 

لا تزال بياتريس تعانق الكتاب بين ذراعيها بقوة شديدة، دون أن تبعد عينيها عن اليد الممدودة نحوها.


كانت الدموع تتساقط من زوايا عينيها بالفعل.

 

“لقد قضيتُ أربعة قرون وأنا دائمًا وحدي…! أمضيتُ وقتي في وحدةٍ قاتلة، وحتى لو قبلت يدك هنا، ستفارق الحياة على الفور على أي حال! عمر الإنسان ليس إلا غمضة عين بالنسبة لمن هو مثلي… كيف؟! كيف يمكنني أن أتمسك بشيء كهذا الآن؟!”

 

“لا أستطيع حتى أن أبدأ في تخيل الأربعة قرون التي قضيتِها. لن أدّعي أنني أفهم. أربعة قرون؟ أنا لم أعش حتى جزء من العشرين لهذا الوقت. من المحتمل أنني لا أفهم شيئًا عن خوفكِ من الزمن الذي سيأتي بعد موتي.”

 

“إذن! إذن… كلماتك لن تغير شيئًا…!”

 

“لكن غدًا، سأظل هناك لأمسك يدك.”

 

“…”

 

“سأكون هناك غدًا، واليوم الذي يليه، والذي بعده. حتى لو لم أستطع أن أعدك بأربعمائة سنة أخرى، لا يزال بإمكاني قضاء كل يوم من أيامي معك. حتى لو لم يكن بوسعنا أن نظل معًا للأبد، يمكنني أن أقدّركِ في الغد وفي الآن.”

 

“…”

 

“لهذا السبب، بياتريس — اختاريني.”

 

لقد اتخذ سوبارو قراره بالفعل.

 

وكان يشير بهذا الاختيار إلى بياتريس. والباقي بات متروكًا لها.

 

هل ستختار النيران التي ستحرق كلمات والدتها، تلك الكلمات التي ظلت مخلصة لها طوال أربعة قرون؟
أم ستكسر وعدها لوالدتها، وتتنازل عن آمالها في “ذلك الشخص”، وتأخذ يد ناتسكي سوبارو؟

 

“أنت… أنتَ لستَ… ذلك الشخص…”

 

“بالطبع لا. لا تخلطيني مع أي شخص آخر، حسنًا؟ أنا هو أنا. ناتسكي سوبارو. هذا الحب الذي دام أربعة قرون لشخصٍ لا تعرفين حتى وجهه؟ انسِ كل ذلك.”

 

“…”

 

“بدلاً من الخوف من وداعٍ قد يأتي يومًا ما، تعالِ واحيِي معي من أجل مستقبلٍ مضمون. أنا ضعيف، لكنَّ أحلامي كبيرة حقًا… وإذا ظللت معي، فإن متطفلةً مثلكِ ستجد يديها ممتلئتين بالكامل، ولن يبقى لديكِ وقت للملل أو الوحدة.”

 

“أه… أهه…”

 

“اختاريني، بياتريس.”

 

كان مستعدًا لقول هذه الكلمات مرات لا تُعدّ حتى تستقر في قلبها.


لأنه يفهم مشاعر هذه الفتاة المترددة.

 

الذنب الذي جعلها تتردد، إحساسها بالخجل من خيانة الوعود —كان مستعدًا لتحمّل كل ذلك على أنانيته الوقحة، باسم الإنسان المعروف ناتسكي بسوبارو.

 

— لكي لا تبكي هذه الفتاة وحدها مرة أخرى.

 

“حتى وإن كنتَ سترحل عني في النهاية…”

 

“لا شيء يدوم للأبد. المستقبل الذي تخافينه سيأتي يومًا بلا شك. أنتِ ستعيشين للأبد، لذا من المحتمل أننا سنفترق يومًا ما. لكنكِ وأنا لم نذُق بعد طعم الحياة بما يكفي لنستسلم لكل المتعة التي سنحظى بها معًا، ونعيش في خوف من الانفصال.”

 

“حتى وإن كنتَ ستتخلى عني يومًا…”

 

“فلنبقَ معًا. لنعش حياتنا معًا. لنفعل ذلك معًا. لنصنع ذكريات كثيرة تكفي لمحو كل هذا الخوف، وننفخ صدورنا بفخر ثم نضحك قائلين: لقد أمضينا وقتًا ممتعًا حقًا. سنفعل الكثير لدرجة أنكِ ستعوضين عن الأربعة قرون الوحيدة التي قضيتها هنا.”

 

“حتى… حتى لو فعلنا كل ذلك! يومًا ما، سأصبح وحدي مرة أخرى!”

 

رأى انعكاسه في عينيها المرتعشتين.

 

بدا بائسًا، غير مرتب، بعيدًا كل البعد عن الأمير على الحصان الأبيض الذي انتظرته سنوات طويلة.
لم يقف أمامها سوى نفس سوبارو ناتسوكي المعتاد.

 

“بالنسبة لشخصٍ مثلك، سيعيش للأبد، قد تبدو الفترة التي ستقضينها معي مجرد لحظة قصيرة. إذا كان هذا هو الحال، فسأحفر لحظتي عميقًا في روحك.”

 

“…”

 

“— وعندما ينتهي كل شيء، حتى إذا قورنت بكل الأبدية، سأظل وضاحًا لدرجة ألن يطغى شيء على ذكرى ناتسكي سوبارو!”

 

في تلك اللحظة، سمع صوت يشبه زجاج يتشقق. العالم المعروف بأرشيف الكتب المحرمة صار يتداعى.

 

في لحظة ما، الشقوق في الفضاء حول سوبارو وبياتريس أصبحت محاطة باللهب.


لكن في تلك اللحظة، لم يعد يشعر بالحرارة أو الخوف.

 

داخل سوبارو، لم يعد هناك شيء سوى بياتريس.

وفي تلك اللحظة، لم يعد هناك شيء داخل بياتريس سوى سوبارو.

 

بذراعين مرتعشتين، كانت بياتريس تعانق الكتاب الذي منحته إياها والدتها.


مصدقاً أن وحدتها التي استمرت أربعة قرون ستُشفى بمجرد أن تتركه، مدّ يده نحوها.

 

ثم صرخ.


“اختاريني! بياتريس!!”

 

“— آه.”

 

“— لقد كنتِ تريدين شخصًا ليأخذكِ إلى الخارج! أليس هذا هو السبب في أنكِ ظللت دائمًا تجلسين أمام الباب؟!”

 

ومع صوت حاسم، انتهى ذلك العالم أخيرًا.

قفص الفتاة الوحيد، ذلك العالم المنعزل المعروف بأرشيف الكتب المحرمة، التهمته النيران واختفى.

 

ولكن قبل أن يحدث ذلك، تردد هناك صوت.


 —صوت كتاب واحد يسقط على أرضية الأرشيف.

 

 

**

 

تأمل أوتو وبيترا في صمتٍ بينما يلتهم قصر روزوال النيران متحولاً إلى رماد.

 

“…”

 

كان الثلاثة — أوتو، وبيترا، وريم التي كانت محمولة على ظهر أوتو — قد تمكنوا من الخروج بأمان باستخدام الممر السري للقلعة، متسللين من خلال محيط الوحوش الشيطانية.

 

كان هناك حاجز قد وُضع بعناية حول الكوخ في الجبال خلف قلعة روزوال، حيث انتهى الممر السري. هذا الحاجز لم يمنع فقط الوحوش الشيطانية البرية في المنطقة من الاقتراب، بل صد حتى الوحوش المشاركة في الهجوم.

 

ولم يكن أوتو ورفاقه وحدهم يراقبون القلعة وهي تحترق.

 

كان هناك حشدٌ من سكان قرية إيرهام الذين لم يتوجهوا إلى الملجأ، وقد تجمّعوا في المكان، بعد أن تم إجلاؤهم إلى الحاجز مسبقًا بجهدٍ حثيثٍ من سوبارو، الذي حرص على إبقائهم بعيدًا عن الهجوم على القلعة. ومع النظر إلى الحشد الضخم من الوحوش الشيطانية، بدا واضحًا أن قلقه لم يكن مبالغًا فيه. لم يكن أوتو وحده من شعر بذلك، بل حتى القرويون.

 

لكن لم يكن أحدٌ يشعر بالحرية للتعبير عن فرحهم بوصولهم إلى بر الأمان.

 

في تلك اللحظة، كل ما استطاعوا فعله هو مراقبة القلعة بأملٍ قلق، منتظرين تغيرًا واضحًا، ومؤمنين بأن سوبارو ومن معه، الذين لا يزالون يكافحون داخل القلعة، في أمان.

 

“…”

 

حتى أوتو، الذي قد قرر معالجة حروقه لاحقًا، ظل يحدّق في القلعة.


وكانت بيترا بجانبه، متشبثةً بذراعه بقوةٍ لا يمكن تصورها من طفلةٍ صغيرة.

 

لم يكن هناك شك أنها كانت قلقة للغاية. يمكن لأي شخص أن يلاحظ بسهولة مشاعر الإعجاب التي تحملها الفتاة الصغيرة تجاه سوبارو من نظرة واحدة. ومع شعورها بالحزن، لم يكن بوسع المرء سوى أن يُصلي من أجل سلامته.

 

حاول أوتو تهدئة بيترا بلطف، فمسح على شعرها البني برقة. وعندما نظرت إليه بيترا بدهشةٍ للحظة، ابتسم لها، ثم أعاد عينيه إلى القلعة مرةً أخرى — وفي تلك اللحظة، لاحظ شيئًا.

 

“هذا…”

 

كان ذلك من الطابق العلوي الرئيسي لجناح القلعة المشتعل.

انفجر الحريق بقوةٍ كبيرة من المكتب الذي استخدمه أوتو ورفاقه كطريقٍ للهروب.

تحطمت النوافذ، وانتشرت ألسنة اللهب التي غمرت الطابق العلوي بالكامل.

أخيرًا، استسلمت قلعة روزوال للنيران، وانهارت.

 

“آه…”

 

خرج صوت صغير من حلق بيترا عند رؤية هذا المشهد.

وفي عينيها، بدا أن اليأس يقترب.

كبالغٍ، حاول أوتو أن يمحو هذا الحزن.

 

“سيد أوتو! انظر!”

 

“هاه؟!”

 

ظهر على وجه أوتو تعبيرٌ مرتبك عندما ضربت بيترا جانب وجهه بكفها الصغيرة.

 

جاءت الضربة فجأة، مما جعل أوتو يشعر بالصدمة لوهلة.

لكن عندما رأى الابتسامة المبتهجة على وجه بيترا وهي تشير إلى القلعة، فهم فورًا وهزّ رأسه سريعًا ليزيل دهشته.

 

وكما هو الحال مع بيترا، بدأ سكان قرية إيرهام يرفعون أصواتهم فرحًا.

 

“ها…ها ــ ها…”

 

— من قلعة روزوال، التي كانت تحترق وتنهار، ارتفع شعاعٌ واحد من الضوء الأبيض نحو السماء.

 

بدا الضوء مثل نجمةٍ ساقطة، مغيراً اتجاهه عاليًا في السماء، متوهجًا وهو ينحني ويطير بعيدًا نحو الشرق، وكأنه يشير إلى وجهته.

 

كان أوتو يعرف ما الذي يكمن في ذلك الاتجاه.

عندما صرخت بيترا قائلة “هناك! الآن!” بوجهٍ مبتهج، أصبح تعبيره مسترخياً بالفعل.

 

“الباقي متروكٌ لك — لقد أنهكتني كل هذه الأحداث.”

 

**

 

في الوقت نفسه، بينما أسدل أوتو كتفيه بارتياح، كان غارفيل، نصف عارٍ ولا يرتدي سوى قطعة قماش ممزقة حول خصره، ينظر إلى الضوء ذاته وهو يطرق بأنيابه مع ضحكة واثقة.

 

“ها! لقد أتممتها يالقائد! هذا هو الزعيم! هوشين أوفى بوعده، حتى لو كان ذلك سيكلفه حياته!“

 

غارفيل، الذي نجا من القصر المحترق واخترق طوق الوحوش الشيطانية، ظل يضحك بجنون. بدا مغطىً بالسخام والجروح وآثار الحروق من كل جانب، ولكن وجهه ظل مشرقًا بالابتسامات.

 

“غاه-ها-ها-ها… آآه؟!”

 

“لا تتحمس بينما أنت في هذه الحالة البائسة! ستترك ندوبًا!”

 

بينما يضحك غارفيل ، جاءته لكمة عنيفة على مؤخرة جمجمته. وعندما أمسك برأسه ونظر للخلف، وقفت فريدريكا هناك بوجه غاضب.

 

“ألستِ سعيدة بأن القائد وهي بخير؟“

 

“بالطبع أنا سعيدة… لقد كان قرارنا صحيحًا بترك الأمر للسيد سوبارو. إذا تم إنقاذ الآنسة بياتريس، يمكنني أن أرتاح قليلاً.”

 

تنهدت فريدريكا وهي تضع يدها بلطف على صدرها. رؤية رد فعل شقيقته جعلت غارفيل يرسم ابتسامة على وجهه.

 

“مع ذلك” تابع الحديث. “حتى لو تصرفتِ بجديّة، من الصعب أن تبدي قوية وأنتِ محرجة بهذا الستار الوحيد.”

 

“!ــــ هذا وضع لم يكن بيدي! لم يكن هناك وقت لنزع ملابسي قبل أن أتحول!”

 

احمر وجه فريدريكا من الغضب وهي تقف هناك، شبه عارية إلا من الستارة التي لفّتها حول نفسها.

 

وبينما يتحمل غضب أخته، نظر غارفيل إلى الفتاة النائمة تحت ظل الشجرة القريبة — ميلي — وضاقت عيناه بتفكير.

 

في أوج تلك المعركة الضارية، توجهت إلزا لإنقاذ ميلي عندما كانت على وشك أن تُسحق بالحطام المتساقط، مما جعلها تفوّت فرصتها المواتية لهزيمة غارفيل. لو لم تفعل ذلك، لربما صارت النتيجة معكوسة.

 

في النهاية، استدارت فريدريكا وسحبت ميلي بعيدًا عن الخطر، ومع إزالة كل العوائق من ساحة المعركة، حسم غارفيل الأمور مع إلزا — ومن ثم، بات منتصراً ظاهريًا.

 

ومع ذلك، ظل شعور بعدم الانتصار الكامل يلاحقه. هل كان ذلك بسبب قلة خبرته؟

 

أم أنها آثار نفسية عالقة لكونه قتل لأول مرة، ولم تسمح له بالاستمتاع بطعم النصر؟

 

بغض النظر—

 

“أصداء النصر وإحساس القتل — سأترك كل هذا لوقت لاحق. الأمور الباقية تحدث في مكان لا يمكنني الوصول إليه مهما حاولت… أعتمد عليك للاهتمام بها، أيها القائد.”

 

رفع قبضته إلى الأمام، متجهاً بنظراته وبأنيابه المكشوفة نحو خط الضوء الممتد إلى السماء الشرقية.

 

وبينما كانت تحدق في الاتجاه نفسه، وضعت فريدريكا يديها فوق صدرها وكأنها تقدم صلاة.

 

“لأنه عندما يُقال ويُفعل كل ما هو مطلوب، لا يزال هناك ذلك الوغد الذي علينا نحن الاثنين أن نلقنه درساً قاسياً!”

 

**

 

— لقد تم القبض عليها.


لقد فَهِمَت، ومع ذلك وقعت في الشرك بنفسها.

كانت تعلم منذ البداية. إذا أمسكت تلك اليد، إذا تمسكت بدفئها، فلن تتمكن أبدًا من العودة إلى تلك الليالي الوحيدة مجددًا.


رغم أنها وبّخت نفسها، قائلة إن العيش معتمدًا على دفء سيزول يومًا ما هو ضرب من الحماقة، بل الجنون…

 

ذلك الصوت قد ناداها.

تلك العيون قد نظرت إليها.

تلك اليد قد احتاجتها.

كان يجب أن تعرف. لم يكن هناك أي سبيل لرفضهم.

 

— سوبارو.

 

“أجل، هذا صحيح.”

— سوبارو. سوبارو.

 

“هذا صحيح. هذا هو اسمي.”

— سوبارو، سوبارو، سوبارو.

— سوبارو!!

 

“أخيرًا قلتِ اسمي، أليس كذلك؟“

 

**

 

كانت العاصفة الثلجية قد تحولت إلى إعصار عاتٍ.


العالم كله مُغطّى بالثلج، يكاد يحجب مجال الرؤية تمامًا.


كان جحيمًا من البرد القارس، يمكن لأنفاس المرء أن تتجمد فور ملامستها للهواء الخارجي.

 

ورغم أنها كانت مكشوفة لهذا الطقس الشرس، بدا هناك تصميم قوي يتألق في عيني الفتاة البنفسجيتين، وشعرها الفضي يرفرف مع الرياح.


“لن أخسر أبدًا، أبدًا… لا لأي أحد أو أي شيء!”

 

ومع ضوء خافت يلتف حول يديها، رفعت الفتاة ذات الشعر الفضي يديها، لتحرر الكمية الهائلة من المانا التي ظلت بداخلها.


السحر الجليدي، الذي تضاعف تأثيره وسط هذا الثلج المتطاير، بدأ يتوهج، وتحول ذلك التوهج الشاحب إلى سيوف ضوء لا تُحصى، تطير عبر العالم، وتمزق كل وحوش الثلج البيضاء التي تنتشر على السهل المغطى بالثلوج.

 

— كان هناك صوت تقطع مقلق لأسنانهم القصيرة وهي تصطك في انسجام.


جسدت هذه الكائنات الجوع المطلق، مصائب عاتية لا يمكن التعايش معها، كارثة عظيمة تجاوزت كل ما عُرف منذ الأزل.


أمام هذه الكائنات التي تجسد الشهوة ، وقفت الفتاة، دون أن تتراجع خطوة واحدة.

 

ومع ذلك، صار تنفسها متقطعًا؛ لقد فقدت السيطرة على جزء من المانا الهائلة التي لم تتقنها بعد، وبدأت أجزاء من جسدها تتغطى ببلورات بيضاء.


بهذا المعدل، لن يمر وقت طويل قبل أن تتحول إلى تمثال من الجليد بسبب طاقتها السحرية نفسها.

 

— لكنها، ورغم ذلك، لم تتراجع. لم تستطع.

“هذا من أجل أمي، من أجل جيوس، ومن أجل الجميع في الحاضر… بالإضافة إلى ذلك، طالما لم أنسَ الكلمات التي كتبها، لن أستسلم أبدًا.”

 

لذلك، حتى لو غمر الجليد جسدها، فإن الشيء الوحيد الذي لن تفعله أبدًا هو الندم.


بينما شددت وحوش الشياطين حصارها، تقترب تدريجيًا من الفتاة ومن الأشخاص الذين يعتمدون عليها.


إذا لزم الأمر، كانت مستعدة لتقديم حياتها. كانت مستعدة.

 

“— لستِ بحاجة للمبالغة في ذلك، إميليا ــ تان. كل شيء سيصبح على ما يرام.”

 

سمعت صوتاً خفيفاً. أدركت الفتاة أن شخصًا ما قد هبط بجانبها من مكان بعيد جدًا.


نظرت بجانبها. كانت العاصفة الهوجاء تعيق رؤيتها، فلم تتمكن من تمييز ملامح الوجه.

 

ولكنها عرفت بالضبط من هو.


صوته، أسلوبه، وأكثر من ذلك — لم يكن هناك شك في أنه سيأتي عندما تصبح بحاجة ماسة إليه بجانبها.

 

“يمكنك التراجع وترك الباقي لي — لدينا حظ المبتدئين إلى جانبنا.”


“أنا آسفة. لا أفهم تمامًا ما تحاول قوله.”

 

شعرت بأنه يرسم ابتسامة ساخرة وهو يتقدم أمامها، تتبعه شخصية أصغر.

 

ثم سمعت صوتين.

أصوات قفز، وكأنها تنتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر لفترة طويلة، طويلة جدًا —

 

“ليس لدي أدنى فكرة إن كان هذا سينجح.”


“أجل، سنتدبر الأمر بطريقة ما — أنتِ وأنا!!”

 

— وهكذا بدأت معركة الثنائي الأولى، واحدة من بين العديد والعديد من المعارك التي ستقاتل فيها الروح بياتريس ومتعاقدها، ناتسكي سوبارو، جنبًا إلى جنب.

 

 

////

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات

التعليقات

سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.

READER EDITION

إعدادات القراءة

خصّص مظهر القراءة على هذه الصفحة.

الخط والفقرات

215%
1.0×
معاينة الخط

هذه معاينة قصيرة لشكل النص أثناء القراءة.

وهنا تظهر المسافة بين فقرتين.

عرض الصفحة

90%

تحكّم بعرض النص داخل الصفحة؛ يُحفظ اختيارك للفصول التالية.

محاذاة النص
شريط التقدم

يخفي شريط الموقع الثابت الذي يظهر عند التمرير أثناء قراءة الفصول.

طريقة القراءة

انقر داخل نص الفصل للانتقال إلى أسفل بمقدار الشاشة المحدد.

40 px/ث
يتوقف التمرير عند استخدام لوحة المفاتيح أو اللمس.

اسحب أفقيًا داخل النص للانتقال إلى الفصل المجاور. يمكنك استخدام Shift مع سهم اليمين أو اليسار من لوحة المفاتيح.

وضع التصفية

لتغيير كلمة إله إلى شيء آخر

مظهر القراءة

تختار السمة لون الخلفية والنص معًا. يمكنك تعديل كل لون بعدها.

اختر لون خلفية مريحًا للقراءة.

لا يتوفر غلاف لهذه الرواية.

رفع صورة خلفية مخصصة

تُحفظ الصورة في هذا المتصفح فقط.

100%

خفّض التباين لجعل النص أكثر راحة وأقل بروزاً.

عند إيقافه، يختار الموقع لون النص حسب السمة.

عناصر صفحة الفصل

يحفظ اختيارك في هذا المتصفح ويخفي زري الإعدادات والانتقال إلى أعلى الصفحة.

حفظ إعداداتك في هذا المتصفح

تبقى الإعدادات على هذا المتصفح. لا يتضمن التصدير صورة الخلفية المخصصة.

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.
READER EDITION

تخصيص الموقع

اختر ألوان الموقع والوضع الداكن بما يلائم ذوقك.

دعم الرواية

ري زيرو: بدء الحياة في عالم أخر من الصفر

سجّل الدخول لإرسال الذهب إلى خزنة الرواية.