وسط الملاذ الملطخ بالثلج، غطّت مشاهدهم جموع ضخمة من وحوش الشياطين، تجسيدًا للجشع في أبهى صورِه.
ولكن ثقته بالفتاة الرائعة التي تقف خلفه، والدفء الذي شعر به في كفه، كانا حقيقيين بلا أدنى شك.
— لهذا السبب، وقف ناتسكي سوبارو هناك دون أدنى تردد أو شك.
“لقد قضيتِ عليهم تمامًا، أليس كذلك، إيميليا – تان؟!”
تلقى وجه سوبارو الرياح القوية للعاصفة الثلجية بينما مدح شجاعة إيميليا في القتال.
تحولت الثلوج المتساقطة بسرعة إلى خط المواجهة الأمامي لهجوم الأرانب الشيطانية على الملاذ. لكن في المحاولات السابقة، كان الوضع حينذاك يعني أن دمار الملاذ بات حتميًا.
هذه المرة، تجنب الفشل لأن إيميليا قاتلت بشجاعة ضد وحوش الشياطين دون أن تتراجع خطوة واحدة.
“— إخلاؤكِ الجميع إلى القبر يعني أنكِ اجتزتِ التجارب، صحيح؟”
ظلت إيميليا تواجه جموع الوحوش الشيطانية بينما تحمي قبر إيكيدونا خلفها. عند مدخل القبر، تمكن سوبارو من رؤية سكان الملاذ وسكان قرية إيرلهام وهم يراقبون المعركة متشابكي الأيدي.
ريوزو، التي وقفت في مقدمة هذا الجمع، أوضحت له أن هذا الاتحاد بين المجموعتين لم يكن مجرد حسابات للمصالح والمكاسب.
والشخص الذي بذل أقصى جهد لتحقيق هذا الوضع لم تكن إيميليا ولا ريوزو.
“— رام.”
لم يكن هناك رد على ندائه. ظلت جفونها مغلقة، وجسدها مستسلم، خالٍ من القوة.
بقيت رام في الملاذ، متعهدةً بتحقيق أمنيتها الكبرى. الآن، واصلت نومها في أحضان روزوال، الذي كان جالسًا على درجات القبر في حالة ذهول، ملامحه خالية تمامًا من الحياة.
ما الذي حدث بين رام وروزوال؟ في الوقت الحالي، لم يكن لدى سوبارو وسيلة لمعرفة ذلك.
“سوبارو، ألا يمكنك التركيز هنا الآن، أتساءل؟”
كان سوبارو غارقًا في أفكاره عندما شعر بشدّة من اليد الصغيرة الممسكة بيده. وعند سماع ذلك الصوت المألوف يخاطبه بعبارات غير معتادة، رد سوبارو بعفوية غير مقصودة.
“أوهيااه!”
“لماذا تعطي ردًا غريبًا كهذا؟”
“حسنًا، سماعك تنادينني باسمي الأول يبدو جديدًا للغاية لدرجة أنني أحتاج إلى كبح فرحتي.”
“هذا كل ما في الأمر؟ … هل يمكنك تأجيل تلك المشاعر العميقة إلى وقت لاحق، أتساءل؟ … سـ – سوبارو.”
“بياتريس، أنتِ رائعة الجمال.”
عندما عبّر سوبارو عن رأيه بصراحة، احمر وجه بياتريس بشدة، وهزت يدهما الممسكتين معًا بقوة. بابتسامة عريضة على رد فعلها اللطيف، استجمع سوبارو نفسه وأطلق زفرة خفيفة.
“إذن، يا بياتريس. خصمنا هو الأرنب العظيم. هل أنتِ جاهزة لهذا؟”
“هذه أسوأ حالة ممكنة. لقد أبرمنا عقدنا للتو، والخصم هو أحد وحوش الشياطين الثلاثة العظيمة، ونحن غير مستعدين. مُتعاقِدي هاوٍ، ومرَّت أربعة قرون منذ أن خاضت بيتي معركة حقيقية.”
“وماذا بعد؟”
“قد يُطلق على هذا تحديًا مناسبًا.”
ابتسمت بياتريس بثقة بينما اقتربت أنياب الأرنب المدوية. تقدم سوبارو خطوة إلى الأمام وكأنه يرحب بها، وأشار بإبهامه إلى إيميليا التي كانت تقف خلفهما.
“أنا وبياتريس سنتكفل بهذا الحشد. إيميليا – تان، اقضِ على أي وحش يفلُت منا، حسنًا؟!”
“— مفهوم ــ اترك الأمر لي! والباقي عليكم.”
“بالتأكيد، نحن مستعدان.”
كان المبدأ أن تُسند المهام المناسبة للشخص المناسب. كما تذكّر سوبارو قولًا عن أن أسعد الزوجات هنّ اللواتي يبتعد أزواجهن كثيرًا عن المنزل.
تنهدت إيميليا بعمق خلفه، بينما تدفقت المانا من حولها، مكونةً خط دفاع جليدي. واقفًا أمام هذه المنطقة المجمدة، واجه سوبارو الحشد الهائل من وحوش الأرنب العظيم.
على الرغم من مظهره اللطيف، كان الأرنب العظيم وحشًا شرسًا، ووجوده بحد ذاته بغيضًا. فقد حياته مرتين بسبب أنيابه. بات من الصعب نسيان خوفه من أن يُلتهم حتى النهاية. لكن —
“هل تشعر بالخوف، أتساءل؟”
— بينما كان سوبارو يحبس أنفاسه، طرحت بياتريس السؤال بتعبير هادئ. رؤية عينيها وتفاصيل وجهها أخبراه أكثر من مجرد الكلمات — أخبراه تمامًا من يقف بجانبه.
“لا. لست خائفًا.”
“أوه؟”
“لدي إيميليا خلفي وأنتِ بجانبي — لا أعتقد أن هناك شعورٌ أفضل من هذا.”
“كما ينبغي أن يكون.”
ابتسمت بياتريس بخبث. وعندما قابل سوبارو وجهها المبتسم الظريف، ارتسمت على وجهه ابتسامة شريرة.
أطلق حشد الأرنب العظيم زئيرًا مزعجًا، قافزًا دفعة واحدة باتجاههما، وهما يرتديان ابتسامات جريئة ومليئة بالتحدي.
وأمام هذا الهجوم — لا، هذا الوليمة الدموية — رفع سوبارو وبياتريس أيديهما المتشابكة، يدها اليسرى ويده اليمنى.
“في البداية، ماذا عن اختبار بسيط، أتساءل؟ — إل مينا.”
ما أن اكتملت الترتيلة، تشكلت دوامة في الهواء، مستدعيةً بلورات أرجوانية تحيط بهما.
شابهت البلورات المتلألئة، التي كانت على شكل أسهم جليدية، تلك السهام الأرجوانية التي استخدمتها بياتريس سابقًا لتمزيق إلزا؛ تلك كانت تعويذتها المميزة. ولكن العدد الهائل من السهام في السماء لا يُقارن بما رآه من قبل.
تحديد الأهداف لم يستغرق سوى لحظة. بمجرد تثبيت الأهداف على رؤوس كل وحش من وحوش الأرنب العظيم، أُطلِقَت الأسهم الأرجوانية دفعة واحدة.
أصابت كل قذيفة هدفها بدقة، وقضت على كل وحش من الوحوش. وتحولت جثثهم إلى بلورات أرجوانية، تمامًا كالسهام التي أسقطتهم، ثم تحطمت تحت وطأة الثلج المتلاطم. امتلأ العالم الأبيض بشظايا أرجوانية متلألئة.
— بضربة واحدة مع بداية المعركة، كادت الطليعة الأولى للأرنب العظيم أن تُباد تمامًا. بالطبع، كان من الصعب اعتبار تلك ضربة مؤلمة لوحش شيطاني يمكنه التكاثر بلا حدود، لكن الإنجاز المذهل ترك سوبارو مذهولًا.
“هـ – هذا مذهل —!”
“هـ – حقًا؟ هذا لا يُعتبر شيئًا على الإطلاق. بالنسبة لبيتي، هذا مجرد لعبة أطفال، أعتقد.”
“أوه، كفاك تواضعًا… ما هذه القوة السحرية الهائلة؟! أي عنصر هذا؟!”
“عنصر الظلام، بالطبع. أيضًا، هل تتصور أنه حتى مجرد جزء بسيط من قوته الحقيقية، أتساءل؟”
رؤية رد فعل سوبارو المتحمس جعلت بياتريس تنتفخ فخرًا بصدرها.
كانت تفخر بالسحر الذي علمتها إياه والدتها، السحر الذي اجتهدت لإتقانه.
“سأُظهر لكَ براعة عنصر الظلام وأُثبت لك أن قوة السحر المظلم هي الأعظم في هذا العالم.”
“ما… ما الذي يمكنني فعله؟”
“أن تمسك بيد بيتي ولا تتركها وحيدة، أتساءل؟”
نطقت بياتريس بتلك الكلمات المليئة بالمودة بينما عززت قبضتها على يد سوبارو. وبردة فعل، شدّ سوبارو يدها بالمثل، موجّهًا نظراته الحادة إلى الخطر المحدق أمامهم، وكأنّه يقول لبياتريس أن الوقت قد حان لإطلاق العنان لقوتها.
وبينما يحضر الأرنب العظيم نفسه للاندفاع مرة أخرى، مشغولًا بالتغذي على بقايا جثث رفاقه، قاطعه صوت بياتريس الحاسم.
“سوبارو، هذا درس جيد لمستخدم الأرواح — بدلًا من استخدام مانا مستخدم الأرواح نفسه، كما هو الحال عادةً، هل أستخدم السحر للتحكم مباشرةً في المانا من الجو، أتساءل؟”
“أفهم — في هذه الحالة، حتى مع بوابتي المعطلة… حسنًا، سأترك شاماك لكِ!”
“لا تتوقع شيئًا تافهًا مثل شاماك السخيف الخاص بسوبارو! هل يمكن لسوبارو، عديم الفائدة الذي لا يُعد سوى عبء ميت، أن يقدم شيئًا لبيتي سوى إغراقها بالمديح؟”
أربكت أسئلة بياتريس الواثقة سوبارو قليلًا، ولكن عندما أخذ يفكر، اقترب صوت تلاحم أنياب الأرنب العظيم، ومع استحضار كل ما مر به من تجارب الموت، صرخ سوبارو.
“لا أعرف الإجابة!”
“إذًا عليّ أن أُعلمك، أتساءل. ركّز على يد بيتي وتخيل. تخيل نسج المانا، القوة لتحويلها إلى سهم، القوة لتجسيدها وتحطيم خصمنا — تخيل هجومًا عظيمًا.”
“تخيلته!”
“إذًا هل هناك شيء متبقٍ سوى التلاوة، أتساءل؟!”
صوت بياتريس جعل سوبارو يفتح عينيه المغلقتين فجأة ويمد يده اليسرى للأمام. وفي الوقت نفسه، حركت بياتريس يدها اليمنى للأمام، موجهةً نحو حشد الأرنب العظيم — وانفجرت القوة إلى الوجود.
“— إل مينيا!! ”
ردد الاثنان التعويذة معًا. ظهرت قوة مشوبة بخطوطٍ أرجوانيةٍ في السماء، لتسقط على الوحوش الشيطانية بقوة هائلة.
القوة التدميرية المتفجرة جعلت المكان المعروف بالملاذ يتلألأ بشظايا أرجوانية — وهكذا بدأت المعركة الشرسة.
**
استخدام السحر بالنسبة لسوبارو كان دائمًا بمثابة نحت روحه قطعةً قطعة.
كما أكّد كل من روزوال وباك منذ البداية، لم يكن لسوبارو أي موهبة في السحر. وفي النهاية، أساء استخدام تعويذة شاماك الوحيدة التي تعلمها، حتى حطّم بوابته السحرية، مغلقًا أمامه طريق السحر للأبد.
لذلك، لم يكن يتوقع أن تأتيه فرصة أخرى لاستخدام السحر مجددًا، ولكن —
“مينيا! مينيا! من الصعب قولها، اللعنة! مينيــا!”
معتمدًا على اندفاع هائل من المانا، قام سوبارو بالمستحيل ظاهريًا، مستخدمًا السحر العظيم بشكل متكرر وبسرعة.
السهام الأرجوانية التي صنعها فتحت فجوات في صفوف وحوش الأرنب العظيم، محولةً إياها إلى شظايا أرجوانية.
وأثناء ذلك، جذبت بياتريس ذراع سوبارو، وبخطوة خفيفة، قفزا في الهواء.
بغرابة، لم يشعر سوبارو بالدهشة من شعور انعدام الوزن الناتج عن تجاهل الجاذبية. بخطوات على السماء، بدأت بياتريس تدور وتتراقص، متجنبة الأنياب، في مشهد بدا كرقصة خرافية.
“سنعبر الآن.”
“فهمت.”
في لحظة إعلانها، تشوه الفضاء، واختفى الاثنان من السماء.
كان ذلك قفزًا قصير المدى عبر الفضاء، يختلف عن تقنية الممر السحري. جعلت هذه القفزة وحوش الأرنب العظيم في حيرة، إذ لم تلاحظ وجود سوبارو وبياتريس خلفها.
“هل ستتولى الجانب الأيسر، أتساءل؟”
“سأترك لكِ الأيمن إذن.”
بإعطاء السحر شكلًا في عقله، صار سوبارو يؤثر على العالم عبر بياتريس.
بدا الأمر أشبه بجني أرباحٍ من أموال كسبها شخص آخر بجهده، مما أفقده أي متعة في اللحظة.
تبع سوبارو قوة خياله، محملًا السماء بسهام أرجوانية كبيرة وصغيرة، مستخدمًا إياها كأسلحة فتاكة لاختراق الوحوش الشيطانية.
في عقله، كان يُحمل بندقية، يخلق طلقات من المانا ويضغط على الزناد.
لكن خياله أصبح يؤثر بشكل ملموس في الواقع، فاتكاً الوحوش المتقدمة كما لو يصطاد البط.
وفي الجانب المقابل، ظلت الحشود تواجه هجومًا مشابهًا بفعل دمار بياتريس. تشققت الفراغات من الهواء الرقيق، وكأن مئات المخلوقات تُحبس داخل سطح لوحة. تفككت اللوحة، محطمةً الوحوش التي بداخلها، محولةً إياها إلى رماد.
كل ما استطاع سوبارو فعله هو إدارة لسانه في دهشة من مهاراتها السحرية الواسعة.
على عكسه، ذلك الأحمق الذي تعلم تعويذة واحدة فقط، كانت بياتريس قادرة على استخدام أنواع متعددة من السحر بطرق متعددة. بدا الأمر وكأنها تعمدت إظهار كل الأوراق التي تمتلكها أمامه.
“مع ذلك، مجرد قذفها بدون خطة لن يحل أي شيء. بياكو، لديك خطة، صحيح؟”
“بالطبع لدي خطة. ألم يكتمل الجزء الأول منها بالفعل، أتساءل؟”
ظل جيش الأرانب العظيمة يتزايد بنفس السرعة التي يتضاءل بها. وبينما أدرك سوبارو أن طبيعتها الخاصة وضعتهم في حالة جمود، جاء رد بياتريس وكأنه وعد بالنجاة.
نظر إليها نظرة تطالب بتفسير، فردّت وهي ترفع أنفها بفخر.
“كل ما يلزم هو تجميع الوحوش الشيطانية في مكان واحد. هل حقًا جمعنا كامل الحشد في هذه الغابة… في هذا الملاذ أمام القبر، أتساءل؟”
“أعتقد أننا فعلنا ذلك. لكنهم يتكاثرون بلا حدود. ليس وكأننا قمنا بعدّهم جميعًا.”
“— بلا حدود، تقول؟ لكن ذلك لا يعني أنه لا يوجد حد أقصى.”
كلماتها جعلت سوبارو يضيق حاجبيه، قبل أن تصيبه الفكرة كصاعقة. نظر إلى جيش الوحوش الشيطانية. كما هو معتاد، ظلت كرات الفراء البيضاء ممتدة على مرمى البصر — لكن إذا كانوا يتكاثرون بلا نهاية…
“هذا لا يتطابق… لو كان بإمكانهم فعل ذلك فعلًا، لغطوا الكوكب بأسره بل والفضاء أيضًا!”
“على الأرجح، حتى لو كان بإمكانهم التكاثر إلى ما لا نهاية، لا بد أن هناك حدًا أقصى. وبالتالي، لن يتجاوزوا ذلك العدد الثابت. وفي هذه الحالة…”
“نجعلهم يصلون إلى هذا الحد الأقصى، ثم نقضي عليهم جميعًا دفعة واحدة!”
تلألأت عينا سوبارو مع إدراكه الخطة المطروحة أمامه.
“لكن المشكلة تكمن في المرحلة الثانية — كيف يمكننا القضاء عليهم، أتساءل؟”
تمحور قلق بياتريس حول كيفية القضاء على جيش الأرانب العظيمة، الذي كان عدده بالآلاف المؤلفة، دفعة واحدة.
لو كانت لديهم قوة تُضاهي صاروخًا، لبات بإمكانهم إحراقهم مع الملاذ نفسه، ولكن إذا نجا حتى واحد منهم، فسيعودون بكامل قوتهم. كان الخطر لا يُقدّر.
بدا من الصعب محوهم بالاعتماد على القوة الغاشمة وحدها. والطريقة الأخرى كانت —
“وجهك يقول إنك فكرت بشيء.”
“كالعادة، خطرت لي خطة تعتمد عليكِ. أتبدو جيدة؟”
حتى أثناء حديثهما، ظلت بياتريس تستخدم السحر لجذب انتباه الوحوش نحوهم. اقترب سوبارو بشفتيه من أذنها المرهفة وهمس بخطته. بعد لحظات قليلة من التفكير، أومأت بياتريس.
“لقد فكرت بيتي بشيء مشابه إلى حد ما، أعتقد. ولكن حتى مع بيتي وسوبارو، هذه الأعداد…”
“مهلًا، مهلًا، هناك سوء فهم هنا، بياكو. الأمر ليس وكأننا بحاجة لحسم كل شيء بمفردك أو بمجهودنا نحن الاثنين فقط.”
عند سماع رد سوبارو، أطلقت بياتريس تأوهاً مع اتساع عينيها. بعدها زفرت تنهيدة غائمة، واستدارت نحو سوبارو بتعبير يحمل أدنى لمحة من العبوس.
“حقًا، سوبارو… لا أحد في العالم يجيد الاعتماد على الآخرين مثلك.”
“أعدك أنني في المستقبل سأصبح متعاقدًا راقيًا ومفعمًا بالحيوية حتى لا تشعري بالإحباط أبدًا.”
“هل اعتقدت حقًا أن ذلك يبدو مقنعًا ولو قليلًا عندما يصدر من فم من يكثر كسر وعوده، أتساءل؟”
قالت ذلك بابتسامة، ولم يتمكن سوبارو من إنكار أي من ذلك. وعند رؤية ردة فعله، ضغطت بياتريس كفها على صدره، وأومأت بعمق بنظرة مفعمة بالثقة.
“حتى بيتي تحتاج إلى بعض الوقت للإعداد. هل ستقوم بدور الطُعم في هذه الأثناء، أتساءل؟”
“لا تقلقي. لا يوجد شخص واحد في لوغونيكا يستطيع التفوق عليّ عندما يتعلق الأمر بإلهاء أعداء أقوياء.”
أغلقت بياتريس عينيها ودخلت في حالة تأمل عميقة. تلك كانت الخطوة الأولى لتنفيذ خطة سوبارو. حمل جسدها الصغير بين ذراعيه، ثم دفع بقوة من على الثلج.
تحرك قطيع الأرانب العظيمة بسرعة نحو سوبارو وبياتريس وهما يركضان عبر السهول المثلجة، وأصوات أسنانهم وهي تتقافز ظلت تعلو في الأجواء. ومع ذلك، كانوا بطيئين جدًا بالنسبة إلى سوبارو. بعد الأزمات الصعبة التي واجهها في الأيام القليلة الماضية، بدا هذا السرب من الأرانب وكأنه أمر هين مقارنة بها.
“ابتعدوا عن طريقي، أيتها الحشرات الصغيرة! ليس لدي وقت لأتعامل معكم الآن!”
بينما ظل يتفادى أنيابهم ويقفز فوق رؤوسهم، داست أقدامه على شظايا أرجوانية متفجرة أثناء ركضه وسط القطيع.
مع ترديد التعاويذ وإطلاق الصواريخ الأرجوانية لفتح الطريق، واصل سوبارو حمل بياتريس متجهًا عبر ساحة المعركة التي أصبحت ممزقةً نحو إيميليا، التي وقفت أمام القبر.
“إيه، سوبارو؟!”
عينَا إيميليا اتسعتا من الدهشة عند رؤية سوبارو وهو يركض بسرعة جنونية نحوها. انزلق إلى جوارها ووضع بياتريس على الثلج، بينما لا تزال في حالة التركيز العميق، وربت على رأسها.
“آسف، إيميليا – تان! الأمر صعب للغاية بالنسبة لي وبياكو وحدنا!”
“هـ – لا بأس. ولكن ماذا نفعل؟ ربما أستطيع أن…”
“لا، فكرت في طريقة لهزيمتهم، لذا ليس هناك داع لأن تجهدي نفسك في محاولة توجيه ضربة قاضية! في الواقع، رجاءً لا تحاولي. ذلك سيجعل كل ما مررنا به حتى الآن بلا معنى.”
دُهشت إيميليا لأنه استطاع قراءة أفكارها ومعرفة أنها كيف فكرت في اللجوء إلى تقنيات مدمرة للنفس من أجل تحقيق النصر. لكنه لم يسمح لها بذلك. لن يسمح بذلك أبدًا، الآن أو لاحقًا.
لقد بات مصممًا على أن يجعلها لا تضطر أبدًا إلى التضحية بنفسها من أجل الآخرين.
“الجميع سالمون، الجميع في أمان. هذا هو النصر الحقيقي.”
“سوبارو…”
“إيميليا – تان، أريدكِ أن تصبحي أنانيةً قليلاً من الآن فصاعدًا. إذا لم تستطيعي، سأفكر بجدية أكبر، ولكن إذا استطعتِ، فقط افعلي ما بوسعك. لنحقق النصر من أجل الجميع.”
وضعت إيميليا يدها على صدرها وأغمضت عينيها، وكأنها تستوعب شيئًا في كلمات سوبارو.
حاول سوبارو أن يسيطر على قطيع الوحوش باستخدام المزيد من السهام الأرجوانية ليكسب بعض الوقت حتى تتخذ قرارها. لكن عندما نظر إلى الأمام، لم تكن الصواريخ الأرجوانية هي التي اخترقت قطيع الأرانب العظيمة، بل شظايا الجليد.
بدت عينا إيميليا مليئتين بالإصرار الجديد وهي تقبض بيدها اليمنى لتشن هجومًا سحريًا على الوحوش.
“فهمت. لنفعل هذا، سوبارو. أخبرني بما تحتاجه، أي شيء!”
رد إيميليا، الذي امتلأ بالعزيمة والإرادة، جعل سوبارو يقبض يده بحماسة.
“هذا ما أقوله! إيميليا – تان خاصتي — لننطلق!”
**
كانت الزيادة الهائلة في الطاقة السحرية قوية للغاية لدرجة أن حتى سوبارو صار يشعر بها.
لا تزال إيميليا تقف أمام القبر. أما سوبارو، فكان يحمل بياتريس بين ذراعيه. ومع تصديقهما لخطة سوبارو، صار كلاهما يركز بشكل كامل على التحكم في المانا الخاصة بهما لتحقيق الخطة.
وفي هذه الأثناء، بات على سوبارو أن يكسب لهما الوقت الذي يحتاجانه لإتمام الاستعدادات.
“هيّا، هيّا! أنا خصمكم كالمعتاد! تعالوا إليّ!”
وهو يبتسم ويُلوح بيده، صبّ سوبارو هجومًا عنيفًا على الحشد دون رحمة.
خلق القصف المتفجر رقصةً بريةً من الضوء الأرجواني، مما أرسل الوحوش الطيفية تتطاير وتهتز ككيان واحد. بدأ الحشد يتحرك مثل جسم ضخم يتبع سوبارو في مطاردة جنونية حول الملاذ.
هكذا بدأت العملية. على الأقل، زالت مخاوفه من احتمال استهدافهم للقبر أولًا.
“ليس وكأنكم تستطيعون تجاهل رائحة المانا أو الرائحة الكريهة التي أنبعث بها!”
كانت طبيعة الأرنب العظيم هي الانجذاب نحو المانا. أما طبيعة سوبارو، فتجعل الوحوش ترغب في التهامه. ومع وجود بياتريس بين ذراعيه وعينيها مغمضتين، أصبح ناتسكي سوبارو بمثابة وليمة شهية تجري على الأرض بالنسبة للأرنب العظيم.
ظل يسمع صوت صرير الأنياب، يسمع خطوات الموت تطارده من الخلف.
“— بالنسبة لإحدى الوحوش الثلاثة العظيمة، أنتم بطيؤون جدًا! أيها الحمقى، هل تريدون حقًا أن أجعلكم تنقرضون مثل الحوت؟!”
كبح سوبارو خوفه بعضّ أضراسه، وأطلق الإهانات غير الضرورية التي ظل يخزنها في أعماق ذهنه. لو لم يتحدث للحفاظ على هدوئه، لما تمكن من إخفاء ارتجافه العميق.
لم يرد أن يبدو مثيرًا للشفقة أمام الفتاة التي خلفه، ولا أمام الفتاة بين ذراعيه.
“سوبارو ــــ!”
بينما يقوم سوبارو بدوره، وصل إلى أذنيه صوت مثل جرس فضي يخترق العاصفة الثلجية. عندما نظر عبر مدى رؤيته المليء بالثلج، رأى إيميليا ترفع قبضتها نحو السماء — تلك كانت الإشارة بأن استعداداتها قد اكتملت.
عند تلقيه ذلك، وضع سوبارو المزيد من القوة في ساقيه التي كان يركل بها الثلج — صارت إيميليا مستعدة، لكن حتى يستكمل دوره، عليه أن يواصل الركض قليلًا… فقط خطوة إضافية، فقط مسافة صغيرة، انطلق!
لم يكن لديه حتى الوقت ليلتقط أنفاسه، فوضع علامة على السهل الثلجي عند قدميه. مع هذا،
أصبحت مطاردته اليائسة من الأرنب العظيم الذي كان على وشك أن يلتهمه مقتربةً أخيرًا من نهايتها.
مع غرس سهمه الأرجواني في السهل الثلجي، بات كل شيء جاهزاً — فصرخ.
“الآن، إيميليا! اتبعي الخطوط —!!”
بينما توقف عند الثلج، اعتمد سوبارو على السحر لآخر خطوة، وأمر السهم الأرجواني.
“فليكن هناك نور!”
وفي اللحظة التالية، بدأت الأسهم الأرجوانية التي أُطلقت في الساحة تتوهج، مكونةً قفصًا متلألئًا.
أصبح قطيع الوحوش البيضاء المتلألئة المكون من عشرات الآلاف محصورًا داخل ذلك القفص المربع —
“هذا هو سوبارو! عمل رائع حقًا!”
وهي تمدح النتيجة الباهرة، أطلقت إيميليا صوت فرح لم يسبق لها أن أطلقته من قبل. ثم ، وعينيها تُضيء بتصميم نادر، وجهت إصبعها الرشيق نحو الوحوش المحبوسة داخل القفص.
— ثم أطلقت إيميليا كل الطاقة السحرية التي شكلته بينما يشتري سوبارو لها الوقت.
“كوكيتوس!”
باستخدام تلك التعويذة التي لم تكن مألوفة على لسانه، فعّل سوبارو كمية المانا الهائلة التي ظلت تتدفق، لينقل الطاقة إلى البلورات الأرجوانية المصطفة على شكل مربع حول الساحة، واحدة تلو الأخرى. اتصلت الخطوط ببعضها البعض.
ومع هدير صاخب، ارتفع سطح الأرض، السهل الثلجي نفسه، إلى السماء.
“مذهل…”
شاهد سوبارو ما حدث أمام عينيه بدهشة بالغة. بدا المشهد مذهلًا لدرجة أنه تركه عاجزًا عن الكلام.
بعناية، قامت إيميليا بتزويد جوانب القفص المكون من الأسهم الأرجوانية في الساحة بالطاقة السحرية، حاجزةً الأرنب العظيم داخل قفص ثلجي ورافعةً إياهم في السماء. بالطبع، لو كانت هذه وحوشًا عادية، لكانت قد لاحظت هذا الوضع غير الطبيعي وهربت من القفص — ولكن الأرنب العظيم لم يمتلك هذه القدرة على اتخاذ القرار.
كانوا تجسيدات للجوع، مستعبدين لشعورٍ لا ينتهي من الطمع، أطفالًا وهبتهم دافني، ساحرة الشراهة، بطونًا لا تشبع —
“لهذا السبب الآن، أنتم على خطوة واحدة من الفناء!”
“ــــ مع هذا، لم يعد لديكم مكان تهربون إليه!”
بينما رفع سوبارو إصبعه الأوسط وأطلق إهانة، وضعت إيميليا اللمسات الأخيرة.
استخدمت إيميليا الطاقة السحرية لتنسج غطاءً جليديًا أطبقته على قطعة الأرض الثلجية التي ارتفعت في السماء، مكملةً القفص ومحاصرة العدد الهائل من الوحوش.
حتى لو كان للأرنب العظيم إرادة خاصة به، لم يعد هناك مهرب الآن بعد أن اكتمل السجن الجليدي.
من الساحة التي باتت خالية بعد صعود السجن، ألقى سوبارو نظرة حوله.
لا وحوش متأخرين. لا شيء يتحرك.
تم تجميع كل حشد الأرنب العظيم في مكان واحد، محاصرًا داخل محيط مربع يبلغ طوله حوالي عشرين ياردة.
بهذا، تحققت الشروط.
“والآن، الضربة القاضية من فضلكِ، أيتها الروح العظيمة بياتريس —”
ومع تحريك الفتاة بين ذراعيه، أعلن سوبارو أنه حان الوقت للانتقال من التمهيد إلى الضربة النهائية.
ردًا على ندائه، فتحت الفتاة عينيها بلطف، واللتين ظلتا مغلقتين بهدوء طوال الوقت. ثم، عندما ركزت نظرتها على المشهد أمامها، ابتسمت.
لم تكن متفاجئة على الإطلاق. تابعت فقط النتيجة التي كانت متأكدة من أنه سيحققها —
“— أل شاماك.“
بعد لحظة من توليد تلك التعويذة، تحولت الأرض إلى ظلام دامس.
التجسيد الأسمى لعنصر الظلام غطى العالم.
**
— وفي لحظة واحدة، أصبح الأرنب العظيم يتأرجح بفعل شعور بانعدام الوزن قبل أن يُسحق بكل ثقله على الأرض.
ذلك الارتطام حرره من الإحساس بالضيق الذي ظل يحيط بجسده كله. أولاً، هزّ جسده ليزيل الثلج الذي غطى فروه. أطلق صوتًا من أنفه بينما أدار رأسه حوله.
بعينيه، بأنفه، بأذنيه، وبشواربه، بدأ في البحث عن فريسة ليستهلكها. هذا كان هدفه الوحيد. تطلع إلى المنطقة بعينيه الحمراء، متوقًا للرائحة الفاخرة لمانا فرائسه، التي جعلت شواربه ترتعش.
لم يشعر بشيء.
حتى لحظة مضت، كان محاطًا بوليمة عظيمة. فريسة لذيذة، مليئة باللحم الناعم والدم الحلو، كانت قد منحت له احتمالاً مؤقتًا بالشبع والراحة من جوعه الأبدي.
لكن عينيه لم ترَ شيئًا. أنفه لم يشم شيئًا. أذنيه لم تسمعا شيئًا. شواربه لم ترتعش.
خيبة أمل. يأس. مشاعر كريهة مشابهة لتلك طغت بسرعة على إحساسه بالجوع. ولكي يظل شعور الوحدة في فمه وفراغ معدته بعيدًا، انقضّ على أقرب كتلة بيضاء بجانبه والتهمها.
مزقها بأسنانه، نهش لحمها، تذوق دماءها، واستمتع بأحشائها. أكل الكتلة من اللحم بشراهة، وعندها أدرك أن وجبات مشابهة كانت تجري في كل مكان حوله.
فرائسه اختفت.
تابعاً غريزة البقاء، بات في حالة من الذهول بينما يمضغ الكتلة البيضاء التي أصبحت وجبته، ويبتلعها كاملة.
حدث هذا مرارًا وتكرارًا، بدافع الجوع الذي لا يُشبع، ملتهماً الفريسة تلو الأخرى، التالية، والتالية، وتلك التي بعدها —
وأخيرًا، عندما أكل كل شيء في المنطقة المحيطة به، وجد نفسه وحيدًا.
يرتشف كتل الدم، يلعق شظايا اللحم المتناثرة، لم يترك خلفه لا أوساخًا ولا عشبًا بينما يستمتع بالدم الطازج. وعندما نفدت الأشياء التي يمكنه أكلها، صار حقًا وحيدًا.
في أعماقه، ظل محاصرًا بإحساس جوع لا يُشبع، يتجاوز قدرته على تحمل اللحم.
أطلق صرخة. اصطكت أنيابه. بدا الجوع المجنون عذابًا —
لا، لقد كان مجنونًا بالفعل. لأبد الآبدين، كان محكومًا عليه أن يُحرم من إشباع جوعه الذي لا نهاية له ورغباته التي لا حدود لها؛ كان هذا جنون الشراهة.
— هل شعرت الأم بمثل هذه المشاعر؟
في لحظة واحدة، ازدهرت شرارة من العقل في مؤخرة ذهنه، الذي كان محكومًا بالجوع. ولكنها اختفت فورًا.
ارتجف جسده. وبسبب جنونه، تكاثر بشكل لا شعوري، مُنتجًا كائنًا منفصلًا عنه.
أكله دون أدنى تردد. لم يكن هناك حتى صرخة ألم بينما يلتهم اللحم. وبعدها، عانى مجددًا من جوع متجدد. ثم، بسبب جوعه، ولد نسخة أخرى من نفسه في العالم.
أكل. غضب. تكاثر. أكل.
كرر ذلك مرارًا وتكرارًا.
كان وحيدًا. في عالم لا يوجد فيه أي آخرون. كانت هناك غابة. كانت هناك تربة. كان هناك هواء. لكن ما ظل مفقودًا هو الفريسة.
كان وحيدًا. استمر في الأكل.
كان وحيدًا. وأخيرًا، أكل نفسه المختلف عنه، مما أدى إلى اختفائه.
كان وحيدًا. كان وحيدًا حقًا، ومع ذلك، لم يعد يشعر بالوحدة بينما استمرت شهوته الجامحة مرارًا وتكرارًا.
— لن يُروى جوعه الذي لا يعرف الشبع أبدًا.
**
— ابتلعت الظلمة الحية قفص الجليد والثلج، وضغطته مع جموع الأرانب الكبرى داخله، ثم اختفت دون أن تُصدر صوتًا.
كان هذا هو تأثير تعويذة “أل شاماك“، أقوى تعويذات سلسلة شاماك، التي خلقت فضاءً معزولًا. وبينما أحاط السحر بجحافل الأرانب، قُذِفوا إلى بُعد آخر، أشبه بعالم مختلف تمامًا.
في ذلك العالم المنعزل، فقدت قدرتهم على التجدد والتكاثر معناها، إذ أصبحت غير ذات جدوى وهم في ذلك السجن البعيد.
“كنت أعرف أن الخطة هي إرسالهم إلى فضاء منعزل مثل أرشيف الكتب المحرّمة، ولكن…”
تحدث سوبارو بصوت مرتعش، لا يزال متأثرًا بالإنجاز المهيب الذي تحقق للتو.
ردت بياتريس، وقد وضعت يديها على خصرها، متخذةً وضعية متغطرسة، بينما أطلت بملامح غير راضية عن تعليق سوبارو.
“هل تشعر بخيبة أمل، أتساءل؟”
قالت إيميليا بدلًا من سوبارو، وهي تُطلق كلمات الإعجاب الصادقة.
“ما حدث لا يُصدق حقًا…”
أصبحت إيميليا، الأكثر دراية بالسحر مقارنة بسوبارو، بلا شك أكثر انبهارًا منه. ومع عودتها إلى وضعها الطبيعي، بدأت برودة نصف جسدها السفلي تتلاشى تدريجيًا، مما يعني أن أسوأ السيناريوهات قد تم تفاديها.
أدار سوبارو رأسه ليتأكد أن الأرانب الكبرى، التي كانت تغطي الساحة قبل لحظات، قد اختفت تمامًا. ثم التفت إلى الخلف وتأكد أن القبر لا يزال سالمًا. وعندما رأى سكان الملاذ وسكان قرية إيرلهام يلوّحون له بإبهامهم مرفوعًا، ردّ عليهم برفع يده بابتسامة.
لاحظ، عند التمعن أكثر، أن هناك نسخًا من ريوزو بين الحشود.
“سيكون من المزعج شرح ما حدث في الملاذ…” فكر ساخرًا.
على درجات القبر، كان روزوال جالسًا، يحمل رام بين ذراعيه، ويد رام تلامس خد روزوال. وبالرغم من بُعد المسافة، استطاع سوبارو رؤية ملامح الحزن المختلطة بالدموع على وجه المهرج.
…
مشهد روزوال الباكي وابتسامة رام أعطيا سوبارو إحساسًا عميقًا بالارتياح، كأنه أُزيح حمل ثقيل عن صدره. لم ينته كل شيء، لكن الأمر كان تمامًا كما قال لبياتريس.
لم يكن عليه أن يحل كل مشكلة بنفسه.
“سوبارو!”
نادته إيميليا فجأة، وهي تبتسم له ابتسامةً رقيقة، ثم أشارت خلفه بيدها. كانت بياتريس ما تزال هناك، تعقد ذراعيها وتُظهر ملامح غير راضية.
قالت إيميليا، بابتسامةٍ لطيفة.
“أعتقد أن عليك أن تقول شيئًا لمن بذلت الجهد الأكبر.”
تنهد سوبارو تنهدًا قصيرًا عندما رأى تعبير بياتريس الطفولي وهي تنفخ وجنتيها. ثم فجأة —
“وااااه!”
رفعها بذراعيه ليحتضن جسدها الصغير الخفيف، بينما أطلقت صرخة خافتة من المفاجأة.
قال وهو يدور بها بحماس.
“لقد أبدعتِ! هذه هي بياتريس المدهشة! أحبكِ!”
احمر وجه بياتريس بالكامل، وهي تتأرجح بين ذراعيه، تصرخ بتوتر.
“انتظر! هذا ليس…! أتركني، أرجوك!”
لكنه واصل مدحها بحماس طفولي.
“فتاتي المذهلة! أنتِ الأفضل، يا بياتريس! رائعة بكل معنى الكلمة!”
وبينما يدور بها وسط الثلج، ضحكت إيميليا بخفة وهي تراقب المشهد. في الخلفية، تعالت تصفيقات سكان القريتين وتشجيعاتهم.
… وفيما كان المتعاقد ومرافقته يعبران عن فرحتهما بكل جوارحهما —
“آه —!”
…زلّت قدم سوبارو، وسقط كلاهما في الثلج المتراكم.
////
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.