Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ري زيرو: بدء الحياة في عالم أخر من الصفر 3

3 - لقاء غير متوقع، لم يكن في الحسبان، طال انتظاره.

3 - لقاء غير متوقع، لم يكن في الحسبان، طال انتظاره.

《١》

 

 

 

«أعتذر بشدة على ما حدث، خاصة بعد غياب طويل. عادةً، يكون سيدنا الشاب متوترًا بعض الشيء، لكن عندما يتعلق الأمر بالسيدة ليليانا، فإنه يفقد السيطرة، كما رأيتم بأنفسكم.»  

رؤية هذا الرجل العجوز، الذي بدا وكأنه تقلص بشكل ملحوظ تحت وطأة شعوره بالندم، جعلت سوبارو يحدق فيه مصدومًا. ثم، ما إن انحسر شعوره بالصدمة، لم يستطع إلا أن ينفجر ضاحكًا.  

 

كلمات سوبارو جعلت وجه بياتريس يحمر خجلًا، وبمشاهدتها لذلك، انفجرت إميليا بابتسامة مشرقة. ثم وضعت يدها برفق على شفتيها.  

عند مدخل شركة ميوز، تحدث حارس كيريتاكا الشخصي بتلك الكلمات، وانحنى أمام سوبارو معتذرًا.  

 

 

 

الرجل الملتحي الذي قدم نفسه باسم ديناس بدا عادلًا ومتعقلًا، على عكس مظهره الحاد. ورؤيته يعتذر بهذه الجدية أكدت مدى شعوره الحقيقي بالندم تجاه تصرف رئيسه العنيف.  

‹‹هذا الكلام يبدو أكثر إقناعًا عندما يأتي من الجنرال الذي جعل شخصًا بارزًا يفجّر غرفته بنفسه باستخدام بلورة سحرية. مثل القول: “يمكنك غلي قدرٍ بصراخ طائر أزولا”، أليس كذلك؟››  

 

 

«هذه هي المرة الثانية التي تنحني فيها لنا هكذا، هاه؟ في ذلك الوقت، كنتم متوترين تقريبًا مثل كيريتاكا.»  

 

 

كانت الأطباق المتنوعة شيئًا لم يسبق لإيميليا والآخرين أن رأوه من قبل، لكن دهشة سوبارو كانت لسبب مختلف تمامًا—فقد صُدم برؤية مشاهد مألوفة لم يكن يتوقعها.  

«… لقد سببت لكم السيدة ليليانا قدرًا لا بأس به من المتاعب في ذلك الحين أيضًا، أليس كذلك؟»  

«أوه، أنت صارم جدًا، تبا!»  

 

 

قال ديناس هذه الكلمات بابتسامة تنم عن تواضع، ما زاد من حيرة سوبارو الذي بادلها بابتسامة مُتعبة.  

 

 

 

تمامًا مثل ليليانا وكيريتاكا، ليست هذه المرة الأولى التي يلتقي فيها سوبارو بديناس. فقد كان الأخير أيضًا ضيفًا في قصر روزوال أثناء زيارة ليليانا. وكان هدفه -لا، هدفهم- حينها هو ليليانا نفسها؛ لذا في وقت من الأوقات، كان هو وسوبارو أقرب ما يكونان إلى الأعداء.  

 

 

«هل تقصد أن هناك المزيد من المفاجآت في الطريق؟»  

«وكيريتاكا هو مَن تدخل كوسيط في ذلك الحين… هل هذا حقًا نفس الرجل؟»  

وضعت إميليا يدها على صدرها، تنفست الصعداء بعد سماع رده. ثم صرخت قائلة: «صحيح، صحيح!» وصفقت بيديها مع لمعان في عينيها البنفسجيتين. «سمعت الكثير عن فيلت. لقد أنجزت الكثير مؤخرًا، أليس كذلك؟»  

 

 

«لا عجب أن تسأل ذلك. عادةً، يكون السيد الشاب ممتازًا، إذا استثنينا حالته المرضية.»  

«إذا انتهيت من أمرك هنا، فعليك المغادرة. الأهم من ذلك، ما الذي حدث؟ لا تزعج الناس بإثارة شجار أمام نزل كهذا. اهدأ وتحدث بطريقة مناسبة.»  

 

 

وضع ديناس يده على جبهته وأطلق تنهيدة طويلة. كان وصف الأمر بالمرض طريقة غريبة لوصف حالته.  

في الواقع، الأخ الأكبر الآخر لغارفيل كان سيكون هنا لو لم يكن يتجول في المدينة في تلك اللحظة—أو يتجول ويشرب، بالأحرى. مما يعني أن المسؤولية وقعت على عاتق سوبارو وحده لفعل ما يستطيع من أجل هذا الأخ الأصغر. 

 

 

في الحقيقة، كان سوبارو قد قلل من شأن هوس كيريتاكا بليليانا، الذي أكسبه لقبًا مخيفًا كـ ”مهووس المطربة“. لم يكن ليتخيل أبدًا أن كيريتاكا قد يفقد السيطرة على نفسه أثناء اجتماع عمل ويُشعل غضبه لدرجة تدمير غرفة بأكملها من مبنى شركته.  

بعد ذلك، عادوا في نزهة هادئة عبر مدينة الماء دون أي أحداث تُذكر.  

 

 

بالطبع، فشل الصفقة التجارية كان بسبب قلة حنكة سوبارو بالإضافة إلى عجز ليليانا الفاضح عن فهم المواقف. وبعد تفكير أعمق، أدرك سوبارو أنه لم يكن أفضل حالًا منها. لماذا اعتقد يومًا أن شخصين مثلهما يمكن أن يكونا عونًا في مفاوضات حساسة تتطلب فهم ردود أفعال الآخرين؟  

بعيدًا عن هذا النقاش، خفضت كروش وجهها، وقد احمرّت وجنتاها قليلًا لسبب ما.  

 

«انتظر، سوبارو. هذه ليست طريقة للتحدث مع شخص…»  

«حتى أنا لا أفهم ذلك… على أي حال، من موقعك كحارس شخصي، كيف ترى كيريتاكا الآن؟»  

 

 

 

«مزاجه قد يتحسن غدًا… أريد أن أصدق ذلك على الأقل. أعتذر، لكنه ليس في حالة تسمح له بمقابلة الآخرين الآن.»  

 

 

«آسف لكشف سر لم يكن أحد بحاجة لسماعه. لنأكل؟»  

«حسنًا، يبدو ذلك منطقيًا. والآن، بخصوص السيدة المطربة ذاتها…»  

«بياتريس…» 

 

 

تبادل سوبارو وديناس التنهيدات، قبل أن يلتفت سوبارو نحو ليليانا التي جاءت لتوديعهم كما فعل ديناس. 

 

 

«في أوقات السلم، كانت زوجتي امرأة عادية تستمتع بمشاهدة الأزهار. الأبطال الذين تُخلد أسماؤهم في التاريخ لا يستمرون في كونهم أبطالًا في حياتهم اليومية. وسيد سوبارو، امتداد اسمك وتأثير يدك أوسع بكثير مما تتخيل الآن. ومن الآن فصاعدًا، سيزداد اتساعًا فقط.»  

كانت ليليانا تتحدث مع إميليا والبقية، وقد بدا الغضب والحنق جليين على وجهها. 

 

 

 

«حقًا، السيد كيريتاكا مزعج للغاية. أن يصل الأمر إلى هذا الحد حتى بعد زيارة السيدة إميليا والسيد سوبارو بعد غياب طويل، دون أن نتمكن من الحديث على نحو لائق— هذا يثير الغيظ!»  

 

 

«آسف لكشف سر لم يكن أحد بحاجة لسماعه. لنأكل؟»  

غارقة في غضبها، كانت ليليانا تبدو غير واعية تمامًا بأنها كانت جزءًا كبيرًا من السبب وراء انتهاء الاجتماع على نحو مبكر. ومع ذلك، كانت إميليا وبياتريس تحاولان تهدئتها بلطف.  

###  

 

عبس راينهارد قليلاً وهو ينظر إلى سيدته الصغيرة، محاولًا بصعوبة الحفاظ على هدوئه.  

«عادةً، يكون الأمر بالعكس، أليس كذلك؟»  

 

 

 

«لا ينبغي توقع أي نوع من العادية عندما يتعلق الأمر بالسيدة ليليانا. آه، هل لي بلحظة، يا آنسة؟»  

بالكاد كان الأشخاص الذين عرفوها في الماضي ليصدقوا أنها هي نفسها.  

 

 

قاطع ديناس الحديث، الذي لم يستطع سوبارو تحديد ما إذا كان ساحرًا أم مخزيًا، بينما ربت على كتف ليليانا وتوجه إليها بالكلام. 

 

 

«فيري، أليس هذا كلامًا وقحًا؟ السيد سوبارو ليس غير مخلص إلى هذا الحد ليحدق في أي شخص.»  

«أعتذر، ولكن لا بد أن أطلب من الآنسة ليليانا أن تحاول تحسين مزاج السيد الشاب. جدول أعماله اليوم مزدحم للغاية؛ لذا أرجو أن تؤجلوا بقية الأمور إلى الغد.»  

 

 

 

«—،—-،——،———، حسنًا، فهمت.»  

***

 

«حسنًا، لا تبدو لي أكثر من جدّ خائف من أن يكرهه حفيده.»  

استغرقت وقتًا طويلًا لاستيعاب الأمر، لكن حتى ليليانا استجابت أخيرًا لرجاء ديناس الصادق.  

الطريقة التي تحدث بها ويلهيلم بابتسامة شجية وصوت هادئ جعلت سوبارو يحك خده بخجل. كان سماع صوت ويلهيلم يبعث في نفسه شعورًا بالاطمئنان، بل وجعله يشعر بشيء من الحرج.  

 

 

وهكذا، بسبب الجهود المشتركة بين الساحرة الصغيرة من معسكر إميليا والمطربة، انتهت المفاوضات بنتائج كارثية، لتحطم كل آمال سوبارو في تحقيق عودة مظفرة.  

 

 

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

«تُرى، أي جانب مشرق كنت أتخيله؟ كل ما وجدته كان المزيد من الغيوم…!»  

 

 

«يجب أن تهمس بهذه الكلمات لامرأة وليس لرجل. يا له من إهدار.»  

«هل هذا كل ما تملكه لتقوله؟!»  

«لكن سوبارو فارسي، وليس أستاذي…»  

 

 

بينما كانوا يلوِّحون مودِّعين ديناس وليليانا، اللذين انفصلا عنهم، تمتم سوبارو لنفسه خلال طريق العودة. فجأة، انطلق أوتو بتعابير حادة، حتى كادت كلماته أن تُطرطش بالبصاق.  

 

 

 

وبعد أن عدَّل قبعته، بدأ أوتو يُفرغ كل ما احتبس داخله من غضب.  

 

 

تصريح جريء، وبالفعل، كان قرارها النهائي.  

«لماذا، أمام شخص يُطلق عليه ”مهووس المطربة“، تتصرف بكل هذه الألفة مع نفس المطربة؟ بسبب ذلك، انهارت المحادثات ونحن على وشك التوصل إلى اتفاق!»  

أظهرت تعابير وجه بياتريس عمق اتفاقها مع همهمة سوبارو، بينما غارفيل، الذي كان يفتقر إلى السياق لفهم المعنى، نقر لسانه كما لو أنه يشعر بالإحباط، وراح يحدق في سطح الماء.  

 

 

«إر… ظننت أنني أحاول تحسين الأمور لأن الجميع بدا في مأزق…»  

 

 

بدت هيئة *شيطان السيف* وهو يقف وسط حديقة ذات طابع ياباني، مرتديًا اليوكاتا، وكأنها لوحة فنية مرسومة بإتقان.  

«لم يكن هناك مأزق على الإطلاق! كنا نتفاوض على الشروط بطريقة ودية!»  

 

 

«أولاً، هل يمكنك أن تطلب منه التوقف؟ إنه صديقك، أليس كذلك؟»  

«إيـــه حقًا؟ يعني أحدثت كل هذه الفوضى بلا داعٍ؟!»  

«بالمناسبة، سيدتي فيلت، بخصوص هذا الزي…»  

 

 

بطبيعة الحال، حتى سوبارو لم يستطع إلا أن يندم على تحويل قلقه إلى سبب للتعاسة. بدا أن أوتو كان يرى تجاوبًا إيجابيًا من الطرف الآخر أثناء المفاوضات، وكان خيبة أمله إزاء انهيار جهوده واضحة جدًا.  

«لكن السيدة كانت تستمتع بالحديث معك على أي حال، أليس كذلك يا سيد ويلهيلم؟»  

 

 

ربما، بفضل جهود ليليانا، سيكون كيريتاكا مستعدًا للحديث مجددًا في اليوم التالي.  

 

 

«غآآآه، كم هذا لطيف…!»  

«حتى لو وافق، من الحكمة أن نتوقع شروطًا أكثر قسوة منه.»  

«سيدي سوبارو؟ هل أخفتك؟»  

 

«…إممم.»  

«آآآغغههه…»  

 

 

ربما كان أوتو بارعًا فقط في التكيف مع المواقف. أو ربما كان يحتفظ بعقلين احتياطيين في مكان ما. في كلتا الحالتين، لم يستطع سوبارو سوى أن يعجب بأساليبه المدهشة. 

كانت تلك الآهة كل ما الذي استطاع سوبارو أن يرد به، بعد أن قرأ أوتو أفكاره وأصاب أكثر نقاطه ضعفًا.  

 

 

 

حينها، صفقت إميليا بيديها، وقالت: «حسنًا، هذا يكفي. أوتو، لا داعي لأن تكون غاضبًا هكذا. ليس وكأن سوبارو كان ينوي التسبب في مشكلة، وإلا لما كان مكتئبًا بهذا الشكل بشأن ما حدث.»  

أمسك سوبارو بكتف غارفيل، مترددًا للحظة قبل أن يقرر كيف يصف علاقته براينهارد.  

 

في نظر سوبارو، لم يكن هناك شخص يناسب سماءً مضاءة بنور القمر أكثر من إميليا.  

«إميليا تان… أجل، هذا صحيح. أنتِ تفهمينني حقًا، أليس كذلك؟ قولي المزيد، أرجوك.»  

 

 

‹‹تقديم حياتك لحمايتها—هذا هو ما يجعل الجنرال رجلًا حقيقيًا، أليس كذلك؟››  

«سوبارو، عليك أن تفكر جيدًا فيما فعلت. هذا ليس عدلًا. أنا أيضًا كنت أرغب في التحدث أكثر مع ليليانا.»  

 

 

«إذن هو اسم يبدأ بـ”لا” على كل حال.»

«هاه؟! إذًا أنتِ مع ليليانا ضدي؟!»  

كان سبب غضب فيريس تجاه سوبارو واضحًا.  

 

«فيريس، لا يمكنني أن أوافق على إخافتكِ للسيدة كروش بهذا الشكل.»  

بينما كانت إميليا تعبس متذمرة، شعر سوبارو وكأنه تعرض لطعنة في ظهره من شخص كان يظنه حليفًا.  

 

 

 

ومع هذا التبادل الذي بدا أشبه بلعبة بين السيد وخادمه، تنهد أوتو متأففًا من المشهد المعتاد.  

 

 

 

«بغض النظر عن أن السيد ناتسوكي يجب أن يعيد التفكير في أفعاله تمامًا… لقد توقفت المفاوضات. في الوقت الحالي، يجب أن نعود إلى الراية المائية لنراجع خططنا، ولكن…»  

—لماذا استعان فيلهيلم بقوة عائلة كروش بدلاً من عائلته؟  

 

 

«ولكن ماذا؟»  

نسيان شيء ما لا يعني فقدانه للأبد، وكان مصممًا على التمسك بكل ما يستطيع أن يتذكره. ليوم آخر، عاش سوبارو ناتسوكي مستمدًا القوة من المشاعر التي ورثها.  

 

***

«في الحقيقة، لديَّ عمل يتوجب عليَّ إنجازه؛ لذا سأضطر للانصراف لبعض الوقت.»  

 

 

 

عندما رفع أوتو إصبعه وقال تلك الكلمات، أمال كل من سوبارو وإميليا رأسيهما متسائلين: «عمل؟»  

 

 

 

«نعم. بعد أن وصلنا إلى هنا، من المفيد بناء علاقات لم أكن أستطيع تكوينها في الأحوال العادية. لذا، سأقضي هذا اليوم في التجول ومقابلة الناس.»  

«أجل، أعتقد ذلك. أعتذر على الإزعاج بهذه الطريقة. لكن هذه فرصة جيدة لرؤية الجميع. مثل هذه المناسبات نادرًا ما تتكرر.»  

 

في قاعة الاستقبال داخل جناح “ثوب الماء”، اجتمع أشخاص مميزون بعدة طرق.  

«محترف لا يتزعزع، هاه…؟»  

لكن كان من اللافت حقًا مدى حدّة العبارات التي توجهها فيلت نحو راينهارد.  

 

«هذا أمر طبيعي، إذ لم يتم تحديد موعد محدد. نادرًا ما تتاح فرصة كهذه لمقابلة الجميع دفعة واحدة، لذا علينا أن نعتبر هذا التوافق في التوقيت نعمة في حد ذاته.»  

ربما كان أوتو بارعًا فقط في التكيف مع المواقف. أو ربما كان يحتفظ بعقلين احتياطيين في مكان ما. في كلتا الحالتين، لم يستطع سوبارو سوى أن يعجب بأساليبه المدهشة. 

 

 

 

«أوه، عن ذلك يا أوتو… ألا تحتاج إلى وجودي معك أثناء تجوالك ولقائك بالناس؟»  

انتهى العشاء في قاعة الاستقبال، وبعد أن انتهى سوبارو من الاستحمام، عاد إلى غرفته. بدا أن الموظفين قد وضعوا الفُرُش أثناء غياب الضيوف، مما جعل كل شيء جاهزًا لقضاء ليلة هانئة.  

 

 

«سؤال وجيه، سيدتي إميليا. ولكن، إن حضرتِ دون إخطار مسبق، سيكون الناس في حيرة من أمرهم؛ لأنهم لن يتمكنوا من إعداد استقبال يليق بكِ. الامتناع عن التصرف بعجلة يُعد أيضًا نوعًا من الاعتبار. كما فعلت السيدة أناستاسيا حين تحدثت إلى شركة ميوز بالنيابة عنا.»  

«حتى يومنا هذا، ما زلت غير بارع في الكلمات، لكن ماضيّ كان أسوأ بكثير. كنت رجلًا قليل الكلام. عندما قابلت زوجتي لأول مرة، كان تفكيري مشغولًا فقط بتأرجح السيف، لا شك أنني كنت أُشعرها بالملل الشديد.»  

 

 

«فهمت… حسنًا، سأضع ذلك في اعتباري يا أستاذ.»  

«ن-نعم، أظن ذلك. لقد أفزعتني حقًا. بما أنني لا أستطيع استخدام نعمتي كما ينبغي في الوقت الحالي، أشعر أنني قد أسيء فهم مشاعرك بشأن أشياء كثيرة، فيريس.»  

 

—كان سوبارو يحب ويلهيلم.  

جلبت إجابة إميليا ابتسامة متعبة على وجه أوتو. ثم قال: «عودوا مباشرة إلى المنزل»، وكأنه يتحدث إلى طفل، قبل أن يغادر المجموعة، متوجهًا نحو الحي الثاني.  

ردّ راينهارد على صراخ لاشينز ببرود، ثم وجه ابتسامة سريعة إلى جوشوا. رد جوشوا الإيماءة بتعبير متوتر.  

 

«لا، لا. لم تقاطعني على الإطلاق. في الحقيقة، رؤية *شيطان السيف* في حديقة يابانية يجعل المشهد محفورًا في ذاكرتي للأبد. أحب رؤية الناس تحت سماء مضاءة بنور القمر.» 

«إميليا تان، ما قصة ”أستاذ“ هذه التي قلتِها للتو؟»  

«ما رأيك؟ لم يسبق لك رؤية شيء كهذا، أليس كذلك؟ كل شيء هنا يأتي من نهر تيغراسيا العظيم القريب، ويتم إعداده على يد طهاة ذوي خبرة. إنه جيد بما يكفي ليُعدّ إحدى تخصصات مطعم “الرداء المائي”.»  

 

ثم اخترقت نظراته الزرقاء الحادة عيني سوبارو السوداوين المرتعشتين.  

«همم؟ أوه، أوتو علَّمني الكثير مؤخرًا، بما في ذلك خلال رحلتنا بالعربة إلى هنا. لهذا السبب أناديه أستاذ. هل يبدو ذلك غريبًا؟»  

في تلك اللحظة، جعل تصريح فيريس أجواء قاعة الاستقبال تتجمد بالكامل.  

 

 

«ناه، ليس غريبًا… أنا فقط أشعر بالغيرة. يمكنكِ مناداتي أستاذ أيضًا، أليس كذلك؟»  

 

 

«وإن لم يسامحك على الفور، استمر في الاعتذار حتى يفعل. في الأساس، الاعتذار ليس من أجل أن يسامحك أحد، أليس كذلك؟ الاعتذار يأتي لأنك تريد الاعتذار. إنها رغبة أنانية ومزاجية. أعني، الشخص الذي يعتذر هو من ارتكب الخطأ في المقام الأول.»  

«لكن سوبارو فارسي، وليس أستاذي…»  

 

 

 

«غآآآه، كم هذا لطيف…!»  

تحت تلك النظرة، سحب غارفيل ذراعه وأطلق تنهيدة عميقة وطويلة.  

 

 

تركت النظرة الحائرة البريئة على وجه إميليا، وكلماتها الخافتة، سوبارو عاجزًا عن الوقوف من شدة تأثيرها عليه.  

كان يعتقد أن الصداقة تعني التساوي. وحتى لو لم يكن ذلك يهم راينهارد، فإن سوبارو شعر بأنه مدين له بدين لا يمكن إنكاره. كيف يمكنه أن يطلق على نفسه صديقًا لراينهارد دون أن يسدد هذا الدين؟  

 

لكن كان من اللافت حقًا مدى حدّة العبارات التي توجهها فيلت نحو راينهارد.  

«القائد والسيدة إميليا يبدو أنهما أحبَّا تلك المطربة كثيرًا، هاه؟»  

 

 

***

انضم غارفيل إلى الحديث ويداه متشابكتان خلف رأسه. وبما أنه الوحيد الذي لم يكن على دراية بأغاني ليليانا، بدا عليه شيء من الفضول.  

 

 

 

«أنا أيضًا أود سماع أغانيها إذا كانت بهذا الجمال. قرأت الكثير من الكتب، لكن لا أقدر على  التعرف على الأغنية من مجرد القراءة عنها. ليس عندي فكرة عن ما تفقده.»  

«لقد أصبحتُ على ما يبدو أكثر عاطفية مما ينبغي. حان الوقت أخيرًا لإنهاء قصص رجل عجوز طويلة.»  

 

 

«صحيح، غارفيل لم يكن في القصر عندما زارتنا ليليانا.»  

 

 

 

«إذًا ستكون هذه المرة الأولى التي تسمع فيها أغانيها، هاه؟ أظنها ستترك أثرًا كبيرًا فيك.»  

ابتسمت المضيفة، أنستاسيا، بلطف وهي تستمع إلى كلمات راينهارد الرسمية التي تتناسب مع كونه مبعوثًا. أومأ راينهارد ردًا على كلماتها، ثم حول انتباهه نحو يوليوس، الذي كان يجلس بجانب أنستاسيا بابتسامة هادئة.  

 

 

«حقًا؟ هذا توصيف ثقيل.»  

وبينما كانوا يلاحقونها عبر منعطف الطريق، تسارع سوبارو والآخرون للوصول إلى مقدمة “ماء الريمونت”.  

 

«بغض النظر عن أن السيد ناتسوكي يجب أن يعيد التفكير في أفعاله تمامًا… لقد توقفت المفاوضات. في الوقت الحالي، يجب أن نعود إلى الراية المائية لنراجع خططنا، ولكن…»  

حديث سوبارو وإميليا عن موسيقى ليليانا أثار على وجه غارفيل تعبيرًا يجمع بين المفاجأة والتوقع.  

«—. نعم، أنا أصغي.»  

 

 

ليس هناك شك أن أغاني ليليانا تمتلك تلك القوة. فقد سبق لسوبارو أن أتيحت له فرصة الاستماع إلى منشدين آخرين غير ليليانا، لكن لم يكن أحدهم يضاهيها.  

 

 

 

كانت موهبتها بلا شك كافية لتستحق لقب ”المطربة“.  

كانت حقيقة استخدامه كلمة “المنطقة” بدلًا من “النزل” بحد ذاتها مطمئنة لدرجة مخيفة. وبالنظر إلى شخصيته، فمن المحتمل أنه كان يتواضع لمجرد أنه اختار عدم استخدام كلمة “المدينة”.  

 

 

«يبدو أن الحظ أخذ الكثير من ليليانا مقابل تلك الموهبة، أليس كذلك؟»  

كان ويلهيلم الشخص الذي يحترمه سوبارو أكثر من أي أحد آخر في هذا العالم.  

 

ما أثار قلق سوبارو، وهو ما أكّدته بياتريس للتو، كان رد فعل الرجل تجاه إميليا. بعد مرور عام على إعلان ترشحها للاختيار الملكي، توقفت إميليا عن ارتداء عباءة «إخفاء الهوية» التي كانت لا تفارقها في السابق أثناء الخروج. 

«تصرف قاسٍ جدًا منهم.»  

 

 

‹‹إذا لم يُعر سوبارو ذلك اهتمامًا، فستكون إميليا عُرضة للخطر، لذا من الطبيعي تمامًا أن تقلق، على ما أظن. بيتي ستبقى تراقب الوضع حول إميليا قدر الإمكان.››  

«لا أعلم ما الذي تقصده بهذا يا.»  

«—حينها والآن، ما يربطني بزوجتي هو السيف.»  

 

«انظري إليهما. سوباو لا يميز. سيحاول فعل ذلك مع أي أحد لو أتيحت له الفرصة. إنها حالة ميؤوس منها، لذا لا تعيريها أي انتباه.»  

أظهرت تعابير وجه بياتريس عمق اتفاقها مع همهمة سوبارو، بينما غارفيل، الذي كان يفتقر إلى السياق لفهم المعنى، نقر لسانه كما لو أنه يشعر بالإحباط، وراح يحدق في سطح الماء.  

تصريح جريء، وبالفعل، كان قرارها النهائي.  

 

 

جدير بالذكر أن الأربعة كانوا يسلكون الطريق الطويل عائدين إلى الراية المائية سيرًا على الأقدام. وللأسف، إن قرروا استخدام قارب التنين، فهناك احتمال كبير أن يضطروا إلى ترك سوبارو خلفهم بسبب دوار البحر الذي يعاني منه.  

 

 

 

«المدينة جميلة جدًا؛ لذا أظن أن التنزه فيها فرصة رائعة. كما قال أوتو، ليس لدينا شيء نفعله اليوم.»  

 

 

 

«تسببتُ لكم بالكثير من المتاعب…»  

 

 

 

«آه، لم أقصد إلقاء اللوم عليك يا سوبارو. أنا فقط غاضبة قليلًا.»  

 

 

 

«إذًا، أنت غاضبة فعلًا! أعني، بالطبع أنت كذلك!»  

 

 

 

مع ذلك، كان من الواضح أن سوبارو أراد التمهل قبل العودة إلى النزل، حيث من المؤكد أن أناستاسيا ستبدأ في التحقيق بكل ما حدث. لم يكن لديه أي اعتراض على أخذ التفافة قصيرة.  

كان الفضول الأكبر لدى سوبارو يدور حول الطريقة التي أشار بها غارفيل إلى ميمي. تصرفات ميمي كانت عفوية لدرجة يصعب فهمها، لكنه كان يرى أن نواياها تجاه غارفيل لم تكن إلا طيبة. أعمارهم المتقاربة كانت تبشر ببعض التطورات المثيرة للاهتمام مع مرور الوقت.  

 

وهكذا، وكأنها قد تخلّصت من مخاوفها، بدأت تمشي مجددًا. تبعتها بياتريس وغارفيل، ثم شرع سوبارو في اللحاق بهم.  

«القلق الوحيد الآن هو ما إذا كنت سأتمكن من مرافقة إميليا تان بأمان إلى النزل.» 

 

 

 

«لا داعي للقلق، بيتي ستراقبك، على ما أظن.»  

 

 

 

«لأكون صريحًا، لم أكن أنا الوحيد الذي أخفق اليوم. هذا يشملكِ أنتِ أيضًا.»  

«إذًا، أنت غاضبة فعلًا! أعني، بالطبع أنت كذلك!»  

 

 

كانت بياتريس تحاول التهرب بشكل غير مبالٍ من مسؤولية فشل المفاوضات، لكن مشاركتها غير الفعّالة جعلتها شريكة في ذلك. ومع ذلك، كانت ملامحها التي لا تعكس أي اعتراف بذلك تبدو لطيفة بشكل لا يمكن إنكاره.  

***

 

 

«لا داعي للقلق، أيها الجنرال. أنفي يتذكر رائحة الطريق المؤدية إلى النُزل تمامًا. حتى لو لم أتعرف على المبنى، فأنا أعرف رائحة ذلك الفتى المشاغب، لذا لن نضيع.»  

ليس هناك شك أن أغاني ليليانا تمتلك تلك القوة. فقد سبق لسوبارو أن أتيحت له فرصة الاستماع إلى منشدين آخرين غير ليليانا، لكن لم يكن أحدهم يضاهيها.  

 

«لذيذ جدًا! آه، لقد مر زمن طويل منذ أن تذوقت الساشيمي! هذا أفضل شيء! أنتِ رائعة، أناستاسيا!» 

«هييه. هوو. هممم.»  

 

 

«هكذا! بهذه الطريقة! هذا هو الأسلوب الصحيح لتناوله!»  

«هيه! ما هذا الرد؟»  

الرجل ذو الرداء الأبيض أومأ برأسه ردًا على اعتذار إميليا.  

 

 

غارفيل تجهم بشك بسبب رد فعل سوبارو المريب.  

«إذًا، أنت غاضبة فعلًا! أعني، بالطبع أنت كذلك!»  

 

 

كان الفضول الأكبر لدى سوبارو يدور حول الطريقة التي أشار بها غارفيل إلى ميمي. تصرفات ميمي كانت عفوية لدرجة يصعب فهمها، لكنه كان يرى أن نواياها تجاه غارفيل لم تكن إلا طيبة. أعمارهم المتقاربة كانت تبشر ببعض التطورات المثيرة للاهتمام مع مرور الوقت.  

«اليوم، نستحم! ثم نأكل! ولن أقول كلمة واحدة عن أي شيء آخر!»  

 

بينما كان يحدق في سوبارو، ظهر على وجه الرجل تعبير مندهش فجأة. وعندما رأى سوبارو هذا، أدرك الأمر أخيرًا.  

وبالمناسبة، كان غارفيل لا يزال يتلقى التجاهل البارد من هدفه الحقيقي، رام. بدا لسوبارو أن رام لم تكن تكنّ لغارفيل سوى محبة من نوع خاص؛ حب شبيه بحب العائلة.  

 

 

 

«على أي حال، غارفيل، أتمنى من أعماق قلبي، يا أخي الصغير، أن تجد السعادة.»  

«الطيور لا تصرخ، لذا أتساءل إن كان المثل ينطبق… إميليا-تشان؟»  

 

بينما لمس سوبارو طرف شعرها المربوط، أشارت إميليا إلى الطاولة وهي تعرض اقتراحها البديل. رضخ سوبارو على مضض، وعندها لاحظ فجأة أن كل الأعين في الغرفة كانت موجهة نحوهما.  

«هاه؟ ما الذي تقوله فجأة، أيها الجنرال؟ حسنًا، ليس أنني أكره ذلك أو شيء…»  

 

 

شعرها الفضي كان يلمع ويتألق بطريقة لا يمكن لأشعة الشمس أن تضاهيها. كانت جمالها أشبه بنور القمر العابر، ولهذا السبب كان سوبارو يأمل أن يصبح يومًا نجمة تحيط بالقمر وتتكامل معه.  

عندما ربت سوبارو على كتف غارفيل بنظرة دافئة في عينيه، مال الأخير رأسه بحيرة وأجاب بعبارة مباشرة. كان سوبارو يأمل بصدق أن يجد أخوه الصغير البريء السعادة في هذه المدينة المائية.  

 

 

«أوه، أنت صارم جدًا، تبا!»  

«عليّ القول، هذه مدينة رائعة بحق. كل زاوية منها تبعث على الهدوء والسلام.»  

 

 

 

في طريق العودة، بدا أن إميليا في مزاج جيد للغاية وهي تستمتع بجمال المناظر الخلابة في هذه المدينة المائية. على الرغم من أن القنوات المائية التي تخترق وسط المدينة قد تبدو غير مريحة بعض الشيء، إلا أنها كانت مذهلة بلا شك.  

«…ستفهم قريبًا. ليس هناك داعٍ لأن تحدّق إليّ وكأنك وحش مفترس.»  

 

 

«وفقًا لشرح بيكو، تأسيس هذه المدينة لم يكن لغايات سلمية تمامًا…»  

هذا التبادل العفوي بين الاثنتين كان دليلًا على تقارب كبير بينهما. يبدو أن لقاءً ما، لم يكن سوبارو على علم به، قد حسن العلاقة بينهما كثيرًا. 

 

«آه! أنا آسفة للغاية.» 

«لكن مهما كانت الأسباب في ذلك الوقت، ما نشعر به الآن يظل حقيقيًا، أليس كذلك؟»  

جلبت إجابة إميليا ابتسامة متعبة على وجه أوتو. ثم قال: «عودوا مباشرة إلى المنزل»، وكأنه يتحدث إلى طفل، قبل أن يغادر المجموعة، متوجهًا نحو الحي الثاني.  

 

***

توقفت إميليا فوق جسر، ونظرت إلى الممر المائي الكبير، وكان سوبارو مسحورًا بابتسامتها.  

 

 

تجنبت بياتريس الخوض في التفاصيل وهي تبتعد عن راينهارد بخطوات هادئة وسريعة. لكنها توقفت فجأة عندما سمعت إميليا تقول:  

من ملامح وجهها الآسرة إلى الكلمات التي نطقتها، كانت سعيدة. مهما كانت الأسباب، ذلك اللحظة كانت صادقة.  

 

 

«لا أستطيع مجاراتكِ يا فيلت. في الحقيقة، هذا النزل يضم ينبوعًا ساخنًا كبيرًا وواسعًا…»  

—لأن المهم ليس من أين تبدأ، بل إلى أين تنتهي.  

شعر سوبارو بالذهول. لم يكن بإمكانه سوى الشعور بالصدمة من القيمة المبالغ فيها التي نسبها له ويلهيلم.  

 

 

«سمعتكِ، أمي.»  

 

 

 

«هل قلت شيئًا؟»  

 

 

 

«كنت فقط أتذكر كلمات سحرية من المرأة التي أحترمها أكثر من أي شخص آخر في هذا العالم.»  

 

 

«أظن أن من الغريب جدًا أن تحاول شخصٌ ما كسب قبول الجميع، وتعمل بجدٍ لتصبح الحاكمة، لكنها تسير وهي تخفي هويتها.»  

رغم مرور الوقت منذ أن سمع تلك الكلمات، إلا أنها ما زالت تمنحه الشجاعة حتى الآن.  

 

 

 

نسيان شيء ما لا يعني فقدانه للأبد، وكان مصممًا على التمسك بكل ما يستطيع أن يتذكره. ليوم آخر، عاش سوبارو ناتسوكي مستمدًا القوة من المشاعر التي ورثها.  

 

 

«مم، فكرة الحمام تناسبني. أريد حقًا رؤية هذا الحمام الكبير.»  

«أعتقد أنه يجب علينا العودة الآن. لا يزال البناء الغامض للنُزل يشغل تفكيري.»  

*«كما قلت، يا سيد سوبارو. كان ذلك هو الوقت الذي أدركت فيه مشاعري تجاه زوجتي.»*  

 

بينما كان يدعو ألا يشبّ أخوه الأصغر على مثل هذا السلوك، توجه سوبارو إلى قاعة الاستقبال الكبيرة في وقت العشاء.  

«البناء الياباني، أليس كذلك؟ بصراحة، أنا مهتم به أيضًا، لكن لأسباب مختلفة عن إميليا-تان.»  

 

 

شعر سوبارو بالذهول. لم يكن بإمكانه سوى الشعور بالصدمة من القيمة المبالغ فيها التي نسبها له ويلهيلم.  

«حقًا؟ تي-هيه. من الأفضل أن نسرع إذن.»  

 

 

عندما صفعته اليد التي لم يتمكن من إمساكها على جبينه، عبس سوبارو بصمت. وبعد مشاهدة تبادل الحديث بينهما، اقترب فيري بخفية من أذن كروش وهمس:  

تركت إميليا درابزين الجسر، وابتسمت بخفة قبل أن تخطو خطوة إلى الوراء. ربما لأنها كانت متحمسة جدًا لرؤية المعالم، اصطدمت برفق بشخص كان يمر بجانبها.  

«ربما لا تدرك ذلك بعد في الوقت الحالي. وأعتقد أن كثيرين لا يدركون قيمتك بعد. ولكن، يومًا ما، ستدرك ذلك أنت أيضًا، وسيدركه الجميع.»  

 

 

«آه! أنا آسفة للغاية.» 

«كروش وفيريس يعتمدان عليك كثيرًا. كروش تكافح مع فقدان ذكرياتها، وفيريس، رغم أنه لا يظهر ذلك، إلا أنه بلا شك يجهد نفسه لدعمها بكل وسيلة ممكنة. إنهما بحاجة إليك، سيد ويلهيلم. وأيضًا، حتى أنا—!»  

 

 

***

 

 

كانت ردود فعل إميليا وبياتريس مختلفة تجاه ذكريات سوبارو. وأثناء استماعهم لهذا النقاش، بدا على جوشوا مزيج من القلق والجدية، بينما رفع لاشينز يديه مستسلمًا، وقد شحب وجهه بشكل واضح.  

استدارت إميليا على عجل، وانحنت تعتذر للشخص الذي اصطدمت به. كان رجلاً طغت على مظهره بالكامل درجات اللون الأبيض.  

 

 

 

شعره مصبوغ باللون الأبيض وارتدى بدلة بيضاء، وكان طوله مقاربًا لطول سوبارو، وبنيتهما الجسدية متشابهة إلى حد كبير. باختصار، لم يكن لديه أي سمات مميزة تلفت الأنظار.  

 

 

 

الرجل ذو الرداء الأبيض أومأ برأسه ردًا على اعتذار إميليا.  

«سيد سوبارو؟»  

 

 

‹‹لا داعي للقلق. كنت أنا أيضًا مهملًا هذه المرة—لقد انشغلت بجمالك للحظة.››  

«على أي حال، غارفيل، أتمنى من أعماق قلبي، يا أخي الصغير، أن تجد السعادة.»  

 

 

«…إممم.»  

«كروش وفيريس يعتمدان عليك كثيرًا. كروش تكافح مع فقدان ذكرياتها، وفيريس، رغم أنه لا يظهر ذلك، إلا أنه بلا شك يجهد نفسه لدعمها بكل وسيلة ممكنة. إنهما بحاجة إليك، سيد ويلهيلم. وأيضًا، حتى أنا—!»  

 

‹‹اطمئن. إذا شعرت أن أحدهم يسبب مشكلة، سأطيره بعيدًا. أما ذلك الرجل قبل قليل، فهو مجرد هاوٍ. طريقته في المشي وحركاته… لا تستحق حتى النقاش.››  

‹‹شعركِ الفضي الجميل. نعم، ذات يوم حاولت أن أجعل امرأة بشعرٍ جميل مثلكِ زوجة لي. تذكرت ذلك بحنين، ولم أستطع تفاديك.››  

 

 

 

بدت كلمات الرجل غير طبيعية مقارنة باعتذار إميليا، حيث أراد من حديثه أن يبدو مقنعًا، لكن غروره كان طاغيًا على كلماته.  

«ليس من حقي أن أشعر بالانزعاج حيال هذا. تلك هي الكلمات التي لقّنتها لحفيدي… لراينهارد حينها. كانت كلمات مشينة وغير مبررة… بل لا تغتفر.»  

 

 

«حسنًا، كفى. هذا يكفي الآن.»  

 

 

‹‹نعم، أتفق معك. حسنًا، لنأمل أن يجعلنا القدر نتقاطع مجددًا في المستقبل.››  

في تلك اللحظة، تقدم سوبارو ليقف أمام إميليا، مدفوعًا بروح فارس نبيل وقلب رجل عاشق.  

 

 

 

‹‹يبدو أن كليكما كان مهملًا هذه المرة. سأوبخ فتاتنا لاحقًا بسبب قلة انتباهها، لذا أرجو أن نترك الأمر عند هذا الحد اليوم.››  

 

 

 

«انتظر، سوبارو. هذه ليست طريقة للتحدث مع شخص…»  

عند مدخل شركة ميوز، تحدث حارس كيريتاكا الشخصي بتلك الكلمات، وانحنى أمام سوبارو معتذرًا.  

 

في هذه اللحظة، حان دور ويلهيلم ليبدو مشوشًا بفعل قفزات سوبارو المفاجئة في المنطق.  

‹‹تجاوبي معي، موافقة؟››  

 

 

 

عندما رمقته إميليا بنظرة اعتراض، غمز لها سوبارو، محاولًا أن يجعلها تتفهم الموقف. الدخول في مشادة غريبة هنا كان يحمل خطر الكشف عن هوية إميليا، وكان سوبارو يشعر وكأنه مدير أعمال أحد المشاهير أكثر من كونه فارسًا في تلك اللحظة.  

 

 

 

‹‹لقاء متبادل واعتذار متبادل. هذا من أدبيات مدينة الماء، أليس كذلك؟››  

حول الطاولة الطويلة في منتصف الغرفة، جلس الجميع على وسائد مربعة على الأرض بأسلوب ياباني تقليدي. كانت إميليا وسوبارو يهمسان بهدوء معًا في زاوية حيث جلسا جنبًا إلى جنب. ربما كانت متوترة، لكن محتوى كلماتها لم يظهر أي إحساس خاص بالتوتر على الإطلاق.  

 

 

‹‹أشكرك على لطفك. في الوقت الحالي، ليس لدي سبب لمواصلة الأمر. وإذا التقينا مجددًا، فستكون أهواء القدر قد جمعتنا مرة أخرى.››  

وبالمناسبة، كان غارفيل لا يزال يتلقى التجاهل البارد من هدفه الحقيقي، رام. بدا لسوبارو أن رام لم تكن تكنّ لغارفيل سوى محبة من نوع خاص؛ حب شبيه بحب العائلة.  

 

 

‹‹نعم، أتفق معك. حسنًا، لنأمل أن يجعلنا القدر نتقاطع مجددًا في المستقبل.››  

ردّ راينهارد على صراخ لاشينز ببرود، ثم وجه ابتسامة سريعة إلى جوشوا. رد جوشوا الإيماءة بتعبير متوتر.  

 

«هل هذا كل ما تملكه لتقوله؟!»  

رد سوبارو بنبرة بدت وكأنها استرجاع لأحلام طفولية، ثم قاد إميليا بعيدًا وهو يمسك بيدها. أطلق نفسًا مسموعًا من الراحة وهو ينظر باتجاهها، ولاحظ أنها كانت تنظر خلفها قليلًا، كما لو أن الرجل الغريب ما زال يشغل بالها.  

 

 

 

‹‹أعلم أنني كنت فظًا بعض الشيء، لكن بالنظر إلى وضعك، آمل أن تفهمي السبب.››  

 

 

التعليق الذي غيّر الأجواء تمامًا جاء من فيلهلم، الذي كان صامتًا طوال الوقت.  

«هاه؟ آه، لا، لا. صحيح أن تصرفك كان فيه بعض الخشونة، لكنه كان بسببي أنا وبسبب إهمالي. لكن هذا ليس الأمر… أنا…»  

‹‹إذا لم يُعر سوبارو ذلك اهتمامًا، فستكون إميليا عُرضة للخطر، لذا من الطبيعي تمامًا أن تقلق، على ما أظن. بيتي ستبقى تراقب الوضع حول إميليا قدر الإمكان.››  

 

 

توقفت كلماتها فجأة، وظهرت في عينيها لمحة من التردد.  

 

 

«فيري، أليس هذا كلامًا وقحًا؟ السيد سوبارو ليس غير مخلص إلى هذا الحد ليحدق في أي شخص.»  

‹‹—أشعر وكأنني قابلت هذا الشخص في مكان ما من قبل.››  

من دون أن ينتبه لتلك اللحظة المترددة، دفع جوشوا الحاجز المنزلق إلى الجانب. انفتح الباب الورقي، كاشفًا عن الداخل الصغير لما يُسمى غرفة الشاي.  

 

بينما أعلن سوبارو عزمه، انتفخت كروش بثقة، دون أدنى تردد.  

‹‹هل هو أحد معارفك؟ أعتقد أنني أعرف معظمهم بالفعل.››  

في تلك اللحظة، ومع ويلهيلم الذي كان يحدق بعيدًا، كان عليه أن يقولها.  

 

الشخص الذي كان يجلس إلى جانب كروش ويمازح سوبارو بكلمات لاذعة كان الشاب الوسيم ذو أذني القطة — أو بالأحرى، الفتى الذي يُدعى فيريس.  

«نعم… لست متأكدة تمامًا. أتساءل من يكون؟»  

«أتساءل إن كان حفيدي… إن كان راينهارد سيستمع لي؟»  

 

 

بدا الأمر وكأنه يثير فضولها حقًا، إذ التفتت مجددًا لتنظر خلفها، لكن الرجل كان قد اجتاز الجسر بالفعل، وكل ما استطاعت رؤيته كان ظهره الذي يتلاشى سريعًا في الأفق.  

 

 

لطالما اعتاد رؤيتها بفساتينها المترفة، لكن رؤية بياتريس ترتدي “يوكاتا” كانت مفاجأة كبيرة.  

رغم أن الأمر حرك شيئًا في أعماق ذهنها، إلا أن محاولتها للتوصل إلى إجابة بدت وكأنها باءت بالفشل.  

 

 

 

‹‹هيه، أيها الجنرال. تبدو مرتبكًا جدًا. ماذا؟ هل تخشى أن يخطف ذلك الوسيم فتاتك؟››  

 

 

 

غارفيل، الذي كان قد عبر الجسر بالفعل وينتظرهما، لوّح لهما وسأله بلهجة مرحة. كان سوبارو يفهم رغبة غارفيل وبياتريس في منحه وإميليا بعض المساحة، لكنه لم يستطع إلا أن يزفر بتعب من الموقف غير المبالي الذي أبداه غارفيل. 

 

 

 

***

«…»  

 

«هل هذا كومة من السم الأخضر، أتساءل؟ لن تفلت بسهولة إذا تناولته…»  

«أيها الأحمق، هذا ليس وقت التهاون. ماذا سنفعل إذا بقي بعض الغريبي الأطوار بالقرب منها وأنت غير موجود؟ إميليا-تشان ستكون في مأزق إذا لم يكن الشخص من النوع الذي أستطيع التعامل معه.»  

«اهدأ يا غارفيل. هذا راينهارد، صديقي… لا داعي للقلق.»  

 

«هذا ليس…»  

‹‹تقديم حياتك لحمايتها—هذا هو ما يجعل الجنرال رجلًا حقيقيًا، أليس كذلك؟››  

«…نعم، هذا صحيح. أسوأ حوت عرفته البشرية. حقيقة أنني نجوت من تلك المعركة دون أن أموت تُعد معجزة بحد ذاتها.»  

 

بينما أعلن سوبارو عزمه، انتفخت كروش بثقة، دون أدنى تردد.  

«استخدام جسدي كدرع؟ لا أظن أنني مؤهل لذلك. لا كإنسان ولا كدرع.»  

 

 

 

ابتسم غارفيل ابتسامة عريضة ردًا على تقييم سوبارو المتواضع لنفسه، وكأن ما قاله لم يكن سوى ضربٍ من التواضع. لكن من منظور سوبارو، كان هذا مجرد وصف للواقع. الحقيقة هي أن غارفيل كان يبالغ في تقديره.  

«فيريس لديه نوايا خفية جدًا تجاه السيدة كروش، رغم ذلك.»  

 

«أجل، أعتقد ذلك. أعتذر على الإزعاج بهذه الطريقة. لكن هذه فرصة جيدة لرؤية الجميع. مثل هذه المناسبات نادرًا ما تتكرر.»  

‹‹اطمئن. إذا شعرت أن أحدهم يسبب مشكلة، سأطيره بعيدًا. أما ذلك الرجل قبل قليل، فهو مجرد هاوٍ. طريقته في المشي وحركاته… لا تستحق حتى النقاش.››  

 

 

عندما صفعته اليد التي لم يتمكن من إمساكها على جبينه، عبس سوبارو بصمت. وبعد مشاهدة تبادل الحديث بينهما، اقترب فيري بخفية من أذن كروش وهمس:  

«…حسنًا، أعتقد أن هذا مطمئن.»  

 

 

«يبدو أنني، وكما هو معتاد، اخترت كلماتي بشكل سيئ.»  

كان غارفيل يمتلك قدرة غريبة على تحديد قوة الخصم القتالية من خلال بنيته وحركاته، وسوبارو كان شاهدًا على دقة هذه الموهبة، إذ تمكن غارفيل من كشف خبرته المتواضعة في الكيندو من أيام المدرسة المتوسطة. إذا قال غارفيل إن الأمور على ما يرام، فمن المحتمل أن قلق سوبارو كان بلا داعٍ.  

 

 

 

‹‹في هذه الحالة، فلنذهب، إميليا-تشان… أم أن الأمر ما زال يشغل بالك؟››  

بين الحين والآخر، كانت إميليا تحدق في سطح الماء وتغرق في تفكير عميق، لكنها كانت تعمد إلى التهرب من أي ملاحظات عن ذلك بابتسامة.  

 

‹‹أعلم أنني كنت فظًا بعض الشيء، لكن بالنظر إلى وضعك، آمل أن تفهمي السبب.››  

«… لا، لا بأس. آسفة على تصرفي الغريب. لنعد الآن.»  

 

 

 

‹‹فكرة جيدة. لا تقلقي—عندما نعود، يمكنكِ عناق ميمي لتشعري بالراحة. أما أنا، سأكتفي بعناق بيكو، لذا لا داعي للتذمر هكذا.»  

«حتى لو وافق، من الحكمة أن نتوقع شروطًا أكثر قسوة منه.»  

 

الطريقة المزاحية التي أضافت بها كروش عبارتها الأخيرة جعلت سوبارو يخفض رأسه، وقد غمره شعور بالارتياح.  

‹‹هل امتنع بيتي عن قول أي شيء حيال ذلك، أتساءل؟!››  

ليس هناك شك أن أغاني ليليانا تمتلك تلك القوة. فقد سبق لسوبارو أن أتيحت له فرصة الاستماع إلى منشدين آخرين غير ليليانا، لكن لم يكن أحدهم يضاهيها.  

 

على أي حال، بدا أن لكل فرد سببًا خاصًا به لزيارة بريستيلا.  

كلمات سوبارو جعلت وجه بياتريس يحمر خجلًا، وبمشاهدتها لذلك، انفجرت إميليا بابتسامة مشرقة. ثم وضعت يدها برفق على شفتيها.  

 

 

كان وعده مع روزوال أحد الأسباب، وكان تأثير «العودة بعد الموت» قد غيّر طريقة تفكيره كذلك. فكرة موت شخص يعرفه كانت تطيح بتماسكه العاطفي بالكامل.  

«أظن ذلك. إذا عانقت ميمي، سأشعر بالارتياح حقًا. سأفعل ذلك.»  

«نعم، الأمر كما تقول. رغم معرفتي أنني المخطئ، أجد نفسي عاجزًا عن اتخاذ خطوة حاسمة للأمام. هذا الجبن يثير في نفسي إحباطًا كبيرًا، لكن…»  

 

 

وهكذا، وكأنها قد تخلّصت من مخاوفها، بدأت تمشي مجددًا. تبعتها بياتريس وغارفيل، ثم شرع سوبارو في اللحاق بهم.  

«فهمت بالفعل. ولكن لا يوجد أحد في العالم يمكنه أن يجعل بياتريس أكثر سعادة مما أفعل.»  

 

«نحن ماذا؟»  

وفجأة، توقف سوبارو والتفت نحو الجسر.  

 

 

هذا الرجل الذي يحظى بثقة واحترام شعب المملكة، والذي ينظر إليه الجميع بصدق باعتباره فارس الفرسان. كلمة لطيفة منه كانت كافية لإيقاع قلوب كثير من النساء، ولكن فيلت كانت تبعد تلك الكلمات كما لو كانت قمامة.  

الرجل ذو الرداء الأبيض كان واقفًا على الشارع المقابل للجسر. استدار ونظر مباشرة إلى سوبارو.  

 

 

 

شعر سوبارو بانزعاج شديد من نظراته الغريبة، فسارع بخطواته للحاق بإميليا والآخرين.  

«…ماذا؟»  

 

 

ومع أنه ابتعد بسرعة، إلا أن الشعور بأن نظرات الرجل ما زالت تلاحقه ظل يلازمه حتى اختفى خلف الزاوية.  

 

 

6  

###  

 

 

 

بعد ذلك، عادوا في نزهة هادئة عبر مدينة الماء دون أي أحداث تُذكر.  

 

 

 

بين الحين والآخر، كانت إميليا تحدق في سطح الماء وتغرق في تفكير عميق، لكنها كانت تعمد إلى التهرب من أي ملاحظات عن ذلك بابتسامة.  

بعد أن انتظر هدوءًا طبيعيًا في الحديث، طلب جوشوا من موظفي النزل إعداد المائدة. وما إن بدأوا بوضع الأطباق واحدة تلو الأخرى على الطاولة الطويلة، حتى بدأت ردود الفعل المفاجئة تتوالى من كل الجهات.  

 

«عندما تضع الأمر بهذا الشكل، أشعر بالخجل، تي-هي. أليس كذلك، فيريس؟»  

كانت إميليا سيئة في إخفاء مشاعرها، لذا كان واضحًا أن الرجل الذي التقت به ما زال يشغل بالها. لكن الأمر الذي أقلق سوبارو بالفعل لم يكن تصرفها، بل الرجل ذاته.  

 

 

 

‹‹بيكو.››  

«بيتي تراقب الموقف بعناية، لكن ذلك لن ينفع إذا قام أحدهم بحركة مفاجئة. سوبارو، يجب أن تركز على عدم تلقي نظرات باردة من الجميع الحاضرين، على ما أظن.»  

 

 

‹‹أعلم. هل غفل كلٌّ من إميليا وغارفيل لأن رأسيهما في مكان آخر، أتساءل؟ كلاهما بحاجة إلى الكثير من الإشراف.››  

 

 

‹‹هيه، أيها الجنرال. تبدو مرتبكًا جدًا. ماذا؟ هل تخشى أن يخطف ذلك الوسيم فتاتك؟››  

عندما ناداها سوبارو، أبدت بياتريس امتعاضها الواضح بتنهيدة خفيفة.  

 

 

في كل الأحوال، استنتج سوبارو أن الظروف المعقدة كانت تحيط بالاثنين من عائلة أسترِيا. خلاف ذلك، لم يكن ممكنًا تفسير المشاعر التي كانت تؤرق فيلهيلم أثناء مطاردة حوت الضباب.  

ما أثار قلق سوبارو، وهو ما أكّدته بياتريس للتو، كان رد فعل الرجل تجاه إميليا. بعد مرور عام على إعلان ترشحها للاختيار الملكي، توقفت إميليا عن ارتداء عباءة «إخفاء الهوية» التي كانت لا تفارقها في السابق أثناء الخروج. 

«ه-هل طعمه لذيذ؟»  

 

 

***

«همم؟ أوه، أوتو علَّمني الكثير مؤخرًا، بما في ذلك خلال رحلتنا بالعربة إلى هنا. لهذا السبب أناديه أستاذ. هل يبدو ذلك غريبًا؟»  

 

«هيه! ما هذا الرد؟»  

«أظن أن من الغريب جدًا أن تحاول شخصٌ ما كسب قبول الجميع، وتعمل بجدٍ لتصبح الحاكمة، لكنها تسير وهي تخفي هويتها.»  

 

 

 

هذا ما أكدته إميليا، وبلا شك كان حجة منطقية. بناءً على ذلك، قررت إميليا التوقف عن الاعتماد على عباءة الإخفاء، كاشفة عن وجهها الساحر، مما يعني أنه لم يعد هناك مجال لإخفاء كونها نصف إلف. ومع ذلك، كانت الأحكام المسبقة ضد الإلف ذوي الشعر الفضي عميقة ومتجذرة، لذا كان رد فعل الكثيرين عند رؤيتها قويًا، سواء كان إيجابيًا أم سلبيًا.  

«لا، لا. لم تقاطعني على الإطلاق. في الحقيقة، رؤية *شيطان السيف* في حديقة يابانية يجعل المشهد محفورًا في ذاكرتي للأبد. أحب رؤية الناس تحت سماء مضاءة بنور القمر.» 

 

«أوووه، مضى وقت طويل منذ أن رأيتك تتحدث بهذه الأجواء الرومانسية. إذًا، كان لدى السيد ويلهيلم لحظات كهذه أيضًا، هاه؟»  

«الرجل السابق لم يُبدِ أي رد فعل من هذا القبيل. تحدث وكأنه يعرف إميليا، لكنه لم يُعرّف نفسه… هل أنا أُفرط في التفكير؟»  

«ب-بيكو، ملابسكِ…!»  

 

كلمات سوبارو جعلت وجه بياتريس يحمر خجلًا، وبمشاهدتها لذلك، انفجرت إميليا بابتسامة مشرقة. ثم وضعت يدها برفق على شفتيها.  

‹‹إذا لم يُعر سوبارو ذلك اهتمامًا، فستكون إميليا عُرضة للخطر، لذا من الطبيعي تمامًا أن تقلق، على ما أظن. بيتي ستبقى تراقب الوضع حول إميليا قدر الإمكان.››  

كان في عينيها الكهرمانيتين اللوزيتين لطفٌ واضح، وكانت ترتدي ثوبًا أزرق داكنًا طويلًا يعكس صورة مثالية للأنوثة الأرستقراطية. لم يكن من الضروري حتى الإشارة إلى أن هذه السيدة كانت تجسد الرقي بكل تفاصيلها.  

 

في الواقع، لم يكن واضحًا له حتى الآن كيف أصبحا صديقين في المقام الأول. كان هناك أوقات شعر فيها بالقلق من أن صداقتهما قد تكون تشكّلت بسهولة بالغة. وربما كان جزء من هذا بسبب اعتقاده بأن راينهارد لم يختبر يومًا شعور العجز أو الجهل.  

عندما أعلنت بياتريس عن استعدادها للقيام بذلك، شكرها سوبارو باختصار قائلاً: «مفهوم».  

 

 

 

كانت هذه المدينة المائية شاسعة، ولم يظن سوبارو أن فرص مواجهتهم للرجل مجددًا كانت كبيرة. لكن كان من الممكن أن يبادر الغريب بالاتصال من تلقاء نفسه. لم يكن هناك ضرر في توخي الحذر.  

«في أوقات السلم، كانت زوجتي امرأة عادية تستمتع بمشاهدة الأزهار. الأبطال الذين تُخلد أسماؤهم في التاريخ لا يستمرون في كونهم أبطالًا في حياتهم اليومية. وسيد سوبارو، امتداد اسمك وتأثير يدك أوسع بكثير مما تتخيل الآن. ومن الآن فصاعدًا، سيزداد اتساعًا فقط.»  

 

كان بإمكانه تخمين السبب وراء التعبير الغائم على وجه راينهارد.  

«في النهاية، لأنني لم أفكر بشكل كافٍ، فشلت مفاوضات اليوم، لذا…»  

«أتساءل، أليست هذه فرصة جيدة لغارفيل ليدرك أن هناك من هو أعلى منه شأنًا؟»  

 

«اللعنة عليك يا أوتو، لغيابك حين أحتاج إليك حقًا… حقًا، أنت أوتو بمعنى الكلمة.»  

‹‹ألم يكن ذلك بسبب الكارثة الطبيعية التي تُدعى ليليانا، أتساءل؟ تَحسّر، ولكن باعتدال.››  

«ينبوع ساخن؟ تقصدين حمامًا ضخمًا؟!»  

 

 

‹‹هيا، أيها الجنرال، دعنا نعود إلى النزل بسرعة. إذا سرنا بوتيرة بياتريس، ستغرب الشمس قبل أن نصل.››  

 

 

 

‹‹هل يمكنك التوقف عن قول أشياء فظة كهذه، أتساءل؟ أنا أكبر منك سنًا.››  

 

 

 

خلال همساتهما معًا، كان سوبارو وبياتريس قد تراجعا عن مقدمة المجموعة، مما دفع غارفيل لمناداتهما بصوت مرتفع. أثارت ملاحظته الوقحة غضب بياتريس، فقال لها مبتسمًا: ‹‹عذرًا، خطأي››، ثم توقف فجأة.  

 

 

«إذا كنت برفقتها، ستشكو السيدة فيلت من أنها لا تستطيع التصرف بحرية. ولكن… السيد روم ليس معها حاليًا. إذا حاولت فعل شيء خطير، امنعها بكل قوتك. وإذا حدث أي طارئ، ارفع الإشارة. سأكون عندكم في غضون خمس ثوانٍ.»  

«—ما هذا؟ في اتجاه النزل، هناك رائحة غضب شديدة.»  

 

 

«…»  

أدار رأسه نحو زاوية الطريق أمامهم، واستنشق الهواء بصوت مسموع بينما تمتم بذلك. وبعد لحظات، سُمعت بالفعل أصوات جدال قادمة من الشارع الأمامي.  

 

 

ربما كان اقتحام هذه المسألة بوقاحة كفيلًا بأن يبدد الثقة التي بناها مع ويلهيلم. لكن ما كان سوبارو يفكر فيه هو التالي: ما قيمة علاقة تتمسك بها بينما تخشى أن تؤذي الآخر إن تحدثت؟  

كان يبدو أن رجلين متورطان في مشادة حامية.  

«ابذل جهدك وفكر بنفسك هذه المرة.»  

 

«فهمت… حسنًا، سأضع ذلك في اعتباري يا أستاذ.»  

«يبدو أنهما في مواجهة عنيفة. الإثارة في هذه المدينة لا تتوقف أبدًا.»  

 

 

 

‹‹هذا الكلام يبدو أكثر إقناعًا عندما يأتي من الجنرال الذي جعل شخصًا بارزًا يفجّر غرفته بنفسه باستخدام بلورة سحرية. مثل القول: “يمكنك غلي قدرٍ بصراخ طائر أزولا”، أليس كذلك؟››  

 

 

 

«الطيور لا تصرخ، لذا أتساءل إن كان المثل ينطبق… إميليا-تشان؟»  

 

 

بينما كان يتحدث، كانت نظرات راينهارد موجهة إلى غارفيل، الذي لا يزال يمسك ذراعه بقوة. بالطبع، لم يكن لدى راينهارد نية عدائية، ولا سبب لمواصلة الإمساك. وبمعنى آخر، السبب الوحيد لعدم إفلات ذراعه كان أن غارفيل لم يكن مستعدًا للتراجع بعد.  

شعر سوبارو بالذنب عندما ذُكر ما حدث في شركة ميوز، لكنه لاحظ أن إميليا بدأت تركض بخطى سريعة فجأة. لم تلتفت إليه بينما كانت تقول:  

وبالمناسبة، كان غارفيل لا يزال يتلقى التجاهل البارد من هدفه الحقيقي، رام. بدا لسوبارو أن رام لم تكن تكنّ لغارفيل سوى محبة من نوع خاص؛ حب شبيه بحب العائلة.  

 

«فهمت، إذن أنت درع السيدة إميليا. يسرني التعرف عليك. كنت أتمنى لقاءك ولو مرة واحدة.»  

«تلك الأصوات… أعتقد أن أحدها يبدو مثل صوت جوشوا!»  

 

 

كانت تلك ألسنة الجحيم التي استمرت في الالتهام طوال تلك السنوات في قلب ويلهيلم الذي لا يرحم. نيران الندم تلك اجتمعت لتشكّل لهيبًا عظيمًا، نارًا تحرق ويلهيلم، ولن تهدأ حتى تحيله إلى رماد.  

‹‹حقًا؟ إذا كان أحد الطرفين يخصّنا، من الأفضل أن نتعجل.»›  

 

 

«إنه تحفة فنية! السمك طازج، لذا مذاقه رائع جدًا! من المؤسف أنه لا يوجد لديكم خل السوشي هنا، وإلا كنت قد حاولت تقليد صديق والدي الشيف وأعددت بعض النيغيري سوشي!»  

حتى لو لم يكن الأمر كذلك، فإن طبيعة إميليا تجعلها غير قادرة على الوقوف مكتوفة الأيدي.  

مدّ ويلهيلم يده وقبل مساعدة سوبارو للصعود. وفي اللحظة التي شعر فيها سوبارو بثقل جسد المبارز العجوز عبر ذراعه، اجتاحت ذهنه ذكرى من قاعة الاستقبال للحظة قصيرة.  

 

متجاهلًا الصراع الداخلي الذي يعيشه سوبارو، وصفه راينهارد فورًا بأنه صديقه. وعلاوة على ذلك، أطلق ذراع غارفيل ونظر مباشرة في عينيه.  

وبينما كانوا يلاحقونها عبر منعطف الطريق، تسارع سوبارو والآخرون للوصول إلى مقدمة “ماء الريمونت”.  

«لا أعرف الكثير عن السبب الذي أدى إلى تدهور العلاقة بينكما. ربما أكون مخطئًا تمامًا. لكن من وجهة نظري كشخص خارجي، أنتما بالفعل تريدان إصلاح الأمور. في هذه الحالة، من الأفضل دائمًا أن يبدأ الشخص الذي يريد الاعتذار أولًا.»  

 

 

عندما اقتربوا ورأوا البناء الذي يُشبه الطراز الياباني من بعيد، لاحظوا عند مدخل المكان—  

 

 

«إذًا ستكون هذه المرة الأولى التي تسمع فيها أغانيها، هاه؟ أظنها ستترك أثرًا كبيرًا فيك.»  

«لا تُجبرني على تكرار نفسي! توقف عن المماطلة وأخرج سيدك الآن!»  

«أيها الأحمق، هذا ليس وقت التهاون. ماذا سنفعل إذا بقي بعض الغريبي الأطوار بالقرب منها وأنت غير موجود؟ إميليا-تشان ستكون في مأزق إذا لم يكن الشخص من النوع الذي أستطيع التعامل معه.»  

 

 

«أمام شخص وقح مثلك، أرفض أن أدعو أخي، فضلاً عن سيدي. أرجوك غادر هذا المكان بهدوء بينما أنا وحدي من يتعامل معك!» 

 

 

 

***

 

 

 

«أنت لا تفهم، أليس كذلك، أيها الصغير؟ سألقّنك درسًا لن تنساه!»  

 

 

 

اندلع جدال مقلق بين جوشوا، الذي وقف أمام مدخل النزل مانعًا الدخول بذراعيه الممدودتين، ورجل ذو مظهر مشبوه يصرخ بغضب في وجهه. كان الرجل نحيفًا، وكلماته وتصرفاته تنضح بالعدوانية، مما جعل الانفجار يبدو وشيكًا.  

جالسًا بوضع رسمي في يوكاتا، جعلت كلمات “شيطان السيف” فيريس يلمس شفتيه بإصبعه.  

 

 

«هذا يكفي!»  

‹‹لا داعي للقلق. كنت أنا أيضًا مهملًا هذه المرة—لقد انشغلت بجمالك للحظة.››  

 

 

قبل أن يتمكن سوبارو من تقييم قوة الخصم، تدخلت إميليا بين الاثنين. أربك تدخلها الرجل وجعل جوشوا يحدق بدهشة.  

بدت إميليا متحمسة، وحتى كروش وافقت بابتسامة راقية. بالطبع، لم تكن فيلت، صاحبة الاقتراح، ولا أناستازيا، التي تباهت بالينبوع الساخن، تعتزمان الاعتراض.  

 

خلال همساتهما معًا، كان سوبارو وبياتريس قد تراجعا عن مقدمة المجموعة، مما دفع غارفيل لمناداتهما بصوت مرتفع. أثارت ملاحظته الوقحة غضب بياتريس، فقال لها مبتسمًا: ‹‹عذرًا، خطأي››، ثم توقف فجأة.  

«لـ-سيدة إميليا؟!»  

 

 

 

«إذا انتهيت من أمرك هنا، فعليك المغادرة. الأهم من ذلك، ما الذي حدث؟ لا تزعج الناس بإثارة شجار أمام نزل كهذا. اهدأ وتحدث بطريقة مناسبة.»  

بالطبع، لم يكن ذلك مقصودًا منها، لكن كان من عادتها أن تفعل أشياء كهذه ببساطة وبلا وعي.  

 

 

بكلمات بدت وكأنها توبيخ لطفلين متخاصمين، بددت إميليا الأجواء المتوترة التي كانت على وشك الانفجار. عندها شعر سوبارو بارتياح حذر، وكأن القتال قد تم تجنبه بصعوبة.  

على الرغم من أسلوبه الطائش في التصرف، فإن الألم الذي عاناه فيريس على مدار العام الماضي كان على الأرجح مكافئًا لما مر به سوبارو. كان يدرك تمامًا مشاعر الندم والأسى التي تمزق أعماق فيريس.  

 

 

«إذن أخبروني بما حدث. واحد، اثنان، ثلاثة، هيا.»  

عندما فعلت ذلك، فتحت إيميليا عينيها المستديرتين على اتساعهما وقالت «همم—!» وهي تعقد قبضتها بسعادة وتلوّح بها.  

 

في طريق العودة، بدا أن إميليا في مزاج جيد للغاية وهي تستمتع بجمال المناظر الخلابة في هذه المدينة المائية. على الرغم من أن القنوات المائية التي تخترق وسط المدينة قد تبدو غير مريحة بعض الشيء، إلا أنها كانت مذهلة بلا شك.  

«أوه، أ-أعتذر، يبدو أنني تسببت في قلق السيدة إميليا والجميع…»  

«المشكلة تكمن في تعريفك لمن هم حولك. زوجتي لم ترغب بذلك، لكنها كانت تملك قوة لا تناسب شخصًا واحدًا لتحملها وحده. تطلعاتها وأمانيها تجاوزت بكثير مدى تلك القوة وحدودها.»  

 

أمام إصرار جوشوا، أمسك الرجل رأسه متذمرًا بصوت عالٍ. بدا أن الوضع قد تجاوز إمكانية إصلاحه، مما أثار إحباط إميليا التي تدخلت خصيصًا لحله.  

تحت نظرة إميليا الصادقة، ألقى جوشوا نظرة مترددة على سوبارو والآخرين للحظة. ربما كان قلقًا من أن ترك الوساطة لمعسكر منافس يعني وضع معسكره في موقف دين. بالطبع، مثل هذه الحسابات لم تكن لتؤثر على إميليا حتى لو استمر في محاولة إقناعها لمئة عام.  

«ا-انتظروا، انتظروا. نعم، ربما حدث كل ذلك، لكن لم يحدث أي شيء خطير في المرتين، أليس كذلك؟ الأمر انتهى وأصبح من الماضي، فلننسَ ذلك ونتحدث بعقلانية، أليس كذلك؟»  

 

 

«الأمر ليس معقدًا. لقد تمت دعوتنا إلى هنا، لكن هذا الفتى يتحدث وكأنه لا يمكننا الدخول. لماذا لا أشتكي من ذلك؟»  

شعرت أناستاسيا بخيبة أمل طفيفة بعد أن سُلبت الأضواء منها، لكنها سرعان ما استرخت تعابير وجهها بعد ردود الفعل السعيدة لسوبارو وإيميليا.  

 

 

ربما كان غير مكترث بالجمود، شرح الرجل وجهة نظره بخشونة. ركز الرجل نظراته الحادة على جوشوا، مانحًا إياه نظرة مكثفة أشعلت رغبة الأخير في القتال من جديد.  

«هذا أسوأ مما سبق. عن أي وحش شيطاني تتحدث؟ كلب؟ حوت؟ أرنب؟ اختر واحدًا.»  

 

«لا عجب أن تسأل ذلك. عادةً، يكون السيد الشاب ممتازًا، إذا استثنينا حالته المرضية.»  

«قلت لك مرارًا وتكرارًا. إذا كنت تنوي الادعاء بأنك نبيل، فعلى الأقل اجعل كذبتك أكثر إقناعًا. مجرد اهتمام بسيط بالمظهر لا يمكنه إخفاء الجهل الواضح الذي يتسرب منك!»  

 

 

«هيه! ما هذا الرد؟»  

«أنت لا تحتفظ بشيء في قلبك، أليس كذلك؟! لم أتورط في هذا النوع من المشاكل بإرادتي! سئمت من إرسالهم لي في مهام كهذه! أوه، تبًا، لا فائدة من التحدث معك!»  

كانت تلك ألسنة الجحيم التي استمرت في الالتهام طوال تلك السنوات في قلب ويلهيلم الذي لا يرحم. نيران الندم تلك اجتمعت لتشكّل لهيبًا عظيمًا، نارًا تحرق ويلهيلم، ولن تهدأ حتى تحيله إلى رماد.  

 

 

أمام إصرار جوشوا، أمسك الرجل رأسه متذمرًا بصوت عالٍ. بدا أن الوضع قد تجاوز إمكانية إصلاحه، مما أثار إحباط إميليا التي تدخلت خصيصًا لحله.  

 

 

«لا تبني التشويق فقط. إنها عادة سيئة لديك.»  

«سوبارو، ماذا أفعل…؟ سوبارو، ما بك؟»  

 

 

«لكن السيدة كانت تستمتع بالحديث معك على أي حال، أليس كذلك يا سيد ويلهيلم؟»  

«أمم، ربما يكون مجرد وهم… لكنني أشعر أنني رأيت وجه هذا الرجل من قبل.»  

استغرقت وقتًا طويلًا لاستيعاب الأمر، لكن حتى ليليانا استجابت أخيرًا لرجاء ديناس الصادق.  

 

 

أظهر الرجل الذي كان يتجادل مع جوشوا تعبيرًا متجهمًا عندما أشار إليه سوبارو ردًا على سؤال إميليا. ثم بدا وكأنه أدرك شيئًا ما، قائلاً: «آآآه؟» وهو يحدق في سوبارو بنظرة كريهة.  

 

 

«حسنًا، صحيح. إذًا ما سبب هذا الرد فعل؟ ربما إذا أمسكت بيد إميليا-تان، ستأتيني الإجابة. هل يمكنني أن أمسك يدك؟»  

«ما الذي تهذي به؟ هل تريد أن تتشاجر معي أيضًا؟!»  

 

 

«الرجل السابق لم يُبدِ أي رد فعل من هذا القبيل. تحدث وكأنه يعرف إميليا، لكنه لم يُعرّف نفسه… هل أنا أُفرط في التفكير؟»  

«أوه، صوته صار حادًا فجأة… آآه!»  

 

 

نبرة ويلهيلم المازحة جعلت كتفي سوبارو يهبطان بطريقة فكاهية.  

بينما كان يحدق في سوبارو، ظهر على وجه الرجل تعبير مندهش فجأة. وعندما رأى سوبارو هذا، أدرك الأمر أخيرًا.  

كانت هذه المدينة المائية شاسعة، ولم يظن سوبارو أن فرص مواجهتهم للرجل مجددًا كانت كبيرة. لكن كان من الممكن أن يبادر الغريب بالاتصال من تلقاء نفسه. لم يكن هناك ضرر في توخي الحذر.  

 

بدت هيئة *شيطان السيف* وهو يقف وسط حديقة ذات طابع ياباني، مرتديًا اليوكاتا، وكأنها لوحة فنية مرسومة بإتقان.  

لقد عرف هذا الرجل بالفعل. كان يبدو أنظف وأفضل مظهرًا مما كان عليه في آخر مرة رآه فيها، لكنه كان هو.  

«—لاشينز. كنت أتساءل عمّا حدث عندما لم تعد. هل هناك مشكلة ما؟»  

 

وهكذا، وكأنها قد تخلّصت من مخاوفها، بدأت تمشي مجددًا. تبعتها بياتريس وغارفيل، ثم شرع سوبارو في اللحاق بهم.  

«لاري! أنت لاري، أليس كذلك؟! ما الذي تفعله في مكان كهذا…؟ كيف حالك؟»  

 

 

 

«لا تتحدث معي وكأننا أصدقاء مقربون! ومن هو لاري هذا؟! اسمي لاشينز —هذا اسمي، تبًا!»  

 

 

«أعتذر إن كنت قد أزعجتك. سأكون أكثر حذرًا في المستقبل.»  

«إذن هو اسم يبدأ بـ”لا” على كل حال.»

«عندما تقول حوتًا، هل تعني الحوت الأبيض يا سوبارو؟»  

 

على أي حال، بدا أن لكل فرد سببًا خاصًا به لزيارة بريستيلا.  

***

 

 

 

«اخرس!»  

بينما كان راينهارد ينتظر المصافحة، تراجع غارفيل خطوة واحدة— إلى الخلف.  

 

 

عندما أحاط سوبارو كتفي لاري—أو بالأحرى لاشينز—بذراعه في حركة عفوية تعبر عن المودة، تملص الأخير منه بعنف. وبينما استمرت هذه المشادة الغريبة، سألت إميليا: «هل تعرفه؟»  

ردت كروش على تحية إميليا بنبرة بدت لينة بشكل ملحوظ.  

 

 

«أجل. إنه أحد معارفي القدامى من العاصمة الملكية، عندما التقيت بإميليا-تشان لأول مرة. كنت قد ضللت الطريق في أحد الأزقة، فأحاط بي هو وأصدقاؤه، وكدت أفقد ملابسي بالكامل.»  

«وإن لم يسامحك على الفور، استمر في الاعتذار حتى يفعل. في الأساس، الاعتذار ليس من أجل أن يسامحك أحد، أليس كذلك؟ الاعتذار يأتي لأنك تريد الاعتذار. إنها رغبة أنانية ومزاجية. أعني، الشخص الذي يعتذر هو من ارتكب الخطأ في المقام الأول.»  

 

عندما صفعته اليد التي لم يتمكن من إمساكها على جبينه، عبس سوبارو بصمت. وبعد مشاهدة تبادل الحديث بينهما، اقترب فيري بخفية من أذن كروش وهمس:  

«حقًا…؟ كدت تفقد ملابسك؟»  

في تلك اللحظة، ومع ويلهيلم الذي كان يحدق بعيدًا، كان عليه أن يقولها.  

 

بطريقة غريبة، وضعت ترتيبات الجلوس فيلهيلم بجوار راينهارد مباشرة، مما كان مشهدًا غير مريح لسوبارو ولكل من يعرف العلاقة بينهما.  

«وفي المرة التالية التي كنت فيها في العاصمة—آه، كنت مع بريسيلا حين دخلت معهم في شجار، وبعدها عادوا بأصدقاء أكثر لمحاولة الانتقام. لدي الكثير من الذكريات مع هذا الرجل…»  

 

 

 

«من وجهة نظر بيتي، يبدو أنه مجرد قمامة لا أكثر.»  

 

 

«حسنًا، كفى. هذا يكفي الآن.»  

كانت ردود فعل إميليا وبياتريس مختلفة تجاه ذكريات سوبارو. وأثناء استماعهم لهذا النقاش، بدا على جوشوا مزيج من القلق والجدية، بينما رفع لاشينز يديه مستسلمًا، وقد شحب وجهه بشكل واضح.  

 

 

 

«ا-انتظروا، انتظروا. نعم، ربما حدث كل ذلك، لكن لم يحدث أي شيء خطير في المرتين، أليس كذلك؟ الأمر انتهى وأصبح من الماضي، فلننسَ ذلك ونتحدث بعقلانية، أليس كذلك؟»  

 

 

 

«ممم، لا أمانع كثيرًا، لكن لا يمكنك التصرف وكأنك مذنب في مثل هذا الوقت وإلا سيتحول الأمر إلى قضية أمن قومي…»  

 

 

 

حاول لاشينز إنقاذ الموقف، لكنه كان في موقف ضعيف بشكل واضح. بدا أن أفضل خطوة يمكن اتخاذها هي تقييده وجعله يعترف بما يخطط له.  

 

 

 

«على هذه الحال—غارفيل، قم بتقييده و… ها؟»  

 

 

دون أن يدرك، شعر سوبارو أن الدموع بدأت تترقرق في عينيه وهو ينظر إلى تعبير ويلهيلم. حرارة اجتاحت مؤخرة عينيه، وصدره امتلأ بمشاعر لم يستطع تفسيرها عندما رأى وجه شخص واقع في الحب. لكنه أدرك أن البكاء في موقف كهذا سيسبب حرجًا كبيرًا لويلهيلم.  

«…»  

«إذًا ستكون هذه المرة الأولى التي تسمع فيها أغانيها، هاه؟ أظنها ستترك أثرًا كبيرًا فيك.»  

 

«حتى لو وافق، من الحكمة أن نتوقع شروطًا أكثر قسوة منه.»  

أراد سوبارو الاعتماد على قوة غارفيل الجبارة، لكنه لم يتلقَّ أي رد. وعندما نظر إليه لمعرفة سبب صمته، وجده محدقًا في الشارع أمام النزل، غير مكترث بلاشينز.  

كان شعلة حمراء متوهجة—لا، إنها يد تلوح. إنه شخص يشبه النار. لا، إنه إنسان.  

 

«—ماذا؟» 

رأى سوبارو عيني غارفيل اليشمية تتسعان بينما تقلصت حدقتاه بفعل التوتر. كان كل شعر في جسده واقفًا، ووقف مستعدًا، مع أنيابه ومخالبه وعضلاته في حالة من التوتر الشديد.  

 

 

«همم، يبدو أن التحضيرات للعشاء قد اكتملت. هل تمانعون في إحضاره؟»  

من نظرة واحدة فقط، أدرك سوبارو أن غارفيل استشعر خطرًا داهمًا، مما أشعل التوتر في الجميع. شيء ما كان يحدث بلا شك.  

 

 

طوت فيلت ذراعيها وهي تحدق في سوبارو، الذي بدا مرتبكًا، يحاول اللحاق بإيقاعها السريع. ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة أكثر شقاوة.  

وعندما وجه الجميع أنظارهم نحو مصدر إنذار غارفيل—  

«هل تقصد أن هناك المزيد من المفاجآت في الطريق؟»  

 

«حسنًا، لا تبدو لي أكثر من جدّ خائف من أن يكرهه حفيده.»  

«—لاشينز. كنت أتساءل عمّا حدث عندما لم تعد. هل هناك مشكلة ما؟»  

«حسنًا، صحيح. إذًا ما سبب هذا الرد فعل؟ ربما إذا أمسكت بيد إميليا-تان، ستأتيني الإجابة. هل يمكنني أن أمسك يدك؟»  

 

 

للحظة، كان سوبارو واثقًا أن القادم أشبه بلهب مشتعلة.  

ربما كان ما يفكر فيه الآن تصرفًا فظًا ومتهورًا. ومع ذلك، قرر المضي قدمًا—  

 

«فهمت، إذن أنت درع السيدة إميليا. يسرني التعرف عليك. كنت أتمنى لقاءك ولو مرة واحدة.»  

كان شعلة حمراء متوهجة—لا، إنها يد تلوح. إنه شخص يشبه النار. لا، إنه إنسان.  

 

 

 

بشعر أحمر مشتعل كأنه لهب متأجج، وعينين زرقاوين كأنهما تحويان السماء ذاتها، وقف رجل طويل القامة يرتدي ثيابًا بيضاء بالكامل، بوجه وسيم يحفر نفسه في الذاكرة للأبد من مجرد نظرة واحدة.  

«أنا حليف العدالة. وفي هذه الحالة، أعتقد أنه لا خيار أمامك سوى الاعتذار لأخي صديقي الأصغر.»  

 

 

لم يكن هناك شك في الإحساس الذي اجتاح جسد سوبارو بأكمله. هذا ما يحدث عندما تقع عينا إنسان عادي على بطل.  

 

 

 

هذه اللحظة كانت لقاءً نادرًا بكل ما للكلمة من معنى.  

وكان سوبارو ناتسوكي سيدًا في كل هذه المهارات المشكوك فيها.  

 

***

الوحيد الذي قد يخطئ أحد في وصفه كان شعلة مفتوحة. الرجل الذي كان اسمه—  

 

 

 

«—!!»  

بينما لمس سوبارو طرف شعرها المربوط، أشارت إميليا إلى الطاولة وهي تعرض اقتراحها البديل. رضخ سوبارو على مضض، وعندها لاحظ فجأة أن كل الأعين في الغرفة كانت موجهة نحوهما.  

 

كان يعتقد أن الصداقة تعني التساوي. وحتى لو لم يكن ذلك يهم راينهارد، فإن سوبارو شعر بأنه مدين له بدين لا يمكن إنكاره. كيف يمكنه أن يطلق على نفسه صديقًا لراينهارد دون أن يسدد هذا الدين؟  

قبل أن يتمكن سوبارو من نطق اسمه، اختفى غارفيل من جانبه تمامًا.  

 

 

مدّ ويلهيلم يده وقبل مساعدة سوبارو للصعود. وفي اللحظة التي شعر فيها سوبارو بثقل جسد المبارز العجوز عبر ذراعه، اجتاحت ذهنه ذكرى من قاعة الاستقبال للحظة قصيرة.  

مع زئير انطلق من أعماق حنجرته، تضخمت ذراع غارفيل ونمت عليها مخالب حادة. اندفع بهجوم مباشر وقوي نحو الرجل الذي ظهر للتو.  

 

 

 

لم يكن هناك وقت لإيقاف غارفيل. لقد كانت ضربة استباقية أغلقت المسافة بسرعة مذهلة. مثل هذه الضربة العنيفة يمكنها بسهولة شق لوح حديدي.  

 

 

«حتى أنا لا أفهم ذلك… على أي حال، من موقعك كحارس شخصي، كيف ترى كيريتاكا الآن؟»  

وبينما كانت المخالب تقترب من جانب وجه الرجل الوسيم— 

—لماذا استعان فيلهيلم بقوة عائلة كروش بدلاً من عائلته؟  

 

 

***

 

 

رغم فقدان ذكرياتها، لم يتغير جوهر المرأة العادلة والنزيهة كروش كارستن. بقيت مخلصة لطريقتها في الحياة.  

«—أعتذر. يبدو أنني أخفتكم.»  

 

 

«مرت فترة طويلة يا يوليوس. أعتقد أن آخر مرة التقينا فيها كانت خلال زيارتنا لشركة هوشين؟»  

بصوت يحمل صدى ابتسامة مُتعبة، تصدى الرجل لأقوى هجوم استطاع غارفيل توجيهه.  

هذا ما أكدته إميليا، وبلا شك كان حجة منطقية. بناءً على ذلك، قررت إميليا التوقف عن الاعتماد على عباءة الإخفاء، كاشفة عن وجهها الساحر، مما يعني أنه لم يعد هناك مجال لإخفاء كونها نصف إلف. ومع ذلك، كانت الأحكام المسبقة ضد الإلف ذوي الشعر الفضي عميقة ومتجذرة، لذا كان رد فعل الكثيرين عند رؤيتها قويًا، سواء كان إيجابيًا أم سلبيًا.  

 

 

«…»  

هذا الرجل كان يتبع قواعد مختلفة ويعمل وفق منطق يتجاوز كل تصور. لم يكن هناك أدنى شك في هوية هذا الشخص—  

 

 

المشهد الخارق جعل سوبارو عاجزًا عن الكلام، بينما تجمد غارفيل في مكانه مصدومًا.  

تركت إميليا درابزين الجسر، وابتسمت بخفة قبل أن تخطو خطوة إلى الوراء. ربما لأنها كانت متحمسة جدًا لرؤية المعالم، اصطدمت برفق بشخص كان يمر بجانبها.  

 

 

يد الرجل المرفوعة أوقفت ذراع غارفيل القوية. المخلب الوحشي، الذي انطلق بلا أي تردد، توقف تمامًا وكأنهما في مسابقة مصارعة أذرع. كل ما أبداه الرجل كردة فعل كان ابتسامة باهتة انتشرت على ملامحه الهادئة.  

 

 

 

هذا الرجل كان يتبع قواعد مختلفة ويعمل وفق منطق يتجاوز كل تصور. لم يكن هناك أدنى شك في هوية هذا الشخص—  

 

 

لم يكن بإمكان سوبارو أن يعرف شعور راينهارد الحقيقي.  

«—راينهارد.»  

 

 

 

همس سوبارو بصوت متقطع الأنفاس. جلبت كلماته ابتسامة ناعمة أخرى إلى شفتي الرجل الشاب. وفي لحظة، تبددت كل مشاعر الدهشة والتوتر التي غمرت سوبارو، وتحولت إلى راحة عذبة.  

عبس راينهارد قليلاً وهو ينظر إلى سيدته الصغيرة، محاولًا بصعوبة الحفاظ على هدوئه.  

 

«هاه! ومن يرضى بذوقك في الأزياء؟ كانت جولة الاستكشاف مجرد حيلة للحصول على ملابس جديدة. افهم شخصيتي جيدًا، راينهارد العزيز.»  

بابتسامة واحدة فقط، استطاع راينهارد أن يغرس الطمأنينة المطلقة في النفوس. تلك كانت دلالة على قوته التي لا مثيل لها.  

 

 

 

ثم أومأ الرجل الشاب مرة واحدة نحو سوبارو—  

 

 

 

«مرحبًا، لقد مر وقت طويل، سوبارو. سمعت بعض الشائعات. يسعدني أن أراك في صحة جيدة.»  

 

 

 

نعم، كان قديس السيف راينهارد فان أستريا سعيدًا بلقاء سوبارو من جديد، ودودًا كما كان دائمًا.  

‹‹هل يمكنك التوقف عن قول أشياء فظة كهذه، أتساءل؟ أنا أكبر منك سنًا.››  

 

 

***  

 

 

الشخص الذي كان يجلس إلى جانب كروش ويمازح سوبارو بكلمات لاذعة كان الشاب الوسيم ذو أذني القطة — أو بالأحرى، الفتى الذي يُدعى فيريس.  

«بالمناسبة، سوبارو، أعلم أنه مضى عام كامل، وهناك الكثير مما أود التحدث عنه، ولكن…»  

 

 

ربما كان هذا الجانب من شخصيته هو الأكثر خطورة على الإطلاق.  

«آآه، أجل، ما الأمر؟»  

ألم يكن هناك شيء، أي شيء على الإطلاق، يمكنه فعله من أجل صديقه راينهارد؟  

 

‹‹حقًا؟ إذا كان أحد الطرفين يخصّنا، من الأفضل أن نتعجل.»›  

«أولاً، هل يمكنك أن تطلب منه التوقف؟ إنه صديقك، أليس كذلك؟»  

تألقت عينا فيلت بلمعان شديد، واندفعت واقفةً بحماسة.  

 

 

بينما كان يتحدث، كانت نظرات راينهارد موجهة إلى غارفيل، الذي لا يزال يمسك ذراعه بقوة. بالطبع، لم يكن لدى راينهارد نية عدائية، ولا سبب لمواصلة الإمساك. وبمعنى آخر، السبب الوحيد لعدم إفلات ذراعه كان أن غارفيل لم يكن مستعدًا للتراجع بعد.  

«تلك الأصوات… أعتقد أن أحدها يبدو مثل صوت جوشوا!»  

 

«—!!»  

«اهدأ يا غارفيل. هذا راينهارد، صديقي… لا داعي للقلق.»  

 

 

 

أمسك سوبارو بكتف غارفيل، مترددًا للحظة قبل أن يقرر كيف يصف علاقته براينهارد.  

 

 

«آنسة إميليا، أعتذر لأنني لم أتمكن من التواصل معكم. ولحسن الحظ، بفضل دقة غارفيل في الهجوم، استطعت إيقافه دون أي مشاكل. يسعدني أننا كلانا بخير.»  

فورًا، اندفعت إلى ذهنه آخر ذكرى له مع راينهارد منذ عام مضى. كانت ذكرى مريرة؛ فقد أبعد راينهارد عنه عندما جاء للاعتذار عن عدم منعه لجوليوس من ضرب سوبارو في ساحة التدريب.  

—لأن المهم ليس من أين تبدأ، بل إلى أين تنتهي.  

 

على أي حال، كان هذا التبادل الودي إشارة على أن الأمور هدأت إلى حد كبير، فاغتنم سوبارو الفرصة ليُطلق سعلة خفيفة ويعيد النقاش إلى مساره الصحيح.  

سوبارو الحالي كان يدرك بوضوح أن سوبارو السابق لم يكن يفعل سوى تفريغ غضبه على أي شخص قريب.  

 

 

قال ديناس هذه الكلمات بابتسامة تنم عن تواضع، ما زاد من حيرة سوبارو الذي بادلها بابتسامة مُتعبة.  

«كما أوضح سوبارو للتو. أنا صديقه، راينهارد فان أستريا. سأكون ممتنًا إن أخبرتني باسمك.»  

 

 

 

متجاهلًا الصراع الداخلي الذي يعيشه سوبارو، وصفه راينهارد فورًا بأنه صديقه. وعلاوة على ذلك، أطلق ذراع غارفيل ونظر مباشرة في عينيه.  

ما أثار قلق سوبارو، وهو ما أكّدته بياتريس للتو، كان رد فعل الرجل تجاه إميليا. بعد مرور عام على إعلان ترشحها للاختيار الملكي، توقفت إميليا عن ارتداء عباءة «إخفاء الهوية» التي كانت لا تفارقها في السابق أثناء الخروج. 

 

 

تحت تلك النظرة، سحب غارفيل ذراعه وأطلق تنهيدة عميقة وطويلة.  

 

 

 

«—غارفيل. غارفيل تينزيل.»  

تنهد سوبارو بعمق.  

 

 

«فهمت، إذن أنت درع السيدة إميليا. يسرني التعرف عليك. كنت أتمنى لقاءك ولو مرة واحدة.»  

 

 

 

بينما كان يتحدث، مدّ راينهارد يده بحثًا عن مصافحة. لم يكن في كلماته أي أثر للسخرية. لم يكن هناك سوى الإشادة الصادقة والفرح البسيط.  

 

 

«وإن لم يسامحك على الفور، استمر في الاعتذار حتى يفعل. في الأساس، الاعتذار ليس من أجل أن يسامحك أحد، أليس كذلك؟ الاعتذار يأتي لأنك تريد الاعتذار. إنها رغبة أنانية ومزاجية. أعني، الشخص الذي يعتذر هو من ارتكب الخطأ في المقام الأول.»  

بعد كل ما حدث للتو، لا بد أن صدمة غارفيل كانت هائلة.  

تألقت عينا فيلت بلمعان شديد، واندفعت واقفةً بحماسة.  

 

 

«—ماذا؟» 

***

 

في اليوم الأول الذي استُدعي فيه إلى هذا العالم الآخر، تكررت لقاءاته المصيرية مع هذه العصابة المكونة من ثلاثة أشرار. لم يكن يعطيهم أي أهمية تُذكر منذ تلك الأيام البعيدة، لكن من كان ليظن أنهم سيلتقون مجددًا بهذه الطريقة؟  

***

بينما كان غارقًا في أفكاره، قادته قدماه إلى الحديقة، فتوقف فجأة عند المشهد الذي استقبله هناك.  

 

«عادة سيئة، تقول… لا، في البداية، أنا لست ذلك الرجل النبيل. لست أتمنى سعادة الجميع في كل مكان أو شيء من هذا القبيل. أنا رجل أعتقد أن سعادة من حولي فقط تكفيني.»  

«—ما هذا؟»  

 

 

«في النهاية، لأنني لم أفكر بشكل كافٍ، فشلت مفاوضات اليوم، لذا…»  

خرج صوت متلعثم من غارفيل، غارق في حالة من الذهول.  

 

 

 

بينما كان راينهارد ينتظر المصافحة، تراجع غارفيل خطوة واحدة— إلى الخلف.  

 

 

وكان أول من تخطى تردده ليس أناستاسيا، مضيفة الوليمة، بل—  

ذلك الفعل، التراجع اللاإرادي، جعله يفتح عينيه على اتساعهما عندما أدرك ما حدث. هذه كانت المرة الأولى التي يختبر فيها شيئًا كهذا.  

توقف راينهارد عن الكلام، وهو ينقل نظره بين سوبارو وإميليا.  

 

 

«…»  

 

 

الرجل ذو الرداء الأبيض أومأ برأسه ردًا على اعتذار إميليا.  

لمعت عينا راينهارد بحزن خفيف عند رؤيته لذلك، لكنه سحب يده التي كان قد مدها دون أي تردد.  

 

 

 

«أعتذر إن كنت قد أزعجتك. سأكون أكثر حذرًا في المستقبل.»  

 

 

في نظر سوبارو، لم يكن هناك شخص يناسب سماءً مضاءة بنور القمر أكثر من إميليا.  

عند سماعه لذلك، هز غارفيل رأسه وكأن شيئًا مرًا قد وصل إلى شفتيه.  

«لماذا لا أستطيع التحدث بهذه الطريقة مع حفيدي؟»  

 

«لماذا لا أستطيع التحدث بهذه الطريقة مع حفيدي؟»  

«راينهارد، أنا آسف جدًا… هل أصابك أي مكروه؟»  

«حوت، تقول؟»  

 

***

في تلك اللحظة، هرعت إميليا بخطوات صغيرة لتعتذر عن تصرف غارفيل العنيف المفاجئ. الطريقة المفرطة في الهدوء التي تعامل بها راينهارد مع الموقف جعلت سوبارو ينسى للحظة أن ما حدث كان بالفعل تصرفًا إشكاليًا للغاية.  

«لكن هذا الأمر يزعجك، أليس كذلك، السيد ويلهيلم؟»  

 

 

كان مثل هذا التصرف عادةً يهدد بإشعال مواجهة مفتوحة بين طرفين متنافسين.  

ابتسمت إميليا ابتسامة ناعمة بينما ازداد احمرار وجه بياتريس. هي الأخرى كانت ترتدي يوكاتا، وشعرها الفضي المبلل لا يزال مربوطًا بدقة خلف رأسها.  

 

 

«آنسة إميليا، أعتذر لأنني لم أتمكن من التواصل معكم. ولحسن الحظ، بفضل دقة غارفيل في الهجوم، استطعت إيقافه دون أي مشاكل. يسعدني أننا كلانا بخير.»  

 

 

في الواقع، لم يكن واضحًا له حتى الآن كيف أصبحا صديقين في المقام الأول. كان هناك أوقات شعر فيها بالقلق من أن صداقتهما قد تكون تشكّلت بسهولة بالغة. وربما كان جزء من هذا بسبب اعتقاده بأن راينهارد لم يختبر يومًا شعور العجز أو الجهل.  

«نعم، أنا سعيدة أيضًا. يا له من أمر مريح.»  

 

 

«هذا صحيح، المرة الوحيدة التي تعرض فيها لخطر حقيقي كانت مع عنكبوت الأرض. أعتقد أنها مرحلة يمر بها أغلب الفتيان في عمر معين… حسنًا، سأراقب بهدوء الآن.»  

تصرف راينهارد وكأن الأمر كان بلا أهمية— وربما كان كذلك فعلًا من منظوره. فقد بدأ بالفعل في طمأنة إميليا بأن ما حدث لم يكن مشكلة تُذكر.  

«… لقد سببت لكم السيدة ليليانا قدرًا لا بأس به من المتاعب في ذلك الحين أيضًا، أليس كذلك؟»  

 

وعلى الرغم من خلوّ وجهه من التعابير، كان داخله نار تشتعل وكأنها تحرق روحه ذاتها.  

وضعت إميليا يدها على صدرها، تنفست الصعداء بعد سماع رده. ثم صرخت قائلة: «صحيح، صحيح!» وصفقت بيديها مع لمعان في عينيها البنفسجيتين. «سمعت الكثير عن فيلت. لقد أنجزت الكثير مؤخرًا، أليس كذلك؟»  

«لقد أصبحتُ على ما يبدو أكثر عاطفية مما ينبغي. حان الوقت أخيرًا لإنهاء قصص رجل عجوز طويلة.»  

 

«ليس من حقي أن أشعر بالانزعاج حيال هذا. تلك هي الكلمات التي لقّنتها لحفيدي… لراينهارد حينها. كانت كلمات مشينة وغير مبررة… بل لا تغتفر.»  

«بالمقارنة مع الإنجازات الرائعة لآنسة إميليا، ما حققته يظل بسيطًا للغاية، حتى أنها كثيرًا ما تؤنبني على عدم دعمي لها بالشكل اللائق. خصوصًا بعدما سمعت عن أفعال سوبارو البطولية.»  

استمعت إميليا إلى رد جوشوا، ووضعت إصبعها على شفتيها وهي تفكر بعمق. وفي مكانها، تمتم سوبارو:  

 

لطالما اعتاد رؤيتها بفساتينها المترفة، لكن رؤية بياتريس ترتدي “يوكاتا” كانت مفاجأة كبيرة.  

ضحكت إميليا بخجل وقالت: «تي-هي-هي. هذا صحيح، سوبارو رائع جدًا. أنا فخورة جدًا بفارسي.»  

 

 

 

عندما قدّم راينهارد مجاملته الصادقة تمامًا، انتفخت إميليا بفخر وهي ترفع صدرها. أما سوبارو فشعر بمزيج من الفخر والإحراج بسبب الطريقة التي تحدثت بها عنه.  

«أولًا، تحدّث معه حتى يملّ منك. وإذا صدّك، فلا بأس. أعني، أنا دائمًا أتحدث مع إميليا-تان بعقلية أن نجاحي قد يكون مرة واحدة فقط من أصل مئة محاولة.»  

 

 

على أي حال، كان هذا التبادل الودي إشارة على أن الأمور هدأت إلى حد كبير، فاغتنم سوبارو الفرصة ليُطلق سعلة خفيفة ويعيد النقاش إلى مساره الصحيح.  

 

 

«هاه؟! إذًا أنتِ مع ليليانا ضدي؟!»  

«لقد انحرفنا كثيرًا، لذا دعونا نعود إلى الموضوع… هل تعرف شيئًا عن هذا الشخص المدعو لاشينز؟»  

«السيد ويلهيلم، يبدو وكأنك لا تعتقد أنك تستحق أن تطلق على نفسك لقب جد راينهارد أو ما شابه ذلك.»  

 

 

كان ظهور راينهارد لحظة مؤثرة لدرجة أن سوبارو اضطر إلى الإشارة تحديدًا إلى لاشينز، الذي كاد أن يُنسى تمامًا.  

أدار رأسه نحو زاوية الطريق أمامهم، واستنشق الهواء بصوت مسموع بينما تمتم بذلك. وبعد لحظات، سُمعت بالفعل أصوات جدال قادمة من الشارع الأمامي.  

 

 

«نعم،» أجاب راينهارد، مومئًا برأسه ردًا على السؤال. «حاليًا، يعمل لاشينز كمرافق للسيدة فيلت. رغم أن هناك العديد من الجوانب التي ما زال يفتقر إليها، إلا أنه يمتلك بعض المزايا التي جعلت السيدة فيلت تُعجب به.»  

 

 

«حتى الآن؟»  

«فيلت وظّفت هذا الشخص؟!»  

 

 

«لذيذ جدًا! آه، لقد مر زمن طويل منذ أن تذوقت الساشيمي! هذا أفضل شيء! أنتِ رائعة، أناستاسيا!» 

«قد يجعلك هذا تشعر ببعض التناقض. كنت حاضرًا أيضًا عندما واجهوك في ذلك الزقاق يا سوبارو. لكن الكثير قد حدث منذ ذلك الحين… الثلاثة الآن في طور إصلاح أنفسهم. أود منك أن تمنحهم فرصة.»  

«…حسنًا، أعتقد أن هذا مطمئن.»  

 

«على أي حال، غارفيل موجود هنا في حال حدوث أي طارئ، ومع وجود هؤلاء الأشخاص، يبدو أن القلق من الأساس لا داعي له.»  

«أممم، حسنًا، سأكون كاذبًا إذا قلت إن الأمر لا يزعجني على الإطلاق… انتظر لحظة، هل وظّفت الثلاثة بأكملهم؟!»  

«أوووه، مضى وقت طويل منذ أن رأيتك تتحدث بهذه الأجواء الرومانسية. إذًا، كان لدى السيد ويلهيلم لحظات كهذه أيضًا، هاه؟»  

 

‹‹هل يمكنك التوقف عن قول أشياء فظة كهذه، أتساءل؟ أنا أكبر منك سنًا.››  

رفع سوبارو رأسه نحو السماء، وهو يدرك كم من الألاعيب كانت تلعبها الأقدار معه فيما يخص هؤلاء الثلاثة، الذين كان قد أطلق عليهم يومًا ما أسماء لاري وكيرلي ومو في ذهنه.  

 

 

 

في اليوم الأول الذي استُدعي فيه إلى هذا العالم الآخر، تكررت لقاءاته المصيرية مع هذه العصابة المكونة من ثلاثة أشرار. لم يكن يعطيهم أي أهمية تُذكر منذ تلك الأيام البعيدة، لكن من كان ليظن أنهم سيلتقون مجددًا بهذه الطريقة؟  

بينما كان راينهارد ينتظر المصافحة، تراجع غارفيل خطوة واحدة— إلى الخلف.  

 

 

«هاي، هاي، هاي، لقد كنت على حق طوال الوقت، اللعنة!» 

«أجل، أعتقد ذلك. أعتذر على الإزعاج بهذه الطريقة. لكن هذه فرصة جيدة لرؤية الجميع. مثل هذه المناسبات نادرًا ما تتكرر.»  

 

 

***

 

 

«حسنًا، كفى. هذا يكفي الآن.»  

في تلك اللحظة تحديدًا، استعاد لاشينز حيويته بعد أن ظل صامتًا منذ أن انقلبت الأمور ضده. أشار بأصبعه نحو سوبارو، وإميليا، ثم جوشوا بغضب.  

أبرز هذه القضايا كانت العقبة التي واجهها غارفيل.  

 

«—ما هذا؟»  

«أنتم جميعًا! تشكون في شخص يأتيكم زائرًا هكذا؟! اعتذروا فورًا! على ركبكم وأيديكم!!»  

 

 

 

«لاشينز، لقد قلت لك هذا مرارًا وتكرارًا: ينقصك الوعي بوظيفتك كمرافق. والآن أفهم ما أدى إلى تفاقم هذا الوضع. للأسف، من الصعب عليّ أن أدعمك.»  

في نهاية كل تلك الكلمات العابثة، كشف سوبارو عن الحقيقة التي ستصبح على الأرجح مفتاح الحل.  

 

 

«مع مَن تقف أنت بالضبط؟!»  

***

 

«فيري، أليس هذا كلامًا وقحًا؟ السيد سوبارو ليس غير مخلص إلى هذا الحد ليحدق في أي شخص.»  

«أنا حليف العدالة. وفي هذه الحالة، أعتقد أنه لا خيار أمامك سوى الاعتذار لأخي صديقي الأصغر.»  

 

 

 

ردّ راينهارد على صراخ لاشينز ببرود، ثم وجه ابتسامة سريعة إلى جوشوا. رد جوشوا الإيماءة بتعبير متوتر.  

أي شخص يرى تعبيره في تلك اللحظة كان سيدرك أنه ما زال عاشقًا لها.  

 

«… يبدو أنك قرأتني جيدًا، يا سيد سوبارو.»  

«لقد مر وقت طويل يا سيد راينهارد. أعتذر عن الإزعاج الكبير الذي تسبب فيه تقصيري…»  

«يا إلهي، حتى الجد ويل يشكك في مشاعر فيريس؟»  

 

«إذن هو اسم يبدأ بـ”لا” على كل حال.»

«الخطأ يقع علينا أيضًا، جوشوا. أعتذر لأن مبعوثنا تسبب في مثل هذا الالتباس الكبير. السيدة فيلت ممتنة للغاية لدعوة السيدة أنستاسيا.»  

«آه، لم أقصد إلقاء اللوم عليك يا سوبارو. أنا فقط غاضبة قليلًا.»  

 

تركت النظرة الحائرة البريئة على وجه إميليا، وكلماتها الخافتة، سوبارو عاجزًا عن الوقوف من شدة تأثيرها عليه.  

«سماعك تقول ذلك يُخفف من ألمي…»  

 

 

 

كان العناد المرتسم على وجه جوشوا يوحي بأن رده لم يكن صادقًا تمامًا. لاحظ راينهارد ذلك وابتسم بابتسامة متكلفة بينما رفع سوبارو يده قائلاً:  

لم يكن بإمكان سوبارو أن يعرف شعور راينهارد الحقيقي.  

 

 

«انتظر لحظة، استنادًا إلى ما قلته، هل يمكننا أن نفترض أن فيلت هنا معك أيضًا؟»  

«لأكون صريحًا، لم أكن أنا الوحيد الذي أخفق اليوم. هذا يشملكِ أنتِ أيضًا.»  

 

 

«نعم، هذا صحيح. السيدة أنستاسيا دعتها. قالت إنها تريد تبادل المعلومات بشكل مفيد. بما أن هذه هي السيدة أنستاسيا، افترضتُ أنها تسعى للحصول على منفعة معينة، ولكن…»  

***

 

كانت ليلة هادئة. ورغم أن نزل الينابيع الساخنة يضم مناطق مكشوفة بشكل مفرط من حيث الدفاعات، إلا أن تشكيلة الضيوف المقيمين حاليًا جعلت أي شخص يفكر في الاقتحام يستحق الشفقة أكثر من أي شيء آخر.  

توقف راينهارد عن الكلام، وهو ينقل نظره بين سوبارو وإميليا.  

شكت كروش بعينين دامعتين بينما حاول سوبارو الانسحاب نحو العشاء.  

 

 

«أن أجد السيدة إميليا ورفاقها هنا أيضًا، فهذا عكس توقعاتي. وربما هذا ليس نهاية الأمر.»  

 

 

 

«هل تقصد أن هناك المزيد من المفاجآت في الطريق؟»  

 

 

«كنت فقط أتذكر كلمات سحرية من المرأة التي أحترمها أكثر من أي شخص آخر في هذا العالم.»  

«أقول إن ذلك ممكن جدًا. ما رأيك يا جوشوا؟»  

وهو يخرج لسانه الطويل بامتعاض، انطلق لاشينز كأنه يفر من المكان. ومع ذلك، لم ينس أن يوجه نظرة غاضبة نحو جوشوا، خصمه في الجدال. كان بالفعل مثالًا حيًا على الشخص الذي يتسم بالتفاهة.  

 

كان قد استسلم لفكرة أن العلاقة بينهما ميؤوس منها لدرجة أنها قد تزداد سوءًا فقط، ومع ذلك—  

عندما انتقل مسار الحديث إلى جوشوا، الشريك في التخطيط لهذا التجمع، أعاد الشاب تركيب نظارته الأحادية في موضعها الصحيح.  

 

 

 

«همم، لا أدري،» قال متظاهرًا بعدم المعرفة، في إشارة واضحة إلى أنه استعاد بعضاً من هدوئه المعتاد. أومأ راينهارد برأسه، ثم نظر إلى لاشينز.  

 

 

 

«السيدة فيلت تتجول في المدينة مع غاستون والبقية. من فضلك أخبرهم أنني سأقوم بالتحدث مع الموجودين هنا مسبقًا، كما طُلب مني.»  

استقبلته بياتريس بابتسامة متباهية، خدودها المتوردة قليلاً بعد الاستحمام أضفت لمسة إضافية على جمالها، لكنه لم يُفاجأ لهذا السبب فقط.  

 

 

«حسنًا، حسنًا. وماذا عنك؟ ألا تحتاج للعودة أيضًا؟»  

«من أجل الانتقام لزوجتي، صرفتُ نظري عن هذا الندم. والآن، بعد أن انتقمتُ لها، أعلم أن هذا هو الوقت المناسب لمقابلته.»  

 

لذلك، لم يكن لدى راينهارد سوى هذا الرد ليقدمه في المقابل.  

«إذا كنت برفقتها، ستشكو السيدة فيلت من أنها لا تستطيع التصرف بحرية. ولكن… السيد روم ليس معها حاليًا. إذا حاولت فعل شيء خطير، امنعها بكل قوتك. وإذا حدث أي طارئ، ارفع الإشارة. سأكون عندكم في غضون خمس ثوانٍ.»  

همس سوبارو بصوت متقطع الأنفاس. جلبت كلماته ابتسامة ناعمة أخرى إلى شفتي الرجل الشاب. وفي لحظة، تبددت كل مشاعر الدهشة والتوتر التي غمرت سوبارو، وتحولت إلى راحة عذبة.  

 

«—!!»  

«الفكرة أنك جاد في هذا تخيفني إلى أبعد الحدود.»  

 

 

فورًا، اندفعت إلى ذهنه آخر ذكرى له مع راينهارد منذ عام مضى. كانت ذكرى مريرة؛ فقد أبعد راينهارد عنه عندما جاء للاعتذار عن عدم منعه لجوليوس من ضرب سوبارو في ساحة التدريب.  

وهو يخرج لسانه الطويل بامتعاض، انطلق لاشينز كأنه يفر من المكان. ومع ذلك، لم ينس أن يوجه نظرة غاضبة نحو جوشوا، خصمه في الجدال. كان بالفعل مثالًا حيًا على الشخص الذي يتسم بالتفاهة.  

استغرقت وقتًا طويلًا لاستيعاب الأمر، لكن حتى ليليانا استجابت أخيرًا لرجاء ديناس الصادق.  

 

«راينهارد؟»  

«حسنًا، فلندخل الآن. علينا إبلاغ أنستاسيا بأن راينهارد وأصدقاؤه قد وصلوا، أليس كذلك؟»  

 

 

«أقول إن ذلك ممكن جدًا. ما رأيك يا جوشوا؟»  

«حسنًا، أعتقد أن هذا عمل جوشوا، ولكن طالما أننا جميعًا هنا، فلندخل معًا.»  

بطريقة غريبة، وضعت ترتيبات الجلوس فيلهيلم بجوار راينهارد مباشرة، مما كان مشهدًا غير مريح لسوبارو ولكل من يعرف العلاقة بينهما.  

 

بين الحين والآخر، كانت إميليا تحدق في سطح الماء وتغرق في تفكير عميق، لكنها كانت تعمد إلى التهرب من أي ملاحظات عن ذلك بابتسامة.  

عندما وافق سوبارو على اقتراح إميليا، تبعهم جوشوا، ودخل الجميع النزل. الشيء الوحيد الذي أزعج سوبارو كان غارفيل، الذي تبعهم بتعبير كئيب لم يتغير.  

هذا ما أخبرته بياتريس بعد وقت قصير من إبرام العقد.  

 

 

كان من الواضح أن السبب يعود إلى ما حدث سابقًا. وبينما كان سوبارو يفكر فيما يمكن أن يقوله له—  

أظهرت تعابير وجه بياتريس عمق اتفاقها مع همهمة سوبارو، بينما غارفيل، الذي كان يفتقر إلى السياق لفهم المعنى، نقر لسانه كما لو أنه يشعر بالإحباط، وراح يحدق في سطح الماء.  

 

 

«أتساءل، أليست هذه فرصة جيدة لغارفيل ليدرك أن هناك من هو أعلى منه شأنًا؟»  

«مؤلم أن أسمعك تقولين هذا لأنني مررت بما يكفي من تلك التجارب سابقًا.»  

 

 

«بياتريس…» 

الوحيد الذي قد يخطئ أحد في وصفه كان شعلة مفتوحة. الرجل الذي كان اسمه—  

 

 

***

 

 

 

لاحظت بياتريس نظرات سوبارو، فقبضت بلطف على كمّه وهمست له قائلة:  

«البناء الياباني، أليس كذلك؟ بصراحة، أنا مهتم به أيضًا، لكن لأسباب مختلفة عن إميليا-تان.»  

 

شعر سوبارو بالذنب عندما ذُكر ما حدث في شركة ميوز، لكنه لاحظ أن إميليا بدأت تركض بخطى سريعة فجأة. لم تلتفت إليه بينما كانت تقول:  

«منذ أن غادر الغابة، لم يواجه غارفيل أي مقاومة حقيقية باستثناء تحريك الأشياء الثقيلة. أعتقد أن هذا الدرس سيكون علاجًا مناسبًا بين الحين والآخر. فكر في الأمر كفرصة للتعلم واتركه وشأنه.»  

 

 

كان يكفي أنه يحمل مخاوف سرية بشأن إميليا وبياتريس.  

«هذا صحيح، المرة الوحيدة التي تعرض فيها لخطر حقيقي كانت مع عنكبوت الأرض. أعتقد أنها مرحلة يمر بها أغلب الفتيان في عمر معين… حسنًا، سأراقب بهدوء الآن.»  

استغرقت وقتًا طويلًا لاستيعاب الأمر، لكن حتى ليليانا استجابت أخيرًا لرجاء ديناس الصادق.  

 

 

«هل ستفعل، يا ترى؟»  

«أمام شخص وقح مثلك، أرفض أن أدعو أخي، فضلاً عن سيدي. أرجوك غادر هذا المكان بهدوء بينما أنا وحدي من يتعامل معك!» 

 

 

في الوقت الحالي، توصل سوبارو وبياتريس إلى تفاهم بشأن معاناة غارفيل. ثم أضافت بياتريس قبل أن تستأنف الحديث:  

 

 

 

«بالمناسبة، ذلك “قديس السيف”… بيتي تفضل عدم الاقتراب منه كثيرًا.»  

 

 

 

«—؟ ما القصة؟ لا تقولي إنه بسبب جاذبيته الزائدة مثل يوليوس؟»  

أعلن جوشوا أنهم وصلوا إلى وجهتهم تزامنًا مع انتهاء محادثتهم. وعندما رأى سوبارو حاجز الباب المنزلق لما أُطلق عليه اسم غرفة الشاي، شعر بروح الياباني داخله تنبض بالحياة.  

 

 

«الأمر يتعلق بخطورته الزائدة، على الأرجح. على أي حال، افعل ما بوسعك.»  

 

 

 

تجنبت بياتريس الخوض في التفاصيل وهي تبتعد عن راينهارد بخطوات هادئة وسريعة. لكنها توقفت فجأة عندما سمعت إميليا تقول:  

 

 

«أنت لا تفهم، أليس كذلك، أيها الصغير؟ سألقّنك درسًا لن تنساه!»  

«آه؟»  

«حسنًا، فلندخل الآن. علينا إبلاغ أنستاسيا بأن راينهارد وأصدقاؤه قد وصلوا، أليس كذلك؟»  

 

 

ثم نقرت على كتف جوشوا، الذي كان يقودهم عبر الممر.  

«همم، يبدو أن التحضيرات للعشاء قد اكتملت. هل تمانعون في إحضاره؟»  

 

 

«جوشوا، أعتقد أن قاعة الاستقبال تقع في اتجاه مختلف…»  

«لكنني لست الأقوى. وهذا غير كافٍ.»  

 

بالإضافة إلى ذلك، رأى سوبارو فرصة لتحقيق النصر. ففي النهاية، راينهارد—  

«أنا آسف. لكن السيدة أنستاسيا تستقبل ضيوفًا حاليًا، لذا لا يمكنني أن آخذكم مباشرة إلى قاعة الاستقبال.»  

«حتى يومنا هذا، ما زلت غير بارع في الكلمات، لكن ماضيّ كان أسوأ بكثير. كنت رجلًا قليل الكلام. عندما قابلت زوجتي لأول مرة، كان تفكيري مشغولًا فقط بتأرجح السيف، لا شك أنني كنت أُشعرها بالملل الشديد.»  

 

«أوه، كم أنت شكاك. هدفي ببساطة هو أن أتحادث معكم قليلاً. لهذا السبب لم أقم بدعوة أشخاص غير معقولين.»  

«فهمت. ضيوف…»  

 

 

«إ-إشاعة، يا ترى؟! سوبارو، بين بيتي وإميليا، من تصدق؟!»  

استمعت إميليا إلى رد جوشوا، ووضعت إصبعها على شفتيها وهي تفكر بعمق. وفي مكانها، تمتم سوبارو:  

 

 

 

«ضيوف، أليس كذلك… يعني ضيوفًا غير إميليا-تان ومبعوث فيلت، راينهارد؟»  

تنهد سوبارو بامتعاض وهو يعيد الجلوس، بعدما وُبّخ بعبارة تحمل معنى «في العجلة الندامة». وضعت كل من إميليا وبياتريس يديهما برفق على كتفيه لتهدئته.  

 

 

«…ستفهم قريبًا. ليس هناك داعٍ لأن تحدّق إليّ وكأنك وحش مفترس.»  

جالسًا بوضع رسمي في يوكاتا، جعلت كلمات “شيطان السيف” فيريس يلمس شفتيه بإصبعه.  

 

قبل أن يتمكن سوبارو من نطق اسمه، اختفى غارفيل من جانبه تمامًا.  

«مهلاً، وصف وحش مفترس قاسٍ جدًا. لا أبدو جائعًا أو متوحشًا إلى هذه الدرجة.»  

 

 

«آآآغغههه…»  

«ستفهم قريبًا دون الحاجة إلى رفع صوتك وكأنك وحش شيطاني.»  

 

 

 

«هذا أسوأ مما سبق. عن أي وحش شيطاني تتحدث؟ كلب؟ حوت؟ أرنب؟ اختر واحدًا.»  

 

 

 

بدأ سوبارو يستعرض في ذهنه قائمة الوحوش الشيطانية التي كانت لها التأثير الأقوى على ذاكرته. مؤخرًا، بدأ يتساءل عن مكانة العناكب في تلك القائمة. كما شعر بأن هناك شيئًا يشبه الأسد المشوي في مكان ما، لكنه لم يترك انطباعًا قويًا كالبقية.  

 

 

 

«حوت، تقول؟»  

 

 

تجاهلت فيلت تعليق راينهارد المليء باللوم، ووجهت حديثها إلى إميليا والباقيات. شعرت إميليا بالدهشة من مخاطبتها، لكنها لم تستغرق وقتًا طويلًا لتبتسم بدورها.  

بينما كان سوبارو يغوص في ذكرياته، تمتم راينهارد بجانبه بهدوء. وعندما استجاب له سوبارو، هز راينهارد رأسه ببطء يمينًا ويسارًا.  

 

 

«فهمت. سأكون أكثر حذرًا. هه، لقد أدهشني الأمر حقًا.»  

«عندما تقول حوتًا، هل تعني الحوت الأبيض يا سوبارو؟»  

 

 

 

«…نعم، هذا صحيح. أسوأ حوت عرفته البشرية. حقيقة أنني نجوت من تلك المعركة دون أن أموت تُعد معجزة بحد ذاتها.»  

ثم نقرت على كتف جوشوا، الذي كان يقودهم عبر الممر.  

 

«لـ-سيدة إميليا؟!»  

بالفعل، اعتبر سوبارو أنه معجزة حقيقية أنه لم يُقتل مرات أكثر أثناء قتال الحوت الأبيض.  

 

 

ليس هناك شك أن أغاني ليليانا تمتلك تلك القوة. فقد سبق لسوبارو أن أتيحت له فرصة الاستماع إلى منشدين آخرين غير ليليانا، لكن لم يكن أحدهم يضاهيها.  

لقد عقد العزم على الموت عدة مرات. ذاق طعم الموت مرارًا. كان هذا يعكس مدى تهديد ذلك الوحش الشيطاني، والأضرار التي ألحقها كانت صعبة النسيان. حتى الآن، كانت التضحيات تواصل إثقال صدره بالأسى.  

لقد عقد العزم على الموت عدة مرات. ذاق طعم الموت مرارًا. كان هذا يعكس مدى تهديد ذلك الوحش الشيطاني، والأضرار التي ألحقها كانت صعبة النسيان. حتى الآن، كانت التضحيات تواصل إثقال صدره بالأسى.  

 

 

«هل تمانع أن تخبرني بتفاصيل عن الحوت الأبيض لاحقًا؟ ذلك الوحش ليس أمرًا بعيدًا عني. مع أنني متأكد أن الحديث عنه سيطول.»  

أراد سوبارو الاعتماد على قوة غارفيل الجبارة، لكنه لم يتلقَّ أي رد. وعندما نظر إليه لمعرفة سبب صمته، وجده محدقًا في الشارع أمام النزل، غير مكترث بلاشينز.  

 

شعر سوبارو بالذهول. لم يكن بإمكانه سوى الشعور بالصدمة من القيمة المبالغ فيها التي نسبها له ويلهيلم.  

«بالطبع. ولا داعي لأن تخبرني عن أي أمور يصعب التحدث عنها.»  

«هاه، لا أسمع شيئًا. هيا، يا صديقاتي، لنذهب إلى الحمام الآن، الحمام!»  

 

كانت ساقا بياتريس قد وصلتا إلى حدهما، فغيرت جلستها لتكون ساقاها إلى الجانب. أما سوبارو، فقد ألقى نظرة سريعة نحو غارفيل، الذي كان يجلس في زاوية الغرفة بوضعية دفاعية.  

كان بإمكانه تخمين السبب وراء التعبير الغائم على وجه راينهارد.  

 

 

 

بالنسبة لسوبارو، كانت معركة الحوت الأبيض تمثل الخاتمة والتكفير عن هوس رجل استمر لعقد كامل. وكان يستطيع تخمين العلاقة بين ذلك الرجل وراينهارد. مع ذلك، لم تكن لدى سوبارو وسيلة لمعرفة ما حدث تحديدًا في الماضي بينهما. 

 

 

وعندما وجه الجميع أنظارهم نحو مصدر إنذار غارفيل—  

***

أظهرت تعابير وجه بياتريس عمق اتفاقها مع همهمة سوبارو، بينما غارفيل، الذي كان يفتقر إلى السياق لفهم المعنى، نقر لسانه كما لو أنه يشعر بالإحباط، وراح يحدق في سطح الماء.  

 

 

بطبيعة الحال، لم يكن هذا أمرًا يجدر بسوبارو أن يسأل عنه بدافع الفضول العابر. كان يدرك ذلك جيدًا.  

 

 

 

«شكرًا لك.»  

 

 

***

لذلك، لم يكن لدى راينهارد سوى هذا الرد ليقدمه في المقابل.  

 

 

بدت الدهشة وكأنها تخص سوبارو وحده في هذا المكان — لا، كان راينهارد استثناءً وحيدًا بين البقية. فقد تغيرت ملامحه الرقيقة قليلاً، وظهرت الحيرة في عينيه الزرقاوين.  

لم يكن هناك حاجة للمزيد. كان هذا كافيًا.  

 

 

«عندما تضع الأمر بهذا الشكل، أشعر بالخجل، تي-هي. أليس كذلك، فيريس؟»  

«لقد وصلنا. يُرجى الانتظار هنا في غرفة الشاي حتى تنتهي السيدة أنستاسيا من اجتماعها.»  

وبالمناسبة، كان غارفيل لا يزال يتلقى التجاهل البارد من هدفه الحقيقي، رام. بدا لسوبارو أن رام لم تكن تكنّ لغارفيل سوى محبة من نوع خاص؛ حب شبيه بحب العائلة.  

 

 

أعلن جوشوا أنهم وصلوا إلى وجهتهم تزامنًا مع انتهاء محادثتهم. وعندما رأى سوبارو حاجز الباب المنزلق لما أُطلق عليه اسم غرفة الشاي، شعر بروح الياباني داخله تنبض بالحياة.  

 

 

«… يبدو أنك قرأتني جيدًا، يا سيد سوبارو.»  

يا لها من استغلال مدروس للروح اليابانية، فكّر في نفسه، لكن هذه الأفكار العشوائية لم تدم سوى لحظات قليلة.  

 

 

«لا، لا. لم تقاطعني على الإطلاق. في الحقيقة، رؤية *شيطان السيف* في حديقة يابانية يجعل المشهد محفورًا في ذاكرتي للأبد. أحب رؤية الناس تحت سماء مضاءة بنور القمر.» 

«عذرًا أيها الضيف المحترم. هل يمكنني أن أترك بعض الضيوف الآخرين هنا حتى يعود بقية رفاقكم؟»  

 

 

 

على ما يبدو، كان هناك شخص آخر بالفعل داخل غرفة الشاي، وكان جوشوا يخاطبه عبر الحاجز. وعندما فعل ذلك، كانت هناك علامات واضحة على حركة أحدهم في الداخل.  

 

 

«لقد مضى وقت طويل يا السيدة كروش. أعتقد أن آخر مرة التقينا فيها كانت خلال حفل التكريم؟»  

«—تفضلوا. لا أفعل شيئًا هنا سوى جمع الغبار.»  

 

 

تنهد سوبارو بعمق.  

عندما وصلت نبرة الصوت إلى أذنيه، عقد سوبارو حاجبيه؛ ثم غمرته المفاجأة.  

 

 

بدا الأمر وكأنه يثير فضولها حقًا، إذ التفتت مجددًا لتنظر خلفها، لكن الرجل كان قد اجتاز الجسر بالفعل، وكل ما استطاعت رؤيته كان ظهره الذي يتلاشى سريعًا في الأفق.  

كان ذلك صوتًا مألوفًا، صوتًا من الصعب نسيانه. والأهم من ذلك، أنه كان يفكر في الرجل نفسه قبل لحظات فقط.  

 

 

 

بدت الدهشة وكأنها تخص سوبارو وحده في هذا المكان — لا، كان راينهارد استثناءً وحيدًا بين البقية. فقد تغيرت ملامحه الرقيقة قليلاً، وظهرت الحيرة في عينيه الزرقاوين.  

«السيد ويلهيلم، يبدو وكأنك لا تعتقد أنك تستحق أن تطلق على نفسك لقب جد راينهارد أو ما شابه ذلك.»  

 

—في تلك الليلة، بدا وكأن القمر والعالم قررا أن يمنحا الجميع لحظة سلام، حيث تأجلت كل المخاوف المعتادة إلى وقت آخر.  

من دون أن ينتبه لتلك اللحظة المترددة، دفع جوشوا الحاجز المنزلق إلى الجانب. انفتح الباب الورقي، كاشفًا عن الداخل الصغير لما يُسمى غرفة الشاي.  

كان بإمكانه تخمين السبب وراء التعبير الغائم على وجه راينهارد.  

 

 

هناك، الشخص الجالس على وسادة مربعة بوضعية تقليدية، رفع عينيه الهادئتين نحوهم —  

 

 

ابتسم غارفيل ابتسامة عريضة ردًا على تقييم سوبارو المتواضع لنفسه، وكأن ما قاله لم يكن سوى ضربٍ من التواضع. لكن من منظور سوبارو، كان هذا مجرد وصف للواقع. الحقيقة هي أن غارفيل كان يبالغ في تقديره.  

«—جدي.»  

«لكن سوبارو فارسي، وليس أستاذي…»  

 

«من وجهة نظر بيتي، يبدو أنه مجرد قمامة لا أكثر.»  

«راينهارد؟»  

 

 

«ليس كذلك أبدًا. لقد مرّ زمن طويل منذ شعرت بالرضا… حسنًا، ربما ليس تمامًا، لكنني سعيد بأن أتمكن من الحديث عن زوجتي. لا السيدة كروش ولا فيريكس وجدتا وقتًا لمثل هذه الأمور مؤخرًا.»  

تداخلت الأصوات الأولى بين الجد والحفيد.  

 

 

«لماذا، أمام شخص يُطلق عليه ”مهووس المطربة“، تتصرف بكل هذه الألفة مع نفس المطربة؟ بسبب ذلك، انهارت المحادثات ونحن على وشك التوصل إلى اتفاق!»  

كان هذا لقاءً غير متوقع بين قديس السيف وشيطان السيف من عائلة أسترِيا العريقة.  

عندما حاول سوبارو أن يتدخل في نزاع سيد ومرافق معسكر كروش، شدّت بياتريس أذنه بقوة. وعندما اعترض سوبارو بوجه مليء بالدموع، تظاهرت بياتريس بالبراءة.  

 

 

***

 

 

 

في قاعة الاستقبال داخل جناح “ثوب الماء”، اجتمع أشخاص مميزون بعدة طرق.  

 

 

بينما كان يتحدث، كانت نظرات راينهارد موجهة إلى غارفيل، الذي لا يزال يمسك ذراعه بقوة. بالطبع، لم يكن لدى راينهارد نية عدائية، ولا سبب لمواصلة الإمساك. وبمعنى آخر، السبب الوحيد لعدم إفلات ذراعه كان أن غارفيل لم يكن مستعدًا للتراجع بعد.  

«يجب أن أقول، لقد فوجئت بأن راينهارد والسيد فيلهيلم من عائلة واحدة. والآن بعد أن ذكرت ذلك، يبدو أن كليهما بارعان جدًا في استخدام السيف.»  

«أنا حليف العدالة. وفي هذه الحالة، أعتقد أنه لا خيار أمامك سوى الاعتذار لأخي صديقي الأصغر.»  

 

 

«ذلك التفكير البسيط لدرجة الألم يعبر عن روح “إميليا تان” تمامًا.»  

كان ينبغي على سوبارو، بصفته مرافقهم، أن يوقفه، لكنه لم يفعل. وثق بأن غارفيل، من بين الجميع، قادر على التعافي بطريقة ما في ليلة واحدة.  

 

 

حول الطاولة الطويلة في منتصف الغرفة، جلس الجميع على وسائد مربعة على الأرض بأسلوب ياباني تقليدي. كانت إميليا وسوبارو يهمسان بهدوء معًا في زاوية حيث جلسا جنبًا إلى جنب. ربما كانت متوترة، لكن محتوى كلماتها لم يظهر أي إحساس خاص بالتوتر على الإطلاق.  

كان يعلم أن هذه الملابس كانت تُرتدى أصلاً كملابس ليلية للمرح المسائي، لكنها كانت تعبيرًا مميزًا عن الجاذبية في إطار الملابس اليابانية.  

 

 

«بيتي تراقب الموقف بعناية، لكن ذلك لن ينفع إذا قام أحدهم بحركة مفاجئة. سوبارو، يجب أن تركز على عدم تلقي نظرات باردة من الجميع الحاضرين، على ما أظن.»  

في هذه اللحظة، حان دور ويلهيلم ليبدو مشوشًا بفعل قفزات سوبارو المفاجئة في المنطق.  

 

 

«مؤلم أن أسمعك تقولين هذا لأنني مررت بما يكفي من تلك التجارب سابقًا.»  

«—ما هذا؟»  

 

 

كانت بياتريس، الجالسة على الجانب الآخر من سوبارو، تقدم تلك الكلمات التحذيرية.  

«السيد ويلهيلم، يبدو وكأنك لا تعتقد أنك تستحق أن تطلق على نفسك لقب جد راينهارد أو ما شابه ذلك.»  

 

***

وبالمناسبة، كانت إميليا جالسة مع ساقيها إلى الجانب، وسوبارو جالسًا متربعًا، وبياتريس جالسة على ركبتيها. كان هذا نتيجة لتحدٍ جريء من سوبارو، لكن ركبتي بياتريس كانت قد بدأت بالفعل بالارتجاف. 

«—لا… الأمر ليس كذلك تمامًا. أردت فقط إلقاء نظرة على الحديقة في الليل. ظننت أنها ستبدو رائعة، وهذا ما كنت أسعى لرؤيته.»  

 

وهو يخرج لسانه الطويل بامتعاض، انطلق لاشينز كأنه يفر من المكان. ومع ذلك، لم ينس أن يوجه نظرة غاضبة نحو جوشوا، خصمه في الجدال. كان بالفعل مثالًا حيًا على الشخص الذي يتسم بالتفاهة.  

***

«أوووه، مضى وقت طويل منذ أن رأيتك تتحدث بهذه الأجواء الرومانسية. إذًا، كان لدى السيد ويلهيلم لحظات كهذه أيضًا، هاه؟»  

 

كان الفضول الأكبر لدى سوبارو يدور حول الطريقة التي أشار بها غارفيل إلى ميمي. تصرفات ميمي كانت عفوية لدرجة يصعب فهمها، لكنه كان يرى أن نواياها تجاه غارفيل لم تكن إلا طيبة. أعمارهم المتقاربة كانت تبشر ببعض التطورات المثيرة للاهتمام مع مرور الوقت.  

«على أي حال، غارفيل موجود هنا في حال حدوث أي طارئ، ومع وجود هؤلاء الأشخاص، يبدو أن القلق من الأساس لا داعي له.»  

 

 

كان يعتقد أن الصداقة تعني التساوي. وحتى لو لم يكن ذلك يهم راينهارد، فإن سوبارو شعر بأنه مدين له بدين لا يمكن إنكاره. كيف يمكنه أن يطلق على نفسه صديقًا لراينهارد دون أن يسدد هذا الدين؟  

كانت ساقا بياتريس قد وصلتا إلى حدهما، فغيرت جلستها لتكون ساقاها إلى الجانب. أما سوبارو، فقد ألقى نظرة سريعة نحو غارفيل، الذي كان يجلس في زاوية الغرفة بوضعية دفاعية.  

«رجاءً، لا تذكري ما حدث في القلعة. يسبب لي ذلك ألمًا في صدري.»  

 

 

لقاء راينهارد كان لا يزال حاضرًا في ذهنه بطرق شتى، لكن انشغاله بتمسك ميمي به كان يملأ عليه وقته. كان سوبارو يأمل أن يساعده تعلق ميمي به على تخفيف توتره قليلاً.  

 

 

«سأفكر فيما قلته الآن بشكل جاد… وأنا آسف بعض الشيء. كان الهدف الأساسي من هذا كله هو سماع قصص عن زوجتك.» 

في الوقت الحالي، كانت الشخصيات الرئيسية من مختلف المعسكرات جالسة في قاعة الاستقبال الكبيرة، بينما كان المرافقون يقفون على الأطراف. لهذا السبب، كان أشقاء ميمي حاضرين أيضًا. كان هيتارو، وهو يراقب أخته الكبرى الملتصقة بغارفيل، يحدق به بنظرات غاضبة وكأنه يريد تمزيقه، بينما كان وجه تيبي يعبر بوضوح عن عدم رغبته في أي علاقة بهذه الفوضى.  

أمسك سوبارو بكتف غارفيل، مترددًا للحظة قبل أن يقرر كيف يصف علاقته براينهارد.  

 

 

وعلى الهامش، كان جوشوا يقف بين الحاضرين، ووجهه الشاحب بدا أكثر شحوبًا من المعتاد.  

 

 

 

من بين جميع الحاضرين في القاعة، كان راينهارد هو من بدأ الحديث بانحناءة صغيرة.  

 

 

 

«نحن ممتنون للغاية على دعوتكم لنا. وصول السيدة فيلت إلى النُزل قد تأخر قليلاً، لكنها ستصل قريبًا، لذا اسمحوا لي بتقديم تحياتنا الرسمية نيابة عنها.»  

 

 

 

«لا داعي لكل هذه الرسمية. بالنظر إلى أن هذه الدعوة جاءت على عجالة مني، هذا كافٍ تمامًا… مع أن التداخل في الوصول كان أكثر مما توقعت.»  

 

 

«حسنًا، ما رأيكم أن أخرج في جولة صغيرة حتى أشعر بالنعاس؟»  

ابتسمت المضيفة، أنستاسيا، بلطف وهي تستمع إلى كلمات راينهارد الرسمية التي تتناسب مع كونه مبعوثًا. أومأ راينهارد ردًا على كلماتها، ثم حول انتباهه نحو يوليوس، الذي كان يجلس بجانب أنستاسيا بابتسامة هادئة.  

«ومع ذلك، من المرجح أن نكون الأسبق. فلا أنوي التنازل لأحد أيضًا.»  

 

 

«مرت فترة طويلة يا يوليوس. أعتقد أن آخر مرة التقينا فيها كانت خلال زيارتنا لشركة هوشين؟»  

تحت سماء سوداء وقمر فضي، ومع سحب متفرقة تضفي أجواءً أكثر سحرًا على المكان، رأى شخصًا يقف وحيدًا يستمتع بنسيم الليل العليل.  

 

«ما الأمر؟ هل حدث شيء غريب؟»  

«أجل، أعتقد ذلك. أعتذر على الإزعاج بهذه الطريقة. لكن هذه فرصة جيدة لرؤية الجميع. مثل هذه المناسبات نادرًا ما تتكرر.»  

 

 

في طريق العودة، بدا أن إميليا في مزاج جيد للغاية وهي تستمتع بجمال المناظر الخلابة في هذه المدينة المائية. على الرغم من أن القنوات المائية التي تخترق وسط المدينة قد تبدو غير مريحة بعض الشيء، إلا أنها كانت مذهلة بلا شك.  

تبادل الصديقان القديمان التحية بكلمات قليلة. ثم جلس راينهارد إلى الطاولة.  

 

 

 

بطريقة ما، تم ترتيب أماكن الجلوس بدقة وفقًا للمعسكرات: أنستاسيا، إميليا، ممثل معسكر فيلت الغائب، وأخيرًا—  

لكنه كان قد اكتشف مؤخرًا احتمال العثور على معلومات عن أحد رؤساء الخطايا السبع المميتة في مكان لم يكن يتوقعه أبدًا. كان يرغب بجدية في معالجة هذا الأمر، بالإضافة إلى عناصر أخرى مثيرة للقلق تخص المعسكر ككل.  

 

 

«—لقد مضى وقت طويل منذ أن اجتمعت معكم جميعًا بهذه الطريقة، أليس كذلك؟»  

«إنه تحفة فنية! السمك طازج، لذا مذاقه رائع جدًا! من المؤسف أنه لا يوجد لديكم خل السوشي هنا، وإلا كنت قد حاولت تقليد صديق والدي الشيف وأعددت بعض النيغيري سوشي!»  

 

‹‹أعلم أنني كنت فظًا بعض الشيء، لكن بالنظر إلى وضعك، آمل أن تفهمي السبب.››  

كان الصوت الهادئ يأتي من امرأة ذات وجه جميل وشعر أخضر طويل ينسدل بسلاسة.  

 

 

بعد لمحة وجيزة من السلوك الراقي الذي كان ساحرًا، عادت فيلت بسرعة إلى تصرفاتها المشاغبة. هذه العفوية التي تتحدى كل التقاليد تركت سوبارو، على الأقل، يشعر بشيء من الراحة في داخله. طاقة الفتاة بدت وكأنها قد تضاعفت خلال العام الماضي.  

كان في عينيها الكهرمانيتين اللوزيتين لطفٌ واضح، وكانت ترتدي ثوبًا أزرق داكنًا طويلًا يعكس صورة مثالية للأنوثة الأرستقراطية. لم يكن من الضروري حتى الإشارة إلى أن هذه السيدة كانت تجسد الرقي بكل تفاصيلها.  

بينما كان سوبارو يقف متصلبًا، اقترب منه ويلهيلم بابتسامة متألمة. خطوة تلو الأخرى، انتهى شيطان السيف واقفًا أمام حافة الشرفة التي كان سوبارو عليها.  

 

 

بالكاد كان الأشخاص الذين عرفوها في الماضي ليصدقوا أنها هي نفسها.  

«حوت، تقول؟»  

 

ذلك الفعل، التراجع اللاإرادي، جعله يفتح عينيه على اتساعهما عندما أدرك ما حدث. هذه كانت المرة الأولى التي يختبر فيها شيئًا كهذا.  

«لقد مضى وقت طويل يا السيدة كروش. أعتقد أن آخر مرة التقينا فيها كانت خلال حفل التكريم؟»  

وكان أول من تخطى تردده ليس أناستاسيا، مضيفة الوليمة، بل—  

 

بصوت يحمل صدى ابتسامة مُتعبة، تصدى الرجل لأقوى هجوم استطاع غارفيل توجيهه.  

«نعم، هذا صحيح. أعتذر عن الإزعاج الذي سببته لكم في تلك المناسبة. لم أسمع عن جهودكم إلا لاحقًا. ولم أفاجأ على الإطلاق.»  

 

 

 

ردت كروش على تحية إميليا بنبرة بدت لينة بشكل ملحوظ.  

كانت موهبتها بلا شك كافية لتستحق لقب ”المطربة“.  

 

الرجل ذو الرداء الأبيض أومأ برأسه ردًا على اعتذار إميليا.  

كانت شجاعتها السابقة وحسمها قد فُقدا مع ذكرياتها، مما جعلها تبدو كصورة حية لابنة نبيلة من طبقة الأرستقراطية.  

«الأمر يتعلق بخطورته الزائدة، على الأرجح. على أي حال، افعل ما بوسعك.»  

 

مدّ ويلهيلم يده وقبل مساعدة سوبارو للصعود. وفي اللحظة التي شعر فيها سوبارو بثقل جسد المبارز العجوز عبر ذراعه، اجتاحت ذهنه ذكرى من قاعة الاستقبال للحظة قصيرة.  

«بصراحة، لم أسمع إلا المفاجآت. لقد علمت بالأمر خلال حفل التكريم، لكن بعد حوت الضباب وعبادة الساحرة، جاء الأرنب العظيم؟ سوبارو، هل فقدت عقلك؟»  

«أنا ممتنة حقًا لدعوتكم لي إلى هنا اليوم. دعونا نجري نقاشًا مثمرًا كمرشحين لاختيار الملك القادم—حسنًا، انتهينا من الرسميات! أشركوني معكم، مفهوم؟»  

 

«بالمناسبة…»  

الشخص الذي كان يجلس إلى جانب كروش ويمازح سوبارو بكلمات لاذعة كان الشاب الوسيم ذو أذني القطة — أو بالأحرى، الفتى الذي يُدعى فيريس.  

«يجب أن تهمس بهذه الكلمات لامرأة وليس لرجل. يا له من إهدار.»  

 

 

أفضل معالج في المملكة، والذي عمل في وقت ما كطبيب لسوبارو. كانت كلماته الساخرة تحمل نبرة حادة جعلت سوبارو يعتدل في جلسته قليلاً. 

بما أن هذا العالم لا يعرف البحار، فإن الطهي باستخدام الأسماك يعتمد على صيدها من الأنهار. وبطبيعة الحال، هذا يعني أن الأسماك الكبيرة نادرة، مما يجعل أطباقًا مثل الساشيمي أمرًا غير مألوف. وبالتالي، فإن رؤية هذا الكم من أطباق السمك في مكان كهذا كان مفاجأة حقيقية.  

 

 

***

***

 

 

كان سبب غضب فيريس تجاه سوبارو واضحًا.  

رغم المخاوف التي خيمت على العشاء والوجوه الغائبة عن الطاولة، إلا أن كل من شارك في تلك الأمسية تمكن من الاستمتاع بوقت هادئ قصير.  

 

 

«أعتذر عن تجاهلي لتحذيراتك، واستخدام السحر، وتدمير بوابتي…»  

 

 

 

«لقد حذرتك مرارًا وبإصرار، ومع ذلك انتهى بك الأمر بتدمير بوابتك تمامًا. لم يكن يستحق الأمر عناء علاجي لك على الإطلاق. حتى الآن، لولا وجود بياتريس هنا، لما كان غريبًا أن تنهار بوابتك تمامًا وتصبح أثرًا بعد عين. عليك أن تهتم بها أكثر من ذلك بكثير.»  

«سيد سوبارو؟»  

 

هذا أتاح له رؤية واضحة لعنقها، الذي كان مذهلًا بالفعل. كما أن رائحتها كانت عطرة للغاية.  

«فهمت بالفعل. ولكن لا يوجد أحد في العالم يمكنه أن يجعل بياتريس أكثر سعادة مما أفعل.»  

 

 

«ربما حمى الحب فقط. إميليا-تان، هل يمكنني تضفير شعركِ؟»  

رغم نبرة فيريس المستهترة، إلا أن تحذيره كان جادًا للغاية، ولهذا رد سوبارو عليه بالجدية نفسها. أما حقيقة أن بياتريس كانت تضرب كتفه ووجهها متوهج بالخجل، فقد كانت ثمنًا زهيدًا في نظره.  

 

 

«كروش وفيريس يعتمدان عليك كثيرًا. كروش تكافح مع فقدان ذكرياتها، وفيريس، رغم أنه لا يظهر ذلك، إلا أنه بلا شك يجهد نفسه لدعمها بكل وسيلة ممكنة. إنهما بحاجة إليك، سيد ويلهيلم. وأيضًا، حتى أنا—!»  

«حقًا، أجد الأمر مذهلًا أن يتم استدعاء معسكر كروش إلى هنا أيضًا. لو لم أكن قد استنفدت كل دهشتي بعد لقائي براينهارد في الخارج قبل قليل، لكنت قدمت لك عرضًا مدهشًا لرؤية وجهي.»  

رؤية هذا الرجل العجوز، الذي بدا وكأنه تقلص بشكل ملحوظ تحت وطأة شعوره بالندم، جعلت سوبارو يحدق فيه مصدومًا. ثم، ما إن انحسر شعوره بالصدمة، لم يستطع إلا أن ينفجر ضاحكًا.  

 

«هل تقصد أن هناك المزيد من المفاجآت في الطريق؟»  

«آه، يا لها من فرصة ضائعة حقًا. لكن من المدهش أن يتمكن هذا العدد الكبير من الضيوف المدعوين من الاجتماع هنا اليوم. حتى أنا، أجد الأمر مفاجئًا.»  

 

 

 

«هذا أمر طبيعي، إذ لم يتم تحديد موعد محدد. نادرًا ما تتاح فرصة كهذه لمقابلة الجميع دفعة واحدة، لذا علينا أن نعتبر هذا التوافق في التوقيت نعمة في حد ذاته.»  

 

 

 

كان المتحدث هذه المرة هو آخر أفراد معسكر كروش، فيلهيلم، الذي وصف هذه المصادفة بأنها فرصة جيدة.  

 

 

في هذه اللحظة، حان دور ويلهيلم ليبدو مشوشًا بفعل قفزات سوبارو المفاجئة في المنطق.  

كانت كروش تجلس بطريقة رسمية على ركبتيها، بينما كان فيريس يجلس بأسلوب غير رسمي وبشكل أنثوي بعض الشيء، مع تباعد ركبتيه. أما فيلهيلم، فقد جلس على الجانب الآخر من فيريس، بوقار يتناسب تمامًا مع جو الغرفة الياباني، رغم زيه الرسمي كخادم.  

 

 

 

بطريقة غريبة، وضعت ترتيبات الجلوس فيلهيلم بجوار راينهارد مباشرة، مما كان مشهدًا غير مريح لسوبارو ولكل من يعرف العلاقة بينهما.  

«أمم، ربما يكون مجرد وهم… لكنني أشعر أنني رأيت وجه هذا الرجل من قبل.»  

 

 

«هذان الاثنان لا ينظران إلى بعضهما البعض، أليس كذلك…؟»  

هل من الخطأ أن يظن أن راينهارد هو الآخر كذلك؟  

 

 

أومأ سوبارو في ذهنه لكلمات إميليا التي همست بها بهدوء شديد.  

لاحظت بياتريس نظرات سوبارو، فقبضت بلطف على كمّه وهمست له قائلة:  

 

 

وضع فيلهيلم وراينهارد بجانب بعضهما البعض يعني أن الجد والحفيد كانا يجلسان جنبًا إلى جنب، لكنهما لم يتبادلا كلمة واحدة منذ لحظة التقائهما غير المتوقعة في غرفة الشاي وحتى لحظة استدعاء الجميع.  

«بالطبع.»  

 

هذا أتاح له رؤية واضحة لعنقها، الذي كان مذهلًا بالفعل. كما أن رائحتها كانت عطرة للغاية.  

ساد صمت ثقيل على غرفة الشاي، إلى درجة أن معسكر إميليا، المليء بالأشخاص غير الواعين عادة، لم يحاول التدخل أو تقديم أي دعم. عندما عاد جوشوا، بدا لهم وكأنه ملاك.  

أبرز هذه القضايا كانت العقبة التي واجهها غارفيل.  

 

«لا ينبغي توقع أي نوع من العادية عندما يتعلق الأمر بالسيدة ليليانا. آه، هل لي بلحظة، يا آنسة؟»  

في كل الأحوال، استنتج سوبارو أن الظروف المعقدة كانت تحيط بالاثنين من عائلة أسترِيا. خلاف ذلك، لم يكن ممكنًا تفسير المشاعر التي كانت تؤرق فيلهيلم أثناء مطاردة حوت الضباب.  

«بياتريس…» 

 

«لا داعي للقلق بهذا الشكل. بالطبع إنها مجرد مزحة. أن تكون لدى فيريس نوايا مريبة تجاه السيدة كروش سيكون أمرًا سيئًا على عدة مستويات.»  

—لماذا استعان فيلهيلم بقوة عائلة كروش بدلاً من عائلته؟  

«أظن أن من الغريب جدًا أن تحاول شخصٌ ما كسب قبول الجميع، وتعمل بجدٍ لتصبح الحاكمة، لكنها تسير وهي تخفي هويتها.»  

 

الوحيد الذي قد يخطئ أحد في وصفه كان شعلة مفتوحة. الرجل الذي كان اسمه—  

ولماذا لم يشارك راينهارد في المعركة للانتقام من جدته؟  

«عندما تضع الأمر بهذا الشكل، أشعر بالخجل، تي-هي. أليس كذلك، فيريس؟»  

 

«التسرع يجعلك تقع في ديون ريتزي للأبد. وليس من الحكمة المغازلة مع الخسارة الكاملة، أليس كذلك؟ لذا، هدئ من روعك.» 

أراد سوبارو بعمق أن يطرح هذه الأسئلة.  

«في هذا الجانب، فريقنا قريب جدًا من المثالية… مع أن فريق كروش يحتل المركز الأول في القائمة.»  

 

 

لكن الخوض في هذا الموضوع لن يؤدي إلا إلى نكء جراح الاثنين وزيادة ألمهِما.  

 

 

«بالطبع، أظن ذلك. بالنسبة لبيتي، مثل هذا الإنجاز لا يعدو كونه كإعداد كعكة صغيرة.»  

على الرغم من أن كلاهما ينتمي إلى معسكرات منافسة، إلا أن أحدهما كان صديقًا عزيزًا، والآخر كان شخصًا يحترمه سوبارو بشدة ويدين له بالكثير.  

«لكنني لست الأقوى. وهذا غير كافٍ.»  

 

 

الثقة مثل قلعة مبنية على الرمال. لم يكن سوبارو مثل روزوال؛ كان عازمًا على البقاء صامدًا.  

«حسنًا، يبدو ذلك منطقيًا. والآن، بخصوص السيدة المطربة ذاتها…»  

 

 

لهذا السبب، اكتفى بالأمل في أن يقود الحديث بشكل طبيعي إلى هذا الاتجاه.  

بدا الأمر وكأنه يثير فضولها حقًا، إذ التفتت مجددًا لتنظر خلفها، لكن الرجل كان قد اجتاز الجسر بالفعل، وكل ما استطاعت رؤيته كان ظهره الذي يتلاشى سريعًا في الأفق.  

 

«يبدو أن الحظ أخذ الكثير من ليليانا مقابل تلك الموهبة، أليس كذلك؟»  

«على أي حال، لماذا دعت السيدة أنستاسيا الجميع إلى هنا؟»  

 

 

 

«أوه، كم أنت شكاك. هدفي ببساطة هو أن أتحادث معكم قليلاً. لهذا السبب لم أقم بدعوة أشخاص غير معقولين.»  

في نهاية كل تلك الكلمات العابثة، كشف سوبارو عن الحقيقة التي ستصبح على الأرجح مفتاح الحل.  

 

سوبارو الحالي كان يدرك بوضوح أن سوبارو السابق لم يكن يفعل سوى تفريغ غضبه على أي شخص قريب.  

«غير معقولين…؟»  

بدت الدهشة وكأنها تخص سوبارو وحده في هذا المكان — لا، كان راينهارد استثناءً وحيدًا بين البقية. فقد تغيرت ملامحه الرقيقة قليلاً، وظهرت الحيرة في عينيه الزرقاوين.  

 

 

قطبت إميليا حاجبيها وهي تكرر كلمات أنستاسيا. لكنها لم تكن تفعل ذلك لأنها تجهل من تقصد.  

كان تقييم راينهارد لقدرات غارفيل كافيًا ليجعل فيلت تخرج لسانها بتعبير مستاء على وجهها.  

 

 

في الأصل، لم يكن هناك سوى معسكر واحد غائب. 

 

 

 

***

تنهد سوبارو بامتعاض وهو يعيد الجلوس، بعدما وُبّخ بعبارة تحمل معنى «في العجلة الندامة». وضعت كل من إميليا وبياتريس يديهما برفق على كتفيه لتهدئته.  

 

«ولكن ماذا؟»  

«كروش…»  

«لا تتحدث معي وكأننا أصدقاء مقربون! ومن هو لاري هذا؟! اسمي لاشينز —هذا اسمي، تبًا!»  

 

‹‹في هذه الحالة، فلنذهب، إميليا-تشان… أم أن الأمر ما زال يشغل بالك؟››  

«علاوة على ذلك، أعتقد أن اتحادنا في هذه المسألة سيزيد من فرص النجاح. خصمنا هو رئيس أساقفة من الخطايا السبع المميتة، ماكر ومراوغ، تمكن دائمًا من الهرب من جميع محاولات القضاء عليه. لن أحمل ضغينة مهما كانت اليد التي ستنال منه أولًا.»  

 

 

الطريقة التي تحدث بها ويلهيلم بابتسامة شجية وصوت هادئ جعلت سوبارو يحك خده بخجل. كان سماع صوت ويلهيلم يبعث في نفسه شعورًا بالاطمئنان، بل وجعله يشعر بشيء من الحرج.  

الطريقة المزاحية التي أضافت بها كروش عبارتها الأخيرة جعلت سوبارو يخفض رأسه، وقد غمره شعور بالارتياح.  

تفحصت الوجوه الحاضرة بهدوء، وأغلقت عينًا واحدة بابتسامة مريحة.  

 

 

لا شك أن نيتها الحقيقية كانت إنهاء الحساب مع المسؤول عن سرقة ماضيها. لكن مراعاتها لسوبارو، الذي يشاركها نفس الهدف، دفعها للتنازل حتى في هذه النقطة.  

 

 

***

رغم فقدان ذكرياتها، لم يتغير جوهر المرأة العادلة والنزيهة كروش كارستن. بقيت مخلصة لطريقتها في الحياة.  

 

 

***

«حقًا، شكرًا لكِ. سأبذل قصارى جهدي لأكون على قدر التوقعات… بطريقة ما، في مكان ما.»  

 

 

على ما يبدو، لم تُنسَ التقاليد الطهوية التي تتجاوز المعايير الشائعة في مملكة لوغونيكا. بغض النظر، بدأت الأطباق اليابانية الواحدة تلو الأخرى تظهر على المائدة، مما زاد من حيرة إيميليا ورفاقها.  

«ومع ذلك، من المرجح أن نكون الأسبق. فلا أنوي التنازل لأحد أيضًا.»  

«نعم، هذا صحيح. السيدة أنستاسيا دعتها. قالت إنها تريد تبادل المعلومات بشكل مفيد. بما أن هذه هي السيدة أنستاسيا، افترضتُ أنها تسعى للحصول على منفعة معينة، ولكن…»  

 

«هيه! ما هذا الرد؟»  

بينما أعلن سوبارو عزمه، انتفخت كروش بثقة، دون أدنى تردد.  

 

 

 

تصرفها هذا جعل سوبارو وكروش يتبادلان ابتسامة لا تتناسب مع سياق الموقف، بينما فارسها، فيري، كان يتابع المشهد بنظرة غير مستحسنة على الإطلاق.  

عندما حاول سوبارو أن يتدخل في نزاع سيد ومرافق معسكر كروش، شدّت بياتريس أذنه بقوة. وعندما اعترض سوبارو بوجه مليء بالدموع، تظاهرت بياتريس بالبراءة.  

 

 

«هيا، سيدتي كروش، يبدو أنكِ تستمتعين كثيرًا. عليكِ التوقف عن الانجذاب نحو سوباو. يكفيه أن يمسك وردتين في كلتا يديه الآن. لا يحتاج المزيد.»  

أراد سوبارو الاعتماد على قوة غارفيل الجبارة، لكنه لم يتلقَّ أي رد. وعندما نظر إليه لمعرفة سبب صمته، وجده محدقًا في الشارع أمام النزل، غير مكترث بلاشينز.  

 

«على هذه الحال—غارفيل، قم بتقييده و… ها؟»  

«فيري، أليس هذا كلامًا وقحًا؟ السيد سوبارو ليس غير مخلص إلى هذا الحد ليحدق في أي شخص.»  

 

 

بينما كان يتحدث، كانت نظرات راينهارد موجهة إلى غارفيل، الذي لا يزال يمسك ذراعه بقوة. بالطبع، لم يكن لدى راينهارد نية عدائية، ولا سبب لمواصلة الإمساك. وبمعنى آخر، السبب الوحيد لعدم إفلات ذراعه كان أن غارفيل لم يكن مستعدًا للتراجع بعد.  

«نعم، كفى هذا، فيري. صحيح أن كروش لطيفة وجميلة، لكن الخط الذي يمتد من قلبي… حسنًا، يتفرع في المنتصف، لكنه يظل مستقيمًا ونق— آوه، آوه، ماذا؟!»  

 

 

«لا أحد يمكن أن يصف هذا بأنه خط مستقيم، وافتقارك للوعي الذاتي يجعل الأمر أسوأ.»  

«لا أحد يمكن أن يصف هذا بأنه خط مستقيم، وافتقارك للوعي الذاتي يجعل الأمر أسوأ.»  

 

 

 

عندما حاول سوبارو أن يتدخل في نزاع سيد ومرافق معسكر كروش، شدّت بياتريس أذنه بقوة. وعندما اعترض سوبارو بوجه مليء بالدموع، تظاهرت بياتريس بالبراءة.  

 

 

 

بعيدًا عن هذا النقاش، خفضت كروش وجهها، وقد احمرّت وجنتاها قليلًا لسبب ما.  

«بالطبع، أظن ذلك. بالنسبة لبيتي، مثل هذا الإنجاز لا يعدو كونه كإعداد كعكة صغيرة.»  

 

 

«يا إلهي، إميليا-تان، هل قلتُ شيئًا غريبًا كالعادة؟»  

الرجل الملتحي الذي قدم نفسه باسم ديناس بدا عادلًا ومتعقلًا، على عكس مظهره الحاد. ورؤيته يعتذر بهذه الجدية أكدت مدى شعوره الحقيقي بالندم تجاه تصرف رئيسه العنيف.  

 

 

«همم، أظن ذلك؟ أعتقد أنك دائمًا تقول أشياء مشابهة لي، مع ذلك…»  

 

 

 

«حسنًا، صحيح. إذًا ما سبب هذا الرد فعل؟ ربما إذا أمسكت بيد إميليا-تان، ستأتيني الإجابة. هل يمكنني أن أمسك يدك؟»  

«الأمر ليس معقدًا. لقد تمت دعوتنا إلى هنا، لكن هذا الفتى يتحدث وكأنه لا يمكننا الدخول. لماذا لا أشتكي من ذلك؟»  

 

 

«ابذل جهدك وفكر بنفسك هذه المرة.»  

 

 

«ب-بيكو، ملابسكِ…!»  

عندما صفعته اليد التي لم يتمكن من إمساكها على جبينه، عبس سوبارو بصمت. وبعد مشاهدة تبادل الحديث بينهما، اقترب فيري بخفية من أذن كروش وهمس:  

اختفى كل تعبير عن وجه ويلهيلم. بدا خاليًا من المشاعر، لكنه لم يكن كذلك. كانت تلك مشاعر قوية، عميقة ومدفونة داخل قشرة صلبة—ندم لا شك فيه.  

 

 

«انظري إليهما. سوباو لا يميز. سيحاول فعل ذلك مع أي أحد لو أتيحت له الفرصة. إنها حالة ميؤوس منها، لذا لا تعيريها أي انتباه.»  

أبرز هذه القضايا كانت العقبة التي واجهها غارفيل.  

 

 

«فهمت. سأكون أكثر حذرًا. هه، لقد أدهشني الأمر حقًا.»  

بينما كان غارقًا في أفكاره، قادته قدماه إلى الحديقة، فتوقف فجأة عند المشهد الذي استقبله هناك.  

 

 

بعد أن أخذت نصيحة فيري على محمل الجد، تنفست كروش بعمق بشكل غير متوقع، ووضعت يدها على صدرها الممتلئ.  

 

 

حول الطاولة الطويلة في منتصف الغرفة، جلس الجميع على وسائد مربعة على الأرض بأسلوب ياباني تقليدي. كانت إميليا وسوبارو يهمسان بهدوء معًا في زاوية حيث جلسا جنبًا إلى جنب. ربما كانت متوترة، لكن محتوى كلماتها لم يظهر أي إحساس خاص بالتوتر على الإطلاق.  

كان هذا التصرف لطيفًا للغاية بطريقة جعلت سوبارو يقتنع بأن التصرفات الأنثوية المفاجئة من كروش تحمل جاذبية لا تقاوم. متجاوزًا هذا الانطباع، تبادلت كروش وفيري الابتسام كصديقتين حميمتين.  

 

 

 

«إذن، للعودة إلى الموضوع الرئيسي… فريقي حاليًا في طور ترتيب المعلومات التي يرغب فيها كروش وناتسوكي. ينبغي أن تكون جاهزة لتسليمها بحلول الغد أو بعد غد، فهل يمكنكما الانتظار قليلًا حتى ذلك الحين؟»  

 

 

 

«حقًا؟ لا أستطيع كبح رغبتي في تسريع الأمور. ألا يمكن أن تعطينا أي شيء مسبقًا، حتى ولو كان قليلًا؟»  

 

 

مدّ ويلهيلم يده وقبل مساعدة سوبارو للصعود. وفي اللحظة التي شعر فيها سوبارو بثقل جسد المبارز العجوز عبر ذراعه، اجتاحت ذهنه ذكرى من قاعة الاستقبال للحظة قصيرة.  

«التسرع يجعلك تقع في ديون ريتزي للأبد. وليس من الحكمة المغازلة مع الخسارة الكاملة، أليس كذلك؟ لذا، هدئ من روعك.» 

مدّ ويلهيلم يده وقبل مساعدة سوبارو للصعود. وفي اللحظة التي شعر فيها سوبارو بثقل جسد المبارز العجوز عبر ذراعه، اجتاحت ذهنه ذكرى من قاعة الاستقبال للحظة قصيرة.  

 

هل من الخطأ أن يظن أن راينهارد هو الآخر كذلك؟  

***

«التسرع يجعلك تقع في ديون ريتزي للأبد. وليس من الحكمة المغازلة مع الخسارة الكاملة، أليس كذلك؟ لذا، هدئ من روعك.» 

 

«هاه! ومن يرضى بذوقك في الأزياء؟ كانت جولة الاستكشاف مجرد حيلة للحصول على ملابس جديدة. افهم شخصيتي جيدًا، راينهارد العزيز.»  

«غغغ…»  

«يجب أن أقول، يا لها من مدينة غريبة، وهذا مبنى أغرب. كل تلك الأشياء الجديدة في كل مكان أنهكتني تمامًا.»  

 

 

تنهد سوبارو بامتعاض وهو يعيد الجلوس، بعدما وُبّخ بعبارة تحمل معنى «في العجلة الندامة». وضعت كل من إميليا وبياتريس يديهما برفق على كتفيه لتهدئته.  

 

 

 

على أي حال، بدا أن لكل فرد سببًا خاصًا به لزيارة بريستيلا.  

بينما كانوا يلوِّحون مودِّعين ديناس وليليانا، اللذين انفصلا عنهم، تمتم سوبارو لنفسه خلال طريق العودة. فجأة، انطلق أوتو بتعابير حادة، حتى كادت كلماته أن تُطرطش بالبصاق.  

 

«القائد والسيدة إميليا يبدو أنهما أحبَّا تلك المطربة كثيرًا، هاه؟»  

«—هاه، أليس هذا جمعًا مثيرًا؟ وفقًا لما قاله لاتشينز، كان الحضور مقتصرًا على الآنسة نصف-الإلف وأناستازيا، ولكن يبدو أنني كنت مخطئة.»  

«لا أستطيع مجاراتكِ يا فيلت. في الحقيقة، هذا النزل يضم ينبوعًا ساخنًا كبيرًا وواسعًا…»  

 

«أنت لا تفهم، أليس كذلك، أيها الصغير؟ سألقّنك درسًا لن تنساه!»  

انفتح باب غرفة الاستقبال بعنف، واستدارت جميع الأنظار نحو الفتاة التي عبرت العتبة بثقة.  

 

 

 

تألقت الفتاة بشعرها الذهبي البراق وعينيها الحمراوين الكبيرتين المستديرتين. ظهرت أنياب صغيرة تحت شفتَي وجهها الواثق المبتسم، الذي كان ينبض بجاذبية مشاغبة. كانت لا تزال فتاة صغيرة ذات قوام نحيف، لكن أنوثتها بدت وكأنها نمت بشكل طفيف.  

 

 

 

ومع ذلك، وكعادتها، كانت ملابسها أشبه بزيّ من أحياء الفقراء، واندفعت فيلت إلى المكان بحيويتها المعتادة، دون أن يتغير جوهرها.  

رؤية هذا الرجل العجوز، الذي بدا وكأنه تقلص بشكل ملحوظ تحت وطأة شعوره بالندم، جعلت سوبارو يحدق فيه مصدومًا. ثم، ما إن انحسر شعوره بالصدمة، لم يستطع إلا أن ينفجر ضاحكًا.  

 

«إذن هو اسم يبدأ بـ”لا” على كل حال.»

تفحصت الوجوه الحاضرة بهدوء، وأغلقت عينًا واحدة بابتسامة مريحة.  

«كنت أفكر، من الصعب حقًا تحديد المسافة بينكما، يا سيد ويا آنسة. هذا لم يكن يبدو مثيرًا جدًا، لكن المرة الأخيرة التي رأيتكما فيها كانت علاقتكما سيئة للغاية.»  

 

من دون أن ينتبه لتلك اللحظة المترددة، دفع جوشوا الحاجز المنزلق إلى الجانب. انفتح الباب الورقي، كاشفًا عن الداخل الصغير لما يُسمى غرفة الشاي.  

«على الرغم من مرور عام، من المدهش كم أنكم لم تتغيروا. حسنًا، أعتقد أن الشيء نفسه ينطبق عليّ.»  

بينما كان غارقًا في أفكاره، قادته قدماه إلى الحديقة، فتوقف فجأة عند المشهد الذي استقبله هناك.  

 

«أوه، عن ذلك يا أوتو… ألا تحتاج إلى وجودي معك أثناء تجوالك ولقائك بالناس؟»  

«—سيدتي فيلت، إذا سمحتِ؟»  

«أوووه، مضى وقت طويل منذ أن رأيتك تتحدث بهذه الأجواء الرومانسية. إذًا، كان لدى السيد ويلهيلم لحظات كهذه أيضًا، هاه؟»  

 

إذا كان راينهارد رجلًا مثل غيره، فهذا يعني أن هناك شيئًا يمكن لسوبارو أن يفعله كصديق له.  

تنهدت فيلت بخيبة أمل بدت وكأنها تتوقعها، ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة فورية. التحول السريع في تعبيرها كان مربكًا، لكن راينهارد وقف بجانبها بلطف.  

—كان سوبارو يحب ويلهيلم.  

 

«في أوقات السلم، كانت زوجتي امرأة عادية تستمتع بمشاهدة الأزهار. الأبطال الذين تُخلد أسماؤهم في التاريخ لا يستمرون في كونهم أبطالًا في حياتهم اليومية. وسيد سوبارو، امتداد اسمك وتأثير يدك أوسع بكثير مما تتخيل الآن. ومن الآن فصاعدًا، سيزداد اتساعًا فقط.»  

عبس راينهارد قليلاً وهو ينظر إلى سيدته الصغيرة، محاولًا بصعوبة الحفاظ على هدوئه.  

في الوقت الحالي، توصل سوبارو وبياتريس إلى تفاهم بشأن معاناة غارفيل. ثم أضافت بياتريس قبل أن تستأنف الحديث:  

 

 

«لقد تم توفير مجموعة ملابس مناسبة للخروج في الأماكن العامة. أين ذهبت هذه الملابس؟»  

 

 

«سيدتي فيلت، هذا النوع من الحديث قد يثير التكهنات. لقد كان بيننا مجرد سوء فهم، وتعاملتُ معه بطريقة خشنة بعض الشيء. هذا كل شيء… في الحقيقة، هو يتمتع بقوة مذهلة رغم صغر سنه.» 

«هاه! ومن يرضى بذوقك في الأزياء؟ كانت جولة الاستكشاف مجرد حيلة للحصول على ملابس جديدة. افهم شخصيتي جيدًا، راينهارد العزيز.»  

 

 

 

«حقًا، أنتِ…»

***

 

«كما أوضح سوبارو للتو. أنا صديقه، راينهارد فان أستريا. سأكون ممتنًا إن أخبرتني باسمك.»  

غطى راينهارد وجهه بإحباط واضح، وكأنه يبث رسالة “لا يمكن تصديق ذلك.” بينما وقفت فيلت على عتبة الغرفة، مستمتعة تمامًا بخدعتها على الرجل الذي يعتبر بطل الأمة وأقواها.  

 

 

لكن الخوض في هذا الموضوع لن يؤدي إلا إلى نكء جراح الاثنين وزيادة ألمهِما.  

لكن عندما عادت برأسها نحو الحاضرين في غرفة الاستقبال، تلاشى تعبيرها الواثق تدريجيًا.  

 

 

 

«أنا ممتنة حقًا لدعوتكم لي إلى هنا اليوم. دعونا نجري نقاشًا مثمرًا كمرشحين لاختيار الملك القادم—حسنًا، انتهينا من الرسميات! أشركوني معكم، مفهوم؟»  

«القائد والسيدة إميليا يبدو أنهما أحبَّا تلك المطربة كثيرًا، هاه؟»  

 

أدار رأسه نحو زاوية الطريق أمامهم، واستنشق الهواء بصوت مسموع بينما تمتم بذلك. وبعد لحظات، سُمعت بالفعل أصوات جدال قادمة من الشارع الأمامي.  

بعد لمحة وجيزة من السلوك الراقي الذي كان ساحرًا، عادت فيلت بسرعة إلى تصرفاتها المشاغبة. هذه العفوية التي تتحدى كل التقاليد تركت سوبارو، على الأقل، يشعر بشيء من الراحة في داخله. طاقة الفتاة بدت وكأنها قد تضاعفت خلال العام الماضي.  

 

 

 

«يجب أن أقول، يا لها من مدينة غريبة، وهذا مبنى أغرب. كل تلك الأشياء الجديدة في كل مكان أنهكتني تمامًا.»  

بعد لحظة من الصمت، أخرج ويلهيلم هذا السؤال من أعماق نفسه. ابتسم سوبارو، لأن هذا كان تمامًا الحافز الذي كان ويلهيلم بحاجة إليه ليأخذ خطوته الأولى للأمام.  

 

 

بينما كانت تتحدث، جلست فيلت، بطريقة غير رسمية، متربعةً على الوسادة المربعة التي كان راينهارد يستخدمها. لم يلبث الأخير أن أحضر وسادة أخرى لنفسه، ووضعها إلى جوارها، مما جعلها تجلس بين الجد والحفيد المحرجين.  

 

 

«وكيريتاكا هو مَن تدخل كوسيط في ذلك الحين… هل هذا حقًا نفس الرجل؟»  

بالطبع، لم يكن ذلك مقصودًا منها، لكن كان من عادتها أن تفعل أشياء كهذه ببساطة وبلا وعي.  

 

 

كان المتحدث هذه المرة هو آخر أفراد معسكر كروش، فيلهيلم، الذي وصف هذه المصادفة بأنها فرصة جيدة.  

«أشياء جديدة… إذا كنتِ ترين الأمر بهذه الطريقة، فأنا سعيدة. في الواقع، لدي أسباب أخرى لاختيار هذا النزل أيضًا… هل تودين سماعها؟»  

تصرف راينهارد وكأن الأمر كان بلا أهمية— وربما كان كذلك فعلًا من منظوره. فقد بدأ بالفعل في طمأنة إميليا بأن ما حدث لم يكن مشكلة تُذكر.  

 

 

«لا تبني التشويق فقط. إنها عادة سيئة لديك.»  

تألقت عينا فيلت بلمعان شديد، واندفعت واقفةً بحماسة.  

 

 

رفعت فيلت زوايا شفتيها بابتسامة ساخرة وهي توجه إصبعها نحو خطة أناستازيا الشفافة.  

«—لاشينز. كنت أتساءل عمّا حدث عندما لم تعد. هل هناك مشكلة ما؟»  

 

 

هذا التبادل العفوي بين الاثنتين كان دليلًا على تقارب كبير بينهما. يبدو أن لقاءً ما، لم يكن سوبارو على علم به، قد حسن العلاقة بينهما كثيرًا. 

كانت ليليانا تتحدث مع إميليا والبقية، وقد بدا الغضب والحنق جليين على وجهها. 

 

 

***

 

 

 

استجابةً لطلب فيلت، وضعت أناستازيا يدها على فمها وهي تبتسم ابتسامة هادئة.  

«حسنًا، أعتقد أن هذا عمل جوشوا، ولكن طالما أننا جميعًا هنا، فلندخل معًا.»  

 

«هذا أمر طبيعي، إذ لم يتم تحديد موعد محدد. نادرًا ما تتاح فرصة كهذه لمقابلة الجميع دفعة واحدة، لذا علينا أن نعتبر هذا التوافق في التوقيت نعمة في حد ذاته.»  

«لا أستطيع مجاراتكِ يا فيلت. في الحقيقة، هذا النزل يضم ينبوعًا ساخنًا كبيرًا وواسعًا…»  

كان هذا لقاءً غير متوقع بين قديس السيف وشيطان السيف من عائلة أسترِيا العريقة.  

 

«لقد انحرفنا كثيرًا، لذا دعونا نعود إلى الموضوع… هل تعرف شيئًا عن هذا الشخص المدعو لاشينز؟»  

«ينبوع ساخن؟ تقصدين حمامًا ضخمًا؟!»  

«هل كان ذلك هو الوقت الذي أدركت فيه أنك تحب السيدة، ربما؟»  

 

بما أن هذا العالم لا يعرف البحار، فإن الطهي باستخدام الأسماك يعتمد على صيدها من الأنهار. وبطبيعة الحال، هذا يعني أن الأسماك الكبيرة نادرة، مما يجعل أطباقًا مثل الساشيمي أمرًا غير مألوف. وبالتالي، فإن رؤية هذا الكم من أطباق السمك في مكان كهذا كان مفاجأة حقيقية.  

تألقت عينا فيلت بلمعان شديد، واندفعت واقفةً بحماسة.  

 

 

«هاه، لا أسمع شيئًا. هيا، يا صديقاتي، لنذهب إلى الحمام الآن، الحمام!»  

«الحمام فكرة رائعة! في الأحياء الفقيرة، كان من الصعب الحصول على فرصة للنقع في ماء ساخن، وكنت أعشق ذلك. حسنًا، انتهيتم من كل الأحاديث المهمة، أليس كذلك؟»  

 

 

هناك، الشخص الجالس على وسادة مربعة بوضعية تقليدية، رفع عينيه الهادئتين نحوهم —  

«لقد انتهينا من التحيات بالفعل… ولكن، سيدتي فيلت؟ لا تخبريني أنكِ تعمدتِ الوصول متأخرة إلى النزل لتجنب المحادثات الجادة…»  

 

 

 

«هاه، لا أسمع شيئًا. هيا، يا صديقاتي، لنذهب إلى الحمام الآن، الحمام!»  

مالت برأسها قليلاً قبل أن تُكمل:  

 

جالسًا بوضع رسمي في يوكاتا، جعلت كلمات “شيطان السيف” فيريس يلمس شفتيه بإصبعه.  

تجاهلت فيلت تعليق راينهارد المليء باللوم، ووجهت حديثها إلى إميليا والباقيات. شعرت إميليا بالدهشة من مخاطبتها، لكنها لم تستغرق وقتًا طويلًا لتبتسم بدورها.  

 

 

الطريقة التي تحدث بها ويلهيلم بابتسامة شجية وصوت هادئ جعلت سوبارو يحك خده بخجل. كان سماع صوت ويلهيلم يبعث في نفسه شعورًا بالاطمئنان، بل وجعله يشعر بشيء من الحرج.  

«مم، فكرة الحمام تناسبني. أريد حقًا رؤية هذا الحمام الكبير.»  

 

 

ربما كان ما يفكر فيه الآن تصرفًا فظًا ومتهورًا. ومع ذلك، قرر المضي قدمًا—  

«أعتقد أنكِ محقة. لقد أنهكنا السفر الطويل، وربما يكون هذا هو الأفضل.»  

 

 

«ماذا؟ ليس زيًا مناسبًا لمترشحة في الانتخابات الملكية؟ انظر حولك—جميع الفتيات الأخريات يرتدين نفس الشيء، بحق السماء. لا يمكنني أن أكون الوحيدة التي تشتكي منه.»  

بدت إميليا متحمسة، وحتى كروش وافقت بابتسامة راقية. بالطبع، لم تكن فيلت، صاحبة الاقتراح، ولا أناستازيا، التي تباهت بالينبوع الساخن، تعتزمان الاعتراض.  

 

 

جدير بالذكر أنه منذ إبرام العقد الرسمي بينهما، أصبح من الطبيعي أن يتشارك سوبارو وبياتريس الغرفة. ورغم أن أناستاسيا قد رتبت غرفًا منفصلة لهما، إلا أن بياتريس كانت تزحف إلى فراش سوبارو في منتصف الليل بغض النظر، لذا رفض العرض بأدب.  

«انتظري، حقًا؟ ينبوع ساخن؟ مع هؤلاء الفتيات وفي هذا الوضع؟»  

«أمام شخص وقح مثلك، أرفض أن أدعو أخي، فضلاً عن سيدي. أرجوك غادر هذا المكان بهدوء بينما أنا وحدي من يتعامل معك!» 

 

 

«هيه، أيها السيد، لا تعرقل استمتاعنا. حسنًا، تم الاتفاق، لنذهب!»  

*«لا أعتقد أن شيئًا سيحدث، ولكن إن وقع أي طارئ في هذه المنطقة، فسأهرع فورًا. أرجو أن تنعم براحة البال.»*  

 

 

طوت فيلت ذراعيها وهي تحدق في سوبارو، الذي بدا مرتبكًا، يحاول اللحاق بإيقاعها السريع. ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة أكثر شقاوة.  

«عندما تقول حوتًا، هل تعني الحوت الأبيض يا سوبارو؟»  

 

 

«اليوم، نستحم! ثم نأكل! ولن أقول كلمة واحدة عن أي شيء آخر!»  

«بالمناسبة، سيدتي فيلت، بخصوص هذا الزي…»  

 

«غارفيل، سواء كنت قلقًا أم لا، أنت قوي جدًا.»  

تصريح جريء، وبالفعل، كان قرارها النهائي.  

«إميليا تان… أجل، هذا صحيح. أنتِ تفهمينني حقًا، أليس كذلك؟ قولي المزيد، أرجوك.»  

 

«لكنني لست الأقوى. وهذا غير كافٍ.»  

***

 

 

 

في النهاية، كان لفيلت الكلمة الأخيرة، وتم الاتفاق على أن ينقسم الجميع، على أن يجتمعوا مجددًا في قاعة الاستقبال الكبيرة وقت العشاء.  

رؤية هذا الرجل العجوز، الذي بدا وكأنه تقلص بشكل ملحوظ تحت وطأة شعوره بالندم، جعلت سوبارو يحدق فيه مصدومًا. ثم، ما إن انحسر شعوره بالصدمة، لم يستطع إلا أن ينفجر ضاحكًا.  

 

كان غارفيل يمتلك قدرة غريبة على تحديد قوة الخصم القتالية من خلال بنيته وحركاته، وسوبارو كان شاهدًا على دقة هذه الموهبة، إذ تمكن غارفيل من كشف خبرته المتواضعة في الكيندو من أيام المدرسة المتوسطة. إذا قال غارفيل إن الأمور على ما يرام، فمن المحتمل أن قلق سوبارو كان بلا داعٍ.  

مع ذلك، لم يكن سوبارو يعترض على اقتراح فيلت. بل على العكس، وجد أن فكرتها غير التقليدية لتغيير الروتين كانت جيدة لدرجة أنه شعر بالإعجاب بها.  

الرجل الملتحي الذي قدم نفسه باسم ديناس بدا عادلًا ومتعقلًا، على عكس مظهره الحاد. ورؤيته يعتذر بهذه الجدية أكدت مدى شعوره الحقيقي بالندم تجاه تصرف رئيسه العنيف.  

 

 

لكنه كان قد اكتشف مؤخرًا احتمال العثور على معلومات عن أحد رؤساء الخطايا السبع المميتة في مكان لم يكن يتوقعه أبدًا. كان يرغب بجدية في معالجة هذا الأمر، بالإضافة إلى عناصر أخرى مثيرة للقلق تخص المعسكر ككل.  

«عندما تضع الأمر بهذا الشكل، أشعر بالخجل، تي-هي. أليس كذلك، فيريس؟»  

 

«إذن أخبروني بما حدث. واحد، اثنان، ثلاثة، هيا.»  

أبرز هذه القضايا كانت العقبة التي واجهها غارفيل.  

 

 

عند سماعه لذلك، هز غارفيل رأسه وكأن شيئًا مرًا قد وصل إلى شفتيه.  

بياتريس كانت قد نصحت سوبارو بالانتظار والمراقبة، مع التأكيد على أن غارفيل سيتجاوزها بقوته الخاصة. لكن—  

«يجب أن أقول، يا لها من مدينة غريبة، وهذا مبنى أغرب. كل تلك الأشياء الجديدة في كل مكان أنهكتني تمامًا.»  

 

بين الحين والآخر، كانت إميليا تحدق في سطح الماء وتغرق في تفكير عميق، لكنها كانت تعمد إلى التهرب من أي ملاحظات عن ذلك بابتسامة.  

«—جنرال، آسف، لكن هل تمانع إذا خرجتُ قليلاً؟ لا أعتقد أن هناك شيئًا مريبًا، لكن من الأفضل أن أظل منتبهًا.»  

 

 

من دون أن ينتبه لتلك اللحظة المترددة، دفع جوشوا الحاجز المنزلق إلى الجانب. انفتح الباب الورقي، كاشفًا عن الداخل الصغير لما يُسمى غرفة الشاي.  

بعد انتهاء الاجتماع الأولي في غرفة الاستقبال، ودّع الرجال الفتيات اللواتي كنّ في طريقهن إلى الحمام الكبير، ثم تُركوا لأنفسهم. وهنا، تقدم غارفيل بطلبه إلى سوبارو.  

«أنت لا تفهم، أليس كذلك، أيها الصغير؟ سألقّنك درسًا لن تنساه!»  

 

 

«غارفيل، سواء كنت قلقًا أم لا، أنت قوي جدًا.»  

«لقد اكتشفتُ للتو أمرًا بالصدفة! السيد ويلهيلم لم يشبع بعد من قصص الحب!»  

 

 

«لكنني لست الأقوى. وهذا غير كافٍ.»  

«—لاشينز. كنت أتساءل عمّا حدث عندما لم تعد. هل هناك مشكلة ما؟»  

 

 

كانت هذه آخر كلمات قالها غارفيل قبل أن يدير ظهره ويغادر النزل.  

تفحصت الوجوه الحاضرة بهدوء، وأغلقت عينًا واحدة بابتسامة مريحة.  

 

 

كان ينبغي على سوبارو، بصفته مرافقهم، أن يوقفه، لكنه لم يفعل. وثق بأن غارفيل، من بين الجميع، قادر على التعافي بطريقة ما في ليلة واحدة.  

 

 

«هذا أسوأ مما سبق. عن أي وحش شيطاني تتحدث؟ كلب؟ حوت؟ أرنب؟ اختر واحدًا.»  

—وبالتالي، يمكن أن يحلّ سوبارو مكانه لتلك الليلة، أليس كذلك؟  

«تصرف قاسٍ جدًا منهم.»  

 

 

«يناديني بالجنرال ويعاملني كأنني أخوه الأكبر. أقل ما يمكنني فعله من أجله هو هذا، أليس كذلك؟»  

بابتسامة واحدة فقط، استطاع راينهارد أن يغرس الطمأنينة المطلقة في النفوس. تلك كانت دلالة على قوته التي لا مثيل لها.  

 

 

في الواقع، الأخ الأكبر الآخر لغارفيل كان سيكون هنا لو لم يكن يتجول في المدينة في تلك اللحظة—أو يتجول ويشرب، بالأحرى. مما يعني أن المسؤولية وقعت على عاتق سوبارو وحده لفعل ما يستطيع من أجل هذا الأخ الأصغر. 

 

 

 

***

 

 

 

«اللعنة عليك يا أوتو، لغيابك حين أحتاج إليك حقًا… حقًا، أنت أوتو بمعنى الكلمة.»  

كانت عينا ويلهيلم، التجاعيد التي تزين وجنتيه، نبرة صوته، وحركاته… كل شيء فيه كان يقول شيئًا واحدًا فقط: حتى هذه اللحظة، منذ اللحظة التي التقى بها لأول مرة، كان يحب زوجته — تيريزيا فان أستريا.  

 

«أنا واثق من ذلك. لكل ما لا تستطيع فعله وحدك، سيد سوبارو، أؤمن أنك رجل يستطيع أن يجمع الآخرين الذين لا يستطيعون تحقيق هذه الأشياء وحدهم أيضًا—وبذلك، ستجعل النجاح ممكنًا حيث كان مستحيلًا من قبل.»  

بينما كان يدعو ألا يشبّ أخوه الأصغر على مثل هذا السلوك، توجه سوبارو إلى قاعة الاستقبال الكبيرة في وقت العشاء.  

 

 

«مرحبًا، لقد مر وقت طويل، سوبارو. سمعت بعض الشائعات. يسعدني أن أراك في صحة جيدة.»  

وعندما وصل، رأى الفتيات اللواتي عدن من الاستحمام، إلى جانب الرجال الذين اجتمعوا معهم في الوقت المحدد—  

 

 

«هل قلت شيئًا؟»  

«ب-بيكو، ملابسكِ…!»  

«فهمت، إذن أنت درع السيدة إميليا. يسرني التعرف عليك. كنت أتمنى لقاءك ولو مرة واحدة.»  

 

 

«هاه-هاه، ما رأيك بها، يا ترى؟ بيتي اليوم بطابع مختلف عن المعتاد.»  

«بالمناسبة، سوبارو، أعلم أنه مضى عام كامل، وهناك الكثير مما أود التحدث عنه، ولكن…»  

 

«لا تقل كلمات مشؤومة كهذه مثل *عندما أحين أجلي*. سيد ويلهيلم، أنت شاب، بل شاب للغاية، وسيكون ذلك مشكلة حقيقية إذا كنت دائم التفكير بالتقاعد.»  

استقبلته بياتريس بابتسامة متباهية، خدودها المتوردة قليلاً بعد الاستحمام أضفت لمسة إضافية على جمالها، لكنه لم يُفاجأ لهذا السبب فقط.  

 

 

 

لطالما اعتاد رؤيتها بفساتينها المترفة، لكن رؤية بياتريس ترتدي “يوكاتا” كانت مفاجأة كبيرة.  

 

 

«حقًا، السيد كيريتاكا مزعج للغاية. أن يصل الأمر إلى هذا الحد حتى بعد زيارة السيدة إميليا والسيد سوبارو بعد غياب طويل، دون أن نتمكن من الحديث على نحو لائق— هذا يثير الغيظ!»  

«أوه، مذهل، مذهل جدًا، لديهم يوكاتا هنا أيضًا! وتبدو رائعة عليكِ! بيكو، أنتِ جميلة جدًا! بيكو، أنتِ رائعة جدًا! هل تمكنتِ من ارتدائها بنفسكِ؟»  

 

 

«اهدأ يا غارفيل. هذا راينهارد، صديقي… لا داعي للقلق.»  

«بالطبع، أظن ذلك. بالنسبة لبيتي، مثل هذا الإنجاز لا يعدو كونه كإعداد كعكة صغيرة.»  

عند مدخل شركة ميوز، تحدث حارس كيريتاكا الشخصي بتلك الكلمات، وانحنى أمام سوبارو معتذرًا.  

 

«—!»  

«هه، هذا متوقع! حسنًا، هذا ما ستقوله بيكو، لكن هل هذا صحيح؟»  

 

 

***

«تي-هيه، لا تشك فيها. صحيح. بياتريس تعثرت بحافة الرداء مرتين فقط.»  

 

 

«على أي حال، لماذا دعت السيدة أنستاسيا الجميع إلى هنا؟»  

«إ-إشاعة، يا ترى؟! سوبارو، بين بيتي وإميليا، من تصدق؟!»  

 

 

تبادل الصديقان القديمان التحية بكلمات قليلة. ثم جلس راينهارد إلى الطاولة.  

«بمجرد أن طرحتِ هذا السؤال، خسرْتِ المعركة بالفعل.»  

بياتريس كانت قد نصحت سوبارو بالانتظار والمراقبة، مع التأكيد على أن غارفيل سيتجاوزها بقوته الخاصة. لكن—  

 

 

كان هذا هو الحكم المنطقي، حيث اعتادت بياتريس التصرف بعدم صدق، بينما كانت إميليا صادقة تمامًا.  

«لكن هذا الأمر يزعجك، أليس كذلك، السيد ويلهيلم؟»  

 

على الرغم من أن كلاهما ينتمي إلى معسكرات منافسة، إلا أن أحدهما كان صديقًا عزيزًا، والآخر كان شخصًا يحترمه سوبارو بشدة ويدين له بالكثير.  

ابتسمت إميليا ابتسامة ناعمة بينما ازداد احمرار وجه بياتريس. هي الأخرى كانت ترتدي يوكاتا، وشعرها الفضي المبلل لا يزال مربوطًا بدقة خلف رأسها.  

***

 

«همم، يبدو أن التحضيرات للعشاء قد اكتملت. هل تمانعون في إحضاره؟»  

هذا أتاح له رؤية واضحة لعنقها، الذي كان مذهلًا بالفعل. كما أن رائحتها كانت عطرة للغاية.  

ثم أومأ الرجل الشاب مرة واحدة نحو سوبارو—  

 

 

«سوبارو، يبدو أنك تتنفس بصعوبة عبر أنفك. هل تشعر بالحمى؟»  

 

 

بينما اتفق الجميع ضمنيًا على نسيان أنهم خصوم سياسيون لبعض الوقت، استمرت الأمسية بسلام.  

«ربما حمى الحب فقط. إميليا-تان، هل يمكنني تضفير شعركِ؟»  

«—هاه، أليس هذا جمعًا مثيرًا؟ وفقًا لما قاله لاتشينز، كان الحضور مقتصرًا على الآنسة نصف-الإلف وأناستازيا، ولكن يبدو أنني كنت مخطئة.»  

 

«هيه! ما هذا الرد؟»  

«لا بأس، لكن أعتقد أننا على وشك الجلوس لتناول الطعام. هل تمانع القيام بذلك لاحقًا؟»  

«—راينهارد.»  

 

 

بينما لمس سوبارو طرف شعرها المربوط، أشارت إميليا إلى الطاولة وهي تعرض اقتراحها البديل. رضخ سوبارو على مضض، وعندها لاحظ فجأة أن كل الأعين في الغرفة كانت موجهة نحوهما.  

 

 

«—قال لي إنه يريد أن يعرف ما حدث خلال القتال مع الحوت الأبيض.»  

«ما الأمر؟ هل حدث شيء غريب؟»  

 

 

ابتسم ويلهيلم ابتسامة خافتة وهو يضع قدمه من الحديقة على الشرفة. بدا واضحًا من الأجواء أن الحكاية قد انتهت، لذا مدّ سوبارو يده بشكل عفوي ليساعد ويلهيلم على الصعود إلى الممر.  

«كنت أفكر، من الصعب حقًا تحديد المسافة بينكما، يا سيد ويا آنسة. هذا لم يكن يبدو مثيرًا جدًا، لكن المرة الأخيرة التي رأيتكما فيها كانت علاقتكما سيئة للغاية.»  

 

 

 

«رجاءً، لا تذكري ما حدث في القلعة. يسبب لي ذلك ألمًا في صدري.»  

 

 

 

انحنى سوبارو بعمق أمام فيلت، التي كانت تجلس متربعة في يوكاتا، متوسلاً.  

 

 

 

«هاه! ما هذا كله؟ يبدو أن السيد قد استعاد رشده، أليس كذلك؟»  

 

 

 

رد فعله جعل فيلت تضحك وترفع بصرها عن الكتاب الذي كانت تقرأه، وهو شيء لم يكن يتخيلها تفعله على الإطلاق. أغلقت الكتاب، الذي كان يحتوي على زهرة مجففة كفاصل، وقالت:  

 

 

تصرفها هذا جعل سوبارو وكروش يتبادلان ابتسامة لا تتناسب مع سياق الموقف، بينما فارسها، فيري، كان يتابع المشهد بنظرة غير مستحسنة على الإطلاق.  

«بالمناسبة…»  

 

 

 

مالت برأسها قليلاً قبل أن تُكمل:  

 

 

بينما كان يدعو ألا يشبّ أخوه الأصغر على مثل هذا السلوك، توجه سوبارو إلى قاعة الاستقبال الكبيرة في وقت العشاء.  

«سمعتُ في الحمام أن فارسي عديم الفائدة أزعج فتاكَ الأشقر؟ آسفة على ذلك. سأحرص على توبيخه.»  

ارتسمت على وجه ويلهيلم ملامح تعبر عن عدم التصديق، لكن ما قاله كان هو ما أثار دهشة سوبارو.  

 

 

بينما كانت تتحدث، استخدمت الكتاب الذي في يدها لتضرب راينهارد على كتفه. لم تُظهر أي علامة على ضبط النفس، مما جعل حاجبي الفارس الأحمر الشعر ينعقدان بنظرة متحفظة.  

كانت ساقا بياتريس قد وصلتا إلى حدهما، فغيرت جلستها لتكون ساقاها إلى الجانب. أما سوبارو، فقد ألقى نظرة سريعة نحو غارفيل، الذي كان يجلس في زاوية الغرفة بوضعية دفاعية.  

 

 

«سيدتي فيلت، هذا النوع من الحديث قد يثير التكهنات. لقد كان بيننا مجرد سوء فهم، وتعاملتُ معه بطريقة خشنة بعض الشيء. هذا كل شيء… في الحقيقة، هو يتمتع بقوة مذهلة رغم صغر سنه.» 

 

 

«أمام شخص وقح مثلك، أرفض أن أدعو أخي، فضلاً عن سيدي. أرجوك غادر هذا المكان بهدوء بينما أنا وحدي من يتعامل معك!» 

***

 

 

 

«ذلك التظاهر المتعجرف بعدم الوعي الذاتي لا يبدو مقنعًا على الإطلاق. أعني، أنت قاسٍ بلا رحمة مع أي شخص يُظهر أي موهبة. دائمًا ما تترك غاستون والبقية على وشك البكاء بعد أن تنتهي من التعامل معهم.»  

 

 

 

كان تقييم راينهارد لقدرات غارفيل كافيًا ليجعل فيلت تخرج لسانها بتعبير مستاء على وجهها.  

عندما انحنى سوبارو باحترام وفقًا للتقاليد المتعارف عليها، قال ويلهيلم: *«حسنًا، لا مفر إذًا.»* بدا مسرورًا بشكل خاص وهو يبدأ بسرد حكايته.  

 

 

على الأقل، أدرك سوبارو أن كلمات راينهارد كانت تعبيرًا عن اعتقاده الحقيقي. لقد قال ذلك لأنه يحترم غارفيل بصدق ويعترف بقوته.  

«في هذا الجانب، فريقنا قريب جدًا من المثالية… مع أن فريق كروش يحتل المركز الأول في القائمة.»  

 

في نهاية كل تلك الكلمات العابثة، كشف سوبارو عن الحقيقة التي ستصبح على الأرجح مفتاح الحل.  

ربما كان هذا الجانب من شخصيته هو الأكثر خطورة على الإطلاق.  

 

 

«…إممم.»  

«بالمناسبة، سيدتي فيلت، بخصوص هذا الزي…»  

«عادةً، يكون الأمر بالعكس، أليس كذلك؟»  

 

 

«ماذا؟ ليس زيًا مناسبًا لمترشحة في الانتخابات الملكية؟ انظر حولك—جميع الفتيات الأخريات يرتدين نفس الشيء، بحق السماء. لا يمكنني أن أكون الوحيدة التي تشتكي منه.»  

«الأمر يتعلق بخطورته الزائدة، على الأرجح. على أي حال، افعل ما بوسعك.»  

 

بالطبع، فشل الصفقة التجارية كان بسبب قلة حنكة سوبارو بالإضافة إلى عجز ليليانا الفاضح عن فهم المواقف. وبعد تفكير أعمق، أدرك سوبارو أنه لم يكن أفضل حالًا منها. لماذا اعتقد يومًا أن شخصين مثلهما يمكن أن يكونا عونًا في مفاوضات حساسة تتطلب فهم ردود أفعال الآخرين؟  

«لا، ليس هذا على الإطلاق. ما قصدته فقط هو أنه يناسبكِ جدًا.»  

 

 

 

«اصمت!»  

 

 

 

لكن كان من اللافت حقًا مدى حدّة العبارات التي توجهها فيلت نحو راينهارد.  

«—. نعم، أنا أصغي.»  

 

 

هذا الرجل الذي يحظى بثقة واحترام شعب المملكة، والذي ينظر إليه الجميع بصدق باعتباره فارس الفرسان. كلمة لطيفة منه كانت كافية لإيقاع قلوب كثير من النساء، ولكن فيلت كانت تبعد تلك الكلمات كما لو كانت قمامة.  

عندما اقتربوا ورأوا البناء الذي يُشبه الطراز الياباني من بعيد، لاحظوا عند مدخل المكان—  

 

بين الحين والآخر، كانت إميليا تحدق في سطح الماء وتغرق في تفكير عميق، لكنها كانت تعمد إلى التهرب من أي ملاحظات عن ذلك بابتسامة.  

بدأ سوبارو يشعر بالقلق حقًا من أن الأمور بينهما لم تكن تسير بسلاسة كما كانت الشائعات توحي.  

«انظري إليهما. سوباو لا يميز. سيحاول فعل ذلك مع أي أحد لو أتيحت له الفرصة. إنها حالة ميؤوس منها، لذا لا تعيريها أي انتباه.»  

 

«لقد وصلنا. يُرجى الانتظار هنا في غرفة الشاي حتى تنتهي السيدة أنستاسيا من اجتماعها.»  

«في هذا الجانب، فريقنا قريب جدًا من المثالية… مع أن فريق كروش يحتل المركز الأول في القائمة.»  

 

 

حينها، صفقت إميليا بيديها، وقالت: «حسنًا، هذا يكفي. أوتو، لا داعي لأن تكون غاضبًا هكذا. ليس وكأن سوبارو كان ينوي التسبب في مشكلة، وإلا لما كان مكتئبًا بهذا الشكل بشأن ما حدث.»  

«نحن ماذا؟»  

 

 

غارفيل تجهم بشك بسبب رد فعل سوبارو المريب.  

عندما وضع سوبارو يده على ذقنه متفكرًا، وجهت كروش نظرة تساؤل نحوه.  

 

 

 

بالطبع، لم تكن كروش استثناءً؛ فقد ارتدت أيضًا “يوكاتا”، والتي كانت مختلفة تمامًا عن الفساتين التي اعتادت ارتداءها. النسيج الرقيق لليوكاتا، الذي انسدل برشاقة على قوامها، أضفى لمسة إضافية من الأنوثة على حضورها.  

 

 

 

كان يعلم أن هذه الملابس كانت تُرتدى أصلاً كملابس ليلية للمرح المسائي، لكنها كانت تعبيرًا مميزًا عن الجاذبية في إطار الملابس اليابانية.  

 

 

أراد سوبارو بعمق أن يطرح هذه الأسئلة.  

«نعم. أنتِ وفيريس قريبان جدًا، لكن ليس لديكما علاقة من هذا النوع، صحيح؟ وضعي مختلف بعض الشيء بسبب النوايا التي بدأتُ بها، لكنكما تملكان علاقة مثالية أشبه بالصورة المثالية.»  

«آه، يا لها من فرصة ضائعة حقًا. لكن من المدهش أن يتمكن هذا العدد الكبير من الضيوف المدعوين من الاجتماع هنا اليوم. حتى أنا، أجد الأمر مفاجئًا.»  

 

هذا الرجل الذي يحظى بثقة واحترام شعب المملكة، والذي ينظر إليه الجميع بصدق باعتباره فارس الفرسان. كلمة لطيفة منه كانت كافية لإيقاع قلوب كثير من النساء، ولكن فيلت كانت تبعد تلك الكلمات كما لو كانت قمامة.  

«عندما تضع الأمر بهذا الشكل، أشعر بالخجل، تي-هي. أليس كذلك، فيريس؟»  

بينما كان يدعو ألا يشبّ أخوه الأصغر على مثل هذا السلوك، توجه سوبارو إلى قاعة الاستقبال الكبيرة في وقت العشاء.  

 

 

«فيريس لديه نوايا خفية جدًا تجاه السيدة كروش، رغم ذلك.»  

 

 

«سأفكر فيما قلته الآن بشكل جاد… وأنا آسف بعض الشيء. كان الهدف الأساسي من هذا كله هو سماع قصص عن زوجتك.» 

في تلك اللحظة، جعل تصريح فيريس أجواء قاعة الاستقبال تتجمد بالكامل.  

«أيها الأحمق، هذا ليس وقت التهاون. ماذا سنفعل إذا بقي بعض الغريبي الأطوار بالقرب منها وأنت غير موجود؟ إميليا-تشان ستكون في مأزق إذا لم يكن الشخص من النوع الذي أستطيع التعامل معه.»  

 

 

ظل تعبير كروش متحجرًا بابتسامة ساحرة، بينما نظر إليها فيريس بابتسامة ماكرة. بالمناسبة، كان فيريس أيضًا يرتدي يوكاتا. كان قد بدّل ملابسه في وقت ما، وبدت عليه كما بدت على أي من الفتيات. على أي حال—  

 

 

***

«آسف لكشف سر لم يكن أحد بحاجة لسماعه. لنأكل؟»  

«يا إلهي، إميليا-تان، هل قلتُ شيئًا غريبًا كالعادة؟»  

 

«لاشينز، لقد قلت لك هذا مرارًا وتكرارًا: ينقصك الوعي بوظيفتك كمرافق. والآن أفهم ما أدى إلى تفاقم هذا الوضع. للأسف، من الصعب عليّ أن أدعمك.»  

«من فضلك، لا تنبش القنابل ثم تحاول الفرار بهذه الطريقة!»  

وهكذا، بسبب الجهود المشتركة بين الساحرة الصغيرة من معسكر إميليا والمطربة، انتهت المفاوضات بنتائج كارثية، لتحطم كل آمال سوبارو في تحقيق عودة مظفرة.  

 

وضع فيلهيلم وراينهارد بجانب بعضهما البعض يعني أن الجد والحفيد كانا يجلسان جنبًا إلى جنب، لكنهما لم يتبادلا كلمة واحدة منذ لحظة التقائهما غير المتوقعة في غرفة الشاي وحتى لحظة استدعاء الجميع.  

شكت كروش بعينين دامعتين بينما حاول سوبارو الانسحاب نحو العشاء.  

 

 

 

ربما جاء ذلك كالصاعقة بالنسبة لها، ولكن سوبارو لم يكن يبحث عمدًا عن أسرار صادمة كهذه أيضًا.  

استغرقت وقتًا طويلًا لاستيعاب الأمر، لكن حتى ليليانا استجابت أخيرًا لرجاء ديناس الصادق.  

 

وضع ديناس يده على جبهته وأطلق تنهيدة طويلة. كان وصف الأمر بالمرض طريقة غريبة لوصف حالته.  

*ما العمل؟* تساءل سوبارو وهو يترك نظراته تسرح.  

 

 

 

«فيريس، لا يمكنني أن أوافق على إخافتكِ للسيدة كروش بهذا الشكل.»  

 

 

 

التعليق الذي غيّر الأجواء تمامًا جاء من فيلهلم، الذي كان صامتًا طوال الوقت.  

 

 

«سماعك تقول ذلك يُخفف من ألمي…»  

جالسًا بوضع رسمي في يوكاتا، جعلت كلمات “شيطان السيف” فيريس يلمس شفتيه بإصبعه.  

 

 

«كنت أفكر، من الصعب حقًا تحديد المسافة بينكما، يا سيد ويا آنسة. هذا لم يكن يبدو مثيرًا جدًا، لكن المرة الأخيرة التي رأيتكما فيها كانت علاقتكما سيئة للغاية.»  

«يا إلهي، حتى الجد ويل يشكك في مشاعر فيريس؟»  

«ه-هل طعمه لذيذ؟»  

 

 

«الاحترام، المودة، الرومانسية—توقف عن إثارة الفوضى بالسخرية من السادة والحاشية الحاضرين. أجد نفسي مضطرًا للإشارة إلى أن استغلال سذاجة الآخرين ليس أمرًا لطيفًا على الإطلاق.» 

 

 

 

***

ذلك الفعل، التراجع اللاإرادي، جعله يفتح عينيه على اتساعهما عندما أدرك ما حدث. هذه كانت المرة الأولى التي يختبر فيها شيئًا كهذا.  

 

كان يبدو أن رجلين متورطان في مشادة حامية.  

«أوه، أنت صارم جدًا، تبا!»  

«تسببتُ لكم بالكثير من المتاعب…»  

 

رفع سوبارو رأسه نحو السماء، وهو يدرك كم من الألاعيب كانت تلعبها الأقدار معه فيما يخص هؤلاء الثلاثة، الذين كان قد أطلق عليهم يومًا ما أسماء لاري وكيرلي ومو في ذهنه.  

جعلت محاضرة فيلهلم المليئة بالهيبة فيريس يعبس ويعلن استسلامه. بعد ذلك، اكتفى فيريس بأن دفن وجهه على كتف كروش بحركة دلال.  

«حقًا؟ لا أستطيع كبح رغبتي في تسريع الأمور. ألا يمكن أن تعطينا أي شيء مسبقًا، حتى ولو كان قليلًا؟»  

 

 

«لا داعي للقلق بهذا الشكل. بالطبع إنها مجرد مزحة. أن تكون لدى فيريس نوايا مريبة تجاه السيدة كروش سيكون أمرًا سيئًا على عدة مستويات.»  

 

 

 

«ن-نعم، أظن ذلك. لقد أفزعتني حقًا. بما أنني لا أستطيع استخدام نعمتي كما ينبغي في الوقت الحالي، أشعر أنني قد أسيء فهم مشاعرك بشأن أشياء كثيرة، فيريس.»  

«هاه! ومن يرضى بذوقك في الأزياء؟ كانت جولة الاستكشاف مجرد حيلة للحصول على ملابس جديدة. افهم شخصيتي جيدًا، راينهارد العزيز.»  

 

أفضل معالج في المملكة، والذي عمل في وقت ما كطبيب لسوبارو. كانت كلماته الساخرة تحمل نبرة حادة جعلت سوبارو يعتدل في جلسته قليلاً. 

«—هذا ليس صحيحًا على الإطلاق.»  

 

 

«مرحبًا، لقد مر وقت طويل، سوبارو. سمعت بعض الشائعات. يسعدني أن أراك في صحة جيدة.»  

بينما كانت كروش تتنفس الصعداء، لفت انتباه سوبارو ذلك البريق في عيني فيريس.  

 

 

«المدينة جميلة جدًا؛ لذا أظن أن التنزه فيها فرصة رائعة. كما قال أوتو، ليس لدينا شيء نفعله اليوم.»  

في تلك اللحظة، ظهرت في عينيه مشاعر مكثفة؛ ربما كانت انعكاسًا لمعاناته الشخصية.  

 

 

 

على الرغم من أسلوبه الطائش في التصرف، فإن الألم الذي عاناه فيريس على مدار العام الماضي كان على الأرجح مكافئًا لما مر به سوبارو. كان يدرك تمامًا مشاعر الندم والأسى التي تمزق أعماق فيريس.  

«إذا انتهيت من أمرك هنا، فعليك المغادرة. الأهم من ذلك، ما الذي حدث؟ لا تزعج الناس بإثارة شجار أمام نزل كهذا. اهدأ وتحدث بطريقة مناسبة.»  

 

«—أعتذر. يبدو أنني أخفتكم.»  

«همم، يبدو أن التحضيرات للعشاء قد اكتملت. هل تمانعون في إحضاره؟»  

ابتسمت إميليا ابتسامة ناعمة بينما ازداد احمرار وجه بياتريس. هي الأخرى كانت ترتدي يوكاتا، وشعرها الفضي المبلل لا يزال مربوطًا بدقة خلف رأسها.  

 

رأى سوبارو عيني غارفيل اليشمية تتسعان بينما تقلصت حدقتاه بفعل التوتر. كان كل شعر في جسده واقفًا، ووقف مستعدًا، مع أنيابه ومخالبه وعضلاته في حالة من التوتر الشديد.  

بعد أن انتظر هدوءًا طبيعيًا في الحديث، طلب جوشوا من موظفي النزل إعداد المائدة. وما إن بدأوا بوضع الأطباق واحدة تلو الأخرى على الطاولة الطويلة، حتى بدأت ردود الفعل المفاجئة تتوالى من كل الجهات.  

نظر بعينيه الزرقاوين نحو شيء بعيد في الأفق، مستعيدًا ذكرى عزيزة على قلبه.  

 

«هذا أسوأ مما سبق. عن أي وحش شيطاني تتحدث؟ كلب؟ حوت؟ أرنب؟ اختر واحدًا.»  

كانت الأطباق المتنوعة شيئًا لم يسبق لإيميليا والآخرين أن رأوه من قبل، لكن دهشة سوبارو كانت لسبب مختلف تمامًا—فقد صُدم برؤية مشاهد مألوفة لم يكن يتوقعها.  

 

 

أوقف ويلهيلم كلماته لبرهة قصيرة، ثم أومأ برأسه برضا.  

 

 

 

بما أن هذا العالم لا يعرف البحار، فإن الطهي باستخدام الأسماك يعتمد على صيدها من الأنهار. وبطبيعة الحال، هذا يعني أن الأسماك الكبيرة نادرة، مما يجعل أطباقًا مثل الساشيمي أمرًا غير مألوف. وبالتالي، فإن رؤية هذا الكم من أطباق السمك في مكان كهذا كان مفاجأة حقيقية.  

«الأمر يتعلق بخطورته الزائدة، على الأرجح. على أي حال، افعل ما بوسعك.»  

 

 

«هل يمكننا تناوله بهذا الشكل؟»  

«…»  

 

كانت ليليانا تتحدث مع إميليا والبقية، وقد بدا الغضب والحنق جليين على وجهها. 

«ما رأيك؟ لم يسبق لك رؤية شيء كهذا، أليس كذلك؟ كل شيء هنا يأتي من نهر تيغراسيا العظيم القريب، ويتم إعداده على يد طهاة ذوي خبرة. إنه جيد بما يكفي ليُعدّ إحدى تخصصات مطعم “الرداء المائي”.»  

 

 

 

على ما يبدو، لم تُنسَ التقاليد الطهوية التي تتجاوز المعايير الشائعة في مملكة لوغونيكا. بغض النظر، بدأت الأطباق اليابانية الواحدة تلو الأخرى تظهر على المائدة، مما زاد من حيرة إيميليا ورفاقها.  

 

 

 

وكان أول من تخطى تردده ليس أناستاسيا، مضيفة الوليمة، بل—  

 

 

 

«هكذا! بهذه الطريقة! هذا هو الأسلوب الصحيح لتناوله!»  

«لقد وصلنا. يُرجى الانتظار هنا في غرفة الشاي حتى تنتهي السيدة أنستاسيا من اجتماعها.»  

 

«على أي حال، غارفيل، أتمنى من أعماق قلبي، يا أخي الصغير، أن تجد السعادة.»  

للأسف، كانت الأدوات المستخدمة هي الشوك، لكن سوبارو غرز شوكته في قطعة ساشيمي من سمكة لم يتعرف عليها، أضاف عليها شيئًا يشبه صلصة الصويا، وألقاها في فمه دفعة واحدة.  

كان ويلهيلم يحتفظ بمشاعره لزوجته الراحلة قريبًا من قلبه، حتى وهو يقضي على أعدائه. ولهذا السبب كان سوبارو يحترمه كرجل.  

 

 

وعندما أطلقت إيميليا وبياتريس بجانبه صوت دهشة خافت «آه!»، لعق شفتيه بارتياح.  

«لا تتحدث معي وكأننا أصدقاء مقربون! ومن هو لاري هذا؟! اسمي لاشينز —هذا اسمي، تبًا!»  

 

 

«لذيذ جدًا! آه، لقد مر زمن طويل منذ أن تذوقت الساشيمي! هذا أفضل شيء! أنتِ رائعة، أناستاسيا!» 

 

 

 

***

وهكذا، وكأنها قد تخلّصت من مخاوفها، بدأت تمشي مجددًا. تبعتها بياتريس وغارفيل، ثم شرع سوبارو في اللحاق بهم.  

 

«بالطبع، أظن ذلك. بالنسبة لبيتي، مثل هذا الإنجاز لا يعدو كونه كإعداد كعكة صغيرة.»  

«ه-هل طعمه لذيذ؟»  

«آآه، أجل، ما الأمر؟»  

 

 

«إنه تحفة فنية! السمك طازج، لذا مذاقه رائع جدًا! من المؤسف أنه لا يوجد لديكم خل السوشي هنا، وإلا كنت قد حاولت تقليد صديق والدي الشيف وأعددت بعض النيغيري سوشي!»  

 

 

كان في عينيها الكهرمانيتين اللوزيتين لطفٌ واضح، وكانت ترتدي ثوبًا أزرق داكنًا طويلًا يعكس صورة مثالية للأنوثة الأرستقراطية. لم يكن من الضروري حتى الإشارة إلى أن هذه السيدة كانت تجسد الرقي بكل تفاصيلها.  

«آسفة، لا أفهم ما الذي تقوله… لكن فهمت. إذًا، طعمه لذيذ.»  

 

 

أي شخص يرى تعبيره في تلك اللحظة كان سيدرك أنه ما زال عاشقًا لها.  

على ما يبدو، استوعبت إيميليا جوهر تدفق أفكار سوبارو، فاختارت تصديق الجزء الأكثر أهمية فقط. قامت بما فعله هو، وضعت صلصة الصويا على الساشيمي قبل أن تتذوقه بنفسها.  

 

 

 

عندما فعلت ذلك، فتحت إيميليا عينيها المستديرتين على اتساعهما وقالت «همم—!» وهي تعقد قبضتها بسعادة وتلوّح بها.  

«السيد ويلهيلم، ليس من نيتي أن أتحول من شخص يقتحم شؤون عائلة أخرى إلى من يدوس بلا مبالاة على مشاعر الآخرين، ولكن…»  

 

«—!!»  

بعد أن رأوا ردود الفعل الصادقة نفسها من السيدة وخادمها، لم يتردد الآخرون الحاضرون في مد أيديهم إلى الطعام واحدًا تلو الآخر.  

—ولكن خلف كل تلك المشاعر كان الحب.  

 

كان ويلهيلم الشخص الذي يحترمه سوبارو أكثر من أي أحد آخر في هذا العالم.  

«آه، ناتسوكي، ها أنت تفسد متعتي مجددًا…»  

«راينهارد، هاه…»  

 

فورًا، اندفعت إلى ذهنه آخر ذكرى له مع راينهارد منذ عام مضى. كانت ذكرى مريرة؛ فقد أبعد راينهارد عنه عندما جاء للاعتذار عن عدم منعه لجوليوس من ضرب سوبارو في ساحة التدريب.  

شعرت أناستاسيا بخيبة أمل طفيفة بعد أن سُلبت الأضواء منها، لكنها سرعان ما استرخت تعابير وجهها بعد ردود الفعل السعيدة لسوبارو وإيميليا.  

كانت شجاعتها السابقة وحسمها قد فُقدا مع ذكرياتها، مما جعلها تبدو كصورة حية لابنة نبيلة من طبقة الأرستقراطية.  

 

كانت هذه كلمات راينهارد المطمئنة عندما افترقا في القاعة.  

«يا للعجب، لا يمكنني إلا أن أتحملكم أيها الأطفال… هيه! اتركوا لي بعضًا منه!»  

 

 

«ماذا؟ ليس زيًا مناسبًا لمترشحة في الانتخابات الملكية؟ انظر حولك—جميع الفتيات الأخريات يرتدين نفس الشيء، بحق السماء. لا يمكنني أن أكون الوحيدة التي تشتكي منه.»  

رغم المخاوف التي خيمت على العشاء والوجوه الغائبة عن الطاولة، إلا أن كل من شارك في تلك الأمسية تمكن من الاستمتاع بوقت هادئ قصير.  

 

 

تنهدت فيلت بخيبة أمل بدت وكأنها تتوقعها، ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة فورية. التحول السريع في تعبيرها كان مربكًا، لكن راينهارد وقف بجانبها بلطف.  

—في تلك الليلة، بدا وكأن القمر والعالم قررا أن يمنحا الجميع لحظة سلام، حيث تأجلت كل المخاوف المعتادة إلى وقت آخر.  

—أكثر من أي وقت مضى، أصبح سوبارو شديد الحساسية تجاه الموت عندما يتعلق الأمر بمن يعرفهم شخصيًا.  

 

 

***

«ينبوع ساخن؟ تقصدين حمامًا ضخمًا؟!»  

 

«أمم، ربما يكون مجرد وهم… لكنني أشعر أنني رأيت وجه هذا الرجل من قبل.»  

6  

 

 

 

بينما اتفق الجميع ضمنيًا على نسيان أنهم خصوم سياسيون لبعض الوقت، استمرت الأمسية بسلام.  

الشخص الذي كان يجلس إلى جانب كروش ويمازح سوبارو بكلمات لاذعة كان الشاب الوسيم ذو أذني القطة — أو بالأحرى، الفتى الذي يُدعى فيريس.  

 

كان العناد المرتسم على وجه جوشوا يوحي بأن رده لم يكن صادقًا تمامًا. لاحظ راينهارد ذلك وابتسم بابتسامة متكلفة بينما رفع سوبارو يده قائلاً:  

انتهى العشاء في قاعة الاستقبال، وبعد أن انتهى سوبارو من الاستحمام، عاد إلى غرفته. بدا أن الموظفين قد وضعوا الفُرُش أثناء غياب الضيوف، مما جعل كل شيء جاهزًا لقضاء ليلة هانئة.  

«ناه، ليس غريبًا… أنا فقط أشعر بالغيرة. يمكنكِ مناداتي أستاذ أيضًا، أليس كذلك؟»  

 

«لا يُصدّق—»  

«سوبارو! يبدو أن أحدًا قد تسلل إلى الغرفة أثناء غياب بيتي والآخرين!»  

 

 

«آه؟»  

«أجل، يبدو أن الفراش الذي فوضت فيه كل شيء قد أُعيد ترتيبه. يا له من مخرب ماهر.»  

 

 

‹‹بيكو.››  

وبينما كان يعاتب بياتريس على حذرها المفرط من فرشتي النوم المرتبتين بجانب بعضهما البعض، قام سوبارو بلطف بإدخال الفتاة التي بدت عليها علامات النعاس إلى السرير.  

 

 

 

جدير بالذكر أنه منذ إبرام العقد الرسمي بينهما، أصبح من الطبيعي أن يتشارك سوبارو وبياتريس الغرفة. ورغم أن أناستاسيا قد رتبت غرفًا منفصلة لهما، إلا أن بياتريس كانت تزحف إلى فراش سوبارو في منتصف الليل بغض النظر، لذا رفض العرض بأدب.  

 

 

 

بالطبع، لم يكن ذلك لأن بياتريس لا تزال صغيرة جدًا لتنام بمفردها، بل لأن قدرًا كبيرًا من الطاقة المستمدة من “الأودو” يتولد أثناء النوم، وكان الأمر لا يتعدى كونه مراعاةً لحالة سوبارو الجسدية.  

كان ويلهيلم الشخص الذي يحترمه سوبارو أكثر من أي أحد آخر في هذا العالم.  

 

 

*ليس الأمر أن بيتي ترغب في البقاء مع سوبارو. لا تفهم الأمر بشكل خاطئ، أتساءل؟*  

في كل الأحوال، استنتج سوبارو أن الظروف المعقدة كانت تحيط بالاثنين من عائلة أسترِيا. خلاف ذلك، لم يكن ممكنًا تفسير المشاعر التي كانت تؤرق فيلهيلم أثناء مطاردة حوت الضباب.  

 

 

هذا ما أخبرته بياتريس بعد وقت قصير من إبرام العقد.  

 

 

 

في الواقع، لم يكن يهم ما إذا كانت نواياها الحقيقية مختلفة أم لا. فقد اعتاد سوبارو على سماع صوت شخص آخر ينام بجواره خلال العام الماضي. وكان ذلك يساعده أيضًا على الشعور بالدفء في الأيام الباردة.  

 

 

 

«هل هذا كومة من السم الأخضر، أتساءل؟ لن تفلت بسهولة إذا تناولته…»  

جدير بالذكر أنه منذ إبرام العقد الرسمي بينهما، أصبح من الطبيعي أن يتشارك سوبارو وبياتريس الغرفة. ورغم أن أناستاسيا قد رتبت غرفًا منفصلة لهما، إلا أن بياتريس كانت تزحف إلى فراش سوبارو في منتصف الليل بغض النظر، لذا رفض العرض بأدب.  

 

 

بدا أنها أرهقت نفسها كثيرًا، حيث استسلمت للنوم فورًا بمجرد أن استلقت على الفراش، وهي تتنهد بخوف من صدمة الوسابي التي تذوقتها خلال العشاء.  

‹‹هيه، أيها الجنرال. تبدو مرتبكًا جدًا. ماذا؟ هل تخشى أن يخطف ذلك الوسيم فتاتك؟››  

 

 

بينما كان يتأمل وجه شريكته النائمة البريء، تمدد سوبارو قليلاً في وسط الغرفة.  

 

 

 

«حسنًا، ما رأيكم أن أخرج في جولة صغيرة حتى أشعر بالنعاس؟»  

 

 

 

وبعد أن شدّ حزام اليوكاتا حوله، غادر سوبارو الغرفة بحالة معنوية مرتفعة. لم يحدد وجهة بعينها، لكنه لم يكن ينوي الابتعاد عن النزل، حيث قرر أن يحصل على بعض الهواء النقي في الحديقة. 

جدير بالذكر أن الأربعة كانوا يسلكون الطريق الطويل عائدين إلى الراية المائية سيرًا على الأقدام. وللأسف، إن قرروا استخدام قارب التنين، فهناك احتمال كبير أن يضطروا إلى ترك سوبارو خلفهم بسبب دوار البحر الذي يعاني منه.  

 

رغم المخاوف التي خيمت على العشاء والوجوه الغائبة عن الطاولة، إلا أن كل من شارك في تلك الأمسية تمكن من الاستمتاع بوقت هادئ قصير.  

***

 

 

 

تخيل سوبارو المشهد الذي يشبه إلى حد كبير حديقة يابانية، معتقدًا أنه سيبدو مذهلًا تحت ضوء القمر. وبينما كان ينظر إلى القمر المستدير عبر نافذة الممر، ضاق عينيه قليلاً مع انعكاس الضوء الفضي عليهما.  

 

 

 

كانت ليلة هادئة. ورغم أن نزل الينابيع الساخنة يضم مناطق مكشوفة بشكل مفرط من حيث الدفاعات، إلا أن تشكيلة الضيوف المقيمين حاليًا جعلت أي شخص يفكر في الاقتحام يستحق الشفقة أكثر من أي شيء آخر.  

بينما كانت إميليا تعبس متذمرة، شعر سوبارو وكأنه تعرض لطعنة في ظهره من شخص كان يظنه حليفًا.  

 

«—ماذا؟» 

*«لا أعتقد أن شيئًا سيحدث، ولكن إن وقع أي طارئ في هذه المنطقة، فسأهرع فورًا. أرجو أن تنعم براحة البال.»*  

 

 

 

كانت هذه كلمات راينهارد المطمئنة عندما افترقا في القاعة.  

 

 

نظر بعينيه الزرقاوين نحو شيء بعيد في الأفق، مستعيدًا ذكرى عزيزة على قلبه.  

كانت حقيقة استخدامه كلمة “المنطقة” بدلًا من “النزل” بحد ذاتها مطمئنة لدرجة مخيفة. وبالنظر إلى شخصيته، فمن المحتمل أنه كان يتواضع لمجرد أنه اختار عدم استخدام كلمة “المدينة”.  

 

 

 

«راينهارد، هاه…»  

في تلك اللحظة، ومع ويلهيلم الذي كان يحدق بعيدًا، كان عليه أن يقولها.  

 

 

تذكر سوبارو صديقه الذي قد يكون في هذه اللحظة مستمرًا في الحراسة، فخفض عينيه. كان من الصعب عليه أن ينسى بساطة الطريقة التي وافق بها راينهارد على كونه صديقه.  

 

 

«بصراحة، لم أسمع إلا المفاجآت. لقد علمت بالأمر خلال حفل التكريم، لكن بعد حوت الضباب وعبادة الساحرة، جاء الأرنب العظيم؟ سوبارو، هل فقدت عقلك؟»  

في اللقاء غير المتوقع الذي جرى في وقت سابق من اليوم، أصلح سوبارو علاقته المتصدعة مع راينهارد. لكن ذلك لم يكن يعني أن الكلمات القاسية التي قالها أو السلوك البغيض الذي أظهره في ذلك اليوم المصيري قد أصبحا مقبولين.  

 

 

كان هناك الكثير ممن أراد سوبارو الوقوف بجانبهم، التنافس معهم، أو أن يُعتبر مساويًا لهم، لكن ربما كان ويلهيلم وحده من جعله يشعر بأنه يريد النظر إليه بإعجاب، مشوبًا بشيء من الغيرة.  

كان يعتقد أن الصداقة تعني التساوي. وحتى لو لم يكن ذلك يهم راينهارد، فإن سوبارو شعر بأنه مدين له بدين لا يمكن إنكاره. كيف يمكنه أن يطلق على نفسه صديقًا لراينهارد دون أن يسدد هذا الدين؟  

«لا عجب أن تسأل ذلك. عادةً، يكون السيد الشاب ممتازًا، إذا استثنينا حالته المرضية.»  

 

 

ألم يكن هناك شيء، أي شيء على الإطلاق، يمكنه فعله من أجل صديقه راينهارد؟  

 

 

 

***

رغم مرور الوقت منذ أن سمع تلك الكلمات، إلا أنها ما زالت تمنحه الشجاعة حتى الآن.  

 

 

بينما كان غارقًا في أفكاره، قادته قدماه إلى الحديقة، فتوقف فجأة عند المشهد الذي استقبله هناك.  

 

 

كانت الأطباق المتنوعة شيئًا لم يسبق لإيميليا والآخرين أن رأوه من قبل، لكن دهشة سوبارو كانت لسبب مختلف تمامًا—فقد صُدم برؤية مشاهد مألوفة لم يكن يتوقعها.  

تحت سماء سوداء وقمر فضي، ومع سحب متفرقة تضفي أجواءً أكثر سحرًا على المكان، رأى شخصًا يقف وحيدًا يستمتع بنسيم الليل العليل.  

أبرز هذه القضايا كانت العقبة التي واجهها غارفيل.  

 

 

كان الرجل يحمل على ظهره هيئة صلبة، وشعرًا ولحية اكتسبا لون البياض. لم يكن هناك سوى شخص واحد يعرفه سوبارو يحمل هذه السمات المميزة.  

 

 

وبينما كان يعاتب بياتريس على حذرها المفرط من فرشتي النوم المرتبتين بجانب بعضهما البعض، قام سوبارو بلطف بإدخال الفتاة التي بدت عليها علامات النعاس إلى السرير.  

«—السيد ويلهيلم؟»  

أبرز هذه القضايا كانت العقبة التي واجهها غارفيل.  

 

ثم نقرت على كتف جوشوا، الذي كان يقودهم عبر الممر.  

«سيدي سوبارو؟ هل أخفتك؟»  

 

 

 

بالتأكيد كان ويلهيلم قد شعر بوجود شخص آخر قبل أن يلاحظ سوبارو وجوده بوقت طويل. خاطب سوبارو بينما أدخل ذراعيه في أكمام اليوكاتا ذات اللون النيلي، واستدار نحوه بلطف، نظرة عيناه الرقيقة كانت متماشية تمامًا مع مظهره.  

 

 

إذا كان راينهارد رجلًا مثل غيره، فهذا يعني أن هناك شيئًا يمكن لسوبارو أن يفعله كصديق له.  

بدت هيئة *شيطان السيف* وهو يقف وسط حديقة ذات طابع ياباني، مرتديًا اليوكاتا، وكأنها لوحة فنية مرسومة بإتقان.  

«عادةً، يكون الأمر بالعكس، أليس كذلك؟»  

 

وخلال السنة الماضية، تعرّف سوبارو على تاريخها القصير ولكن المؤثر. هي التي قادت القوات لإنهاء الحرب الأهلية التي كادت تعصف بمملكة لوغونيكا، البطلة ومخلّصة الأمة—تلك كانت تيريزيا.  

«إنها ليلة هادئة، لكنك لم تتمكن من النوم؟»  

 

 

«حقًا، شكرًا لكِ. سأبذل قصارى جهدي لأكون على قدر التوقعات… بطريقة ما، في مكان ما.»  

«—لا… الأمر ليس كذلك تمامًا. أردت فقط إلقاء نظرة على الحديقة في الليل. ظننت أنها ستبدو رائعة، وهذا ما كنت أسعى لرؤيته.»  

بالإضافة إلى ذلك، رأى سوبارو فرصة لتحقيق النصر. ففي النهاية، راينهارد—  

 

 

«أفهم. إذن فقد كان من الفظاظة أن أقاطع مناسبتك الليلية هذه.»  

 

 

 

الطريقة التي تحدث بها ويلهيلم بابتسامة شجية وصوت هادئ جعلت سوبارو يحك خده بخجل. كان سماع صوت ويلهيلم يبعث في نفسه شعورًا بالاطمئنان، بل وجعله يشعر بشيء من الحرج.  

 

 

 

كان ويلهيلم الشخص الذي يحترمه سوبارو أكثر من أي أحد آخر في هذا العالم.  

ما منعه من ذلك هو أن الشخص الذي قالها لم يكن سوى ويلهيلم.  

 

 

كان هناك الكثير ممن أراد سوبارو الوقوف بجانبهم، التنافس معهم، أو أن يُعتبر مساويًا لهم، لكن ربما كان ويلهيلم وحده من جعله يشعر بأنه يريد النظر إليه بإعجاب، مشوبًا بشيء من الغيرة.  

 

 

 

بالنسبة لسوبارو، كان ويلهيلم مثاله الأعلى، سواء كرجل أو كشخص.  

 

 

بعد أن رأوا ردود الفعل الصادقة نفسها من السيدة وخادمها، لم يتردد الآخرون الحاضرون في مد أيديهم إلى الطعام واحدًا تلو الآخر.  

لذلك، وبينما كان سوبارو يحك خده، هز رأسه بإصرار ردًا على تواضع ويلهيلم.  

 

 

 

«لا، لا. لم تقاطعني على الإطلاق. في الحقيقة، رؤية *شيطان السيف* في حديقة يابانية يجعل المشهد محفورًا في ذاكرتي للأبد. أحب رؤية الناس تحت سماء مضاءة بنور القمر.» 

 

 

عندما قدّم راينهارد مجاملته الصادقة تمامًا، انتفخت إميليا بفخر وهي ترفع صدرها. أما سوبارو فشعر بمزيج من الفخر والإحراج بسبب الطريقة التي تحدثت بها عنه.  

***

 

 

«غير معقولين…؟»  

في نظر سوبارو، لم يكن هناك شخص يناسب سماءً مضاءة بنور القمر أكثر من إميليا.  

 

شعرها الفضي كان يلمع ويتألق بطريقة لا يمكن لأشعة الشمس أن تضاهيها. كانت جمالها أشبه بنور القمر العابر، ولهذا السبب كان سوبارو يأمل أن يصبح يومًا نجمة تحيط بالقمر وتتكامل معه.  

 

 

 

على هذا النحو، وجد سوبارو أن مشهد *شيطان السيف* وهو يقف تحت السماء المقمرة يعكس طموحاته بشكل رمزي.  

 

 

«أنا رجل أحمل في قلبي الكثير من الندم. لكن هنالك ثلاثة ندامات تراكمت على مر حياتي لا أملك أي عذر لها. أحدها هو سبب الشرخ الحالي بيني وبين حفيدي.»  

«يجب أن تهمس بهذه الكلمات لامرأة وليس لرجل. يا له من إهدار.»  

 

 

 

«بوجهي هذا، حتى لو قلت كلمات شاعرية كهذه، فلن تصل بي بعيدًا. ثم إن هذه العبارات لا تجدي نفعًا مع الفتاة التي أحاول استمالة قلبها الآن.»  

 

 

 

«ينبغي للمرء أن يختار كلماته بعناية من أجل المرأة التي يهتم بها… ذلك الشعور بالإحباط جزء من لذة الحب.»  

«أعتذر، ولكن لا بد أن أطلب من الآنسة ليليانا أن تحاول تحسين مزاج السيد الشاب. جدول أعماله اليوم مزدحم للغاية؛ لذا أرجو أن تؤجلوا بقية الأمور إلى الغد.»  

 

«كان السيف كل شيء بالنسبة لي. ولكن الأفكار التي كانت تراودني قبل أن ألوّح بالسيف، والأفكار التي نشأت من حمله، هي التي شكلتني كما أنا. زوجتي أدركت ذلك عني وكأنه أمر بديهي. ومنذ ذلك الحين، كلما لوّحت بسيفي، كنت أفكر بها.»  

نبرة ويلهيلم المازحة جعلت كتفي سوبارو يهبطان بطريقة فكاهية.  

«لكن السيدة كانت تستمتع بالحديث معك على أي حال، أليس كذلك يا سيد ويلهيلم؟»  

 

 

«أوووه، مضى وقت طويل منذ أن رأيتك تتحدث بهذه الأجواء الرومانسية. إذًا، كان لدى السيد ويلهيلم لحظات كهذه أيضًا، هاه؟»  

 

 

 

«بالطبع.»  

 

 

وعندما وصل، رأى الفتيات اللواتي عدن من الاستحمام، إلى جانب الرجال الذين اجتمعوا معهم في الوقت المحدد—  

عندما انحنى سوبارو باحترام وفقًا للتقاليد المتعارف عليها، قال ويلهيلم: *«حسنًا، لا مفر إذًا.»* بدا مسرورًا بشكل خاص وهو يبدأ بسرد حكايته.  

«ما الأمر؟ هل حدث شيء غريب؟»  

 

 

نظر بعينيه الزرقاوين نحو شيء بعيد في الأفق، مستعيدًا ذكرى عزيزة على قلبه.  

 

 

 

«حتى يومنا هذا، ما زلت غير بارع في الكلمات، لكن ماضيّ كان أسوأ بكثير. كنت رجلًا قليل الكلام. عندما قابلت زوجتي لأول مرة، كان تفكيري مشغولًا فقط بتأرجح السيف، لا شك أنني كنت أُشعرها بالملل الشديد.»  

 

 

 

«لكن السيدة كانت تستمتع بالحديث معك على أي حال، أليس كذلك يا سيد ويلهيلم؟»  

كانت ردود فعل إميليا وبياتريس مختلفة تجاه ذكريات سوبارو. وأثناء استماعهم لهذا النقاش، بدا على جوشوا مزيج من القلق والجدية، بينما رفع لاشينز يديه مستسلمًا، وقد شحب وجهه بشكل واضح.  

 

«أتساءل، أليست هذه فرصة جيدة لغارفيل ليدرك أن هناك من هو أعلى منه شأنًا؟»  

«كانت زوجتي امرأة ذات عمق كبير. رغم معاناتها من عبء القدر الذي حملته على كتفيها النحيلتين، لم تتحدث أبدًا عن ذلك مع الآخرين. ربما كان هذا السبب الذي جذبني إليها من اللحظة الأولى التي وقعت عيناي عليها… ولكنني كنت غبيًا جدًا آنذاك لأدرك ذلك.»  

في تلك اللحظة، ظهرت في عينيه مشاعر مكثفة؛ ربما كانت انعكاسًا لمعاناته الشخصية.  

 

 

كان في صوت ويلهيلم لمسة من الندم والخجل، بلا شك بسبب الإحراج من عدم اجتماعيته في شبابه. رؤية هذا الجانب النادر منه جعلت سوبارو يشعر براحة غامرة.  

«نعم، هذا صحيح. السيدة أنستاسيا دعتها. قالت إنها تريد تبادل المعلومات بشكل مفيد. بما أن هذه هي السيدة أنستاسيا، افترضتُ أنها تسعى للحصول على منفعة معينة، ولكن…»  

 

‹‹يبدو أن كليكما كان مهملًا هذه المرة. سأوبخ فتاتنا لاحقًا بسبب قلة انتباهها، لذا أرجو أن نترك الأمر عند هذا الحد اليوم.››  

«من كان يظن أن السيد ويلهيلم كان… غير متكلف هكذا من قبل؟»  

 

 

رد سوبارو بنبرة بدت وكأنها استرجاع لأحلام طفولية، ثم قاد إميليا بعيدًا وهو يمسك بيدها. أطلق نفسًا مسموعًا من الراحة وهو ينظر باتجاهها، ولاحظ أنها كانت تنظر خلفها قليلًا، كما لو أن الرجل الغريب ما زال يشغل بالها.  

«لقد كرست كل كياني للسيف. عندما كنت أمسك بالسيف، كنت أنسى كل الأفكار الأخرى، منغمسًا كما لو أن ذلك هو ما يعطي معنى لحياتي… كانت زوجتي هي التي ذكرتني بالسبب الذي دفعني إلى اختيار السير في طريق السيف.»  

 

 

«بالطبع.»  

«هل كان ذلك هو الوقت الذي أدركت فيه أنك تحب السيدة، ربما؟»  

بينما كان يتحدث، مدّ راينهارد يده بحثًا عن مصافحة. لم يكن في كلماته أي أثر للسخرية. لم يكن هناك سوى الإشادة الصادقة والفرح البسيط.  

 

 

«… يبدو أنك قرأتني جيدًا، يا سيد سوبارو.»  

«سماعك تقول ذلك يُخفف من ألمي…»  

 

 

ردّ سوبارو على همهمة ويلهيلم الهادئة بالصمت. لم يكن ويلهيلم يدرك نوع التعابير التي كان يظهرها في تلك اللحظة. شعور سوبارو بالاعتزاز بأن ويلهيلم قد أظهر له هذا الوجه الصريح كان عميقًا.  

 

 

 

كانت عينا ويلهيلم، التجاعيد التي تزين وجنتيه، نبرة صوته، وحركاته… كل شيء فيه كان يقول شيئًا واحدًا فقط: حتى هذه اللحظة، منذ اللحظة التي التقى بها لأول مرة، كان يحب زوجته — تيريزيا فان أستريا.  

 

 

 

أي شخص يرى تعبيره في تلك اللحظة كان سيدرك أنه ما زال عاشقًا لها.  

كان سوبارو خائفًا من سماع كلمات تعترف بالموت تصدر من فم ويلهيلم.  

 

«… لقد سببت لكم السيدة ليليانا قدرًا لا بأس به من المتاعب في ذلك الحين أيضًا، أليس كذلك؟»  

***

«هل تقصد أن هناك المزيد من المفاجآت في الطريق؟»  

 

رغم المخاوف التي خيمت على العشاء والوجوه الغائبة عن الطاولة، إلا أن كل من شارك في تلك الأمسية تمكن من الاستمتاع بوقت هادئ قصير.  

«—!»  

 

 

 

دون أن يدرك، شعر سوبارو أن الدموع بدأت تترقرق في عينيه وهو ينظر إلى تعبير ويلهيلم. حرارة اجتاحت مؤخرة عينيه، وصدره امتلأ بمشاعر لم يستطع تفسيرها عندما رأى وجه شخص واقع في الحب. لكنه أدرك أن البكاء في موقف كهذا سيسبب حرجًا كبيرًا لويلهيلم.  

 

 

 

*«كما قلت، يا سيد سوبارو. كان ذلك هو الوقت الذي أدركت فيه مشاعري تجاه زوجتي.»*  

«بالمناسبة، سيدتي فيلت، بخصوص هذا الزي…»  

 

كان في صوت ويلهيلم لمسة من الندم والخجل، بلا شك بسبب الإحراج من عدم اجتماعيته في شبابه. رؤية هذا الجانب النادر منه جعلت سوبارو يشعر براحة غامرة.  

بينما خفض سوبارو رأسه ليخفي دموعه، تابع ويلهيلم استرجاع ذكرياته من الأيام الغابرة. وبقبول كرمه، استمع سوبارو إلى قصة الرجل، فيما كان الألم في داخله يزداد عمقًا. 

 

 

 

***

«أتساءل إن كان حفيدي… إن كان راينهارد سيستمع لي؟»  

 

«أنا ممتنة حقًا لدعوتكم لي إلى هنا اليوم. دعونا نجري نقاشًا مثمرًا كمرشحين لاختيار الملك القادم—حسنًا، انتهينا من الرسميات! أشركوني معكم، مفهوم؟»  

«كان السيف كل شيء بالنسبة لي. ولكن الأفكار التي كانت تراودني قبل أن ألوّح بالسيف، والأفكار التي نشأت من حمله، هي التي شكلتني كما أنا. زوجتي أدركت ذلك عني وكأنه أمر بديهي. ومنذ ذلك الحين، كلما لوّحت بسيفي، كنت أفكر بها.»  

في تلك اللحظة، هرعت إميليا بخطوات صغيرة لتعتذر عن تصرف غارفيل العنيف المفاجئ. الطريقة المفرطة في الهدوء التي تعامل بها راينهارد مع الموقف جعلت سوبارو ينسى للحظة أن ما حدث كان بالفعل تصرفًا إشكاليًا للغاية.  

 

 

«حتى الآن؟»  

 

 

 

«—حينها والآن، ما يربطني بزوجتي هو السيف.»  

 

 

في تلك اللحظة، جعل تصريح فيريس أجواء قاعة الاستقبال تتجمد بالكامل.  

توقف ويلهيلم لوهلة قصيرة، ثم نسج كلماته ردًا على سؤال سوبارو.  

 

 

 

كان القمر خلف ويلهيلم، يغمره بنوره الشاحب، وعيناه قد اغرورقتا بمشاعر معقدة. شعر بالفخر. شعر بالندم. شعر بالتردد، بالعاطفة، وبالخجل. كانت الشجاعة والمأساة حاضرتين أيضًا.  

 

 

 

—ولكن خلف كل تلك المشاعر كان الحب.  

«ضيوف، أليس كذلك… يعني ضيوفًا غير إميليا-تان ومبعوث فيلت، راينهارد؟»  

 

«ومع ذلك، من المرجح أن نكون الأسبق. فلا أنوي التنازل لأحد أيضًا.»  

«ما دمت أمسك بالسيف، فإن مشاعري تجاه زوجتي ستبقى بلا شك. لذلك، عندما يحين أجلي، أريد أن أموت وسيفي في يدي. بالنسبة لي، هذا لا يقل عن كونه استمرارًا لوجودي معها.»  

 

 

رغم فقدان ذكرياتها، لم يتغير جوهر المرأة العادلة والنزيهة كروش كارستن. بقيت مخلصة لطريقتها في الحياة.  

كان ويلهيلم غير بارع، وصريحًا جدًا، ليحبها بطريقة أخرى.  

 

 

 

استجمع سوبارو أنفاسه، ملتقطًا أنفاسًا قصيرة وكأنه يلهث بحثًا عن الهواء. شعر أن لسانه أصبح ثقيلًا، وأن رئتيه كادتا تنقبضان. لكنه ضغط على صدره ليهدئ قلبه المضطرب وأجبر لسانه على النطق.  

 

 

 

في تلك اللحظة، ومع ويلهيلم الذي كان يحدق بعيدًا، كان عليه أن يقولها.  

 

 

 

«لا تقل كلمات مشؤومة كهذه مثل *عندما أحين أجلي*. سيد ويلهيلم، أنت شاب، بل شاب للغاية، وسيكون ذلك مشكلة حقيقية إذا كنت دائم التفكير بالتقاعد.»  

«كما أوضح سوبارو للتو. أنا صديقه، راينهارد فان أستريا. سأكون ممتنًا إن أخبرتني باسمك.»  

 

 

«سيد سوبارو؟»  

 

 

 

«كروش وفيريس يعتمدان عليك كثيرًا. كروش تكافح مع فقدان ذكرياتها، وفيريس، رغم أنه لا يظهر ذلك، إلا أنه بلا شك يجهد نفسه لدعمها بكل وسيلة ممكنة. إنهما بحاجة إليك، سيد ويلهيلم. وأيضًا، حتى أنا—!»  

 

 

«أوه، أ-أعتذر، يبدو أنني تسببت في قلق السيدة إميليا والجميع…»  

«حتى أنا لديّ الكثير من الأمور التي أحتاج مساعدتك فيها، سيد ويلهيلم. ربما يبدو هذا تفكيرًا ساذجًا بالنسبة لمنافس سياسي. لكنني…»  

 

 

وعندما وجه الجميع أنظارهم نحو مصدر إنذار غارفيل—  

—كان سوبارو يحب ويلهيلم.  

«لاري! أنت لاري، أليس كذلك؟! ما الذي تفعله في مكان كهذا…؟ كيف حالك؟»  

 

هذه اللحظة كانت لقاءً نادرًا بكل ما للكلمة من معنى.  

كان ويلهيلم يحتفظ بمشاعره لزوجته الراحلة قريبًا من قلبه، حتى وهو يقضي على أعدائه. ولهذا السبب كان سوبارو يحترمه كرجل.  

«حقًا، شكرًا لكِ. سأبذل قصارى جهدي لأكون على قدر التوقعات… بطريقة ما، في مكان ما.»  

 

 

حتى لو لم يكن ويلهيلم مدركًا لذلك، وحتى لو قضى سوبارو في تكرار الحلقات الزمانية ما لا يزيد عن عشرة أيام كمتدرب لديه، فقد أعجب بقوة ويلهيلم.  

«ينبغي للمرء أن يختار كلماته بعناية من أجل المرأة التي يهتم بها… ذلك الشعور بالإحباط جزء من لذة الحب.»  

 

 

كان سوبارو خائفًا من سماع كلمات تعترف بالموت تصدر من فم ويلهيلم.  

رغم فقدان ذكرياتها، لم يتغير جوهر المرأة العادلة والنزيهة كروش كارستن. بقيت مخلصة لطريقتها في الحياة.  

 

عبس راينهارد قليلاً وهو ينظر إلى سيدته الصغيرة، محاولًا بصعوبة الحفاظ على هدوئه.  

—أكثر من أي وقت مضى، أصبح سوبارو شديد الحساسية تجاه الموت عندما يتعلق الأمر بمن يعرفهم شخصيًا.  

 

 

 

كان وعده مع روزوال أحد الأسباب، وكان تأثير «العودة بعد الموت» قد غيّر طريقة تفكيره كذلك. فكرة موت شخص يعرفه كانت تطيح بتماسكه العاطفي بالكامل.  

«انتظر لحظة، استنادًا إلى ما قلته، هل يمكننا أن نفترض أن فيلت هنا معك أيضًا؟»  

 

بينما لمس سوبارو طرف شعرها المربوط، أشارت إميليا إلى الطاولة وهي تعرض اقتراحها البديل. رضخ سوبارو على مضض، وعندها لاحظ فجأة أن كل الأعين في الغرفة كانت موجهة نحوهما.  

كان يكفي أنه يحمل مخاوف سرية بشأن إميليا وبياتريس.  

 

 

«على أي حال، لماذا دعت السيدة أنستاسيا الجميع إلى هنا؟»  

«يبدو أنني، وكما هو معتاد، اخترت كلماتي بشكل سيئ.»  

 

 

 

بينما كان سوبارو يقف متصلبًا، اقترب منه ويلهيلم بابتسامة متألمة. خطوة تلو الأخرى، انتهى شيطان السيف واقفًا أمام حافة الشرفة التي كان سوبارو عليها.  

«بالمناسبة…»  

 

 

ثم اخترقت نظراته الزرقاء الحادة عيني سوبارو السوداوين المرتعشتين.  

 

 

كانت هذه كلمات راينهارد المطمئنة عندما افترقا في القاعة.  

«سيد سوبارو—قد يكون ذلك فضيلة لديك، لكنه أيضًا نقطة ضعف.»  

«هاه-هاه، ما رأيك بها، يا ترى؟ بيتي اليوم بطابع مختلف عن المعتاد.»  

 

 

لم تحمل كلماته نبرة ابتسامة. لكنها لم تكن أيضًا توبيخًا قاسيًا.  

 

 

 

بل بدت وكأنها مناقشة ودية، أشبه بكلمات شيخ يقدم نصيحة لشاب أصغر سنًا.  

وبينما كانوا يلاحقونها عبر منعطف الطريق، تسارع سوبارو والآخرون للوصول إلى مقدمة “ماء الريمونت”.  

 

غارفيل، الذي كان قد عبر الجسر بالفعل وينتظرهما، لوّح لهما وسأله بلهجة مرحة. كان سوبارو يفهم رغبة غارفيل وبياتريس في منحه وإميليا بعض المساحة، لكنه لم يستطع إلا أن يزفر بتعب من الموقف غير المبالي الذي أبداه غارفيل. 

أو، إن كان لسوبارو أن يصفها بدقة أكبر، فالنبرة كانت أشبه بكلمات جد يتحدث إلى حفيده. 

‹‹حقًا؟ إذا كان أحد الطرفين يخصّنا، من الأفضل أن نتعجل.»›  

 

«هل تقصد أن هناك المزيد من المفاجآت في الطريق؟»  

***

 

 

 

«كانت زوجتي على ذات الشاكلة تمامًا. كان من عاداتها السيئة كبح مشاعرها، مفضلةً مشاعر من حولها، ودائمًا ما كانت تضع نفسها في المرتبة الأخيرة.»  

 

 

«حتى لو وافق، من الحكمة أن نتوقع شروطًا أكثر قسوة منه.»  

«عادة سيئة، تقول… لا، في البداية، أنا لست ذلك الرجل النبيل. لست أتمنى سعادة الجميع في كل مكان أو شيء من هذا القبيل. أنا رجل أعتقد أن سعادة من حولي فقط تكفيني.»  

ليس هناك شك أن أغاني ليليانا تمتلك تلك القوة. فقد سبق لسوبارو أن أتيحت له فرصة الاستماع إلى منشدين آخرين غير ليليانا، لكن لم يكن أحدهم يضاهيها.  

 

 

«المشكلة تكمن في تعريفك لمن هم حولك. زوجتي لم ترغب بذلك، لكنها كانت تملك قوة لا تناسب شخصًا واحدًا لتحملها وحده. تطلعاتها وأمانيها تجاوزت بكثير مدى تلك القوة وحدودها.»  

أوقف ويلهيلم كلماته لبرهة قصيرة، ثم أومأ برأسه برضا.  

 

 

كانت زوجة ويلهيلم، تيريزيا فان أستريا، هي قديسة السيف السابقة.  

«لا تبني التشويق فقط. إنها عادة سيئة لديك.»  

 

في تلك اللحظة، ومع ويلهيلم الذي كان يحدق بعيدًا، كان عليه أن يقولها.  

وخلال السنة الماضية، تعرّف سوبارو على تاريخها القصير ولكن المؤثر. هي التي قادت القوات لإنهاء الحرب الأهلية التي كادت تعصف بمملكة لوغونيكا، البطلة ومخلّصة الأمة—تلك كانت تيريزيا.  

«سؤال وجيه، سيدتي إميليا. ولكن، إن حضرتِ دون إخطار مسبق، سيكون الناس في حيرة من أمرهم؛ لأنهم لن يتمكنوا من إعداد استقبال يليق بكِ. الامتناع عن التصرف بعجلة يُعد أيضًا نوعًا من الاعتبار. كما فعلت السيدة أناستاسيا حين تحدثت إلى شركة ميوز بالنيابة عنا.»  

 

بينما كان يتأمل وجه شريكته النائمة البريء، تمدد سوبارو قليلاً في وسط الغرفة.  

لم يكن بإمكان سوبارو ناتسوكي بأي حال مقارنة أفعاله البطولية بأفعالها.  

في اللقاء غير المتوقع الذي جرى في وقت سابق من اليوم، أصلح سوبارو علاقته المتصدعة مع راينهارد. لكن ذلك لم يكن يعني أن الكلمات القاسية التي قالها أو السلوك البغيض الذي أظهره في ذلك اليوم المصيري قد أصبحا مقبولين.  

 

 

«أفهم ما تقوله عن زوجتك. لكن لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن ينطبق ذلك عليّ.»  

بالفعل، اعتبر سوبارو أنه معجزة حقيقية أنه لم يُقتل مرات أكثر أثناء قتال الحوت الأبيض.  

 

 

«في أوقات السلم، كانت زوجتي امرأة عادية تستمتع بمشاهدة الأزهار. الأبطال الذين تُخلد أسماؤهم في التاريخ لا يستمرون في كونهم أبطالًا في حياتهم اليومية. وسيد سوبارو، امتداد اسمك وتأثير يدك أوسع بكثير مما تتخيل الآن. ومن الآن فصاعدًا، سيزداد اتساعًا فقط.»  

 

 

 

«هذا ليس…»  

*«لا أعتقد أن شيئًا سيحدث، ولكن إن وقع أي طارئ في هذه المنطقة، فسأهرع فورًا. أرجو أن تنعم براحة البال.»*  

 

نعم، كان قديس السيف راينهارد فان أستريا سعيدًا بلقاء سوبارو من جديد، ودودًا كما كان دائمًا.  

«أنا واثق من ذلك. لكل ما لا تستطيع فعله وحدك، سيد سوبارو، أؤمن أنك رجل يستطيع أن يجمع الآخرين الذين لا يستطيعون تحقيق هذه الأشياء وحدهم أيضًا—وبذلك، ستجعل النجاح ممكنًا حيث كان مستحيلًا من قبل.»  

 

 

بينما كانت إميليا تعبس متذمرة، شعر سوبارو وكأنه تعرض لطعنة في ظهره من شخص كان يظنه حليفًا.  

شعر سوبارو بالذهول. لم يكن بإمكانه سوى الشعور بالصدمة من القيمة المبالغ فيها التي نسبها له ويلهيلم.  

«اللعنة عليك يا أوتو، لغيابك حين أحتاج إليك حقًا… حقًا، أنت أوتو بمعنى الكلمة.»  

 

«الفكرة أنك جاد في هذا تخيفني إلى أبعد الحدود.»  

لم يكن سوبارو قويًا، ولم يكن يملك ذكاءً خارقًا أو حكمة، وكان مترددًا وضعيف الإرادة. وبسبب أنه لم يستطع فعل شيء بمفرده، كان دائمًا يقنع الآخرين بفعل مختلف الأمور وينجو بأعجوبة مرارًا وتكرارًا، ولا أكثر من ذلك.  

 

 

وعلى الهامش، كان جوشوا يقف بين الحاضرين، ووجهه الشاحب بدا أكثر شحوبًا من المعتاد.  

لماذا اعتبره ويلهيلم ذا قيمة على الرغم من كل ذلك؟  

 

 

«على أي حال، لماذا دعت السيدة أنستاسيا الجميع إلى هنا؟»  

«ربما لا تدرك ذلك بعد في الوقت الحالي. وأعتقد أن كثيرين لا يدركون قيمتك بعد. ولكن، يومًا ما، ستدرك ذلك أنت أيضًا، وسيدركه الجميع.»  

 

 

كان ويلهيلم يحتفظ بمشاعره لزوجته الراحلة قريبًا من قلبه، حتى وهو يقضي على أعدائه. ولهذا السبب كان سوبارو يحترمه كرجل.  

«أنا شخص ضعيف وعاجز ولا أجيد أي شيء.»  

«همم، لا أدري،» قال متظاهرًا بعدم المعرفة، في إشارة واضحة إلى أنه استعاد بعضاً من هدوئه المعتاد. أومأ راينهارد برأسه، ثم نظر إلى لاشينز.  

 

«آآه، أجل، ما الأمر؟»  

«نعم. ولهذا السبب بالذات، لأنك ضعيف وعاجز ولا تجيد أي شيء، أنا أحبك.»  

«—يبدو أنني قد أطلت الحديث كثيرًا. أعتذر عن إبقائك هنا لوقت طويل.»  

 

 

أوقف ويلهيلم كلماته لبرهة قصيرة، ثم أومأ برأسه برضا.  

 

 

 

«وعدد من يعتقدون مثلي حتمًا سيزداد.»  

«نعم، الأمر كما تقول. رغم معرفتي أنني المخطئ، أجد نفسي عاجزًا عن اتخاذ خطوة حاسمة للأمام. هذا الجبن يثير في نفسي إحباطًا كبيرًا، لكن…»  

 

«حقًا…؟ كدت تفقد ملابسك؟»  

تنهد سوبارو بعمق.  

***

 

 

كان ويلهيلم حقًا يبالغ. كانت كلماته غير واقعية لدرجة لا يمكن تصديقها. لم يكن أحد ليلوم سوبارو لو أنه انفجر ضاحكًا.  

تذكر سوبارو صديقه الذي قد يكون في هذه اللحظة مستمرًا في الحراسة، فخفض عينيه. كان من الصعب عليه أن ينسى بساطة الطريقة التي وافق بها راينهارد على كونه صديقه.  

 

«لقد أصبحتُ على ما يبدو أكثر عاطفية مما ينبغي. حان الوقت أخيرًا لإنهاء قصص رجل عجوز طويلة.»  

ما منعه من ذلك هو أن الشخص الذي قالها لم يكن سوى ويلهيلم.  

«لكن مع ذلك، يظل تغييرًا. أليس أي تقدم أفضل من بقاء الأمور متجمدة في حالتها المريعة كما هي الآن؟»  

 

 

«—يبدو أنني قد أطلت الحديث كثيرًا. أعتذر عن إبقائك هنا لوقت طويل.»  

 

 

جدير بالذكر أن الأربعة كانوا يسلكون الطريق الطويل عائدين إلى الراية المائية سيرًا على الأقدام. وللأسف، إن قرروا استخدام قارب التنين، فهناك احتمال كبير أن يضطروا إلى ترك سوبارو خلفهم بسبب دوار البحر الذي يعاني منه.  

عندما رأى ويلهيلم الميل إلى الحزن في وجه سوبارو، انحنى رأسه فجأة وكأنه أصابه الحرج. لكن سوبارو، نادمًا على أنه جعله يشعر بذلك، هزّ رأسه يمينًا ويسارًا.  

عندما رفع أوتو إصبعه وقال تلك الكلمات، أمال كل من سوبارو وإميليا رأسيهما متسائلين: «عمل؟»  

 

 

«سأفكر فيما قلته الآن بشكل جاد… وأنا آسف بعض الشيء. كان الهدف الأساسي من هذا كله هو سماع قصص عن زوجتك.» 

كان ويلهيلم غير بارع، وصريحًا جدًا، ليحبها بطريقة أخرى.  

 

 

***

كانت الأطباق المتنوعة شيئًا لم يسبق لإيميليا والآخرين أن رأوه من قبل، لكن دهشة سوبارو كانت لسبب مختلف تمامًا—فقد صُدم برؤية مشاهد مألوفة لم يكن يتوقعها.  

 

توقفت إميليا فوق جسر، ونظرت إلى الممر المائي الكبير، وكان سوبارو مسحورًا بابتسامتها.  

«ليس كذلك أبدًا. لقد مرّ زمن طويل منذ شعرت بالرضا… حسنًا، ربما ليس تمامًا، لكنني سعيد بأن أتمكن من الحديث عن زوجتي. لا السيدة كروش ولا فيريكس وجدتا وقتًا لمثل هذه الأمور مؤخرًا.»  

«انتظر لحظة، استنادًا إلى ما قلته، هل يمكننا أن نفترض أن فيلت هنا معك أيضًا؟»  

 

 

«لقد اكتشفتُ للتو أمرًا بالصدفة! السيد ويلهيلم لم يشبع بعد من قصص الحب!»  

 

 

«لـ-سيدة إميليا؟!»  

«لقد أصبحتُ على ما يبدو أكثر عاطفية مما ينبغي. حان الوقت أخيرًا لإنهاء قصص رجل عجوز طويلة.»  

«خطر لي أمر أثناء حديثي معك، سيد سوبارو…»  

 

 

ابتسم ويلهيلم ابتسامة خافتة وهو يضع قدمه من الحديقة على الشرفة. بدا واضحًا من الأجواء أن الحكاية قد انتهت، لذا مدّ سوبارو يده بشكل عفوي ليساعد ويلهيلم على الصعود إلى الممر.  

كان هذا التصرف لطيفًا للغاية بطريقة جعلت سوبارو يقتنع بأن التصرفات الأنثوية المفاجئة من كروش تحمل جاذبية لا تقاوم. متجاوزًا هذا الانطباع، تبادلت كروش وفيري الابتسام كصديقتين حميمتين.  

 

 

مدّ ويلهيلم يده وقبل مساعدة سوبارو للصعود. وفي اللحظة التي شعر فيها سوبارو بثقل جسد المبارز العجوز عبر ذراعه، اجتاحت ذهنه ذكرى من قاعة الاستقبال للحظة قصيرة.  

«كانت زوجتي على ذات الشاكلة تمامًا. كان من عاداتها السيئة كبح مشاعرها، مفضلةً مشاعر من حولها، ودائمًا ما كانت تضع نفسها في المرتبة الأخيرة.»  

 

انفتح باب غرفة الاستقبال بعنف، واستدارت جميع الأنظار نحو الفتاة التي عبرت العتبة بثقة.  

وفي ذات الوقت، عادت إليه الأفكار التي راودته أثناء قدومه إلى الحديقة.  

 

 

«المشكلة تكمن في تعريفك لمن هم حولك. زوجتي لم ترغب بذلك، لكنها كانت تملك قوة لا تناسب شخصًا واحدًا لتحملها وحده. تطلعاتها وأمانيها تجاوزت بكثير مدى تلك القوة وحدودها.»  

ربما كان ما يفكر فيه الآن تصرفًا فظًا ومتهورًا. ومع ذلك، قرر المضي قدمًا—  

انحنى سوبارو بعمق أمام فيلت، التي كانت تجلس متربعة في يوكاتا، متوسلاً.  

 

«أعتذر عن تجاهلي لتحذيراتك، واستخدام السحر، وتدمير بوابتي…»  

«السيد ويلهيلم، ليس من نيتي أن أتحول من شخص يقتحم شؤون عائلة أخرى إلى من يدوس بلا مبالاة على مشاعر الآخرين، ولكن…»  

بينما كانت تتحدث، استخدمت الكتاب الذي في يدها لتضرب راينهارد على كتفه. لم تُظهر أي علامة على ضبط النفس، مما جعل حاجبي الفارس الأحمر الشعر ينعقدان بنظرة متحفظة.  

 

 

«—. نعم، أنا أصغي.»  

كانت هذه كلمات راينهارد المطمئنة عندما افترقا في القاعة.  

 

 

«… ألا يمكنك التصالح مع راينهارد؟ أنتما عائلة، أليس كذلك؟»  

على هذا النحو، وجد سوبارو أن مشهد *شيطان السيف* وهو يقف تحت السماء المقمرة يعكس طموحاته بشكل رمزي.  

 

 

استطاع تخيّل التعقيدات التي تحيط بالعلاقة بين الجدّ والحفيد في عائلة أستريا.  

 

 

«سيد سوبارو؟» 

ربما كان اقتحام هذه المسألة بوقاحة كفيلًا بأن يبدد الثقة التي بناها مع ويلهيلم. لكن ما كان سوبارو يفكر فيه هو التالي: ما قيمة علاقة تتمسك بها بينما تخشى أن تؤذي الآخر إن تحدثت؟  

 

 

 

وإن كان ويلهيلم بتدخله هذا قد أراد أن يجعل سوبارو يدرك هذا المفهوم تحديدًا—  

«نعم، هذا صحيح. السيدة أنستاسيا دعتها. قالت إنها تريد تبادل المعلومات بشكل مفيد. بما أن هذه هي السيدة أنستاسيا، افترضتُ أنها تسعى للحصول على منفعة معينة، ولكن…»  

 

 

«خطر لي أمر أثناء حديثي معك، سيد سوبارو…»  

 

 

رغم مرور الوقت منذ أن سمع تلك الكلمات، إلا أنها ما زالت تمنحه الشجاعة حتى الآن.  

«لماذا لا أستطيع التحدث بهذه الطريقة مع حفيدي؟»  

هل من الخطأ أن يظن أن راينهارد هو الآخر كذلك؟  

 

 

كان هذا هو مصدر العذاب العميق الذي يثقل كاهل ويلهيلم.  

 

 

 

اختفى كل تعبير عن وجه ويلهيلم. بدا خاليًا من المشاعر، لكنه لم يكن كذلك. كانت تلك مشاعر قوية، عميقة ومدفونة داخل قشرة صلبة—ندم لا شك فيه.  

 

 

 

«أنا رجل أحمل في قلبي الكثير من الندم. لكن هنالك ثلاثة ندامات تراكمت على مر حياتي لا أملك أي عذر لها. أحدها هو سبب الشرخ الحالي بيني وبين حفيدي.»  

على ما يبدو، كان هناك شخص آخر بالفعل داخل غرفة الشاي، وكان جوشوا يخاطبه عبر الحاجز. وعندما فعل ذلك، كانت هناك علامات واضحة على حركة أحدهم في الداخل.  

 

 

«لكن هذا الأمر يزعجك، أليس كذلك، السيد ويلهيلم؟»  

 

 

 

«ليس من حقي أن أشعر بالانزعاج حيال هذا. تلك هي الكلمات التي لقّنتها لحفيدي… لراينهارد حينها. كانت كلمات مشينة وغير مبررة… بل لا تغتفر.»  

بطريقة غريبة، وضعت ترتيبات الجلوس فيلهيلم بجوار راينهارد مباشرة، مما كان مشهدًا غير مريح لسوبارو ولكل من يعرف العلاقة بينهما.  

 

«عليّ القول، هذه مدينة رائعة بحق. كل زاوية منها تبعث على الهدوء والسلام.»  

وعلى الرغم من خلوّ وجهه من التعابير، كان داخله نار تشتعل وكأنها تحرق روحه ذاتها.  

 

 

 

كانت تلك ألسنة الجحيم التي استمرت في الالتهام طوال تلك السنوات في قلب ويلهيلم الذي لا يرحم. نيران الندم تلك اجتمعت لتشكّل لهيبًا عظيمًا، نارًا تحرق ويلهيلم، ولن تهدأ حتى تحيله إلى رماد.  

 

 

بالطبع، لم يكن ذلك مقصودًا منها، لكن كان من عادتها أن تفعل أشياء كهذه ببساطة وبلا وعي.  

«من أجل الانتقام لزوجتي، صرفتُ نظري عن هذا الندم. والآن، بعد أن انتقمتُ لها، أعلم أن هذا هو الوقت المناسب لمقابلته.»  

بينما كان يتحدث، مدّ راينهارد يده بحثًا عن مصافحة. لم يكن في كلماته أي أثر للسخرية. لم يكن هناك سوى الإشادة الصادقة والفرح البسيط.  

 

 

«لكن الشجاعة لا تأتي؟»  

«كروش…»  

 

رد سوبارو بنبرة بدت وكأنها استرجاع لأحلام طفولية، ثم قاد إميليا بعيدًا وهو يمسك بيدها. أطلق نفسًا مسموعًا من الراحة وهو ينظر باتجاهها، ولاحظ أنها كانت تنظر خلفها قليلًا، كما لو أن الرجل الغريب ما زال يشغل بالها.  

«لخزي الكبير. مجرد التفكير بأن حفيدي يكرهني حتى الآن يجعل قدماي لا تقويان على الحركة.»  

بكلمات بدت وكأنها توبيخ لطفلين متخاصمين، بددت إميليا الأجواء المتوترة التي كانت على وشك الانفجار. عندها شعر سوبارو بارتياح حذر، وكأن القتال قد تم تجنبه بصعوبة.  

 

 

كانت كلمات ويلهيلم تعبر عن لوعته العميقة وإحساسه بالخذلان من نفسه.  

***

 

«لقد مضى وقت طويل يا السيدة كروش. أعتقد أن آخر مرة التقينا فيها كانت خلال حفل التكريم؟»  

رؤية هذا الرجل العجوز، الذي بدا وكأنه تقلص بشكل ملحوظ تحت وطأة شعوره بالندم، جعلت سوبارو يحدق فيه مصدومًا. ثم، ما إن انحسر شعوره بالصدمة، لم يستطع إلا أن ينفجر ضاحكًا.  

 

 

 

«سيد سوبارو؟» 

 

 

 

***

بينما كان يحدق في سوبارو، ظهر على وجه الرجل تعبير مندهش فجأة. وعندما رأى سوبارو هذا، أدرك الأمر أخيرًا.  

 

«لا تُجبرني على تكرار نفسي! توقف عن المماطلة وأخرج سيدك الآن!»  

«أ-آسف. لم أقصد أن أضحك، لكنني لم أستطع أن أمسك نفسي.»  

«لا داعي لكل هذه الرسمية. بالنظر إلى أن هذه الدعوة جاءت على عجالة مني، هذا كافٍ تمامًا… مع أن التداخل في الوصول كان أكثر مما توقعت.»  

 

 

ارتسمت على وجه ويلهيلم ملامح تعبر عن عدم التصديق، لكن ما قاله كان هو ما أثار دهشة سوبارو.  

«فيريس، لا يمكنني أن أوافق على إخافتكِ للسيدة كروش بهذا الشكل.»  

 

وفجأة، توقف سوبارو والتفت نحو الجسر.  

كان قد استسلم لفكرة أن العلاقة بينهما ميؤوس منها لدرجة أنها قد تزداد سوءًا فقط، ومع ذلك—  

 

 

لهذا السبب، اكتفى بالأمل في أن يقود الحديث بشكل طبيعي إلى هذا الاتجاه.  

«السيد ويلهيلم، يبدو وكأنك لا تعتقد أنك تستحق أن تطلق على نفسك لقب جد راينهارد أو ما شابه ذلك.»  

«لقد كرست كل كياني للسيف. عندما كنت أمسك بالسيف، كنت أنسى كل الأفكار الأخرى، منغمسًا كما لو أن ذلك هو ما يعطي معنى لحياتي… كانت زوجتي هي التي ذكرتني بالسبب الذي دفعني إلى اختيار السير في طريق السيف.»  

 

 

«نعم، الأمر كما تقول. رغم معرفتي أنني المخطئ، أجد نفسي عاجزًا عن اتخاذ خطوة حاسمة للأمام. هذا الجبن يثير في نفسي إحباطًا كبيرًا، لكن…»  

حاول لاشينز إنقاذ الموقف، لكنه كان في موقف ضعيف بشكل واضح. بدا أن أفضل خطوة يمكن اتخاذها هي تقييده وجعله يعترف بما يخطط له.  

 

 

«حسنًا، لا تبدو لي أكثر من جدّ خائف من أن يكرهه حفيده.»  

بالطبع، فشل الصفقة التجارية كان بسبب قلة حنكة سوبارو بالإضافة إلى عجز ليليانا الفاضح عن فهم المواقف. وبعد تفكير أعمق، أدرك سوبارو أنه لم يكن أفضل حالًا منها. لماذا اعتقد يومًا أن شخصين مثلهما يمكن أن يكونا عونًا في مفاوضات حساسة تتطلب فهم ردود أفعال الآخرين؟  

 

بالطبع، لم تكن كروش استثناءً؛ فقد ارتدت أيضًا “يوكاتا”، والتي كانت مختلفة تمامًا عن الفساتين التي اعتادت ارتداءها. النسيج الرقيق لليوكاتا، الذي انسدل برشاقة على قوامها، أضفى لمسة إضافية من الأنوثة على حضورها.  

«…ماذا؟»  

 

 

عندما صفعته اليد التي لم يتمكن من إمساكها على جبينه، عبس سوبارو بصمت. وبعد مشاهدة تبادل الحديث بينهما، اقترب فيري بخفية من أذن كروش وهمس:  

ارتسمت الدهشة على ملامح ويلهيلم التي كانت متلبدة قبل ذلك، وأخذ يرمش بعينيه مرارًا. ذلك الردّ أبقى ابتسامة سوبارو الماكرة مرتسمة على وجهه.  

 

 

نبرة ويلهيلم المازحة جعلت كتفي سوبارو يهبطان بطريقة فكاهية.  

«لا أعرف الكثير عن السبب الذي أدى إلى تدهور العلاقة بينكما. ربما أكون مخطئًا تمامًا. لكن من وجهة نظري كشخص خارجي، أنتما بالفعل تريدان إصلاح الأمور. في هذه الحالة، من الأفضل دائمًا أن يبدأ الشخص الذي يريد الاعتذار أولًا.»  

 

 

 

«لا شك أن راينهارد سيرفض أن يسامحني.»  

«هل هذا كل ما تملكه لتقوله؟!»  

 

 

«وإن لم يسامحك على الفور، استمر في الاعتذار حتى يفعل. في الأساس، الاعتذار ليس من أجل أن يسامحك أحد، أليس كذلك؟ الاعتذار يأتي لأنك تريد الاعتذار. إنها رغبة أنانية ومزاجية. أعني، الشخص الذي يعتذر هو من ارتكب الخطأ في المقام الأول.»  

 

 

 

في هذه اللحظة، حان دور ويلهيلم ليبدو مشوشًا بفعل قفزات سوبارو المفاجئة في المنطق.  

 

 

 

بالطبع، كان سوبارو يدرك تمامًا كم كان منطقه هذا أنانيًا وغير عقلاني. ومع ذلك، كان هذا هو ما يحتاجه ويلهيلم حقًا في تلك اللحظة؛ الشجاعة لتجاهل الماضي عن عمد، والجرأة للتصرف وكأن الندم لم يحدث أبدًا، وروحًا متهورة مستعدة للاستغراق في اللحظة الراهنة.  

 

 

 

وكان سوبارو ناتسوكي سيدًا في كل هذه المهارات المشكوك فيها.  

 

 

في قاعة الاستقبال داخل جناح “ثوب الماء”، اجتمع أشخاص مميزون بعدة طرق.  

«إذًا، نعم، أن تعتذر فجأة بعد كل هذه السنوات قد يجعل الشخص يفكر: ما الذي يريده هذا الرجل؟ لكن مع تكرار الاعتذار مرارًا، سيتغير ذلك الشعور بمرور الوقت. قد يصير: هذا الرجل لا أمل فيه، أو هذا الرجل مزعج جدًا.»  

استغرقت وقتًا طويلًا لاستيعاب الأمر، لكن حتى ليليانا استجابت أخيرًا لرجاء ديناس الصادق.  

 

«لقد مضى وقت طويل يا السيدة كروش. أعتقد أن آخر مرة التقينا فيها كانت خلال حفل التكريم؟»  

«أعتقد أن ذلك سيُعتبر تغييرًا نحو الأسوأ.»  

 

 

عندما رأى ويلهيلم الميل إلى الحزن في وجه سوبارو، انحنى رأسه فجأة وكأنه أصابه الحرج. لكن سوبارو، نادمًا على أنه جعله يشعر بذلك، هزّ رأسه يمينًا ويسارًا.  

«لكن مع ذلك، يظل تغييرًا. أليس أي تقدم أفضل من بقاء الأمور متجمدة في حالتها المريعة كما هي الآن؟»  

 

 

‹‹هل هو أحد معارفك؟ أعتقد أنني أعرف معظمهم بالفعل.››  

كانت الصورة الشائعة عن سوبارو أنه شخص يعطي دائمًا أسوأ انطباع ممكن عند لقائه أول مرة. لكن بالنسبة لسوبارو، أن يكون محاطًا بأشخاص يحملون أسوأ تصور عنه لم يكن بالأمر الكبير.  

 

 

«—ما هذا؟ في اتجاه النزل، هناك رائحة غضب شديدة.»  

بالإضافة إلى ذلك، رأى سوبارو فرصة لتحقيق النصر. ففي النهاية، راينهارد—  

كان ذلك صوتًا مألوفًا، صوتًا من الصعب نسيانه. والأهم من ذلك، أنه كان يفكر في الرجل نفسه قبل لحظات فقط.  

 

 

«—قال لي إنه يريد أن يعرف ما حدث خلال القتال مع الحوت الأبيض.»  

كانت شجاعتها السابقة وحسمها قد فُقدا مع ذكرياتها، مما جعلها تبدو كصورة حية لابنة نبيلة من طبقة الأرستقراطية.  

 

أوقف ويلهيلم كلماته لبرهة قصيرة، ثم أومأ برأسه برضا.  

في نهاية كل تلك الكلمات العابثة، كشف سوبارو عن الحقيقة التي ستصبح على الأرجح مفتاح الحل.  

 

 

«هيه! ما هذا الرد؟»  

بالتأكيد، كان راينهارد قد سأل سوبارو عن ذلك في طريقهما إلى غرفة الشاي.  

عبس راينهارد قليلاً وهو ينظر إلى سيدته الصغيرة، محاولًا بصعوبة الحفاظ على هدوئه.  

 

 

«لا أعرف ما علاقة الحوت الأبيض بالمشكلة بينكما. لكن إذا كان الأمر مرتبطًا، فإن راينهارد يعلم أن السيد ويلهيلم هو من أسقط الحوت الأبيض. يعلم أنك قضيت أكثر من عقد من الزمن للانتقام لجدته أيضًا.»  

 

 

 

«…»  

 

 

الرجل ذو الرداء الأبيض كان واقفًا على الشارع المقابل للجسر. استدار ونظر مباشرة إلى سوبارو.  

«ربما يأمل أيضًا أن يحين الوقت أخيرًا لتبدأ الأمور العالقة في الماضي بالتحرك إلى الأمام.» 

مع ذلك، كان من الواضح أن سوبارو أراد التمهل قبل العودة إلى النزل، حيث من المؤكد أن أناستاسيا ستبدأ في التحقيق بكل ما حدث. لم يكن لديه أي اعتراض على أخذ التفافة قصيرة.  

 

 

***

هذا الرجل كان يتبع قواعد مختلفة ويعمل وفق منطق يتجاوز كل تصور. لم يكن هناك أدنى شك في هوية هذا الشخص—  

 

«وفي المرة التالية التي كنت فيها في العاصمة—آه، كنت مع بريسيلا حين دخلت معهم في شجار، وبعدها عادوا بأصدقاء أكثر لمحاولة الانتقام. لدي الكثير من الذكريات مع هذا الرجل…»  

لم يكن بإمكان سوبارو أن يعرف شعور راينهارد الحقيقي.  

 

 

الوحيد الذي قد يخطئ أحد في وصفه كان شعلة مفتوحة. الرجل الذي كان اسمه—  

في الواقع، لم يكن واضحًا له حتى الآن كيف أصبحا صديقين في المقام الأول. كان هناك أوقات شعر فيها بالقلق من أن صداقتهما قد تكون تشكّلت بسهولة بالغة. وربما كان جزء من هذا بسبب اعتقاده بأن راينهارد لم يختبر يومًا شعور العجز أو الجهل.  

«إذا كنت برفقتها، ستشكو السيدة فيلت من أنها لا تستطيع التصرف بحرية. ولكن… السيد روم ليس معها حاليًا. إذا حاولت فعل شيء خطير، امنعها بكل قوتك. وإذا حدث أي طارئ، ارفع الإشارة. سأكون عندكم في غضون خمس ثوانٍ.»  

 

 

—لكن لا يمكن أن يكون ذلك صحيحًا. لا شك أن راينهارد لديه ما يقلقه أيضًا.  

 

 

 

حتى ويلهيلم، الذي بدا كأنه خارق من وجهة نظر سوبارو، لم يكن سوى رجل آخر، وجدّ آخر، إنسان مليء بالعيوب والمشكلات والأعباء.  

 

 

 

هل من الخطأ أن يظن أن راينهارد هو الآخر كذلك؟  

بطبيعة الحال، لم يكن هذا أمرًا يجدر بسوبارو أن يسأل عنه بدافع الفضول العابر. كان يدرك ذلك جيدًا.  

 

وبالمناسبة، كانت إميليا جالسة مع ساقيها إلى الجانب، وسوبارو جالسًا متربعًا، وبياتريس جالسة على ركبتيها. كان هذا نتيجة لتحدٍ جريء من سوبارو، لكن ركبتي بياتريس كانت قد بدأت بالفعل بالارتجاف. 

إذا كان راينهارد رجلًا مثل غيره، فهذا يعني أن هناك شيئًا يمكن لسوبارو أن يفعله كصديق له.  

شعر سوبارو بانزعاج شديد من نظراته الغريبة، فسارع بخطواته للحاق بإميليا والآخرين.  

 

بينما كان يتحدث، مدّ راينهارد يده بحثًا عن مصافحة. لم يكن في كلماته أي أثر للسخرية. لم يكن هناك سوى الإشادة الصادقة والفرح البسيط.  

أمل أن يكون ما يحتاج إليه هو مجرد تدخل بسيط.  

عندما وافق سوبارو على اقتراح إميليا، تبعهم جوشوا، ودخل الجميع النزل. الشيء الوحيد الذي أزعج سوبارو كان غارفيل، الذي تبعهم بتعبير كئيب لم يتغير.  

 

«أشياء جديدة… إذا كنتِ ترين الأمر بهذه الطريقة، فأنا سعيدة. في الواقع، لدي أسباب أخرى لاختيار هذا النزل أيضًا… هل تودين سماعها؟»  

«أتساءل إن كان حفيدي… إن كان راينهارد سيستمع لي؟»  

 

 

«لا تقل كلمات مشؤومة كهذه مثل *عندما أحين أجلي*. سيد ويلهيلم، أنت شاب، بل شاب للغاية، وسيكون ذلك مشكلة حقيقية إذا كنت دائم التفكير بالتقاعد.»  

بعد لحظة من الصمت، أخرج ويلهيلم هذا السؤال من أعماق نفسه. ابتسم سوبارو، لأن هذا كان تمامًا الحافز الذي كان ويلهيلم بحاجة إليه ليأخذ خطوته الأولى للأمام.  

 

 

6  

«أولًا، تحدّث معه حتى يملّ منك. وإذا صدّك، فلا بأس. أعني، أنا دائمًا أتحدث مع إميليا-تان بعقلية أن نجاحي قد يكون مرة واحدة فقط من أصل مئة محاولة.»  

 

 

 

«لا يُصدّق—»  

 

 

 

بينما كان يستمع إلى نصيحة سوبارو، هزّ ويلهيلم رأسه غير مصدق لهذه الاعترافات غير المتوقعة.  

 

 

 

ثم رفع الرجل العجوز نظره، متأملًا القمر الفضي الذي كان يطفو في السماء فوقه.  

عندما اقتربوا ورأوا البناء الذي يُشبه الطراز الياباني من بعيد، لاحظوا عند مدخل المكان—  

 

جلبت إجابة إميليا ابتسامة متعبة على وجه أوتو. ثم قال: «عودوا مباشرة إلى المنزل»، وكأنه يتحدث إلى طفل، قبل أن يغادر المجموعة، متوجهًا نحو الحي الثاني.  

«لا يمكن لأحد أن يتغلب عليك، السيد سوبارو.»  

 

 

 

كان واضحًا من صوته أنه يبتسم.  

 

 

 

////

 

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

في نهاية كل تلك الكلمات العابثة، كشف سوبارو عن الحقيقة التي ستصبح على الأرجح مفتاح الحل.  

🔥 تحدي أغسطس 2026 ⏳ 7 يوم متبقي
69,410 شعلة الهدف: 66,666
104.1%
🎉 حققنا هدف الشهر، شكرًا لكل الداعمين!
×

شراء عملة الشعلة

🥇M. K🔥 40,000
🥈Yazeed Alsaedi🔥 105
🥉عويض المطيري🔥 100
4G A🔥 100
5Ali Alshamsi🔥 100
6Abdulla Alkalbani🔥 100
7ahmad aa🔥 100
8Ali Souidan🔥 100
9mohammad alazmi🔥 100
10Gehrman Sparrow🔥 100

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط