Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ري زيرو: بدء الحياة في عالم أخر من الصفر 4

4 - هدوء صاخب.
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

4 - هدوء صاخب.

《١》

«أوه؟ ميمي والبقية ليسوا معك؟»  

 

 

في صباح اليوم التالي، وقف سوبارو، الذي استيقظ بروح معنوية مرتفعة، في الحديقة تحت أشعة الشمس الصباحية التي أضاءتها.  

 

 

«لحسن حظنا أن غارفيل لم يكن حاضرًا.»  

استمتع بإحساس الحصى تحت قدميه، وملأ رئتيه بالهواء الصباحي المنعش وهو يتمطَّى قائلًا: «ننـــ—!». رسم هذا مشهد ابتسامة صغيرة على وجه إميليا التي كانت تقف بجانبه.  

 

 

 

«ما الأمر، سوبارو؟ تبدو في مزاج جيد هذا الصباح. هل حدث شيء لطيف؟»  

بينما كان سوبارو يحملق في الأرضية بتجهم، جاءه صوت نبهه. رفع بصره ليجد يوليوس يراقبه من الحديقة. من دون أن يشعر، كان قد وصل إلى أطرافها.  

 

«—لن يكون ذلك ضروريًا، أيها العامي.»  

«ضفائر إميليا تان المتموجة رائعة للغاية هذا الصباح؛ لذا كان من المجدي تمامًا أن أمضي بعض الوقت عليها قبل النوم الليلة الماضية.»  

«لا بأس، لا بأس، اتركني أتولى الأمر. بالنسبة لشاب، لديك ذوق دقيق، جوليوس.»  

 

 

«حقًا؟ هذا يسعدني جدًا. لقد بدوت وكأنك تحمل شيئًا في بالك الليلة الماضية.»  

«ليس كذلك على الإطلاق. فيما يتعلق بمطاردة الحوت الأبيض، كانت مساهمات السيد سوبارو لا تُقدّر بثمن. لولا السيد سوبارو، لما تحقّق أمنيتي القديمة أبدًا. أُقسم على ذلك بسيفي.»  

 

«لا بأس، لا بأس، اتركني أتولى الأمر. بالنسبة لشاب، لديك ذوق دقيق، جوليوس.»  

بينما كانت تبتسم وتقول ذلك، مرَّرت إميليا يدها برفق على شعرها الفضي المتموج.  

صرخ محاولًا إيقافهما:  

 

 

كما خططا الليلة الماضية عندما فُكَّت ضفائرها، أعطاها سوبارو موجة ناعمة لشعرها الفضي. كان أسلوب شعرها المعتاد لطيفًا، بالطبع، لكن للفتاة الجميلة امتياز خاص يسمح لها بتغيير لمسات جاذبيتها بين الحين والآخر.  

كانت حاسمة في نهجها، إذ لم تترك خيارات سوى أمرين: إما الخضوع والطاعة أو مواجهتها بإرادة حديدية. لا وجود لأي بديل ثالث.  

 

////

ومع ذلك، كان واقعًا أنه تسبب بالكثير من المتاعب في اليوم السابق. وبطبيعة الحال، لا يزال يفكر في فشله في شركة ميوز، لكن هذا شيء، وذاك شيء آخر.  

«…ومن منحك الإذن بمناداتي دون لقب، أيها السوقي؟ رغم أنني كريمة كأم عطوفة، إلا أن كرمي هذا محدود للغاية تجاه تصرفات كهذه من غير الأطفال.»

 

 

«سأضطر إلى تقبُّل ذلك بكل ما يستحقه من جدية… بيكو، ما بالك هذا الصباح، تبدين متجهمة هكذا؟» 

 

 

بينما التزم الآخرون في القاعة الصمت، كان سوبارو أول من رفع صوته. وضع يده خلف خصره، ممسكًا بشيء ما بينما أطلق صوتًا ينم عن التهديد، والغضب يتصاعد داخله.  

«أنا لست متجهمة أو أي شيء من هذا القبيل. هل يمكنك التوقف عن إطلاق مثل هذه الادعاءات العشوائية، يا ترى؟»  

أخفت بريسيلا شفتيها خلف مروحة حمراء، وابتسمت بسخرية وهي تتفحص القاعة.  

 

كانت حاسمة في نهجها، إذ لم تترك خيارات سوى أمرين: إما الخضوع والطاعة أو مواجهتها بإرادة حديدية. لا وجود لأي بديل ثالث.  

أدارت بيكو وجهها بعيدًا وهي تجلس على الشرفة، محدِّقة في سوبارو وإميليا.  

«ليس كذلك على الإطلاق. فيما يتعلق بمطاردة الحوت الأبيض، كانت مساهمات السيد سوبارو لا تُقدّر بثمن. لولا السيد سوبارو، لما تحقّق أمنيتي القديمة أبدًا. أُقسم على ذلك بسيفي.»  

 

 

لا شيء. حاولت بإصرار أن تعكس انطباعًا بأنها على ما يرام، لكن الفتاة بالكاد نطقت كلمة واحدة منذ استيقاظها صباحًا. وفوق ذلك، بدت وكأنها تنظر حولها بقلق مستمر. رغم قولها ألا يقلق، لم يستطع سوبارو إلا أن يفعل.  

تحولت أنظار الجميع في القاعة نحو الباب المنزلق المغلق خلف هاينكل.  

 

 

«ليس من اللطيف أن تكوني عنيدة بهذا الشكل. إذا حدث شيء، فقولي ما لديك. قد يكون الأمر مهمًا، صحيح؟»  

«حسنًا، سواء دعا الأمر للقلق أم للعمل، يمكننا تأجيله إلى ما بعد الطعام. يقولون إن روح روهالو خسرت بسبب معدة فارغة.»  

 

 

«هذا صحيح، بيكو. إذا كان هناك ما يشغلك، فلنتشارك القلق جميعًا. أنا أصبح شخصًا أكثر اعتمادًا عليه مؤخرًا، كما تعلمين.»  

 

 

 

«لديَّ بعض الاعتراض على كلمات إميليا، لكن…»  

 

 

حين أطلق سوبارو هذه الكلمات الغاضبة رغم بقاء ضيقه قائمًا، رفع يوليوس رأسه متأثرًا بما قاله. 

بتعبير يحمل مزيجًا من الشك والارتباك، ألقت بيكو نظرة سريعة على إميليا التي وضعت يدها على صدرها، قبل أن تنهار تحت نظراتهما المليئة بالإلحاح. لامست إحدى لفات شعرها، ثم بدأت بلفها حول إصبعها وهي تتحدث.  

عندها، استأنف ويلهيلم الحديث، ملتقطًا خيط المحادثة حيث توقفت:  

 

«لست طفلة، ووجوده حولي يعني أنني مضطرة للاستماع إلى انتقاداته المستمرة.» 

«في الحقيقة، قالت إحدى العاملات في النزل شيئًا غريبًا البارحة، أعتقد. أخبرتني وحدي، وبهمس خافت، أنه في هذا النزل تظهر كائنات غير بشرية خلال الليل.»  

«تلك الصورة… غير لائقة تمامًا. أرجوكِ امنحيه مكافأة أخرى.»  

 

«حسنًا، أليس هذا رائعًا…؟ كنت الشخص الوحيد الذي لم أخبره بما كنت أفعله هنا. كيف علمتِ بالأمر؟»  

«أوووه، كائنات غير بشرية؟»  

 

 

«بالمناسبة، لم تكن موجودًا لتناول العشاء البارحة أيضًا، فما الذي كنت تفعله؟»  

«في البداية، ظنَّت بيتي أن الأمر مجرد مزحة، على ما أظن. لكن للاحتياط، قررت أن تبقى حذرة. وحقًا، ألم يحدث شيء الليلة الماضية، يا ترى؟»  

 

 

 

«دق، دق…»  

 

 

 

باندماج كلي مع القصة، وضعت إميليا يدها على صدرها وبدأت عيناها تتنقلان هنا وهناك. من رد فعلها، بدا أنها تتأثر حقًا بالقصة، بينما ازدادت حماسة صوت بيكو وهي تواصل الحديث.  

«أترى؟ فيلت وراينهارد على وفاق تام.»  

 

 

«في منتصف الليل، استيقظت بيتي على وجود غريب. وخرجت من الغرفة برفق حتى لا توقظ سوبارو النائم بوجهه الغبي، يا ترى؟»  

 

 

 

«لا تنظري إلى وجوه الناس وهم نائمون. هذا تصرف غير لائق.»  

«…ومن منحك الإذن بمناداتي دون لقب، أيها السوقي؟ رغم أنني كريمة كأم عطوفة، إلا أن كرمي هذا محدود للغاية تجاه تصرفات كهذه من غير الأطفال.»

 

 

«لـ-لم أكن أنظر! أليس نظري خفيفًا ورشيقًا كحبات الثلج، يا ترى؟!»  

«كان الأمر أشبه بأن… وجوده على هذا المسرح لا يليق به. مقارنةً بمن استحقوا مكانهم هنا بجدارة، بدا الفارق بينه وبينهم شاسعًا للغاية.  

 

 

بيكو، التي أوقعت نفسها دون قصد وهي تنفي بجزع، كانت لطيفة بما يكفي ليقرر سوبارو تجاهل تعليقاتها.  

«—أعتذر على التأخير. يبدو أننا وصلنا آخر الحاضرين.»  

 

‹«لا أعتقد أن شكوكك غير متوقعة، لكنها الحقيقة. ذلك الشخص هو هاينكل أستريا، نائب قائد فرسان الحرس الملكي للوغونيكا.»›  

«على أي حال، تتبعت بيتي ذلك الوجود. وهناك، على عتبة المدخل، وجدت مصدر تلك الهالة…»  

 

 

 

«وجدته؟ وماذا حدث بعد ذلك؟»  

 

 

‹لا أعلم منذ متى تربطك به علاقة صداقة، لكني أفهم أنك قلق عليه. ولهذا من الطبيعي أن تشعر بالاستياء. لا أعتقد أن هناك أي خطأ في ذلك. بل لا أرى أن الانسحاب بأدب بحجة أن الأمر شؤون عائلية خاصة تصرّف صائب أيضًا.›  

«هل واجهت ذلك الوجه الشاحب العائم في الظلام وجهًا لوجه، يا ترى؟! لاحظت بيتي أيضًا، فتبادلت النظرات معه… واستمرت المعركة بيننا، خطوة للأمام وخطوة للخلف!»  

خيّم الصمت على القاعة بينما استمرت لعنة هاينكل في التغلغل في الأجواء.  

 

 

«تحديق متبادل! وبعدها، وبعدها؟»  

أو ربما، حقًا، كان صوت ليليانا مباركًا من إلهة الأغاني نفسها.  

 

 

«أوه-هه، لكن بيتي روح عُظمى؛ لذا هرب الخصم في النهاية مرعوبًا، على ما أظن.»  

«حسنًا، سواء دعا الأمر للقلق أم للعمل، يمكننا تأجيله إلى ما بعد الطعام. يقولون إن روح روهالو خسرت بسبب معدة فارغة.»  

 

 

«أنا سعيدة جدًا— يا لها من راحة. كنت قلقة أن تكون بيكو قد ماتت هناك…»  

«شولت، احمل هذا العامي وأخرجه من هنا. سيكون من المهدر التخلص منه الآن. اعتنِ بجروحه.»  

 

 

غارقة تمامًا في قصة بيكو المخيفة، بدت مخاوف إميليا مبالغًا فيها إلى حد كبير. ففي النهاية، إذا كانت بيكو قد ماتت، فمَن سيكون المخلوق اللطيف الذي يقف أمامهم؟  

 

 

«من الطبيعي أن أُخدَم بكل تفانٍ. هذا ما أحبه في شولت. سأكافئه بشكل لائق. سأمنحه، هو أيضًا، شرف لعق قدمي.»  

مع ذلك، لم يستطع سوبارو إلا أن يعجب بأن القصة كانت مدروسة على نحو جيد.  

 

 

دون أي تحذير سوى تلك الكلمة، انطلقت بريسيلا بمروحتها نحو رأس هاينكل المندهش. شقت المروحة المطوية الهواء بقوة قلبت جسده رأسًا على عقب وأسقطته أرضًا بضربة واحدة جعلت عينيه تدوران وهو فاقد الوعي.  

«حسنًا، ما الذي حدث حقًا، أوتو؟»  

بيكو، التي أوقعت نفسها دون قصد وهي تنفي بجزع، كانت لطيفة بما يكفي ليقرر سوبارو تجاهل تعليقاتها.  

 

«رائع، كنت على وشك تحديث قائمتي للأشخاص الذين لا أريد أن أصبح مثلهم عند الكبر—رغم وجود بعض الاستثناءات.»  

«إر، عندما كنت على وشك التقيؤ خارج المدخل، لاحظت بيكو وهي تحدق بي بنظرات قاتلة… لكنها اختفت بينما كنت منحنيًا أشعر بالدوار.»  

«إن كنت تسأل ما إذا كان هذا العاميّ من أتباعي أم لا، فإن إجابتك صحيحة. نعم، هو كذلك. لقد استدعيتُه وأرسلته إلى هذا المكان.»  

 

حينها فقط، دخل أوتو إلى الحديقة بخطوات متعثرة. وعندما سمعوا الحقيقة حول ما حدث الليلة الماضية من فمه، تمتمت بيكو، «هذا غير ممكن…» بصدمة مطلقة.  

حينها فقط، دخل أوتو إلى الحديقة بخطوات متعثرة. وعندما سمعوا الحقيقة حول ما حدث الليلة الماضية من فمه، تمتمت بيكو، «هذا غير ممكن…» بصدمة مطلقة.  

«من أين جاء هذا الاقتراح المبالغ فيه؟ هل راجعت حقًا ما فعلته البارحة؟!»  

 

«بث ميتيا…»  

يُقال إن الخوف يجعل الذئب يبدو أكبر حجمًا— وفي هذه الحالة، جعلت بيكو من أوتو الثمل وحشًا مرعبًا. 

«الآنسة فيلت، أنا…»  

 

 

بينما كافحت بيكو للتوفيق بين ذكرياتها وواقعها، حاولت إميليا تهدئتها بمداعبة رأسها بلطف. ربما كان العامل في النزل، الذي أخبرها عن ظهور الشبح، قد أدرك سريعًا أن بيكو تمتلك طبيعة نادرة وثمينة؛ تحديدًا، أنها ”شخصية تبدو لطيفة للغاية عند إغاظتها“. بالنظر إلى وجهها الأحمر المفعم بالبراءة الذي كان أمامه الآن، لم يستطع سوبارو إلا أن يعتبر هذا جهدًا ناجحًا بكل المقاييس.  

رائحة خفيفة من الكحول فاحت من الرجل ذي الوجه المحمر بينما كان يمرر يده على لحية خفيفة تزين خده. ارتسمت على وجهه ابتسامة كريهة. يبدو أنه في الأربعينيات من عمره، قليلًا أو كثيرًا.  

 

الاسم الذي استحضره كان لزوجة فيلهلم، وجدّة رينهارد—  

«بالمناسبة، لم تكن موجودًا لتناول العشاء البارحة أيضًا، فما الذي كنت تفعله؟»  

بالنظر إلى تصلُّب ملامح وجه فيلت وهي تقول ذلك، يبدو أنها عنت ذلك حرفيًا وليس على سبيل المزاح. مثل هذه الأمور تجعل من السهل تذكُّر مدى استثنائية راينهارد حقًا.  

 

 

في حين كان يراقب بيكو الساحرة من طرف عينه، مال سوبارو برأسه مستفسرًا وهو ينظر إلى وجه أوتو الشاحب. بدا أوتو وكأنه استنزف كل قطرة دم من جسده في هذا الصباح الباكر، وهو يترنح نحو حافة الشرفة ليجلس.  

‹حسنًا… على الأقل أنا ماهر في الغناء والعزف على العود!›  

 

عرض. هكذا وصفت هذه المرأة ما حدث. التسبب بجراح عميقة في قلوب راينهارد وويلهيلم، على بعد خطوات قليلة فقط من أن يعودا كعائلة… أطلقت عليه اسم عرض.  

«أخبرتكم قبل أن نفترق، أليس كذلك؟ بما أننا جئنا إلى بريستيلا، أردت مقابلة أشخاص عادة ما يكون من الصعب للغاية الحـ-ديث معـ-غاغههه.»  

تمامًا مثل سوبارو وآل، كان على الأرجح شخصًا آخر من نفس وطنهما، استُدعي إلى هذا العالم قبل أربعة قرون—  

 

«صمتًا.»  

«يبدو أنك تعيش حياة خطرة. تبدو في حالة سُكر مشابهة لأول مرة التقينا فيها، يا رجل.»  

 

 

 

«… في حالة السيد ناتسوكي، لم أكن مخمورًا عندما التقينا أول مرة، على ما أظن؟»  

 

 

 

«إذا كان هذا ما تتذكره، فمن المحتمل أنه صحيح. بالنسبة لك على الأقل.»  

«لست طفلة، ووجوده حولي يعني أنني مضطرة للاستماع إلى انتقاداته المستمرة.» 

 

«التغيير مثلك هو ميزة الشباب، يا أخي. أما بالنسبة لشيخ مثلي، فهذا أمر مستحيل تمامًا.»  

بدا أن أوتو ليس لديه أي ذكرة لتلك الحادثة، وذاكرته الآن كانت صحيحة. بالنسبة لسوبارو، فإن لقائهما الأول اختلف كثيرًا في المكان وما تلاه من أحداث عن نسخة أوتو من القصة. لكن سوبارو ليس لديه أي نية للخوض في شرح لا طائل منه حول أحداث الدورات الزمنية التي أصبحت في طي النسيان إلى الأبد.  

 

 

 

قرر المضي قدمًا، فوجه سوبارو نظرة غامضة لأوتو مع غمزة صغيرة.  

 

 

 

«على أي حال، تأكد من أنك لا تؤثر سلبًا على بيكو؛ لأن ذلك قد ينعكس على تطورها. لكنني أفهم أنك كنت تحاول جاهدًا من أجل المجموعة، رغم كل شيء.»  

 

 

 

«لقد فعلت هذا بمفردي أغه— كانت هناك أسباب أخرى وراء هذا التصرف.»  

صدر صوت في البث وكأن الميتيا تُنقل بين الأيدي، ثم سُمع صوت تنحنح خافت.  

 

 

«—؟»  

‹«للعلم، ما زلت أستيقظ على كوابيس عن ذلك أحيانًا.»›  

 

 

وبتعبير مرير على وجهه الشاحب، تفحص أوتو الحديقة.  

‹«لا أعلم النوايا الحقيقية للسيد فيلهلم. ومع ذلك، تبقى الحقائق أن البحث تم إلغاؤه، وأن الحملة الكبرى انتهت بالفشل، وأن السيد فيلهلم استقال من فرسان الحرس الملكي. الحرس الملكي لم يكن ليستعيد عافيته لولا الجهود المضنية التي بذلها القائد ماركوس.»›  

 

 

«لا أرى غارفيل في أي مكان. من غير المعتاد ألا يُظهر وجهه على الأقل، أليس كذلك؟ إنه دائمًا أول مَن يستيقظ، ويعوي من قمة الجبل أو ما شابه ذلك.»  

 

 

 

«هذا لأنه لم يجد أي مكان مرتفع ليعوي منه. إررر، على أي حال، إنه في حالة حساسة الآن. لذا، إذا صادفته، كن لطيفًا معه، حسنًا؟»  

 

 

 

«بصراحة تامة، كنت أتمنى أن أكون أنا مَن يُعامل بلطف في هذه اللحظة… أوه، رأسي يؤلمني…»  

الهوة العميقة التي انفتحت بين الجد وحفيده على مدى سنوات طويلة قد تستغرق وقتًا مماثلًا لردمها. ومع ذلك، الآن بعد أن تم بناء جسر بينهما، لم يبق سوى ملئه بالتفاهم والقبول.  

 

«—لن يكون ذلك ضروريًا، أيها العامي.»  

أطلق سوبارو ابتسامة مرتبكة وهو يراقب حالة أوتو المترنحة، حيث انهار الأخير مستلقيًا على الشرفة.  

 

 

 

«حسنًا، الآن بعد أن انضم إلينا أوتو أيضًا، ما هي خططنا لهذا اليوم؟»  

كانت حاسمة في نهجها، إذ لم تترك خيارات سوى أمرين: إما الخضوع والطاعة أو مواجهتها بإرادة حديدية. لا وجود لأي بديل ثالث.  

 

في لحظة، ظهر راينهارد من العدم.  

بينما كانت تحتضن بيكو العابسة من الخلف، أمالت إميليا رأسها وطرحت السؤال الأهم. جعلت كلماتها سوبارو يتوقف قليلًا «صحيح…» ويفكر، وهو يلمس ذقنه بيده.  

«لديَّ بعض الاعتراض على كلمات إميليا، لكن…»  

 

خمّن أن هذا الميتيا يعمل كنوع من مكبرات الصوت أو نظام الإذاعة.  

«هناك مسألة إعادة التفاوض مع كيريتاكا بالطبع. ما الخطة؟ خطف ليليانا ومقايضتها بالكريستالة السحرية؟»  

أخذت فيلت نظرة حائرة بينما شرح لها سوبارو النشاط الذي كان يؤديه هو وإميليا معًا. كان معسكر إميليا قد اجتمع في الحديقة ذلك الصباح خصيصًا من أجل أداء تمرينات الإذاعة.  

 

«مرحبًا، الجميع هنا معًا، هاه؟ صباح جميل، أليس كذلك؟»  

«من أين جاء هذا الاقتراح المبالغ فيه؟ هل راجعت حقًا ما فعلته البارحة؟!»  

 

 

«ولكنك في النهاية حرصت على إتمام الأمر، أليس كذلك؟ لأنك صديق راينهارد.»  

«آسف، قليل من استيائي من ليليانا أثر على اقتراحي.»  

 

 

 

اعتذر سوبارو عندما عادت ملامح ليليانا البهيجة إلى ذهنه، لكن أوتو كان منشغلًا جدًا بمعاناة تأثيرات صرخاته على رأسه المتألم ليهتم بالاعتذار. وبعد أن استمر في التأوه لبعض الوقت، أكمل أوتو حديثه ودموعه تملأ عينيه.  

فيما كان سوبارو ينظر إلى بريسيلا بصمت مذهول، تابعت تفسيرها:  

 

 

«أولاً، نحن مقررون لزيارة شركة ميوز عند ساعة النار اليوم. سأكون ممتنًا لو تمكنت شركة حراشف التنين الأبيض من التوسط، لكن…»  

 

 

 

الاسم الذي ذكره أوتو يشير إلى حارس كيريتاكا الشخصي، ديناس. كانت حراشف التنين الأبيض اسم الشركة المرتزقة التي ينتمي إليها، والتي استأجرت لتكون الحارس الشخصي لكيريتاكا.  

 

 

 

مع ذلك، في ذهن سوبارو، بدا ديناس أقل كونه حارسًا شخصيًا وأكثر كونه سكرتيرًا خاصًا مهمته الأساسية التعامل مع قضية ليليانا. 

تصرف الرجل ذي الشعر الأحمر كان يمكن وصفه بأنه شكل من أشكال الشر—لا، بل القسوة.  

 

«كما ترى…»  

«في الوقت الحالي، علي أن أطلب من السيد ناتسوكي البقاء هنا. ولن أقبل أي اعتراضات.»  

 

 

 

«لماذا… هو ما أود قوله، لكن سأحتفظ به لنفسي. حتى أنا أعلم أن المحادثات ستسير بسلاسة أكثر من دون وجودي هناك… لكن، إذًا، ما الفائدة من قدومي إلى بريستيلا؟»  

«هل يمكنكِ التوقف عن قول أشياء توحي وكأن هذا سيجعلني سعيدًا بالفعل؟! هذا سيسبب الكثير من سوء الفهم!»  

 

«معك حق. إذا أراد أن يُرفّه عن نفسه بمحادثات مسلية، لكان عليه الذهاب لمشاهدة مغنية الحكايات. القصص هناك أكثر فكاهةً وغرابةً.»  

«لتلعب مع بيكو؟ من الجيد أن تصنع أكبر عدد ممكن من الذكريات معها.»  

«أعترض على ذلك.» 

 

 

«هل تُعامل بيتي باستخفاف بطريقة ما، يا ترى؟ أُبدي اعتراضي!»  

 

 

 

تم تجاهل احتجاجات بيكو الغاضبة إلى حد كبير، وبهذا تحددت خطط ما بعد الظهيرة مؤقتًا. لكنها لم تكن خططًا معقدة؛ فالفكرة العامة هي أن الجميع، باستثناء أوتو، لديهم وقت فراغ.  

 

 

 

«حسنًا، ما رأيكم أن آخذ إميليا تان وبيكو إلى حديقة عامة؟»  

 

 

 

«إيه؟ أليس من المفترض أن أذهب مع أوتو؟»  

«وصفها بالذريعة يجعل الأمر يبدو كما لو أنني أقوم بشيء سيئ.»  

 

«—رينهارد.»  

«اليوم، مهمتي تقتصر على الحصول على وعد بإعادة فتح المفاوضات، كما ترين. اصطحاب الآنسة إميليا معي في زيارة كهذه سيكون من غير اللائق. سبب جعلك تعودين قبلي البارحة كان لنفس السبب.»  

 

 

 

بعد أن أوضح حجته لإميليا، أضاف أوتو: «مع ذلك…» ووجه نظرة مريبة نحو سوبارو قبل أن يكمل: «لا أعلم ما الذي يخطط له السيد ناتسوكي بذريعة كهذه.»  

 

 

لذلك، وجه سوبارو نظرة قلق نحو فيلهلم، الذي كان من المؤكد أنه يشعر بقدر كبير من الألم الداخلي—  

«وصفها بالذريعة يجعل الأمر يبدو كما لو أنني أقوم بشيء سيئ.»  

 

 

 

هذا كان أقصى ما استطاع سوبارو قوله. أوتو كان مذهلًا كعادته— حتى أخطاؤه أصابت الهدف بشكل ما.  

في حين كان يراقب بيكو الساحرة من طرف عينه، مال سوبارو برأسه مستفسرًا وهو ينظر إلى وجه أوتو الشاحب. بدا أوتو وكأنه استنزف كل قطرة دم من جسده في هذا الصباح الباكر، وهو يترنح نحو حافة الشرفة ليجلس.  

 

لكن، النظرة المباشرة التي عادت إلى عينيه الزرقاوين، مثل بحيرة هادئة بلا أي تموج، جعلت سوبارو يلتقط أنفاسه دون وعي.  

ليس أن سوبارو خطط لشيء بالفعل، لكنه امتلك خطة تعتمد إلى حد كبير على الحظ.  

«بث ميتيا…»  

 

 

«بعد أن نزلت من القارب البارحة، وجدت حديقة جميلة جدًا على الطريق. فكرت أنني أريد التنزه فيها مع إميليا تان، بينما تكون بيكو في المنتصف ونحن نمسك بيديها.»  

أما المرشحون الأربعة الذين وقفوا في وجهها، فلم يترددوا في إظهار إرادتهم الخاصة.  

 

 

«واو، يبدو الأمر ممتعًا. لكن هل يجدر بنا أن نأخذ الأمور بهذه البساطة؟ ما رأيك، أيها المعلم؟»  

«كان لديك عام كامل، كان بإمكانك خلاله تحسين قدرتك على الكلام قليلاً على الأقل، تبًا!»  

 

 

«لا أستطيع الرفض عندما يبدو تلميذي متحمسًا لهذا الحد. حسنًا، بشرط أن يعود قبل أن تذهبوا، اصطحبوا غارفيل معكم على الأقل… فقط لا تتسببوا في أي مشكلات.»  

«لا تصدر صوتًا أمامي، أيها العامي. إذا أمرتك بالرقص، فمن واجبك كعامي أن ترقص حتى آمرك بالتوقف أو حتى تفنى. إذا أسأت فهم هذا وحاولت “تصحيحي”، فموتك بسبب وقاحتك لن يكون سريعًا أو رحيمًا.»  

 

 

«لماذا تنظرين إليَّ عندما تقولين ذلك؟ قولي هذا لبيكو. هي المقصودة هنا.»  

«—؟ لماذا يضحك السيد الأرستقراطي والجد؟ هل قلت شيئًا مضحكًا؟»  

 

 

«ما مدى صحة هذا الكلام، يا ترى؟ بيتي هي الأكبر سنًا هنا؛ لذا من البديهي أن تكون هي مَن تقود الطريق.»  

 

 

 

أخطأت بيكو فهم ما كان يشغل بال أوتو، ووضعت يديها على خصرها بتباهي واضح. طريقتها في تفويت النقطة كانت ساحرة للغاية؛ لذا قام سوبارو بمداعبة رأسها بحنان.  

 

 

حملت الإذاعة اللحن الرائع عبر أنحاء المدينة بأسرها، كأنما تغلغلت مباشرة إلى القلوب. استسلم سوبارو بالكامل للموسيقى والصوت الغنائي، ولم يكن يسمع سوى *”أغنية الحب لشيطان السيف”*.  

وبينما يستمتع سوبارو والبقية بالأجواء الودية الهادئة—  

 

 

هذا كان أقصى ما استطاع سوبارو قوله. أوتو كان مذهلًا كعادته— حتى أخطاؤه أصابت الهدف بشكل ما.  

«مرحبًا، الجميع هنا معًا، هاه؟ صباح جميل، أليس كذلك؟»  

عيناها القرمزيتان بدتا كأنهما تُشعلان كل شيء حولها. نظرتها كانت تعج بالسخرية من كل ما يقع تحت بصرها. جاذبيتها الآسرة كانت تجسيدًا للسحر الفاتن الذي يمكنه إخضاع كل الرجال في العالم، ليصبحوا عبيدًا لها.  

 

 

رفعت فيلت يدها لتحييهم وهي تخطو إلى الممر.  

«عندما فكرت في الأمر، أنتِ وحدكِ، فيلت. أين راينهارد؟»  

 

 

«صباح الخير. كنت أتساءل عن هذا منذ البارحة، ما الذي تقرأينه؟»  

 

 

لم يظهر على بريسيلا أي إشارة توحي بأن ما قالته كان دعابة، ولا أي تلميح إلى سخرية أو تهكم. بمعنى آخر، كانت تقصد تمامًا ما قالت.  

«آااه، لديَّ رهان مع راينهارد. سيطرح عليَّ أسئلة حول محتوى الكتاب، وسأجيب عليها. إذا لم أفُز بهذا الرهان، من المحتمل ألا أتمكن من رؤية إيليا في المرة القادمة عندما أحصل على إجازة…»  

 

 

 

بعبارة أخرى، استغل راينهارد روح المنافسة لدى فيلت لتثقيفها، تحت غطاء الرهان.  

‹«لا تقل لي إنه استغل نفوذه كوالد للقديس المبارز ليحصل على هذا المنصب؟»›  

 

 

«يا له من عبء.»، قالتها مع تعبير غاضب. قفزت فيلت بخفة إلى الحديقة، ثم أشارت إلى أوتو، الذي كان بالكاد يتمكن من الجلوس.  

بينما انطلق يوليوس في تقديم تفسير آخر، حاول أن يحافظ على ردوده خالية من أي عاطفة قدر الإمكان.  

 

 

«ذلك السيد الأخضر لم يكن هنا البارحة، أليس كذلك؟ هل هو معكم؟»  

 

 

 

«نعم، هو معنا. هذا مستشارنا المحلي. حسنًا، إنه يشبه إلى حد كبير ما يمثله لاري بالنسبة لكِ.»  

«هاينكل!»  

 

 

«لست متأكدًا مما تعنيه تمامًا، لكنني على يقين من أنك لا تقصد شيئًا جيدًا!»  

«أخبرتكم قبل أن نفترق، أليس كذلك؟ بما أننا جئنا إلى بريستيلا، أردت مقابلة أشخاص عادة ما يكون من الصعب للغاية الحـ-ديث معـ-غاغههه.»  

 

 

رغم ما احتواه كلام سوبارو من وقاحة ضمنية، فقد كان كافيًا لتعريف أوتو على نحو ملائم. وفي نهاية تلك المحادثة، أمالت فيلت رأسها وسألت سوبارو:  

من حين لآخر، عندما تتفاعل إميليا مع أشخاص يفترض أنهم أصغر منها، كان من الصعب أحيانًا تحديد مَن هو الأكبر سنًا حقًا، مما يعكس قضية تتعلق بالنضج العقلي لإميليا. وكانت هذه إحدى تلك الحالات.  

 

لا شك أن الفضل في هذا التنسيق يعود إلى فيريس، الذي دخل القاعة بخطوات خفيفة خلفها مباشرة. ولحق بهما ويلهيلم، الذي ارتدى زيه المعتاد كخادم.  

«مَن هو لاري؟» 

سعيًا للتخفيف من اضطرابه الداخلي، أخذ سوبارو يتجول حول النزل محاولًا استعادة هدوئه قبل الخروج في النزهة المخطط لها مع إميليا والآخرين. 

 

أعلنت أناستازيا بحماس وهي ترفع أكمامها بسرعة.  

«أقصد ذلك الرجل لاتشينز الذي معكِ. إنهم معارف بسيطون بالنسبة لي، ولهذا أسمي الثلاثي بحب: لاري، وكيرلي، ومو.»  

«فكرة منطقية للغاية، مياو.»  

 

 

«ههه، لا بأس بذلك بالنسبة لي. إذًا لاتشينز، وغاستون، وكامبرلي هم لاري، وكيرلي، ومو بالنسبة لك؟ له وقع لطيف— ويتناسب معهم على نحو مفاجئ!»  

‹«كما ترى، لا. كلتاهما ليستا طفلتين، وهما في سنٍ تحتاجان فيه إلى بعض الوقت الخاص بهما. حتى أنا لديّ الحس الكافي لأحترم ذلك. على أي حال، سنخرج في موعد لاحقًا.»›  

 

 

«أنا أيضًا مندهش من المعجزة التي حدثت لي قبل عام. تمنيت لو كانت معجزة مختلفة، رغم ذلك.»  

«صباح الخير، آنسة إميليا. وصباح الخير لك أيضًا، سوبارو. يوم جميل.»  

 

 

رفع نخبًا لنفسه على اختياره اللقب المناسب في ذلك الوقت. وبالمناسبة، بما أن فيلت أعجبت بالمصطلح، رفع نخبًا لثلاثي الحمقى الذين سيُعرفون إلى الأبد باسم لاري، وكيرلي، ومو.  

اتسعت عينا راينهارد بينما أصدرت فيلت أمرها بكل بساطة. لكن التغير الذي طرأ عليه بعد ذلك مباشرة صدم الجميع.  

 

«إر، عندما كنت على وشك التقيؤ خارج المدخل، لاحظت بيكو وهي تحدق بي بنظرات قاتلة… لكنها اختفت بينما كنت منحنيًا أشعر بالدوار.»  

«على أي حال…»، قالت فيلت بعد ذلك وهي تنظر بين سوبارو وإميليا. «ما هو هذا الرقص الغريب الذي تقومون به منذ فترة؟ هل تلعبون نوعًا من الألعاب؟»  

 

 

 

«مهلًا، مهلًا، لا تسميه رقصًا غريبًا. هذا تمرين الإذاعة، وهو تمرين رياضي محترم للغاية.»  

 

 

 

أخذت فيلت نظرة حائرة بينما شرح لها سوبارو النشاط الذي كان يؤديه هو وإميليا معًا. كان معسكر إميليا قد اجتمع في الحديقة ذلك الصباح خصيصًا من أجل أداء تمرينات الإذاعة.  

 

 

 

سواء كانوا في رحلة أو مهما كانت خططهم، لم يفوتوا أبدًا تمرينات الصباح.  

‹حسنًا… على الأقل أنا ماهر في الغناء والعزف على العود!›  

 

كانت ترتدي فستانًا أحمر بلون الدم، يكشف عن صدرها بشكل مستفز. ذراعاها ملتفتان حول صدرها، ترفعان صدرها الممتلئ بينما كانت بشرتها اللامعة مكشوفة بلا حرج، وابتسامتها الغامضة تعلو وجهها.  

«الصحة الجيدة هي سر الحياة الطويلة، ولهذا يحب الجميع هذه التمارين، من الأطفال الصغار إلى كبار السن. عندما تصبح إميليا ملكة، ستجعل أداء هذه التمارين قانونًا وطنيًا كل صباح.»  

في حين كان يراقب بيكو الساحرة من طرف عينه، مال سوبارو برأسه مستفسرًا وهو ينظر إلى وجه أوتو الشاحب. بدا أوتو وكأنه استنزف كل قطرة دم من جسده في هذا الصباح الباكر، وهو يترنح نحو حافة الشرفة ليجلس.  

 

 

«هذا صحيح. من الممتع جدًا القيام بذلك كل صباح مع الجميع.»  

«حسنًا، أليس هذا رائعًا…؟ كنت الشخص الوحيد الذي لم أخبره بما كنت أفعله هنا. كيف علمتِ بالأمر؟»  

 

 

«حقًا…؟ إذا كان الأمر عائدًا لي، أي شخص يخطط لجعل هذا سياسة عامة لن يصبح ملكًا أبدًا…»  

 

 

 

بينما كانت تراقبهم وهم يؤدون التمارين، تمتمت فيلت بوجه متجهم.  

وقفت كلمات ويلهيلم ويوليوس الحازمة كالحجارة التي لا تتحرك، تاركة سوبارو دون كلمات يعبر بها عن إحساسه. لكنه سرعان ما شعر بحرارة شديدة تتصاعد في وجهه وأذنيه من شدة الإحراج.  

 

«ما مدى صحة هذا الكلام، يا ترى؟ بيتي هي الأكبر سنًا هنا؛ لذا من البديهي أن تكون هي مَن تقود الطريق.»  

كان من المحزن أنها لم تفهم جاذبية تمرينات الإذاعة، لكن حتى لو كره الناس النشاط في البداية، فإن معظمهم يعتادون عليه مع مرور الوقت. في الواقع، كانت موجة غير مسبوقة من تمرينات الإذاعة قد بدأت تنتشر من أراضي ماذرز إلى مناطق أخرى.  

 

 

ناداها أل بينما كانت ترمق سوبارو بنظرة قاسية. نبرة التوسل التي تخللت صوته دفعت بريسيلا لإغماض عينها وإطلاق تنهيدة خفيفة.  

«الآن بعد أن فكرت في الأمر، سمعت أن العديد من المهرجانات الغريبة تنتشر من أراضي تلك الآنسة. هناك رقصة غريبة تشمل اللعب بقرع مفرغ، وشيء يتعلق بالنساء اللاتي يخبزن الحلويات ويقدمنها للرجال؟»  

مالت فيلت رأسها في حيرة عندما بدت إميليا وكأنها تشعر بفخر غريب تجاه تصرفات سوبارو.  

 

 

«حاليًا، يُعتبر ذلك عادة غريبة من الأطراف النائية، لكنني أريد أن أجعلها مشروعي لنشر هذه العادات على مستوى البلاد. وعلى هذا النحو، سيكون من الجيد أن تتعاون أناستازيا معنا عند التخطيط للفعاليات وما إلى ذلك.»  

 

 

 

كان يُعتبر سرًا علنيًا أن النسخة الحديثة من عيد الحب كانت مؤامرة ولدت في عالم شركات الشوكولاتة. بعبارة أخرى، كان هناك الكثير من المال على المحك؛ لذا شعر سوبارو أن أناستازيا ستنتهز الفرصة بلا تردد.  

ما إن أصدرت الأمر حتى ظهر فتى ذو شعر وردي بدا وكأنه كان ينتظر في الرواق. كان سوبارو قد رأى هذا الفتى مسبقًا في قصر بريسيلا، وكان فتى ذا شعر مجعد يبدو ناعمًا ومفعمًا بالحيوية.  

 

 

عندما رأت فيلت سوبارو يغرق في التفكير بملامح جادة على وجهه، نظرت إلى إميليا وتحدثت بصوت خافت.  

بالطبع، سأكمل ترجمة النصوص المتبقية بأسلوب أدبي فصيح ومتقن:

 

 

«مرحبًا، هل السيد دائمًا هكذا؟»  

«لا تصدر صوتًا أمامي، أيها العامي. إذا أمرتك بالرقص، فمن واجبك كعامي أن ترقص حتى آمرك بالتوقف أو حتى تفنى. إذا أسأت فهم هذا وحاولت “تصحيحي”، فموتك بسبب وقاحتك لن يكون سريعًا أو رحيمًا.»  

 

 

«نعم، سوبارو يكون هكذا معظم الوقت. عندما يبدو وكأنه يمزح، يكون في الواقع يفكر بجدية في أشياء كثيرة. ومع ذلك، في بعض الأحيان يبدو هكذا عندما يمزح فعلًا.»  

 

 

فيلهلم، وقد أُخذ على حين غرة، خفض رأسه ببطء.  

«لا أفهم لماذا تبدين وكأنك فخورة به بسبب ذلك.»  

 

 

 

مالت فيلت رأسها في حيرة عندما بدت إميليا وكأنها تشعر بفخر غريب تجاه تصرفات سوبارو.  

«إذن، ما الذي أتى بك إلى هنا؟»  

 

«حسنًا، سواء دعا الأمر للقلق أم للعمل، يمكننا تأجيله إلى ما بعد الطعام. يقولون إن روح روهالو خسرت بسبب معدة فارغة.»  

من حين لآخر، عندما تتفاعل إميليا مع أشخاص يفترض أنهم أصغر منها، كان من الصعب أحيانًا تحديد مَن هو الأكبر سنًا حقًا، مما يعكس قضية تتعلق بالنضج العقلي لإميليا. وكانت هذه إحدى تلك الحالات.  

نهض سوبارو على الفور، وقد اقترب من حدود تحمله.  

 

التفت سوبارو سريعًا ليجد أن الضحكات صادرة عن يوليوس وويلهيلم.  

«عندما فكرت في الأمر، أنتِ وحدكِ، فيلت. أين راينهارد؟»  

جلس معسكر فيلت مباشرة مقابل سوبارو، مما أتاح له مشاهدة مباشرة لمهارة راينهارد، الذي أعدَّ أطباق دايسوكياكي فائقة الجودة بمهارة مذهلة، لتختفي تلك الأطباق سريعًا في معدة فيلت. لقد تجاوز عدد الأطباق التي تناولتها الخمسة، مما أثار دهشة سوبارو حول كيفية استيعاب جسدها الصغير لكل هذا الطعام.  

 

 

«لست طفلة، ووجوده حولي يعني أنني مضطرة للاستماع إلى انتقاداته المستمرة.» 

«آه، إنه هو بالتأكيد.»  

 

 

«بالإضافة إلى ذلك، وليس لأنني أحب الاعتراف بهذا، لكن إذا ناديتُه، سيصل خلال ثانية واحدة.»  

 

 

«نعم، سوبارو يكون هكذا معظم الوقت. عندما يبدو وكأنه يمزح، يكون في الواقع يفكر بجدية في أشياء كثيرة. ومع ذلك، في بعض الأحيان يبدو هكذا عندما يمزح فعلًا.»  

بالنظر إلى تصلُّب ملامح وجه فيلت وهي تقول ذلك، يبدو أنها عنت ذلك حرفيًا وليس على سبيل المزاح. مثل هذه الأمور تجعل من السهل تذكُّر مدى استثنائية راينهارد حقًا.  

 

 

 

«لكن مما رأيته بالأمس، يبدو أنكِ تعلمتِ كيف تتعايشين مع راينهارد… ربما كلمة ”تتعايشين“ ليست التعبير المناسب… يبدو أنكما تجاوزتما الخلافات رغم البداية الصعبة.»  

 

 

 

«حقًا؟ ظننت أن فيلت وراينهارد كانا على وفاق منذ البداية…»  

لم يعد أحد يوليه أي اهتمام. ربما كان ذلك لأن أنظارهم انجذبت بالكامل إلى الحرارة المشعة القادمة من وراء العتبة. ثم—  

 

«ريكاردو لم يعد بعد هذا الصباح، حيث كان مشغولًا بأمر ما. أما ميمي… يبدو أنها قادت خادم السيدة إميليا، غارفيل، في جولة حول المدينة.»  

«مهلًا، هل هذه أحجار كريمة فعلية في عيني هذه الآنسة؟ من الأفضل أن تلمِّعيها جيدًا حتى ترى الأمور بوضوح؛ لأنني فتاة خطيرة إذا ما استُفزيت.»  

«—صباح الخير. أوه، يبدو أنكم جميعًا على وفاق جميل.» 

 

 

أثار التشبيه الشعري الغريب الذي استخدمته فيلت دهشة سوبارو، ما جعله يقدِّر مقدار التعليم والنضج الذي اكتسبته منذ لقائهما الأخير.  

 

 

«بالفعل تبدو جميلة. ولكنني لن أُهزم. هاها، شاهد هذا.»  

«حسنًا، لا أستطيع أن أنكر ما قاله السيد عن ذلك. لا يمكنني أن أكون غير مسؤولة إلى الأبد أو شيء من هذا القبيل. الآن بعد أن قررتُ أنني سأفعل هذا معه، فهو مسؤوليتي؛ لذا…»  

كلما عرف سوبارو المزيد عن هذه الحادثة، كلما ازداد شعوره بالذهول.  

 

 

«—آنسة فيلت، هل ناديتِ؟»  

«إذًا، هل كان العجوز جادًا قبل قليل؟ هل ينوي طردي واستعادة مكانه كرب للعائلة؟»  

 

‹«مهلاً، ما الذي تفعله؟»›  

«لم أفعل!!»  

«لقد أخبرتك بالفعل. أحضرته فقط لإشباع تسليتي الخاصة. بهذا المعنى، فقد أثبت قيمته بالفعل.»  

 

 

في لحظة، ظهر راينهارد من العدم.  

‹«فهمت. يجب أن أكون أكثر هدوءًا وأتذكر أن أتحكم في أعصابي. هذا ما يجب على الفارس أن يفعله، أليس كذلك؟ أدرك أنني لا أفكر بشكل بعيد المدى بما يكفي. فقد كُتب ذلك في كل تقرير مدرسي حصلت عليه في المرحلة الابتدائية.»›  

 

 

عندما ظهر فجأة خلفها، صرخت فيلت بغضب عليه. جعل صوتها الحاد راينهارد يرفع حاجبيه قبل أن يوجه كلامه إليها.  

 

 

«لا أرى مغزى للتباهي بمثل هذا الأمر، لكن لديّ بعض الإلمام بالموسيقى.»  

«آنسة فيلت، ما زلنا في الصباح الباكر. هذا ليس قصرنا،؛ لذا أرجوكِ ألا تسببي إزعاجًا للآخرين برفع صوتكِ…»  

«يا إلهي، أرجوكِ ارحميني. حتى أنكِ استدعيتِ “شمس النصل”. هذا سيء جدًا على قلبي… بآااه!!»  

 

 

«أوه، اصمت— لا تُلقِ عليَّ محاضرات! وما بالك أنت أيضًا؟ تقول إنك ستأتي عندما أناديك، ثم تظهر عندما لا أناديك على الإطلاق!»  

«بالاسم فقط…؟»  

 

 

«صباح الخير، آنسة إميليا. وصباح الخير لك أيضًا، سوبارو. يوم جميل.»  

 

 

 

«لا تتجاهلني عندما يناسبك الأمر، أيها المزعج!!»  

فيما كان سوبارو ينظر إلى بريسيلا بصمت مذهول، تابعت تفسيرها:  

 

‹لا أفهمك. حقًا، أنت متغطرس لدرجة غير محتملة.›  

بينما كان راينهارد يبتسم بلطف ويقدم تحية الصباح، رفع سوبارو يده ردًا عليه. أثارت ردة فعل راينهارد غضب فيلت، فأمسكت بياقته وبدأت تهز رأسه.  

‹«الأمر ليس كذلك—ولكن ‘الحملة الكبرى’، التي هدفت إلى القضاء على الحوت الأبيض وشملت القديس المبارز السابق، جرت خلال الفترة التي كان فيها السيد فيلهلم غائبًا عن العاصمة للبحث.»›  

 

لكن، كانت هناك مشكلة واحدة—اختيارها لـ *”أغنية الحب لشيطان السيف”*.  

بالطبع، بالنظر إلى قوة راينهارد، كان بإمكانه التخلص منها بسهولة، لكنه تركها تمسك به.  

 

 

‹«قبل خمسة عشر عامًا، اختُطِف أحد أفراد العائلة المالكة من القصر الملكي. في ذلك الوقت، كان السيد فيلهلم مسؤولًا عن البحث عن الملكي المختطف كقائد لفرسان الحرس الملكي.»›  

«أترى؟ فيلت وراينهارد على وفاق تام.»  

 

 

 

«أعتقد أنكِ محقة. هذا مشهد كلاسيكي للانسجام بينهما.»  

أخذت فيلت نظرة حائرة بينما شرح لها سوبارو النشاط الذي كان يؤديه هو وإميليا معًا. كان معسكر إميليا قد اجتمع في الحديقة ذلك الصباح خصيصًا من أجل أداء تمرينات الإذاعة.  

 

مشيرًا إلى سوبارو بيده التي كان يحك بها رأسه، أمر الرجل كلًا من رينهارد والآخرين بصوت غير مكترث. لم يستطع سوبارو سوى تفسير كلماته المتعجرفة على أنها ازدراء للجميع.  

«بطريقة ما، هذه الكلمات كافية لجعلي أموت من شدة الانزعاج! لا أحب هذا!»  

عندما خطا يوليوس خطوة إلى الأمام ونطق بهذه الكلمات، انحبس أنفاس سوبارو وتوقف جسده عن الحركة.  

 

 

ابتسم سوبارو موافقًا مع إميليا المبتسمة، متجاهلًا صيحات فيلت الغاضبة بسلاسة. بدلًا من ذلك، نظر إلى راينهارد بينما كانت فيلت تتلاعب به.  

«لا يمكن أن يكون…»  

 

«آه، يا لها من مجموعة مرعبة. بالتأكيد، كان ذلك مجرد مزاح، لذا لا تنفعلوا بلا داع. حتى وإن كنت نائب القائد بالاسم فقط، فسأظل ملتزمًا بقواعد الفروسية.»  

رغم أن زاويتي عينيه كانتا منخفضتين في تعبير يوحي بالضيق وابتسامة متعبة تعلو وجهه، بدا المشهد طبيعيًا لدرجة أن سوبارو شعر براحة غريبة.  

«وجدته؟ وماذا حدث بعد ذلك؟»  

 

«حاليًا، يُعتبر ذلك عادة غريبة من الأطراف النائية، لكنني أريد أن أجعلها مشروعي لنشر هذه العادات على مستوى البلاد. وعلى هذا النحو، سيكون من الجيد أن تتعاون أناستازيا معنا عند التخطيط للفعاليات وما إلى ذلك.»  

وفي الوقت نفسه، خطرت له فكرة مفاجئة— هذان الاثنان قضيا السنة الماضية أيضًا في خوض تحديات اختيار الملك كالسيدة ووصيها.  

فتح رينهارد عينيه على اتساعهما وهو ينظر إلى فيلهلم. وفي المقابل، واجه فيلهلم نظرة رينهارد مباشرة.  

 

 

«حسنًا، أكره أن أفسد اللحظة الجميلة، لكن ما رأيكم أن نذهب لتناول الفطور؟!»  

 

 

«فتانا اللطيف شولت دائمًا مليء بالطاقة، أليس كذلك؟ عليكِ أن تمدحيه أكثر يا أميرتي.»  

«لن أقبل هذا!»  

 

 

 

بينما كان يستمع إلى صوت فيلت الحاد، رفع سوبارو بصره نحو السماء الزرقاء الصافية وتمدَّد بشدة.  

«هناك بث كل صباح؟ لأي غرض؟»  

 

لكن ملاحظة سوبارو الساخرة قوبلت بضحكة خافتة قادمة من الجانب الآخر—ولم تكن واحدة فقط، بل اثنتين.  

ليلة البارحة، ثم صباح كهذا— كان اليوم يبدو واعدًا للغاية. ليس لديه أساس منطقي لهذا الشعور، لكنه كان واثقًا بذلك مع ذلك.  

—حتى بعد أن هدأت الأجواء، بدا من المستحيل استعادة القاعة إلى حالتها السابقة.  

 

«هل علمت بذلك من جوشوا، وأنا أسمع عنه الآن؟ هكذا يجب أن أفهم الأمر؟»  

《٢》

«الآن بعد أن فكرت في الأمر، سمعت أن العديد من المهرجانات الغريبة تنتشر من أراضي تلك الآنسة. هناك رقصة غريبة تشمل اللعب بقرع مفرغ، وشيء يتعلق بالنساء اللاتي يخبزن الحلويات ويقدمنها للرجال؟»  

 

 

«—صباح الخير. أوه، يبدو أنكم جميعًا على وفاق جميل.» 

‹«…السيد فيلهلم كان قائد فرسان الحرس الملكي السابق.»›  

 

—لو كان هناك من يراقبهما من بعيد، لما رأى سوى صديقين عاديين يتشاركان لحظة هادئة.

استقبلت أناستازيا سوبارو والبقية عند دخولهم قاعة الاستقبال بابتسامة ماكرة، بينما تحدثت إليهم بنبرة مرحة. بدا أن رؤية معسكر إميليا ومعسكر فيلت معًا كان مفاجأة بالنسبة لها. ولكن ما أثار دهشة سوبارو بنفس القدر كان تحيتها المميزة.  

«… إذًا، لماذا أحضرتِ ذلك العجوز معكِ؟»  

 

أجاب يوليوس بابتسامة:  

السبب؟ الزي اللامع الذي ارتدته.  

 

 

كانت تلك الأغنية تحكي قصة شيطان السيف، الرجل المولع بالسيف، والذي كان يسعى وراء القديس المبارز. إنها قصة بطولية عن شباب فيلهلم، وكيف التقى بزوجته المحبوبة.  

ظهرت أناستازيا بزي مختلف تمامًا عن المعتاد، مع وشاحها التقليدي حول عنقها، مما جعل إميليا والبقية يتنهدون بدهشة قائلين: «واو.»  

 

 

 

«جيد، جيد. يبدو أنني نجحت في إدهاشكم هذا الصباح. أنا سعيدة للغاية.»  

على عكس سوبارو، الذي أصرَّ على أن يتذوق الطهاة طعامهم كعقاب على أخطائهم، أكل جوليوس الفحم دون شكوى، ولم يطلب أي تحسينات إلا بعد أن أنهى كل لقمة. كان هذا في نظر سوبارو تجسيدًا حقيقيًا للفروسية، لكنه لم يرغب على الإطلاق في أن يحذو حذوه.  

 

 

«هذا الزي رائع. هل هو ما كنتِ تتحدثين عنه في الحمام البارحة؟»  

تحولت أنظار الجميع في القاعة نحو الباب المنزلق المغلق خلف هاينكل.  

 

«ما حققته أمور لم يسبق لأحد أن أنجزها. وحتى أيامي الأخيرة، سأظل فخورًا بأنني شاركتك المعارك.»  

«نعم، هذا هو الكيمونو. يشبه اليوكاتا، لكنه يحتاج وقتًا أطول لارتدائه.»  

«بفضلك، خفَّ العبء عن كاهل ابنك، أليس كذلك؟ هذا هو جدك العظيم، الرجل الذي انتقم لزوجته، أمي، وجدتك. ومع ذلك، لم تنطق بكلمة واحدة لتثني على إنجازه، أليس كذلك؟ لأنه…»  

 

 

تألقت أناستازيا وهي تدور في مكانها بفخر، عارضةً الملابس المصبوغة بالأزرق ببراعة. أضفى النقش الذي يمثل أوراق زهرة متساقطة لمسة ساحرة على التصميم، ما جعل سوبارو يدهش من قدرة الحرفيين في كاراراجي على إنتاج مثل هذا العمل الفني.  

 

 

 

«إذًا هذه الملابس جزء من تقاليد كاراراجي؟»  

انخفض يوليوس على إحدى ركبتيه، منحنياً برأسه بوقار.  

 

ظهرت أناستازيا بزي مختلف تمامًا عن المعتاد، مع وشاحها التقليدي حول عنقها، مما جعل إميليا والبقية يتنهدون بدهشة قائلين: «واو.»  

«بالضبط. تصميم هذه الملابس توارثه الخياطون منذ عهد هوشين، وهو أحد القلائل المتبقية من ثقافة تلك الحقبة.»  

 

 

«يا له من فتى صاخب. مهلاً، قديس السيف، أو يوليوس، أو حتى أرغيل—اقضوا على هذا الصعلوك الوقح.»  

«عهد هوشين، أليس كذلك؟»  

 

 

 

مرة أخرى، ظهر أمام سوبارو ذلك الاسم الغامض، هوشين من الأراضي المهجورة. 

«التغيير مثلك هو ميزة الشباب، يا أخي. أما بالنسبة لشيخ مثلي، فهذا أمر مستحيل تمامًا.»  

 

 

تمامًا مثل سوبارو وآل، كان على الأرجح شخصًا آخر من نفس وطنهما، استُدعي إلى هذا العالم قبل أربعة قرون—  

 

 

بالطبع، لم يكن أحد في القاعة يجهل علاقة فيلهلم بـ *”أغنية الحب لشيطان السيف”*. حتى وجنتا إيميليا تجمدتا، وحتى وجه فيلت اكتسى بالجدية.  

«حالما تنتهي هذه الأمور، أحتاج حقًا إلى البحث قليلًا عن هذا الرجل، هوشين…»  

بعبارة أخرى، استغل راينهارد روح المنافسة لدى فيلت لتثقيفها، تحت غطاء الرهان.  

 

 

في تلك اللحظة، ليس لدى سوبارو أي نية للشكوى بشأن ظاهرة استدعائه إلى عالم آخر. لقد تجاوز منذ فترة طويلة مراحل الفهم والقبول.  

‹«—؟!»›  

 

لم ينبس أي منهما ببنت شفة لنفي ذلك.  

كان يجهل تفاصيل عملية الاستدعاء وأهداف المستدعي، لكنه تقبل أن الاستدعاء كان رحلة باتجاه واحد، وأنه لا توجد وسيلة مريحة للعودة.  

«لديَّ بعض الاعتراض على كلمات إميليا، لكن…»  

 

ما حدث بعدها مباشرة كان طاغيًا لدرجة جعلت الجميع يلتقط أنفاسه.  

كانت أسئلته حول هذه الأمور كثيرة كعدد النجوم في السماء، لكن ما أراد معرفته في تلك اللحظة كان ما هي البصمات التي تركها أول مَن استُدعي قبله بقرون وما الذي آل إليه مصيره. هذا كل شيء.  

«—!! ولماذا؟!»  

 

بينما كانت تراقبهم وهم يؤدون التمارين، تمتمت فيلت بوجه متجهم.  

«السيدة أناستازيا، تبدين أكثر جمالًا هذا الصباح. كنت قلقًا من أنك لن تسمحي حتى لي برؤيتك بهذا الشكل، ولكن يبدو أن قلقي كان بلا داعٍ.»  

 

 

 

«إيهيهيهي، هذه كانت الجوهرة المخبأة في جعبتي! لم يصل هذا الزي المكتمل إلى بريستيلا سوى قبل وقت قصير. كان من الصعب جدًا إخفاؤه عن جوليوس، هيهي.»  

 

 

 

لاحقًا، بعد لقائها مع جوليوس في القاعة، استعرضت أناستازيا ملابسها أمام فارسها، وانهال عليها جوليوس بالمديح الذي أشبعها بالرضا. ثم أمالت رأسها قليلًا مستفسرة:  

أدارت بيكو وجهها بعيدًا وهي تجلس على الشرفة، محدِّقة في سوبارو وإميليا.  

 

 

«أوه؟ ميمي والبقية ليسوا معك؟»  

 

 

«إميليا؟»  

«ريكاردو لم يعد بعد هذا الصباح، حيث كان مشغولًا بأمر ما. أما ميمي… يبدو أنها قادت خادم السيدة إميليا، غارفيل، في جولة حول المدينة.»  

 

 

«حقًا؟ هذا يسعدني جدًا. لقد بدوت وكأنك تحمل شيئًا في بالك الليلة الماضية.»  

«إيه، ميمي مع غارفيل؟!»  

 

 

عندما نظر سوبارو حوله، لاحظ أن جميع الحاضرين في الغرفة كانوا يرتدون تعابير مشابهة وهم يقتربون، دون أن يحاولوا إخفاء عدائهم تجاه الدخيل.  

اتسعت عينا إميليا عند سماع اسم أحد أفراد مجموعتها، فأجابها جوليوس قائلًا: «نعم.»، وهو يهز رأسه. «ميمي وغارفيل لم يعودا إلى النُزل منذ الليلة الماضية. وعندما علم هيتارو وتي بي بذلك، انطلقا إلى المدينة على الفور.»  

«كم أنت وقح، آل. بأي إذن تجرؤ على لمس جلدي الذي يشبه الجواهر؟ تصرفاتك شأنك الخاص، سواء بسبب نقص في الاهتمام النسائي أو رغباتك المكبوتة، لكن لا تحلم أبدًا أن تنجح في تدنيسي بهذه الطريقة.»  

 

 

«هل علمت بذلك من جوشوا، وأنا أسمع عنه الآن؟ هكذا يجب أن أفهم الأمر؟»  

قطعت أنستاسيا حديث بريسيلا المتبجح بإثارتها مثل هذه الفوضى الكبرى. بدت عينها ذات اللون الأزرق المائل إلى الأخضر شديدة الحذر، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة ماكرة.

 

 

وضعت أناستازيا يديها على خصرها وهي تنظر إلى جوشوا، الذي تبع جوليوس واختبئ خلف ظهره. أثارت كلماتها خجل الشاب ذو الملامح الرقيقة، فانخفض رأسه باعتذار بائس:  

«المعلومات جزئيًا صحيحة، ولكن هناك الكثير من المبالغات المختلطة بها، اللعنة!»  

 

 

«أ-أنا آسف جدًا. حاولت بكل جهدي إيقافهم، لكن هيتارو رفض الاستماع. وتي بي كان قلقًا أيضًا؛ لذا…»  

 

 

 

«هذا لأن هيتارو لا يرى شيئًا آخر حوله عندما تكون ميمي موجودة. طالما أن تي بي معه، فلا بأس… ومع ذلك، هناك شيء أود أن أطلبه منك، جوشوا.»  

شعر الجميع بالدهشة عندما بدأت العمل بسرعة، بينما انهمك الموظفون في وضع الزيت على الصحون الحديدية، ثم جلبوا عربة مليئة بأنواع مختلفة من التوابل في أوعية دائرية إلى القاعة.  

 

مشيرًا إلى سوبارو بيده التي كان يحك بها رأسه، أمر الرجل كلًا من رينهارد والآخرين بصوت غير مكترث. لم يستطع سوبارو سوى تفسير كلماته المتعجرفة على أنها ازدراء للجميع.  

ابتسمت أناستازيا للشاب المرتبك، وربتت على كتفه بلطف وهو يرفع رأسه. 

لم يكن هذا الشعور مشابهًا للخوف الذي يعتريه عند مواجهة مخلوق قوي مثل الحوت الأبيض أو إحدى الساحرات. بل كان إحساسًا أكثر خصوصية، شعورًا بالاشمئزاز الشخصي.  

 

 

«كنت أعتزم بالفعل أن أعهد بهذه المهمة إلى هيتارو والبقية، ولكن أريد منك أن تلتقط رسالة عند البوابة الرئيسية— إنها رسالة بالغة، بالغة الأهمية.»  

لم يظهر على بريسيلا أي إشارة توحي بأن ما قالته كان دعابة، ولا أي تلميح إلى سخرية أو تهكم. بمعنى آخر، كانت تقصد تمامًا ما قالت.  

 

«هـه؟ آه، حسنًا… آ-آآه…»  

بينما كانت تتحدث، نظرت أناستازيا باتجاه سوبارو بنظرة ذات مغزى. هذه النظرة، المتداخلة مع حديث البارحة في القاعة، أثارت داخله رغبة في التعليق. 

«—أعتذر على التأخير. يبدو أننا وصلنا آخر الحاضرين.»  

 

«بالمناسبة، لم تكن موجودًا لتناول العشاء البارحة أيضًا، فما الذي كنت تفعله؟»  

«أرجوك يا جوشوا، أنت أملي الوحيد!»  

 

 

«أُغغغ…»  

«وما الحاجة لأن تطلب مني ذلك؟! السيدة أناستازيا أعطتني تعليماتها بالفعل!»  

بذور الشك حول نوايا فيلهلم الحقيقية ما زالت قائمة. لم تكن شيئًا يمكن حله بالكلمات أو الأفعال على الفور.  

 

 

بتجاهل يدَي سوبارو اللتين أمسكتا بكتفيه، توجه جوشوا بخطوات سريعة نحو الباب المنزلق. ثم—  

«الجميع هنا لأنهم تلقوا دعوة من أنستازيا. لكن وجود الجميع في نفس الوقت هنا كان مصادفة بحتة، ولا أعتقد أنك قررت الزيارة في وقت كهذا صدفة. هذا صحيح بشكل مضاعف لشخص مثلك، أحد الأعضاء البارزين في فرسان الحرس الملكي. ما الذي يعنيه هذا؟ تكلم.»  

 

 

«سأنفذ التعليمات. اترك الأمر لي. سأتم المهمة دون أي تقصير، نيابةً عن تي بي والبقية!»  

«ولكنك في النهاية حرصت على إتمام الأمر، أليس كذلك؟ لأنك صديق راينهارد.»  

 

«هل واجهت ذلك الوجه الشاحب العائم في الظلام وجهًا لوجه، يا ترى؟! لاحظت بيتي أيضًا، فتبادلت النظرات معه… واستمرت المعركة بيننا، خطوة للأمام وخطوة للخلف!»  

—بهذه الكلمات الحازمة، أعلن جوشوا عزمه أمام أناستازيا وغادر القاعة مسرعًا. وحين اختفى شعره المربوط عن الأنظار، لامست أناستازيا وشاحها برفق.  

«أشعر وكأنني أشاهد شيئًا لم يكن ينبغي لي رؤيته… ولكن بما أن الأمر كذلك… إر؟»  

 

«آه، يا لها من مجموعة مرعبة. بالتأكيد، كان ذلك مجرد مزاح، لذا لا تنفعلوا بلا داع. حتى وإن كنت نائب القائد بالاسم فقط، فسأظل ملتزمًا بقواعد الفروسية.»  

«كان بإمكانه أن يفعل ذلك بعد تناول الإفطار، على الأقل…»  

 

 

حين أعاد النظر في الأحداث التي وقعت في القاعة، أدرك سوبارو أن فقدانه للسيطرة على نفسه كان أمرًا مؤسفًا للغاية.  

ابتسمت ابتسامة متكلفة بينما علقت على ولاء هذا الشاب الطموح ورغبته في نيل المجد.  

«لا تخبرني أنها أحدثت هذه الفوضى عمدًا لتحقيق ذلك… لا بد أنني أفرط في التفكير، أليس كذلك؟»  

 

 

«—أعتذر على التأخير. يبدو أننا وصلنا آخر الحاضرين.»  

«… إذًا، لماذا أحضرتِ ذلك العجوز معكِ؟»  

 

كانت تلك الأغنية تحكي قصة شيطان السيف، الرجل المولع بالسيف، والذي كان يسعى وراء القديس المبارز. إنها قصة بطولية عن شباب فيلهلم، وكيف التقى بزوجته المحبوبة.  

كانت كروش، بشعرها الأخضر الطويل المربوط بعناية، هي آخر مَن وصل إلى قاعة الاستقبال. ظهرت بإطلالة أنيقة تضمنت زينة زهرية لشعرها ووشاحًا أبيض يزين خصلاتها الخضراء، مما أضفى عليها رونقًا خاصًا.  

 

 

«—همف.»  

لا شك أن الفضل في هذا التنسيق يعود إلى فيريس، الذي دخل القاعة بخطوات خفيفة خلفها مباشرة. ولحق بهما ويلهيلم، الذي ارتدى زيه المعتاد كخادم.  

 

 

«حقًا؟ هذا يسعدني جدًا. لقد بدوت وكأنك تحمل شيئًا في بالك الليلة الماضية.»  

رؤية هذا الرجل المسن والطويل جعلت كتفي سوبارو يتيبسان. تذكر الكلمات العديدة التي تبادلها مع شيطان السيف تحت ضوء القمر في الليلة الماضية.  

«أجبني. من أنت بحق السماء؟»  

 

 

«……»

«أولاً، نحن مقررون لزيارة شركة ميوز عند ساعة النار اليوم. سأكون ممتنًا لو تمكنت شركة حراشف التنين الأبيض من التوسط، لكن…»  

 

 

تقاطعت نظراتهما في تلك اللحظة، حيث لاحظ ويلهيلم وجود سوبارو. التقط الأخير أنفاسه بصعوبة عندما بادر ويلهيلم بتحية صامتة عبر عينيه.  

‹إنها واحدة من تلك المفاجآت العابرة التي تُنسى بسرعة. أشعر بالفخر فقط لأنني تمكنت من تذكره.›  

 

 

قرأ سوبارو الرسالة: لا داعي للقلق.  

 

 

«أوووه، كائنات غير بشرية؟»  

«يبدو أننا اجتمعنا جميعًا. هناك وجوه غائبة، ولكن مع ذلك…»  

كانت هذه الكلمات التي نطقها فيلهلم بصوت متردد ومقتضب.  

 

 

«ينطبق هذا على غارفيل أيضًا. إذا كان مع ميمي فلا بأس، لكن ذلك الأحمق المتسرع…»  

 

 

‹«هذا ليس تصرفًا يُحمد عليه. أن تتحدث عن عائلة شخص آخر بمزيج من الشائعات والتحيز أمر في غاية الوقاحة؛ إنها أفعال يجب أن يخجل منها أي فارس.»›

كان من الأدق القول إنه ذو عقلية النمر، ولكن بطبيعة الحال، شعر سوبارو بالقلق أيضًا لعدم عودة غارفيل صباحًا وعدم تواصله مع أحد. ربما ذهب إلى مكان ما لمحاولة التخلص من شعوره بالهزيمة.  

 

 

‹«حسنًا، من منظوري، يبدو وكأنك تنحني لي.»›  

وإذا كانت ميمي برفقته، فلم يكن أمام سوبارو سوى أن يأمل أن لا تسوء الأمور بطريقة ما.  

 

 

 

«حسنًا، سواء دعا الأمر للقلق أم للعمل، يمكننا تأجيله إلى ما بعد الطعام. يقولون إن روح روهالو خسرت بسبب معدة فارغة.»  

«عدم دعوتي للاحتفال بنجاح صيد الحوت الأبيض… ما الفكرة من وراء ذلك؟ أيّ برودة وقسوة هذه؟ لقد كانت مهمة عظيمة استغرقت أكثر من عشر سنوات لتحقيقها. كان لي الحق مثل أي شخص آخر في المشاركة في الاحتفال وتقاسم السعادة. أليس كذلك، يا أبي العزيز؟»  

 

وبتعبير مرير على وجهه الشاحب، تفحص أوتو الحديقة.  

صفقت أناستازيا بيديها، مستشهدةً بمقولة شائعة على ما يبدو، ثم أخذت مكانها. حذا سوبارو والبقية حذوها، متوزعين بحسب معسكراتهم على وسائد مربعة للاستراحة.  

 

 

«أقصد ذلك الرجل لاتشينز الذي معكِ. إنهم معارف بسيطون بالنسبة لي، ولهذا أسمي الثلاثي بحب: لاري، وكيرلي، ومو.»  

«هل يمكنكم إحضاره الآن؟»  

 

 

 

عندما رأت أناستازيا أن الجميع قد جلسوا، نادت على الأشخاص المنتظرين خلف الستائر. على الفور، دخل عدة موظفين من النُزل يحملون أطباقًا، ووضعوها على الطاولة الطويلة.  

كان من الأدق القول إنه ذو عقلية النمر، ولكن بطبيعة الحال، شعر سوبارو بالقلق أيضًا لعدم عودة غارفيل صباحًا وعدم تواصله مع أحد. ربما ذهب إلى مكان ما لمحاولة التخلص من شعوره بالهزيمة.  

 

 

سرعان ما امتلأت الطاولة بأجسام سوداء ضخمة، تلتها المزيد من الصحون الحديدية التي وُضعت واحدة تلو الأخرى.  

 

 

 

«اليوم سنستمتع بتقليد شعبي من كاراراجي— إنه وقت وليمة دايسوكيياكي!»  

كان وجه هاينكل قد أشرق للحظة، متأملًا إمكانية تغيير الموقف لصالحه، لكن لسعة لسان بريسيلا الحادة أسكتته تمامًا. غير أن كلمات الاثنين أثارت شكوكًا في نفس سوبارو.  

 

 

أعلنت أناستازيا بحماس وهي ترفع أكمامها بسرعة.  

«أوه، هل هذا صحيح؟ إذن، ليغادر هذا الشخص الفظّ المكان ويقضي وقته برفقة المغنية التي تتحدث عنها الشائعات.»  

 

 

شعر الجميع بالدهشة عندما بدأت العمل بسرعة، بينما انهمك الموظفون في وضع الزيت على الصحون الحديدية، ثم جلبوا عربة مليئة بأنواع مختلفة من التوابل في أوعية دائرية إلى القاعة.  

«لتلعب مع بيكو؟ من الجيد أن تصنع أكبر عدد ممكن من الذكريات معها.»  

 

 

دايسوكيياكي— صدى هذا الاسم، الصحون الحديدية الكبيرة، والأطباق… أثناء تفحصه لكل ذلك، أدرك سوبارو حقيقة هذا التقليد الطهوي الذي كان أمامه—  

«—؟ لماذا يضحك السيد الأرستقراطي والجد؟ هل قلت شيئًا مضحكًا؟»  

 

ردة الفعل غير المتوقعة جعلت سوبارو يرمش عدة مرات، وأخيرًا—  

«—هـ-هل تعنين أن هذا هو الأوكونوميياكي؟!»  

«سيجعل ذلك العجوز يسلّم الإرث عنوة. صحيح أنه هادئ المزاج، لكنه أكثر جدارة بالاعتماد عليه من ذلك الوغد. ذاك العجوز سيُحال إلى التقاعد قريبًا.»  

 

في حين كان يراقب بيكو الساحرة من طرف عينه، مال سوبارو برأسه مستفسرًا وهو ينظر إلى وجه أوتو الشاحب. بدا أوتو وكأنه استنزف كل قطرة دم من جسده في هذا الصباح الباكر، وهو يترنح نحو حافة الشرفة ليجلس.  

الطبق الياباني أوكونوميياكي، الذي تناقلته كاراراجي تحت مسمى دايسوكيياكي، ظهر بشجاعة أمام أعينهم. 

 

 

 

《٣》

 

 

‹«لك مني خالص الشكر. أردت أن أشكرك على غضبك العادل في ذلك الموقف.»›  

«سوبارو، انظر! لقد قلبتُها بطريقة مثالية! أنا فخورة جدًا بها! تفضَّل وكُلها!» 

كانت تلك الأغنية تحكي قصة شيطان السيف، الرجل المولع بالسيف، والذي كان يسعى وراء القديس المبارز. إنها قصة بطولية عن شباب فيلهلم، وكيف التقى بزوجته المحبوبة.  

 

 

«أعتقد أنها خرجت بشكل مقبول. سوبارو، لقد تعبتُ في قلي هذه الدايسوكياكي؛ لذا عليك تناولها.»  

«هل واجهت ذلك الوجه الشاحب العائم في الظلام وجهًا لوجه، يا ترى؟! لاحظت بيتي أيضًا، فتبادلت النظرات معه… واستمرت المعركة بيننا، خطوة للأمام وخطوة للخلف!»  

 

«كنت أعتزم بالفعل أن أعهد بهذه المهمة إلى هيتارو والبقية، ولكن أريد منك أن تلتقط رسالة عند البوابة الرئيسية— إنها رسالة بالغة، بالغة الأهمية.»  

وجه إيميليا فاض بابتسامة عريضة، بينما كانت بياتريس مترددة قليلًا وهي تقدِّم طبقين غريبين من الدايسوكياكي التي أعدتاها بنفسيهما، واللذين وُضعا الآن على الأطباق الحديدية أمامهما.  

 

 

«لا أرى مغزى للتباهي بمثل هذا الأمر، لكن لديّ بعض الإلمام بالموسيقى.»  

«عليكما أن تتذوقا طعامكما أولًا قبل تقديمه للآخرين.»  

 

 

بينما كان راينهارد يبتسم بلطف ويقدم تحية الصباح، رفع سوبارو يده ردًا عليه. أثارت ردة فعل راينهارد غضب فيلت، فأمسكت بياقته وبدأت تهز رأسه.  

استجابت الفتاتان لنصيحة سوبارو المنطقية على الفور، لتتلوى كلتاهما من الألم بعد تذوقهما. وعلى الرغم من أن سوبارو كان يملك شيئًا من المهارة في إعداد الأوكينومياكي، إلا أنه لم يكن الأكثر براعة في معسكر إميليا.  

«… في حالة السيد ناتسوكي، لم أكن مخمورًا عندما التقينا أول مرة، على ما أظن؟»  

 

كل من في القاعة ممن شهدوا كلمات هاينكل وأفعاله المختلفة انتفضوا للوهلة الأولى.  

«السيدة إميليا، بياتريس، يمكنكما تذوق ما قمتُ بقليه. آه! السيدة إميليا، إن قليتها على نحو للغاية ستتعبين معدتك. وبياتريس، لقد وضعتِ الكثير من الصلصة!»  

 

 

كل من في القاعة ممن شهدوا كلمات هاينكل وأفعاله المختلفة انتفضوا للوهلة الأولى.  

وبفضل جهود أوتو الحثيثة، تمكن معسكر إميليا أخيرًا من تأمين إفطار معقول.  

هذا كان أقصى ما استطاع سوبارو قوله. أوتو كان مذهلًا كعادته— حتى أخطاؤه أصابت الهدف بشكل ما.  

 

 

نقل سوبارو نظره إلى المعسكرات الأخرى ليرى كيف تسير الأمور في الطهي لديهم.  

 

 

 

«السيدة فيلت، لقد أعددت الطبق التالي.»  

بينما كانت تتحدث، ارتسمت على وجه فيلت ابتسامة شرسة وهي تشير نحو راينهارد.  

 

رغم أن سوبارو كان سريعًا في إشعال فتيل الجدال، كان يوليوس من وجه الضربة الأولى التي أخرجت سوبارو عن طوره. لكن غضبه تبدد سريعًا حين لاحظ تعبير يوليوس.  

«أوووه، رائع، رائع! يبدو أنك ستُكثر من القلي بهذا المعدل. أنا ممتنة حقًا لمهارتك في الطهي وصنع الحلويات، بصراحة.»  

‹«أنت لا تحاول مدحي حقًا، أليس كذلك؟»›  

 

«أيها العامي.»  

جلس معسكر فيلت مباشرة مقابل سوبارو، مما أتاح له مشاهدة مباشرة لمهارة راينهارد، الذي أعدَّ أطباق دايسوكياكي فائقة الجودة بمهارة مذهلة، لتختفي تلك الأطباق سريعًا في معدة فيلت. لقد تجاوز عدد الأطباق التي تناولتها الخمسة، مما أثار دهشة سوبارو حول كيفية استيعاب جسدها الصغير لكل هذا الطعام.  

 

 

«نعم، هو معنا. هذا مستشارنا المحلي. حسنًا، إنه يشبه إلى حد كبير ما يمثله لاري بالنسبة لكِ.»  

«الآن، الآن، الآن، الآن، الآن، الآن! هذه هي الدايسوكياكي الحقيقية التي أعددتُها بنفسي!»  

لم تكن كلمة “رائعة” كافية لوصف أغنية ليليانا. في الحقيقة، لو لم تكن هناك أية مسائل أخرى، لكان سوبارو قد أمطر الأغنية بالثناء وانخرط في الحديث عنها فورًا.  

 

«حالما تنتهي هذه الأمور، أحتاج حقًا إلى البحث قليلًا عن هذا الرجل، هوشين…»  

بالطبع، قدمت أناستازيا أداءً كبيرًا مع معرفتها العميقة بالدايسوكياكي، حيث قامت بإعداد قطع تبدو كأنها فحم محترق. 

 

 

لذلك، وجه سوبارو نظرة قلق نحو فيلهلم، الذي كان من المؤكد أنه يشعر بقدر كبير من الألم الداخلي—  

كان ذلك درسًا ثمينًا: الحماس وحده لا يكفي.  

«لكن يجب أن أقول، أنتم حقًا تقيمون هذا الحدث في مكان بعيد. كان من المزعج للغاية العثور على وسيلة نقل مناسبة لتغطية هذه المسافة. على أي حال، مشاهد المدينة وتصميم هذا النُزل الغريب تناسب ذوقي.»  

 

 

«كما هو متوقع منكِ، السيدة أناستازيا. مع ذلك، أفضِّل أن يكون وقت القلي أقل قليلًا. على الرغم من أنني أكره أن أُزيد عليكِ العناء…»  

«معك حق. إذا أراد أن يُرفّه عن نفسه بمحادثات مسلية، لكان عليه الذهاب لمشاهدة مغنية الحكايات. القصص هناك أكثر فكاهةً وغرابةً.»  

 

«الآنسة فيلت، أنا…»  

«لا بأس، لا بأس، اتركني أتولى الأمر. بالنسبة لشاب، لديك ذوق دقيق، جوليوس.»  

كان يجهل تفاصيل عملية الاستدعاء وأهداف المستدعي، لكنه تقبل أن الاستدعاء كان رحلة باتجاه واحد، وأنه لا توجد وسيلة مريحة للعودة.  

 

«لقد فعلت هذا بمفردي أغه— كانت هناك أسباب أخرى وراء هذا التصرف.»  

على عكس سوبارو، الذي أصرَّ على أن يتذوق الطهاة طعامهم كعقاب على أخطائهم، أكل جوليوس الفحم دون شكوى، ولم يطلب أي تحسينات إلا بعد أن أنهى كل لقمة. كان هذا في نظر سوبارو تجسيدًا حقيقيًا للفروسية، لكنه لم يرغب على الإطلاق في أن يحذو حذوه.  

 

 

 

«آآآه، آنسة كروش! لقد أعددتُ واحدة جميلة. انظري، انظري.» 

 

 

استمع سوبارو لكلماته وغرق في تفكير عميق لعدة ثوانٍ، قبل أن يصل فورًا إلى الجواب.  

«بالفعل تبدو جميلة. ولكنني لن أُهزم. هاها، شاهد هذا.»  

‹«الأمر ليس كذلك—ولكن ‘الحملة الكبرى’، التي هدفت إلى القضاء على الحوت الأبيض وشملت القديس المبارز السابق، جرت خلال الفترة التي كان فيها السيد فيلهلم غائبًا عن العاصمة للبحث.»›  

 

عند انتهاء تلك المناقشة الخفيفة بين السيدة وخادمها، عادت بريسيلا بنظرها إلى القاعة مرة أخرى. ومن بين الحاضرين، وجهت أنظارها نحو فيلت وتعبيراتها الجادة.  

كان كروش وفيريس مشغولين في إعداد دايسوكياكي بإتقان ملحوظ. حتى أن فيريس أضاف لها آذان قطط كلمسة فنية.  

 

 

«—هـ-هل تعنين أن هذا هو الأوكونوميياكي؟!»  

«فوو، حان الوقت لتذوق دايسوكياكي فيريس التي صنعها بحب. السيدة كروش، افتحي فمك وقولي: آآآه.»  

‹«إذًا، أنت تشكرني على غضبي نيابة عنك… يا رجل، هل أنت أحمق أم ماذا؟»›  

 

ثم، كما لو كان الصوت الذي قاطع بريسيلا يحاول تمزيق السكون الثقيل الذي خيم على القاعة، رنّ صوت مسترخي موجهًا كلامه نحوها.  

«هـه؟ آه، حسنًا… آ-آآه…»  

 

 

تجهم سوبارو أمام الكلمات التي أُغرِق بها.  

نقل سوبارو بصره بعيدًا عن المشهد الرومانسي، ليرى العجوز ويلهيلم منهمكًا في إعداد الدايسوكياكي خاصته. لكن الأمور لم تسِر على ما يرام، إذ انقسمت قطع الطعام والتصقت باللوحة الحديدية، ربما بسبب تركها تطهى لفترة طويلة جدًا.  

 

 

«لست متأكدًا مما تعنيه تمامًا، لكنني على يقين من أنك لا تقصد شيئًا جيدًا!»  

«أشعر وكأنني أشاهد شيئًا لم يكن ينبغي لي رؤيته… ولكن بما أن الأمر كذلك… إر؟»  

«عليكما أن تتذوقا طعامكما أولًا قبل تقديمه للآخرين.»  

 

 

«مرحبًا أيها السيد، تبدو قطعك لذيذة جدًا.»  

عندما رأت أناستازيا أن الجميع قد جلسوا، نادت على الأشخاص المنتظرين خلف الستائر. على الفور، دخل عدة موظفين من النُزل يحملون أطباقًا، ووضعوها على الطاولة الطويلة.  

 

 

حينما همَّ سوبارو بعرض المساعدة على ويلهيلم، قاطعته فيلت بعينيها المتلألئتين، وهي تحدق ببهجة في الدايسوكياكي التي أعدَّها سوبارو على شكل باك.  

«حسنًا، ربما، لكن أحيانًا تريد فقط تناول شيء مختلف، أليس كذلك؟ حتى عندما يُطهى على لوحة حديدية مثل هذه، يبدو كل شيء يصنعه أنيقًا…»  

 

عند سماع تلك الكلمات، رفع رينهارد عينيه أخيرًا لملاقاة نظرة هاينكل التي لم تُظهر سوى الكراهية.  

«أعتقد أن طاهيكِ يمكنه إعداد “دايسوكياكي” بمستوى طهاة القصر، إن لم يكن أفضل. على الرغم من أنني لا أعرف ما إذا كان طهاة القصر فعلاً يطهون هذا النوع من الطعام…»  

 

«حسنًا، ربما، لكن أحيانًا تريد فقط تناول شيء مختلف، أليس كذلك؟ حتى عندما يُطهى على لوحة حديدية مثل هذه، يبدو كل شيء يصنعه أنيقًا…»  

 

 

لهذا السبب، كان سوبارو يائسًا لدرجة جعلته يتمنى لو ينطق الاثنان بتلك الكلمة الوحيدة التي ستجعل هذا الكابوس يتلاشى.  

قبل أن يتمكن سوبارو من الرد، قاطعته فيلت مجددًا، بينما كانت إيميليا تتسلل ببطء لتلتحق ببياتريس، متذمرة من لقب «محترقة الفحم». نظر إليهما سوبارو بابتسامة قلقة، ثم قال:  

 

 

«السيدة فيلت، لقد أعددت الطبق التالي.»  

«هيه، لا تزعجي إيميليا-تان وبياتريس الصغيرة بهذا الشكل.» 

 

 

تمامًا مثل سوبارو وآل، كان على الأرجح شخصًا آخر من نفس وطنهما، استُدعي إلى هذا العالم قبل أربعة قرون—  

«إذن ليس فقط الآنسة، بل حتى القزم الصغيرة أيضًا… آه، صحيح!»

 

 

 

بالطبع، سأكمل ترجمة النصوص المتبقية بأسلوب أدبي فصيح ومتقن:

 

 

 

***

مشيرًا إلى سوبارو بيده التي كان يحك بها رأسه، أمر الرجل كلًا من رينهارد والآخرين بصوت غير مكترث. لم يستطع سوبارو سوى تفسير كلماته المتعجرفة على أنها ازدراء للجميع.  

 

«أوه، أوتو، يبدو أنك تحب المزاح كثيرًا.»  

«مهلاً، هلّا سألته مباشرة؟ سمعت إشاعات مذهلة عنك يا سيد. لذا كن صريحًا معي: كم من هذه الأشياء مجرد أكاذيب؟»  

 

 

رغم غضبها، لم تلجأ إميليا أبدًا إلى استعراض للقوة. قوتها الحقيقية كانت تكمن في روحها الثابتة، وليس في مخزونها الهائل من الطاقة السحرية.  

تخطّت فيلت إجابة سوبارو مباشرة، واقتربت منه وهي تنظر إليه بنظرة ماكرة.  

لهذا السبب، كان سوبارو يائسًا لدرجة جعلته يتمنى لو ينطق الاثنان بتلك الكلمة الوحيدة التي ستجعل هذا الكابوس يتلاشى.  

 

أدارت بيكو وجهها بعيدًا وهي تجلس على الشرفة، محدِّقة في سوبارو وإميليا.  

ردّ سوبارو بعبوس بسيط:  

«فتانا اللطيف شولت دائمًا مليء بالطاقة، أليس كذلك؟ عليكِ أن تمدحيه أكثر يا أميرتي.»  

«مهلاً، لا تفترضي منذ البداية أن معظمها أكاذيب. يبدو وكأنك تأملين في ذلك.»  

كانت كلماته الاستفزازية تهدف إلى السخرية من إميليا، لكن هاينكل بدا مذهولاً عندما ارتدّ عليه استفزازه.  

 

لم يكن مخطئًا. لو كان غارفيل أو غيره من أصحاب الطباع الحادة موجودين، لكان الدمار أمرًا لا مفر منه. ولولا ذلك، لما نجا هاينكل بحياته.  

«لكن لا يمكنني تصديق كل هذا. سمعت أن السيد قد شطر الحوت الأبيض إلى نصفين بمفرده، وهزم طائفة الساحرة بيديه العاريتين، وحوّل الأرنب العظيم إلى أرنب مقلي… وأكله!»  

لهذا السبب، كان سوبارو يائسًا لدرجة جعلته يتمنى لو ينطق الاثنان بتلك الكلمة الوحيدة التي ستجعل هذا الكابوس يتلاشى.  

 

«أوه، فيلت، بالطبع لا. هذا يحدث كل صباح في هذه المدينة… إنه بثّ حكومي باستخدام “ميتيا”.»  

«المعلومات جزئيًا صحيحة، ولكن هناك الكثير من المبالغات المختلطة بها، اللعنة!»  

«أيعقل أن يكون هذا ممكنًا بأي حال؟»  

 

 

فكّر سوبارو للحظة في ما إذا كان بإمكانه تحقيق كل هذا بمفرده. لو كان ذلك صحيحًا، لكان الآن بطلًا قوميًا، أو ربما حتى ملكًا استولى على العرش بالقوة، وجعل إميليا ملكته ليعيشا في سعادة أبدية.  

«أوه، أوتو، يبدو أنك تحب المزاح كثيرًا.»  

 

 

«—همف.»  

 

 

المظهر المشبع بالخبث العميق للرجل طويل القامة كان يثير في نفس سوبارو شعورًا بالغثيان. 

لكن ملاحظة سوبارو الساخرة قوبلت بضحكة خافتة قادمة من الجانب الآخر—ولم تكن واحدة فقط، بل اثنتين.  

‹«آه، أنت…»›  

 

«إيه، ميمي مع غارفيل؟!»  

التفت سوبارو سريعًا ليجد أن الضحكات صادرة عن يوليوس وويلهيلم.  

بينما كان سوبارو يهمهم متحيرًا، قاطعه هاينكل بنقرة لسان.  

 

بالطبع، لم ينسَ سوبارو ما ناقشاه، ولم يتبدد الثقل الذي بقي مستقرًا في أعماقه. ومع ذلك، أظهر قدرًا من المرونة كي لا يدع الأمر يثقل كاهلهما معًا.  

«—؟ لماذا يضحك السيد الأرستقراطي والجد؟ هل قلت شيئًا مضحكًا؟»  

 

 

 

أجاب يوليوس بابتسامة:  

 

«لم يكن فقط ما قلته مضحكًا؛ بل إن الوضع بأكمله مرح للغاية. كل ما ذكرته يرفع من مساهماتي إلى حدٍ غير معقول. وكأنني أستحق جائزة نوبل للسلام.»  

حتى فيلت تصرفت بأسلوب منطقي، بينما كان سوبارو الأكثر اندفاعًا بين الجميع. لابد أنه تسبب بالكثير من القلق لإميليا وبياتريس كذلك.  

 

 

لم يكن سوبارو يعرف ما الذي يتطلّبه الفوز بجائزة نوبل للسلام بالضبط، لكنه اعتبرها بمثابة تشبيه لأي تكريم محترم. ورغم أنه تم تكريمه بالفعل في مراسم شرفية، إلا أنه لم يكن يملك تصورًا واضحًا عن قيمتها الحقيقية.  

الميتيا، كما يعرفها، كانت مصطلحًا عامًا يشير إلى أدوات سحرية مصممة باستخدام تقنية سحرية معينة. بعضها، مثل الذي يُستخدم في البث، يعمل بطريقة تشبه التكنولوجيا التي يعرفها من عالمه الأصلي.  

 

 

عندها، استأنف ويلهيلم الحديث، ملتقطًا خيط المحادثة حيث توقفت:  

«همم؟»  

«ليس كذلك على الإطلاق. فيما يتعلق بمطاردة الحوت الأبيض، كانت مساهمات السيد سوبارو لا تُقدّر بثمن. لولا السيد سوبارو، لما تحقّق أمنيتي القديمة أبدًا. أُقسم على ذلك بسيفي.»  

 

 

 

وأضاف يوليوس:  

 

«وينطبق الأمر نفسه على حادثة طائفة الساحرة. لقد حُسمت المعركة بفضل قيادته. أما المساعدة التي قدّمتها أنا والآخرون، فلم تكن سوى مساهمات لا تستحق الذكر.»  

 

 

أومأ راينهارد بجدية، وعاد البريق إلى عينيه الزرقاوين. رغم أن والده قد سخر منه وأفسد لحظة المصالحة بينه وبين جده، إلا أن الألم الذي أثقل روحه تلاشى، ولو للحظة عابرة.  

وقفت كلمات ويلهيلم ويوليوس الحازمة كالحجارة التي لا تتحرك، تاركة سوبارو دون كلمات يعبر بها عن إحساسه. لكنه سرعان ما شعر بحرارة شديدة تتصاعد في وجهه وأذنيه من شدة الإحراج.  

استجابت الفتاتان لنصيحة سوبارو المنطقية على الفور، لتتلوى كلتاهما من الألم بعد تذوقهما. وعلى الرغم من أن سوبارو كان يملك شيئًا من المهارة في إعداد الأوكينومياكي، إلا أنه لم يكن الأكثر براعة في معسكر إميليا.  

 

«جيد، جيد. يبدو أنني نجحت في إدهاشكم هذا الصباح. أنا سعيدة للغاية.»  

صرخ محاولًا إيقافهما:  

 

«توقفا! لا تضعاني على هذا المنبر الغريب! أنتما تعرفان جيدًا كيف أتصرف بطريقة مشينة عندما أمتلئ بالغرور!»  

كان يجهل تفاصيل عملية الاستدعاء وأهداف المستدعي، لكنه تقبل أن الاستدعاء كان رحلة باتجاه واحد، وأنه لا توجد وسيلة مريحة للعودة.  

 

 

لكن ويلهيلم ردّ بابتسامة حكيمة:  

 

«النتائج التي حققتها بجهودك كانت كافية لتعويض أي أخطاء صغيرة ارتكبتها. لا داعي لأن تحمل هذا العبء معك إلى الأبد. إنجازاتك المستقبلية مستقلة تمامًا ويجب أن تُقابَل بالفخر.»  

«لكن، أليس هذا يعني أن إيذاء الناس نفسيًا مقبولٌ تمامًا؟!»  

 

لقد أشاد بعزيمته لتحقيق أمنيته الكبرى التي سعى خلفها طيلة أربعة عشر عامًا.  

أضاف يوليوس بصوت هادئ ولكن ثابت:  

 

«ما حققته أمور لم يسبق لأحد أن أنجزها. وحتى أيامي الأخيرة، سأظل فخورًا بأنني شاركتك المعارك.»  

صدر صوت في البث وكأن الميتيا تُنقل بين الأيدي، ثم سُمع صوت تنحنح خافت.  

 

ساد بينهما جو جديد، طغى على بقايا الحديث المحرج الذي دار قبل لحظات.  

«—آه.»  

 

 

على النقيض من لسان أل الساخر، أنهى سوبارو تعليقه بنظرة وجهها نحو هاينكل. الرجل، الذي تم التخلي عنه تمامًا بينما انتقل انتباه الجميع إلى مكان آخر، ارتسمت على وجهه ابتسامة متذللة تجاه بريسيلا.  

غُمرت مشاعر سوبارو تمامًا بالكلمات الدافئة، حتى شعر وكأنه “قتل بالإطراء”.  

«هيه، لا تزعجي إيميليا-تان وبياتريس الصغيرة بهذا الشكل.» 

 

وكان اسمها بريسيلا بارييل.  

كان ذلك هو اللحظة التي سمعوا فيها صوتًا قادمًا من الخارج—لا، بل من السماء نفسها. بدت ردود أفعال إيميليا والبقية المندهشة واضحة، ما أكد أن الصوت المفاجئ لم يكن مجرد وهم خاص.  

 

 

«إن كنتِ تعتقدين ذلك، فأتمنى لو تعاملتِ معي بلطف أكبر قليلًا.»  

«أوووه؟ ما هذا؟ يبدو أن هناك شخصًا ما لديه صوت عاااااالٍ جدًا.»  

 

 

 

علّقت فيلت بنبرة ساخرة، لكن أنستازيا أجابتها بابتسامة مطمئنة:  

عند سماع تلك الكلمات، رفع رينهارد عينيه أخيرًا لملاقاة نظرة هاينكل التي لم تُظهر سوى الكراهية.  

«أوه، فيلت، بالطبع لا. هذا يحدث كل صباح في هذه المدينة… إنه بثّ حكومي باستخدام “ميتيا”.»  

 

 

 

«بث ميتيا…»  

«أنا سعيدة جدًا— يا لها من راحة. كنت قلقة أن تكون بيكو قد ماتت هناك…»  

 

الصوت الذي قاطع كان فائق الجمال، ممتلئًا بغطرسة من اعتاد أن ينظر إلى الجميع بازدراء.  

ردّد سوبارو المصطلح وهو يمعن التفكير في تفسير أنستازيا.  

 

بالطبع، فقد كان الرجل الذي دمّر لحظة المصالحة المنتظرة بين الجد وحفيده، تلك اللحظة التي كان الجميع يراقبها بشغف.  

الميتيا، كما يعرفها، كانت مصطلحًا عامًا يشير إلى أدوات سحرية مصممة باستخدام تقنية سحرية معينة. بعضها، مثل الذي يُستخدم في البث، يعمل بطريقة تشبه التكنولوجيا التي يعرفها من عالمه الأصلي.  

 

 

 

خمّن أن هذا الميتيا يعمل كنوع من مكبرات الصوت أو نظام الإذاعة.  

 

 

دايسوكيياكي— صدى هذا الاسم، الصحون الحديدية الكبيرة، والأطباق… أثناء تفحصه لكل ذلك، أدرك سوبارو حقيقة هذا التقليد الطهوي الذي كان أمامه—  

«هناك بث كل صباح؟ لأي غرض؟»  

 

 

 

أجاب يوليوس على سؤاله بتأنٍ:  

«… إذًا، لماذا أحضرتِ ذلك العجوز معكِ؟»  

«لقد سمعت أن الغرض منه هو التحضير لحالات الطوارئ. نظرًا لتصميم المدينة، هناك عدد قليل جدًا من مسارات الإخلاء، لذا اعتاد السكان على البث لتجنب الذعر الجماعي في حال وقوع طارئ حقيقي.»  

 

 

«مهلًا، مهلًا، لا تسميه رقصًا غريبًا. هذا تمرين الإذاعة، وهو تمرين رياضي محترم للغاية.»  

أومأت كروش بإعجاب وقالت:  

«مَن هو لاري؟» 

«فكرة منطقية للغاية، مياو.»  

لم يكن هذا الشعور مشابهًا للخوف الذي يعتريه عند مواجهة مخلوق قوي مثل الحوت الأبيض أو إحدى الساحرات. بل كان إحساسًا أكثر خصوصية، شعورًا بالاشمئزاز الشخصي.  

 

كانت كلماته الاستفزازية تهدف إلى السخرية من إميليا، لكن هاينكل بدا مذهولاً عندما ارتدّ عليه استفزازه.  

تركت هذه التوضيحات يوليوس كروش وفيريس متأثرين، وكان سوبارو يشاركهم نفس الشعور. كانت هذه المرة الأولى التي يسمع فيها عن استخدام ميتيا بهذه الطريقة العملية والمهمة كجزء من بنية تحتية للمدينة. بالنسبة له، لم يكن هناك أي سابقة تذكر لاستخدام الميتيا لأغراض عملية. حتى “مرايا المحادثة” بالكاد تُعتبر مفيدة، وكانت تلك الأخرى غالبًا مملوكة لطائفة الساحرة، ما أعطاها انطباعًا سيئًا.  

«ذلك السيد الأخضر لم يكن هنا البارحة، أليس كذلك؟ هل هو معكم؟»  

 

 

ولكن هذا الانطباع تلاشى فورًا. ببساطة نسب الأمر إلى غرابة التوقيت الذي لم يسمع فيه بهذا من قبل.  

بعد أن تحمل راينهارد الكثير من الإهانات المؤلمة، رفع رأسه أخيرًا. بدا أنه يحاول جاهدًا الحفاظ على تعبير محايد بينما كان يوجه نظره، ليس إلى والده، بل نحو فيلت.  

 

 

قال أوتو بلهجة عفوية:  

 

«على فكرة، السيد كيريتاكا هو الذي يبثّ الرسالة، وهو أيضًا من يوفر الميتيا المستخدمة.»  

 

 

 

«هاه؟»  

عندما رأت أناستازيا أن الجميع قد جلسوا، نادت على الأشخاص المنتظرين خلف الستائر. على الفور، دخل عدة موظفين من النُزل يحملون أطباقًا، ووضعوها على الطاولة الطويلة.  

 

 

تجمد سوبارو للحظة، عقله غارق في فوضى المعلومات الجديدة. أخذ يراجع ذكرياته عن كيريتاكا وكأنها شريط يمر أمام عينيه.  

 

 

 

«لا يمكن أن يكون…»  

 

«أيعقل أن يكون هذا ممكنًا بأي حال؟»  

 

«أوه، أوتو، يبدو أنك تحب المزاح كثيرًا.»  

 

 

 

ردود أفعال سوبارو وبياتريس، وضحكات إيميليا، تركت أوتو في حالة من الذهول. خلال هذا الوقت، استمر البث، وبالتأكيد، كان الصوت ينقل كلمات مألوفة بطريقة ما إلى كل أنحاء المدينة.  

 

 

لا شك أن الفضل في هذا التنسيق يعود إلى فيريس، الذي دخل القاعة بخطوات خفيفة خلفها مباشرة. ولحق بهما ويلهيلم، الذي ارتدى زيه المعتاد كخادم.  

بالطبع، كان سوبارو قد سمع مرارًا وتكرارًا عن مدى كفاءة كيريتاكا واحترام الناس له، لكن الانطباع الذي تركه اللقاء الشخصي معه كان أقوى بكثير. التقييمات والانطباعات لم تتطابق على الإطلاق. حتى هذا البث بدا…  

 

 

 

«والآن، في هذا الصباح أيضًا، أقدم لكم هدية متواضعة… لا! بل سأمنحكم جميعًا بركة رائعة! حان الوقت للقاء السيدة ليليانا، مغنية الأناشيد!»  

باندماج كلي مع القصة، وضعت إميليا يدها على صدرها وبدأت عيناها تتنقلان هنا وهناك. من رد فعلها، بدا أنها تتأثر حقًا بالقصة، بينما ازدادت حماسة صوت بيكو وهي تواصل الحديث.  

 

 

«آه، إنه هو بالتأكيد.»  

«آآه؟»  

 

مع ذلك، في ذهن سوبارو، بدا ديناس أقل كونه حارسًا شخصيًا وأكثر كونه سكرتيرًا خاصًا مهمته الأساسية التعامل مع قضية ليليانا. 

انكسر التوتر فجأة، إذ توافقت ذكريات سوبارو مع البث بشكل مثالي.  

ضغط هاينكل أسنانه وبدأ يحك رأسه بعصبية—علامات واضحة على أن إميليا كانت تسيطر على الموقف.  

 

«سأضطر إلى تقبُّل ذلك بكل ما يستحقه من جدية… بيكو، ما بالك هذا الصباح، تبدين متجهمة هكذا؟» 

في الواقع، هم—لا، هو—تدخلوا في ما كان يمكن أن يكون لحظة تاريخية. ورغم أنه لم يكن خطأهم تمامًا، إلا أن سوبارو تخيل نفسه بالفعل وهو يقرص خدود كيريتاكا في عقله.  

 

 

 

صدر صوت في البث وكأن الميتيا تُنقل بين الأيدي، ثم سُمع صوت تنحنح خافت.  

«لقد سمعت أن الغرض منه هو التحضير لحالات الطوارئ. نظرًا لتصميم المدينة، هناك عدد قليل جدًا من مسارات الإخلاء، لذا اعتاد السكان على البث لتجنب الذعر الجماعي في حال وقوع طارئ حقيقي.»  

 

بينما كان سوبارو يهمهم متحيرًا، قاطعه هاينكل بنقرة لسان.  

«مرحبًا بالجميع، معكم ليليانا! أن يُعاملني الناس كفنانة أمر ثقيل كالجبل، لكنني أريد حقًا أن أُمتعكم بأغنياتي وموسيقاي. لذا، أرجو أن تشجعوني بهتافاتكم المبهجة خلال وقتنا القصير معًا—!»  

 

 

«مهلًا، هل هذه أحجار كريمة فعلية في عيني هذه الآنسة؟ من الأفضل أن تلمِّعيها جيدًا حتى ترى الأمور بوضوح؛ لأنني فتاة خطيرة إذا ما استُفزيت.»  

صوت ليليانا كان واضحًا للغاية، وكأنها تتحدث مباشرة مع كل فرد في المدينة. حتى أن سوبارو استطاع أن يتخيل بوضوح الوضعية التي كانت تقف فيها وهي تقول تلك الكلمات.  

قال أوتو بلهجة عفوية:  

 

 

على الفور، علت وجوه الجميع نظرات مترقبة، خاصة إيميليا وبياتريس وأنستازيا ومن معهن. أشرق وجهوهن تألقًا وهن يعلمن تمامًا روعة صوت ليليانا الغنائي.  

«…ومن تكون أنت؟ هذه قاعة خُصصت للأغبياء الذين يجهلون مكانتهم ويتجرؤون على منافستي على العرش. كيف تسلل عاميٌّ سوقي مثلك بينهم؟»  

ربما كان سوبارو الوحيد بينهم الذي بدا عليه الحزن والتجهم.  

 

 

 

كان صوت كيريتاكا يبدو غريبًا نوعًا ما عبر “الميتيا”، بينما صوت ليليانا كان ينفذ بوضوح دون أي مشكلة. ربما كان ذلك يرجع إلى اختلافات في طريقة الحديث أو توافق الصوت مع “الميتيا”.  

 

أو ربما، حقًا، كان صوت ليليانا مباركًا من إلهة الأغاني نفسها.  

 

 

سواء كانوا في رحلة أو مهما كانت خططهم، لم يفوتوا أبدًا تمرينات الصباح.  

ثم، عندما سمعوا ليليانا تضبط آلتها الموسيقية، اشتدت التوقعات في القاعة أكثر فأكثر—  

رغم غضبها، لم تلجأ إميليا أبدًا إلى استعراض للقوة. قوتها الحقيقية كانت تكمن في روحها الثابتة، وليس في مخزونها الهائل من الطاقة السحرية.  

 

 

«الآن، سأغني. أرجو أن تنصتوا—هذه هي *”أغنية الحب لشيطان السيف”*، الفصل الثاني.»  

بعد أن وجهت فيلت كلماتها، غادرت بريسيلا قاعة الاستقبال بصحبة آل، وعلى وجهها تعبير راضٍ. كان هذا التعبير بالنسبة إلى بريسيلا يعني فرحة تحقيق أهدافها.  

 

«ليس لدي أي ذكرى لمثل هذا الأمر. في الأساس، هل من الممكن أن أقوم بشيء غير لائق مثل الإمساك ببطني والضحك؟ لا تخلط بين نبلي ونبل هؤلاء القرويين السذج. في المرة القادمة، سأفصل رأسك عن كتفيك، يا أل.»  

«ماذا—؟»  

نقر هاينكل بلسانه، وقد بدأ كل شيء ينحرف مجددًا عن مساره. لكنه سرعان ما أمال رأسه وارتسمت ابتسامة خبيثة على وجهه.  

 

«هاينكل!»  

بدأت الأغنية في اللحظة التي همّ فيها سوبارو بالتعليق على اختيارها.  

أخذت فيلت نظرة حائرة بينما شرح لها سوبارو النشاط الذي كان يؤديه هو وإميليا معًا. كان معسكر إميليا قد اجتمع في الحديقة ذلك الصباح خصيصًا من أجل أداء تمرينات الإذاعة.  

 

 

حملت الإذاعة اللحن الرائع عبر أنحاء المدينة بأسرها، كأنما تغلغلت مباشرة إلى القلوب. استسلم سوبارو بالكامل للموسيقى والصوت الغنائي، ولم يكن يسمع سوى *”أغنية الحب لشيطان السيف”*.  

 

 

«…من أنت بحق السماء؟»  

حقًا، كانت ليليانا مغنية القدر المميز—رغم كل عيوبها الشخصية، كان صوتها الغنائي ساحرًا لا مثيل له.  

 

 

 

«فكرة منطقية للغاية، مياو.»  

 

 

ساد جو متضارب في قاعة الاستقبال بينما استمرت أصداء *”أغنية الحب لشيطان السيف”* تعلو أرجاء المدينة.  

 

 

«مهلاً، هلّا سألته مباشرة؟ سمعت إشاعات مذهلة عنك يا سيد. لذا كن صريحًا معي: كم من هذه الأشياء مجرد أكاذيب؟»  

لم تكن كلمة “رائعة” كافية لوصف أغنية ليليانا. في الحقيقة، لو لم تكن هناك أية مسائل أخرى، لكان سوبارو قد أمطر الأغنية بالثناء وانخرط في الحديث عنها فورًا.  

 

 

«إن كنت تظن أنك ستتفوق عليّ بهذا العرض المتواضع، فلا يسعني سوى أن أتنهد على قلة بصيرتك المدهشة.»  

لكن، كانت هناك مشكلة واحدة—اختيارها لـ *”أغنية الحب لشيطان السيف”*.  

 

 

«أنا سعيدة جدًا— يا لها من راحة. كنت قلقة أن تكون بيكو قد ماتت هناك…»  

كانت تلك الأغنية تحكي قصة شيطان السيف، الرجل المولع بالسيف، والذي كان يسعى وراء القديس المبارز. إنها قصة بطولية عن شباب فيلهلم، وكيف التقى بزوجته المحبوبة.  

 

 

«نعم، هو معنا. هذا مستشارنا المحلي. حسنًا، إنه يشبه إلى حد كبير ما يمثله لاري بالنسبة لكِ.»  

بعبارة أخرى، بالنظر إلى حديث سوبارو مع فيلهلم في الليلة الماضية، لم يكن هناك توقيت أسوأ لهذه الأغنية… على الأقل بالنسبة لفيلهلم، الذي لم تتضاءل مشاعره تجاه زوجته حتى بمقدار ذرة واحدة.  

«لا أرى غارفيل في أي مكان. من غير المعتاد ألا يُظهر وجهه على الأقل، أليس كذلك؟ إنه دائمًا أول مَن يستيقظ، ويعوي من قمة الجبل أو ما شابه ذلك.»  

 

 

بالطبع، لم يكن أحد في القاعة يجهل علاقة فيلهلم بـ *”أغنية الحب لشيطان السيف”*. حتى وجنتا إيميليا تجمدتا، وحتى وجه فيلت اكتسى بالجدية.  

نهض سوبارو على الفور، وقد اقترب من حدود تحمله.  

 

 

لذلك، وجه سوبارو نظرة قلق نحو فيلهلم، الذي كان من المؤكد أنه يشعر بقدر كبير من الألم الداخلي—  

 

 

 

لكن، النظرة المباشرة التي عادت إلى عينيه الزرقاوين، مثل بحيرة هادئة بلا أي تموج، جعلت سوبارو يلتقط أنفاسه دون وعي.  

«يولي؟ إنه اسم يثير الحنين. لم أتوقع أنك تتذكره.»  

 

الميتيا، كما يعرفها، كانت مصطلحًا عامًا يشير إلى أدوات سحرية مصممة باستخدام تقنية سحرية معينة. بعضها، مثل الذي يُستخدم في البث، يعمل بطريقة تشبه التكنولوجيا التي يعرفها من عالمه الأصلي.  

للحظة واحدة فقط، أومأ فيلهلم برأسه نحو عيني سوبارو السوداوين. ثم استدار ببطء نحو يساره، حيث كان حفيده الشاب ذو الشعر الأحمر يجلس.  

 

 

 

«—رينهارد.»  

 

 

 

وكأنه أراد أن يقطع القلق الذي يثقل كاهل سوبارو ومن حوله، نطق فيلهلم اسمه بعناية.  

بعد أن تحمل راينهارد الكثير من الإهانات المؤلمة، رفع رأسه أخيرًا. بدا أنه يحاول جاهدًا الحفاظ على تعبير محايد بينما كان يوجه نظره، ليس إلى والده، بل نحو فيلت.  

 

‹«الأمر ليس كذلك. كان غضبك هو ما منح الآخرين القدرة على الحفاظ على رباطة جأشهم، وأنا لست استثناءً. تسرعك أدى غرضًا قيمًا.»›  

فتح رينهارد عينيه على اتساعهما وهو ينظر إلى فيلهلم. وفي المقابل، واجه فيلهلم نظرة رينهارد مباشرة.  

«لا تتجاهلني عندما يناسبك الأمر، أيها المزعج!!»  

 

‹«همم… لو كان ذلك ممكنًا، كنت لأفضل تجنب موقف نتقابل فيه في أحلامك كل ليلة.»›  

ساد صمت بين الاثنين—لا، بل عمّ الصمت أرجاء قاعة الاستقبال بالكامل.  

«بفضلك، خفَّ العبء عن كاهل ابنك، أليس كذلك؟ هذا هو جدك العظيم، الرجل الذي انتقم لزوجته، أمي، وجدتك. ومع ذلك، لم تنطق بكلمة واحدة لتثني على إنجازه، أليس كذلك؟ لأنه…»  

 

 

بدأ الجميع يشعرون بأن حوارًا مصيريًا بين الجد وحفيده بات وشيكًا. وفي تلك اللحظات، كان الصوت الوحيد المسموع هو طقطقة الأطعمة التي تُطهى على الألواح الساخنة.  

بالطبع، سأكمل ترجمة النصوص المتبقية بأسلوب أدبي فصيح ومتقن:

 

رفعت فيلت يدها لتحييهم وهي تخطو إلى الممر.  

ومع أن الزمن بدا وكأنه توقف للحظة أو استمر لبضع أنفاس—  

راودت ذهنه صورة مخيفة لعيون بريسيلا المتقدة التي ترى كل الاحتمالات بوضوح. شعر أنه إذا أنكر ذلك وأرجع كل ما حدث إلى مجرد مصادفة، فكأنه يعترف بأن نجاحها كان نتيجة حظها الجيد.  

 

 

«كما ترى…»  

بريسيلا كانت تجهل تمامًا وجود سوبارو.  

 

«يبدو أن الحثالة قد اجتمعت. رائع. لقد أعددتم مكانًا يليق بحضوري الشخصي. ولهذا فقط، أشكركم.»  

«نعم، ما الأمر؟»  

«حين أتأمل، أجد أن السماء كانت دائمًا مختلفة حينها. أشعر أنني أستعيد شيئًا كنت قد نسيته.»  

 

«آسف، قليل من استيائي من ليليانا أثر على اقتراحي.»  

«…لا أستطيع طهي هذا جيدًا. إذا كان هناك سر في ذلك، فهل يمكنك أن تعلّمني؟»  

 

 

«حالما تنتهي هذه الأمور، أحتاج حقًا إلى البحث قليلًا عن هذا الرجل، هوشين…»  

كانت هذه الكلمات التي نطقها فيلهلم بصوت متردد ومقتضب.  

«مهلًا، هل هذه أحجار كريمة فعلية في عيني هذه الآنسة؟ من الأفضل أن تلمِّعيها جيدًا حتى ترى الأمور بوضوح؛ لأنني فتاة خطيرة إذا ما استُفزيت.»  

 

أخطأت بيكو فهم ما كان يشغل بال أوتو، ووضعت يديها على خصرها بتباهي واضح. طريقتها في تفويت النقطة كانت ساحرة للغاية؛ لذا قام سوبارو بمداعبة رأسها بحنان.  

كم من الشجاعة استجمع فيلهلم ليقول تلك الكلمات؟ سوبارو كان يدرك ذلك نوعًا ما. من الواضح أن كروش وفيريس شعرا بذلك أيضًا، إذ اتسعت أعينهما في دهشة.  

 

 

تجهم سوبارو أمام الكلمات التي أُغرِق بها.  

من الجانب، تابع سوبارو بتأثر تعابير رينهارد وهي تتغير وتتقلب وهو يصغي إلى كلمات جده المرهق.  

‹«فهمت. يجب أن أكون أكثر هدوءًا وأتذكر أن أتحكم في أعصابي. هذا ما يجب على الفارس أن يفعله، أليس كذلك؟ أدرك أنني لا أفكر بشكل بعيد المدى بما يكفي. فقد كُتب ذلك في كل تقرير مدرسي حصلت عليه في المرحلة الابتدائية.»›  

 

 

أغمض رينهارد عينيه بحزن، أو ربما بشعور غير محدد، ثم طرده بأن أخذ نفسًا عميقًا. بعد ذلك، استرخى ببطء وقال—  

 

 

 

«—أجل. أفهمك، جدي.»  

بالطبع، لم يكن أحد في القاعة يجهل علاقة فيلهلم بـ *”أغنية الحب لشيطان السيف”*. حتى وجنتا إيميليا تجمدتا، وحتى وجه فيلت اكتسى بالجدية.  

 

 

ومع تلاشي التوتر من عينيه وشفتيه، لم يكن هناك شك في أنه كان يبتسم.

 

 

 

 

 

 

لم يكن ذلك الابتسامة المميزة التي اعتاد رينهارد أن يستخدمها يوميًا لبث الطمأنينة في قلوب الآخرين. بل كانت تعبيرًا خاصًا بالشاب رينهارد نفسه، لا بقديس السيف.  

 

 

وكان اسمها بريسيلا بارييل.  

فيلهلم، وقد أُخذ على حين غرة، خفض رأسه ببطء.  

توقف هاينكل عن حديثه، وكأنما ليشحذ شفرة كلماته بالمزيد من السم. ثم استأنف قائلاً:  

لم يستطع تقبل ذلك على الفور. لكن، حتى وإن بدا الأمر غير واقعي في البداية، فقد تكوّن رابط بينهما بلا شك.  

 

 

 

الهوة العميقة التي انفتحت بين الجد وحفيده على مدى سنوات طويلة قد تستغرق وقتًا مماثلًا لردمها. ومع ذلك، الآن بعد أن تم بناء جسر بينهما، لم يبق سوى ملئه بالتفاهم والقبول.  

 

 

 

تصوّر سوبارو هذا المستقبل في ذهنه، وأحس بموجة من المشاعر الجياشة تدفعه إلى قبض يده بشدة.  

 

لأن—  

 

 

 

«—مهلًا، أبي. أليس من السهل جدًا أن تفعل ذلك بعد كل هذا الوقت؟»  

«…لكن حينما تطلب مني ألا أكون مقيّدًا بقواعد الفروسية، فإنك تقترح أمرًا عسيرًا. لا أظنك غافلًا عما يُطلقونه عليّ.»  

 

 

فجأة، ظهر رجل ذو شعر أحمر من خلف الباب المنزلق، ونظر إلى القاعة.  

***

 

«غا-ها-ها! كلماتي تؤلم أذنيك؟ يا لها من حساسية، تؤلم، تؤلم، تؤلم كثيرًا، لا أستطيع تحمل ذلك… لذا أغلق فمك، أيها الوغد.»  

الشر البادي في كلماته صدم سوبارو لدرجة أنه نسي مرور الزمن للحظات.  

 

 

 

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

 

 

تصرف الرجل ذي الشعر الأحمر كان يمكن وصفه بأنه شكل من أشكال الشر—لا، بل القسوة.  

 

 

وإذا كانت ميمي برفقته، فلم يكن أمام سوبارو سوى أن يأمل أن لا تسوء الأمور بطريقة ما.  

رائحة خفيفة من الكحول فاحت من الرجل ذي الوجه المحمر بينما كان يمرر يده على لحية خفيفة تزين خده. ارتسمت على وجهه ابتسامة كريهة. يبدو أنه في الأربعينيات من عمره، قليلًا أو كثيرًا.  

 

 

 

ما جعل تصرفاته وإهماله لنفسه أكثر إثارة للاشمئزاز هو أن مظهره الخارجي كان جذابًا بطبيعته. كان ذلك بمثابة نبذ وتشويه صارخين للجمال.  

 

 

«—رينهارد.»  

أفسدت لحظة عظيمة بطريقة بالغة الانحطاط.  

«نعم. تلك المحاولات البائسة والمحرجة لرأب الصدع بين روابط أسرية معوجة… لم يكن بمقدوري الوقوف بهدوء والسماح لمشهد قبيح كهذا بالاستمرار. وبناءً على ذلك، قمت بتعديل السيناريو بما يروق لي أكثر. أليس عرضًا مذهلًا؟»  

 

 

المظهر المشبع بالخبث العميق للرجل طويل القامة كان يثير في نفس سوبارو شعورًا بالغثيان. 

«وصفها بالذريعة يجعل الأمر يبدو كما لو أنني أقوم بشيء سيئ.»  

 

«آآه؟»  

«سأجعلك تندمين على هذا الغرور.»  

 

أومأ راينهارد بجدية، وعاد البريق إلى عينيه الزرقاوين. رغم أن والده قد سخر منه وأفسد لحظة المصالحة بينه وبين جده، إلا أن الألم الذي أثقل روحه تلاشى، ولو للحظة عابرة.  

«…من أنت بحق السماء؟»  

 

 

 

«آآه؟»  

ساد جو متضارب في قاعة الاستقبال بينما استمرت أصداء *”أغنية الحب لشيطان السيف”* تعلو أرجاء المدينة.  

 

بينما كان رأسه لا يزال منحنياً، أضاف يوليوس كلمات شكر أخرى تجاه تهور سوبارو.  

بينما التزم الآخرون في القاعة الصمت، كان سوبارو أول من رفع صوته. وضع يده خلف خصره، ممسكًا بشيء ما بينما أطلق صوتًا ينم عن التهديد، والغضب يتصاعد داخله.  

 

 

ردّد سوبارو المصطلح وهو يمعن التفكير في تفسير أنستازيا.  

في تلك اللحظة، كان الجميع يتمنون أن تكتمل المصالحة بين الجد وحفيده. أما سوبارو، فلم يشعر سوى بالغضب تجاه هذا الرجل الذي تدخل بشكل سافر.  

 

 

«بريسيلا، هل هو من أتباعكِ؟»  

كان صديقه، الرجل الذي يكن له كل الإعجاب، يحرز تقدمًا في إصلاح علاقته—حتى ظهر هذا الرجل.  

تألقت أناستازيا وهي تدور في مكانها بفخر، عارضةً الملابس المصبوغة بالأزرق ببراعة. أضفى النقش الذي يمثل أوراق زهرة متساقطة لمسة ساحرة على التصميم، ما جعل سوبارو يدهش من قدرة الحرفيين في كاراراجي على إنتاج مثل هذا العمل الفني.  

 

 

«أجبني. من أنت بحق السماء؟»  

 

 

 

«…تلك نظرات شرسة لديك، أيها الصغير. هل لديك أي فكرة عن الشخص الذي تتحدى، أيها الفارس المبتدئ؟»  

وقد عكست كلماتها هذه حكمها على التغيرات التي طرأت خلال ذلك العام. كان هذا هو الاستنتاج الذي توصلت إليه بريسيلا بارييل بعينيها القرمزيتين، تلك التي تؤمن إيمانًا لا يتزعزع بأن العالم بأسره يتحرك وفقًا لراحتها الشخصية.  

 

 

«لا تضحكني. أنت من بدأ القتال. أنا فقط أقبل التحدي.»  

عضّ سوبارو على أسنانه بقوة. أدرك أنه الوحيد في القاعة الذي فقد السيطرة على نفسه بسبب نوبة غضب. كان هذا ينطبق على المرشحين الملكيين، ولم يظهر أي من يوليوس أو فيريز أي علامات توتر بسبب الأحداث.  

 

راودت ذهنه صورة مخيفة لعيون بريسيلا المتقدة التي ترى كل الاحتمالات بوضوح. شعر أنه إذا أنكر ذلك وأرجع كل ما حدث إلى مجرد مصادفة، فكأنه يعترف بأن نجاحها كان نتيجة حظها الجيد.  

نهض سوبارو على الفور، وقد اقترب من حدود تحمله.  

 

 

صدر صوت في البث وكأن الميتيا تُنقل بين الأيدي، ثم سُمع صوت تنحنح خافت.  

إلى جانبه، جلست بياتريس بهدوء، واضعة يدها في متناول يده، وكأنها تجهز نفسها لدعمه. شريكته الموثوقة أظهرت موافقتها على نيران الغضب المتقدة في قلبه.  

 

 

 

الرجل، وقد نظر إلى سوبارو من علٍ، بدا على وجهه مزيج من الانزعاج والازدراء، وهو يحك رأسه بخشونة.  

«—!»  

 

لإيذاء الآخرين بكلمات لاذعة دون أي غاية سوى ذلك، كان هاينكل يستخدم حديثه كسلاح جارح.  

«يا له من فتى صاخب. مهلاً، قديس السيف، أو يوليوس، أو حتى أرغيل—اقضوا على هذا الصعلوك الوقح.»  

بينما كانت دماء الغضب تغلي في عروق سوبارو، أوقفه أل بوضع يده اليمنى أمامه. كونه يملك ذراعًا واحدة فقط، لم يكن قادرًا على سحب سيفه بتلك الوضعية—وكان من الواضح أنه لا ينوي القتال.  

 

«حقًا؟ هذا يسعدني جدًا. لقد بدوت وكأنك تحمل شيئًا في بالك الليلة الماضية.»  

مشيرًا إلى سوبارو بيده التي كان يحك بها رأسه، أمر الرجل كلًا من رينهارد والآخرين بصوت غير مكترث. لم يستطع سوبارو سوى تفسير كلماته المتعجرفة على أنها ازدراء للجميع.  

 

 

«يولي؟ إنه اسم يثير الحنين. لم أتوقع أنك تتذكره.»  

في تلك اللحظة، استعد سوبارو بالفعل ليرفع ذراعه ويوجه صفعة مباشرة إلى وجه الرجل—  

كان سوبارو ناتسوكي يعرف جيدًا من هو يوليوس جوكوليوس. فما الفائدة من التشكيك في صداقة كهذه؟  

 

 

«أعترض على ذلك.» 

 

 

مع ذلك، في ذهن سوبارو، بدا ديناس أقل كونه حارسًا شخصيًا وأكثر كونه سكرتيرًا خاصًا مهمته الأساسية التعامل مع قضية ليليانا. 

—ولكن قبل أن يتمكن من التحرك، أمسك يوليوس بكتف سوبارو، مما أجبره على التوقف.  

 

 

 

كان يوليوس قد وقف بجانب سوبارو دون أن يلحظه أحد، ووضع يده على كتفه بإحكام. التفت نحو سوبارو بنظرة حازمة، ثم وجه عينيه بحدة نحو الدخيل ذي الشعر الأحمر.  

 

 

 

«حاليًا، أنا وفيريس ورينهارد مكلفون بمهمة خاصة، وبالتالي نحن معفيون من مسؤولياتنا المعتادة. وبناءً عليه، حتى نائب القائد لا يمتلك سلطة إصدار الأوامر لنا في الوقت الراهن.»  

 

 

وقفت إميليا أمام سوبارو، وشعرها الفضيّ يتهادى على ظهرها، فيما خرج صوتها الغاضب هادئًا لكنه قاطع. كان بإمكان سوبارو أن يشعر بوضوح على بشرته أن غضبها كان صادقًا.  

«بالضبط! فيريس هو خادم السيدة كروش رسميًا وحقيقةً، مياو. لذا لا أستطيع تنفيذ أوامرك.»  

«سوبارو…»  

 

 

اغتنم فيريس الفرصة التي أتاحتها كلمات يوليوس ليحتضن ذراع كروش بابتسامة ساخرة. للحظة، بدت كروش متفاجئة من تصرف فارسها، لكنها سرعان ما واجهت الدخيل بتعبير جاد.  

عندما ظهر فجأة خلفها، صرخت فيلت بغضب عليه. جعل صوتها الحاد راينهارد يرفع حاجبيه قبل أن يوجه كلامه إليها.  

 

 

عندما نظر سوبارو حوله، لاحظ أن جميع الحاضرين في الغرفة كانوا يرتدون تعابير مشابهة وهم يقتربون، دون أن يحاولوا إخفاء عدائهم تجاه الدخيل.  

‹آه! هذه هي! حتى أنا أعرف أن تواضعك هذا يعني أنك بارع في الأمر! لن أنضم إلى فرقة معك! ستستولي على دور المغني الأساسي في لحظة!›  

 

 

بالطبع، فقد كان الرجل الذي دمّر لحظة المصالحة المنتظرة بين الجد وحفيده، تلك اللحظة التي كان الجميع يراقبها بشغف.  

 

 

 

«آه، يا لها من مجموعة مرعبة. بالتأكيد، كان ذلك مجرد مزاح، لذا لا تنفعلوا بلا داع. حتى وإن كنت نائب القائد بالاسم فقط، فسأظل ملتزمًا بقواعد الفروسية.»  

أخفت بريسيلا شفتيها خلف مروحة حمراء، وابتسمت بسخرية وهي تتفحص القاعة.  

 

 

«بالاسم فقط…؟»  

 

 

«سوبارو، انظر! لقد قلبتُها بطريقة مثالية! أنا فخورة جدًا بها! تفضَّل وكُلها!» 

عبس سوبارو عند سماعه هذه العبارة من الرجل السكران، الذي ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة. وعندما تمتم سوبارو بذلك، ألقى عليه الرجل نظرة مليئة بالسخرية.  

«هاينكل!»  

 

 

«نعم، بالاسم فقط. أنا هاينكل، نائب القائد الكسول والمحتقر للحرس الملكي لمملكة لوغونيكا.»  

«لماذا تنظرين إليَّ عندما تقولين ذلك؟ قولي هذا لبيكو. هي المقصودة هنا.»  

 

 

«لا تستخدم تلك العبارات السلبية بطريقة عدوانية مبطنة.»  

 

 

«اليوم سنستمتع بتقليد شعبي من كاراراجي— إنه وقت وليمة دايسوكيياكي!»  

«غا-ها-ها! كلماتي تؤلم أذنيك؟ يا لها من حساسية، تؤلم، تؤلم، تؤلم كثيرًا، لا أستطيع تحمل ذلك… لذا أغلق فمك، أيها الوغد.»  

كان سوبارو محبطًا حقًا من يوليوس، معتقدًا أنه فهم الأمور بشكل خاطئ تمامًا.  

 

 

«—!»  

بالطبع. كانت هذه تجمعًا راقيًا للنجوم الصاعدة التي تهدف إلى أن تكون الجيل القادم لحمل عبء العرش—لم يكن هناك أي شخص من بينهم يرغب في حلفاء قد يخضعون لعواطفهم ويؤذون الآخرين في نوبة غضب.  

 

‹حسنًا… على الأقل أنا ماهر في الغناء والعزف على العود!›  

امتلأت عينا هاينكل بظلام كثيف جعلا سوبارو يشعر بقشعريرة تسري في جسده.  

«لا يمكن أن يكون…»  

 

«إميليا؟»  

لم يكن هذا الشعور مشابهًا للخوف الذي يعتريه عند مواجهة مخلوق قوي مثل الحوت الأبيض أو إحدى الساحرات. بل كان إحساسًا أكثر خصوصية، شعورًا بالاشمئزاز الشخصي.  

بينما كانت تحتضن بيكو العابسة من الخلف، أمالت إميليا رأسها وطرحت السؤال الأهم. جعلت كلماتها سوبارو يتوقف قليلًا «صحيح…» ويفكر، وهو يلمس ذقنه بيده.  

 

«…إذا لم يكن هذا، فهو ذاك. توقفوا عن العبث.»  

«اهدأ يا سوبارو. لا تدع نفسك تنجر إلى وتيرة نائب القائد.»  

«هذا الزي رائع. هل هو ما كنتِ تتحدثين عنه في الحمام البارحة؟»  

 

 

بينما كان سوبارو يحاول أن يلتقط أنفاسه، خاطبه يوليوس بنبرة هادئة. كلمات يوليوس دفعت هاينكل إلى إطلاق ابتسامة متجهمة نحو زميله الفارس.  

 

 

«أقصد ذلك الرجل لاتشينز الذي معكِ. إنهم معارف بسيطون بالنسبة لي، ولهذا أسمي الثلاثي بحب: لاري، وكيرلي، ومو.»  

«هاه! إنه فارس الفرسان. سلوك راقٍ وكلمات مختارة بعناية. لو أن كل هذا كان يساوي قوة حقيقية بين الفرسان، لكان لديك أتباعك الخاصون، أليس كذلك؟»  

«—صباح الخير. أوه، يبدو أنكم جميعًا على وفاق جميل.» 

 

«كنت أعتزم بالفعل أن أعهد بهذه المهمة إلى هيتارو والبقية، ولكن أريد منك أن تلتقط رسالة عند البوابة الرئيسية— إنها رسالة بالغة، بالغة الأهمية.»  

«يشرفني أنك تثني عليّ بهذه الطريقة، نائب القائد هاينكل… وبالمناسبة، ما الذي جاء بك إلى هنا؟ على حد علمي، كان من المفترض أن تكون مكلفًا بحراسة القصر الملكي في العاصمة.»  

‹«لا توجد أدلة قاطعة. ولكن تبقى الشكوك قائمة حول عدد من الملابسات.»›  

 

—وجه هذا الرجل، أكثر من أي وجه آخر رآه سوبارو، استحق أن يُطلق عليه لقب… **”المقزز”.**  

«يا له من سخرية أنيقة. لن تتأثر أمنيات القصر بغيابي، خاصة مع وجود القائد العظيم ماركوس للاعتناء بها… وليس كأن هناك عائلة ملكية بحاجة إلى الحماية الآن، أليس كذلك؟»  

 

 

 

«هاينكل!»  

كانت هذه كلمات أوتو الأخيرة أثناء مغادرته نحو شركة ميوز بمفرده.  

 

 

كان فيلهلم هو من نهض وصرخ بغضب على كلمات هاينكل التي كانت فجة للغاية بالنظر إلى المكان والزمان.  

 

 

 

ظهر على وجه سيف الشيطان تعبير ينم عن صدمة هائلة، بينما ارتعشت شفتاه علنًا.  

 

 

كل من في القاعة ممن شهدوا كلمات هاينكل وأفعاله المختلفة انتفضوا للوهلة الأولى.  

«هاينكل…»  

«سأنفذ التعليمات. اترك الأمر لي. سأتم المهمة دون أي تقصير، نيابةً عن تي بي والبقية!»  

 

 

«سمعتك من المرة الأولى. لم أصل بعد إلى السن الذي يجعلني أصم. على أية حال، دع ذلك يمر ككلام ثمل. الأهم الآن…»  

 

 

 

بينما كان فيلهلم يرفع صوته، هز هاينكل كتفيه بنظرة بريئة على وجهه. ثم بدأ يتفحص أرجاء الغرفة بعينين زرقاوين تماثلان عينَي فيلهلم. 

بينما كان رأسه لا يزال منحنياً، أضاف يوليوس كلمات شكر أخرى تجاه تهور سوبارو.  

 

 

«عدم دعوتي للاحتفال بنجاح صيد الحوت الأبيض… ما الفكرة من وراء ذلك؟ أيّ برودة وقسوة هذه؟ لقد كانت مهمة عظيمة استغرقت أكثر من عشر سنوات لتحقيقها. كان لي الحق مثل أي شخص آخر في المشاركة في الاحتفال وتقاسم السعادة. أليس كذلك، يا أبي العزيز؟»  

 

 

كان كروش وفيريس مشغولين في إعداد دايسوكياكي بإتقان ملحوظ. حتى أن فيريس أضاف لها آذان قطط كلمسة فنية.  

«هاينكل، أنا…»  

غُمرت مشاعر سوبارو تمامًا بالكلمات الدافئة، حتى شعر وكأنه “قتل بالإطراء”.  

 

 

«رينهارد! تشعر بنفس الشيء، أليس كذلك؟»  

 

 

رفع نخبًا لنفسه على اختياره اللقب المناسب في ذلك الوقت. وبالمناسبة، بما أن فيلت أعجبت بالمصطلح، رفع نخبًا لثلاثي الحمقى الذين سيُعرفون إلى الأبد باسم لاري، وكيرلي، ومو.  

بوجه متشح بالخبث، غرس هاينكل كلماته في قلب فيلهلم. بدا الألم واضحًا على وجه الرجل المسن كما لو أن سكينًا حادة كانت تمزقه، لكن هاينكل لم يبدِ أي اكتراث.  

 

 

 

قاطع صوت هاينكل محاولة فيلهلم للاحتجاج، ووجه سُمَّه إلى هدفه التالي: رينهارد.  

 

 

 

عند سماع تلك الكلمات، رفع رينهارد عينيه أخيرًا لملاقاة نظرة هاينكل التي لم تُظهر سوى الكراهية.  

 

 

 

«بفضلك، خفَّ العبء عن كاهل ابنك، أليس كذلك؟ هذا هو جدك العظيم، الرجل الذي انتقم لزوجته، أمي، وجدتك. ومع ذلك، لم تنطق بكلمة واحدة لتثني على إنجازه، أليس كذلك؟ لأنه…»  

 

 

 

توقف هاينكل عن حديثه، وكأنما ليشحذ شفرة كلماته بالمزيد من السم. ثم استأنف قائلاً:  

 

 

 

«…هو الرجل الذي انتقم للسيف المقدس السابق الذي سمحت له بالموت، أليس كذلك؟»  

 

 

 

—وجه هذا الرجل، أكثر من أي وجه آخر رآه سوبارو، استحق أن يُطلق عليه لقب… **”المقزز”.**  

 

 

بعد أن تحمل راينهارد الكثير من الإهانات المؤلمة، رفع رأسه أخيرًا. بدا أنه يحاول جاهدًا الحفاظ على تعبير محايد بينما كان يوجه نظره، ليس إلى والده، بل نحو فيلت.  

كلمات هاينكل، وجهه، أسلوبه، صوته، ونظراته—كل تفصيل في وجوده كان مشبعًا بالكراهية المحضة.  

 

 

السبب؟ الزي اللامع الذي ارتدته.  

هذا الرجل كان التجسيد الحي للاحتقار، رجلًا جعل من القبح جوهرًا لوجوده.  

 

 

كم من الشجاعة استجمع فيلهلم ليقول تلك الكلمات؟ سوبارو كان يدرك ذلك نوعًا ما. من الواضح أن كروش وفيريس شعرا بذلك أيضًا، إذ اتسعت أعينهما في دهشة.  

«توقف عن هذا، هاينكل! أنت… حتى بالنسبة لك، هذا لا يُحتمل…!»  

 

 

 

«توقف عن التظاهر بالنبل الآن، يا أبي. ليس لديك الحق في انتقادي. فقد كان أول من وبّخ رينهارد لقتله السيف المقدس السابق… هو أنت بالذات.»  

«ليس لدي أي ذكرى لمثل هذا الأمر. في الأساس، هل من الممكن أن أقوم بشيء غير لائق مثل الإمساك ببطني والضحك؟ لا تخلط بين نبلي ونبل هؤلاء القرويين السذج. في المرة القادمة، سأفصل رأسك عن كتفيك، يا أل.»  

 

«يا إلهي، أرجوكِ ارحميني. حتى أنكِ استدعيتِ “شمس النصل”. هذا سيء جدًا على قلبي… بآااه!!»  

«—!»  

 

 

أخذت فيلت نظرة حائرة بينما شرح لها سوبارو النشاط الذي كان يؤديه هو وإميليا معًا. كان معسكر إميليا قد اجتمع في الحديقة ذلك الصباح خصيصًا من أجل أداء تمرينات الإذاعة.  

كانت كلمات هاينكل كتعويذة ملعونة، أُعدَّت بمهارة لتقطر كراهية خالصة. محتوى تلك الكلمات كان لعنًا لا يستطيع سوبارو تحمله.  

لم يكن ذلك الابتسامة المميزة التي اعتاد رينهارد أن يستخدمها يوميًا لبث الطمأنينة في قلوب الآخرين. بل كانت تعبيرًا خاصًا بالشاب رينهارد نفسه، لا بقديس السيف.  

 

وبتعبير مرير على وجهه الشاحب، تفحص أوتو الحديقة.  

ما يقوله هذا الرجل ليس سوى أكاذيب. كل شيء خطأ، مختلق تمامًا.  

لم يستطع تقبل ذلك على الفور. لكن، حتى وإن بدا الأمر غير واقعي في البداية، فقد تكوّن رابط بينهما بلا شك.  

 

 

لا يمكن أن يكون صحيحًا. ومع ذلك، لا رينهارد ولا فيلهلم…  

ومع ذلك، كان واقعًا أنه تسبب بالكثير من المتاعب في اليوم السابق. وبطبيعة الحال، لا يزال يفكر في فشله في شركة ميوز، لكن هذا شيء، وذاك شيء آخر.  

 

 

«…»  

 

 

 

لم ينبس أي منهما ببنت شفة لنفي ذلك.  

«وجدته؟ وماذا حدث بعد ذلك؟»  

 

«عندما نطق سوبارو الاسم بصوت عالٍ، استطاع أن يشعر بثقله.  

لماذا؟ كل ما كان عليهما فعله هو قول كلمة واحدة: «لا». لو أنكرا تلك المزاعم واعتبراها هراءً مختلقًا، كان سوبارو سيصدق فورًا، دون أدنى شك.  

«لماذا تنظرين إليَّ عندما تقولين ذلك؟ قولي هذا لبيكو. هي المقصودة هنا.»  

 

 

صديقه في المعركة ومثله الأعلى في الفروسية، في مواجهة رجل سكير وعذرٍ واهٍ للرجولة—لم يكن هناك حاجة للتردد بشأن من يصدق.  

فجأة، ظهر رجل ذو شعر أحمر من خلف الباب المنزلق، ونظر إلى القاعة.  

 

هل كان يظن أن فيلهلم فان أستريا قد يكون شخصًا كهذا؟  

لهذا السبب، كان سوبارو يائسًا لدرجة جعلته يتمنى لو ينطق الاثنان بتلك الكلمة الوحيدة التي ستجعل هذا الكابوس يتلاشى.  

«إن كنت تسأل ما إذا كان هذا العاميّ من أتباعي أم لا، فإن إجابتك صحيحة. نعم، هو كذلك. لقد استدعيتُه وأرسلته إلى هذا المكان.»  

 

 

«صمتتما لأن الحقيقة غير مريحة؟ هكذا كانت الأمور طوال الخمسة عشر عامًا الماضية. والدي لم يتغير على الإطلاق. وإذا لم يتغير، فلا سبيل لتصليح الأمور. هل تظن أن تيريسيا فان أستريا ستسمح بشيء بسيط كهذا؟»  

 

 

دايسوكيياكي— صدى هذا الاسم، الصحون الحديدية الكبيرة، والأطباق… أثناء تفحصه لكل ذلك، أدرك سوبارو حقيقة هذا التقليد الطهوي الذي كان أمامه—  

خيّم الصمت على القاعة بينما استمرت لعنة هاينكل في التغلغل في الأجواء.  

«لا يمكن أن يكون…»  

 

«شولت، احمل هذا العامي وأخرجه من هنا. سيكون من المهدر التخلص منه الآن. اعتنِ بجروحه.»  

الاسم الذي استحضره كان لزوجة فيلهلم، وجدّة رينهارد—  

«كما ترى…»  

 

السيف المقدس السابق، تيريسيا… كانت أمه. هذا يعني أنه والد رينهارد وابن فيلهلم.  

«—أمي الراحلة لعنتنا، نحن الأجيال الثلاثة لعائلة أستريا. لن يُسمح لنا بالمغفرة أبدًا.»  

كان صوت كيريتاكا يبدو غريبًا نوعًا ما عبر “الميتيا”، بينما صوت ليليانا كان ينفذ بوضوح دون أي مشكلة. ربما كان ذلك يرجع إلى اختلافات في طريقة الحديث أو توافق الصوت مع “الميتيا”.  

 

 

السيف المقدس السابق، تيريسيا… كانت أمه. هذا يعني أنه والد رينهارد وابن فيلهلم.  

 

 

«إذن، ما الذي أتى بك إلى هنا؟»  

«هاينكل فان أستريا…»

 

 

«وجدته؟ وماذا حدث بعد ذلك؟»  

«عندما نطق سوبارو الاسم بصوت عالٍ، استطاع أن يشعر بثقله.  

«السيدة أناستازيا، تبدين أكثر جمالًا هذا الصباح. كنت قلقًا من أنك لن تسمحي حتى لي برؤيتك بهذا الشكل، ولكن يبدو أن قلقي كان بلا داعٍ.»  

أدرك هوية هاينكل الحقيقية. لم يكن هناك أدنى شك؛ الرجل الذي أمامه يحمل اسم عائلة أستريا—على الرغم من أن شخصيته لم تكن تشبه بأي حال من الأحوال أولئك الذين عرفهم سوبارو من عائلة أستريا.  

«لا تقل هذا. أنا لست شيطانة. لاحقًا، سأمنحك مكافأة تتمثل في السماح لك بلعق قدمي.»  

 

 

«لا تضف لقب “فان” يا فتى. لم أنل لقب السيف. أنا هاينكل أستريا.»  

 

 

 

بينما كان سوبارو يهمهم متحيرًا، قاطعه هاينكل بنقرة لسان.  

 

 

«همم. إذن ربما شرف النوم متكئًا على حضني، معانقًا لي؟»  

في تلك اللحظة، ظهرت على وجه هاينكل علامات الألم. ربما كانت هذه المرة الأولى التي سمح فيها لهذا الشعور بالظهور منذ وصوله. الآن، امتزج الألم في عينيه، اللتين لم تحملَا سوى لذة مظلمة أثناء تهكمه على عائلته في وقت سابق.  

 

 

 

رغم أن هذا لم يكن يشكل أي عزاء، أسرع سوبارو بتجاهل هذا المشهد، لكن—  

 

 

 

«إذن، ما الذي أتى بك إلى هنا؟»  

 

 

 

«إميليا؟»  

 

 

 

كل من في القاعة ممن شهدوا كلمات هاينكل وأفعاله المختلفة انتفضوا للوهلة الأولى.  

حتى فيلت تصرفت بأسلوب منطقي، بينما كان سوبارو الأكثر اندفاعًا بين الجميع. لابد أنه تسبب بالكثير من القلق لإميليا وبياتريس كذلك.  

 

وإذا كانت ميمي برفقته، فلم يكن أمام سوبارو سوى أن يأمل أن لا تسوء الأمور بطريقة ما.  

كانت أول من تقدّم لطرح هذا السؤال فتاة واحدة، لم تكن سوى إميليا.  

لكن، النظرة المباشرة التي عادت إلى عينيه الزرقاوين، مثل بحيرة هادئة بلا أي تموج، جعلت سوبارو يلتقط أنفاسه دون وعي.  

 

أو ربما، حقًا، كان صوت ليليانا مباركًا من إلهة الأغاني نفسها.  

وقفت إميليا أمام سوبارو، وشعرها الفضيّ يتهادى على ظهرها، فيما خرج صوتها الغاضب هادئًا لكنه قاطع. كان بإمكان سوبارو أن يشعر بوضوح على بشرته أن غضبها كان صادقًا.  

«هل تُعامل بيتي باستخفاف بطريقة ما، يا ترى؟ أُبدي اعتراضي!»  

 

«يبدو أن الكلب الضال قد توقف عن نباحه. لقد جئت اليوم فقط لألقي نظرة عابرة. والآن بعد أن رأيت وجوهكم المبللة بالدموع، لم أعد أملك سببًا للبقاء.»  

كانت دائمًا تغضب عندما يُؤذى الآخرون دون سبب وجيه.  

«صمتتما لأن الحقيقة غير مريحة؟ هكذا كانت الأمور طوال الخمسة عشر عامًا الماضية. والدي لم يتغير على الإطلاق. وإذا لم يتغير، فلا سبيل لتصليح الأمور. هل تظن أن تيريسيا فان أستريا ستسمح بشيء بسيط كهذا؟»  

 

 

وحين رأت رينهارد وفيلهلم يتألمان، أثار ذلك غضبها.  

كان يُعتبر سرًا علنيًا أن النسخة الحديثة من عيد الحب كانت مؤامرة ولدت في عالم شركات الشوكولاتة. بعبارة أخرى، كان هناك الكثير من المال على المحك؛ لذا شعر سوبارو أن أناستازيا ستنتهز الفرصة بلا تردد.  

 

 

«…حسنًا، حسنًا، إذًا هذه هي الآنسة إميليا. سمعتُ عنك الكثير. يُقال إنك أميرة نصف شيطان بائسة، تحمل عبئًا لا يمكنها أبدًا الانتصار فيه.»  

‹«أنت لا تحاول مدحي حقًا، أليس كذلك؟»›  

 

 

«يمكننا مناقشة رأيك بي لاحقًا، ولكنني لا أتحدث عن ذلك الآن. لدي سؤال واحد فقط. ما الذي أتى بك إلى هنا؟»  

 

 

كانت هذه كلمات أوتو الأخيرة أثناء مغادرته نحو شركة ميوز بمفرده.  

كانت كلماته الاستفزازية تهدف إلى السخرية من إميليا، لكن هاينكل بدا مذهولاً عندما ارتدّ عليه استفزازه.  

 

 

نهض سوبارو على الفور، وقد اقترب من حدود تحمله.  

فهم سوبارو السبب الذي جعل بقية الحاضرين من المعسكرات المختلفة يُصدمون من جرأة إميليا. بالنظر إلى تصرفاتها في اليوم السابق وحتى هذا الصباح، كان من الطبيعي أن يُفاجَؤوا بهذا التغيير الدرامي.  

رؤية هذا الرجل المسن والطويل جعلت كتفي سوبارو يتيبسان. تذكر الكلمات العديدة التي تبادلها مع شيطان السيف تحت ضوء القمر في الليلة الماضية.  

 

فهم سوبارو السبب الذي جعل بقية الحاضرين من المعسكرات المختلفة يُصدمون من جرأة إميليا. بالنظر إلى تصرفاتها في اليوم السابق وحتى هذا الصباح، كان من الطبيعي أن يُفاجَؤوا بهذا التغيير الدرامي.  

لهذا السبب كانت تتظاهر بالطيش لإخفاء حقيقتها… أو هذا ما قد يعتقده البعض، لكنه كان مجرد كذب. هذه هي شخصيتها الحقيقية بكل بساطة.  

 

 

 

«الجميع هنا لأنهم تلقوا دعوة من أنستازيا. لكن وجود الجميع في نفس الوقت هنا كان مصادفة بحتة، ولا أعتقد أنك قررت الزيارة في وقت كهذا صدفة. هذا صحيح بشكل مضاعف لشخص مثلك، أحد الأعضاء البارزين في فرسان الحرس الملكي. ما الذي يعنيه هذا؟ تكلم.»  

 

 

 

«تشيه، ليست كما تروّج الشائعات على الإطلاق…»  

 

 

باندماج كلي مع القصة، وضعت إميليا يدها على صدرها وبدأت عيناها تتنقلان هنا وهناك. من رد فعلها، بدا أنها تتأثر حقًا بالقصة، بينما ازدادت حماسة صوت بيكو وهي تواصل الحديث.  

«أجب كما ينبغي.»  

 

 

«…لا أستطيع طهي هذا جيدًا. إذا كان هناك سر في ذلك، فهل يمكنك أن تعلّمني؟»  

ضغط هاينكل أسنانه وبدأ يحك رأسه بعصبية—علامات واضحة على أن إميليا كانت تسيطر على الموقف.  

 

 

 

رغم غضبها، لم تلجأ إميليا أبدًا إلى استعراض للقوة. قوتها الحقيقية كانت تكمن في روحها الثابتة، وليس في مخزونها الهائل من الطاقة السحرية.  

«همم. إذن ربما شرف النوم متكئًا على حضني، معانقًا لي؟»  

 

 

«واو، اقتحمت المكان متبجحًا بنفسك، والآن توقفت عن الكلام بسبب فتاة تحدق بك؟ يا رجل، هذا شيء غير لائق أبدًا.»  

 

 

شعر سوبارو بالذهول. إحضار ضيف غير مدعو ليتسبب في تدمير فرصة تصالح الجد مع حفيده—فعلت بريسيلا ذلك لسبب مرعب يتمثل في التسلية البحتة.  

«معك حق. إذا أراد أن يُرفّه عن نفسه بمحادثات مسلية، لكان عليه الذهاب لمشاهدة مغنية الحكايات. القصص هناك أكثر فكاهةً وغرابةً.»  

 

 

 

«أوه، هل هذا صحيح؟ إذن، ليغادر هذا الشخص الفظّ المكان ويقضي وقته برفقة المغنية التي تتحدث عنها الشائعات.»  

 

 

خمّن أن هذا الميتيا يعمل كنوع من مكبرات الصوت أو نظام الإذاعة.  

«—!»  

كان كروش وفيريس مشغولين في إعداد دايسوكياكي بإتقان ملحوظ. حتى أن فيريس أضاف لها آذان قطط كلمسة فنية.  

 

 

دعمت إميليا كلاً من فيلت، أنستازيا، وكروش، اللواتي انضممن إليها بتعليقات لاذعة ضد الدخيل الوقح، مستخدمات هيبتهن الساحقة.  

«على فكرة، السيد كيريتاكا هو الذي يبثّ الرسالة، وهو أيضًا من يوفر الميتيا المستخدمة.»  

 

«واو، يبدو الأمر ممتعًا. لكن هل يجدر بنا أن نأخذ الأمور بهذه البساطة؟ ما رأيك، أيها المعلم؟»  

تحت وطأة ضغط الحاضرين الأربعة، بدأ وجه هاينكل يرتعش.» 

 

 

بينما كانت دماء الغضب تغلي في عروق سوبارو، أوقفه أل بوضع يده اليمنى أمامه. كونه يملك ذراعًا واحدة فقط، لم يكن قادرًا على سحب سيفه بتلك الوضعية—وكان من الواضح أنه لا ينوي القتال.  

«كان الأمر أشبه بأن… وجوده على هذا المسرح لا يليق به. مقارنةً بمن استحقوا مكانهم هنا بجدارة، بدا الفارق بينه وبينهم شاسعًا للغاية.  

«أوووه؟ ما هذا؟ يبدو أن هناك شخصًا ما لديه صوت عاااااالٍ جدًا.»  

 

«لست أدري السبب، لكن تابعي هذا يبدو أنه يكنّ مشاعر غريبة تجاهك. سأمتنع عن سلخ ولو طبقة واحدة من جلد رأسك، لذا عليك أن تشكر أل—لا، بل عليك أن تقدسني. سأغفر لك وقاحتك هذه المرة فقط.»  

«هل اكتفيتَ، أيها النائب؟ إن لم تكن لديك أمور أخرى، أعتقد أن من الأفضل للطرفين أن تغادر هذا المكان في أسرع وقت ممكن.»  

للحظة واحدة فقط، أومأ فيلهلم برأسه نحو عيني سوبارو السوداوين. ثم استدار ببطء نحو يساره، حيث كان حفيده الشاب ذو الشعر الأحمر يجلس.  

 

 

قدم يوليوس هذا الاقتراح بينما كان يراقب التباين بين شحوب وجه هاينكل والغضب المتصاعد لدى النساء.  

 

 

 

من منظور معين، كان يمنحه طوق نجاة. راودت سوبارو فكرة أنه إن أمكن، فمن الأفضل تحطيم معنويات هاينكل في تلك اللحظة، لكنه أراد تجنب إطالة هذا الحديث.  

 

 

بريسيلا كانت تجهل تمامًا وجود سوبارو.  

لم يرغب في بقاء هاينكل في نفس الغرفة مع كل من رينهارد وفيلهلم لوقت أطول.  

 

 

«ينطبق هذا على غارفيل أيضًا. إذا كان مع ميمي فلا بأس، لكن ذلك الأحمق المتسرع…»  

«أُغغغ…»  

«الآن، سأغني. أرجو أن تنصتوا—هذه هي *”أغنية الحب لشيطان السيف”*، الفصل الثاني.»  

 

«أ-أنا آسف جدًا. حاولت بكل جهدي إيقافهم، لكن هيتارو رفض الاستماع. وتي بي كان قلقًا أيضًا؛ لذا…»  

«نائب القائد، قرارك. إذا أمكن، من الأفضل لجميع الأطراف أن تمتنع عن مواصلة الحديث…»  

 

 

‹«…هذا ليس كل شيء. لقد سمعت أنه في ذلك الوقت، كان اللورد هاينكل هو من أوصى بمشاركة السيدة تيريزيا، التي كانت قد وضعت سيفها جانبًا واعتزلت القتال، في الحملة الكبرى.»›  

«—لن يكون ذلك ضروريًا، أيها العامي.»  

 

 

‹«لك مني خالص الشكر. أردت أن أشكرك على غضبك العادل في ذلك الموقف.»›  

الصوت الذي قاطع كان فائق الجمال، ممتلئًا بغطرسة من اعتاد أن ينظر إلى الجميع بازدراء.  

«لكن يجب أن أقول، أنتم حقًا تقيمون هذا الحدث في مكان بعيد. كان من المزعج للغاية العثور على وسيلة نقل مناسبة لتغطية هذه المسافة. على أي حال، مشاهد المدينة وتصميم هذا النُزل الغريب تناسب ذوقي.»  

 

«أولاً، نحن مقررون لزيارة شركة ميوز عند ساعة النار اليوم. سأكون ممتنًا لو تمكنت شركة حراشف التنين الأبيض من التوسط، لكن…»  

صوت مذهل أُجبر كل من سمعه على الخضوع، وفرض على الحاضرين شعورًا مطلقًا بالتفوق، مُعيدًا صياغة تصوراتهم عن القيمة والجدارة.  

 

 

أدرك هوية هاينكل الحقيقية. لم يكن هناك أدنى شك؛ الرجل الذي أمامه يحمل اسم عائلة أستريا—على الرغم من أن شخصيته لم تكن تشبه بأي حال من الأحوال أولئك الذين عرفهم سوبارو من عائلة أستريا.  

تحولت أنظار الجميع في القاعة نحو الباب المنزلق المغلق خلف هاينكل.  

«لا أرى غارفيل في أي مكان. من غير المعتاد ألا يُظهر وجهه على الأقل، أليس كذلك؟ إنه دائمًا أول مَن يستيقظ، ويعوي من قمة الجبل أو ما شابه ذلك.»  

 

«فوو، حان الوقت لتذوق دايسوكياكي فيريس التي صنعها بحب. السيدة كروش، افتحي فمك وقولي: آآآه.»  

لم يعد أحد يوليه أي اهتمام. ربما كان ذلك لأن أنظارهم انجذبت بالكامل إلى الحرارة المشعة القادمة من وراء العتبة. ثم—  

بملامحه الهادئة، وبيده التي لمست شعره البنفسجي الفوضوي قليلاً والذي داعبته نسمات منعشة، بدا المشهد أشبه بلوحة مرسومة.  

 

في الواقع، هم—لا، هو—تدخلوا في ما كان يمكن أن يكون لحظة تاريخية. ورغم أنه لم يكن خطأهم تمامًا، إلا أن سوبارو تخيل نفسه بالفعل وهو يقرص خدود كيريتاكا في عقله.  

«يبدو أن الحثالة قد اجتمعت. رائع. لقد أعددتم مكانًا يليق بحضوري الشخصي. ولهذا فقط، أشكركم.»  

 

 

 

كانت ترتدي فستانًا أحمر بلون الدم، يكشف عن صدرها بشكل مستفز. ذراعاها ملتفتان حول صدرها، ترفعان صدرها الممتلئ بينما كانت بشرتها اللامعة مكشوفة بلا حرج، وابتسامتها الغامضة تعلو وجهها.  

«بفضلك، خفَّ العبء عن كاهل ابنك، أليس كذلك؟ هذا هو جدك العظيم، الرجل الذي انتقم لزوجته، أمي، وجدتك. ومع ذلك، لم تنطق بكلمة واحدة لتثني على إنجازه، أليس كذلك؟ لأنه…»  

 

«ما الأمر، سوبارو؟ تبدو في مزاج جيد هذا الصباح. هل حدث شيء لطيف؟»  

عيناها القرمزيتان بدتا كأنهما تُشعلان كل شيء حولها. نظرتها كانت تعج بالسخرية من كل ما يقع تحت بصرها. جاذبيتها الآسرة كانت تجسيدًا للسحر الفاتن الذي يمكنه إخضاع كل الرجال في العالم، ليصبحوا عبيدًا لها.  

 

 

«يا له من فتى صاخب. مهلاً، قديس السيف، أو يوليوس، أو حتى أرغيل—اقضوا على هذا الصعلوك الوقح.»  

إلى حد معين، يمكن للجمال أن يتحول إلى عنف. وجودها ذاته كان تجسيدًا لهذه الكلمات.  

لهذا السبب، كان سوبارو يائسًا لدرجة جعلته يتمنى لو ينطق الاثنان بتلك الكلمة الوحيدة التي ستجعل هذا الكابوس يتلاشى.  

 

 

وكان اسمها بريسيلا بارييل.  

 

 

 

وهكذا، وصلت المرشحة الخامسة والأخيرة لاختيار العرش، دون دعوة، إلى المأدبة.  

 

 

 

**6**  

 

 

 

«لكن يجب أن أقول، أنتم حقًا تقيمون هذا الحدث في مكان بعيد. كان من المزعج للغاية العثور على وسيلة نقل مناسبة لتغطية هذه المسافة. على أي حال، مشاهد المدينة وتصميم هذا النُزل الغريب تناسب ذوقي.»  

 

 

‹«مهلاً، ما الذي تفعله؟»›  

أخفت بريسيلا شفتيها خلف مروحة حمراء، وابتسمت بسخرية وهي تتفحص القاعة.  

 

 

 

أولئك الذين صُدموا بظهورها المفاجئ لم يتمكنوا من الرد على تعليقها. وعندما رأت ذلك، عقدت بريسيلا حاجبيها الجميلين بعدم رضا.  

«—؟»  

 

 

«ما هذا الاستقبال الباهت؟ بعد أن تكلفتُ عناء السير هنا بقدميَّ؟ ألا تقتضي العادة أن تنحنوا على الأرض وتستقبلوا وصولي بدموع غامرة؟»  

 

 

 

«…ومن أين لك هذا الأسلوب المتعالي؟ مشهد كهذا يحدث فقط في الأنظمة الديكتاتورية.»  

 

 

«آه، إنه هو بالتأكيد.»  

«همم؟»  

«توقفا! لا تضعاني على هذا المنبر الغريب! أنتما تعرفان جيدًا كيف أتصرف بطريقة مشينة عندما أمتلئ بالغرور!»  

 

 

دون أن يدرك، قاطع سوبارو خطاب بريسيلا المغرور. وعندما التقطت أذناها همهمته، أمالت بريسيلا رأسها ونظرت مباشرة إلى سوبارو بعينيها الحمراوين.» 

ففي لحظة ما، كان قد ظهر سيف قُرمزي بديع في يد بريسيلا دون أن يلاحظه أحد، وسرعان ما اختفى بالسرعة نفسها التي ظهر بها.  

 

«أرجوك يا جوشوا، أنت أملي الوحيد!»  

«…ومن تكون أنت؟ هذه قاعة خُصصت للأغبياء الذين يجهلون مكانتهم ويتجرؤون على منافستي على العرش. كيف تسلل عاميٌّ سوقي مثلك بينهم؟»  

«الآن، الآن، الآن، الآن، الآن، الآن! هذه هي الدايسوكياكي الحقيقية التي أعددتُها بنفسي!»  

 

 

«هل هي جادة؟»  

 

 

كانت كروش، بشعرها الأخضر الطويل المربوط بعناية، هي آخر مَن وصل إلى قاعة الاستقبال. ظهرت بإطلالة أنيقة تضمنت زينة زهرية لشعرها ووشاحًا أبيض يزين خصلاتها الخضراء، مما أضفى عليها رونقًا خاصًا.  

استرخى سوبارو بإحباط، مستشعرًا الاحتقار الصريح والمهدِّد الموجه نحوه.  

تجهم سوبارو أمام الكلمات التي أُغرِق بها.  

 

«هناك بث كل صباح؟ لأي غرض؟»  

لم يظهر على بريسيلا أي إشارة توحي بأن ما قالته كان دعابة، ولا أي تلميح إلى سخرية أو تهكم. بمعنى آخر، كانت تقصد تمامًا ما قالت.  

كان سوبارو محبطًا حقًا من يوليوس، معتقدًا أنه فهم الأمور بشكل خاطئ تمامًا.  

 

«مرحبًا أيها السيد، تبدو قطعك لذيذة جدًا.»  

بريسيلا كانت تجهل تمامًا وجود سوبارو.  

 

 

 

رغم أن لقائهما السابق كان ينبغي أن يترك لديها انطباعًا ما، إلا أنها قد نسيته بالكامل بالفعل.  

 

 

 

«أوه، أيتها الأميرة. أليس هذا قاسيًا حتى بالنسبة لك؟ ربما لا يبرز في نظركِ كأميرة، لكن بالنسبة لي، هذا الأخ هنا مثير للاهتمام بما يكفي، حسنًا؟»  

 

 

 

ثم، كما لو كان الصوت الذي قاطع بريسيلا يحاول تمزيق السكون الثقيل الذي خيم على القاعة، رنّ صوت مسترخي موجهًا كلامه نحوها.  

بتجاهل مقصود للأجواء التي بدأت بالتشكل بينهما، جلس سوبارو على حافة الشرفة المرتفعة التي تحيط بالحديقة. أما يوليوس، فلم يرد سوى بابتسامة باهتة على إساءة سوبارو، وهو يغمض عينيه نصف إغماضة وكأنه يتأمل أشعة الشمس المتلألئة.  

 

ولكنه، دون الخوض في التفاصيل، أخذ نفسًا عميقًا وأكمل تفسيره.  

صاحب الصوت بدا وكأن رأسه مغلف بخوذة فولاذية سوداء حالكة، مع بقية جسده مغطى بملابس خشنة تتسم بطابع قطاع الطرق.  

بينما التزم الآخرون في القاعة الصمت، كان سوبارو أول من رفع صوته. وضع يده خلف خصره، ممسكًا بشيء ما بينما أطلق صوتًا ينم عن التهديد، والغضب يتصاعد داخله.  

 

 

كان ذلك أل، التابع المخلص لبريسيلا والرجل الذي يشترك مع سوبارو في كونه قد استُدعي من عالم آخر.  

«إيهيهيهي، هذه كانت الجوهرة المخبأة في جعبتي! لم يصل هذا الزي المكتمل إلى بريستيلا سوى قبل وقت قصير. كان من الصعب جدًا إخفاؤه عن جوليوس، هيهي.»  

 

 

أل، الذي كان يرافق سيدته كعادته، هزّ كتفيه بتعبير مرهق وهو يوجه كلامه نحو بريسيلا.  

 

 

وبتعبير مرير على وجهه الشاحب، تفحص أوتو الحديقة.  

«هيا، ألا تتذكرين؟ هذا هو الرجل الذي أحرج نفسه أمام حشد هائل عندما أعلنتِ أنتِ والبقية معتقداتكم في القلعة. هذا الأخ هنا هو من فعل ذلك. لقد ضحكتِ بشدة حتى أمسكتِ بطنكِ، أليس كذلك؟»  

«ليس من اللطيف أن تكوني عنيدة بهذا الشكل. إذا حدث شيء، فقولي ما لديك. قد يكون الأمر مهمًا، صحيح؟»  

 

 

«ليس لدي أي ذكرى لمثل هذا الأمر. في الأساس، هل من الممكن أن أقوم بشيء غير لائق مثل الإمساك ببطني والضحك؟ لا تخلط بين نبلي ونبل هؤلاء القرويين السذج. في المرة القادمة، سأفصل رأسك عن كتفيك، يا أل.»  

 

 

تلقى سوبارو تعاطف الاثنتين، وزفر بعمق مع تعبيرٍ مليء بالمرارة.  

«حسنًا، هذا هو الوضع يا أخي. آسف، لا أستطيع المساعدة. عليك أن تعمل بجد وتعيد بناء نقاط قربك من البداية.»  

«لا داعي لأخذ كلمات تلك العامية على محمل الجد. حتى لو تغيرت حقوق الأراضي على الورق، فإن ثقة الناس ستبقى ملكًا لك. صحيح أن العامة حمقى بلا موهبة، لكن حماقتهم ذاتها تجعلهم بطيئين في نسيان الأحقاد. ومع أن قيمة هؤلاء الجهلة تنحصر في كونهم أحجارًا تُستغل بلا رحمة، فإن هذا يجعلهم غير ذوي جدوى.» 

 

مع ذلك، في ذهن سوبارو، بدا ديناس أقل كونه حارسًا شخصيًا وأكثر كونه سكرتيرًا خاصًا مهمته الأساسية التعامل مع قضية ليليانا. 

«كان لديك عام كامل، كان بإمكانك خلاله تحسين قدرتك على الكلام قليلاً على الأقل، تبًا!»  

 

 

 

أل اعتذر لسوبارو بإهمال وهو يتخلى سريعًا عن محاولة تذكير سيدته بلقائهما الأول. الأسلوب المتهور الذي قال به «آسف، آسف» كشف أنه لم يتغير كثيرًا خلال العام الماضي، مما ترك سوبارو يتنهد بأسى أمام العلاقة الثابتة بين السيد وتابعه.  

 

 

«لا أرى مغزى للتباهي بمثل هذا الأمر، لكن لديّ بعض الإلمام بالموسيقى.»  

«التغيير مثلك هو ميزة الشباب، يا أخي. أما بالنسبة لشيخ مثلي، فهذا أمر مستحيل تمامًا.»  

أجاب يوليوس بابتسامة:  

 

صدر صوت في البث وكأن الميتيا تُنقل بين الأيدي، ثم سُمع صوت تنحنح خافت.  

«رائع، كنت على وشك تحديث قائمتي للأشخاص الذين لا أريد أن أصبح مثلهم عند الكبر—رغم وجود بعض الاستثناءات.»  

 

 

بالطبع، سأكمل ترجمة النصوص المتبقية بأسلوب أدبي فصيح ومتقن:

على النقيض من لسان أل الساخر، أنهى سوبارو تعليقه بنظرة وجهها نحو هاينكل. الرجل، الذي تم التخلي عنه تمامًا بينما انتقل انتباه الجميع إلى مكان آخر، ارتسمت على وجهه ابتسامة متذللة تجاه بريسيلا.  

 

 

«بالاسم فقط…؟»  

«تأخرتِ، يا ليدي بريسيلا. كنت أشعر وكأن كبدي يتجمد من القلق حول ما إذا كنتِ ستظهرين أم لا…»  

«النتائج التي حققتها بجهودك كانت كافية لتعويض أي أخطاء صغيرة ارتكبتها. لا داعي لأن تحمل هذا العبء معك إلى الأبد. إنجازاتك المستقبلية مستقلة تمامًا ويجب أن تُقابَل بالفخر.»  

 

صفقت أناستازيا بيديها، مستشهدةً بمقولة شائعة على ما يبدو، ثم أخذت مكانها. حذا سوبارو والبقية حذوها، متوزعين بحسب معسكراتهم على وسائد مربعة للاستراحة.  

«لا تصدر صوتًا أمامي، أيها العامي. إذا أمرتك بالرقص، فمن واجبك كعامي أن ترقص حتى آمرك بالتوقف أو حتى تفنى. إذا أسأت فهم هذا وحاولت “تصحيحي”، فموتك بسبب وقاحتك لن يكون سريعًا أو رحيمًا.»  

«—!! ولماذا؟!»  

 

اعتذر يوليوس بصوت حزين عندما لاحظ مدى صدمة سوبارو وعجزه عن الكلام.  

«غغغ…»  

ومع تلاشي التوتر من عينيه وشفتيه، لم يكن هناك شك في أنه كان يبتسم.

 

 

كان وجه هاينكل قد أشرق للحظة، متأملًا إمكانية تغيير الموقف لصالحه، لكن لسعة لسان بريسيلا الحادة أسكتته تمامًا. غير أن كلمات الاثنين أثارت شكوكًا في نفس سوبارو.  

لكن ملاحظة سوبارو الساخرة قوبلت بضحكة خافتة قادمة من الجانب الآخر—ولم تكن واحدة فقط، بل اثنتين.  

 

«آآآه، آنسة كروش! لقد أعددتُ واحدة جميلة. انظري، انظري.» 

«بريسيلا، هل هو من أتباعكِ؟»  

 

 

فيما كان سوبارو ينظر إلى بريسيلا بصمت مذهول، تابعت تفسيرها:  

«…ومن منحك الإذن بمناداتي دون لقب، أيها السوقي؟ رغم أنني كريمة كأم عطوفة، إلا أن كرمي هذا محدود للغاية تجاه تصرفات كهذه من غير الأطفال.»

صديقه في المعركة ومثله الأعلى في الفروسية، في مواجهة رجل سكير وعذرٍ واهٍ للرجولة—لم يكن هناك حاجة للتردد بشأن من يصدق.  

 

«اهدأ، أيها الأحمق… في النهاية، أنا الوحيد الذي فقد أعصابه.»  

«أيتها الأميرة.»  

خيّم الصمت على القاعة بينما استمرت لعنة هاينكل في التغلغل في الأجواء.  

 

لكن ويلهيلم ردّ بابتسامة حكيمة:  

ناداها أل بينما كانت ترمق سوبارو بنظرة قاسية. نبرة التوسل التي تخللت صوته دفعت بريسيلا لإغماض عينها وإطلاق تنهيدة خفيفة.  

 

 

 

«لست أدري السبب، لكن تابعي هذا يبدو أنه يكنّ مشاعر غريبة تجاهك. سأمتنع عن سلخ ولو طبقة واحدة من جلد رأسك، لذا عليك أن تشكر أل—لا، بل عليك أن تقدسني. سأغفر لك وقاحتك هذه المرة فقط.»  

 

 

 

«…أنا ممتنٌّ لعظيم كرمكِ. والآن أجيبي عن سؤالي.»  

 

 

////

«إن كنت تسأل ما إذا كان هذا العاميّ من أتباعي أم لا، فإن إجابتك صحيحة. نعم، هو كذلك. لقد استدعيتُه وأرسلته إلى هذا المكان.»  

 

 

«أوه؟ ميمي والبقية ليسوا معك؟»  

«—!! ولماذا؟!»  

 

 

 

«إن كنت مجبرة على إعطاء سبب، فهو أنني اعتقدت أن ذلك سيكون مسليًا.»  

بينما كان فيلهلم يرفع صوته، هز هاينكل كتفيه بنظرة بريئة على وجهه. ثم بدأ يتفحص أرجاء الغرفة بعينين زرقاوين تماثلان عينَي فيلهلم. 

 

قدم يوليوس هذا الاقتراح بينما كان يراقب التباين بين شحوب وجه هاينكل والغضب المتصاعد لدى النساء.  

شعر سوبارو بالذهول. إحضار ضيف غير مدعو ليتسبب في تدمير فرصة تصالح الجد مع حفيده—فعلت بريسيلا ذلك لسبب مرعب يتمثل في التسلية البحتة.  

«لـ-لم أكن أنظر! أليس نظري خفيفًا ورشيقًا كحبات الثلج، يا ترى؟!»  

 

تجمد سوبارو للحظة، عقله غارق في فوضى المعلومات الجديدة. أخذ يراجع ذكرياته عن كيريتاكا وكأنها شريط يمر أمام عينيه.  

فيما كان سوبارو ينظر إلى بريسيلا بصمت مذهول، تابعت تفسيرها:  

 

 

«غغغ…»  

«نعم. تلك المحاولات البائسة والمحرجة لرأب الصدع بين روابط أسرية معوجة… لم يكن بمقدوري الوقوف بهدوء والسماح لمشهد قبيح كهذا بالاستمرار. وبناءً على ذلك، قمت بتعديل السيناريو بما يروق لي أكثر. أليس عرضًا مذهلًا؟»  

 

 

«أيتها الأميرة.»  

«بريسيلاااا!»  

 

 

 

تجاوزت أفعالها حدود القسوة، وطريقة حديثها العفوية عن الأمر أشعلت غضب سوبارو بالكامل.  

الميتيا، كما يعرفها، كانت مصطلحًا عامًا يشير إلى أدوات سحرية مصممة باستخدام تقنية سحرية معينة. بعضها، مثل الذي يُستخدم في البث، يعمل بطريقة تشبه التكنولوجيا التي يعرفها من عالمه الأصلي.  

 

بينما كانت تراقبهم وهم يؤدون التمارين، تمتمت فيلت بوجه متجهم.  

عرض. هكذا وصفت هذه المرأة ما حدث. التسبب بجراح عميقة في قلوب راينهارد وويلهيلم، على بعد خطوات قليلة فقط من أن يعودا كعائلة… أطلقت عليه اسم عرض.  

«لا تستخدم تلك العبارات السلبية بطريقة عدوانية مبطنة.»  

 

«بث ميتيا…»  

«توقف، أخي. لا جدوى من الدخول في مواجهة هنا. شخصية الأميرة الملتوية ليست أمرًا جديدًا. فكر في الأمر كحظ سيئ… أو كأن النجوم لم تصطف في صالحك.»  

«…هو الرجل الذي انتقم للسيف المقدس السابق الذي سمحت له بالموت، أليس كذلك؟»  

 

على الفور، علت وجوه الجميع نظرات مترقبة، خاصة إيميليا وبياتريس وأنستازيا ومن معهن. أشرق وجهوهن تألقًا وهن يعلمن تمامًا روعة صوت ليليانا الغنائي.  

«إن كنت تدرك ذلك، فكبح جماحها إذًا! النجوم؟ سخافة. أهذا جدي حقًا؟!»  

رغم أن زاويتي عينيه كانتا منخفضتين في تعبير يوحي بالضيق وابتسامة متعبة تعلو وجهه، بدا المشهد طبيعيًا لدرجة أن سوبارو شعر براحة غريبة.  

 

كان سوبارو محبطًا حقًا من يوليوس، معتقدًا أنه فهم الأمور بشكل خاطئ تمامًا.  

بينما كانت دماء الغضب تغلي في عروق سوبارو، أوقفه أل بوضع يده اليمنى أمامه. كونه يملك ذراعًا واحدة فقط، لم يكن قادرًا على سحب سيفه بتلك الوضعية—وكان من الواضح أنه لا ينوي القتال.  

 

 

 

عضّ سوبارو على أسنانه بقوة. أدرك أنه الوحيد في القاعة الذي فقد السيطرة على نفسه بسبب نوبة غضب. كان هذا ينطبق على المرشحين الملكيين، ولم يظهر أي من يوليوس أو فيريز أي علامات توتر بسبب الأحداث.  

 

 

 

بالطبع. كانت هذه تجمعًا راقيًا للنجوم الصاعدة التي تهدف إلى أن تكون الجيل القادم لحمل عبء العرش—لم يكن هناك أي شخص من بينهم يرغب في حلفاء قد يخضعون لعواطفهم ويؤذون الآخرين في نوبة غضب.  

‹«سواء كان رمزيًا أم لا، فهو نائب قائد فرسان الحرس الملكي. التصرف بوقاحة تجاه قائد مباشر أمر لا يمكن التغاضي عنه.»›  

 

‹«…السيد فيلهلم كان قائد فرسان الحرس الملكي السابق.»›  

«لكن، أليس هذا يعني أن إيذاء الناس نفسيًا مقبولٌ تمامًا؟!»  

«—أجل. أفهمك، جدي.»  

 

‹«…هذا ليس كل شيء. لقد سمعت أنه في ذلك الوقت، كان اللورد هاينكل هو من أوصى بمشاركة السيدة تيريزيا، التي كانت قد وضعت سيفها جانبًا واعتزلت القتال، في الحملة الكبرى.»›  

«سوبارو…»  

«أوه؟ ميمي والبقية ليسوا معك؟»  

 

 

حين وضع سوبارو غضبه الذي يكاد لا يُحتمل في كلمات، نادته إميليا بعينين مرتجفتين يكسوهما الحزن. وعندما لاحظ شعورًا يجذبه من كُمِّه، كانت بياتريس هناك أيضًا، ممسكة بيد سوبارو.  

 

 

 

تلقى سوبارو تعاطف الاثنتين، وزفر بعمق مع تعبيرٍ مليء بالمرارة.  

ردّد سوبارو المصطلح وهو يمعن التفكير في تفسير أنستازيا.  

 

 

«يبدو أن الكلب الضال قد توقف عن نباحه. لقد جئت اليوم فقط لألقي نظرة عابرة. والآن بعد أن رأيت وجوهكم المبللة بالدموع، لم أعد أملك سببًا للبقاء.»  

الطبق الياباني أوكونوميياكي، الذي تناقلته كاراراجي تحت مسمى دايسوكيياكي، ظهر بشجاعة أمام أعينهم. 

 

 

«حسنًا، أليس هذا رائعًا…؟ كنت الشخص الوحيد الذي لم أخبره بما كنت أفعله هنا. كيف علمتِ بالأمر؟»  

 

 

أغمض رينهارد عينيه بحزن، أو ربما بشعور غير محدد، ثم طرده بأن أخذ نفسًا عميقًا. بعد ذلك، استرخى ببطء وقال—  

قطعت أنستاسيا حديث بريسيلا المتبجح بإثارتها مثل هذه الفوضى الكبرى. بدت عينها ذات اللون الأزرق المائل إلى الأخضر شديدة الحذر، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة ماكرة.

 

 

ليس أن سوبارو خطط لشيء بالفعل، لكنه امتلك خطة تعتمد إلى حد كبير على الحظ.  

بعد أن تحمل راينهارد الكثير من الإهانات المؤلمة، رفع رأسه أخيرًا. بدا أنه يحاول جاهدًا الحفاظ على تعبير محايد بينما كان يوجه نظره، ليس إلى والده، بل نحو فيلت.  

 

 

‹«كلا، لست مخطئًا. ما تقوله صحيح. أنا من أخطأ—وسأظل كذلك، بلا فرصة لتصحيح خطأي.»›  

«الآنسة فيلت، أنا…»  

 

 

 

«راينهارد.»  

كان “يولي” الاسم المستعار الذي استخدمه يوليوس حينما تعاون في ملاحقة طائفة الساحرة. نظرًا لوضعه، لم يكن بإمكانه أن يُرى وهو ينضم إلى مجموعة من المرتزقة، لذا لجأ إلى هذا الاسم في محاولة يائسة لإخفاء طبيعته الأنيقة. وفي النهاية، كان اسمًا عديم الفائدة لدرجة أن يوليوس نفسه نسي استخدامه أحيانًا، لكنه آنذاك سمح لنفسه بالخروج عن قواعد الفروسية الصارمة.  

 

«حاليًا، يُعتبر ذلك عادة غريبة من الأطراف النائية، لكنني أريد أن أجعلها مشروعي لنشر هذه العادات على مستوى البلاد. وعلى هذا النحو، سيكون من الجيد أن تتعاون أناستازيا معنا عند التخطيط للفعاليات وما إلى ذلك.»  

كان على وشك أن يقول شيئًا، لكنه توقف فجأة. السبب كان شوكة فيلت التي وجهتها نحو طرف أنفه. اهتزت عيناه بتردد بينما أغلق تصرف سيدته شفتيه. دون أن تلقي نظرة واحدة نحوه، قالت فيلت:  

«معك حق. إذا أراد أن يُرفّه عن نفسه بمحادثات مسلية، لكان عليه الذهاب لمشاهدة مغنية الحكايات. القصص هناك أكثر فكاهةً وغرابةً.»  

 

 

«—اصمت وضع ملامح الحرب على وجهك.»  

 

 

هل كان يظن أن فيلهلم فان أستريا قد يكون شخصًا كهذا؟  

اتسعت عينا راينهارد بينما أصدرت فيلت أمرها بكل بساطة. لكن التغير الذي طرأ عليه بعد ذلك مباشرة صدم الجميع.  

صفقت أناستازيا بيديها، مستشهدةً بمقولة شائعة على ما يبدو، ثم أخذت مكانها. حذا سوبارو والبقية حذوها، متوزعين بحسب معسكراتهم على وسائد مربعة للاستراحة.  

 

 

«—حسنًا.»  

كان يُعتبر سرًا علنيًا أن النسخة الحديثة من عيد الحب كانت مؤامرة ولدت في عالم شركات الشوكولاتة. بعبارة أخرى، كان هناك الكثير من المال على المحك؛ لذا شعر سوبارو أن أناستازيا ستنتهز الفرصة بلا تردد.  

 

 

أومأ راينهارد بجدية، وعاد البريق إلى عينيه الزرقاوين. رغم أن والده قد سخر منه وأفسد لحظة المصالحة بينه وبين جده، إلا أن الألم الذي أثقل روحه تلاشى، ولو للحظة عابرة.  

 

 

أضاف يوليوس بصوت هادئ ولكن ثابت:  

«…إذا لم يكن هذا، فهو ذاك. توقفوا عن العبث.»  

ساد جو متضارب في قاعة الاستقبال بينما استمرت أصداء *”أغنية الحب لشيطان السيف”* تعلو أرجاء المدينة.  

 

 

نقر هاينكل بلسانه، وقد بدأ كل شيء ينحرف مجددًا عن مساره. لكنه سرعان ما أمال رأسه وارتسمت ابتسامة خبيثة على وجهه.  

 

 

لأن—  

«قل ما تشاء، لكن إحساسك بالخطر في محله، أيها السيد العظيم لراينهارد. عائلة أستريا ملكي، ولن أقدم دعمي لك.»  

‹أخبرتك من قبل، أليس كذلك؟ لا داعي لأن تبقى مهووسًا بكونك فارسًا حسن السلوك طوال الوقت. ربما عليك أن تتخلى عن هذا الدرع الثقيل لبعض الوقت، وتجرب أن تكون “يولي”. قد يساعدك ذلك على التعامل مع الكثير من الأمور بشكل أفضل.›  

 

قال فيلهلم ذات مرة إنه لم يتمكن من أن يكون مع زوجته وقت وفاتها.  

لإيذاء الآخرين بكلمات لاذعة دون أي غاية سوى ذلك، كان هاينكل يستخدم حديثه كسلاح جارح.  

 

 

 

«ولا حاجة لأحد أن يخبركم بمن أقدم دعمي، فالجميع يعلم ذلك. لقد بذلتم جهدًا كبيرًا على مدار العام الماضي. النتائج رائعة حقًا. والآن، سأأخذ كل ما بنيتموه وأقدمه للسيدة بريسيلا كهدية…»  

«إن كنت تسأل ما إذا كان هذا العاميّ من أتباعي أم لا، فإن إجابتك صحيحة. نعم، هو كذلك. لقد استدعيتُه وأرسلته إلى هذا المكان.»  

 

 

«أيها العامي.»  

كان يُعتبر سرًا علنيًا أن النسخة الحديثة من عيد الحب كانت مؤامرة ولدت في عالم شركات الشوكولاتة. بعبارة أخرى، كان هناك الكثير من المال على المحك؛ لذا شعر سوبارو أن أناستازيا ستنتهز الفرصة بلا تردد.  

 

 

«هاه؟ نعم، سيدتي بريسيلا؟ أنا في منتصف حديث مهم هنا.»  

 

 

 

«صمتًا.»  

 

 

انخفض يوليوس على إحدى ركبتيه، منحنياً برأسه بوقار.  

ما حدث بعدها مباشرة كان طاغيًا لدرجة جعلت الجميع يلتقط أنفاسه.  

‹«أعني، إذا كان ذلك صحيحًا، فهذا يعني أن هاينكل هو السبب في أن فيلهلم لم يتمكن من أن يكون بجانب زوجته عندما ماتت.»›  

 

هل كان يوليوس يشك في أن فيلهلم قد يتمرد على المملكة؟  

دون أي تحذير سوى تلك الكلمة، انطلقت بريسيلا بمروحتها نحو رأس هاينكل المندهش. شقت المروحة المطوية الهواء بقوة قلبت جسده رأسًا على عقب وأسقطته أرضًا بضربة واحدة جعلت عينيه تدوران وهو فاقد الوعي.  

«نائب القائد، قرارك. إذا أمكن، من الأفضل لجميع الأطراف أن تمتنع عن مواصلة الحديث…»  

 

 

لكن عقاب بريسيلا لم يتوقف عند هذا الحد. رفعت هاينكل الساقط بركلة من طرف حذائها، ثم سحبت يدها للخلف بينما كان يتطاير في الهواء. بعدها بدأت بالتأهب لضربته مجددًا—  

 

 

 

«أميرتي، لقد تجاوز غضبك الحد. سيموت إن استمررتِ هكذا.»  

 

 

«حقًا؟ هذا يسعدني جدًا. لقد بدوت وكأنك تحمل شيئًا في بالك الليلة الماضية.»  

كانت عينا بريسيلا الحمراء تحدقان ببرود نحو “آل” الذي أمسك بمعصمها، محاولًا إيقافها. لكن تدخله كان في محله، إذ أن هاينكل كان ليهلك لولا ذلك.  

 

 

ما جعل تصرفاته وإهماله لنفسه أكثر إثارة للاشمئزاز هو أن مظهره الخارجي كان جذابًا بطبيعته. كان ذلك بمثابة نبذ وتشويه صارخين للجمال.  

ففي لحظة ما، كان قد ظهر سيف قُرمزي بديع في يد بريسيلا دون أن يلاحظه أحد، وسرعان ما اختفى بالسرعة نفسها التي ظهر بها.  

«غا-ها-ها! كلماتي تؤلم أذنيك؟ يا لها من حساسية، تؤلم، تؤلم، تؤلم كثيرًا، لا أستطيع تحمل ذلك… لذا أغلق فمك، أيها الوغد.»  

 

 

عند رؤية ذلك، أطلق آل يدها ببطء.  

بينما انطلق يوليوس في تقديم تفسير آخر، حاول أن يحافظ على ردوده خالية من أي عاطفة قدر الإمكان.  

 

 

«يا إلهي، أرجوكِ ارحميني. حتى أنكِ استدعيتِ “شمس النصل”. هذا سيء جدًا على قلبي… بآااه!!»  

 

 

 

«كم أنت وقح، آل. بأي إذن تجرؤ على لمس جلدي الذي يشبه الجواهر؟ تصرفاتك شأنك الخاص، سواء بسبب نقص في الاهتمام النسائي أو رغباتك المكبوتة، لكن لا تحلم أبدًا أن تنجح في تدنيسي بهذه الطريقة.»  

رغم أن هذا لم يكن يشكل أي عزاء، أسرع سوبارو بتجاهل هذا المشهد، لكن—  

 

 

دفعت بريسيلا يدها المحررة بقوة نحو معدة آل، ما جعله يتأوه من الألم. بعدها أطلقت شخيرًا خافتًا بينما كانت تنظر إلى هاينكل الملقى أرضًا بنظرات باردة ومتحجرة.  

«هل اكتفيتَ، أيها النائب؟ إن لم تكن لديك أمور أخرى، أعتقد أن من الأفضل للطرفين أن تغادر هذا المكان في أسرع وقت ممكن.»  

 

تذكرت أن الاثنتين قد تبادلتَا النظرات ذاتها في القصر من قبل. يبدو أن التوافق بينهما سيئ بطبيعته.  

كانت القسوة الباردة في عينيها القرمزيتين تخيف كل من نظر إليها. 

‹«…لذلك، وللتأكد من أن هاينكل لن يُصدر أوامر جنونية لرينهارد، تحاول المملكة جاهدة إرضاء هاينكل بأي ثمن؟»›  

 

«اهدأ يا سوبارو. لا تدع نفسك تنجر إلى وتيرة نائب القائد.»  

«رغم أني لست معتادة على منح الرحمة لأولئك الذين يرتكبون أفعالًا فظيعة ومنافية للأخلاق… إلا أن كلمات آل تحمل بعض الحكمة.»  

 

 

حملت الإذاعة اللحن الرائع عبر أنحاء المدينة بأسرها، كأنما تغلغلت مباشرة إلى القلوب. استسلم سوبارو بالكامل للموسيقى والصوت الغنائي، ولم يكن يسمع سوى *”أغنية الحب لشيطان السيف”*.  

«إن كنتِ تعتقدين ذلك، فأتمنى لو تعاملتِ معي بلطف أكبر قليلًا.»  

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

 

«تأخرتِ، يا ليدي بريسيلا. كنت أشعر وكأن كبدي يتجمد من القلق حول ما إذا كنتِ ستظهرين أم لا…»  

«لا تقل هذا. أنا لست شيطانة. لاحقًا، سأمنحك مكافأة تتمثل في السماح لك بلعق قدمي.»  

كانت ترتدي فستانًا أحمر بلون الدم، يكشف عن صدرها بشكل مستفز. ذراعاها ملتفتان حول صدرها، ترفعان صدرها الممتلئ بينما كانت بشرتها اللامعة مكشوفة بلا حرج، وابتسامتها الغامضة تعلو وجهها.  

 

بعد أن وجهت فيلت كلماتها، غادرت بريسيلا قاعة الاستقبال بصحبة آل، وعلى وجهها تعبير راضٍ. كان هذا التعبير بالنسبة إلى بريسيلا يعني فرحة تحقيق أهدافها.  

«هل يمكنكِ التوقف عن قول أشياء توحي وكأن هذا سيجعلني سعيدًا بالفعل؟! هذا سيسبب الكثير من سوء الفهم!»  

الميتيا، كما يعرفها، كانت مصطلحًا عامًا يشير إلى أدوات سحرية مصممة باستخدام تقنية سحرية معينة. بعضها، مثل الذي يُستخدم في البث، يعمل بطريقة تشبه التكنولوجيا التي يعرفها من عالمه الأصلي.  

 

 

لم تعر بريسيلا أي انتباه لتوسلات آل وهو راكع أمامها، بل صَفقت بيديها معًا قائلة:  

 

 

«هذا صحيح، بيكو. إذا كان هناك ما يشغلك، فلنتشارك القلق جميعًا. أنا أصبح شخصًا أكثر اعتمادًا عليه مؤخرًا، كما تعلمين.»  

«شولت، احمل هذا العامي وأخرجه من هنا. سيكون من المهدر التخلص منه الآن. اعتنِ بجروحه.»  

 

 

 

«حالًا يا سيدتي بريسيلا!»  

 

 

«مرحبًا بالجميع، معكم ليليانا! أن يُعاملني الناس كفنانة أمر ثقيل كالجبل، لكنني أريد حقًا أن أُمتعكم بأغنياتي وموسيقاي. لذا، أرجو أن تشجعوني بهتافاتكم المبهجة خلال وقتنا القصير معًا—!»  

ما إن أصدرت الأمر حتى ظهر فتى ذو شعر وردي بدا وكأنه كان ينتظر في الرواق. كان سوبارو قد رأى هذا الفتى مسبقًا في قصر بريسيلا، وكان فتى ذا شعر مجعد يبدو ناعمًا ومفعمًا بالحيوية.  

 

 

«صمتًا.»  

اندفع الخادم الصغير بخطوات سريعة نحو هاينكل.  

بينما كان راينهارد يبتسم بلطف ويقدم تحية الصباح، رفع سوبارو يده ردًا عليه. أثارت ردة فعل راينهارد غضب فيلت، فأمسكت بياقته وبدأت تهز رأسه.  

 

 

«أرجو المعذرة، سيدي هاينكل.»  

«لا تخبرني أنها أحدثت هذه الفوضى عمدًا لتحقيق ذلك… لا بد أنني أفرط في التفكير، أليس كذلك؟»  

 

 

وبهذه الكلمات المؤدبة، أمسك شولت ساقي هاينكل وسحبه نحو الرواق، ما تسبب ببعض الصدمات والارتطامات على طول الطريق، لكن شولت قام بعمله بأمانة دون أي شكوى.  

 

 

‹«سواء كان رمزيًا أم لا، فهو نائب قائد فرسان الحرس الملكي. التصرف بوقاحة تجاه قائد مباشر أمر لا يمكن التغاضي عنه.»›  

بينما كان آل يراقب الاحترافية التي أظهرها الفتى، دفع بيده ثقوب خوذته وتحدث معلقًا:  

«مرحبًا أيها السيد، تبدو قطعك لذيذة جدًا.»  

 

 

«فتانا اللطيف شولت دائمًا مليء بالطاقة، أليس كذلك؟ عليكِ أن تمدحيه أكثر يا أميرتي.»  

 

 

«آآه؟»  

«من الطبيعي أن أُخدَم بكل تفانٍ. هذا ما أحبه في شولت. سأكافئه بشكل لائق. سأمنحه، هو أيضًا، شرف لعق قدمي.»  

 

 

 

«تلك الصورة… غير لائقة تمامًا. أرجوكِ امنحيه مكافأة أخرى.»  

«سأضطر إلى تقبُّل ذلك بكل ما يستحقه من جدية… بيكو، ما بالك هذا الصباح، تبدين متجهمة هكذا؟» 

 

 

«همم. إذن ربما شرف النوم متكئًا على حضني، معانقًا لي؟»  

دون أن يدرك، قاطع سوبارو خطاب بريسيلا المغرور. وعندما التقطت أذناها همهمته، أمالت بريسيلا رأسها ونظرت مباشرة إلى سوبارو بعينيها الحمراوين.» 

 

«التغيير مثلك هو ميزة الشباب، يا أخي. أما بالنسبة لشيخ مثلي، فهذا أمر مستحيل تمامًا.»  

«…حسنًا، هذا مقبول إلى حد ما. أكاد أشعر برغبة في تبديل مكاني معه الآن.»  

 

 

 

عند انتهاء تلك المناقشة الخفيفة بين السيدة وخادمها، عادت بريسيلا بنظرها إلى القاعة مرة أخرى. ومن بين الحاضرين، وجهت أنظارها نحو فيلت وتعبيراتها الجادة.  

 

 

لم يستطع تقبل ذلك على الفور. لكن، حتى وإن بدا الأمر غير واقعي في البداية، فقد تكوّن رابط بينهما بلا شك.  

تذكرت أن الاثنتين قد تبادلتَا النظرات ذاتها في القصر من قبل. يبدو أن التوافق بينهما سيئ بطبيعته.  

 

 

 

«إذًا، هل كان العجوز جادًا قبل قليل؟ هل ينوي طردي واستعادة مكانه كرب للعائلة؟»  

«… إذًا، لماذا أحضرتِ ذلك العجوز معكِ؟»  

 

 

«إن كان الأمر كذلك، فما الذي ستفعلينه حيال ذلك؟ هل ستبكين على وسادتك وتنسحبين بلطف؟»  

 

 

«المعلومات جزئيًا صحيحة، ولكن هناك الكثير من المبالغات المختلطة بها، اللعنة!»  

«هاه! لا تُضحكني. مهما قال أي شخص، هذا آخر شيء يمكن لأي أحد أن يراني أفعله. إذا لم يكن هناك إرث وطُردت من أراضي أستريا، فالأمر بسيط جدًا، أليس كذلك؟»  

 

 

 

بينما كانت تتحدث، ارتسمت على وجه فيلت ابتسامة شرسة وهي تشير نحو راينهارد.  

‹«لقد ألقى بوالدته على خط المواجهة ضد تلك الوحوش الشيطانية؟!»›  

 

«بطريقة ما، هذه الكلمات كافية لجعلي أموت من شدة الانزعاج! لا أحب هذا!»  

«سيجعل ذلك العجوز يسلّم الإرث عنوة. صحيح أنه هادئ المزاج، لكنه أكثر جدارة بالاعتماد عليه من ذلك الوغد. ذاك العجوز سيُحال إلى التقاعد قريبًا.»  

«أُغغغ…»  

 

 

سواء أكان هذا واقعيًا أم لا، كان إعلانًا يبعث على الرضا بشكل لافت.  

 

 

«مرحبًا، هل السيد دائمًا هكذا؟»  

ضاقت عينا بريسيلا وهي تستمع إلى تصريح فيلت. بعدها رفعت مروحتها مرة أخرى لتغطي شفتيها.  

«سمعتك من المرة الأولى. لم أصل بعد إلى السن الذي يجعلني أصم. على أية حال، دع ذلك يمر ككلام ثمل. الأهم الآن…»  

 

 

«لا داعي لأخذ كلمات تلك العامية على محمل الجد. حتى لو تغيرت حقوق الأراضي على الورق، فإن ثقة الناس ستبقى ملكًا لك. صحيح أن العامة حمقى بلا موهبة، لكن حماقتهم ذاتها تجعلهم بطيئين في نسيان الأحقاد. ومع أن قيمة هؤلاء الجهلة تنحصر في كونهم أحجارًا تُستغل بلا رحمة، فإن هذا يجعلهم غير ذوي جدوى.» 

بينما كانت تراقبهم وهم يؤدون التمارين، تمتمت فيلت بوجه متجهم.  

 

 

«… إذًا، لماذا أحضرتِ ذلك العجوز معكِ؟»  

«واو، اقتحمت المكان متبجحًا بنفسك، والآن توقفت عن الكلام بسبب فتاة تحدق بك؟ يا رجل، هذا شيء غير لائق أبدًا.»  

 

 

«لقد أخبرتك بالفعل. أحضرته فقط لإشباع تسليتي الخاصة. بهذا المعنى، فقد أثبت قيمته بالفعل.»  

لم تكن هذه تحيةً فارسية، ولا عرفًا بين النبلاء. كان مجرد تصرف فردي نابع من نفسه.  

 

 

بثقة مطلقة في معاييرها الخاصة، تحدثت بريسيلا دون أدنى تردد وهي تلقي نظرة متفحصة على القاعة.  

توقف هاينكل عن حديثه، وكأنما ليشحذ شفرة كلماته بالمزيد من السم. ثم استأنف قائلاً:  

كانت حاسمة في نهجها، إذ لم تترك خيارات سوى أمرين: إما الخضوع والطاعة أو مواجهتها بإرادة حديدية. لا وجود لأي بديل ثالث.  

«أشعر وكأنني أشاهد شيئًا لم يكن ينبغي لي رؤيته… ولكن بما أن الأمر كذلك… إر؟»  

 

«… إذًا، لماذا أحضرتِ ذلك العجوز معكِ؟»  

⁧‹⁩«»  

 

 

«على أي حال، تأكد من أنك لا تؤثر سلبًا على بيكو؛ لأن ذلك قد ينعكس على تطورها. لكنني أفهم أنك كنت تحاول جاهدًا من أجل المجموعة، رغم كل شيء.»  

أما المرشحون الأربعة الذين وقفوا في وجهها، فلم يترددوا في إظهار إرادتهم الخاصة.  

«آااه، لديَّ رهان مع راينهارد. سيطرح عليَّ أسئلة حول محتوى الكتاب، وسأجيب عليها. إذا لم أفُز بهذا الرهان، من المحتمل ألا أتمكن من رؤية إيليا في المرة القادمة عندما أحصل على إجازة…»  

 

رغم أن زاويتي عينيه كانتا منخفضتين في تعبير يوحي بالضيق وابتسامة متعبة تعلو وجهه، بدا المشهد طبيعيًا لدرجة أن سوبارو شعر براحة غريبة.  

استقبلت بريسيلا نظراتهم وهي تهز رأسها بارتياح عميق.  

 

 

«بريسيلاااا!»  

«جيد جدًا. انتصاري محتوم. لذا، أرغب في أن تكون الطريق مشتعلة ومليئة بالاضطرابات قدر الإمكان. أشعلوا نيراني، أنتم الذين تتحدونني—فتلك هي الأدوار التي كتب عليكم تأديتها.»  

—لو كان هناك من يراقبهما من بعيد، لما رأى سوى صديقين عاديين يتشاركان لحظة هادئة.

 

 

كانت هذه هي التصريحات الجريئة التي وجهتها بريسيلا إلى خصومها الأربعة، بعد مرور عام على بدء عملية الاختيار الملكي.  

«أترى؟ فيلت وراينهارد على وفاق تام.»  

 

 

وقد عكست كلماتها هذه حكمها على التغيرات التي طرأت خلال ذلك العام. كان هذا هو الاستنتاج الذي توصلت إليه بريسيلا بارييل بعينيها القرمزيتين، تلك التي تؤمن إيمانًا لا يتزعزع بأن العالم بأسره يتحرك وفقًا لراحتها الشخصية.  

 

 

 

«سأجعلك تندمين على هذا الغرور.»  

 

 

 

جاء إعلان الحرب المفاجئ من فيلت ليعبر عن موقف الجميع الحاضرين.  

«هل اكتفيتَ، أيها النائب؟ إن لم تكن لديك أمور أخرى، أعتقد أن من الأفضل للطرفين أن تغادر هذا المكان في أسرع وقت ممكن.»  

 

 

—حتى بعد أن هدأت الأجواء، بدا من المستحيل استعادة القاعة إلى حالتها السابقة.  

 

 

 

بعد أن وجهت فيلت كلماتها، غادرت بريسيلا قاعة الاستقبال بصحبة آل، وعلى وجهها تعبير راضٍ. كان هذا التعبير بالنسبة إلى بريسيلا يعني فرحة تحقيق أهدافها.  

ساد بينهما جو جديد، طغى على بقايا الحديث المحرج الذي دار قبل لحظات.  

 

 

وبالنظر إلى الضرر الذي ألحقته بسوبارو والآخرين، فقد بدت أفعالها أنانية إلى حد بعيد.  

نهض سوبارو على الفور، وقد اقترب من حدود تحمله.  

 

ومع تلاشي التوتر من عينيه وشفتيه، لم يكن هناك شك في أنه كان يبتسم.

وفي النهاية، تفرق الحضور الذين اجتمعوا لتناول وجبة، دون أي محاولة لاستئناف أحاديثهم الودية—ودون أن يتمكن راينهارد وفيلهلم من الوصول إلى مصالحة سلمية.  

 

 

كان الأمر غير معقول. كيف يمكن لشخص أن يكون قادرًا على فعل شيء كهذا؟ أيمكن أن يوجد إنسان يعيش بهذه الوقاحة؟  

«لحسن حظنا أن غارفيل لم يكن حاضرًا.»  

«يشرفني أنك تثني عليّ بهذه الطريقة، نائب القائد هاينكل… وبالمناسبة، ما الذي جاء بك إلى هنا؟ على حد علمي، كان من المفترض أن تكون مكلفًا بحراسة القصر الملكي في العاصمة.»  

 

 

كانت هذه كلمات أوتو الأخيرة أثناء مغادرته نحو شركة ميوز بمفرده.  

كانت هذه هي التصريحات الجريئة التي وجهتها بريسيلا إلى خصومها الأربعة، بعد مرور عام على بدء عملية الاختيار الملكي.  

 

 

لم يكن مخطئًا. لو كان غارفيل أو غيره من أصحاب الطباع الحادة موجودين، لكان الدمار أمرًا لا مفر منه. ولولا ذلك، لما نجا هاينكل بحياته.  

 

 

 

وبالطبع، لو كان قد لقي حتفه في النزاع المحتمل، لكانت سمعة قاتله وسيده قد هبطت إلى الحضيض.  

«تشيه، ليست كما تروّج الشائعات على الإطلاق…»  

 

 

«لا تخبرني أنها أحدثت هذه الفوضى عمدًا لتحقيق ذلك… لا بد أنني أفرط في التفكير، أليس كذلك؟»  

 

 

كما خططا الليلة الماضية عندما فُكَّت ضفائرها، أعطاها سوبارو موجة ناعمة لشعرها الفضي. كان أسلوب شعرها المعتاد لطيفًا، بالطبع، لكن للفتاة الجميلة امتياز خاص يسمح لها بتغيير لمسات جاذبيتها بين الحين والآخر.  

راودت ذهنه صورة مخيفة لعيون بريسيلا المتقدة التي ترى كل الاحتمالات بوضوح. شعر أنه إذا أنكر ذلك وأرجع كل ما حدث إلى مجرد مصادفة، فكأنه يعترف بأن نجاحها كان نتيجة حظها الجيد.  

بينما كان راينهارد يبتسم بلطف ويقدم تحية الصباح، رفع سوبارو يده ردًا عليه. أثارت ردة فعل راينهارد غضب فيلت، فأمسكت بياقته وبدأت تهز رأسه.  

 

اعتذر سوبارو عندما عادت ملامح ليليانا البهيجة إلى ذهنه، لكن أوتو كان منشغلًا جدًا بمعاناة تأثيرات صرخاته على رأسه المتألم ليهتم بالاعتذار. وبعد أن استمر في التأوه لبعض الوقت، أكمل أوتو حديثه ودموعه تملأ عينيه.  

«اهدأ، أيها الأحمق… في النهاية، أنا الوحيد الذي فقد أعصابه.»  

«نعم، هو معنا. هذا مستشارنا المحلي. حسنًا، إنه يشبه إلى حد كبير ما يمثله لاري بالنسبة لكِ.»  

 

بينما كان سوبارو يحملق في الأرضية بتجهم، جاءه صوت نبهه. رفع بصره ليجد يوليوس يراقبه من الحديقة. من دون أن يشعر، كان قد وصل إلى أطرافها.  

حين أعاد النظر في الأحداث التي وقعت في القاعة، أدرك سوبارو أن فقدانه للسيطرة على نفسه كان أمرًا مؤسفًا للغاية.  

كان سوبارو مستمعًا فقط، ومع ذلك بالكاد استطاع السيطرة على نفسه. لم يكن من الممكن أن يحافظ يوليوس على هدوئه وهو من يروي كل هذه الأمور. بالنسبة لشخص مثل يوليوس، الذي يسعى دائمًا إلى التحلي بالمنطق والعقلانية، بدا هذا التصرف غريبًا بشكل خاص.  

 

«—؟ لماذا يضحك السيد الأرستقراطي والجد؟ هل قلت شيئًا مضحكًا؟»  

حتى فيلت تصرفت بأسلوب منطقي، بينما كان سوبارو الأكثر اندفاعًا بين الجميع. لابد أنه تسبب بالكثير من القلق لإميليا وبياتريس كذلك.  

أخذت فيلت نظرة حائرة بينما شرح لها سوبارو النشاط الذي كان يؤديه هو وإميليا معًا. كان معسكر إميليا قد اجتمع في الحديقة ذلك الصباح خصيصًا من أجل أداء تمرينات الإذاعة.  

 

لم يعد أحد يوليه أي اهتمام. ربما كان ذلك لأن أنظارهم انجذبت بالكامل إلى الحرارة المشعة القادمة من وراء العتبة. ثم—  

سعيًا للتخفيف من اضطرابه الداخلي، أخذ سوبارو يتجول حول النزل محاولًا استعادة هدوئه قبل الخروج في النزهة المخطط لها مع إميليا والآخرين. 

«مَن هو لاري؟» 

 

 

«أصداء صرير الأرضية الخشبية بدت وكأنها تعكس الصرير الذي شعر به في قلبه. ومع كل خطوة ثقيلة كان يخطوها سوبارو، حاول استيعاب هذا الإزعاج الذي بدأ يسيطر عليه.  

 

 

 

‹«لا تُفرِغ غضبك على الأرضية، فإنها ستتسبب بمشاكل لعمال النُزل.»›  

استرخى سوبارو بإحباط، مستشعرًا الاحتقار الصريح والمهدِّد الموجه نحوه.  

 

 

بينما كان سوبارو يحملق في الأرضية بتجهم، جاءه صوت نبهه. رفع بصره ليجد يوليوس يراقبه من الحديقة. من دون أن يشعر، كان قد وصل إلى أطرافها.  

 

 

«همم؟»  

بملامحه الهادئة، وبيده التي لمست شعره البنفسجي الفوضوي قليلاً والذي داعبته نسمات منعشة، بدا المشهد أشبه بلوحة مرسومة.  

 

 

لم يعد أحد يوليه أي اهتمام. ربما كان ذلك لأن أنظارهم انجذبت بالكامل إلى الحرارة المشعة القادمة من وراء العتبة. ثم—  

‹«ألستَ برفقة السيدة إميليا والسيدة بياتريس؟»›  

 

 

 

‹«كما ترى، لا. كلتاهما ليستا طفلتين، وهما في سنٍ تحتاجان فيه إلى بعض الوقت الخاص بهما. حتى أنا لديّ الحس الكافي لأحترم ذلك. على أي حال، سنخرج في موعد لاحقًا.»›  

«بالإضافة إلى ذلك، وليس لأنني أحب الاعتراف بهذا، لكن إذا ناديتُه، سيصل خلال ثانية واحدة.»  

 

‹«إذا لم يعجبك الأمر، كان ينبغي عليك أن تغضب أيضًا. لأنني أنا فقط من غضب، تجاهلني تمامًا. لكن لو كنت قد تدخلت، ذلك الأب الخاص برينهارد كان سيهرب بذيله بين رجليه.»›  

‹«هناك عدة تعبيرات لم أسمع بها من قبل، ولكنني أظنني فهمت. يبدو أن حتى أنت تستطيع تعلم شيء من اللباقة.»›  

 

 

 

‹«آه، أنت…»›  

«حسنًا، الآن بعد أن انضم إلينا أوتو أيضًا، ما هي خططنا لهذا اليوم؟»  

 

فهم سوبارو السبب الذي جعل بقية الحاضرين من المعسكرات المختلفة يُصدمون من جرأة إميليا. بالنظر إلى تصرفاتها في اليوم السابق وحتى هذا الصباح، كان من الطبيعي أن يُفاجَؤوا بهذا التغيير الدرامي.  

رغم أن سوبارو كان سريعًا في إشعال فتيل الجدال، كان يوليوس من وجه الضربة الأولى التي أخرجت سوبارو عن طوره. لكن غضبه تبدد سريعًا حين لاحظ تعبير يوليوس.  

بينما كان سوبارو يحملق في الأرضية بتجهم، جاءه صوت نبهه. رفع بصره ليجد يوليوس يراقبه من الحديقة. من دون أن يشعر، كان قد وصل إلى أطرافها.  

 

 

كانت رموش يوليوس ترتجف، وكأنما يحاول كبح ندم ما.  

أدارت بيكو وجهها بعيدًا وهي تجلس على الشرفة، محدِّقة في سوبارو وإميليا.  

 

«همم. إذن ربما شرف النوم متكئًا على حضني، معانقًا لي؟»  

‹«أعتذر. لو كنت حقًا تفتقر إلى التعاطف والتفكير، لما كنت منزعجًا بهذا القدر عند حديثك مع نائب القائد في وقت سابق—بل، يجب عليّ شكرك.»›  

 

 

 

‹«كل ما فعلته كان أن فقدت أعصابي كالأحمق بينما كان الجميع يفكرون بعقلانية ويحافظون على هدوئهم.»›  

«ههه، لا بأس بذلك بالنسبة لي. إذًا لاتشينز، وغاستون، وكامبرلي هم لاري، وكيرلي، ومو بالنسبة لك؟ له وقع لطيف— ويتناسب معهم على نحو مفاجئ!»  

 

‹«لكنك لست تحت قيادته المباشرة الآن، وللتو، وصفته بالشخص الرمزي، أليس كذلك؟ كم أنت متصلب يا رجل؟ طوال الوقت الذي كنت تكرس فيه نفسك للفروسية، هل كنت تضع درعًا حول قلبك أيضًا؟»›  

‹«الأمر ليس كذلك. كان غضبك هو ما منح الآخرين القدرة على الحفاظ على رباطة جأشهم، وأنا لست استثناءً. تسرعك أدى غرضًا قيمًا.»›  

«—لن يكون ذلك ضروريًا، أيها العامي.»  

 

«لا تقل هذا. أنا لست شيطانة. لاحقًا، سأمنحك مكافأة تتمثل في السماح لك بلعق قدمي.»  

‹«أنت لا تحاول مدحي حقًا، أليس كذلك؟»›  

 

 

«حقًا؟ ظننت أن فيلت وراينهارد كانا على وفاق منذ البداية…»  

تجهم سوبارو أمام الكلمات التي أُغرِق بها.  

«أقصد ذلك الرجل لاتشينز الذي معكِ. إنهم معارف بسيطون بالنسبة لي، ولهذا أسمي الثلاثي بحب: لاري، وكيرلي، ومو.»  

 

مرة أخرى، ظهر أمام سوبارو ذلك الاسم الغامض، هوشين من الأراضي المهجورة. 

‹«فهمت. يجب أن أكون أكثر هدوءًا وأتذكر أن أتحكم في أعصابي. هذا ما يجب على الفارس أن يفعله، أليس كذلك؟ أدرك أنني لا أفكر بشكل بعيد المدى بما يكفي. فقد كُتب ذلك في كل تقرير مدرسي حصلت عليه في المرحلة الابتدائية.»›  

 

 

«كما هو متوقع منكِ، السيدة أناستازيا. مع ذلك، أفضِّل أن يكون وقت القلي أقل قليلًا. على الرغم من أنني أكره أن أُزيد عليكِ العناء…»  

توقف يوليوس فجأة عن الحديث. وحين أدرك سوبارو ما كان يفعله، اتسعت عيناه بدهشة.  

 

 

‹لا أعلم منذ متى تربطك به علاقة صداقة، لكني أفهم أنك قلق عليه. ولهذا من الطبيعي أن تشعر بالاستياء. لا أعتقد أن هناك أي خطأ في ذلك. بل لا أرى أن الانسحاب بأدب بحجة أن الأمر شؤون عائلية خاصة تصرّف صائب أيضًا.›  

‹«مهلاً، ما الذي تفعله؟»›  

 

 

 

‹«بالضبط ما يبدو عليه الأمر.»›  

 

 

«سوبارو، انظر! لقد قلبتُها بطريقة مثالية! أنا فخورة جدًا بها! تفضَّل وكُلها!» 

‹«حسنًا، من منظوري، يبدو وكأنك تنحني لي.»›  

 

 

بينما كانت دماء الغضب تغلي في عروق سوبارو، أوقفه أل بوضع يده اليمنى أمامه. كونه يملك ذراعًا واحدة فقط، لم يكن قادرًا على سحب سيفه بتلك الوضعية—وكان من الواضح أنه لا ينوي القتال.  

انخفض يوليوس على إحدى ركبتيه، منحنياً برأسه بوقار.  

«هذا لأنه لم يجد أي مكان مرتفع ليعوي منه. إررر، على أي حال، إنه في حالة حساسة الآن. لذا، إذا صادفته، كن لطيفًا معه، حسنًا؟»  

 

 

لم تكن هذه تحيةً فارسية، ولا عرفًا بين النبلاء. كان مجرد تصرف فردي نابع من نفسه.  

‹«لا تُفرِغ غضبك على الأرضية، فإنها ستتسبب بمشاكل لعمال النُزل.»›  

 

 

‹«لك مني خالص الشكر. أردت أن أشكرك على غضبك العادل في ذلك الموقف.»›  

مشيرًا إلى سوبارو بيده التي كان يحك بها رأسه، أمر الرجل كلًا من رينهارد والآخرين بصوت غير مكترث. لم يستطع سوبارو سوى تفسير كلماته المتعجرفة على أنها ازدراء للجميع.  

 

 

‹«…لا أفهم ما تعنيه.»›  

انخفض يوليوس على إحدى ركبتيه، منحنياً برأسه بوقار.  

 

«إن كنت تسأل ما إذا كان هذا العاميّ من أتباعي أم لا، فإن إجابتك صحيحة. نعم، هو كذلك. لقد استدعيتُه وأرسلته إلى هذا المكان.»  

‹«من يسعى إلى الفروسية عليه أن يلتزم بالسلوك الفارسي في جميع الظروف… لا يمكنه التصرف بعاطفية، حتى لو كان صديقه يتعرض للإهانة أو الإذلال. لكنك لم تكن مقيدًا بتلك القواعد.»›  

 

 

 

بينما كان رأسه لا يزال منحنياً، أضاف يوليوس كلمات شكر أخرى تجاه تهور سوبارو.  

 

 

 

ردة الفعل غير المتوقعة جعلت سوبارو يرمش عدة مرات، وأخيرًا—  

شعر سوبارو بالذهول. إحضار ضيف غير مدعو ليتسبب في تدمير فرصة تصالح الجد مع حفيده—فعلت بريسيلا ذلك لسبب مرعب يتمثل في التسلية البحتة.  

 

‹«لا يهمني ما حدث بعد ذلك! أتحدث عن فيلهلم هنا. ما رأيك؟ هل ما زال يحمل ضغينة بشأن زوجته، و…؟»›  

‹«إذًا، أنت تشكرني على غضبي نيابة عنك… يا رجل، هل أنت أحمق أم ماذا؟»›  

 

 

 

حين أطلق سوبارو هذه الكلمات الغاضبة رغم بقاء ضيقه قائمًا، رفع يوليوس رأسه متأثرًا بما قاله. 

عندما خطا يوليوس خطوة إلى الأمام ونطق بهذه الكلمات، انحبس أنفاس سوبارو وتوقف جسده عن الحركة.  

 

«ما الأمر، سوبارو؟ تبدو في مزاج جيد هذا الصباح. هل حدث شيء لطيف؟»  

تلقى يوليوس موجة غضب سوبارو بابتسامة ساخرة ترتسم على شفتيه، وكأنه يسخر من نفسه.  

 

 

«بالفعل تبدو جميلة. ولكنني لن أُهزم. هاها، شاهد هذا.»  

‹«غبي، تقول.»›  

‹«كل ما فعلته كان أن فقدت أعصابي كالأحمق بينما كان الجميع يفكرون بعقلانية ويحافظون على هدوئهم.»›  

 

 

‹«غبي ومزحة سيئة. لماذا كان عليّ أن أغضب بدلاً منك؟ أغضب على نفسي لأنني غضبت. لم أكن أحاول مواجهة ذلك الوجه الملتحي لأجل أحد غيري.»›  

 

 

 

كان سوبارو محبطًا حقًا من يوليوس، معتقدًا أنه فهم الأمور بشكل خاطئ تمامًا.  

 

 

 

فورة غضبه لم تكن شيئًا نبيلاً كما صورها يوليوس، فلم يكن سوى إحساس أناني نابع من افتراضاته الخاصة. كان سوبارو بالكاد يفهم المشاكل المحيطة بعائلة أستريا، ولهذا السبب فقط استشاط غضبًا دون أي اعتبار.  

 

 

قال فيلهلم ذات مرة إنه لم يتمكن من أن يكون مع زوجته وقت وفاتها.  

‹«إذا لم يعجبك الأمر، كان ينبغي عليك أن تغضب أيضًا. لأنني أنا فقط من غضب، تجاهلني تمامًا. لكن لو كنت قد تدخلت، ذلك الأب الخاص برينهارد كان سيهرب بذيله بين رجليه.»›  

 

 

 

‹«سواء كان رمزيًا أم لا، فهو نائب قائد فرسان الحرس الملكي. التصرف بوقاحة تجاه قائد مباشر أمر لا يمكن التغاضي عنه.»›  

 

 

 

‹«لكنك لست تحت قيادته المباشرة الآن، وللتو، وصفته بالشخص الرمزي، أليس كذلك؟ كم أنت متصلب يا رجل؟ طوال الوقت الذي كنت تكرس فيه نفسك للفروسية، هل كنت تضع درعًا حول قلبك أيضًا؟»›  

غارقة تمامًا في قصة بيكو المخيفة، بدت مخاوف إميليا مبالغًا فيها إلى حد كبير. ففي النهاية، إذا كانت بيكو قد ماتت، فمَن سيكون المخلوق اللطيف الذي يقف أمامهم؟  

 

 

أجبر سوبارو يوليوس على الصمت، بينما طوى ذراعيه ورفع وجهه نحو السماء بزفرة ساخطة.  

«جيد جدًا. انتصاري محتوم. لذا، أرغب في أن تكون الطريق مشتعلة ومليئة بالاضطرابات قدر الإمكان. أشعلوا نيراني، أنتم الذين تتحدونني—فتلك هي الأدوار التي كتب عليكم تأديتها.»  

 

«بث ميتيا…»  

كان جدالًا طفوليًا، ورغم أنه كان يتلقى الشكر، إلا أن سوبارو واصل انتقاده ليوليوس فقط لأنه لم يعجبه الأمر.  

‹«عندما استقلّ رينهارد، انتهى هذا السلوك. ومع ذلك، وقعت أمور كافية لتُبقي المملكة في قلق دائم. تحديدًا، هل يمكن أن يتكرر ذلك مرة أخرى؟»›  

 

لكن، النظرة المباشرة التي عادت إلى عينيه الزرقاوين، مثل بحيرة هادئة بلا أي تموج، جعلت سوبارو يلتقط أنفاسه دون وعي.  

‹«درع حول القلب، تقول…؟ هه، تلك العبارة تخترق القلب بعمق.»›  

«أُغغغ…»  

 

 

‹«بالنسبة لي، تبدو فكرة جميلة أن أقولها، لكن لا تفكر فيها كثيرًا. مجرد كلمات أحمق.»›  

«نعم. تلك المحاولات البائسة والمحرجة لرأب الصدع بين روابط أسرية معوجة… لم يكن بمقدوري الوقوف بهدوء والسماح لمشهد قبيح كهذا بالاستمرار. وبناءً على ذلك، قمت بتعديل السيناريو بما يروق لي أكثر. أليس عرضًا مذهلًا؟»  

 

«شولت، احمل هذا العامي وأخرجه من هنا. سيكون من المهدر التخلص منه الآن. اعتنِ بجروحه.»  

‹«لا، سأأخذها بعين الاعتبار. كان من الجيد أن أفكر أنني أنقذتُ بفضلك، فكرة لم أكن لأتخيلها قبل عام مضى.»›  

‹«عندما استقلّ رينهارد، انتهى هذا السلوك. ومع ذلك، وقعت أمور كافية لتُبقي المملكة في قلق دائم. تحديدًا، هل يمكن أن يتكرر ذلك مرة أخرى؟»›  

 

 

‹«للعلم، ما زلت أستيقظ على كوابيس عن ذلك أحيانًا.»›  

 

 

 

‹«همم… لو كان ذلك ممكنًا، كنت لأفضل تجنب موقف نتقابل فيه في أحلامك كل ليلة.»›  

 

 

«…حسنًا، هذا مقبول إلى حد ما. أكاد أشعر برغبة في تبديل مكاني معه الآن.»  

‹«وأنا أفضل بكثير أن أفعل هذا وذاك مع إيميليا-تشان بدلاً من ذلك! لا مكان لك في أحلامي!»›  

 

 

 

مع اختفاء الأجواء التقديرية التي كانت قبل قليل، عاد يوليوس إلى نبرته المعتادة وهو يمرر يده عبر شعره. شعر سوبارو بالاشمئزاز من نفسه لأنه ارتاح لهذا التغيير في الموقف، فقرر تغيير الموضوع قسرًا.  

 

 

 

‹«بالنسبة لذلك الملتحي… جادًا، نائب القائد هو والد رينهارد؟»›  

 

 

 

‹«لا أعتقد أن شكوكك غير متوقعة، لكنها الحقيقة. ذلك الشخص هو هاينكل أستريا، نائب قائد فرسان الحرس الملكي للوغونيكا.»›  

 

 

 

‹«وما السبب وراء ذلك؟ هل الموارد البشرية عمياء، أم لم يتساءل أحد عما إذا كان سيشكل مشكلة؟»›  

 

 

«لست طفلة، ووجوده حولي يعني أنني مضطرة للاستماع إلى انتقاداته المستمرة.» 

‹«كل الإجابات تكمن في ما سمعته بنفسك. بالطبع، ليس هناك نقص في المعترضين الذين يشككون في جدارة نائب القائد، سواء من القيادة أو داخل الحرس الملكي نفسه. في الواقع، تم تعيين منصب نائب القائد لأغراض شكلية. بالتأكيد، لم يشهد أحد قيامه بأي من واجباته فعليًا.»›  

 

 

 

أومأ يوليوس برأسه وهو يرد، بينما تخيل سوبارو صورة بيروقراطي رفيع المستوى يتقاعد ليشغل منصبًا مريحًا في القطاع الخاص. بدا هذا الوصف مناسبًا تمامًا لوضع هاينكل—منصب رفيع بأجر عالٍ دون الحاجة لبذل أي جهد حقيقي.  

 

 

بعد أن وجهت فيلت كلماتها، غادرت بريسيلا قاعة الاستقبال بصحبة آل، وعلى وجهها تعبير راضٍ. كان هذا التعبير بالنسبة إلى بريسيلا يعني فرحة تحقيق أهدافها.  

‹«لا تقل لي إنه استغل نفوذه كوالد للقديس المبارز ليحصل على هذا المنصب؟»›  

 

 

 

‹«…هذا جزء من الأمر، لكن السبب الأكبر لا يتعلق بنائب القائد بحد ذاته بل برينهارد… أو ربما أدق أن نقول بعائلة أستريا.»›  

 

 

«نعم، بالاسم فقط. أنا هاينكل، نائب القائد الكسول والمحتقر للحرس الملكي لمملكة لوغونيكا.»  

‹«عائلة أستريا… هل يشمل ذلك فيلهلم أيضًا؟»›  

«يشرفني أنك تثني عليّ بهذه الطريقة، نائب القائد هاينكل… وبالمناسبة، ما الذي جاء بك إلى هنا؟ على حد علمي، كان من المفترض أن تكون مكلفًا بحراسة القصر الملكي في العاصمة.»  

 

 

‹«حسنًا، ذلك الرجل هو ابن السيد فيلهلم، والرأس الحالي لعائلة أستريا. إنه أيضًا والد رينهارد. ماذا سيحدث للمملكة إذا تمرد مثل هذا الشخص بسبب معاملة غير لائقة؟»› 

تألقت أناستازيا وهي تدور في مكانها بفخر، عارضةً الملابس المصبوغة بالأزرق ببراعة. أضفى النقش الذي يمثل أوراق زهرة متساقطة لمسة ساحرة على التصميم، ما جعل سوبارو يدهش من قدرة الحرفيين في كاراراجي على إنتاج مثل هذا العمل الفني.  

 

ناداها أل بينما كانت ترمق سوبارو بنظرة قاسية. نبرة التوسل التي تخللت صوته دفعت بريسيلا لإغماض عينها وإطلاق تنهيدة خفيفة.  

بينما انطلق يوليوس في تقديم تفسير آخر، حاول أن يحافظ على ردوده خالية من أي عاطفة قدر الإمكان.  

«أولاً، نحن مقررون لزيارة شركة ميوز عند ساعة النار اليوم. سأكون ممتنًا لو تمكنت شركة حراشف التنين الأبيض من التوسط، لكن…»  

 

 

استمع سوبارو لكلماته وغرق في تفكير عميق لعدة ثوانٍ، قبل أن يصل فورًا إلى الجواب.  

وقد عكست كلماتها هذه حكمها على التغيرات التي طرأت خلال ذلك العام. كان هذا هو الاستنتاج الذي توصلت إليه بريسيلا بارييل بعينيها القرمزيتين، تلك التي تؤمن إيمانًا لا يتزعزع بأن العالم بأسره يتحرك وفقًا لراحتها الشخصية.  

 

 

السبب وراء المعاملة المميزة التي حظي بها هاينكل أستريا من المملكة كان:  

 

 

فورة غضبه لم تكن شيئًا نبيلاً كما صورها يوليوس، فلم يكن سوى إحساس أناني نابع من افتراضاته الخاصة. كان سوبارو بالكاد يفهم المشاكل المحيطة بعائلة أستريا، ولهذا السبب فقط استشاط غضبًا دون أي اعتبار.  

‹«لو تمرد هاينكل، فهذا يعني أن عائلة القديس المبارز ستصبح عدوة للمملكة. لذلك يتم التعامل معه على أنه شخصية مهمة للحفاظ على العلاقات الجيدة…؟ بعبارة أخرى، المملكة لا تثق برينهارد، أو حتى فيلهلم؟!»›  

 

 

«اهدأ يا سوبارو. لا تدع نفسك تنجر إلى وتيرة نائب القائد.»  

إذا كان الأمر كذلك، فلم يكن سوبارو يرى هذه المعاملة سوى إهانة كبيرة لكل من رينهارد وفيلهلم. كيف يمكن لأي شخص أن يظن أن شخصيتين مثل هاتين قد تخونان المملكة؟  

 

 

«يبدو أننا اجتمعنا جميعًا. هناك وجوه غائبة، ولكن مع ذلك…»  

‹«غضبك مبرر. ومع ذلك، يجب على القائمين على شؤون المملكة أن يأخذوا جميع الاحتمالات بعين الاعتبار.»›  

من الجانب، تابع سوبارو بتأثر تعابير رينهارد وهي تتغير وتتقلب وهو يصغي إلى كلمات جده المرهق.  

 

 

‹«وكأن ذلك ممكن أصلاً! لا يمكن لشيء كهذا أن يحدث…!»›  

 

 

 

‹«…السيد فيلهلم كان قائد فرسان الحرس الملكي السابق.»›  

 

 

المظهر المشبع بالخبث العميق للرجل طويل القامة كان يثير في نفس سوبارو شعورًا بالغثيان. 

عندما خطا يوليوس خطوة إلى الأمام ونطق بهذه الكلمات، انحبس أنفاس سوبارو وتوقف جسده عن الحركة.  

 

 

 

‹«قبل خمسة عشر عامًا، اختُطِف أحد أفراد العائلة المالكة من القصر الملكي. في ذلك الوقت، كان السيد فيلهلم مسؤولًا عن البحث عن الملكي المختطف كقائد لفرسان الحرس الملكي.»›  

 

 

 

‹«وماذا بعد؟ حتى أنا سمعت عن حادثة الاختطاف تلك.»›  

 

 

 

ملك مختطف—هل كان ذلك يعني فيلت؟ تلك الحادثة كانت الأساس وراء مشاركتها في اختيار الملكة. لماذا كان يوليوس ينبش تلك القصة العجيبة الآن؟  

 

 

«إذن، ما الذي أتى بك إلى هنا؟»  

‹«وأعرف أيضًا أن الطفل المختطف لم يُعثر عليه قط. ولكن ما شأن ذلك؟ هل يعني ذلك أن فيلهلم يحمل ضغينة تجاه المملكة لأنه اضطر لتحمل المسؤولية وترك الفروسية؟»›  

 

 

«إميليا؟»  

‹«الأمر ليس كذلك—ولكن ‘الحملة الكبرى’، التي هدفت إلى القضاء على الحوت الأبيض وشملت القديس المبارز السابق، جرت خلال الفترة التي كان فيها السيد فيلهلم غائبًا عن العاصمة للبحث.»›  

 

 

«هل هي جادة؟»  

تسببت كلمات يوليوس في أن يغرق عقل سوبارو في فراغ جديد. وفي ذلك الفراغ تسللت كلمات تذكرها سوبارو عن فيلهلم في وقت ما.  

 

 

«وصفها بالذريعة يجعل الأمر يبدو كما لو أنني أقوم بشيء سيئ.»  

قال فيلهلم ذات مرة إنه لم يتمكن من أن يكون مع زوجته وقت وفاتها.  

 

 

‹«من يسعى إلى الفروسية عليه أن يلتزم بالسلوك الفارسي في جميع الظروف… لا يمكنه التصرف بعاطفية، حتى لو كان صديقه يتعرض للإهانة أو الإذلال. لكنك لم تكن مقيدًا بتلك القواعد.»›  

‹«بسبب تلك الحادثة، لم يكن بجانبها عندما ماتت، لذلك يحمل ضغينة تجاه المسؤول؟»›  

 

 

رغم غضبها، لم تلجأ إميليا أبدًا إلى استعراض للقوة. قوتها الحقيقية كانت تكمن في روحها الثابتة، وليس في مخزونها الهائل من الطاقة السحرية.  

‹«لا أعلم النوايا الحقيقية للسيد فيلهلم. ومع ذلك، تبقى الحقائق أن البحث تم إلغاؤه، وأن الحملة الكبرى انتهت بالفشل، وأن السيد فيلهلم استقال من فرسان الحرس الملكي. الحرس الملكي لم يكن ليستعيد عافيته لولا الجهود المضنية التي بذلها القائد ماركوس.»›  

«لا تقل هذا. أنا لست شيطانة. لاحقًا، سأمنحك مكافأة تتمثل في السماح لك بلعق قدمي.»  

 

دايسوكيياكي— صدى هذا الاسم، الصحون الحديدية الكبيرة، والأطباق… أثناء تفحصه لكل ذلك، أدرك سوبارو حقيقة هذا التقليد الطهوي الذي كان أمامه—  

‹«لا يهمني ما حدث بعد ذلك! أتحدث عن فيلهلم هنا. ما رأيك؟ هل ما زال يحمل ضغينة بشأن زوجته، و…؟»›  

«هل يمكنكِ التوقف عن قول أشياء توحي وكأن هذا سيجعلني سعيدًا بالفعل؟! هذا سيسبب الكثير من سوء الفهم!»  

 

 

هل كان يوليوس يشك في أن فيلهلم قد يتمرد على المملكة؟  

 

 

—ولكن قبل أن يتمكن من التحرك، أمسك يوليوس بكتف سوبارو، مما أجبره على التوقف.  

هل كان يظن أن فيلهلم فان أستريا قد يكون شخصًا كهذا؟  

 

 

 

كيف يمكن أن يظن أحد أن رجلاً مثل فيلهلم، الذي كرس كل شيء من أجل حبه، قد يكون هكذا؟ أكانوا لا يرون ذلك في عينيه؟ في وقفته؟  

وفي النهاية، تفرق الحضور الذين اجتمعوا لتناول وجبة، دون أي محاولة لاستئناف أحاديثهم الودية—ودون أن يتمكن راينهارد وفيلهلم من الوصول إلى مصالحة سلمية.  

 

 

ولماذا يتعرض الأشخاص الذين يحبهم سوبارو لمثل هذه الأحكام المسبقة الجائرة؟  

‹«درع حول القلب، تقول…؟ هه، تلك العبارة تخترق القلب بعمق.»›  

 

«آآه؟»  

‹«لماذا لا يستطيع الجميع أن يدركوا أنه ليس كذلك…؟»›  

 

 

 

مطالبًا بإجابة بصوت مختنق، نظر سوبارو بغضب إلى يوليوس. وبينما تقبل يوليوس النظرة القاسية بثبات، بدا وكأن في عينيه شيئًا من الحسد وهو يرد النظرة.  

 

 

دون أن يدرك، قاطع سوبارو خطاب بريسيلا المغرور. وعندما التقطت أذناها همهمته، أمالت بريسيلا رأسها ونظرت مباشرة إلى سوبارو بعينيها الحمراوين.» 

كان سوبارو يعلم. كان يدرك جيدًا أن غضبه في غير محله، وأنه موجه للشخص الخطأ. 

«يا له من فتى صاخب. مهلاً، قديس السيف، أو يوليوس، أو حتى أرغيل—اقضوا على هذا الصعلوك الوقح.»  

 

 

في النهاية، لم يفعل يوليوس سوى أن يروي القصة بموضوعية بحتة. لم يكن في قلبه شك تجاه فيلهلم، ولم يكن واحدًا من أولئك الذين يشكّون به.  

وبتعبير مرير على وجهه الشاحب، تفحص أوتو الحديقة.  

 

 

فبعد كل شيء، قد شكر يوليوس فيلهلم بعد المعركة ضد الحوت الأبيض قبل عام.  

 

لقد أشاد بعزيمته لتحقيق أمنيته الكبرى التي سعى خلفها طيلة أربعة عشر عامًا.  

«هيه، لا تزعجي إيميليا-تان وبياتريس الصغيرة بهذا الشكل.» 

 

لم يظهر على بريسيلا أي إشارة توحي بأن ما قالته كان دعابة، ولا أي تلميح إلى سخرية أو تهكم. بمعنى آخر، كانت تقصد تمامًا ما قالت.  

‹«…أنا آسف. أنا حقًا أحمق.»›  

 

‹«كلا، لست مخطئًا. ما تقوله صحيح. أنا من أخطأ—وسأظل كذلك، بلا فرصة لتصحيح خطأي.»›  

«إذن ليس فقط الآنسة، بل حتى القزم الصغيرة أيضًا… آه، صحيح!»

 

صفقت أناستازيا بيديها، مستشهدةً بمقولة شائعة على ما يبدو، ثم أخذت مكانها. حذا سوبارو والبقية حذوها، متوزعين بحسب معسكراتهم على وسائد مربعة للاستراحة.  

أخفض كلاهما نظراتهما وأغمضا أعينهما، يتصارعان مع أفكار لا تُحتمل.  

 

 

 

بذور الشك حول نوايا فيلهلم الحقيقية ما زالت قائمة. لم تكن شيئًا يمكن حله بالكلمات أو الأفعال على الفور.  

 

 

 

‹«…وهل ينطبق هذا على رينهارد أيضًا؟»›  

 

 

‹«إذا لم يعجبك الأمر، كان ينبغي عليك أن تغضب أيضًا. لأنني أنا فقط من غضب، تجاهلني تمامًا. لكن لو كنت قد تدخلت، ذلك الأب الخاص برينهارد كان سيهرب بذيله بين رجليه.»›  

‹«الوضع مختلف في حالته—ففي وقت ما، كان رينهارد يطيع أوامر السيد هاينكل بلا تردد. لم يكن ذلك مجرد فترة عابرة يمكن وصفها بأنها علاقة والد وابنه فقط.»›  

 

 

رائحة خفيفة من الكحول فاحت من الرجل ذي الوجه المحمر بينما كان يمرر يده على لحية خفيفة تزين خده. ارتسمت على وجهه ابتسامة كريهة. يبدو أنه في الأربعينيات من عمره، قليلًا أو كثيرًا.  

تحاشى يوليوس النظر إلى سوبارو، متحدثًا بنبرة يعلوها الأسف.  

 

ولكنه، دون الخوض في التفاصيل، أخذ نفسًا عميقًا وأكمل تفسيره.  

 

 

‹«…هذا ليس كل شيء. لقد سمعت أنه في ذلك الوقت، كان اللورد هاينكل هو من أوصى بمشاركة السيدة تيريزيا، التي كانت قد وضعت سيفها جانبًا واعتزلت القتال، في الحملة الكبرى.»›  

‹«عندما استقلّ رينهارد، انتهى هذا السلوك. ومع ذلك، وقعت أمور كافية لتُبقي المملكة في قلق دائم. تحديدًا، هل يمكن أن يتكرر ذلك مرة أخرى؟»›  

ففي لحظة ما، كان قد ظهر سيف قُرمزي بديع في يد بريسيلا دون أن يلاحظه أحد، وسرعان ما اختفى بالسرعة نفسها التي ظهر بها.  

 

فبعد كل شيء، قد شكر يوليوس فيلهلم بعد المعركة ضد الحوت الأبيض قبل عام.  

‹«…لذلك، وللتأكد من أن هاينكل لن يُصدر أوامر جنونية لرينهارد، تحاول المملكة جاهدة إرضاء هاينكل بأي ثمن؟»›  

«معك حق. إذا أراد أن يُرفّه عن نفسه بمحادثات مسلية، لكان عليه الذهاب لمشاهدة مغنية الحكايات. القصص هناك أكثر فكاهةً وغرابةً.»  

 

 

‹«ربما الأمر أسوأ بكثير. في النهاية، هذا ليس سوى شائعات، ولكنني سأبلغك بها رغم ذلك—أنت الذي أبدى استياءه بصفته صديقًا لرينهارد في هذا الموقف.»›  

 

 

 

بهذا التمهيد المقلق، ألقى يوليوس نظرة سريعة على محيطهما. وبعد أن تأكد من عدم وجود من قد يسمع، التفت إلى سوبارو مجددًا. ثم—  

«إن كنت تظن أنك ستتفوق عليّ بهذا العرض المتواضع، فلا يسعني سوى أن أتنهد على قلة بصيرتك المدهشة.»  

 

 

‹«يُشتبه في تورط نائب القائد في حادثة اختطاف العائلة الملكية قبل خمسة عشر عامًا.»›  

 

 

«حقًا؟ ظننت أن فيلت وراينهارد كانا على وفاق منذ البداية…»  

‹«—؟!»›  

‹«غضبك مبرر. ومع ذلك، يجب على القائمين على شؤون المملكة أن يأخذوا جميع الاحتمالات بعين الاعتبار.»›  

 

 

‹«لا توجد أدلة قاطعة. ولكن تبقى الشكوك قائمة حول عدد من الملابسات.»›  

«—!! ولماذا؟!»  

 

مشيرًا إلى سوبارو بيده التي كان يحك بها رأسه، أمر الرجل كلًا من رينهارد والآخرين بصوت غير مكترث. لم يستطع سوبارو سوى تفسير كلماته المتعجرفة على أنها ازدراء للجميع.  

‹«هل هذا ممكن أصلاً؟ أعني، أن يكون متورطًا في الاختطاف.»›  

«يمكننا مناقشة رأيك بي لاحقًا، ولكنني لا أتحدث عن ذلك الآن. لدي سؤال واحد فقط. ما الذي أتى بك إلى هنا؟»  

 

 

‹«سواء أكان صحيحًا أم لا، فإن الأمر ليس مهمًا. مجرد الشك في شخص يمكنه أن يسيطر على أقوى محارب في المملكة كما يشاء يُعد مشكلة بحد ذاته.»›  

 

 

‹«بالنسبة لذلك الملتحي… جادًا، نائب القائد هو والد رينهارد؟»›  

حمل لقب القديس المبارز شرفًا عظيمًا—ولكن مع كشف هذه الملابسات، شعر سوبارو وكأنه أشبه بلعنة منه بشرف.  

 

 

 

‹«أعني، إذا كان ذلك صحيحًا، فهذا يعني أن هاينكل هو السبب في أن فيلهلم لم يتمكن من أن يكون بجانب زوجته عندما ماتت.»›  

لم يظهر على بريسيلا أي إشارة توحي بأن ما قالته كان دعابة، ولا أي تلميح إلى سخرية أو تهكم. بمعنى آخر، كانت تقصد تمامًا ما قالت.  

 

«سأضطر إلى تقبُّل ذلك بكل ما يستحقه من جدية… بيكو، ما بالك هذا الصباح، تبدين متجهمة هكذا؟» 

‹«…هذا ليس كل شيء. لقد سمعت أنه في ذلك الوقت، كان اللورد هاينكل هو من أوصى بمشاركة السيدة تيريزيا، التي كانت قد وضعت سيفها جانبًا واعتزلت القتال، في الحملة الكبرى.»›  

 

 

 

‹«لقد ألقى بوالدته على خط المواجهة ضد تلك الوحوش الشيطانية؟!»›  

 

 

«كم أنت وقح، آل. بأي إذن تجرؤ على لمس جلدي الذي يشبه الجواهر؟ تصرفاتك شأنك الخاص، سواء بسبب نقص في الاهتمام النسائي أو رغباتك المكبوتة، لكن لا تحلم أبدًا أن تنجح في تدنيسي بهذه الطريقة.»  

‹«لدينا سجلات تعود إلى تلك الفترة. نائب القائد رفض الانضمام إلى الحملة الكبرى، ورشح السيدة تيريزيا للمعركة بدلاً منه.»›  

وحين رأت رينهارد وفيلهلم يتألمان، أثار ذلك غضبها.  

 

تركت هذه التوضيحات يوليوس كروش وفيريس متأثرين، وكان سوبارو يشاركهم نفس الشعور. كانت هذه المرة الأولى التي يسمع فيها عن استخدام ميتيا بهذه الطريقة العملية والمهمة كجزء من بنية تحتية للمدينة. بالنسبة له، لم يكن هناك أي سابقة تذكر لاستخدام الميتيا لأغراض عملية. حتى “مرايا المحادثة” بالكاد تُعتبر مفيدة، وكانت تلك الأخرى غالبًا مملوكة لطائفة الساحرة، ما أعطاها انطباعًا سيئًا.  

كلما عرف سوبارو المزيد عن هذه الحادثة، كلما ازداد شعوره بالذهول.  

 

 

 

لقد أرسل هاينكل والدته لتحل محله في ميدان المعركة. وهناك، قُتلت والدته في القتال. ولحماية نفسه من انتقام والده، الذي لم يستطع أن يكون بجانبها عند وفاتها، استخدم هاينكل موهبة ابنه كدرع، وقضى أيامه مستمتعًا بالراحة والخمول.  

 

 

جلس معسكر فيلت مباشرة مقابل سوبارو، مما أتاح له مشاهدة مباشرة لمهارة راينهارد، الذي أعدَّ أطباق دايسوكياكي فائقة الجودة بمهارة مذهلة، لتختفي تلك الأطباق سريعًا في معدة فيلت. لقد تجاوز عدد الأطباق التي تناولتها الخمسة، مما أثار دهشة سوبارو حول كيفية استيعاب جسدها الصغير لكل هذا الطعام.  

كان الأمر غير معقول. كيف يمكن لشخص أن يكون قادرًا على فعل شيء كهذا؟ أيمكن أن يوجد إنسان يعيش بهذه الوقاحة؟  

 

 

كان جدالًا طفوليًا، ورغم أنه كان يتلقى الشكر، إلا أن سوبارو واصل انتقاده ليوليوس فقط لأنه لم يعجبه الأمر.  

لم يكن ذلك لأن سوبارو أراد أن يُثبت إنسانية هاينكل، بل لأنه لم يستطع تقبل مجرد احتمال وجود شخص قادر على العيش بهذا الشكل المعيب.  

ومع تلاشي التوتر من عينيه وشفتيه، لم يكن هناك شك في أنه كان يبتسم.

 

 

‹«…أنا آسف. لم يكن ينبغي لي التحدث عن أمور كهذه وأنت لست مستعدًا نفسيًا لها.»›  

 

 

«أعتقد أن طاهيكِ يمكنه إعداد “دايسوكياكي” بمستوى طهاة القصر، إن لم يكن أفضل. على الرغم من أنني لا أعرف ما إذا كان طهاة القصر فعلاً يطهون هذا النوع من الطعام…»  

اعتذر يوليوس بصوت حزين عندما لاحظ مدى صدمة سوبارو وعجزه عن الكلام.  

«آه، إنه هو بالتأكيد.»  

 

الصوت الذي قاطع كان فائق الجمال، ممتلئًا بغطرسة من اعتاد أن ينظر إلى الجميع بازدراء.  

كان سوبارو مستمعًا فقط، ومع ذلك بالكاد استطاع السيطرة على نفسه. لم يكن من الممكن أن يحافظ يوليوس على هدوئه وهو من يروي كل هذه الأمور. بالنسبة لشخص مثل يوليوس، الذي يسعى دائمًا إلى التحلي بالمنطق والعقلانية، بدا هذا التصرف غريبًا بشكل خاص.  

 

 

 

‹«…الأمر ليس ذنبك. أنا من دفعك لقول هذا.»›  

‹«…أنا آسف. أنا حقًا أحمق.»›  

 

‹«…الأمر ليس ذنبك. أنا من دفعك لقول هذا.»›  

‹«هذا ليس تصرفًا يُحمد عليه. أن تتحدث عن عائلة شخص آخر بمزيج من الشائعات والتحيز أمر في غاية الوقاحة؛ إنها أفعال يجب أن يخجل منها أي فارس.»›

 

 

 

«ولكنك في النهاية حرصت على إتمام الأمر، أليس كذلك؟ لأنك صديق راينهارد.»  

 

هزّ سوبارو رأسه نافيًا حينما بدأ يوليوس في لوم نفسه.  

 

‹لا أعلم منذ متى تربطك به علاقة صداقة، لكني أفهم أنك قلق عليه. ولهذا من الطبيعي أن تشعر بالاستياء. لا أعتقد أن هناك أي خطأ في ذلك. بل لا أرى أن الانسحاب بأدب بحجة أن الأمر شؤون عائلية خاصة تصرّف صائب أيضًا.›  

أخطأت بيكو فهم ما كان يشغل بال أوتو، ووضعت يديها على خصرها بتباهي واضح. طريقتها في تفويت النقطة كانت ساحرة للغاية؛ لذا قام سوبارو بمداعبة رأسها بحنان.  

 

 

بالنسبة لمن يعرف يوليوس، كان من السخف الشديد أن يُتهم بكونه متطفلًا غير مراعي للآخرين.  

 

كان سوبارو ناتسوكي يعرف جيدًا من هو يوليوس جوكوليوس. فما الفائدة من التشكيك في صداقة كهذه؟  

راودت ذهنه صورة مخيفة لعيون بريسيلا المتقدة التي ترى كل الاحتمالات بوضوح. شعر أنه إذا أنكر ذلك وأرجع كل ما حدث إلى مجرد مصادفة، فكأنه يعترف بأن نجاحها كان نتيجة حظها الجيد.  

 

 

‹أخبرتك من قبل، أليس كذلك؟ لا داعي لأن تبقى مهووسًا بكونك فارسًا حسن السلوك طوال الوقت. ربما عليك أن تتخلى عن هذا الدرع الثقيل لبعض الوقت، وتجرب أن تكون “يولي”. قد يساعدك ذلك على التعامل مع الكثير من الأمور بشكل أفضل.›  

 

 

 

كان “يولي” الاسم المستعار الذي استخدمه يوليوس حينما تعاون في ملاحقة طائفة الساحرة. نظرًا لوضعه، لم يكن بإمكانه أن يُرى وهو ينضم إلى مجموعة من المرتزقة، لذا لجأ إلى هذا الاسم في محاولة يائسة لإخفاء طبيعته الأنيقة. وفي النهاية، كان اسمًا عديم الفائدة لدرجة أن يوليوس نفسه نسي استخدامه أحيانًا، لكنه آنذاك سمح لنفسه بالخروج عن قواعد الفروسية الصارمة.  

 

 

 

«يولي؟ إنه اسم يثير الحنين. لم أتوقع أنك تتذكره.»  

«إيه؟ أليس من المفترض أن أذهب مع أوتو؟»  

‹إنها واحدة من تلك المفاجآت العابرة التي تُنسى بسرعة. أشعر بالفخر فقط لأنني تمكنت من تذكره.›  

ردود أفعال سوبارو وبياتريس، وضحكات إيميليا، تركت أوتو في حالة من الذهول. خلال هذا الوقت، استمر البث، وبالتأكيد، كان الصوت ينقل كلمات مألوفة بطريقة ما إلى كل أنحاء المدينة.  

 

انخفض يوليوس على إحدى ركبتيه، منحنياً برأسه بوقار.  

«…لكن حينما تطلب مني ألا أكون مقيّدًا بقواعد الفروسية، فإنك تقترح أمرًا عسيرًا. لا أظنك غافلًا عما يُطلقونه عليّ.»  

 

‹هذه السمعة التي تلازمك بلقب “الفارس الأمثل” هي السبب في تصلبك الدائم. عندما تدخل إلى الحمام وتتخلص من هذا الدرع، تأكد من أن تمارس بعض التمارين الإضافية قبل أن تعود لارتدائه مرة أخرى.›  

«لماذا… هو ما أود قوله، لكن سأحتفظ به لنفسي. حتى أنا أعلم أن المحادثات ستسير بسلاسة أكثر من دون وجودي هناك… لكن، إذًا، ما الفائدة من قدومي إلى بريستيلا؟»  

 

‹«…أنا آسف. أنا حقًا أحمق.»›  

في تلك اللحظة، انحنى سوبارو بفخر، ملامسًا كفيه الأرض ليُظهر مدى مرونة جسده التي اكتسبها خلال العام الماضي.  

 

«إن كنت تظن أنك ستتفوق عليّ بهذا العرض المتواضع، فلا يسعني سوى أن أتنهد على قلة بصيرتك المدهشة.»  

رفعت فيلت يدها لتحييهم وهي تخطو إلى الممر.  

‹ماذا—?!›  

 

 

 

بملاحظة سريعة، فتح يوليوس ساقيه، واحدة للأمام وأخرى للخلف، متخذًا وضعية رياضية مدهشة أمام سوبارو الذي كان يشعر بالزهو. أطال يوليوس وضعه بسهولة، حتى أنه جلس على الأرض دون أي صعوبة.  

 

كانت حركة مدهشة تجاوز بها هذا الرجل المتعجرف حدود سوبارو في كل جانب ممكن.  

«هاينكل…»  

 

 

‹حسنًا… على الأقل أنا ماهر في الغناء والعزف على العود!›  

 

«لا أرى مغزى للتباهي بمثل هذا الأمر، لكن لديّ بعض الإلمام بالموسيقى.»  

 

‹آه! هذه هي! حتى أنا أعرف أن تواضعك هذا يعني أنك بارع في الأمر! لن أنضم إلى فرقة معك! ستستولي على دور المغني الأساسي في لحظة!›  

بعد أن وجهت فيلت كلماتها، غادرت بريسيلا قاعة الاستقبال بصحبة آل، وعلى وجهها تعبير راضٍ. كان هذا التعبير بالنسبة إلى بريسيلا يعني فرحة تحقيق أهدافها.  

 

كان الأمر غير معقول. كيف يمكن لشخص أن يكون قادرًا على فعل شيء كهذا؟ أيمكن أن يوجد إنسان يعيش بهذه الوقاحة؟  

«—أفهم.»  

 

بينما كان سوبارو يواصل تذمره، أعاد يوليوس ساقيه إلى موضعهما الطبيعي ونهض بخفة. ومع زفرة قصيرة، رفع بصره نحو السماء مبتسمًا، ومرّر يده عبر خصلات شعره بخفة.  

كانت أسئلته حول هذه الأمور كثيرة كعدد النجوم في السماء، لكن ما أراد معرفته في تلك اللحظة كان ما هي البصمات التي تركها أول مَن استُدعي قبله بقرون وما الذي آل إليه مصيره. هذا كل شيء.  

«إذن، عندما ينظر يولي إلى السماء في وجه الرياح المنعشة، يكون هذا الشعور هو ما يعيشه.»  

 

‹ماذا—؟›  

مطالبًا بإجابة بصوت مختنق، نظر سوبارو بغضب إلى يوليوس. وبينما تقبل يوليوس النظرة القاسية بثبات، بدا وكأن في عينيه شيئًا من الحسد وهو يرد النظرة.  

«حين أتأمل، أجد أن السماء كانت دائمًا مختلفة حينها. أشعر أنني أستعيد شيئًا كنت قد نسيته.»  

«اهدأ يا سوبارو. لا تدع نفسك تنجر إلى وتيرة نائب القائد.»  

‹لا أفهمك. حقًا، أنت متغطرس لدرجة غير محتملة.›  

 

 

«إن كان الأمر كذلك، فما الذي ستفعلينه حيال ذلك؟ هل ستبكين على وسادتك وتنسحبين بلطف؟»  

بتجاهل مقصود للأجواء التي بدأت بالتشكل بينهما، جلس سوبارو على حافة الشرفة المرتفعة التي تحيط بالحديقة. أما يوليوس، فلم يرد سوى بابتسامة باهتة على إساءة سوبارو، وهو يغمض عينيه نصف إغماضة وكأنه يتأمل أشعة الشمس المتلألئة.  

 

 

أخطأت بيكو فهم ما كان يشغل بال أوتو، ووضعت يديها على خصرها بتباهي واضح. طريقتها في تفويت النقطة كانت ساحرة للغاية؛ لذا قام سوبارو بمداعبة رأسها بحنان.  

ساد بينهما جو جديد، طغى على بقايا الحديث المحرج الذي دار قبل لحظات.  

 

بالطبع، لم ينسَ سوبارو ما ناقشاه، ولم يتبدد الثقل الذي بقي مستقرًا في أعماقه. ومع ذلك، أظهر قدرًا من المرونة كي لا يدع الأمر يثقل كاهلهما معًا.  

 

 

«لا تضحكني. أنت من بدأ القتال. أنا فقط أقبل التحدي.»  

—لو كان هناك من يراقبهما من بعيد، لما رأى سوى صديقين عاديين يتشاركان لحظة هادئة.

الهوة العميقة التي انفتحت بين الجد وحفيده على مدى سنوات طويلة قد تستغرق وقتًا مماثلًا لردمها. ومع ذلك، الآن بعد أن تم بناء جسر بينهما، لم يبق سوى ملئه بالتفاهم والقبول.  

 

تقاطعت نظراتهما في تلك اللحظة، حيث لاحظ ويلهيلم وجود سوبارو. التقط الأخير أنفاسه بصعوبة عندما بادر ويلهيلم بتحية صامتة عبر عينيه.  

 

«بالمناسبة، لم تكن موجودًا لتناول العشاء البارحة أيضًا، فما الذي كنت تفعله؟»  

////

مالت فيلت رأسها في حيرة عندما بدت إميليا وكأنها تشعر بفخر غريب تجاه تصرفات سوبارو.  

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

‹لا أعلم منذ متى تربطك به علاقة صداقة، لكني أفهم أنك قلق عليه. ولهذا من الطبيعي أن تشعر بالاستياء. لا أعتقد أن هناك أي خطأ في ذلك. بل لا أرى أن الانسحاب بأدب بحجة أن الأمر شؤون عائلية خاصة تصرّف صائب أيضًا.›  

بعد أن أوضح حجته لإميليا، أضاف أوتو: «مع ذلك…» ووجه نظرة مريبة نحو سوبارو قبل أن يكمل: «لا أعلم ما الذي يخطط له السيد ناتسوكي بذريعة كهذه.»  

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط