《١》
—ظلام دامس، حالك، سحيق، ممتد، ثقيل، مرير…
«……»
خيم سواد خانق أشبه بتجسيد لكل شرور هذا العالم، يغمر جسده بالكامل، يلتصق به بلا رحمة، وكأنه لن يسمح له بالتحرر أبدًا. وجهه، صدره، أطرافه— كل شبر من جلده تشرب السواد الحالك، يتغلغل في عروقه كأنه كائن متعطش ينهل من دمه بلا شبع. شيئًا فشيئًا، لم يعد قادرًا على التمييز بين جسده وهذا الظلام الذي يحيط به.
لكن الضياع لم يقتصر على الجسد وحده.
«……»
بل امتد ليطال كيانه ذاته، بل ربما روحه نفسها.
فبعد أن تلاشت ماهيته وتاه في هذا السواد الدامس لأمد لا يعلمه، وجد أخيرًا بقايا شذرات من نفسه بين أنامله. كان ذلك الشعور غامضًا، مشوبًا بالريبة والضياع، وكأن الكراهية والاضطراب المتأججين داخله يمنعانه من الإمساك بهذه الشذرات.
«……»
هل هذا ما كان يبحث عنه طوال هذا الوقت؟
هل ستكون هذه اللحظة بداية لذات مختلفة تمامًا؟
فكرة غريبة، لكنها ليست مستحيلة. فقد مر بأحداث تفوق الخيال صدمةً واستحالة، وأضاع من الزمن ما لا يُحصى وهو يحاول استيعاب ما يحدث له، وقبول المحن التي اعترضت طريقه. فكم من الوقت أُهدر قبل أن يبدأ بالسعي لمعرفة ما يكمن وراء كل ذلك؟
كانت الإجابات على تلك الأسئلة هي ما جعله يشعر بقلقٍ عميق.
هل هذا هو الخيار الصحيح؟ هل هذا هو المكان الصحيح؟
هل هذا هو الشخص الذي يريد أن يكونه؟ ذاك الذي يُمنح الثقة، والمغفرة، والقبول؟
«أنا… أحبك.»
تلاشى ذلك القلق المجهول تمامًا مع خفوت ذلك الصوت الهاديء الموجه إليه، ليندفع نحو النور الأبيض، المضيء، السامي، الطاهر، العذب…
تلك الروح… ناتسكي سوبارو…
《٢》
راح وعي سوبارو يتسلل ببطء من أعماق سبات عميق وهادئ.
«آه…»
خرجت من شفتيه أنة خافتة، بالكاد مسموعة.
كانت صوته، رغم أنها كانت مبحوحة، واهنة، خاوية من الحياة. لكنها كانت بلا شك صوته هو. وعلى الأقل، كان متأكدًا من أنه لم يولد من جديد ككائن مجهري بلا صوت.
يُحسب له ذلك خطوة إلى الأمام. أما الخطوة التالية، فكانت التحقق مما إذا كان لا يزال هو ذاته، أم أنه أصبح كائنًا بقيم مغايرة تمامًا—
«سوبارو؟ هل أنت مستيقظ؟»
«……»
رنَّ في أذنيه صوت ناعم فضي النغمة.
نقي وعذب، لطيف لكنه ثابت، مبهج وساحر.
إنه الصوت ذاته الذي سمعه في أسوأ الظروف الممكنة…
سماع ذلك الصوت مجددًا جعل قلبه يقفز. انقبض صدره، وخفق قلبه بعنف وهو يلتفت ببطء.
«……»
كان في انتظاره زوج من العينين البنفسجيتين المليئتين بالقلق.
«إميليا…؟»
«أجل. هل أنتَ بخير، سوبارو؟ هل تستطيع الجلوس؟ هل يمكنك التحدث؟»
«أههه…»
عندما نطق اسمها بصوت ضعيف، أمالت صاحبة العينين البنفسجيتين رأسها قليلًا، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة. انسدلت خصلات شعرها الفضي الطويل فوق كتفيها الناصعتين، متألقة كأشعة القمر، في مشهد أَسَرَ قلب سوبارو تمامًا.
— فتاة من عالم آخر تمامًا، تقف أمامه الآن.
«أغه… آه…»
في اللحظة التي راوده فيها هذا الخاطر، تدفق الدم إلى وجهه، واحمرت وجنتاه على الفور، فالتاثت عيناه، وضاعت الكلمات منه. كان الخفقان في أذنيه مدويًا حتى كاد يؤلمه. وفي النهاية، بدأ يتمتم بكلام غير مترابط.
«آواواواوا…»
«آواوا…؟»
عندما رأت إميليا ارتباكه الشديد، عقدت حاجبيها الجميلين بقلق.
حتى هذه الحركة البسيطة كانت كفيلة بإدهاشه. وكأن أعظم فنان في العصر أطلعه على تحفة فنية ثانية، وهو يحدق فيها عن قرب شديد، حتى إنه يكاد يشعر بأنفاسها. وبرغم الألم الذي يعتصر صدره، استمر نبضه في التصاعد بلا هوادة.
«……»
ما هذا؟ ماذا يحدث لي؟
هل أيٌّ من هذا حقيقي؟ أم أنه مجرد وهم جنوني لكنه مقنع؟
كما أن السراب في الصحراء دائمًا ما يكون واحة… مجرد انعكاس لأكثر ما يتمناه المرء في تلك اللحظة، أليس كذلك؟ إن كانت هذه هي القاعدة، فهل هذا أيضًا مجرد سراب؟ ياله من سراب مترف…
«أ-أنتَ بخير، سوبارو؟ أظن أن هناك خطبًا ما. لقد تعرضت لسقوط قوي.»
«هيآه!»
«أرأيت؟ لقد أصدرتَ صوتًا غريبًا!»
كان سوبارو في حالة يُرثى لها. فما إن لمست إميليا جبهته بيدها، حتى انتفض جسده بالكامل. حدقت فيه بعينين متألقتين، مقتنعة تمامًا بأن شيئًا ما ليس على ما يرام.
لكن حقيقة أنه شعر بيدها على جبينه نسفت نظريته حول كونها مجرد سراب، مما جعله يشعر كأنه عالم قديم ما زال يؤمن بمركزية الأرض.
الأهم من ذلك كله… أنها كانت حقيقية.
إميليا هذه موجودة فعلًا. وإن كانت حقيقية وتناديه باسم سوبارو، فهذا يعني أنه هو ناتسكي سوبارو حقًا.
وطبعًا—
«—لا تتجاهل بيتي. إميليا ليست الوحيدة التي كانت قلقة عليك، كما تعلم.»
عندما سمع صوتًا طفوليًا متذمرًا، التفت ليجد فتاة صغيرة وقد انتفخت وجنتاها في دلال.
«بياتريس…»
«ما هذا الصوت الباهت مجددًا…؟ ثم إن نظرتك توحي وكأنك غير مصدق أن بيتي الصغيرة الظريفة هنا، اتساءل.»
نضحت كلماتها بالانزعاج، لكن نظرتها فاضت بالقلق والارتياح معًا.
الارتياح لأن سوبارو استعاد وعيه، والقلق لأنه فقده في المقام الأول.
تسارعت دقات قلبه لهذه المشاعر التي شعر بها بوضوح.
وهكذا—
«—نغااااه؟!»
بينما رمقته بنظرة باردة، أمسك بها سوبارو فجأة وسحبها إلى أحضانه بقوة.
خفيفة… كانت خفيفة جدًا.
لم تستطع بياتريس المقاومة أمام هذه الحركة المباغتة، واتسعت عيناها في ارتباك وهي مأسورة بين ذراعيه. جالسًا على الفراش الأخضر المنسوج من الكروم، أيقن سوبارو بجسده وروحه أنها كانت حقيقية.
«بياتريس! بياتريس! بياتريــــــس!»
«مـ-مـ-مـ-ماذا تفعل؟! ماذا حدث؟! هذا مفاجئ جدًا!»
«أنتِ… وجهكِ يبعث السكينة في القلب! رؤية ملامحكِ اللطيفة تمنحني شعورًا كالعودة إلى الوطن… آه، كم هو شعور رائع!»
«أتمنى ألا تكون هذه طريقتك البائسة في الإطراء!»
بدا سوبارو في قمة الجدية، مما جعل بياتريس تحمر خجلًا، بينما قبضت على وجهه الصغير بيديها، تعتصر وجنتيه وأذنيه بلطف، في حركة آلمته قليلًا، لكنها أكدت له أن بياتريس أيضًا كانت حقيقية.
«مغغ! كفَّ عن العبث هكذا فور استيقاظك، سوبارو! لا نزال حتى الآن لا نعرف سبب انهيارك…»
وإذ رأت إميليا كيف احتضن بياتريس وداعبها، شعرت للحظة بأنها مستبعدة.
لكنها سرعان ما تماسكت، وظل القلق على حاله يعلو ملامحها. مدت يدها قليلًا لتلمس كتفه، ثم توقفت في منتصف الطريق.
«…سوبارو؟»
لم يكن في صوتها غضب، بل قلق متزايد. غير أن التوتر الخفيف فيه تلاشى سريعًا، وحلَّ مكانه الخوف الخالص. اتسعت عيناها في صدمة وهي تحدق في كتف سوبارو المرتجف بخفة.
«…أه… نغ…»
«سوبارو؟ سوبارو، ماذا هناك؟ بيتي هنا. لا بأس، لا بأس، سوبارو… لا داعي للبكاء.»
عندما أدركت أن صوته انقطع في حلقه وأنه ينتحب، اختفت الحيرة من وجه بياتريس، وراحت تلامس وجنته المبللة بلطف.
قبض على يدها الصغيرة بقوة، وجسده يرتجف في صمت.
استوعبت بياتريس على الفور أن هذا الارتجاف ليس إلا تعبيرًا عن القلق والخوف العميق الذي يعتمل بداخله. وكأنها تخبره: لا تبكِ، لست وحدك، كل شيء سيكون بخير.
«لا تبكِ، سوبارو. لا داعي للعجلة. خذ نفسًا عميقًا… بهدوء… بياتريس وأنا هنا معك.»
وكما فعلت بياتريس، أرادت إميليا أن تمنحه بعض السكينة. اليد التي ترددت في لمسه من قبل، استقرت الآن على كتفه برفق، وصوتها حمل إحساسًا عميقًا بالاحترام تجاه ناتسكي سوبارو.
«……»
لم يتغيرا. كانا كما هما تمامًا.
هاتان الفتاتان أظهرتا شجاعة لا تُصدق في مواجهة الموت المحتم، في عالمٍ ينهار من حولهما. عندما ضاع كل شيء وأصبح الأمل مجرد وهم، فضَّلتا سوبارو على نفسيهما. إميليا وبياتريس… لم تتغيرا.
عقد آماله على ذلك، وحين تأكد من بقائهما كما هما، أقسم هذه المرة أن يفعل كل شيء كما يجب. هذه المرة، سيستعيد كل ما فقده… بصفته «ناتسكي سوبارو».
«لقد عدت…»
وهو لا يزال يئن بين شهقاته، محطَّمًا، في حالة يُرثى لها من الضعف والخزي…
… بدأ ناتسكي سوبارو حلقة جديدة.
《٣》
«ببساطة، فقدتُ ذاكرتي داخل أرشيف تيجيتا. قد أواجه صعوبة في التواصل مع الجميع، وربما يصبح الأمر مزعجًا، لكن آمل أن تتفهموا موقفي.»
قال سوبارو ذلك وهو يخفض رأسه بأدب، بعد أن اجتمع الجميع لتناول الإفطار.
كانت ردود الأفعال على إعلانه المدوي -بل ربما من الأدق وصفه بأنه تفجير مفاجئ من الحقائق- متباينة، لكن الارتباك والفوضى كانا الأبرز. بدا أن الصدمة والحزن سيأتيان لاحقًا.
«أنا واثقة أن الجميع قلقون على سوبارو، لكن علينا التماسك، فهو مَن يعاني أكثر من أي أحد آخر…»
وقفت إميليا بجواره، يعتريها القلق، لكنها تحدثت بنبرة مشجعة.
حين سمعا عن فقدانه للذاكرة، اضطربت إيميليا وبياتريس في البداية، إلا أنهما صدقتاه في النهاية. وبعد استيقاظه وسط اضطرابه في الغرفة الخضراء، أخبرهما بالحقيقة مباشرة، وطلب منهما دعمه في هذا الاجتماع.
في المرة السابقة، كانت تجربته مروِّعة. أما الآن، فقد انطلق ناتسكي سوبارو في مسار جديد تمامًا.
لقد عقد العزم على أن يبدأ حياته من جديد في هذا العالم الآخر— أو هكذا أراد أن يصف الأمر، لكن الواقع ليس بهذه المثالية. اتخاذ القرار بحد ذاته كان جيدًا، لكنه لم ينسَ أنه كان من الممكن أن تنتهي حياته تمامًا مع موته الأخير.
ومع ذلك، لم يستطع منع نفسه من الشعور بالامتنان والراحة لأنه حصل على فرصة أخرى؛ لأنه عاد من الموت مجددًا. لكنه لم ينوي الاتكال على ذلك وحسب.
لقد امتلك قدرة عظيمة، لكن محفزها -الموت- كان عذابًا يفوق الوصف. وإذا كان ثمن التلاعب بالمصير هو هذا العذاب، فقد بدا له أمرًا منطقيًا. القدرات العظيمة تتطلب أثمانًا عظيمة، وليس لديه شك في أن قدرته لا تشذ عن هذه القاعدة.
بل إن احتمال كون هذه القدرة محدودة بعدد معين من المرات، أو أنها تتطلب تضحية ثمينة مقابل كل محاولة، ليس مستبعدًا. عليه أن يكون حذرًا من الإفراط في استخدامها.
وحين بلغ تفكيره هذا الحد—
«مهلًا… هل يمكن أن يكون فقداني للذاكرة هو الثمن الذي دفعته للعودة من الموت؟»
«هل تستمع إليَّ، باروسو؟»
جذبته نبرة رام الحادة إلى الواقع مجددًا. نظرت إليه بعينيها الزهريتين، وقد عقدت ذراعيها أمام صدرها.
«رغم ما قالته السيدة إميليا، لا يبدو أن سوبارو قلق على نفسه إطلاقًا… ما هذه المهزلة، باروسو؟»
«الأمر ليس مزحة. كل ما في الأمر أنني كنتُ صريحًا بشأن مخاوفي وقلت الحقيقة. مجرد تخيُّل المصائب التي قد تحل إن قررتُ التكتُّم على الأمر بعناد كافٍ لتحطيم قلبي.»
تصلبت نظرة رام، ثم أطلقت تنهيدة مستاءة:
«كلماتك متقنة، لكن هل تعتقد أننا سنصدقك فقط لأنك تفوهت بجملة ذكية كهذه—؟»
إلا أن الصوت الذي أوقف احتجاجها الحانق ليس سوى صوت بياتريس، التي جلست بجوار سوبارو برشاقة، وقالت وهي تشير إليه بنبرة واثقة:
«ليس هناك سبب يدعو سوبارو لاختلاق مثل هذه الأكاذيب السمجة. عليكِ أن تدركي ذلك، أليس كذلك؟»
لطالما كانت بياتريس حليفة سوبارو، والآن، كانت تدافع عنه بلا تردد.
«ثم إن إميليا لا تكذب. سوبارو فقد ذاكرته بالفعل، وهو أكثر من يعاني من ذلك. لهذا بكى مثل طفل صغير.»
«إثارة هذا الموضوع الآن… محرج بعض الشيء.»
حكَّ سوبارو وجنته بإحراج، مكتفيًا بترك الأمر عند هذا الحد.
في الحقيقة، كانت دموعه مزيجًا معقدًا من المشاعر. العودة إلى الحياة، رؤية الجميع مجددًا، إدراك أنه حصل على فرصة أخرى…
لكن في النهاية، الدموع هي الدموع. ولا يليق أن يُحقق أحد في أسباب بكاء رجل.
كان ممتنًا لبياتريس، ممتنًا لدعمها الدائم.
وعندما تذكر ارتياحها العابر وتعليقها عن إخراجها من هناك، شعر بألم يعتصر صدره، كما لو أن سلسلة ضُيِّقت حول قلبه.
ماذا فعل ذلك ال«ناتسكي سوبارو» ببياتريس؟
شعر بالذنب لأنه استند إلى ثقتها، رغم أنه لم يعلم حقًا تفاصيل العلاقة التي جمعتهما. كان عليه ألَّا يعتبر ثقتها أمرًا مسلمًا به.
«بصراحة، اللجوء إلى حجة ”ليس لديَّ سبب للكذب“ لإسكات الشكوك ليس مثاليًا، لكنني سأطلب منكم تحمُّلي.»
«إذا كنت تقول ذلك…»
«والآن، فلنحاول التحدث بطريقة أكثر جدوى. لحسن الحظ، أشعر هذه المرة بالتفاؤل. سأكون سعيدًا بأي نقاش يساعدنا على التقدم… وإذا كان لدى أحدكم شيء ليقوله، فسأستمع.»
وبنى كلماته فوق ما قالته بياتريس، ثم خفض رأسه مرة أخرى. وإلى جواره، خفضت إميليا رأسها هي الأخرى.
«رجاءً، صدِّقوه.»
«……»
لم تستطع رام المجادلة حين اجتمع الثلاثة على هذا النحو. وهكذا، بدأت تفكر بجدية في تبعات صدق ادعائه.
ليست رام الوحيدة التي أصابها الذهول باعتراف سوبارو. ردَّ فعلها كان الأكثر وضوحًا، لكن الآخرين -إيكيدنا، وجوليوس، وشاولا- تفاعلوا بالطريقة نفسها التي فعلوها مرارًا من قبل.
ورغم أنه شعر بالأسف لأنه ألقى بهذه المعضلة مجددًا على عاتقهم، إلا أنه كان سعيدًا لرؤيتهم. استطاع التحدث مع الجميع، أولئك الذين كان ينبغي أن يكونوا قد فُقدوا إلى الأبد.
وفي خضم انفعالاته تلك، كان أكثر ما ركَّز عليه—
«—أنتَ مزعج حقًا، أيها السيِّد.»
«—غغ!»
«ما هذا التفاعل؟ تبدو وكأنك رأيت شبحًا. هذا ليس لطيفًا أبدًا.»
الفتاة التي تظاهرت بعدم التأثر باعترافه كانت قاتلة شابة، بشعر أزرق داكن مضفور، وثياب داكنة.
كانت ميلي بورتروت هناك، تتحرك وتتحدث.
«ميلي…»
«همم… إذًا تتذكر اسمي… في الواقع، لا أستطيع التمييز بين ما الذي يفترض أن يكون مختلفًا. ماذا نسيت بالضبط؟»
«… آه، آسف. الأمر أشبه بفقدان بعض الحلقات من مسلسل. يبدو أنني أستطيع تذكُّر الأسماء، لكن عندما يتعلق الأمر بالأحداث، تصبح الأمور ضبابية إلى حد ما.»
«… إذًا، ماذا عن… ما حدث البارحة؟» همست ميلي بصوت منخفض، وعيناها تضيقان بشيء من الترقب.
«صحيح.»
أجاب سوبارو فورًا.
كان بإمكانه التهرب بإجابة مختلقة، لكنه قرر خلاف ذلك. أراد أن يكون صادقًا معهم قدر الإمكان.
«—البارحة؟ هذا… لا، أعتقد أنه كذلك.» تمتم جوليوس.
ربما كان الأكثر صدمة من بين الحاضرين هما جوليوس وإيكيدنا. لقد قيل إن الثلاثة كانوا قد حضروا اجتماعًا مشبوهًا في اليوم السابق.
لكن، متجاوزًا ردود أفعالهم للحظة…
«مجدَّدًا، سيِّدي؟ إلى متى ستستمر في نسياني قبل أن ترضى!» زمَّت شاولا شفتيها باستياء وهي تعانق صدرها الممتلئ.
في كل مرة، تجاهل سوبارو ترَّهاتها، لكن هذه المرة، وجد نفسه عاجزًا عن التغاضي عنها.
«أشعر أنني أرتكب خطأً بالخوض في هذيانك، لكن هل كان سيدك يفقد ذاكرته بهذه الكثرة حقًا؟»
«…؟ حدث ذلك كثيرًا. في كل صباح عندما أحييك، كنت تقول: ”مَن أنتِ مجددًا؟ لا أتذكركِ. لا أعرفكِ.“ وكأنني مجرد نزوة عابرة.»
«هممم. لا يبدو هذا مجرد مزاح عادي، لكن يصعب التأكد…»
افتراضيًا، إن كان سوبارو على علاقة ودودة مع شاولا، فقد يكون هذا مزاحًا من نوعه. لكن في الوقت نفسه، كان قد حاول سابقًا إخفاء فقدانه للذاكرة عنهم. وفي ظل تلك الظروف، ليس من الغريب أن يستخدم هذا النوع من المزاح لسدِّ الثغرات.
هذا حقًا أمر مزعج حدَّ القتل. في الواقع، لقد مت أربع مرات حتى الآن؛ لذا ربما ليس هذا أفضل تعبير أستخدمه.
«بصراحة، لا يزال من الصعب تقبُّل الأمر على ظاهره، لكن… طالما بقينا في هذا البرج، فمن الحكمة أن نضع في الحسبان احتمال أن يكون فخٌّ ما هو ما تسبَّب في حالة ناتسكي الحالية.» بدأت إيكيدنا في تحليل الوضع بجدية.
«المكان الأكثر احتمالًا لحدوث ذلك هو حيث وجدتني إيميليا تشان فاقدًا للوعي، في تيجيتا،» وافقها سوبارو. «يبدو أنه كان مكانًا مشبوهًا في الأساس.»
«تشان…»
«؟»
لم يستطع سوبارو تجاهل الهمهمة الوحيدة التي تمتمت بها إميليا. كانت قد أبدت رد فعل مماثلًا عدة مرات خلال حديثهما في الحلقة السابقة. لكنه، في النهاية، لم يتمكن من معرفة السبب.
هل هو شيء قاتل لا أدركه؟ …ذلك سيكون مرعبًا حقًا.
«—على أي حال، أنا آسف لأنني فاجأت الجميع. لا شك أنكم بحاجة إلى بعض الوقت لاستيعاب الأمور؛ لذا ما رأيكم أن نأخذ استراحة قصيرة؟ يمكنني أنا ورام الذهاب لإحضار بعض الماء في هذه الأثناء.»
باقتراحه ذاك، نهض سوبارو على قدميه. ارتعشت كتفا رام قليلًا، بينما نظرت إليه إميليا وبياتريس بقلق.
لكنه اكتفى بإيماءة بسيطة تجاه الفتاتين القلقتين، وثبَّت عينيه السوداوين على رام.
«لنذهب، رام. كنتِ تبدين وكأنكِ على وشك دعوتي لجلب الماء.»
«كم أنتَ بذيء.»
رفضت رام لقاء نظره.
《٤》
«إذًا، ما الهدف من هذه المسرحية التي قمت بها للتو؟ بما أنك سحبتني إلى هنا، أفترض أنك تنوي شرح الأمر.»
قطعت رام الصمت في الرواق أثناء توجههما لجلب الماء. لقد انتظرت طويلًا بما يكفي للحصول على إجابة.
في كل مرة خاضا هذا التفاعل سابقًا، رفضت تصديق ادعاء سوبارو بفقدان الذاكرة. لم يكن الأمر مجرد مسألة إثبات أو عناد، بل كان السبب أعمق بكثير.
—ريم. كان لذلك علاقة بكل شيء يخصُّ شقيقتها العزيزة، التي لم تستفق بعد من سباتها.
سوبارو لم يكن يعلم جميع التفاصيل بعد، لكن كان هناك نوع من الارتباط بينه وبين ريم. وبالنسبة لشقيقة ريم الكبرى، فإن وجود ذلك الارتباط كان ركيزة دعم ضخمة لا يمكن الاستغناء عنها.
كان من الطبيعي تمامًا أن تعجز عن تقبُّل فكرة أن سوبارو فقد ذاكرته ببساطة.
وهكذا—
«لا ينبغي لك أن تلقي بمثل هذا العبء الثقيل على كاهل السِيّدتين إميليا وبياتريس. أما بياتريس، فالأمر يخصها، لكن بالنسبة إلى السيِّدة إميليا، فهذا يفوق طاقتها. لقد أحسنت صنعًا بالاعتماد عليَّ. والآن، اشرح لي—»
«رام، الحقيقة أنني لا أتذكر. هذا ليس كذبًا، ولا خدعة، ولا خطة مبيتة.»
تمسَّكت رام بذلك الأمل الضئيل، لكن سوبارو اضطر إلى تحطيم وهمها.
«……»
حين سمعت ذلك، تلبَّدت ملامحها. ارتسمت في عينيها الورديتين ظلال من الاضطراب والذهول… قبل أن تتأجج شرارات الغضب.
نمت تلك الجذوة حتى صارت أشبه بنيران حارقة، اجتاحت روح سوبارو نفسها. ولم يكن هناك مَن يلام على ذلك سوى ناتسكي سوبارو نفسه. أكاذيبه التي لا تُحصى تكالبت عليه لتفتك به.
«لا أتذكر شيئًا. كل ما لديَّ هو أسماء الموجودين هنا في هذا البرج، وطبيعة علاقتي بهم.»
«توقف.»
«إميليا وبياتريس كانتا أول مَن سمع بذلك. أخبرتهما بما أخبرتكِ به تمامًا. لا يوجد شيء آخر لأقوله. ليس لديَّ أي ورقة رابحة أخفيها الآن.»
«قلت لك توقف، باروسو. إن كنت—»
«أنا أعرف أننا جئنا إلى هذا البرج لاستعادة الكثير مما سُلب منا. وأعرف أننا وسط اختبار ما، هذا كل ما أدركه. أما عن دوافعي…»
«إياك أن تجرؤ، باروسو.»
«ريم… أنا—»
«باروسو!!!»
«… لا أتذكر أي شيء من ذلك.» تمتم سوبارو بأسى.
رفضت رام سماع كلماته، لكن حين وصلت إلى مسامعها نبرة الاعتذار في صوته، تحوَّلت إلى تجسيد حي للغضب. أمسكته بعنف.
«غغ!»
قبضت على قميصه بعزم، ورفعته لتصدمه بالجدار. رغم نحالة ذراعيها، امتلكت قوة لا تصدَّق، قوَّة سحقت سوبارو في مكانه، وعيونها تحدِّق به من مسافة قريبة.
في أعماق تلك العينين، تحوَّلت الجذوة التي رآها سابقًا إلى ألسنة لهب تتراقص بعنف، مهددة بافتراس كل شيء.
وحين يطغى ذلك اللهيب -أو بالأحرى، حين يطغى على رام- سيعاد مشهد المأساة من جديد.
«ما الذي تخطط له؟ هذه… هذه الكذبة العبثية!»
«إنها ليست كذبة… ليست عليكِ. لا يمكنني—»
«—لا يمكن أن تكذب عليَّ؟ إذًا، ماذا تريد مني؟ أن أصدقك؟ أن أصدق أنك… نسيت ريم؟ هذا… هذا هراء!»
تألقت عيناها بوميض حاد، وكانت نظراتها قريبة لدرجة أن شفاههما كادت تتلامس. في تلك اللحظة، أدرك سوبارو أخيرًا أن اللهيب الذي رآه في عينيها ليس مجرد غضب… بل كان حزنًا متقدًا.
بعد أربع مرات من التجربة، تمكَّن أخيرًا من التقاط جزء صغير من عواصف روحها المتأججة.
لكن كم من الحدس احتاج إليه ليستشعر ذلك منذ البداية، دون فرصة ثانية؟ مثلما فعلت إميليا وبياتريس… أولئك الذين تلألأوا بوهج ساطع، لكنه لم يستطع أن يسمح لنفسه بالوقوف مبهورًا بذلك الضوء فحسب.
«سأعيد ريم.»
نظر في عينيها الورديتين، واستجمع عزيمته، ثم نطقها بوضوح كالشمس.
اتسعت عينا رام، قبل أن تخفي اندهاشها سريعًا وراء غضبها.
«ابتلع لسانك… تعيد ماذا؟ لقد نسيت ريم!»
«حتى لو كان ذلك صحيحًا، سأستعيدها. ريم، ذكرياتي، والسبب الذي جئنا من أجله إلى هذا البرج— كل شيء. سأحرص على استعادة كل ما فقدناه، ثم سنعود جميعًا معًا. نحن نستحق ذلك.»
«… باروسو؟»
«بعد كل ما مررنا به هنا… هذه هي النهاية الوحيدة التي يمكن أن نقبل بها.»
ساد الصمت، مشحونًا بثقل المشاعر المتضاربة. لكن ذلك لم يكن السبب وراء مرارة تعبير سوبارو. نظرت إليه رام بقلق، وبينما كانت قبضتها على صدره تتراخى قليلًا…
استغل الفرصة. أمسك بيديها، أبعدهما، ثم بدَّل مواقعهما.
«—مقزز. أطلق سراحي في الحال.»
حين دفعها نحو الجدار واقترب بوجهه منها مجددًا، أمرته رام بالتوقف. لكن نبرتها لم تكن حادة كما من قبل. تجاهل ذلك وأكمل حديثه.
«رام، سأستعيد كل شيء. ذكرياتي، وريم أيضًا. لذا، أرجوكِ… ساعديني.»
«……»
«أحتاج إلى قوة الجميع. «ناتسكي سوبارو» الذي عرفتموه جميعًا، «ناتسكي سوبارو» الذي كان هنا حتى اليوم— ربما لم يكن ليضطر إلى قول أمر مثير للشفقة كهذا. لكنني أحتاج إلى ذلك.»
ذلك الذي وثق به جوليوس، والذي آمنت به بياتريس، والذي غفرت له إيكيدنا، والذي أرادت إيميليا أن يكون إلى جانبها… لو كان هو، ربما لتمكن من إيجاد مخرج من هذه المعضلة بنفسه.
لكن هذا السوبارو لم يستطع. وكان محبوبًا بشدة من قبل الجميع في هذا البرج، بحيث لم يكن بإمكانه الاستسلام أو الاستغراق في نوبة غضب على ضعفه.
«أدرك أنكِ لا تستطيعين تصديقي، أو مسامحتي على نسياني لريم. لكن رجاءً، أبقي غضبكِ لما بعد. والآن، سأقطع لك وعدًا.»
«…وعد؟»
«أقسم أنني سأفعلها. سأرمي بنفسي في هذا النزال بقدر ما يتطلب الأمر. وإن خالفت هذا الوعد، إن رأيتني أستسلم ولو للحظة— حينها، افعلي بي ما تشائين، سواء كان ذلك الغلي أو القلي أو أي شيء آخر.»
عين رام اتسعت مجددًا بينما كان سوبارو يحدِّق فيها عن قرب، لدرجة أنها لا بد أنها شعرت بأنفاسه الدافئة على وجهها. كان الأمر كما لو أنهما احتاجا إلى أن يكونا بهذا القرب كي تصل مشاعره إليها—
«إذا تخلَّيت عن الأمر يومًا، فلك أن تفعلي بي ما تشائين. هذا عقابي على فقدان ذاكرتي وجعلك تبكين.»
«مَن قال إنني أبكي؟ لا تكن أحمق.»
صفعة قوية ارتطمت بخده، فأرسلته إلى الأرض.
«آووو!»
وضع يده على خده المحمر، ونظر إلى رام بعدم تصديق.
«أ-أنتِ… لقد تطلَّب مني الأمر شجاعة كبيرة لأقول كل هذا…»
«وأين الشجاعة في تحفيز نفسك بالكلمات؟ ثم وعد؟ منك؟ لا تُضحكني. لا يوجد شيء أقل موثوقية في هذا العالم.»
«إميليا قالت ذلك أيضًا، لكن بجدية، كم وعدًا نكثته قبل اليوم؟!»
«هل سبق لك أن حافظت على أحدها أصلًا؟»
«لهذه الدرجة؟!»
عدَّل سوبارو رأيه بشأن «ناتسكي سوبارو» مرة أخرى. صعود وهبوط حاد في أسهم هذا الرجل، لكن خبرعدم التزامه بوعوده جعله يشهد انهيارًا حادًا.
««ناتسكي سوبارو» شخص سيئ للغاية…»
«بالضبط. يبدو أن هناك سوء فهم هنا، لكنك لم تكن يومًا ذلك الرجل الموهوب القادر على تدبُّر الأمور بمفرده. بل على العكس، أنتَ الأحمق الذي تكمن موهبته الحقيقية في محاولة فعل كل شيء بمفرده وجعل الأمور تسوء أكثر. لقد سببت لي الكثير من المتاعب أيضًا.»
«حقًا؟ إذًا لماذا أحضرتِ شخصًا كهذا إلى هذا البرج…؟»
«أنتَ دائمًا تتطفل من تلقاء نفسك. سأعترف أن لديك مهارة في الكلام، كما أنك عملي إلى حد ما، وتجيد المهام المتفرقة. وأظن أنك تستطيع على الأقل مواساة السيدة إميليا والسيدة بياتريس. وأيضًا…»
جلس سوبارو متربعًا على الأرض بينما تسرد رام عيوبه الواحدة تلو الأخرى. كانت تتحدث عن أمور لا يملك عنها أي معرفة، لكن مع ذلك، شعر وكأنه هو الملام. ولم يكن ذلك شعورًا مريحًا.
عندما تحدثت إميليا والبقية عن الجوانب الجيدة في «ناتسكي سوبارو»، شعر بإحراج غريب. أما الآن، فبينما تُعدد رام مساوئه، وجد الأمر مختلفًا ولكن ليس أقل غرابة.
شعر سوبارو بقليل من العناد، وقرر أن يسمع كل ما لديها.
«وماذا أيضًا؟ ساقاي قصيرتان؟ ذاكرتي ضعيفة؟ نظامي الغذائي فظيع؟ لا أعرف متى أستسلم؟»
«ساقاك قصيرتان، ذاكرتك مريعة، نظامك الغذائي غير متوازن على نحو لا يصدق، ولا تعرف متى تستسلم.»
«هذا وصف دقيق.»
«… وكانت ريم تهمُّك.»
«……»
تغيَّر صوتها فجأة، واكتسب نغمة أكثر دفئًا.
لو كان لصوتها لون، لكان ورديًا ناعمًا ومريحًا. كان من الواضح أن محبتها اللطيفة لم تتلاشَ، بل بقيت راسخة في قلبها، تمامًا كما بقيت ذكريات أختها وذكريات «ناتسكي سوبارو» الذي وقف إلى جانبها حيَّة في داخلها.
كان ذلك كافيًا ليجعل سوبارو يتخيّل لونًا ورديًا هادئًا.
«باروسو… هل نسيت ريم حقًا؟»
«… نعم…»
عيناها لم ترتجفا ولو للحظة. كان ذلك ملهمًا.
لو كان في مكانها، وسمع شيئًا لا يريد تصديقه، لأشاح بنظره بعيدًا. لكنها لم تحاول أن تبتعد عنه ولو للحظة واحدة.
«باروسو… هل ستتذكر ريم؟»
«نعم. سأفعل. وليس فقط ريم، بل كل شيء آخر أيضًا.»
«لا تقلق بشأن البقية، إن لزم الأمر. فقط تذكَّر ريم.»
«لا تضيِّقي الخناق عليَّ هكذا. سأستعيد كل شيء…»
«سأكررها مرة أخرى. ستتذكر ريم، حتى لو متَّ.»
«نعم، أعدك بذلك. حتى لو مت، سأستعيد كل شيء.»
وكان يقصد ذلك حرفيًا.
سيستعيد كل ما رآه، وسمعه، وشعر به، وفعله «ناتسكي سوبارو» في هذا العالم.
«… حسنًا إذًا. سأتغاضى عن الأمر مؤقتًا.»
فجأة، اختفى ذلك الضغط المخيف الذي كانت رام تشعُّ به.
«هل هذا كل ما يلزم؟» سألها سوبارو وهو لا يزال جالسًا على الأرض. «هل يكفي مجرد طلب المساعدة؟»
«أنتَ رجل، أليس كذلك؟ تقبَّل الأمر فحسب. لقد سمعتُ عزمك، بل وسمعتك تقول إنني أستطيع سلقك، أو قليك، أو تقطيعك، أو تمزيقك، أو طعنك، أو سحقك، أو ما أشاء إن استسلمت. لو تجاهلت ذلك، لكنتُ طعنتُ في طبيعتي اللطيفة والأمومية.»
«لا أذكر أنني قلت كل هذا بعد القلي…»
«هل قلت شيئًا؟»
«لم أنطق بحرف، سيدتي.»
هزَّ سوبارو رأسه ببطء، مجيبًا بنبرة مهذبة.
لطيفة وأمومية قد يكونان وصفين مبالغًا فيهما، لكن حتى صبر بوذا ينفد بعد ثلاث مرات، بينما هو قد وصل إلى محاولته الخامسة بالفعل.
إن لم يكن بوسعه التعلق بأمل في شخص أو شيء، فعليه أن يثق بعاطفة رام الأمومية.
«قف على قدميك، باروسو. لن أسمح لك بالاستسلام أو السقوط على ركبتيك.»
«أنا فقط أجلس، لا تخلطي بين الأمور… حسنًا، حسنًا.»
نهض سوبارو سريعًا، ونفض الغبار عن ملابسه، ثم واجه رام مباشرة.
استندت إلى الحائط، ورتَّبت ملابسها المجعدة، ثم عقدت ذراعيها وهي تنظر إليه بنفس النظرة المعتادة… أو هكذا خُيِّل إليه على الأقل.
«… هل قلتَ الشيء نفسه للسيدة إميليا والسيدة بياتريس؟»
«هاتان الاثنتان… لم يخطر ببالهما لحظة واحدة أنني قد أستسلم»
«هذا صحيح، فقد أصيبتا بعدواك.»
«لهذا لا يمكنني أن أسألهما. ولا جوليوس أو إيكيدنا، من الناحية العاطفية»
ربما كان لذلك علاقة أيضًا بحقيقة أنه قد عرف مسبقًا، من خلال تكراره السابق، كيف سيكون رد فعلهم. ما يفعله الآن هو مجرد استكمال لبقية الإجابات.
«وأيضًا… بناءً على ما قلتِه، يبدو أنني لم أكن شخصًا مميزًا للغاية حتى قبل اليوم.»
«قيمتك بالنسبة لي تتغير على نحو كبير حسبما إذا كنت تتذكر ريم أم لا. لذا، انتبه لكلماتك.»
بهذه الطعنة الحادة، استدارت رام وابتعدت عن سوبارو.
لقد تأخرا كثيرًا أثناء إحضار الماء، وإذا عادا بأيدٍ فارغة، فذلك سيجعل إميليا وبياتريس تقلقان بلا داعٍ.
حمل الدلو بيد واحدة، وأسرع للحاق بها.
«أنا… «ناتسكي سوبارو»، كنتُ هنا حقًا، أليس كذلك؟» سأل بصوت خافت وهو ينظر نحو رام. لم يكن سؤاله طلبًا لتأكيد الحقيقة بقدر ما كان مجرد أنين يائس.
لا ينبغي له أن يسأل هذا بعد لحظات فقط من تعهده بعدم الاستسلام مهما حدث.
لم يكن غريبًا أن تنهال عليه بالتوبيخ على ذلك، خاصة وأن حبر وعوده لم يجف بعد.
«أحمق.»
لكنها لم تفعل، بل اكتفت بإهانته برحمة، دون أن تتوقف عن المشي.
«لقد فقدتَ ذاتك للحظة عابرة لا أكثر. الأمر يبدو وكأنك قد اختفيت، لكنك في الحقيقة مدفون تحت كومة من المشاعر والأفكار المتراكمة. مثل زهرة دفنتها ثلوج الشتاء، لكنها ستظهر حين يحل الربيع.»
لم تُظهر رام أي انفعال، وكذلك لم يفعل سوبارو. ليس الآن، ليس بعد أن أبدى موقفًا قوِّيًا قبل لحظات. لا يمكنه أن يبدو مثيرًا للشفقة الآن.
وفي تلك اللحظة، كان تجاهل رام لنظراته وصمتها بمثابة حنوِّ أم لا تريد فضحه.
《٤》
لقد تغير الوضع على نحو كبير… أو على الأقل، هذا ما أراد سوبارو أن يصدقه، حتى لو لم يكن ذلك صحيحًا بالضرورة.
ليست هذه أول مرة يكشف فيها عن فقدانه للذاكرة، ورأى بالفعل كيف تقبل الجميع الصدمة سابقًا، حتى لو كان ذلك ظاهريًا فقط.
لكن بمجرد أن غير موقفه وطريقة تفكيره، تغيَّرت نظرته للأمور أيضًا.
في المرة السابقة، شكَّ بالجميع، ويشتبه في كل ما يفعلونه أو يقولونه. راقبهم بعين فاحصة، مقتنعًا تمامًا بأنهم يحيكون مؤامرة ضده.
لكن حين أزال ذلك الفلتر المسموم، اتضح له أن كل أفعالهم وأقوالهم كانت بدافع القلق علي سوبارو فحسب.
ببساطة، بذلوا جهدهم حتى لا يصيبوه بصدمة. بدا تصرفهم مريبًا وغير طبيعي فقط لأنه كان يبحث عن شيء يخاف منه.
«افعلها على الوجه الصحيح، افعلها كما ينبغي، ناتسكي سوبارو…»
همس لنفسه محاولًا تحفيز ذاته، وهو ينظر إلى راحة يده.
أياً كان السبب الذي جعله يفقد ذاكرته، فإن الاحتمال الأكبر أنه موجود في تيجيتا. كان عليه اجتياز المحاكمات، لكن عليه أيضًا معرفة سبب فقدانه للذاكرة.
لم يفكر في ذلك من قبل، لكن إن فقد شخص آخر ذاكرته غيره، فستتحول الأمور إلى مهزلة، حيث سيتوجب على الجميع تقديم أنفسهم لبعضهم البعض من جديد.
وإضافة إلى ذلك، لم يكن لديهم الوقت الكافي للمماطلة واتخاذ الأمور بروية.
«في المرتين السابقتين، انتهى الأمر بالفوضى.»
في المرة التي سبقت، وجد جثث الجميع واحدة تلو الأخرى… باستثناء جثتي إميليا وبياتريس.
وفي المرة الأخيرة، شهد موتهم جميعًا، واحدًا بعد الآخر، حتى انهار قلبه تمامًا.
ذلك الكابوس ليس بعيدًا عن الحدوث مجددًا. وهو، بصفته الوحيد الذي يعلم ما ينتظرهم، كان عليه أن يفعل كل ما بوسعه لمنع الكارثة.
ولهذا، كان أول ما فعله…
«……»
… هو الوقوف عند حافة الدرج الحلزوني.
خلفه، استشعر أنفاسًا خفيفة.
شخص ما اقترب بخطوات هادئة، بالكاد يمكن ملاحظتها إذا لم يكن شديد التركيز.
وباستخدام معرفته المسبقة التي تُشبه الغش، استدار في اللحظة الأخيرة.
«—!»
«هوبس، انتبهي، لا تسقطي بدلًا عني.»
يدُ المعتدي الممدودة أصابت الفراغ، وسوبارو أمسك بها قبل أن تتعثر وتسقط للأمام. كان جسدها خفيفًا، ليس بخفة مريبة، بل بخفة تناسب مظهرها تمامًا.
«حسنًا، فلنتحدث.عليكِ أن تتحمِّلي مسؤولية قتلكِ لي.»
قال سوبارو ذلك بإبتسامة، كاشفًا عن براعته المذهلة في الاستنتاج أمام ميلي، الفتاة التي دفعته إلى الأسفل مرتين من قبل.

////
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.