Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ري زيرو: بدء الحياة في عالم أخر من الصفر 1

1 - انتظار ذوبان الجليد.
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

1 - انتظار ذوبان الجليد.

《١》

 

 

تمسَّكت رام بذلك الأمل الضئيل، لكن سوبارو اضطر إلى تحطيم وهمها.

—ظلام دامس، حالك، سحيق، ممتد، ثقيل، مرير…

 

 

 

«……»

«إميليا قالت ذلك أيضًا، لكن بجدية، كم وعدًا نكثته قبل اليوم؟!»

 

 

خيم سواد خانق أشبه بتجسيد لكل شرور هذا العالم، يغمر جسده بالكامل، يلتصق به بلا رحمة، وكأنه لن يسمح له بالتحرر أبدًا. وجهه، صدره، أطرافه— كل شبر من جلده تشرب السواد الحالك، يتغلغل في عروقه كأنه كائن متعطش ينهل من دمه بلا شبع. شيئًا فشيئًا، لم يعد قادرًا على التمييز بين جسده وهذا الظلام الذي يحيط به.

 

 

«وماذا أيضًا؟ ساقاي قصيرتان؟ ذاكرتي ضعيفة؟ نظامي الغذائي فظيع؟ لا أعرف متى أستسلم؟»

لكن الضياع لم يقتصر على الجسد وحده.

 

 

… هو الوقوف عند حافة الدرج الحلزوني.

«……»

«—البارحة؟ هذا… لا، أعتقد أنه كذلك.» تمتم جوليوس.

 

 

بل امتد ليطال كيانه ذاته، بل ربما روحه نفسها.

«……»

 

فكرة غريبة، لكنها ليست مستحيلة. فقد مر بأحداث تفوق الخيال صدمةً واستحالة، وأضاع من الزمن ما لا يُحصى وهو يحاول استيعاب ما يحدث له، وقبول المحن التي اعترضت طريقه. فكم من الوقت أُهدر قبل أن يبدأ بالسعي لمعرفة ما يكمن وراء كل ذلك؟

فبعد أن تلاشت ماهيته وتاه في هذا السواد الدامس لأمد لا يعلمه، وجد أخيرًا بقايا شذرات من نفسه بين أنامله. كان ذلك الشعور غامضًا، مشوبًا بالريبة والضياع، وكأن الكراهية والاضطراب المتأججين داخله يمنعانه من الإمساك بهذه الشذرات.

 

 

 

«……»

«هل تستمع إليَّ، باروسو؟»

 

 

هل هذا ما كان يبحث عنه طوال هذا الوقت؟

«تشان…»

 

 

هل ستكون هذه اللحظة بداية لذات مختلفة تمامًا؟

 

 

شعر سوبارو بقليل من العناد، وقرر أن يسمع كل ما لديها.

فكرة غريبة، لكنها ليست مستحيلة. فقد مر بأحداث تفوق الخيال صدمةً واستحالة، وأضاع من الزمن ما لا يُحصى وهو يحاول استيعاب ما يحدث له، وقبول المحن التي اعترضت طريقه. فكم من الوقت أُهدر قبل أن يبدأ بالسعي لمعرفة ما يكمن وراء كل ذلك؟

«باروسو… هل نسيت ريم حقًا؟»

 

 

كانت الإجابات على تلك الأسئلة هي ما جعله يشعر بقلقٍ عميق.

 

 

 

هل هذا هو الخيار الصحيح؟ هل هذا هو المكان الصحيح؟

 

 

 

هل هذا هو الشخص الذي يريد أن يكونه؟ ذاك الذي يُمنح الثقة، والمغفرة، والقبول؟

تسارعت دقات قلبه لهذه المشاعر التي شعر بها بوضوح.

 

 

«أنا… أحبك.»

 

 

 

تلاشى ذلك القلق المجهول تمامًا مع خفوت ذلك الصوت الهاديء الموجه إليه، ليندفع نحو النور الأبيض، المضيء، السامي، الطاهر، العذب…

 

 

في كل مرة، تجاهل سوبارو ترَّهاتها، لكن هذه المرة، وجد نفسه عاجزًا عن التغاضي عنها.

تلك الروح… ناتسكي سوبارو…

قبضت على قميصه بعزم، ورفعته لتصدمه بالجدار. رغم نحالة ذراعيها، امتلكت قوة لا تصدَّق، قوَّة سحقت سوبارو في مكانه، وعيونها تحدِّق به من مسافة قريبة.

 

 

《٢》

استوعبت بياتريس على الفور أن هذا الارتجاف ليس إلا تعبيرًا عن القلق والخوف العميق الذي يعتمل بداخله. وكأنها تخبره: لا تبكِ، لست وحدك، كل شيء سيكون بخير.

 

 

راح وعي سوبارو يتسلل ببطء من أعماق سبات عميق وهادئ.

 

 

وإضافة إلى ذلك، لم يكن لديهم الوقت الكافي للمماطلة واتخاذ الأمور بروية.

«آه…»

 

 

 

خرجت من شفتيه أنة خافتة، بالكاد مسموعة.

«صحيح.»

 

عندما نطق اسمها بصوت ضعيف، أمالت صاحبة العينين البنفسجيتين رأسها قليلًا، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة. انسدلت خصلات شعرها الفضي الطويل فوق كتفيها الناصعتين، متألقة كأشعة القمر، في مشهد أَسَرَ قلب سوبارو تمامًا.

كانت صوته، رغم أنها كانت مبحوحة، واهنة، خاوية من الحياة. لكنها كانت بلا شك صوته هو. وعلى الأقل، كان متأكدًا من أنه لم يولد من جديد ككائن مجهري بلا صوت.

 

 

 

يُحسب له ذلك خطوة إلى الأمام. أما الخطوة التالية، فكانت التحقق مما إذا كان لا يزال هو ذاته، أم أنه أصبح كائنًا بقيم مغايرة تمامًا—

 

 

 

«سوبارو؟ هل أنت مستيقظ؟»

 

 

بعد أربع مرات من التجربة، تمكَّن أخيرًا من التقاط جزء صغير من عواصف روحها المتأججة.

«……»

«… وكانت ريم تهمُّك.»

 

«أدرك أنكِ لا تستطيعين تصديقي، أو مسامحتي على نسياني لريم. لكن رجاءً، أبقي غضبكِ لما بعد. والآن، سأقطع لك وعدًا.»

رنَّ في أذنيه صوت ناعم فضي النغمة.

 

 

«ابتلع لسانك… تعيد ماذا؟ لقد نسيت ريم!»

نقي وعذب، لطيف لكنه ثابت، مبهج وساحر.

 

 

«باروسو!!!»

إنه الصوت ذاته الذي سمعه في أسوأ الظروف الممكنة…

《١》

 

 

سماع ذلك الصوت مجددًا جعل قلبه يقفز. انقبض صدره، وخفق قلبه بعنف وهو يلتفت ببطء.

«هل هذا كل ما يلزم؟» سألها سوبارو وهو لا يزال جالسًا على الأرض. «هل يكفي مجرد طلب المساعدة؟»

 

 

«……»

ربما كان لذلك علاقة أيضًا بحقيقة أنه قد عرف مسبقًا، من خلال تكراره السابق، كيف سيكون رد فعلهم. ما يفعله الآن هو مجرد استكمال لبقية الإجابات.

 

 

كان في انتظاره زوج من العينين البنفسجيتين المليئتين بالقلق.

الارتياح لأن سوبارو استعاد وعيه، والقلق لأنه فقده في المقام الأول.

 

 

«إميليا…؟»

 

 

 

«أجل. هل أنتَ بخير، سوبارو؟ هل تستطيع الجلوس؟ هل يمكنك التحدث؟»

 

 

«أنا… أحبك.»

«أههه…»

لم تُظهر رام أي انفعال، وكذلك لم يفعل سوبارو. ليس الآن، ليس بعد أن أبدى موقفًا قوِّيًا قبل لحظات. لا يمكنه أن يبدو مثيرًا للشفقة الآن.

 

شعر سوبارو بقليل من العناد، وقرر أن يسمع كل ما لديها.

عندما نطق اسمها بصوت ضعيف، أمالت صاحبة العينين البنفسجيتين رأسها قليلًا، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة. انسدلت خصلات شعرها الفضي الطويل فوق كتفيها الناصعتين، متألقة كأشعة القمر، في مشهد أَسَرَ قلب سوبارو تمامًا.

 

 

في كل مرة، تجاهل سوبارو ترَّهاتها، لكن هذه المرة، وجد نفسه عاجزًا عن التغاضي عنها.

— فتاة من عالم آخر تمامًا، تقف أمامه الآن.

وحين بلغ تفكيره هذا الحد—

 

هل هذا هو الشخص الذي يريد أن يكونه؟ ذاك الذي يُمنح الثقة، والمغفرة، والقبول؟

«أغه… آه…»

«إذا كنت تقول ذلك…»

 

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

في اللحظة التي راوده فيها هذا الخاطر، تدفق الدم إلى وجهه، واحمرت وجنتاه على الفور، فالتاثت عيناه، وضاعت الكلمات منه. كان الخفقان في أذنيه مدويًا حتى كاد يؤلمه. وفي النهاية، بدأ يتمتم بكلام غير مترابط.

 

 

«في المرتين السابقتين، انتهى الأمر بالفوضى.»

«آواواواوا…»

 

 

«أدرك أنكِ لا تستطيعين تصديقي، أو مسامحتي على نسياني لريم. لكن رجاءً، أبقي غضبكِ لما بعد. والآن، سأقطع لك وعدًا.»

«آواوا…؟»

 

 

ورغم أنه شعر بالأسف لأنه ألقى بهذه المعضلة مجددًا على عاتقهم، إلا أنه كان سعيدًا لرؤيتهم. استطاع التحدث مع الجميع، أولئك الذين كان ينبغي أن يكونوا قد فُقدوا إلى الأبد.

عندما رأت إميليا ارتباكه الشديد، عقدت حاجبيها الجميلين بقلق.

عين رام اتسعت مجددًا بينما كان سوبارو يحدِّق فيها عن قرب، لدرجة أنها لا بد أنها شعرت بأنفاسه الدافئة على وجهها. كان الأمر كما لو أنهما احتاجا إلى أن يكونا بهذا القرب كي تصل مشاعره إليها—

 

 

حتى هذه الحركة البسيطة كانت كفيلة بإدهاشه. وكأن أعظم فنان في العصر أطلعه على تحفة فنية ثانية، وهو يحدق فيها عن قرب شديد، حتى إنه يكاد يشعر بأنفاسها. وبرغم الألم الذي يعتصر صدره، استمر نبضه في التصاعد بلا هوادة.

 

 

اتسعت عينا رام، قبل أن تخفي اندهاشها سريعًا وراء غضبها.

«……»

 

 

 

ما هذا؟ ماذا يحدث لي؟

 

 

«أنا… أحبك.»

هل أيٌّ من هذا حقيقي؟ أم أنه مجرد وهم جنوني لكنه مقنع؟

 

 

«ببساطة، فقدتُ ذاكرتي داخل أرشيف تيجيتا. قد أواجه صعوبة في التواصل مع الجميع، وربما يصبح الأمر مزعجًا، لكن آمل أن تتفهموا موقفي.»

كما أن السراب في الصحراء دائمًا ما يكون واحة… مجرد انعكاس لأكثر ما يتمناه المرء في تلك اللحظة، أليس كذلك؟ إن كانت هذه هي القاعدة، فهل هذا أيضًا مجرد سراب؟ ياله من سراب مترف…

 

 

وهكذا—

«أ-أنتَ بخير، سوبارو؟ أظن أن هناك خطبًا ما. لقد تعرضت لسقوط قوي.»

 

 

«ببساطة، فقدتُ ذاكرتي داخل أرشيف تيجيتا. قد أواجه صعوبة في التواصل مع الجميع، وربما يصبح الأمر مزعجًا، لكن آمل أن تتفهموا موقفي.»

«هيآه!»

«حقًا؟ إذًا لماذا أحضرتِ شخصًا كهذا إلى هذا البرج…؟»

 

 

«أرأيت؟ لقد أصدرتَ صوتًا غريبًا!»

 

 

 

كان سوبارو في حالة يُرثى لها. فما إن لمست إميليا جبهته بيدها، حتى انتفض جسده بالكامل. حدقت فيه بعينين متألقتين، مقتنعة تمامًا بأن شيئًا ما ليس على ما يرام.

 

 

 

لكن حقيقة أنه شعر بيدها على جبينه نسفت نظريته حول كونها مجرد سراب، مما جعله يشعر كأنه عالم قديم ما زال يؤمن بمركزية الأرض.

همس لنفسه محاولًا تحفيز ذاته، وهو ينظر إلى راحة يده.

 

نظر في عينيها الورديتين، واستجمع عزيمته، ثم نطقها بوضوح كالشمس.

الأهم من ذلك كله… أنها كانت حقيقية.

 

 

«لنذهب، رام. كنتِ تبدين وكأنكِ على وشك دعوتي لجلب الماء.»

إميليا هذه موجودة فعلًا. وإن كانت حقيقية وتناديه باسم سوبارو، فهذا يعني أنه هو ناتسكي سوبارو حقًا.

«أشعر أنني أرتكب خطأً بالخوض في هذيانك، لكن هل كان سيدك يفقد ذاكرته بهذه الكثرة حقًا؟»

 

 

وطبعًا—

 

 

في المرة السابقة، كانت تجربته مروِّعة. أما الآن، فقد انطلق ناتسكي سوبارو في مسار جديد تمامًا.

«—لا تتجاهل بيتي. إميليا ليست الوحيدة التي كانت قلقة عليك، كما تعلم.»

////

 

 

عندما سمع صوتًا طفوليًا متذمرًا، التفت ليجد فتاة صغيرة وقد انتفخت وجنتاها في دلال.

«نعم، أعدك بذلك. حتى لو مت، سأستعيد كل شيء.»

 

 

«بياتريس…»

 

 

 

«ما هذا الصوت الباهت مجددًا…؟ ثم إن نظرتك توحي وكأنك غير مصدق أن بيتي الصغيرة الظريفة هنا، اتساءل.»

«هاتان الاثنتان… لم يخطر ببالهما لحظة واحدة أنني قد أستسلم»

 

«مَن قال إنني أبكي؟ لا تكن أحمق.»

نضحت كلماتها بالانزعاج، لكن نظرتها فاضت بالقلق والارتياح معًا.

 

 

 

الارتياح لأن سوبارو استعاد وعيه، والقلق لأنه فقده في المقام الأول.

 

 

«هممم. لا يبدو هذا مجرد مزاح عادي، لكن يصعب التأكد…»

تسارعت دقات قلبه لهذه المشاعر التي شعر بها بوضوح.

«إذًا، ما الهدف من هذه المسرحية التي قمت بها للتو؟ بما أنك سحبتني إلى هنا، أفترض أنك تنوي شرح الأمر.»

 

«—لا يمكن أن تكذب عليَّ؟ إذًا، ماذا تريد مني؟ أن أصدقك؟ أن أصدق أنك… نسيت ريم؟ هذا… هذا هراء!»

وهكذا—

ومع ذلك، لم يستطع منع نفسه من الشعور بالامتنان والراحة لأنه حصل على فرصة أخرى؛ لأنه عاد من الموت مجددًا. لكنه لم ينوي الاتكال على ذلك وحسب.

 

 

«—نغااااه؟!»

 

 

 

بينما رمقته بنظرة باردة، أمسك بها سوبارو فجأة وسحبها إلى أحضانه بقوة.

«أدرك أنكِ لا تستطيعين تصديقي، أو مسامحتي على نسياني لريم. لكن رجاءً، أبقي غضبكِ لما بعد. والآن، سأقطع لك وعدًا.»

 

«قلت لك توقف، باروسو. إن كنت—»

خفيفة… كانت خفيفة جدًا.

 

 

«لا أتذكر شيئًا. كل ما لديَّ هو أسماء الموجودين هنا في هذا البرج، وطبيعة علاقتي بهم.»

لم تستطع بياتريس المقاومة أمام هذه الحركة المباغتة، واتسعت عيناها في ارتباك وهي مأسورة بين ذراعيه. جالسًا على الفراش الأخضر المنسوج من الكروم، أيقن سوبارو بجسده وروحه أنها كانت حقيقية.

 

 

«… آه، آسف. الأمر أشبه بفقدان بعض الحلقات من مسلسل. يبدو أنني أستطيع تذكُّر الأسماء، لكن عندما يتعلق الأمر بالأحداث، تصبح الأمور ضبابية إلى حد ما.»

«بياتريس! بياتريس! بياتريــــــس!»

 

 

 

«مـ-مـ-مـ-ماذا تفعل؟! ماذا حدث؟! هذا مفاجئ جدًا!»

 

 

 

«أنتِ… وجهكِ يبعث السكينة في القلب! رؤية ملامحكِ اللطيفة تمنحني شعورًا كالعودة إلى الوطن… آه، كم هو شعور رائع!»

«باروسو… هل نسيت ريم حقًا؟»

 

 

«أتمنى ألا تكون هذه طريقتك البائسة في الإطراء!»

 

 

لقد تغير الوضع على نحو كبير… أو على الأقل، هذا ما أراد سوبارو أن يصدقه، حتى لو لم يكن ذلك صحيحًا بالضرورة.

بدا سوبارو في قمة الجدية، مما جعل بياتريس تحمر خجلًا، بينما قبضت على وجهه الصغير بيديها، تعتصر وجنتيه وأذنيه بلطف، في حركة آلمته قليلًا، لكنها أكدت له أن بياتريس أيضًا كانت حقيقية.

لم يكن غريبًا أن تنهال عليه بالتوبيخ على ذلك، خاصة وأن حبر وعوده لم يجف بعد.

 

 

«مغغ! كفَّ عن العبث هكذا فور استيقاظك، سوبارو! لا نزال حتى الآن لا نعرف سبب انهيارك…»

ما هذا؟ ماذا يحدث لي؟

 

 

وإذ رأت إميليا كيف احتضن بياتريس وداعبها، شعرت للحظة بأنها مستبعدة.

«ما هذا التفاعل؟ تبدو وكأنك رأيت شبحًا. هذا ليس لطيفًا أبدًا.»

 

 

لكنها سرعان ما تماسكت، وظل القلق على حاله يعلو ملامحها. مدت يدها قليلًا لتلمس كتفه، ثم توقفت في منتصف الطريق.

«… حسنًا إذًا. سأتغاضى عن الأمر مؤقتًا.»

 

ماذا فعل ذلك ال«ناتسكي سوبارو» ببياتريس؟

«…سوبارو؟»

ماذا فعل ذلك ال«ناتسكي سوبارو» ببياتريس؟

 

 

لم يكن في صوتها غضب، بل قلق متزايد. غير أن التوتر الخفيف فيه تلاشى سريعًا، وحلَّ مكانه الخوف الخالص. اتسعت عيناها في صدمة وهي تحدق في كتف سوبارو المرتجف بخفة.

«بياتريس! بياتريس! بياتريــــــس!»

 

«هوبس، انتبهي، لا تسقطي بدلًا عني.»

«…أه… نغ…»

«كلماتك متقنة، لكن هل تعتقد أننا سنصدقك فقط لأنك تفوهت بجملة ذكية كهذه—؟»

 

ربما كان الأكثر صدمة من بين الحاضرين هما جوليوس وإيكيدنا. لقد قيل إن الثلاثة كانوا قد حضروا اجتماعًا مشبوهًا في اليوم السابق.

«سوبارو؟ سوبارو، ماذا هناك؟ بيتي هنا. لا بأس، لا بأس، سوبارو… لا داعي للبكاء.»

قال سوبارو ذلك وهو يخفض رأسه بأدب، بعد أن اجتمع الجميع لتناول الإفطار.

 

 

عندما أدركت أن صوته انقطع في حلقه وأنه ينتحب، اختفت الحيرة من وجه بياتريس، وراحت تلامس وجنته المبللة بلطف.

وكما فعلت بياتريس، أرادت إميليا أن تمنحه بعض السكينة. اليد التي ترددت في لمسه من قبل، استقرت الآن على كتفه برفق، وصوتها حمل إحساسًا عميقًا بالاحترام تجاه ناتسكي سوبارو.

 

راح وعي سوبارو يتسلل ببطء من أعماق سبات عميق وهادئ.

قبض على يدها الصغيرة بقوة، وجسده يرتجف في صمت.

تمسَّكت رام بذلك الأمل الضئيل، لكن سوبارو اضطر إلى تحطيم وهمها.

 

كانت صوته، رغم أنها كانت مبحوحة، واهنة، خاوية من الحياة. لكنها كانت بلا شك صوته هو. وعلى الأقل، كان متأكدًا من أنه لم يولد من جديد ككائن مجهري بلا صوت.

استوعبت بياتريس على الفور أن هذا الارتجاف ليس إلا تعبيرًا عن القلق والخوف العميق الذي يعتمل بداخله. وكأنها تخبره: لا تبكِ، لست وحدك، كل شيء سيكون بخير.

«أغه… آه…»

 

عندما رأت إميليا ارتباكه الشديد، عقدت حاجبيها الجميلين بقلق.

«لا تبكِ، سوبارو. لا داعي للعجلة. خذ نفسًا عميقًا… بهدوء… بياتريس وأنا هنا معك.»

«أحتاج إلى قوة الجميع. «ناتسكي سوبارو» الذي عرفتموه جميعًا، «ناتسكي سوبارو» الذي كان هنا حتى اليوم— ربما لم يكن ليضطر إلى قول أمر مثير للشفقة كهذا. لكنني أحتاج إلى ذلك.»

 

حين دفعها نحو الجدار واقترب بوجهه منها مجددًا، أمرته رام بالتوقف. لكن نبرتها لم تكن حادة كما من قبل. تجاهل ذلك وأكمل حديثه.

وكما فعلت بياتريس، أرادت إميليا أن تمنحه بعض السكينة. اليد التي ترددت في لمسه من قبل، استقرت الآن على كتفه برفق، وصوتها حمل إحساسًا عميقًا بالاحترام تجاه ناتسكي سوبارو.

«ساقاك قصيرتان، ذاكرتك مريعة، نظامك الغذائي غير متوازن على نحو لا يصدق، ولا تعرف متى تستسلم.»

 

«ميلي…»

«……»

قبضت على قميصه بعزم، ورفعته لتصدمه بالجدار. رغم نحالة ذراعيها، امتلكت قوة لا تصدَّق، قوَّة سحقت سوبارو في مكانه، وعيونها تحدِّق به من مسافة قريبة.

 

في كل مرة خاضا هذا التفاعل سابقًا، رفضت تصديق ادعاء سوبارو بفقدان الذاكرة. لم يكن الأمر مجرد مسألة إثبات أو عناد، بل كان السبب أعمق بكثير.

لم يتغيرا. كانا كما هما تمامًا.

«…سوبارو؟»

 

«حتى لو كان ذلك صحيحًا، سأستعيدها. ريم، ذكرياتي، والسبب الذي جئنا من أجله إلى هذا البرج— كل شيء. سأحرص على استعادة كل ما فقدناه، ثم سنعود جميعًا معًا. نحن نستحق ذلك.»

هاتان الفتاتان أظهرتا شجاعة لا تُصدق في مواجهة الموت المحتم، في عالمٍ ينهار من حولهما. عندما ضاع كل شيء وأصبح الأمل مجرد وهم، فضَّلتا سوبارو على نفسيهما. إميليا وبياتريس… لم تتغيرا.

 

 

 

عقد آماله على ذلك، وحين تأكد من بقائهما كما هما، أقسم هذه المرة أن يفعل كل شيء كما يجب. هذه المرة، سيستعيد كل ما فقده… بصفته «ناتسكي سوبارو».

 

 

ليست هذه أول مرة يكشف فيها عن فقدانه للذاكرة، ورأى بالفعل كيف تقبل الجميع الصدمة سابقًا، حتى لو كان ذلك ظاهريًا فقط.

«لقد عدت…»

«أنتَ رجل، أليس كذلك؟ تقبَّل الأمر فحسب. لقد سمعتُ عزمك، بل وسمعتك تقول إنني أستطيع سلقك، أو قليك، أو تقطيعك، أو تمزيقك، أو طعنك، أو سحقك، أو ما أشاء إن استسلمت. لو تجاهلت ذلك، لكنتُ طعنتُ في طبيعتي اللطيفة والأمومية.»

 

«لا تقلق بشأن البقية، إن لزم الأمر. فقط تذكَّر ريم.»

وهو لا يزال يئن بين شهقاته، محطَّمًا، في حالة يُرثى لها من الضعف والخزي…

ولهذا، كان أول ما فعله…

 

«صحيح.»

… بدأ ناتسكي سوبارو حلقة جديدة.

حتى هذه الحركة البسيطة كانت كفيلة بإدهاشه. وكأن أعظم فنان في العصر أطلعه على تحفة فنية ثانية، وهو يحدق فيها عن قرب شديد، حتى إنه يكاد يشعر بأنفاسها. وبرغم الألم الذي يعتصر صدره، استمر نبضه في التصاعد بلا هوادة.

 

سماع ذلك الصوت مجددًا جعل قلبه يقفز. انقبض صدره، وخفق قلبه بعنف وهو يلتفت ببطء.

《٣》

نمت تلك الجذوة حتى صارت أشبه بنيران حارقة، اجتاحت روح سوبارو نفسها. ولم يكن هناك مَن يلام على ذلك سوى ناتسكي سوبارو نفسه. أكاذيبه التي لا تُحصى تكالبت عليه لتفتك به.

 

«… نعم…»

«ببساطة، فقدتُ ذاكرتي داخل أرشيف تيجيتا. قد أواجه صعوبة في التواصل مع الجميع، وربما يصبح الأمر مزعجًا، لكن آمل أن تتفهموا موقفي.»

 

 

 

قال سوبارو ذلك وهو يخفض رأسه بأدب، بعد أن اجتمع الجميع لتناول الإفطار.

«أنا أعرف أننا جئنا إلى هذا البرج لاستعادة الكثير مما سُلب منا. وأعرف أننا وسط اختبار ما، هذا كل ما أدركه. أما عن دوافعي…»

 

«أنتَ رجل، أليس كذلك؟ تقبَّل الأمر فحسب. لقد سمعتُ عزمك، بل وسمعتك تقول إنني أستطيع سلقك، أو قليك، أو تقطيعك، أو تمزيقك، أو طعنك، أو سحقك، أو ما أشاء إن استسلمت. لو تجاهلت ذلك، لكنتُ طعنتُ في طبيعتي اللطيفة والأمومية.»

كانت ردود الأفعال على إعلانه المدوي -بل ربما من الأدق وصفه بأنه تفجير مفاجئ من الحقائق- متباينة، لكن الارتباك والفوضى كانا الأبرز. بدا أن الصدمة والحزن سيأتيان لاحقًا.

 

 

 

«أنا واثقة أن الجميع قلقون على سوبارو، لكن علينا التماسك، فهو مَن يعاني أكثر من أي أحد آخر…»

لكن، متجاوزًا ردود أفعالهم للحظة…

 

 

وقفت إميليا بجواره، يعتريها القلق، لكنها تحدثت بنبرة مشجعة.

 

 

 

حين سمعا عن فقدانه للذاكرة، اضطربت إيميليا وبياتريس في البداية، إلا أنهما صدقتاه في النهاية. وبعد استيقاظه وسط اضطرابه في الغرفة الخضراء، أخبرهما بالحقيقة مباشرة، وطلب منهما دعمه في هذا الاجتماع.

«باروسو… هل ستتذكر ريم؟»

 

 

في المرة السابقة، كانت تجربته مروِّعة. أما الآن، فقد انطلق ناتسكي سوبارو في مسار جديد تمامًا.

 

 

نظر في عينيها الورديتين، واستجمع عزيمته، ثم نطقها بوضوح كالشمس.

لقد عقد العزم على أن يبدأ حياته من جديد في هذا العالم الآخر— أو هكذا أراد أن يصف الأمر، لكن الواقع ليس بهذه المثالية. اتخاذ القرار بحد ذاته كان جيدًا، لكنه لم ينسَ أنه كان من الممكن أن تنتهي حياته تمامًا مع موته الأخير.

تلاشى ذلك القلق المجهول تمامًا مع خفوت ذلك الصوت الهاديء الموجه إليه، ليندفع نحو النور الأبيض، المضيء، السامي، الطاهر، العذب…

 

 

ومع ذلك، لم يستطع منع نفسه من الشعور بالامتنان والراحة لأنه حصل على فرصة أخرى؛ لأنه عاد من الموت مجددًا. لكنه لم ينوي الاتكال على ذلك وحسب.

 

 

 

لقد امتلك قدرة عظيمة، لكن محفزها -الموت- كان عذابًا يفوق الوصف. وإذا كان ثمن التلاعب بالمصير هو هذا العذاب، فقد بدا له أمرًا منطقيًا. القدرات العظيمة تتطلب أثمانًا عظيمة، وليس لديه شك في أن قدرته لا تشذ عن هذه القاعدة.

 

 

 

بل إن احتمال كون هذه القدرة محدودة بعدد معين من المرات، أو أنها تتطلب تضحية ثمينة مقابل كل محاولة، ليس مستبعدًا. عليه أن يكون حذرًا من الإفراط في استخدامها.

 

 

إن لم يكن بوسعه التعلق بأمل في شخص أو شيء، فعليه أن يثق بعاطفة رام الأمومية.

وحين بلغ تفكيره هذا الحد—

 

 

 

«مهلًا… هل يمكن أن يكون فقداني للذاكرة هو الثمن الذي دفعته للعودة من الموت؟»

«……»

 

«ميلي…»

«هل تستمع إليَّ، باروسو؟»

«—!»

 

 

جذبته نبرة رام الحادة إلى الواقع مجددًا. نظرت إليه بعينيها الزهريتين، وقد عقدت ذراعيها أمام صدرها.

إنه الصوت ذاته الذي سمعه في أسوأ الظروف الممكنة…

 

 

«رغم ما قالته السيدة إميليا، لا يبدو أن سوبارو قلق على نفسه إطلاقًا… ما هذه المهزلة، باروسو؟»

 

 

«لا تقلق بشأن البقية، إن لزم الأمر. فقط تذكَّر ريم.»

«الأمر ليس مزحة. كل ما في الأمر أنني كنتُ صريحًا بشأن مخاوفي وقلت الحقيقة. مجرد تخيُّل المصائب التي قد تحل إن قررتُ التكتُّم على الأمر بعناد كافٍ لتحطيم قلبي.»

قال سوبارو ذلك بإبتسامة، كاشفًا عن براعته المذهلة في الاستنتاج أمام ميلي، الفتاة التي دفعته إلى الأسفل مرتين من قبل.

 

 

تصلبت نظرة رام، ثم أطلقت تنهيدة مستاءة:

«أحمق.»

 

 

«كلماتك متقنة، لكن هل تعتقد أننا سنصدقك فقط لأنك تفوهت بجملة ذكية كهذه—؟»

هل هو شيء قاتل لا أدركه؟ …ذلك سيكون مرعبًا حقًا.

 

«هذا وصف دقيق.»

إلا أن الصوت الذي أوقف احتجاجها الحانق ليس سوى صوت بياتريس، التي جلست بجوار سوبارو برشاقة، وقالت وهي تشير إليه بنبرة واثقة:

 

 

 

«ليس هناك سبب يدعو سوبارو لاختلاق مثل هذه الأكاذيب السمجة. عليكِ أن تدركي ذلك، أليس كذلك؟»

 

 

وطبعًا—

لطالما كانت بياتريس حليفة سوبارو، والآن، كانت تدافع عنه بلا تردد.

«لا تبكِ، سوبارو. لا داعي للعجلة. خذ نفسًا عميقًا… بهدوء… بياتريس وأنا هنا معك.»

 

 

«ثم إن إميليا لا تكذب. سوبارو فقد ذاكرته بالفعل، وهو أكثر من يعاني من ذلك. لهذا بكى مثل طفل صغير.»

شخص ما اقترب بخطوات هادئة، بالكاد يمكن ملاحظتها إذا لم يكن شديد التركيز.

 

«آووو!»

«إثارة هذا الموضوع الآن… محرج بعض الشيء.»

إلا أن الصوت الذي أوقف احتجاجها الحانق ليس سوى صوت بياتريس، التي جلست بجوار سوبارو برشاقة، وقالت وهي تشير إليه بنبرة واثقة:

 

فجأة، اختفى ذلك الضغط المخيف الذي كانت رام تشعُّ به.

حكَّ سوبارو وجنته بإحراج، مكتفيًا بترك الأمر عند هذا الحد.

 

 

 

في الحقيقة، كانت دموعه مزيجًا معقدًا من المشاعر. العودة إلى الحياة، رؤية الجميع مجددًا، إدراك أنه حصل على فرصة أخرى…

«إذا كنت تقول ذلك…»

 

قطعت رام الصمت في الرواق أثناء توجههما لجلب الماء. لقد انتظرت طويلًا بما يكفي للحصول على إجابة.

لكن في النهاية، الدموع هي الدموع. ولا يليق أن يُحقق أحد في أسباب بكاء رجل.

 

 

 

كان ممتنًا لبياتريس، ممتنًا لدعمها الدائم.

في المرة التي سبقت، وجد جثث الجميع واحدة تلو الأخرى… باستثناء جثتي إميليا وبياتريس.

 

كان من الطبيعي تمامًا أن تعجز عن تقبُّل فكرة أن سوبارو فقد ذاكرته ببساطة.

وعندما تذكر ارتياحها العابر وتعليقها عن إخراجها من هناك، شعر بألم يعتصر صدره، كما لو أن سلسلة ضُيِّقت حول قلبه.

لكن حين أزال ذلك الفلتر المسموم، اتضح له أن كل أفعالهم وأقوالهم كانت بدافع القلق علي سوبارو فحسب.

 

 

ماذا فعل ذلك ال«ناتسكي سوبارو» ببياتريس؟

 

 

 

شعر بالذنب لأنه استند إلى ثقتها، رغم أنه لم يعلم حقًا تفاصيل العلاقة التي جمعتهما. كان عليه ألَّا يعتبر ثقتها أمرًا مسلمًا به.

 

 

 

«بصراحة، اللجوء إلى حجة ”ليس لديَّ سبب للكذب“ لإسكات الشكوك ليس مثاليًا، لكنني سأطلب منكم تحمُّلي.»

«قلت لك توقف، باروسو. إن كنت—»

 

«أغه… آه…»

«إذا كنت تقول ذلك…»

سماع ذلك الصوت مجددًا جعل قلبه يقفز. انقبض صدره، وخفق قلبه بعنف وهو يلتفت ببطء.

 

 

«والآن، فلنحاول التحدث بطريقة أكثر جدوى. لحسن الحظ، أشعر هذه المرة بالتفاؤل. سأكون سعيدًا بأي نقاش يساعدنا على التقدم… وإذا كان لدى أحدكم شيء ليقوله، فسأستمع.»

 

 

《٤》

وبنى كلماته فوق ما قالته بياتريس، ثم خفض رأسه مرة أخرى. وإلى جواره، خفضت إميليا رأسها هي الأخرى.

«مغغ! كفَّ عن العبث هكذا فور استيقاظك، سوبارو! لا نزال حتى الآن لا نعرف سبب انهيارك…»

 

عندما رأت إميليا ارتباكه الشديد، عقدت حاجبيها الجميلين بقلق.

«رجاءً، صدِّقوه.»

 

 

كان ممتنًا لبياتريس، ممتنًا لدعمها الدائم.

«……»

بعد أربع مرات من التجربة، تمكَّن أخيرًا من التقاط جزء صغير من عواصف روحها المتأججة.

 

 

لم تستطع رام المجادلة حين اجتمع الثلاثة على هذا النحو. وهكذا، بدأت تفكر بجدية في تبعات صدق ادعائه.

«أتمنى ألا تكون هذه طريقتك البائسة في الإطراء!»

 

 

ليست رام الوحيدة التي أصابها الذهول باعتراف سوبارو. ردَّ فعلها كان الأكثر وضوحًا، لكن الآخرين -إيكيدنا، وجوليوس، وشاولا- تفاعلوا بالطريقة نفسها التي فعلوها مرارًا من قبل.

«—!»

 

 

ورغم أنه شعر بالأسف لأنه ألقى بهذه المعضلة مجددًا على عاتقهم، إلا أنه كان سعيدًا لرؤيتهم. استطاع التحدث مع الجميع، أولئك الذين كان ينبغي أن يكونوا قد فُقدوا إلى الأبد.

 

 

 

وفي خضم انفعالاته تلك، كان أكثر ما ركَّز عليه—

 

 

لكن، متجاوزًا ردود أفعالهم للحظة…

«—أنتَ مزعج حقًا، أيها السيِّد.»

 

 

«آواواواوا…»

«—غغ!»

وإذ رأت إميليا كيف احتضن بياتريس وداعبها، شعرت للحظة بأنها مستبعدة.

 

«أتمنى ألا تكون هذه طريقتك البائسة في الإطراء!»

«ما هذا التفاعل؟ تبدو وكأنك رأيت شبحًا. هذا ليس لطيفًا أبدًا.»

 

 

 

الفتاة التي تظاهرت بعدم التأثر باعترافه كانت قاتلة شابة، بشعر أزرق داكن مضفور، وثياب داكنة.

في المرة السابقة، كانت تجربته مروِّعة. أما الآن، فقد انطلق ناتسكي سوبارو في مسار جديد تمامًا.

 

«حتى لو كان ذلك صحيحًا، سأستعيدها. ريم، ذكرياتي، والسبب الذي جئنا من أجله إلى هذا البرج— كل شيء. سأحرص على استعادة كل ما فقدناه، ثم سنعود جميعًا معًا. نحن نستحق ذلك.»

كانت ميلي بورتروت هناك، تتحرك وتتحدث.

ليست هذه أول مرة يكشف فيها عن فقدانه للذاكرة، ورأى بالفعل كيف تقبل الجميع الصدمة سابقًا، حتى لو كان ذلك ظاهريًا فقط.

 

 

«ميلي…»

 

 

 

«همم… إذًا تتذكر اسمي… في الواقع، لا أستطيع التمييز بين ما الذي يفترض أن يكون مختلفًا. ماذا نسيت بالضبط؟»

«لنذهب، رام. كنتِ تبدين وكأنكِ على وشك دعوتي لجلب الماء.»

 

 

«… آه، آسف. الأمر أشبه بفقدان بعض الحلقات من مسلسل. يبدو أنني أستطيع تذكُّر الأسماء، لكن عندما يتعلق الأمر بالأحداث، تصبح الأمور ضبابية إلى حد ما.»

«… هل قلتَ الشيء نفسه للسيدة إميليا والسيدة بياتريس؟»

 

 

«… إذًا، ماذا عن… ما حدث البارحة؟» همست ميلي بصوت منخفض، وعيناها تضيقان بشيء من الترقب.

 

 

سوبارو لم يكن يعلم جميع التفاصيل بعد، لكن كان هناك نوع من الارتباط بينه وبين ريم. وبالنسبة لشقيقة ريم الكبرى، فإن وجود ذلك الارتباط كان ركيزة دعم ضخمة لا يمكن الاستغناء عنها.

«صحيح.»

«… إذًا، ماذا عن… ما حدث البارحة؟» همست ميلي بصوت منخفض، وعيناها تضيقان بشيء من الترقب.

 

 

أجاب سوبارو فورًا.

هل هذا هو الخيار الصحيح؟ هل هذا هو المكان الصحيح؟

 

هل هذا هو الشخص الذي يريد أن يكونه؟ ذاك الذي يُمنح الثقة، والمغفرة، والقبول؟

كان بإمكانه التهرب بإجابة مختلقة، لكنه قرر خلاف ذلك. أراد أن يكون صادقًا معهم قدر الإمكان.

 

 

«أحتاج إلى قوة الجميع. «ناتسكي سوبارو» الذي عرفتموه جميعًا، «ناتسكي سوبارو» الذي كان هنا حتى اليوم— ربما لم يكن ليضطر إلى قول أمر مثير للشفقة كهذا. لكنني أحتاج إلى ذلك.»

«—البارحة؟ هذا… لا، أعتقد أنه كذلك.» تمتم جوليوس.

 

 

 

ربما كان الأكثر صدمة من بين الحاضرين هما جوليوس وإيكيدنا. لقد قيل إن الثلاثة كانوا قد حضروا اجتماعًا مشبوهًا في اليوم السابق.

 

 

 

لكن، متجاوزًا ردود أفعالهم للحظة…

 

 

 

«مجدَّدًا، سيِّدي؟ إلى متى ستستمر في نسياني قبل أن ترضى!» زمَّت شاولا شفتيها باستياء وهي تعانق صدرها الممتلئ.

«رام، الحقيقة أنني لا أتذكر. هذا ليس كذبًا، ولا خدعة، ولا خطة مبيتة.»

 

 

في كل مرة، تجاهل سوبارو ترَّهاتها، لكن هذه المرة، وجد نفسه عاجزًا عن التغاضي عنها.

 

 

 

«أشعر أنني أرتكب خطأً بالخوض في هذيانك، لكن هل كان سيدك يفقد ذاكرته بهذه الكثرة حقًا؟»

«بصراحة، لا يزال من الصعب تقبُّل الأمر على ظاهره، لكن… طالما بقينا في هذا البرج، فمن الحكمة أن نضع في الحسبان احتمال أن يكون فخٌّ ما هو ما تسبَّب في حالة ناتسكي الحالية.» بدأت إيكيدنا في تحليل الوضع بجدية.

 

 

«…؟ حدث ذلك كثيرًا. في كل صباح عندما أحييك، كنت تقول: ”مَن أنتِ مجددًا؟ لا أتذكركِ. لا أعرفكِ.“ وكأنني مجرد نزوة عابرة.»

 

 

«أقسم أنني سأفعلها. سأرمي بنفسي في هذا النزال بقدر ما يتطلب الأمر. وإن خالفت هذا الوعد، إن رأيتني أستسلم ولو للحظة— حينها، افعلي بي ما تشائين، سواء كان ذلك الغلي أو القلي أو أي شيء آخر.»

«هممم. لا يبدو هذا مجرد مزاح عادي، لكن يصعب التأكد…»

 

 

«ما هذا التفاعل؟ تبدو وكأنك رأيت شبحًا. هذا ليس لطيفًا أبدًا.»

افتراضيًا، إن كان سوبارو على علاقة ودودة مع شاولا، فقد يكون هذا مزاحًا من نوعه. لكن في الوقت نفسه، كان قد حاول سابقًا إخفاء فقدانه للذاكرة عنهم. وفي ظل تلك الظروف، ليس من الغريب أن يستخدم هذا النوع من المزاح لسدِّ الثغرات.

 

 

لو كان في مكانها، وسمع شيئًا لا يريد تصديقه، لأشاح بنظره بعيدًا. لكنها لم تحاول أن تبتعد عنه ولو للحظة واحدة.

هذا حقًا أمر مزعج حدَّ القتل. في الواقع، لقد مت أربع مرات حتى الآن؛ لذا ربما ليس هذا أفضل تعبير أستخدمه.

 

 

《٤》

«بصراحة، لا يزال من الصعب تقبُّل الأمر على ظاهره، لكن… طالما بقينا في هذا البرج، فمن الحكمة أن نضع في الحسبان احتمال أن يكون فخٌّ ما هو ما تسبَّب في حالة ناتسكي الحالية.» بدأت إيكيدنا في تحليل الوضع بجدية.

«إذا كنت تقول ذلك…»

 

«لقد فقدتَ ذاتك للحظة عابرة لا أكثر. الأمر يبدو وكأنك قد اختفيت، لكنك في الحقيقة مدفون تحت كومة من المشاعر والأفكار المتراكمة. مثل زهرة دفنتها ثلوج الشتاء، لكنها ستظهر حين يحل الربيع.»

«المكان الأكثر احتمالًا لحدوث ذلك هو حيث وجدتني إيميليا تشان فاقدًا للوعي، في تيجيتا،» وافقها سوبارو. «يبدو أنه كان مكانًا مشبوهًا في الأساس.»

 

 

«حقًا؟ إذًا لماذا أحضرتِ شخصًا كهذا إلى هذا البرج…؟»

«تشان…»

تلك الروح… ناتسكي سوبارو…

 

 

«؟»

 

 

 

لم يستطع سوبارو تجاهل الهمهمة الوحيدة التي تمتمت بها إميليا. كانت قد أبدت رد فعل مماثلًا عدة مرات خلال حديثهما في الحلقة السابقة. لكنه، في النهاية، لم يتمكن من معرفة السبب.

《٤》

 

 

هل هو شيء قاتل لا أدركه؟ …ذلك سيكون مرعبًا حقًا.

 

 

 

«—على أي حال، أنا آسف لأنني فاجأت الجميع. لا شك أنكم بحاجة إلى بعض الوقت لاستيعاب الأمور؛ لذا ما رأيكم أن نأخذ استراحة قصيرة؟ يمكنني أنا ورام الذهاب لإحضار بعض الماء في هذه الأثناء.»

 

 

 

باقتراحه ذاك، نهض سوبارو على قدميه. ارتعشت كتفا رام قليلًا، بينما نظرت إليه إميليا وبياتريس بقلق.

«هل هذا كل ما يلزم؟» سألها سوبارو وهو لا يزال جالسًا على الأرض. «هل يكفي مجرد طلب المساعدة؟»

 

 

لكنه اكتفى بإيماءة بسيطة تجاه الفتاتين القلقتين، وثبَّت عينيه السوداوين على رام.

 

 

«سوبارو؟ سوبارو، ماذا هناك؟ بيتي هنا. لا بأس، لا بأس، سوبارو… لا داعي للبكاء.»

«لنذهب، رام. كنتِ تبدين وكأنكِ على وشك دعوتي لجلب الماء.»

 

 

 

«كم أنتَ بذيء.»

نقي وعذب، لطيف لكنه ثابت، مبهج وساحر.

 

 

رفضت رام لقاء نظره.

في اللحظة التي راوده فيها هذا الخاطر، تدفق الدم إلى وجهه، واحمرت وجنتاه على الفور، فالتاثت عيناه، وضاعت الكلمات منه. كان الخفقان في أذنيه مدويًا حتى كاد يؤلمه. وفي النهاية، بدأ يتمتم بكلام غير مترابط.

 

«أ-أنتِ… لقد تطلَّب مني الأمر شجاعة كبيرة لأقول كل هذا…»

《٤》

 

 

«لنذهب، رام. كنتِ تبدين وكأنكِ على وشك دعوتي لجلب الماء.»

«إذًا، ما الهدف من هذه المسرحية التي قمت بها للتو؟ بما أنك سحبتني إلى هنا، أفترض أنك تنوي شرح الأمر.»

 

 

تسارعت دقات قلبه لهذه المشاعر التي شعر بها بوضوح.

قطعت رام الصمت في الرواق أثناء توجههما لجلب الماء. لقد انتظرت طويلًا بما يكفي للحصول على إجابة.

«ما الذي تخطط له؟ هذه… هذه الكذبة العبثية!»

 

ربما كان الأكثر صدمة من بين الحاضرين هما جوليوس وإيكيدنا. لقد قيل إن الثلاثة كانوا قد حضروا اجتماعًا مشبوهًا في اليوم السابق.

في كل مرة خاضا هذا التفاعل سابقًا، رفضت تصديق ادعاء سوبارو بفقدان الذاكرة. لم يكن الأمر مجرد مسألة إثبات أو عناد، بل كان السبب أعمق بكثير.

«آه…»

 

«—نغااااه؟!»

—ريم. كان لذلك علاقة بكل شيء يخصُّ شقيقتها العزيزة، التي لم تستفق بعد من سباتها.

هل هذا هو الشخص الذي يريد أن يكونه؟ ذاك الذي يُمنح الثقة، والمغفرة، والقبول؟

 

 

سوبارو لم يكن يعلم جميع التفاصيل بعد، لكن كان هناك نوع من الارتباط بينه وبين ريم. وبالنسبة لشقيقة ريم الكبرى، فإن وجود ذلك الارتباط كان ركيزة دعم ضخمة لا يمكن الاستغناء عنها.

هل هذا هو الشخص الذي يريد أن يكونه؟ ذاك الذي يُمنح الثقة، والمغفرة، والقبول؟

 

«ريم… أنا—»

كان من الطبيعي تمامًا أن تعجز عن تقبُّل فكرة أن سوبارو فقد ذاكرته ببساطة.

 

 

 

وهكذا—

 

 

لقد امتلك قدرة عظيمة، لكن محفزها -الموت- كان عذابًا يفوق الوصف. وإذا كان ثمن التلاعب بالمصير هو هذا العذاب، فقد بدا له أمرًا منطقيًا. القدرات العظيمة تتطلب أثمانًا عظيمة، وليس لديه شك في أن قدرته لا تشذ عن هذه القاعدة.

«لا ينبغي لك أن تلقي بمثل هذا العبء الثقيل على كاهل السِيّدتين إميليا وبياتريس. أما بياتريس، فالأمر يخصها، لكن بالنسبة إلى السيِّدة إميليا، فهذا يفوق طاقتها. لقد أحسنت صنعًا بالاعتماد عليَّ. والآن، اشرح لي—»

حتى هذه الحركة البسيطة كانت كفيلة بإدهاشه. وكأن أعظم فنان في العصر أطلعه على تحفة فنية ثانية، وهو يحدق فيها عن قرب شديد، حتى إنه يكاد يشعر بأنفاسها. وبرغم الألم الذي يعتصر صدره، استمر نبضه في التصاعد بلا هوادة.

 

«إميليا وبياتريس كانتا أول مَن سمع بذلك. أخبرتهما بما أخبرتكِ به تمامًا. لا يوجد شيء آخر لأقوله. ليس لديَّ أي ورقة رابحة أخفيها الآن.»

«رام، الحقيقة أنني لا أتذكر. هذا ليس كذبًا، ولا خدعة، ولا خطة مبيتة.»

 

 

 

تمسَّكت رام بذلك الأمل الضئيل، لكن سوبارو اضطر إلى تحطيم وهمها.

 

 

«لا تقلق بشأن البقية، إن لزم الأمر. فقط تذكَّر ريم.»

«……»

 

 

 

حين سمعت ذلك، تلبَّدت ملامحها. ارتسمت في عينيها الورديتين ظلال من الاضطراب والذهول… قبل أن تتأجج شرارات الغضب.

««ناتسكي سوبارو» شخص سيئ للغاية…»

 

 

نمت تلك الجذوة حتى صارت أشبه بنيران حارقة، اجتاحت روح سوبارو نفسها. ولم يكن هناك مَن يلام على ذلك سوى ناتسكي سوبارو نفسه. أكاذيبه التي لا تُحصى تكالبت عليه لتفتك به.

 

 

… بدأ ناتسكي سوبارو حلقة جديدة.

«لا أتذكر شيئًا. كل ما لديَّ هو أسماء الموجودين هنا في هذا البرج، وطبيعة علاقتي بهم.»

«الأمر ليس مزحة. كل ما في الأمر أنني كنتُ صريحًا بشأن مخاوفي وقلت الحقيقة. مجرد تخيُّل المصائب التي قد تحل إن قررتُ التكتُّم على الأمر بعناد كافٍ لتحطيم قلبي.»

 

«قيمتك بالنسبة لي تتغير على نحو كبير حسبما إذا كنت تتذكر ريم أم لا. لذا، انتبه لكلماتك.»

«توقف.»

ما هذا؟ ماذا يحدث لي؟

 

 

«إميليا وبياتريس كانتا أول مَن سمع بذلك. أخبرتهما بما أخبرتكِ به تمامًا. لا يوجد شيء آخر لأقوله. ليس لديَّ أي ورقة رابحة أخفيها الآن.»

عندما سمع صوتًا طفوليًا متذمرًا، التفت ليجد فتاة صغيرة وقد انتفخت وجنتاها في دلال.

 

 

«قلت لك توقف، باروسو. إن كنت—»

«رغم ما قالته السيدة إميليا، لا يبدو أن سوبارو قلق على نفسه إطلاقًا… ما هذه المهزلة، باروسو؟»

 

«غغ!»

«أنا أعرف أننا جئنا إلى هذا البرج لاستعادة الكثير مما سُلب منا. وأعرف أننا وسط اختبار ما، هذا كل ما أدركه. أما عن دوافعي…»

لكن كم من الحدس احتاج إليه ليستشعر ذلك منذ البداية، دون فرصة ثانية؟ مثلما فعلت إميليا وبياتريس… أولئك الذين تلألأوا بوهج ساطع، لكنه لم يستطع أن يسمح لنفسه بالوقوف مبهورًا بذلك الضوء فحسب.

 

 

«إياك أن تجرؤ، باروسو.»

عيناها لم ترتجفا ولو للحظة. كان ذلك ملهمًا.

 

 

«ريم… أنا—»

بينما رمقته بنظرة باردة، أمسك بها سوبارو فجأة وسحبها إلى أحضانه بقوة.

 

 

«باروسو!!!»

 

 

«ما الذي تخطط له؟ هذه… هذه الكذبة العبثية!»

«… لا أتذكر أي شيء من ذلك.» تمتم سوبارو بأسى.

 

 

«أجل. هل أنتَ بخير، سوبارو؟ هل تستطيع الجلوس؟ هل يمكنك التحدث؟»

رفضت رام سماع كلماته، لكن حين وصلت إلى مسامعها نبرة الاعتذار في صوته، تحوَّلت إلى تجسيد حي للغضب. أمسكته بعنف.

هل هذا هو الشخص الذي يريد أن يكونه؟ ذاك الذي يُمنح الثقة، والمغفرة، والقبول؟

 

 

«غغ!»

 

 

 

قبضت على قميصه بعزم، ورفعته لتصدمه بالجدار. رغم نحالة ذراعيها، امتلكت قوة لا تصدَّق، قوَّة سحقت سوبارو في مكانه، وعيونها تحدِّق به من مسافة قريبة.

في المرة السابقة، كانت تجربته مروِّعة. أما الآن، فقد انطلق ناتسكي سوبارو في مسار جديد تمامًا.

 

همس لنفسه محاولًا تحفيز ذاته، وهو ينظر إلى راحة يده.

في أعماق تلك العينين، تحوَّلت الجذوة التي رآها سابقًا إلى ألسنة لهب تتراقص بعنف، مهددة بافتراس كل شيء.

رفضت رام لقاء نظره.

 

 

وحين يطغى ذلك اللهيب -أو بالأحرى، حين يطغى على رام- سيعاد مشهد المأساة من جديد.

 

 

 

«ما الذي تخطط له؟ هذه… هذه الكذبة العبثية!»

 

 

 

«إنها ليست كذبة… ليست عليكِ. لا يمكنني—»

«لا تضيِّقي الخناق عليَّ هكذا. سأستعيد كل شيء…»

 

 

«—لا يمكن أن تكذب عليَّ؟ إذًا، ماذا تريد مني؟ أن أصدقك؟ أن أصدق أنك… نسيت ريم؟ هذا… هذا هراء!»

 

 

 

تألقت عيناها بوميض حاد، وكانت نظراتها قريبة لدرجة أن شفاههما كادت تتلامس. في تلك اللحظة، أدرك سوبارو أخيرًا أن اللهيب الذي رآه في عينيها ليس مجرد غضب… بل كان حزنًا متقدًا.

 

 

لطيفة وأمومية قد يكونان وصفين مبالغًا فيهما، لكن حتى صبر بوذا ينفد بعد ثلاث مرات، بينما هو قد وصل إلى محاولته الخامسة بالفعل.

بعد أربع مرات من التجربة، تمكَّن أخيرًا من التقاط جزء صغير من عواصف روحها المتأججة.

قطعت رام الصمت في الرواق أثناء توجههما لجلب الماء. لقد انتظرت طويلًا بما يكفي للحصول على إجابة.

 

 

لكن كم من الحدس احتاج إليه ليستشعر ذلك منذ البداية، دون فرصة ثانية؟ مثلما فعلت إميليا وبياتريس… أولئك الذين تلألأوا بوهج ساطع، لكنه لم يستطع أن يسمح لنفسه بالوقوف مبهورًا بذلك الضوء فحسب.

نقي وعذب، لطيف لكنه ثابت، مبهج وساحر.

 

«لا أتذكر شيئًا. كل ما لديَّ هو أسماء الموجودين هنا في هذا البرج، وطبيعة علاقتي بهم.»

«سأعيد ريم.»

نظر في عينيها الورديتين، واستجمع عزيمته، ثم نطقها بوضوح كالشمس.

 

 

نظر في عينيها الورديتين، واستجمع عزيمته، ثم نطقها بوضوح كالشمس.

«لا أذكر أنني قلت كل هذا بعد القلي…»

 

لكن كم من الحدس احتاج إليه ليستشعر ذلك منذ البداية، دون فرصة ثانية؟ مثلما فعلت إميليا وبياتريس… أولئك الذين تلألأوا بوهج ساطع، لكنه لم يستطع أن يسمح لنفسه بالوقوف مبهورًا بذلك الضوء فحسب.

اتسعت عينا رام، قبل أن تخفي اندهاشها سريعًا وراء غضبها.

تغيَّر صوتها فجأة، واكتسب نغمة أكثر دفئًا.

 

حكَّ سوبارو وجنته بإحراج، مكتفيًا بترك الأمر عند هذا الحد.

«ابتلع لسانك… تعيد ماذا؟ لقد نسيت ريم!»

 

 

«صحيح.»

«حتى لو كان ذلك صحيحًا، سأستعيدها. ريم، ذكرياتي، والسبب الذي جئنا من أجله إلى هذا البرج— كل شيء. سأحرص على استعادة كل ما فقدناه، ثم سنعود جميعًا معًا. نحن نستحق ذلك.»

«……»

 

 

«… باروسو؟»

الفتاة التي تظاهرت بعدم التأثر باعترافه كانت قاتلة شابة، بشعر أزرق داكن مضفور، وثياب داكنة.

 

 

«بعد كل ما مررنا به هنا… هذه هي النهاية الوحيدة التي يمكن أن نقبل بها.»

كان بإمكانه التهرب بإجابة مختلقة، لكنه قرر خلاف ذلك. أراد أن يكون صادقًا معهم قدر الإمكان.

 

«أحتاج إلى قوة الجميع. «ناتسكي سوبارو» الذي عرفتموه جميعًا، «ناتسكي سوبارو» الذي كان هنا حتى اليوم— ربما لم يكن ليضطر إلى قول أمر مثير للشفقة كهذا. لكنني أحتاج إلى ذلك.»

ساد الصمت، مشحونًا بثقل المشاعر المتضاربة. لكن ذلك لم يكن السبب وراء مرارة تعبير سوبارو. نظرت إليه رام بقلق، وبينما كانت قبضتها على صدره تتراخى قليلًا…

 

 

 

استغل الفرصة. أمسك بيديها، أبعدهما، ثم بدَّل مواقعهما.

 

 

 

«—مقزز. أطلق سراحي في الحال.»

 

 

 

حين دفعها نحو الجدار واقترب بوجهه منها مجددًا، أمرته رام بالتوقف. لكن نبرتها لم تكن حادة كما من قبل. تجاهل ذلك وأكمل حديثه.

 

 

 

«رام، سأستعيد كل شيء. ذكرياتي، وريم أيضًا. لذا، أرجوكِ… ساعديني.»

 

 

 

«……»

 

 

 

«أحتاج إلى قوة الجميع. «ناتسكي سوبارو» الذي عرفتموه جميعًا، «ناتسكي سوبارو» الذي كان هنا حتى اليوم— ربما لم يكن ليضطر إلى قول أمر مثير للشفقة كهذا. لكنني أحتاج إلى ذلك.»

ورغم أنه شعر بالأسف لأنه ألقى بهذه المعضلة مجددًا على عاتقهم، إلا أنه كان سعيدًا لرؤيتهم. استطاع التحدث مع الجميع، أولئك الذين كان ينبغي أن يكونوا قد فُقدوا إلى الأبد.

 

 

ذلك الذي وثق به جوليوس، والذي آمنت به بياتريس، والذي غفرت له إيكيدنا، والذي أرادت إيميليا أن يكون إلى جانبها… لو كان هو، ربما لتمكن من إيجاد مخرج من هذه المعضلة بنفسه.

 

 

 

لكن هذا السوبارو لم يستطع. وكان محبوبًا بشدة من قبل الجميع في هذا البرج، بحيث لم يكن بإمكانه الاستسلام أو الاستغراق في نوبة غضب على ضعفه.

 

 

استغل الفرصة. أمسك بيديها، أبعدهما، ثم بدَّل مواقعهما.

«أدرك أنكِ لا تستطيعين تصديقي، أو مسامحتي على نسياني لريم. لكن رجاءً، أبقي غضبكِ لما بعد. والآن، سأقطع لك وعدًا.»

كانت صوته، رغم أنها كانت مبحوحة، واهنة، خاوية من الحياة. لكنها كانت بلا شك صوته هو. وعلى الأقل، كان متأكدًا من أنه لم يولد من جديد ككائن مجهري بلا صوت.

 

 

«…وعد؟»

 

 

هزَّ سوبارو رأسه ببطء، مجيبًا بنبرة مهذبة.

«أقسم أنني سأفعلها. سأرمي بنفسي في هذا النزال بقدر ما يتطلب الأمر. وإن خالفت هذا الوعد، إن رأيتني أستسلم ولو للحظة— حينها، افعلي بي ما تشائين، سواء كان ذلك الغلي أو القلي أو أي شيء آخر.»

 

 

 

عين رام اتسعت مجددًا بينما كان سوبارو يحدِّق فيها عن قرب، لدرجة أنها لا بد أنها شعرت بأنفاسه الدافئة على وجهها. كان الأمر كما لو أنهما احتاجا إلى أن يكونا بهذا القرب كي تصل مشاعره إليها—

 

 

كانت ردود الأفعال على إعلانه المدوي -بل ربما من الأدق وصفه بأنه تفجير مفاجئ من الحقائق- متباينة، لكن الارتباك والفوضى كانا الأبرز. بدا أن الصدمة والحزن سيأتيان لاحقًا.

«إذا تخلَّيت عن الأمر يومًا، فلك أن تفعلي بي ما تشائين. هذا عقابي على فقدان ذاكرتي وجعلك تبكين.»

وفي المرة الأخيرة، شهد موتهم جميعًا، واحدًا بعد الآخر، حتى انهار قلبه تمامًا.

 

«—!»

«مَن قال إنني أبكي؟ لا تكن أحمق.»

«وأين الشجاعة في تحفيز نفسك بالكلمات؟ ثم وعد؟ منك؟ لا تُضحكني. لا يوجد شيء أقل موثوقية في هذا العالم.»

 

في أعماق تلك العينين، تحوَّلت الجذوة التي رآها سابقًا إلى ألسنة لهب تتراقص بعنف، مهددة بافتراس كل شيء.

صفعة قوية ارتطمت بخده، فأرسلته إلى الأرض.

«……»

 

عدَّل سوبارو رأيه بشأن «ناتسكي سوبارو» مرة أخرى. صعود وهبوط حاد في أسهم هذا الرجل، لكن خبرعدم التزامه بوعوده جعله يشهد انهيارًا حادًا.

«آووو!»

«سأكررها مرة أخرى. ستتذكر ريم، حتى لو متَّ.»

 

«توقف.»

وضع يده على خده المحمر، ونظر إلى رام بعدم تصديق.

 

 

 

«أ-أنتِ… لقد تطلَّب مني الأمر شجاعة كبيرة لأقول كل هذا…»

 

 

 

«وأين الشجاعة في تحفيز نفسك بالكلمات؟ ثم وعد؟ منك؟ لا تُضحكني. لا يوجد شيء أقل موثوقية في هذا العالم.»

«مهلًا… هل يمكن أن يكون فقداني للذاكرة هو الثمن الذي دفعته للعودة من الموت؟»

 

 

«إميليا قالت ذلك أيضًا، لكن بجدية، كم وعدًا نكثته قبل اليوم؟!»

 

 

كانت صوته، رغم أنها كانت مبحوحة، واهنة، خاوية من الحياة. لكنها كانت بلا شك صوته هو. وعلى الأقل، كان متأكدًا من أنه لم يولد من جديد ككائن مجهري بلا صوت.

«هل سبق لك أن حافظت على أحدها أصلًا؟»

 

 

 

«لهذه الدرجة؟!»

ما هذا؟ ماذا يحدث لي؟

 

 

عدَّل سوبارو رأيه بشأن «ناتسكي سوبارو» مرة أخرى. صعود وهبوط حاد في أسهم هذا الرجل، لكن خبرعدم التزامه بوعوده جعله يشهد انهيارًا حادًا.

 

 

 

««ناتسكي سوبارو» شخص سيئ للغاية…»

هذا حقًا أمر مزعج حدَّ القتل. في الواقع، لقد مت أربع مرات حتى الآن؛ لذا ربما ليس هذا أفضل تعبير أستخدمه.

 

لقد تغير الوضع على نحو كبير… أو على الأقل، هذا ما أراد سوبارو أن يصدقه، حتى لو لم يكن ذلك صحيحًا بالضرورة.

«بالضبط. يبدو أن هناك سوء فهم هنا، لكنك لم تكن يومًا ذلك الرجل الموهوب القادر على تدبُّر الأمور بمفرده. بل على العكس، أنتَ الأحمق الذي تكمن موهبته الحقيقية في محاولة فعل كل شيء بمفرده وجعل الأمور تسوء أكثر. لقد سببت لي الكثير من المتاعب أيضًا.»

 

 

«إميليا قالت ذلك أيضًا، لكن بجدية، كم وعدًا نكثته قبل اليوم؟!»

«حقًا؟ إذًا لماذا أحضرتِ شخصًا كهذا إلى هذا البرج…؟»

 

 

ربما كان الأكثر صدمة من بين الحاضرين هما جوليوس وإيكيدنا. لقد قيل إن الثلاثة كانوا قد حضروا اجتماعًا مشبوهًا في اليوم السابق.

«أنتَ دائمًا تتطفل من تلقاء نفسك. سأعترف أن لديك مهارة في الكلام، كما أنك عملي إلى حد ما، وتجيد المهام المتفرقة. وأظن أنك تستطيع على الأقل مواساة السيدة إميليا والسيدة بياتريس. وأيضًا…»

وإذ رأت إميليا كيف احتضن بياتريس وداعبها، شعرت للحظة بأنها مستبعدة.

 

«هيآه!»

جلس سوبارو متربعًا على الأرض بينما تسرد رام عيوبه الواحدة تلو الأخرى. كانت تتحدث عن أمور لا يملك عنها أي معرفة، لكن مع ذلك، شعر وكأنه هو الملام. ولم يكن ذلك شعورًا مريحًا.

 

 

 

عندما تحدثت إميليا والبقية عن الجوانب الجيدة في «ناتسكي سوبارو»، شعر بإحراج غريب. أما الآن، فبينما تُعدد رام مساوئه، وجد الأمر مختلفًا ولكن ليس أقل غرابة.

 

 

«أحتاج إلى قوة الجميع. «ناتسكي سوبارو» الذي عرفتموه جميعًا، «ناتسكي سوبارو» الذي كان هنا حتى اليوم— ربما لم يكن ليضطر إلى قول أمر مثير للشفقة كهذا. لكنني أحتاج إلى ذلك.»

شعر سوبارو بقليل من العناد، وقرر أن يسمع كل ما لديها.

 

 

«أنا… أحبك.»

«وماذا أيضًا؟ ساقاي قصيرتان؟ ذاكرتي ضعيفة؟ نظامي الغذائي فظيع؟ لا أعرف متى أستسلم؟»

 

 

في كل مرة، تجاهل سوبارو ترَّهاتها، لكن هذه المرة، وجد نفسه عاجزًا عن التغاضي عنها.

«ساقاك قصيرتان، ذاكرتك مريعة، نظامك الغذائي غير متوازن على نحو لا يصدق، ولا تعرف متى تستسلم.»

وحين يطغى ذلك اللهيب -أو بالأحرى، حين يطغى على رام- سيعاد مشهد المأساة من جديد.

 

 

«هذا وصف دقيق.»

«—أنتَ مزعج حقًا، أيها السيِّد.»

 

تسارعت دقات قلبه لهذه المشاعر التي شعر بها بوضوح.

«… وكانت ريم تهمُّك.»

«إنها ليست كذبة… ليست عليكِ. لا يمكنني—»

 

 

«……»

«……»

 

كان ممتنًا لبياتريس، ممتنًا لدعمها الدائم.

تغيَّر صوتها فجأة، واكتسب نغمة أكثر دفئًا.

《١》

 

 

لو كان لصوتها لون، لكان ورديًا ناعمًا ومريحًا. كان من الواضح أن محبتها اللطيفة لم تتلاشَ، بل بقيت راسخة في قلبها، تمامًا كما بقيت ذكريات أختها وذكريات «ناتسكي سوبارو» الذي وقف إلى جانبها حيَّة في داخلها.

 

 

 

كان ذلك كافيًا ليجعل سوبارو يتخيّل لونًا ورديًا هادئًا.

 

 

 

«باروسو… هل نسيت ريم حقًا؟»

«إثارة هذا الموضوع الآن… محرج بعض الشيء.»

 

 

«… نعم…»

«… حسنًا إذًا. سأتغاضى عن الأمر مؤقتًا.»

 

 

عيناها لم ترتجفا ولو للحظة. كان ذلك ملهمًا.

«حقًا؟ إذًا لماذا أحضرتِ شخصًا كهذا إلى هذا البرج…؟»

 

 

لو كان في مكانها، وسمع شيئًا لا يريد تصديقه، لأشاح بنظره بعيدًا. لكنها لم تحاول أن تبتعد عنه ولو للحظة واحدة.

 

ذلك الذي وثق به جوليوس، والذي آمنت به بياتريس، والذي غفرت له إيكيدنا، والذي أرادت إيميليا أن يكون إلى جانبها… لو كان هو، ربما لتمكن من إيجاد مخرج من هذه المعضلة بنفسه.

«باروسو… هل ستتذكر ريم؟»

«هممم. لا يبدو هذا مجرد مزاح عادي، لكن يصعب التأكد…»

 

 

«نعم. سأفعل. وليس فقط ريم، بل كل شيء آخر أيضًا.»

«ليس هناك سبب يدعو سوبارو لاختلاق مثل هذه الأكاذيب السمجة. عليكِ أن تدركي ذلك، أليس كذلك؟»

 

«هل قلت شيئًا؟»

«لا تقلق بشأن البقية، إن لزم الأمر. فقط تذكَّر ريم.»

 

 

هاتان الفتاتان أظهرتا شجاعة لا تُصدق في مواجهة الموت المحتم، في عالمٍ ينهار من حولهما. عندما ضاع كل شيء وأصبح الأمل مجرد وهم، فضَّلتا سوبارو على نفسيهما. إميليا وبياتريس… لم تتغيرا.

«لا تضيِّقي الخناق عليَّ هكذا. سأستعيد كل شيء…»

 

 

هاتان الفتاتان أظهرتا شجاعة لا تُصدق في مواجهة الموت المحتم، في عالمٍ ينهار من حولهما. عندما ضاع كل شيء وأصبح الأمل مجرد وهم، فضَّلتا سوبارو على نفسيهما. إميليا وبياتريس… لم تتغيرا.

«سأكررها مرة أخرى. ستتذكر ريم، حتى لو متَّ.»

 

 

 

«نعم، أعدك بذلك. حتى لو مت، سأستعيد كل شيء.»

«……»

 

«…أه… نغ…»

وكان يقصد ذلك حرفيًا.

لكنها سرعان ما تماسكت، وظل القلق على حاله يعلو ملامحها. مدت يدها قليلًا لتلمس كتفه، ثم توقفت في منتصف الطريق.

 

«… إذًا، ماذا عن… ما حدث البارحة؟» همست ميلي بصوت منخفض، وعيناها تضيقان بشيء من الترقب.

سيستعيد كل ما رآه، وسمعه، وشعر به، وفعله «ناتسكي سوبارو» في هذا العالم.

 

 

«هل هذا كل ما يلزم؟» سألها سوبارو وهو لا يزال جالسًا على الأرض. «هل يكفي مجرد طلب المساعدة؟»

«… حسنًا إذًا. سأتغاضى عن الأمر مؤقتًا.»

لقد امتلك قدرة عظيمة، لكن محفزها -الموت- كان عذابًا يفوق الوصف. وإذا كان ثمن التلاعب بالمصير هو هذا العذاب، فقد بدا له أمرًا منطقيًا. القدرات العظيمة تتطلب أثمانًا عظيمة، وليس لديه شك في أن قدرته لا تشذ عن هذه القاعدة.

 

 

فجأة، اختفى ذلك الضغط المخيف الذي كانت رام تشعُّ به.

«قف على قدميك، باروسو. لن أسمح لك بالاستسلام أو السقوط على ركبتيك.»

 

«والآن، فلنحاول التحدث بطريقة أكثر جدوى. لحسن الحظ، أشعر هذه المرة بالتفاؤل. سأكون سعيدًا بأي نقاش يساعدنا على التقدم… وإذا كان لدى أحدكم شيء ليقوله، فسأستمع.»

«هل هذا كل ما يلزم؟» سألها سوبارو وهو لا يزال جالسًا على الأرض. «هل يكفي مجرد طلب المساعدة؟»

«المكان الأكثر احتمالًا لحدوث ذلك هو حيث وجدتني إيميليا تشان فاقدًا للوعي، في تيجيتا،» وافقها سوبارو. «يبدو أنه كان مكانًا مشبوهًا في الأساس.»

 

 

«أنتَ رجل، أليس كذلك؟ تقبَّل الأمر فحسب. لقد سمعتُ عزمك، بل وسمعتك تقول إنني أستطيع سلقك، أو قليك، أو تقطيعك، أو تمزيقك، أو طعنك، أو سحقك، أو ما أشاء إن استسلمت. لو تجاهلت ذلك، لكنتُ طعنتُ في طبيعتي اللطيفة والأمومية.»

 

 

ومع ذلك، لم يستطع منع نفسه من الشعور بالامتنان والراحة لأنه حصل على فرصة أخرى؛ لأنه عاد من الموت مجددًا. لكنه لم ينوي الاتكال على ذلك وحسب.

«لا أذكر أنني قلت كل هذا بعد القلي…»

 

 

«آووو!»

«هل قلت شيئًا؟»

حكَّ سوبارو وجنته بإحراج، مكتفيًا بترك الأمر عند هذا الحد.

 

همس لنفسه محاولًا تحفيز ذاته، وهو ينظر إلى راحة يده.

«لم أنطق بحرف، سيدتي.»

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

 

«بعد كل ما مررنا به هنا… هذه هي النهاية الوحيدة التي يمكن أن نقبل بها.»

هزَّ سوبارو رأسه ببطء، مجيبًا بنبرة مهذبة.

نضحت كلماتها بالانزعاج، لكن نظرتها فاضت بالقلق والارتياح معًا.

 

 

لطيفة وأمومية قد يكونان وصفين مبالغًا فيهما، لكن حتى صبر بوذا ينفد بعد ثلاث مرات، بينما هو قد وصل إلى محاولته الخامسة بالفعل.

 

 

حين سمعت ذلك، تلبَّدت ملامحها. ارتسمت في عينيها الورديتين ظلال من الاضطراب والذهول… قبل أن تتأجج شرارات الغضب.

إن لم يكن بوسعه التعلق بأمل في شخص أو شيء، فعليه أن يثق بعاطفة رام الأمومية.

 

 

 

«قف على قدميك، باروسو. لن أسمح لك بالاستسلام أو السقوط على ركبتيك.»

 

 

إن لم يكن بوسعه التعلق بأمل في شخص أو شيء، فعليه أن يثق بعاطفة رام الأمومية.

«أنا فقط أجلس، لا تخلطي بين الأمور… حسنًا، حسنًا.»

 

 

 

نهض سوبارو سريعًا، ونفض الغبار عن ملابسه، ثم واجه رام مباشرة.

 

 

«بعد كل ما مررنا به هنا… هذه هي النهاية الوحيدة التي يمكن أن نقبل بها.»

استندت إلى الحائط، ورتَّبت ملابسها المجعدة، ثم عقدت ذراعيها وهي تنظر إليه بنفس النظرة المعتادة… أو هكذا خُيِّل إليه على الأقل.

 

 

«ثم إن إميليا لا تكذب. سوبارو فقد ذاكرته بالفعل، وهو أكثر من يعاني من ذلك. لهذا بكى مثل طفل صغير.»

«… هل قلتَ الشيء نفسه للسيدة إميليا والسيدة بياتريس؟»

 

 

ذلك الكابوس ليس بعيدًا عن الحدوث مجددًا. وهو، بصفته الوحيد الذي يعلم ما ينتظرهم، كان عليه أن يفعل كل ما بوسعه لمنع الكارثة.

«هاتان الاثنتان… لم يخطر ببالهما لحظة واحدة أنني قد أستسلم»

 

 

«ما الذي تخطط له؟ هذه… هذه الكذبة العبثية!»

«هذا صحيح، فقد أصيبتا بعدواك.»

«… لا أتذكر أي شيء من ذلك.» تمتم سوبارو بأسى.

 

كانت ردود الأفعال على إعلانه المدوي -بل ربما من الأدق وصفه بأنه تفجير مفاجئ من الحقائق- متباينة، لكن الارتباك والفوضى كانا الأبرز. بدا أن الصدمة والحزن سيأتيان لاحقًا.

«لهذا لا يمكنني أن أسألهما. ولا جوليوس أو إيكيدنا، من الناحية العاطفية»

 

 

 

ربما كان لذلك علاقة أيضًا بحقيقة أنه قد عرف مسبقًا، من خلال تكراره السابق، كيف سيكون رد فعلهم. ما يفعله الآن هو مجرد استكمال لبقية الإجابات.

 

 

«باروسو!!!»

«وأيضًا… بناءً على ما قلتِه، يبدو أنني لم أكن شخصًا مميزًا للغاية حتى قبل اليوم.»

 

 

 

«قيمتك بالنسبة لي تتغير على نحو كبير حسبما إذا كنت تتذكر ريم أم لا. لذا، انتبه لكلماتك.»

 

 

 

بهذه الطعنة الحادة، استدارت رام وابتعدت عن سوبارو.

 

 

صفعة قوية ارتطمت بخده، فأرسلته إلى الأرض.

لقد تأخرا كثيرًا أثناء إحضار الماء، وإذا عادا بأيدٍ فارغة، فذلك سيجعل إميليا وبياتريس تقلقان بلا داعٍ.

عين رام اتسعت مجددًا بينما كان سوبارو يحدِّق فيها عن قرب، لدرجة أنها لا بد أنها شعرت بأنفاسه الدافئة على وجهها. كان الأمر كما لو أنهما احتاجا إلى أن يكونا بهذا القرب كي تصل مشاعره إليها—

 

 

حمل الدلو بيد واحدة، وأسرع للحاق بها.

كانت صوته، رغم أنها كانت مبحوحة، واهنة، خاوية من الحياة. لكنها كانت بلا شك صوته هو. وعلى الأقل، كان متأكدًا من أنه لم يولد من جديد ككائن مجهري بلا صوت.

 

«ما الذي تخطط له؟ هذه… هذه الكذبة العبثية!»

«أنا… «ناتسكي سوبارو»، كنتُ هنا حقًا، أليس كذلك؟» سأل بصوت خافت وهو ينظر نحو رام. لم يكن سؤاله طلبًا لتأكيد الحقيقة بقدر ما كان مجرد أنين يائس.

وهكذا—

 

لم يتغيرا. كانا كما هما تمامًا.

لا ينبغي له أن يسأل هذا بعد لحظات فقط من تعهده بعدم الاستسلام مهما حدث.

 

 

 

لم يكن غريبًا أن تنهال عليه بالتوبيخ على ذلك، خاصة وأن حبر وعوده لم يجف بعد.

 

 

بعد أربع مرات من التجربة، تمكَّن أخيرًا من التقاط جزء صغير من عواصف روحها المتأججة.

«أحمق.»

 

 

 

لكنها لم تفعل، بل اكتفت بإهانته برحمة، دون أن تتوقف عن المشي.

«أنا فقط أجلس، لا تخلطي بين الأمور… حسنًا، حسنًا.»

 

في اللحظة التي راوده فيها هذا الخاطر، تدفق الدم إلى وجهه، واحمرت وجنتاه على الفور، فالتاثت عيناه، وضاعت الكلمات منه. كان الخفقان في أذنيه مدويًا حتى كاد يؤلمه. وفي النهاية، بدأ يتمتم بكلام غير مترابط.

«لقد فقدتَ ذاتك للحظة عابرة لا أكثر. الأمر يبدو وكأنك قد اختفيت، لكنك في الحقيقة مدفون تحت كومة من المشاعر والأفكار المتراكمة. مثل زهرة دفنتها ثلوج الشتاء، لكنها ستظهر حين يحل الربيع.»

 

 

عندما رأت إميليا ارتباكه الشديد، عقدت حاجبيها الجميلين بقلق.

لم تُظهر رام أي انفعال، وكذلك لم يفعل سوبارو. ليس الآن، ليس بعد أن أبدى موقفًا قوِّيًا قبل لحظات. لا يمكنه أن يبدو مثيرًا للشفقة الآن.

«أغه… آه…»

 

إميليا هذه موجودة فعلًا. وإن كانت حقيقية وتناديه باسم سوبارو، فهذا يعني أنه هو ناتسكي سوبارو حقًا.

وفي تلك اللحظة، كان تجاهل رام لنظراته وصمتها بمثابة حنوِّ أم لا تريد فضحه.

 

 

تمسَّكت رام بذلك الأمل الضئيل، لكن سوبارو اضطر إلى تحطيم وهمها.

《٤》

ساد الصمت، مشحونًا بثقل المشاعر المتضاربة. لكن ذلك لم يكن السبب وراء مرارة تعبير سوبارو. نظرت إليه رام بقلق، وبينما كانت قبضتها على صدره تتراخى قليلًا…

 

هاتان الفتاتان أظهرتا شجاعة لا تُصدق في مواجهة الموت المحتم، في عالمٍ ينهار من حولهما. عندما ضاع كل شيء وأصبح الأمل مجرد وهم، فضَّلتا سوبارو على نفسيهما. إميليا وبياتريس… لم تتغيرا.

لقد تغير الوضع على نحو كبير… أو على الأقل، هذا ما أراد سوبارو أن يصدقه، حتى لو لم يكن ذلك صحيحًا بالضرورة.

«إذا كنت تقول ذلك…»

 

 

ليست هذه أول مرة يكشف فيها عن فقدانه للذاكرة، ورأى بالفعل كيف تقبل الجميع الصدمة سابقًا، حتى لو كان ذلك ظاهريًا فقط.

يدُ المعتدي الممدودة أصابت الفراغ، وسوبارو أمسك بها قبل أن تتعثر وتسقط للأمام. كان جسدها خفيفًا، ليس بخفة مريبة، بل بخفة تناسب مظهرها تمامًا.

 

 

لكن بمجرد أن غير موقفه وطريقة تفكيره، تغيَّرت نظرته للأمور أيضًا.

ربما كان لذلك علاقة أيضًا بحقيقة أنه قد عرف مسبقًا، من خلال تكراره السابق، كيف سيكون رد فعلهم. ما يفعله الآن هو مجرد استكمال لبقية الإجابات.

 

«باروسو!!!»

في المرة السابقة، شكَّ بالجميع، ويشتبه في كل ما يفعلونه أو يقولونه. راقبهم بعين فاحصة، مقتنعًا تمامًا بأنهم يحيكون مؤامرة ضده.

 

 

 

لكن حين أزال ذلك الفلتر المسموم، اتضح له أن كل أفعالهم وأقوالهم كانت بدافع القلق علي سوبارو فحسب.

 

 

«هيآه!»

ببساطة، بذلوا جهدهم حتى لا يصيبوه بصدمة. بدا تصرفهم مريبًا وغير طبيعي فقط لأنه كان يبحث عن شيء يخاف منه.

 

 

 

«افعلها على الوجه الصحيح، افعلها كما ينبغي، ناتسكي سوبارو…»

 

 

 

همس لنفسه محاولًا تحفيز ذاته، وهو ينظر إلى راحة يده.

 

 

 

أياً كان السبب الذي جعله يفقد ذاكرته، فإن الاحتمال الأكبر أنه موجود في تيجيتا. كان عليه اجتياز المحاكمات، لكن عليه أيضًا معرفة سبب فقدانه للذاكرة.

حمل الدلو بيد واحدة، وأسرع للحاق بها.

 

 

لم يفكر في ذلك من قبل، لكن إن فقد شخص آخر ذاكرته غيره، فستتحول الأمور إلى مهزلة، حيث سيتوجب على الجميع تقديم أنفسهم لبعضهم البعض من جديد.

«والآن، فلنحاول التحدث بطريقة أكثر جدوى. لحسن الحظ، أشعر هذه المرة بالتفاؤل. سأكون سعيدًا بأي نقاش يساعدنا على التقدم… وإذا كان لدى أحدكم شيء ليقوله، فسأستمع.»

 

 

وإضافة إلى ذلك، لم يكن لديهم الوقت الكافي للمماطلة واتخاذ الأمور بروية.

نقي وعذب، لطيف لكنه ثابت، مبهج وساحر.

 

«قيمتك بالنسبة لي تتغير على نحو كبير حسبما إذا كنت تتذكر ريم أم لا. لذا، انتبه لكلماتك.»

«في المرتين السابقتين، انتهى الأمر بالفوضى.»

«إميليا قالت ذلك أيضًا، لكن بجدية، كم وعدًا نكثته قبل اليوم؟!»

 

كانت ردود الأفعال على إعلانه المدوي -بل ربما من الأدق وصفه بأنه تفجير مفاجئ من الحقائق- متباينة، لكن الارتباك والفوضى كانا الأبرز. بدا أن الصدمة والحزن سيأتيان لاحقًا.

في المرة التي سبقت، وجد جثث الجميع واحدة تلو الأخرى… باستثناء جثتي إميليا وبياتريس.

 

 

 

وفي المرة الأخيرة، شهد موتهم جميعًا، واحدًا بعد الآخر، حتى انهار قلبه تمامًا.

 

 

 

ذلك الكابوس ليس بعيدًا عن الحدوث مجددًا. وهو، بصفته الوحيد الذي يعلم ما ينتظرهم، كان عليه أن يفعل كل ما بوسعه لمنع الكارثة.

 

 

عيناها لم ترتجفا ولو للحظة. كان ذلك ملهمًا.

ولهذا، كان أول ما فعله…

 

 

 

«……»

لو كان لصوتها لون، لكان ورديًا ناعمًا ومريحًا. كان من الواضح أن محبتها اللطيفة لم تتلاشَ، بل بقيت راسخة في قلبها، تمامًا كما بقيت ذكريات أختها وذكريات «ناتسكي سوبارو» الذي وقف إلى جانبها حيَّة في داخلها.

 

وبنى كلماته فوق ما قالته بياتريس، ثم خفض رأسه مرة أخرى. وإلى جواره، خفضت إميليا رأسها هي الأخرى.

… هو الوقوف عند حافة الدرج الحلزوني.

وحين بلغ تفكيره هذا الحد—

 

«……»

خلفه، استشعر أنفاسًا خفيفة.

 

 

«تشان…»

شخص ما اقترب بخطوات هادئة، بالكاد يمكن ملاحظتها إذا لم يكن شديد التركيز.

 

 

 

وباستخدام معرفته المسبقة التي تُشبه الغش، استدار في اللحظة الأخيرة.

 

 

 

«—!»

«لم أنطق بحرف، سيدتي.»

 

 

«هوبس، انتبهي، لا تسقطي بدلًا عني.»

«……»

 

 

يدُ المعتدي الممدودة أصابت الفراغ، وسوبارو أمسك بها قبل أن تتعثر وتسقط للأمام. كان جسدها خفيفًا، ليس بخفة مريبة، بل بخفة تناسب مظهرها تمامًا.

 

 

باقتراحه ذاك، نهض سوبارو على قدميه. ارتعشت كتفا رام قليلًا، بينما نظرت إليه إميليا وبياتريس بقلق.

«حسنًا، فلنتحدث.عليكِ أن تتحمِّلي مسؤولية قتلكِ لي.»

ماذا فعل ذلك ال«ناتسكي سوبارو» ببياتريس؟

 

«كم أنتَ بذيء.»

قال سوبارو ذلك بإبتسامة، كاشفًا عن براعته المذهلة في الاستنتاج أمام ميلي، الفتاة التي دفعته إلى الأسفل مرتين من قبل.

حين سمعت ذلك، تلبَّدت ملامحها. ارتسمت في عينيها الورديتين ظلال من الاضطراب والذهول… قبل أن تتأجج شرارات الغضب.

 

كان ذلك كافيًا ليجعل سوبارو يتخيّل لونًا ورديًا هادئًا.

 

«—!»

وطبعًا—

 

«المكان الأكثر احتمالًا لحدوث ذلك هو حيث وجدتني إيميليا تشان فاقدًا للوعي، في تيجيتا،» وافقها سوبارو. «يبدو أنه كان مكانًا مشبوهًا في الأساس.»

////

 

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

«……»

يدُ المعتدي الممدودة أصابت الفراغ، وسوبارو أمسك بها قبل أن تتعثر وتسقط للأمام. كان جسدها خفيفًا، ليس بخفة مريبة، بل بخفة تناسب مظهرها تمامًا.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط