Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ري زيرو: بدء الحياة في عالم أخر من الصفر 2

2 - في المستقبل.

2 - في المستقبل.

《١》

 

 

على الأقل، تمكَّن من إيقاف الفتاة التي كانت مصممة على قتله. لكن التقدم وحده لم يكن كافيًا. كانت هناك أكثر من مأساة واحدة متربصة في هذا البرج…

 

 

«……»

«هذا هو المكان المنعزل، النهاية البيضاء للأرواح. المهد، أود لاغنا. ممرات الذاكرة.»

 

 

كانت ميلي على وشك أن تتعثر وتسقط من الحافة، إلا أن سوبارو أمسك بها بثبات، فحدّقت إليه بعينين متسعتين.

أومأ سوبارو برضا، متأملًا في سير الأمور.

 

 

تلاقت نظراتهما، ولم يستطع سوبارو أن يمنع شعوره المتضارب.

 

 

 

لقد استطاع، بفضل قدرته على العودة بالموت، أن يمنع وقوع مأساة، وهذا أمر جيد بلا شك. لكنه في الوقت نفسه أثبت لنفسه أن هذه الفتاة الصغيرة قد ألقت به إلى حتفه مرتين من قبل.

 

 

 

الجانية التي دفعته إلى السقوط نحو الموت ليست سوى ميلي بورتروت، تلك التي قام سوبارو الآخر بإزاحتها من المعادلة دون تردد في الحلقة السابقة.

 

 

 

«… تريدني أن أتحمَّل مسؤولية قتلك؟ هذا تعبير غريب، أيها السيد.»

 

 

 

تحركت عيناها للحظة بارتباك، قبل أن تستعيد رباطة جأشها سريعًا وترسم ابتسامة ناعمة وهي تلامس بأطراف أصابعها ذراع سوبارو الملتف حول خصرها.

 

 

لقد كانت ردة فعل غريزية؛ لأن القتل أصبح نهجها الافتراضي. لأن الحياة التي عاشتها كانت قاسية إلى حد لم تستطع معه تصوُّر أي خيارٍ آخر.

ثم غيَّرت وضعها، مبتعدة نحو الدرج قبل أن تستدير لتواجهه مجددًا.

ظلت ميلي تحدق بعيدًا، كما لو أنها تائهةٌ في أفكارها.

 

قطّب يوليوس حاجبيه أمام هذا التفسير الغامض، لكنه لم يسعَ للتعمق فيه. بدا وكأنه اكتسب قدرة على تجاهل النكات غير المفهومة من خلال تفاعله مع سوبارو بالأمس، يا له من تفاهم غريب.

«ربما فقدتَ شيئًا أكثر من مجرد ذكرياتك؟ وإلا لما كنتَ لترتكب مثل هذا الخلط الفادح.»

 

 

«هل تحترمينني حقًّا؟»

«أوه، حقًا؟»

«هذا الوصف غير مُرضٍ كثيرًا… ولكن بما أنك تربت على رأس بيتي، فسأتغاضى عنه.»

 

 

«بالطبع! هل يُعقل أنني حاولتُ قتلك؟ هذا افتراء بشع.»

 

 

 

وضعت ميلي يديها خلف ظهرها، وأخذت تبتسم ببراءة متناهية.

أومأ سوبارو برضا، متأملًا في سير الأمور.

 

في الحقيقة، كان يستغل إنجازات «ناتسكي سوبارو»، مستفيدًا من التأثير الذي خلّفه على إميليا وبياتريس ويوليوس وبقية الرفاق. في هذه اللحظة، كان يطلب الإذن لاستخدام الجانب الجيد من ذلك التأثير، وتجاهل السيئ.

شعر سوبارو بأن حماسته بدأت تخفت قليلًا. لم يتوقع أنها ستنكر التهمة بعد أن ضبطها متلبسة، لكنه استطاع أن يفهم ذلك… إن كانت ميلي، فهذا ليس مستبعدًا.

«هذا ممكن بالتأكيد. هناك أيضًا حل مشكلة “تيجيتا”. ربما كان تقدم «ناتسكي» علينا بسبب معرفته التي كانت تسبقه هو ما أدى إلى فقدانه للذاكرة.»

 

«من عساه يفعل شيئًا بهذه القسوة، يا ترى؟»

كانت عنيدة. أو بتعبير أقل لطفًا، تتصرف بطيش.

«ح-حسنًا. إيميليا-تشان نصف جنيّة… وهذا يفسّر جمالها الذي لا يُضاهى. طول عمر أنصاف الجنيّات وجمالهنّ الأخاذ من الأمور المتعارف عليها.»

 

 

في بعض النواحي، كانت أشبه بحيوان بري، كما أنها تأثرت أكثر من اللازم بالشخص الذي اتخذته قدوة لها.

«نعم، لقد قال: “في حال حدث أي شيء لميلي”. هذا ما قصدته، صحيح، سوبارو؟»

 

 

«يؤسفني أن تشك بي. لو كنتُ أنوي قتلك، لكان من الأسهل أن أفعلها في الصحراء بدلًا من هنا، أليس كذلك؟ آه، لكنك لا تذكر ذلك، صحيح؟»

 

 

 

«هذا صحيح، إنها قصة غريبة فعلًا. لو كنتِ قد خططتِ لقتلنا منذ البداية، فلا بد أن الفرص أتيحت أمامك. لكنكِ لم تفعلي.»

 

 

 

«أليس كذلك؟ إذًا—»

بناءً على ذلك، كان من الأفضل الافتراض أن مقدار الذكريات المفقودة غير محدود. في الواقع، بالنظر إلى كل الاحتمالات، ربما كان سوبارو محظوظًا إلى حد ما، إذ إنه احتفظ على الأقل بإحساسه بذاته.

 

«سوبارو!»

«لكن القصة تتغير إن حصلتِ على دافع جديد هذا الصباح. أو بالأحرى، إن كان ما حدث البارحة قد أدَّى إلى سلسلة من التبعات.»

«بل كان يجدر بكِ ألا تذكري ذلك، تحكّمي في نفسك، إيكيدنا.»

 

 

«……»

 

 

تغيرت ملامح ميلي، وتوقفت ابتسامتها الهادئة. زفرت ببطء، ثم هزت كتفيها بأسلوب مثقل بالأعباء، لا يتناسب مع عمرها الصغير.

«بل كان يجدر بكِ ألا تذكري ذلك، تحكّمي في نفسك، إيكيدنا.»

 

أخذت رام يد إميليا وحذّرتها برفق.

«… هل أنا ضحية مكيدة؟»

«ستكون مجرد لفترة قصيرة مرة اخرى ولكن، من اللطيف مقابلتك، أيها السيد.»

 

—لأنها لم تظهر أمامه ولو لمرةٍ واحدة.

«بأي معنى؟»

تغير تعبير ميلي مجددًا.

 

إن كانت تيجيتا تحوي بالفعل كل من فارقوا الحياة في هذا العالم، فإن القول إن هناك عددًا من الكتب يماثل عدد النجوم في السماء لن يكون مبالغة. العثور على الكتاب المطلوب سيكون كالبحث عن إبرة في صحراء شاسعة.

«كنتَ تختبرني، صحيح؟ تتظاهر بأنك فقدتَ ذاكرتك لترى إن كنتُ سأحاول دفعك مجددًا… والآن بعد أن وصلنا إلى البرج، لم أعد ذات فائدة لكم؛ لذا حان الوقت للتخلص من الأطراف غير الضرورية.»

 

 

رغم أنه لم يعش سوى بضعة أيام متكررة أربع مرات، كان يحمل في قلبه حزمًا من الذكريات التي لا يستطيع السماح لنفسه بالتخلي عنها.

شعر سوبارو بالحزن وهو يسمعها تصف وضعها ببرود، وكأنها ليست شخصًا له مكانته بين الآخرين.

ولكن المشكلة كانت أن الذكريات التي بدأ بجمعها في الدورات الأربع الأخيرة أصبحت ثمينة للغاية بحيث لا يمكنه التضحية بها ببساطة.

 

 

كان صحيحًا أنه كان يختبرها، لكنه لم ينوي الإساءة إليها. ومع ذلك، إن أنكر ذلك الآن، فلن يكون مقنعًا.

 

 

 

لكن بوسعه أن يفعل ما لم تتوقعه.

 

 

 

«إذًا، كيف تنوي القضاء عليَّ؟ هل ستدفعني من هنا انتقامًا؟ أنا الآن بلا تلك الوحوش الحقيرة التي أتحكم بها؛ لذا يمكنك محوي بسهولة، حتى بمفردك.»

«… هاه؟»

 

ومع ابتسامة إميليا التي ودعته، فتح الكتاب.

«لا تفهمي الأمر خطأ، ميلي. لم أكذب بشأن فقدان ذاكرتي لخداعك. إنها الحقيقة، وهي مشكلة خطيرة فعلًا.»

عقدت بياتريس ذراعيها القصيرتين، وأجابت بصرامة. شهقت ميلي قليلًا، فيما بدأت إميليا بالضحك.

 

 

«يمكنك قول ذلك، لكن من الصعب تصديقك… إذًا، ماذا تريد مني، أيها السيد؟ هل تعتقد أن الأمر لن يكون حقيقيًا إن لم تشعر به بنفسك؟»

 

 

ميلي.

وضعت ميلي يديها حول رقبتها النحيلة، وأخرجت لسانها بسخرية.

اتسعت عينا يوليوس الذهبيتان بذهول. حين رأى سوبارو الاضطراب الجليّ في نظره، تنفّس بعمق. كان يتوقع رد الفعل هذا، لكنه رغم ذلك لم يستطع منع نفسه من التفكير: امنحني استراحة، رجاءً.

 

 

«أغه…»

«»

 

تلعثمت، متشبثةً بيأس بالمنطق الذي حاولت إقناع نفسها به.

خفق قلب سوبارو بقوة، لكن ميلي كانت تسخر منه فقط. لم يكن الأمر كما لو أنها استرجعت ذكرياتها عن كيف قُتلت في الحلقة السابقة.

‹‹كن لطيفًا.››

 

«همف. أعتقد أنني لا أزال أملك عينين وأذنين وأنفًا وفمًا، لكن هل هناك شيء غير طبيعي؟» سأل يوليوس.

بهذا المعنى، وجهت تلك القاتلة الصغيرة طعنات قاتلة إلى قلبه واحدة تلو الأخرى.

«—حسنًا… إذن، لم يطّلع أحد بعد على كتاب ريد، صحيح؟»

 

 

«لا أنصحك بجعل الأمر طويلًا. لا أرغب في المعاناة شخصيًا، لكنك أيضًا لست بارعًا في إخفاء مشاعرك—»

 

 

«أعتقد أن لطافتك ليست مجرد مجموع هذه الأجزاء. إنها تتضاعف بشكل أساسي. وصوتك أيضًا. وشعرك. نعم، هذا لا يساعد. أنتِ مثل ملاك. متألقة جدًا، لا أستطيع النظر إليك مباشرة.» غطّى سوبارو وجهه بيديه ونظر إليها من بين أصابعه.

«—لا أنوي قتلك أو إيذاءك، لا اليوم ولا غدًا. سأتعامل معك بنفس الطريقة التي اعتدتُ التعامل بها دائمًا.»

اعترضت بياتريس قائلة: «لا أرغب في التفكير في ذلك، لكن هناك احتمال لفقدان طفيف للذاكرة. من الممكن أن يكون مقدار الفقدان مرتبطًا بكمية ما قُرئ، على ما أظن.»

 

**ضغطت ميلي أصابعها معًا واحمرّ وجهها بخجل.**

«… هاه؟»

 

 

وبتسليم صامت من الجميع، وُضع الكتاب بين يدي سوبارو، وهو يبتسم بتوتر.

تغير تعبير ميلي مجددًا.

«نعم، بالضبط! هذا هو!» أومأ سوبارو، فرفع يوليوس يده إلى ذقنه متفكرًا.

 

 

لكن هذه المرة، ليس مجرد رد فعل سريع ومناسب للموقف كما فعلت من قبل. هذه المرة، بدت في حيرة واضحة. حدَّقت في سوبارو، غير قادرة على استيعاب ما يقوله.

 

 

 

أما هو، فاكتفى بالإيماء مؤكدًا كلامه.

 

 

 

«لحسن الحظ، أُوقِف الأمر قبل أن يتفاقم؛ لذا طالما بقي هذا الأمر سرًا بيننا، فيمكننا التظاهر بأن شيئًا لم يحدث. كان عليَّ فقط أن أضبطك متلبسة؛ لأنك لو نجوتِ من المحاولة الأولى، فربما كنتِ ستواصلين البحث عن طرق أخرى لقتلي. إن رأيتِ ذلك قسوة، فلن أنكر. آسف.»

ميلي.

 

 

«أغ… مـ-ماذا…؟»

 

 

إجابة سوبارو لم تكن ما أرادت سماعه.

«لكنِّك تفهمين الآن، أليس كذلك؟ محاولة إيذائي محفوفة بالمخاطر بالنسبة لك. إن لم يكن هذا كافيًا لإقناعك، فلا بأس، لكن على الأقل تحدَّثي معي. إن كان هناك ما يُزعجك، فسأستمع إليك قدر استطاعتي…»

«وكل هذا بينما كنت أواسي يوليوس؟! هل أنتم محترفو اختصارات؟»

 

«أريد أن يكون لي نصيب أكبر في القلق عليك أحيانًا.»

تردَّدت ميلي للحظة، ثم تمتمت بصوتٍ مرتجف: «ما الذي قد يُزعجني…؟» لكنها سرعان ما عضَّت شفتيها، وصاحت بغضب:

إن كانت تيجيتا تحوي بالفعل كل من فارقوا الحياة في هذا العالم، فإن القول إن هناك عددًا من الكتب يماثل عدد النجوم في السماء لن يكون مبالغة. العثور على الكتاب المطلوب سيكون كالبحث عن إبرة في صحراء شاسعة.

 

«رجاءً، ميلي. صدّقي سوبارو… صدّقينا.»

«هذا الوضع برُمَّته! هذا ما يُزعجني الآن!»

 

 

 

حاول سوبارو تهدئة الأمور بطريقة ودِّية، لكن ميلي لم تستطع سوى التحديق فيه بعدم تصديق تام.

 

 

انخفضت كتفا سوبارو حين تجاهلت حديثه بابتسامة، بينما كان الاثنان اللذان كانا يصعدان الدرج قد انضما أخيرًا إلى المجموعة في الأعلى.

«لا أستطيع تصديق هذا… لا يمكنني… لا يمكنني…»

 

 

 

راحت تلمس ضفيرتها بقلق، حركةٌ لا تخلو من دلالة، تعكس اعتمادها على شخصٍ آخر سرح شعرها بالطريقة ذاتها. أو هكذا بدا لسوبارو.

 

 

«بشأن ذلك… هل يمكننا تأجيل الأمر الآن؟» ما إن أوقف سوبارو هذا الطرح حتى بدت الدهشة على وجوه جميع من حوله. «أشعر بالسوء لأنني فقدت ذاكرتي، وأنا سعيد حقًا لأنكم جميعًا تريدون مساعدتي. لكن لا أحد يعتقد حقًا أن فقداني للذاكرة لا علاقة له بفخاخ هذا البرج، أليس كذلك؟»

«أنتَ لا تُدرك حقًّا ما كنت على وشك فعله الآن! هذا مستحيل! وإلا، فلن يكون لهذا أي معنى! وإلا…»

 

 

«نعم، بطبيعة الحال. أنتِ… حسنًا، ربما ستكونين مثالًا لما لا يجب فعله، لكنني لن أستبعدكِ من المجموعة. لديكِ حسٌّ أموميٌّ، لذا سيكون من الجيد أن تعملي على الوصول إلى قلب ميلي العنيد.» قال سوبارو، مشيرًا إليها بلا مبالاة.

تلعثمت، متشبثةً بيأس بالمنطق الذي حاولت إقناع نفسها به.

 

 

‹‹نعم، يمكنني قول ذلك.››

رؤية ميلي بهذه الحالة كان أمرًا جديدًا بالنسبة لسوبارو… لا، لقد رآها هكذا من قبل— داخل كتاب الموتى.

 

 

اتسعت عينا ميلي بصدمة بينما كان سوبارو يعبث بشعرها بخشونة. لم يعجبها ذلك وصرخت محتجة، لكنه اكتفى بالابتسام.

الليلة الماضية، حين التقت به في تيجيتا، بعد أن غضبت، بعد حديثها مع «ناتسكي سوبارو»، قرَّرت أن تقتله بعد أن فقد ذاكرته.

 

 

 

لكن القتل الارتجالي سلاحٌ ذو حدَّين.

 

 

لوّح سوبارو بيده للمنضمّتين إليهم.

وبما أنَّه مات بالفعل، لم يكن لدى سوبارو أدنى فكرة عن العذر الذي نوت استخدامه عند اكتشاف جثَّته. كان من الممكن أن يُعتبر الأمر حادثًا، لكن ذلك لم يكن سهلًا. بالنظر إلى معرفته بإميليا وبياتريس، وكذلك رام والآخرين، لم يستطع تخيلهم وهم يغضُّون الطرف عن وفاته دون تحقيق.

 

 

 

وإن حدث ذلك، فلن يكون أمام ميلي أي فرصة للنجاة.

 

 

 

رام، جوليوس، وإيكيدنا أذكى من سوبارو بكثير. كانوا ليصلون إلى الحقيقة دون الحاجة إلى الموت أولًا. وميلي لا يمكن أن تجهل ذلك.

«قد يكون من الصعب ملاحظته، لكن بياتريس قالت “بعد”. إذا كنت فتاة طيبة، فستسامحكِ. إنها لطيفة جدًّا.»

 

 

وهذا لا يترك سوى تفسيرٍ واحد…

«……»

 

 

«إنَّه قتلٌ بدافع العادة.»

بإرادتها، وبيديها، تجاهلت كلّ محاولاته السابقة لإنقاذها، وفضّلت السقوط بنفسها، لا لشيء… سوى لتخفي مشاعرها.

 

هل هذا قطها؟

لم تحاول حتى تدبير حُجَّة، لم تحرص على إخفاء الأدلة.

وبتسليم صامت من الجميع، وُضع الكتاب بين يدي سوبارو، وهو يبتسم بتوتر.

 

 

لقد كانت ردة فعل غريزية؛ لأن القتل أصبح نهجها الافتراضي. لأن الحياة التي عاشتها كانت قاسية إلى حد لم تستطع معه تصوُّر أي خيارٍ آخر.

 

 

كان صحيحًا أنه كان يختبرها، لكنه لم ينوي الإساءة إليها. ومع ذلك، إن أنكر ذلك الآن، فلن يكون مقنعًا.

«أنتِ اعتدتِ على القتل، ببساطة لا تعرفين وسيلةً أخرى للتعامل مع الأمور. لكن ذلك ليس خطأكِ.»

 

 

 

«—! لا تتحدَّث وكأنك تعرفني! ماذا… ماذا تعرف عني حقًّا؟!»

ما إن أنهى كلامه حتى قفزت بياتريس بردة فعل فورية.

 

 

«لكني أعرفكِ.»

 

 

في بعض النواحي، كانت أشبه بحيوان بري، كما أنها تأثرت أكثر من اللازم بالشخص الذي اتخذته قدوة لها.

«……»

كان يبحث عن تأكيد، لكنه لم يحصل إلا على سلسلة غير متوقعة من التناقضات. لم يكن يتوقع أن يكون نصف أفراد المجموعة من المعمّرين. اضطر إلى إعادة ضبط متوسط أعمارهم ذهنيًا، مضيفًا بضعة عقود إلى الحساب. ولكن، بطريقة ما، بدا الأمر منطقيًا.

 

 

أجابها بثقةٍ باردة، ناظرًا في عينيها مباشرةً. ثم أردف بحزم:

 

 

«يشرفني أنكِ استمتعتِ بالعرض.» غمز سوبارو نحو إيكيدنا، التي لم تلبث أن أطلقت ضحكة ساخرة.

«ميلي، أنا أعرفكِ. قد يبدو هذا غريبًا، لكن ربما لا يوجد في هذا العالم مَن يعرفكِ أكثر مني.»

أومأ سوبارو بينما كان يتابع النقاش بعناية، مستوعبًا المنطق الذي استند إليه الطرفان.

 

ضربت قبضة سوبارو صدر يوليوس مرة أخرى. المرة الأولى كانت لإيداعه ثقته، والمرة الثانية لترسيخ أمله القوي.

توسَّعت عيناها بذهول، وارتسمت على وجهها ملامح خوفٍ صادق. كان ذلك رد فعلٍ طبيعيًا، لكنه آلَم سوبارو. كان من الصعب عليه التعبير عن مشاعره المعقدة تجاه ميلي، ذلك الشعور المشوَّه، شبه النرجسي، الذي نما داخله.

 

 

 

«……»

فتاة لم يراها من قبل. هكذا ينبغي أن يكون الأمر.

 

 

كان يتذكَّر كل تلك الهمسات التي تسلَّلت إلى أذنه، تلك الإغراءات التي دفعته نحو خيار القتل مرارًا وتكرارًا، ذلك الصوت الذي أغراه بأن يسلك الطريق الأكثر قسوةً… لكنُّه الأكثر أمانًا.

 

 

 

همسات ميلي بورتروت الميتة، التي اندمجت مع وعيه حين قرأ كتابها في كتاب الموتى…

 

 

«…كتابه؟ …لكنّنا لا نملك أيّ فكرة عن كيفيّة العثور عليه؟»

لكن…

«لا تفهمي الأمر خطأ، ميلي. لم أكذب بشأن فقدان ذاكرتي لخداعك. إنها الحقيقة، وهي مشكلة خطيرة فعلًا.»

 

 

«—لا، هذا ليس صحيحًا.»

«لا، أبدًا. فقط عينان لطيفتان، وأنف لطيف، وشفاه لطيفة، وأذنان لطيفتان.»

 

تعلمت كيف تتحدث. —ونمّت طريقتها في الحديث على غرار إلزا.

هزَّ رأسه لينفض عن عقله هذا التبرير الساذج.

**«لا أحد يعرف كيف…!»**

 

 

ذلك الصوت الذي كان يوسوس له في لحظات ظلامه، لم يكن سوى صدى ضعفه هو. لقد خُدع بنفسه.

 

 

«أم… ما خطبك؟»

—لأنها لم تظهر أمامه ولو لمرةٍ واحدة.

 

 

**أومأ برأسه ببطء، ثم نهض أخيرًا.**

في تجربةٍ قاسية وغير متكافئة، رأى سوبارو حياة ميلي كما لو كان يعيشها بنفسه، من اللحظة التي أصبحت فيها واعيةً، إلى تشكّل هويتها، إلى أسلوب حياتها… إلى لحظة موتها التافه.

«—عار، إذن. أنا الآن… عارٌ على الفروسية…» تمتم يوليوس بصوت خافت، مُطرقًا برأسه.

 

همسات ميلي بورتروت الميتة، التي اندمجت مع وعيه حين قرأ كتابها في كتاب الموتى…

شعر بفراغها الذي لم تظهره للآخرين، عرف الذعر الذي استبدّ بها بسبب ذلك الفراغ الساحق، وعرف التعلّق العاطفي الوحيد الذي تألّق في حياتها القصيرة.

لكن… لم يكن وحده.

 

بالطبع، فمنذ طفولتها، لم يكن في قاموسها أي طريق آخر للحياة، والآن يطلب منها سوبارو أن تجد طريقًا جديدًا لم تعرفه من قبل.

والشخص الذي منحها ذلك التعلّق…

 

 

 

**«إلزا غرانهارت.»**

«أشعر أن هناك أدوارًا غير ضرورية في كلامك…»

 

 

**«!»**

 

 

 

كان وقع الاسم عليها كالصاعقة. تشوّهت ملامحها البريئة، واتّسعت عيناها الخضراوان بألمٍ دفين.

 

 

 

ذلك كان الغضب. الغضب من شخصٍ اقتحم بقدميه الموحلتين أقدس بقاع قلبها، الغضب من شخصٍ تجرّأ على لمس أمرٍ لم تكن تريد لأحدٍ أن يُدركه.

«ولكن؟»

 

**٤**

فاتّخذت قرارها الحاسم لتوقفه.

 

 

في تلك اللحظة، وهو يتتبع المحتوى، كان ناتسكي سوبارو هو ميلي بورتروت.

لم يمنحه الزمن الكافي لردّة فعل.

 

 

 

**«لا أحد يعرف كيف…!»**

لم تكن ميلي شخصًا ينبغي أن يموت. و…

 

بناءً على ذلك، كان من الأفضل الافتراض أن مقدار الذكريات المفقودة غير محدود. في الواقع، بالنظر إلى كل الاحتمالات، ربما كان سوبارو محظوظًا إلى حد ما، إذ إنه احتفظ على الأقل بإحساسه بذاته.

صرخت، ودموعها تتدفّق على وجنتيها، ثم استدارت وألقت بنفسها في الفراغ.

«هذه طريقة مضللة لوصف الأمر. بالنظر إلى التغيرات التي طرأت على عقلية ميلي… هل هذا يُعدُّ حقًّا “لا شيء”؟»

 

«…أتفهّم هدف باروسو. وأوافق عليه. لكن هذا لا يعني أنني بلا مخاوف»، قالت رام.

بإرادتها، وبيديها، تجاهلت كلّ محاولاته السابقة لإنقاذها، وفضّلت السقوط بنفسها، لا لشيء… سوى لتخفي مشاعرها.

 

 

أثنى سوبارو على ميلي، التي لم يكن يتوقع أن تكون صاحبة هذا الإنجاز، لكنها عبست وأشاحت بوجهها بعيدًا.

إلزا غرانهارت كانت امرأةً فظيعة.

في بعض النواحي، كانت أشبه بحيوان بري، كما أنها تأثرت أكثر من اللازم بالشخص الذي اتخذته قدوة لها.

 

 

«لقد طُلب مني إحضاركِ، لذا ستأتين معي.»

 

 

 

كان لقاؤهما الأول سيئًا إلى حدٍ لا يُطاق. ورغم أنها لم تكن تفهم مفهوم الإعجاب أو الكراهية، فإنها أدركت أنه الأسوأ على الإطلاق. لم يكن في تلك المرأة أي جانب يستحق الإعجاب.

 

 

 

 

 

 

كانت الوحوش التي رعَت تلك الطفلة البشرية الصغيرة، حين لم يكن لديها شيء، قد قُتِلت جميعها بيد تلك المرأة، ثم جُرَّت الفتاة خارج الغابة.

«إذا كنت تبحث عن عذر، فسأقول إنني خرجت لأقف في نوبة مراقبة. نظرًا لقدرات ميلي، فإن الخطر الأكبر كان يكمن في وحوش الشياطين خارج البرج. لكن…»

 

**٤**

خلال كل ذلك، بقيت إلزا غير مكترثة، معتبرة أن الأمر لا مفرّ منه، وأنها فقط تنفذ الأوامر، دون أن تُلقي بالًا للوحوش التي رافقت تلك الطفلة منذ أن فتحت عينيها على هذا العالم.

سوبارو أدرك تمامًا مخاوفهم.

 

 

لقد فكرت في قتلها.

«اسمعني. لهذا السبب، عليك وأنا أن نبني علاقتنا من جديد. على الأقل، النسخة الحالية مني ومنك. انسَ أمري السابق الآن.»

 

 

مرات ومرات، انتظرت الفرصة المناسبة، حتى سنحت أخيرًا، فانقضّت على عنق المرأة وغرست أنيابها فيه…

 

 

 

«…؟ ماذا؟ توقفي، هذا يُدغدغ.»

تدلت حاجبا إيكيدنا باعتذار وهي تراقب سوبارو وهو يرفع الكتاب. لم يكن ثمة شك في صدق كلماتها. لكن سوبارو أجابها ببساطة، طالبًا منها ألا تقلق.

 

بإرادتها، وبيديها، تجاهلت كلّ محاولاته السابقة لإنقاذها، وفضّلت السقوط بنفسها، لا لشيء… سوى لتخفي مشاعرها.

كانت تنظر إليها من علٍ، وكأنها لا تشعر بشيء.

 

 

فهم سوبارو ما تشعر به. وكانت تعلم أن كلماته أصابت كبد الحقيقة.

لم تكن الطفلة سوى هيكلٍ عظمي مغطى بالجلد. جُرّت خارج الغابة، وأُجبِرت على الاستحمام رغم إرادتها. ثم رُفِضت الملابس المزخرفة التي أُعطيت لها، وحاولت قتل المرأة مرة أخرى.

 

 

 

لكن إلزا لم تُبدِ أي اهتمام، بل هزّت رأسها بملل، كما لو أن شيئًا ذا بالٍ لم يحدث.

 

 

كره سوبارو هذا العالم الذي لم يترك لها خيارًا آخر.

في تلك اللحظة، المشاعر التي لم تستطع الطفلة التعبير عنها—تلك التي لم تكن تملك لها كلماتٍ أصلًا—تفجّرت، مشتعلةً في قلبها كحاجةٍ مُلحّة للانتقام.

كانت تنظر إليها من علٍ، وكأنها لا تشعر بشيء.

 

 

ألقت بالثياب التي أُعطيت لها بعيدًا، وانقضّت على إلزا. الوحوش لم تكن بحاجةٍ إلى ملابس، فقد وُلدت بجسدٍ لا يحتاج إلى أكثر من ذلك.

‹‹ما الأمر؟ هل لديك اعتراض؟››

 

 

«هل تحاولين استعادة ذاك الخرَق المتّسخ؟ لستُ مهتمةً كثيرًا بالموضة، لكنكِ غريبة الأطوار حقًا.»

بالطبع، كان هناك أيضًا أن ريد لديه نوع من الهوس بيوليوس ويريد مواجهته شخصيًا. لكن حتى بدون ذلك، لم يكن لدى سوبارو نية للتراجع عن قراره. إميليا قد اجتازت المعركة بالفعل، لذا لم يكن هناك أحد غير يوليوس يمكنه القيام بذلك.

 

وأنهى حديثه بعبارة لم تكن معتادة منه.

«آوو… آوووو…!»

 

 

 

«يا لكِ من فتاةٍ مشاكسة، أليس كذلك، ميلي؟»

 

 

لذا…

ميلي.

 

 

حتى أسلوب إلزا في الحياة، الذي كانت ميلي تتوق إليه، لم يكن كفيلًا بإنقاذها. ربما كانت إلزا نورًا أضاء درب ميلي، لكن الطريق الذي أنارته كان وعِرًا، مليئًا بالأشواك، لا يمكن لشخص عادي أن يسلكه.

هكذا بدأت إلزا تناديها. ميلي، الفتاة التي حاولت مرارًا وتكرارًا استعادة ما سُلب منها، والانتقام لمن قُتلوا من بني جنسها.

«يسعدني أن أعلن أن ميلي أصبحت رسميًا جزءًا من فريقنا. وبما أنها الآن عضو كامل ولأجل تعزيز مهاراتها الاجتماعية، أرغب في مغادرة هذا البرج الرملي بأسرع وقت. ما رأيكم؟»

 

خلال كل ذلك، بقيت إلزا غير مكترثة، معتبرة أن الأمر لا مفرّ منه، وأنها فقط تنفذ الأوامر، دون أن تُلقي بالًا للوحوش التي رافقت تلك الطفلة منذ أن فتحت عينيها على هذا العالم.

«يبدو أن هذا هو اسمكِ؟ كان من الصعب تمييزه، لكنه كان مُطرّزًا على ذلك الخرَق… ربما كان يخصّ شخصًا آخر، لكن من المزعج ألا يكون لديكِ اسم، لذا…» ابتسمت إلزا ابتسامة ناعمة. «أنتِ ميلي من الآن فصاعدًا، وهذا ما سأناديكِ به.»

 

 

 

إلزا غرانهارت كانت امرأةً مريعة.

 

 

 

«لا تُصبحي دُميةً في يد ذلك الشخص. مهما تعددت أرواحكِ، فلن تكفي. ليس لأي أحد… سواي.»

 

 

 

لأول مرة، التقت بأمّها، وتذوّقت طعم «العقاب» الأول.

أخذ يوليوس كلمات سوبارو المرتبكة وغير المترابطة تمامًا وصاغها في شكل أكثر ذكاءً واتزانًا.

 

 

عندما لامستها يد الأم، شعرت ميلي وكأنها تحوّلت إلى شيءٍ آخر بالكامل. أصبحت وحشًا. ثم طائرًا. ثم سمكة. ثم حشرة. تحوّلت إلى كيانٍ لا يمكن وصفه، قبل أن تصبح كُتلةً من اللحم.

 

 

«إنَّه قتلٌ بدافع العادة.»

لكن الأسوأ كان الشعور بأنها تتفتّت إلى أجزاءٍ لا حصر لها.

لكن سواء كرهته أو رفضته، لم يكن بوسعه تغيير حقيقة بسيطة. لقد فهم مشاعرها بعمق مؤلم.

 

 

لقد تحولت الفتاة التي كانتها ميلي إلى مئة ضفدعٍ على الأقل، كلٌّ منها يقفز بشكلٍ مستقل عن الآخر، وقد وُسِمَت روحها بالخوف من أن تتلاشى كليًا.

«في رأيي، اختيار الطريق الأسهل يعني غالبًا تقديم تنازل ما، واتباع الطريقة الأذكى يجعل الأمر يبدو كما لو أنه مكيدة من جار ماكر. أنا… ببساطة، لم أكن أرغب في التنازل أو اللجوء إلى الحيل.»

 

‹‹ما أريد قوله يصعب التعبير عنه بالكلمات. هذا كل ما في الأمر.››

منذ ذلك الحين، لم تجرؤ على معارضة أمّها مجددًا.

 

 

«شكرًا، إميليا-تشان… بصراحة، كنتُ خائفًا حتى الموت.»

رُوحها قد كُسِرت، ولن تكون إلا طائعةً بالكامل، ما دام ذلك يعني تجنّبها ذاك المصير الرهيب.

 

 

 

«أنتِ ترتجفين، هل تشعرين بالبرد؟»

ظل يوليوس غارقًا في اضطرابه، ولم تساعده تلك المنطقية الحادة على استعادة توازنه.

 

 

المرأة ذات الشعر الأسود أمالت رأسها باستغراب. لم تحاول أبدًا فهم مشاعر ميلي. يا لها من امرأةٍ حقًا لا تُحتمل.

 

 

 

كانت ميلي ترتجف، مستسلمةً للخوف الذي تملّكها، بينما جلست إلزا إلى جانبها، وطوّقت كتفها بذراعها دون أن تنطق بكلمة.

 

 

 

لم يكن البرد هو سبب ارتجافها، لكنها لم تستطع التعبير عن ذلك بالكلمات. لم يبقَ لديها سوى الإحباط والقلق.

«هاه؟! حقًا؟!»

 

«كنتِ تحاولين… كنتِ تعلمين حتى قبل أن أقفز، صحيح؟ هذا غريب. أنتَ غريب…»

ولهذا—

«…صحيح، الليلة الماضية، رأيتك وسط أكوام من الكتب في تيجيتا. هل كان هذا السبب؟»

 

«……»

«؟ هل يمكنكِ التوقف؟ هذا يُدغدغ.»

«…كتابه؟ …لكنّنا لا نملك أيّ فكرة عن كيفيّة العثور عليه؟»

 

«نعم، لا أعتقد أنني محظوظ إلى هذا الحد أيضًا!»

—غرست ميلي أنيابها في عنق إلزا.

 

 

 

إلزا غرانهارت كانت امرأةً مقززة.

«إميليا قالت ما أرادت بيتي قوله. كان ذلك أكثر تأثيرًا، لذا تأكد من استيعابه.»

 

رغم أن طريقته في التعبير عن الأمر لم تكن مثالية، فإن جوليوس، دون شك، كان الأفضل عندما يتعلق الأمر بتقديم مثال يُحتذى به.

«ميلي، الأمر بدأ يُزعجني، لذا هل يمكنكِ تجديل شعري؟»

«…في النهاية، كل تخميناتنا ليست سوى افتراضات. أردتُ اختيار الخيار الأقل خطرًا على الجميع هنا، ولكن…»

 

«حسنًا، سأبدأ. إن فقدتُ ذاكرتي، فجمدوني في الجليد ووبخوني بصرامة.»

في مرحلةٍ ما، نضجت إلزا الصغيرة، وأصبحت امرأةً ناضجة، بينما تحوّلت ميلي، الوحش الذي كانت عليه، إلى فتاةٍ بكل معنى الكلمة.

لم تحاول حتى تدبير حُجَّة، لم تحرص على إخفاء الأدلة.

 

تلعثمت، متشبثةً بيأس بالمنطق الذي حاولت إقناع نفسها به.

وخلال تلك السنوات الطويلة، بقيت بجوار إلزا.

وكان ذلك آخر ما رآه سوبارو منه.

 

 

تعلمت كيف تتحدث. —ونمّت طريقتها في الحديث على غرار إلزا.

«لا تكوني سخيفة. عليكِ أن تفخري بنفسك! لقد فعلتِ عملًا رائعًا، ميلي. أحسنتِ في تعويض زلتك عندما حاولتِ دفعي عن الدرج!»

 

«لقد ذهبت إلى هذا الحد؟ …لا بدّ أن هناك طريقة أسهل وأذكى.»

«من الصعب تصديق أنك فقدت ذاكرتك عندما تقول أشياء كهذه… لكن في ظل هذه الظروف الخطيرة، تعد ذاكرة باروسو المفقودة مشكلة ثانوية. لكنها تظل مشكلة.» بدأت رام النقاش.

 

*—–*

**— بدأت ترتدي الملابس.**

أدرك أنّه، بطريقة غير مباشرة، طلب منهما الكفّ عن القلق عليه حتى إشعار آخر، فخفض رأسه معتذرًا لإميليا.

— اختارت أن تلبس مثل إلزا.

«آسفة، لكنني لا أفهم تمامًا ما تعنيه.»

 

 

**— بدأت تؤدي بعض المهام.**

«لكن…» ضاقَت عينا يوليوس وهو يحدق في سوبارو، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة طفيفة. «هذا أمر، وذلك أمر آخر.»

— تعلمت ذلك من مراقبة إلزا.

 

 

 

**— وأخفت كل ذلك عن إلزا.**

«أعرف أنكِ لن تفعلي ذلك. لأنكِ طيبة القلب.»

 

«يا لكِ من فتاةٍ مشاكسة، أليس كذلك، ميلي؟»

«ميلي؟ هل تستمعين إليّ؟ أطلب منك المساعدة في شعري.»

أن تُحبس المشاعر داخل مساحة ضيقة أمرٌ سيئٌ لنموّ الطفل.

 

 

«— نعم، سمعتك. أنتِ مهملة للغاية، إلزا.»

 

 

«انتظر، انتظر، انتظر. أنتم تبالغون في تقديري. أنا مجرد شخص منعزل. مهاراتي الخاصة تقتصر على ترتيب سريري بدقة وربما بعض الخياطة؟»

على أريكة وثيرة، جلستا معًا، بينما اتكأت إلزا برأسها على كتفها. بدت أكثر استرخاءً من المعتاد، وفكت خصلات شعرها الأسود الطويل بلا اكتراث.

**أمال يوليوس رأسه قليلًا ثم أكمل بصوت هادئ:**

 

 

أغضبها ذلك الإهمال غير المبالي.

 

 

 

«همف.»

«إذًا، كيف تنوي القضاء عليَّ؟ هل ستدفعني من هنا انتقامًا؟ أنا الآن بلا تلك الوحوش الحقيرة التي أتحكم بها؛ لذا يمكنك محوي بسهولة، حتى بمفردك.»

 

كانت ميلي خاملة. ذراعه تحيط بخصرها، بينما كان يعضّ على أسنانه ويضبط قبضته اليسرى على السوط المربوط بالسلم.

«؟ هذا يَدغدغ.»

مما يعني أنه كان يملك جسدًا. وهذه وحدها كانت نقطة اختلاف عمّا جرى حين قرأ كتاب ميلي. التجربة لم تكن متطابقة، وكان واضحًا أنه أُلقي به في موقف جديد مجهول.

 

«وأنا كذلك. بالنظر إلى وقت مجيئي إلى الوجود، فأنا على الأرجح في الرابعة مئة من عمري؟ وإن لم أكن مستيقظة طوال هذا الوقت»، عقبت إيكيدنا.

وكما في مرات لا تُحصى، غرست أسنانها في عنق إلزا.

«فقط اعتبريه عقابًا لكِ لأنك جعلت الجميع يقلقون عليك، ودعيها تستمتع بوقتها.»

 

 

كان بإمكانها أن تعضّ بقوة كافية لتمزيق الجلد وإحداث الألم. لم تَعُد ميلي وحشًا ضعيفًا هزيلًا. أكلت جيدًا، وتعلمت الكلام، وحصلت على اسم، وعرفت إلزا. لذا…

«أوه، كفى!»

 

 

«غغغ!»

«أجل، لا داعي للقلق. لن تحاول قتلي فجأة مجددًا. أما إن كانت ستتوقف عن ذلك تمامًا، فهذا يعتمد على مدى نجاحنا في تقديم قدوة جيدة لها. لذا، لا مجال للأداء البائس.»

 

 

«…أنتِ فتاة غريبة.»

«بالنظر إلى ما كانت تحاول فعله، لا أظن أن هذه الطريقة الصحيحة لوصف الأمر… لكن سواء امتلكت ذكرياتك أم لا، جوهرك لم يتغير، أليس كذلك؟ حقًا، أنت شيء آخر يا ناتسكي.»

 

 

نظرت إليها إلزا نظرة ناعمة، ثم تركت لها ثأرها.

«—!»

 

 

**إلزا غرانهارت كانت امرأة جامحة.**

بعد استنتاجه لنتائج المحادثة مع ميلي، أومأ جوليوس بهدوء.

**وحقيرة.**

 

**ومقززة.**

«…لم أرَ النهاية. ولا أذكر ما حدث قبل اليوم. لذا، لم أشهدك تخسر أمام ريد ولو مرة واحدة.»

 

 

نَمَت حتى غدت ضخمة لدرجة أن ميلي لم ترد لها أن تختفي.

«بالطبع لا. لا تقولي كلامًا سخيفًا، ميلي، وإلا صفعتك.»

 

 

أصبحت جزءًا من حياتها، بل إنها تجاوزت معنى أن تكون مجرد “جزء”.

 

«نعم، بطبيعة الحال. أنتِ… حسنًا، ربما ستكونين مثالًا لما لا يجب فعله، لكنني لن أستبعدكِ من المجموعة. لديكِ حسٌّ أموميٌّ، لذا سيكون من الجيد أن تعملي على الوصول إلى قلب ميلي العنيد.» قال سوبارو، مشيرًا إليها بلا مبالاة.

وإن كان ذلك سيُكشَف ويُدنَّس— إن كانت إلزا غرانهارت ستُقتَل— فإن ميلي بورترُوت ستـ…

‹‹لكن لا تزال لديك شكوك؟››

 

 

 

 

 

**3**

 

 

لكن الأسوأ كان الشعور بأنها تتفتّت إلى أجزاءٍ لا حصر لها.

«…كان سيكون أفضل لو أنك تركتني أنهي الأمر فحسب.»

‹‹سيدي، هل أنت…؟››

 

 

«آسف على ذلك. لكن أسلوب عائلة ناتسكي هو اقتحام قلوب الآخرين، مع الحرص على خلع الأحذية قبل دخول منازلهم.»

**وقفت إميليا بحماسة، فتبعتها إيكيدنا، ولم يلبث البقية—بياتريس، رام، ميلي، وشاولا—أن فعلوا الأمر ذاته. عندها، صفق سوبارُو على ركبتيه ونهض، ثم التفت نحو يوليوس الذي لم يتحرك بعد.**

 

 

تحدث ناتسكي كينيتشي بوضوح وصراحة، دون ذرة إحراج. أما ناتسكي ناوكو، فلطالما سارت على إيقاعها الخاص، ملقية بسلسلة من التعليقات الغريبة حيثما حلت، لكن دون أن تغفل عن أي شيء مهم.

 

 

 

وكعضو في عائلة ناتسكي، اندفع ناتسكي سوبارو بشجاعة نحو قلب القاتلة الشابة.

 

 

 

*—–*

تساءل عمّا كان مفاجئًا في ذلك، لكنه، بما أن شاولَا كانت تبالغ في ردود فعلها دائمًا، فقد اعتبر الأمر مجرد إحدى نوباتها المعتادة ولم يُعِره اهتمامًا كبيرًا.

 

«شكرًا، إميليا-تشان… بصراحة، كنتُ خائفًا حتى الموت.»

كانت ميلي خاملة. ذراعه تحيط بخصرها، بينما كان يعضّ على أسنانه ويضبط قبضته اليسرى على السوط المربوط بالسلم.

تهدلت كتفا بياتريس بخيبة أمل، فربت سوبارو على رأسها، ثم اجتمع الجميع لبدء اجتماعهم.

 

 

عندما نطق سوبارو باسم إلزا، انتفضت ميلي فجأة، محاولة قتل نفسها. لم يكن لديه وقت ليوقفها.

 

 

 

لكنه كان مستعدًا لهذا الاحتمال مسبقًا.

 

 

ولهذا، لاحظ سوبارو فورًا أن هناك شيئًا غير مألوف.

«ألم أخبرك؟ لا أحد في هذا العالم يفهمك أكثر مني.»

 

 

 

«…هذا مقزز…»

 

 

 

«لا تقولي ذلك.» ابتسم سوبارو ابتسامة محرجة. «كان مجرد تعبير لجذب انتباهك.»

«—سوبارو؟ هل أنت بخير؟ هل تستطيع الحديث الآن؟» تطلعت إميليا إلى عينيه بقلق.

 

 

لكن سواء كرهته أو رفضته، لم يكن بوسعه تغيير حقيقة بسيطة. لقد فهم مشاعرها بعمق مؤلم.

 

 

 

الشخص الذي حرك في قلبها هذا العنف الغريزي المدفون لم يكن إلا القاتلة التي لم يعرفها ناتسكي سوبارو، ومع ذلك، بدت قريبة منه إلى حد لا يُصدَّق.

 

 

 

**«»**

«»

 

كان هناك نظريتان متضادتان: إحداهما تفترض أن من قرأ الكتب سابقًا يجب ألا يقرأ المزيد، والأخرى ترى العكس. كلتاهما تستندان إلى منطق متين، ولم يكن من السهل تفنيد أي منهما. لكن ما أثار انتباه سوبارو كان…

التفكير فيها جلب الراحة والتوق، الحزن والغضب، والفراغ— مشاعر ميلي تجاهها كانت معقدة، لكنها في جوهرها بسيطة للغاية.

أخذت رام يد إميليا وحذّرتها برفق.

 

 

**— ميلي كانت تتطلع إلى إلزا، أحبتها، وأعجبت بها.**

 

 

 

وعندما فقدتها، نشأ في داخلها دافع قاتل، وُلد من الحزن، والألم، والكراهية، وخيبة الأمل.

وعندما فقدتها، نشأ في داخلها دافع قاتل، وُلد من الحزن، والألم، والكراهية، وخيبة الأمل.

 

«على حساب تعكير ابتسامة إميليا-تشان؟ أحمق. لن أفعل شيئًا بتلك الالتفافية! ثم إنك، حتى لو لم أفعل ذلك، لن تهرب. ستقاتل من أجل الجميع.»

أن تنضم إلى هذه الرحلة بينما تخفي أي أثر لرغبتها في الانتقام— لم يكن ذلك نوع الأداء الذي تستطيع ميلي القيام به. في الواقع، كانت أبعد ما تكون عن التمثيل المتقن. حتى لو لم يلمها أحد على اعتبار سوبارو والآخرين أعداءها، لم تكن تفهم سبب قيامها بذلك.

 

 

‹‹…نعم. إذا وجدتم كتابًا غريبًا، لا تقتربوا منه كثيرًا.››

ولهذا لم تكن بحاجة إلى ادعاء أي شيء.

 

 

بما أن ما فُقد كان أكبر مما تبقى، كان هذا بالفعل التعبير الأدق. لكنه لم يكن مطابقًا تمامًا للحقيقة. فقدان الذاكرة المتقطع لم يكن سوى حجة يختبئ خلفها سوبارو ليخفي حقيقة ما تعلمه من قدرته على “العودة بالموت”. في الواقع، عند بدء الدورة الأولى، كان قد فقد جميع ذكرياته حرفيًا—أو بالأحرى، نسي كل شيء منذ لحظة قدومه إلى هذا العالم.

**لم تدرك حتى أنها فقدت شيئًا ثمينًا.**

ثم…

 

كانت فتاة حزينة، جاهلة تمامًا بمدى عمق الجرح الذي أصاب قلبها.

 

 

«فقط اعتبريه عقابًا لكِ لأنك جعلت الجميع يقلقون عليك، ودعيها تستمتع بوقتها.»

ميلي بورترُوت لم تكن سوى قاتلة صنعها محيطها.

«أعني، ليس عليكِ أن تأخذي الأمر بجدية إلى هذا الحد…»

 

 

«أردتِ الانتقام؟»

لكن لم يكن بإمكانه منحها ما أرادته.

 

 

«…لا أعلم…»

 

«من الصعب تصديقه، لكن ريد أستريا، البطل العظيم الذي سُطّر اسمه في التاريخ، ينتظرنا في الطابق الثاني لخوض ما يسمّيه امتحانًا. لقد عاش ريد أستريا قبل أربعمئة عام، ومع ذلك، لا شكّ في أنّ الشخص الذي ينتظرنا بالأعلى هو نفسه… لكنّ هذا يفتح باب التساؤل حول موته.»

«حتى لو أردتِ ذلك، إلزا…»

 

 

«أوه، كفى!»

«لن ترغب في ذلك. أعلم.»

 

 

«قد يكون من الصعب ملاحظته، لكن بياتريس قالت “بعد”. إذا كنت فتاة طيبة، فستسامحكِ. إنها لطيفة جدًّا.»

هزت ميلي رأسها.

«نعم، هذا مقبول. لستِ مضطرةً إلى نسيان من تحبين. لكن…»

 

 

فهم سوبارو ما تشعر به. وكانت تعلم أن كلماته أصابت كبد الحقيقة.

«—أنتَ أحمق حقًّا.»

 

وبينما عم جو من المرح، نظرت بياتريس إلى سوبارو بقلق قبل أن تنهّد باستسلام.

في هذه اللحظة، كانا يقفان على أرض واحدة.

«أوه، لا، لا. الشخص الذي يعاني أكثر الآن هو سوبارو. عليّ أن أتماسك…»

 

«أنا أيضًا؟ أنا… وسيدي… هي-هي-هي-هي-هي…»

«…لماذا حاولت إنقاذي؟»

 

 

 

**«»**

 

 

«وكل هذا بينما كنت أواسي يوليوس؟! هل أنتم محترفو اختصارات؟»

«كنتِ تحاولين… كنتِ تعلمين حتى قبل أن أقفز، صحيح؟ هذا غريب. أنتَ غريب…»

وبينما كان سوبارو يرتعش، تحدثت الفتاة

 

 

«نعم، لا يمكنني إنكار ذلك. لكن… لا أعرف الكثير عن هذا العالم، وإذا اختفيتِ، سيصبح أكثر وحدة بقليل. ربما لهذا السبب.»

«…أنتِ فتاة غريبة.»

 

 

كانت ميلي هامدة، وكأنها قد استسلمت تمامًا للموت، لكنها عضت شفتها.

 

 

 

إجابة سوبارو لم تكن ما أرادت سماعه.

في تلك اللحظة، وهو يتتبع المحتوى، كان ناتسكي سوبارو هو ميلي بورتروت.

 

 

لكن لم يكن بإمكانه منحها ما أرادته.

 

 

وبما أنها لم تعترض، فقد اعتبر ذلك موافقة ضمنية، وأضاف هدفًا جديدًا إلى قائمة مهامهم في تيجيتا—

كان ذلك حديثًا ودافعًا لا يعرفه.

«يا له من ارتياح أن شيئًا لم يحدث.»

 

«حتى بعد فقدانه لذاكرته، لا يزال يحمل هذا الرأس البائس. لذا، حتى لو استعاد ذكرياته، فلن تكون مساهمته مختلفة كثيرًا عمّا هي عليه الآن… مما يعني أنّ إعطاء الأولويّة لذاكرته سيكون محض هدر. علينا التقدّم في البرج، على أمل أن تعود ذكرياته في أثناء ذلك.»

**ما أرادته حقًا هو الحديث مع شخص لن تتمكن من لقائه مجددًا.**

 

 

كان ذلك حديثًا ودافعًا لا يعرفه.

 

 

«لن تتمكني من سماع صوتها مجددًا.»

كانت ردة فعل ميلي مدهشة بحق، حيث تقلص وجهها بشكل مبالغ فيه.

 

ما إن أنهى كلامه حتى قفزت بياتريس بردة فعل فورية.

«»

«ربما فقدتَ شيئًا أكثر من مجرد ذكرياتك؟ وإلا لما كنتَ لترتكب مثل هذا الخلط الفادح.»

 

«أمم، أيها السيد! لا بد أنك قلت لها شيئًا غريبًا مجددًا!» صاحت ميلي بغضب، بينما كانت شاولَا تفعل ما يحلو لها كعادتها.

«حتى إن عثرتِ على اسمها بين سطور الموتى، فلن يخبركِ ذلك بشيء عن المستقبل.»

 

 

«أتفق معك.» رد يوليوس مؤكدًا. «بمعنى آخر، الفرق بين حالتي وحالة سوبارو قد يكون متعلقًا بعدد الكتب التي قرأناها… وهذا يتماشى أيضًا مع ما شاهدته ميلي منه الليلة الماضية.»

كانت الفتاة تائهة تمامًا، لا تعرف كيف تتعامل مع مشاعرها، ولم يكن أمامها سوى سبيل واحد لحل المشاكل… القتل. كان قدرها مأساويًا من البداية حتى النهاية.

—لكن ناتسكي سوبارو سيفعل ما لم يستطع «ناتسوكي سوبارو» فعله.

 

 

كره سوبارو هذا العالم الذي لم يترك لها خيارًا آخر.

‹‹…هل لهذا السؤال مغزى؟››

 

 

حتى أسلوب إلزا في الحياة، الذي كانت ميلي تتوق إليه، لم يكن كفيلًا بإنقاذها. ربما كانت إلزا نورًا أضاء درب ميلي، لكن الطريق الذي أنارته كان وعِرًا، مليئًا بالأشواك، لا يمكن لشخص عادي أن يسلكه.

 

 

 

«أنا متأكد أنكِ لا تدركين كيف تتعاملين مع كل تلك المشاعر التي قد تشعرين بها أو لا تشعرين بها. وربما لن تجدي إجابة في الحال. لذا…»

كان يبحث عن تأكيد، لكنه لم يحصل إلا على سلسلة غير متوقعة من التناقضات. لم يكن يتوقع أن يكون نصف أفراد المجموعة من المعمّرين. اضطر إلى إعادة ضبط متوسط أعمارهم ذهنيًا، مضيفًا بضعة عقود إلى الحساب. ولكن، بطريقة ما، بدا الأمر منطقيًا.

 

 

«»

«أريد أن يكون لي نصيب أكبر في القلق عليك أحيانًا.»

 

‹‹لا تبدو مبالغًا فيها. بالفعل، مع معرفة قوته كما هي… هو بلا شك… لا.››

«فقط اتركي الأمر لي. لن أفعل شيئًا سيئًا. على الأقل، سأبذل قصارى جهدي كي لا تسوء الأمور كثيرًا… طالما أن هذا هو ما تريدينه.»

 

 

 

«…أنا… لا أصدقك. ستقول أي شيء إن كان ذلك يناسبك.»

 

 

وإن حدث ذلك، فلن يكون أمام ميلي أي فرصة للنجاة.

كانت ميلي تحدق في الأرض، رافضةً التصديق رغم كل ما قاله سوبارو.

«همم، هذا بالتأكيد قط لطيف. لكنني لا أتعرف عليه.»

 

«هل تحاولين استعادة ذاك الخرَق المتّسخ؟ لستُ مهتمةً كثيرًا بالموضة، لكنكِ غريبة الأطوار حقًا.»

بالطبع، فمنذ طفولتها، لم يكن في قاموسها أي طريق آخر للحياة، والآن يطلب منها سوبارو أن تجد طريقًا جديدًا لم تعرفه من قبل.

 

 

 

والمزعج أكثر أن هذا الشخص، الذي كان يتحدث بثقة وكأنه يفهم كل شيء، لم يوضح كيف له أن يحيط بمشاعرها إلى هذا الحد.

تحركت عيناها للحظة بارتباك، قبل أن تستعيد رباطة جأشها سريعًا وترسم ابتسامة ناعمة وهي تلامس بأطراف أصابعها ذراع سوبارو الملتف حول خصرها.

 

 

والأسوأ من ذلك، أنه كان من النوع الذي يضع نفسه في مواقف خطيرة عن قصد، حتى لو كان يعلم أنه قد يُدفع إلى حتفه. حتى سوبارو نفسه وجد الأمر صعب التصديق.

**ما أرادته حقًا هو الحديث مع شخص لن تتمكن من لقائه مجددًا.**

 

 

لذلك، كان متوقعًا أن ترفض تصديقه، وكان قد أعد خطة بديلة سلفًا.

 

 

«هذا يعني أنني كنتُ معلمًا سيئًا. لكنني لن أفعل ذلك وحدي.»

«حسنًا، أتفهم أنكِ لا تستطيعين الوثوق بي. يبدو أنني كنت شخصًا كثير النكث بالوعود قبل اليوم. لذا، سنفعل شيئًا مختلفًا.»

 

 

‹‹—!››

«ماذا؟»

قطّب يوليوس حاجبيه أمام هذا التفسير الغامض، لكنه لم يسعَ للتعمق فيه. بدا وكأنه اكتسب قدرة على تجاهل النكات غير المفهومة من خلال تفاعله مع سوبارو بالأمس، يا له من تفاهم غريب.

 

**وهل ستحتمل ذاكرتي ذلك؟**

«بدلًا من أن يكون وعدًا بيني وبينك، سنجعل منه وعدًا بينك وبيننا.»

 

 

 

«»

«لا داعي لأن تقلق كثيرًا.»

 

 

قطّبت ميلي حاجبيها في حيرة، غير قادرة على فهم مقصده. لكن الجواب لم يتأخر.

 

 

 

«مم-هم، لا بأس، لقد سمعتُ كل شيء، لذا سأكون الشاهدة.»

«أردتِ الانتقام؟»

 

 

«—!»

 

 

**وهل ستحتمل ذاكرتي ذلك؟**

ارتعشت ميلي بصدمة، ورفعت رأسها ببطء. وعندما فعلت، قابلت نظرات إميليا، التي كانت تمسك بالسوط العالق في السلالم.

ظلت ميلي تحدق بعيدًا، كما لو أنها تائهةٌ في أفكارها.

 

والشخص الذي منحها ذلك التعلّق…

بذراعيها النحيلتين، سحبت كليهما إلى الأعلى بسهولة مذهلة. وبعدما نجا من ذلك المشهد الخطير، رفع سوبارو يده امتنانًا.

 

 

 

«شكرًا، إميليا-تشان… بصراحة، كنتُ خائفًا حتى الموت.»

 

 

 

«هذا هو شعوري تمامًا! حقًا! لم أتوقع أبدًا أن تقفز أيضًا. قلبي كاد يقفز من صدري!»

إلزا غرانهارت كانت امرأةً مريعة.

 

 

أشاحت إميليا وجهها بعيدًا بضيق، موبّخةً طيشه. لم يكن لسوبارو عذر يقدمه، فحكّ رأسه بخجل.

«همم… أنا قلقة بشأن ذلك أيضًا.» قالتها إميليا بصوت خافت. «لا أريد أن ينسى سوبارو الكثير من الأمور مرة أخرى.»

 

 

في تلك الأثناء، جلست ميلي على الدرج، تحدق في الفراغ بعينين غائمتين.

«هذا مجرد احتمال.» أجابت إيكيدنا بجدية. «إذا كان صحيحًا، فهذا يعني أن من لم يقرأ أي كتاب من كتب الموتى سيكون الأجدر بقراءة كتاب ريد. سيكون الأمر خطيرًا على ناتسكي أو جوليوس، اللذين سبق أن خاضا هذه التجربة.»

 

«سواء كنت تدرك ذلك أم لا… من الطبيعي أن تشعر بالخوف في موقف كهذا. حين تعتاد على الخسارة، يصبح من الصعب التحرر منها.»

«آنستي… لقد… سمعتِ كل شيء…؟»

 

 

«بمجرد أن تصرّ على شيء، لا يمكن إيقافك. لم يتغير ذلك حتى بعد فقدانك للذاكرة.»

«نعم. سوبارو طلب مني أن أكون هنا… لمساعدتكِ إذا بدا أن الأمور قد تخرج عن السيطرة. ولحسن الحظ، فعل.»

«أمم… ميلي، من الصعب قول هذا، لكن…»

 

 

عبست إميليا وهي ترمق سوبارو بنظرة عتاب.

ضربت قبضة سوبارو صدر يوليوس مرة أخرى. المرة الأولى كانت لإيداعه ثقته، والمرة الثانية لترسيخ أمله القوي.

 

‹‹…هل لهذا السؤال مغزى؟››

أشارت ميلي إلى نفسها، لا تزال غير مستوعبة.

لم يكن يعلم إن كان ذلك نابعًا من شعورها بالإحراج أم أنه محض هجوم بريء، لكنه بدا كمقاومة طفولية لطيفة.

 

 

«من أجلي…؟ وليس من أجله…؟»

«حسنًا، سأبدأ. إن فقدتُ ذاكرتي، فجمدوني في الجليد ووبخوني بصرامة.»

 

 

«نعم، لقد قال: “في حال حدث أي شيء لميلي”. هذا ما قصدته، صحيح، سوبارو؟»

 

 

وهذا لا يترك سوى تفسيرٍ واحد…

«بالضبط. هذا الجزء الوحيد الذي كنت قلقًا بشأنه حقًا.»

 

 

«ما هذا العقاب؟! لا! هذا محرج! وأنتِ أيضًا، بياتريس، أنتِ ملاك لطيف! لا تتذمري!»

كان واثقًا من أنه سيتمكن من منعها من دفعه إلى الحافة. لكنه كان يعلم أيضًا أنها قد تلقي بنفسها إذا شعرت أنها محاصرة.

 

 

«ولكن؟»

لقد نجحوا في تجنب أسوأ الاحتمالات. لكن ما كان يقلقه أكثر هو ما قد يفعله «ناتسكي سوبارو».

كان بإمكانها التنبؤ بما سيحدث، وكان ذلك واضحًا من تعابير وجهها عندما نطقت إميليا بالكلمات التالية:

 

التفكير فيها جلب الراحة والتوق، الحزن والغضب، والفراغ— مشاعر ميلي تجاهها كانت معقدة، لكنها في جوهرها بسيطة للغاية.

—كانت عبارة “«ناتسكي سوبارو كان هنا»” محفورة في كل زاوية من الغرفة.

 

 

«بمعنى آخر،» أكملت إيكيدنا منطقه، «إذا استوفينا شروط اجتياز البرج، فسنعرف بطبيعة الحال سبب فقدانك للذاكرة، وربما حتى نجد طريقة لاستعادتها. أهذا ما تعنيه؟»

لم يكن متأكدًا مما إذا كان ذلك الشخص قد يحاول إيذاء ميلي أيضًا.

— اختارت أن تلبس مثل إلزا.

 

 

نظريًا، إذا كان قتل ميلي في الدورة السابقة قد تم بدافع الدفاع عن النفس، فهناك احتمال أن يُقدِم  «ناتسكي سوبارو» على تصرف متهور إذا وجدها في مسرح الجريمة.

في تلك اللحظة، وهو يتتبع المحتوى، كان ناتسكي سوبارو هو ميلي بورتروت.

 

«مهلًا، لا تقول هذا لإميليا-تشان! إنك أنت الذي لم يكن هنا، لذا لا يحق لك الاعتراض.»

لهذا السبب، عهد بهذه المشكلة إلى شخص كان أقوى منه بلا شك. كان واثقًا أنه حتى لو استولى ذلك “السوبارو الآخر” على زمام الأمور، فإن إميليا—بل جميع رفاقه—سيتمكنون من التصرف.

 

 

 

«اسمعي، ميلي. أنا أصدق ما قاله سوبارو. وإذا كنتِ لا تزالين غير قادرة على الوثوق به، فيمكننا ببساطة أن نراقبه معًا. وإذا أخل بوعده، فسأغضب منه معكِ.»

 

 

من خلال ذكرياته التي استرجعها من كتاب ميلي للأموات، وصل إلى النتيجة ذاتها.

«مراقبته…؟ هذا غريب، أليس كذلك؟ المفترض أن تكونا… تراقباني أنا…»

«بيتي فهمت. آه، الآن اتضح الأمر. بعبارة أخرى، يريد سوبارو استخدام كتاب ريد من كتب الموتى ليكشف الطريقة المثلى لهزيمته.»

 

«من أجلي…؟ وليس من أجله…؟»

«إذا كنتِ ستفعلين شيئًا سيئًا، فسيكون ذلك لأن سوبارو نكث بوعده. لذا، أنا أراقب سوبارو لأتأكد من أنه يفي بوعده. بهذه الطريقة، كل شيء سيكون على ما يرام، أليس كذلك؟»

كانت ميلي على وشك أن تتعثر وتسقط من الحافة، إلا أن سوبارو أمسك بها بثبات، فحدّقت إليه بعينين متسعتين.

 

 

«»

 

 

 

كانت ميلي مذهولة من منطق إميليا القاطع. وقبل أن تستوعب، واصل سوبارو التوضيح:

—لكن ناتسكي سوبارو سيفعل ما لم يستطع «ناتسوكي سوبارو» فعله.

 

 

«ببساطة، لقد كدتِ ترتكبين خطأ، لكن بفضل جهودنا، لم يحدث ذلك. وهذه فرصة لكِ لتكتشفي ما يمكنكِ فعله بدلًا من ذلك. أما إن كنتِ ستجدين إجابة لا تتضمن قتلي… حسنًا، فهذه هي رهانتنا الصغيرة، أليس كذلك؟»

«أم… ما خطبك؟»

 

أدرك أنّه، بطريقة غير مباشرة، طلب منهما الكفّ عن القلق عليه حتى إشعار آخر، فخفض رأسه معتذرًا لإميليا.

«ما الذي سيكون…؟»

 

 

لقد فكرت في قتلها.

—يمكنهم استخدام كتاب الموتى لمعرفة كيفية هزيمة الأسطورة.

 

‹‹ليس حقًا، مجرد مزحة لكسر الجليد. سؤالي الحقيقي مختلف قليلًا.››

هل هذا النص مطابق لأسلوبك المفضل؟

نَمَت حتى غدت ضخمة لدرجة أن ميلي لم ترد لها أن تختفي.

 

 

«سواء شعرتِ أنكِ ما زلتِ بحاجة إلى قتلي أو لا بعد أن ترتبي أفكاركِ. سأبذل قصارى جهدي أيضًا في دروس الأخلاق.» ابتسم سوبارو بابتسامة غير مطمئنة.

 

 

أومأ سوبارو بينما كان يتابع النقاش بعناية، مستوعبًا المنطق الذي استند إليه الطرفان.

كان ذلك هو الطريق الذي حاول أن يرشد ميلي إليه. ولو كان صادقًا مع نفسه، لم يكن هذا من شأنه. لقد اختارت ميلي طريقتها الخاصة في الحياة، لكنه كان يتطفل ليمنحها احتمالًا جديدًا.

‹‹—؟››

 

 

لكن إن رفضت ذلك، فسينتهي طريقها هنا، داخل هذا البرج. لن تتمكن من عبوره مع الجميع باستخدام الأساليب التي اعتادت عليها.

 

 

 

وفوق ذلك…

في تجربةٍ قاسية وغير متكافئة، رأى سوبارو حياة ميلي كما لو كان يعيشها بنفسه، من اللحظة التي أصبحت فيها واعيةً، إلى تشكّل هويتها، إلى أسلوب حياتها… إلى لحظة موتها التافه.

 

«هذا… متناقض. كنت تحاول فقط تقوية عزيمتي المترددة.»

«لن أسمح لكِ بالتوقف هنا. لا أعرف بالضبط كم تبلغين من العمر… لكن عندما كنت في مثل سنكِ تقريبًا، تلقيت الكثير من المساعدة من البالغين حولي.»

«الانطباع، هاه؟»

 

يوليوس يوكوليوس لم يُهزم. هذا الفارس، هذا الرجل، لم ينهزم قط أمام ناتسكي سوبارو. لذا، مهما قال الآخرون، ناتسكي سوبارو لن يأتمن أحدًا سواه على هذه المعركة.

«…»

**— بدأت تؤدي بعض المهام.**

 

كان سوبارو يراقبها بابتسامة مترددة، ثم قبض يديه بإحكام. أراد إصلاح كل شيء. تمنى لو كان بإمكانه إصلاح كل شيء.

«لذا، حتى لو كرهتِني لهذا، فسأساعدكِ. لا يمكنكِ أن تواصلي رفض يد العون التي تمتد إليكِ وأنتِ تائهة.»

والشخص الذي منحها ذلك التعلّق…

 

«—آرغ! ألا يمكنك قول ذلك بطريقة أكثر “سوبارو”؟!»

وضع سوبارو يديه تحت ذراعيها ورفع جسدها الخفيف، ثم أنزلها على قدميها من جديد.

«— نعم، سمعتك. أنتِ مهملة للغاية، إلزا.»

 

«مرتبط بالبرج، هاه.»

ارتجف جسدها قليلًا، ثم رفعت رأسها نحوه بعينين متردّدتين، بينما كان يربّت على رأسها بلطف قدر استطاعته. لم يكن يخنقها. بل قدم لها حلًا مختلفًا عن الآخر«ناتسكي سوبارو».

**تضيق عيناه بحدة، ثم تابع بصوت هادئ وثابت:**

 

«مرحبًا، شكرًا على الدعم. كان من المريح ألا أقلق بشأن سقوط أي شيء بين الشقوق.»

لم تكن ميلي شخصًا ينبغي أن يموت. و…

«لكن…» ضاقَت عينا يوليوس وهو يحدق في سوبارو، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة طفيفة. «هذا أمر، وذلك أمر آخر.»

 

تنهدت بياتريس وهي تراقب الموقف.

«رجاءً، ميلي. صدّقي سوبارو… صدّقينا.»

لكن، حدّق سوبارو فيها بعينين ضيقتين.

 

 

«…آه.»

 

 

 

عانقتها إميليا من الخلف بينما كان سوبارو يربّت على رأسها. ضمّتها بلطف، واضعة خدّها على خدّ ميلي، بينما كانت الفتاة الصغيرة تعضّ شفتيها الشاحبتين.

«ستكون مجرد لفترة قصيرة مرة اخرى ولكن، من اللطيف مقابلتك، أيها السيد.»

 

«اسمعني. لهذا السبب، عليك وأنا أن نبني علاقتنا من جديد. على الأقل، النسخة الحالية مني ومنك. انسَ أمري السابق الآن.»

«هذا البرج مكان ضيقٌ للغاية لاتخاذ قرارٍ بهذا الحجم.»

«—على أيّ حال، إن كان ريد أسطورة عظيمة كما تقولون، فهذا مثالي. فبطل بهذا الحجم لا بد أن تُحكى إنجازاته وإخفاقاته على مرّ الأجيال. وهكذا، فإن هزيمته هي الثمن الذي دفعه لقاء شهرته… وهذه نقطة ضعف جديدة من نوعها، أليس كذلك؟»

 

‹‹لا تبدو مبالغًا فيها. بالفعل، مع معرفة قوته كما هي… هو بلا شك… لا.››

«…»

 

 

— تعلمت ذلك من مراقبة إلزا.

«حين نخرج من هنا، إلى مكانٍ أكثر انفتاحًا، يمكنكِ أن تعطينا إجابتكِ. سنبذل قصارى جهدنا للوصول إلى هناك.»

حتى إن لم يكن مقتنعًا بذلك تمامًا، إلا أن سوبارو عبس قليلًا عندما قوبل تصريحه بضحكة ساخرة.

 

بموافقة الجميع، أُعيد تأكيد الخطة للتركيز مجدّدًا على حلّ ألغاز البرج.

أن تُحبس المشاعر داخل مساحة ضيقة أمرٌ سيئٌ لنموّ الطفل.

«نعم، بطبيعة الحال. أنتِ… حسنًا، ربما ستكونين مثالًا لما لا يجب فعله، لكنني لن أستبعدكِ من المجموعة. لديكِ حسٌّ أموميٌّ، لذا سيكون من الجيد أن تعملي على الوصول إلى قلب ميلي العنيد.» قال سوبارو، مشيرًا إليها بلا مبالاة.

 

«…كيف يمكنك أن تعقد آمالًا عظيمة عليّ، رغم أنك نسيت كل شيء قبل اليوم؟»

حتى بعد أن اختار كلماته بعناية، لم يستطع سوبارو التعبير عن فكرته بشكل أفضل من ذلك، لكن إميليا قالتها بطريقة أكثر عذوبةً ودفئًا.

**هزت رام كتفيها بلامبالاة، ثم قادت المجموعة إلى الطابق العلوي. كان واثقًا من أنه يستطيع الاعتماد عليها في إدارة الأمور. ومن بين الجميع، رام كانت الشخص الذي يثق به أكثر.**

 

«…همف. في هذه الحالة، سأبذل قصارى جهدي.»

ظلت ميلي تحدق بعيدًا، كما لو أنها تائهةٌ في أفكارها.

 

 

«لا أريد… أن أنسى إلزا…»

«أليس كذلك؟ إذًا—»

 

«…ماذا؟ تبدو وكأنك تفكر في جعلي أقرأه كتعويض عما فعلته— أوه!»

«نعم، هذا مقبول. لستِ مضطرةً إلى نسيان من تحبين. لكن…»

**مع خفوت الحديث، وجدوا أنفسهم أمام الغرفة التي تقود إلى الدرج المؤدي إلى تيجيتا. في الأعلى، كان أرشيف الكتب ينتظرهم، لكن—**

 

اتسعت عينا سوبارو عند سماعه هذا المصطلح الغريب. وراضيه بردة فعله، تحدثت الفتاة. الفتاة التي كانت عبارة عن حزمة من الخبث تحدثت بسخرية

تذكر سوبارو تلك المرأة الغامضة ذات البشرة الداكنة التي رآها في كتاب الموتى.

**«لا أحد يعرف كيف…!»**

 

«ليس لأنها مستاءة من فشل خطتها، لا، لا. بل لأنها محرجة لأن الجميع كشفوا عن مشاعرها الحقيقية. تصرف طفولي ولطيف جدًا.»

كانت، قبل كل شيء، لغزًا. لم تكن بينهما أي تفاعلات، لكنه شعر وكأنه يعرفها بطريقة ما. والغريب أنه عندما تذكرها، وجد نفسه يفرك معدته بلا وعي.

شعر أشقر باهت، كخيوط الحرير، ممتد بلا نهاية. تدفقت خصلاته الطويلة على الأرض البيضاء، متجمعة كبركة ذهبية عند قدميها.

 

«هذه ليست مزحة. فقدان ذاكرتي ليس بالأمر الذي أتمناه… لكن من منظور إدارة المخاطر، هذا هو القرار الصحيح. إذا كان لا بد لأحد منا أن يفقد ذاكرته، فمن الأفضل أن أكون أنا، لأن الأضرار ستكون في حدها الأدنى. علاوة على ذلك، أنا الأضعف هنا.»

«حتى لو كنتِ تحبينها، ربما لا تقلديها تمامًا؟»

 

 

 

لم يطلب منها سوى ذلك.

 

 

 

—ومع أنها لم تكن واثقة، أومأت ميلي برأسها بخفوت، ثم تبع ذلك صمتٌ طويلٌ طويل…

‹‹ليس أنا، معلمي هو الحكيم.››

 

 

**٤**

«…أحمق…»

 

ريد أستريا يتجول بحرية في البرج أثناء الفوضى، يفعل ما يحلو له. لم يكن ذلك تصرف شخص مُقيّد. في الواقع، لو لم يكن لديه شيء يشدّه إلى البرج، لكان قد غادره بسعادة منذ زمن.

«بصراحة، لقد كان ذلك مخيفًا جدًا. لكن بما أنك طلبت، فقد تماسكت بيتي.»

 

 

 

«سيدي رجل لا يمكن أن يموت، لذا لم أقلق إطلاقًا. على العكس، ظننت أن الصغيرة ستتناثر أشلاءً فور أن تقف خلفه.»

«من الصعب تصديق أنك فقدت ذاكرتك عندما تقول أشياء كهذه… لكن في ظل هذه الظروف الخطيرة، تعد ذاكرة باروسو المفقودة مشكلة ثانوية. لكنها تظل مشكلة.» بدأت رام النقاش.

 

 

«آآآه…»

رفعت إيكيدنا يدها قائلة: «إن لم يكن لديكم مانع، فأنا أتفهم قلق يوليوس، لكنني سأجازف وأقول إن ريد قد مات. هذا مجرد انطباعي بعد التفاعل معه.»

 

 

عند رؤيتهما تصعدان الدرج ببطء، احمر وجه ميلي بشدة، وفتحت فمها وأغلقته عدة مرات وهي تحاول العثور على الكلمات.

كانت ميلي مذهولة من منطق إميليا القاطع. وقبل أن تستوعب، واصل سوبارو التوضيح:

 

نظرت إليها إلزا نظرة ناعمة، ثم تركت لها ثأرها.

لوّح سوبارو بيده للمنضمّتين إليهم.

 

 

**لم تدرك حتى أنها فقدت شيئًا ثمينًا.**

«مرحبًا، شكرًا على الدعم. كان من المريح ألا أقلق بشأن سقوط أي شيء بين الشقوق.»

جاءه الرد من خلفه:

 

«ح-حسنًا. إيميليا-تشان نصف جنيّة… وهذا يفسّر جمالها الذي لا يُضاهى. طول عمر أنصاف الجنيّات وجمالهنّ الأخاذ من الأمور المتعارف عليها.»

«حتى لو كنتَ أنت من طلب، بيتي غير متأكدة إن كانت ستغفر لكَ حقًا لو كنت قد سقطت. لذا، اعتبر نفسك محظوظًا.»

«همف. أعتقد أنني لا أزال أملك عينين وأذنين وأنفًا وفمًا، لكن هل هناك شيء غير طبيعي؟» سأل يوليوس.

 

 

كانت بياتريس ترفع فستانها قليلاً أثناء صعود الدرج، وخلفها كانت شاولا، تسير ويداها متشابكتان خلف رأسها. كان سوبارو قد طلب منهما الترقب في الطابق السفلي.

 

 

«بالطبع لا. لا تقولي كلامًا سخيفًا، ميلي، وإلا صفعتك.»

«م-م-ماذا؟! من هؤلاء؟!»

«من المؤسف أن تظن أنني سأفعل شيئًا تافهًا كهذا أثناء مرورك بموقف مهم.»

 

 

التفتت ميلي نحو سوبارو بحدة، وقد بدا عليها الذهول، وربما الرغبة في معاتبته لأنه لم يذكرهما سابقًا.

 

 

 

«أعني…» شبك سوبارو ذراعيه. «التخطيط للقفز ورائكِ كان فكرةً جريئةً وكل شيء، لكن أي خطأ صغير كان سيعني موتنا معًا، أليس كذلك؟ كان هذا خطيرًا للغاية.»

 

 

 

«لكنك وضعت إميليا لمراقبتي لهذا السبب، أليس كذلك…؟»

 

 

لكنه كان مستعدًا لهذا الاحتمال مسبقًا.

«أنا أعلم أن إميليا-تشان أقوى بكثير مما تبدو عليه، بجاذبيتها الطاغية وكل شيء، لكن هناك دائمًا احتمال أن تسوء الأمور. لن يكون الأمر مضحكًا إن انتهى بها المطاف بالانجراف معنا أيضًا.»

بينما كان غارقًا في أفكاره، تساءلت شاولَا فجأة، وقد ضاقت عيناها وهي تراقب تفاعل إميليا وبياتريس وميلي.

 

إذ رأت إيكيدنا أنّه أكثر حنكة مما توقّعت، ارتسمت على شفتي سوبارو ابتسامة محرجة. كان موقفًا يصعب الجزم فيه إن كان هذا هو المسار المقصود أم مجرّد ثغرة اكتشفها بالصدفة.

في الواقع، في نهاية الحلقة السابقة، سقطا معًا حتى الموت. كان قد تمسك بها، لكنه لم يستطع إنقاذها. وكان ذلك الذكرى بمثابة شوكةٍ انغرست عميقًا في قلبه.

«مم-هم، لا بأس، لقد سمعتُ كل شيء، لذا سأكون الشاهدة.»

 

«لا تكوني سخيفة. عليكِ أن تفخري بنفسك! لقد فعلتِ عملًا رائعًا، ميلي. أحسنتِ في تعويض زلتك عندما حاولتِ دفعي عن الدرج!»

«للتأكد من أن ذلك السيناريو الأسوأ لن يحدث، قمتُ ببعض الترتيبات الإضافية. مع وجود بياتريس وشاولا في الأسفل للمراقبة، ظننت أن ذلك سيكون كافيًا لضمان الأمان المطلق.»

 

 

«آه… آسف…»

«لقد ذهبت إلى هذا الحد؟ …لا بدّ أن هناك طريقة أسهل وأذكى.»

«ميلي، الأمر بدأ يُزعجني، لذا هل يمكنكِ تجديل شعري؟»

 

«أمم، أيها السيد! لا بد أنك قلت لها شيئًا غريبًا مجددًا!» صاحت ميلي بغضب، بينما كانت شاولَا تفعل ما يحلو لها كعادتها.

أشاحت ميلي بنظرها بعيدًا. بدأ إحساس الخجل الذي راودها عند كشف جزءٍ من مشاعرها يتلاشى، وحلّ محله شعورٌ طاغٍ بالإحراج.

 

 

 

——

 

 

«أتوقع منك الكثير، أيها الفارس النبيل. أنت وأنا الوحيدان القادران على أن نكون بمثابة والدين لها الآن.»

«نعم، هذا صحيح.» حكَّ سوبارو وجنته، ثم قال: «أنا متأكد من أن هناك طريقة أسهل وأذكى لفعل هذا، ولكن…»

 

 

«انتظر، انتظر، انتظر. أنتم تبالغون في تقديري. أنا مجرد شخص منعزل. مهاراتي الخاصة تقتصر على ترتيب سريري بدقة وربما بعض الخياطة؟»

«ولكن؟»

 

 

أحس بثقل غامض يحيط به. كان الأمر شبيهًا بما شعر به حين قرأ كتاب ميلي، لكن الضغط المنبعث من هذا الكتاب كان أعظم بدرجات.

«في رأيي، اختيار الطريق الأسهل يعني غالبًا تقديم تنازل ما، واتباع الطريقة الأذكى يجعل الأمر يبدو كما لو أنه مكيدة من جار ماكر. أنا… ببساطة، لم أكن أرغب في التنازل أو اللجوء إلى الحيل.»

 

 

أجابت إيكيدنا: «الخيارات هي: واحد منا لم يقرأ أي كتاب بعد ولديه هامش أمان أكثر من يوليوس، أو يوليوس الذي لديه خبرة سابقة، أو ناتسكي، الذي ربما تجاوز الحد بالفعل…»

أغمضت ميلي عينيها قليلًا، وعضَّت شفتها بخفة.

 

 

 

كان سوبارو يراقبها بابتسامة مترددة، ثم قبض يديه بإحكام. أراد إصلاح كل شيء. تمنى لو كان بإمكانه إصلاح كل شيء.

«ولكن، الآن بعد أن ذكرت ذلك، يبدو منطقيًا. فقد اختير شخص ميت ليكون الممتحِن، بعد كل شيء. لن يكون غريبًا أن يكون هذا هو سبب وجود مكتبة تيجيتا.»

 

فتاة لم يرها من قبل، على الإطلاق.

لقد أراد أن يفعل كل ما في وسعه.

لا شكّ في أنّها كانت تحمل مشاعر مختلطة حين اقترح عدم إعطاء الأولويّة لذاكرته، لكنّها، بفضل ذلك الوعد، استطاعت التصريح برأيها بكلّ هذه الثقة… رغم أنّ سوبارو، على ما يبدو، كان يحنث بوعوده طوال الوقت.

 

«لهذا طلبتُ المساعدة من إميليا-تشان، ولهذا لم أتردد في طلب العون من الآخرين أيضًا.»

 

 

بما أنه لم يكن معها في هذه الرحلة، أراد سوبارو إنهاء الأمور هنا بسرعة حتى تتمكن من رؤيته مجددًا.

«مم-هم. هذا صحيح. لقد فوجئت عندما طرح سوبارو هذه الفكرة.» قالت إميليا، وهي تراقب سوبارو بينما كانت لا تزال تريح ذقنها على كتف ميلي، وتعانقها من الخلف.

«لهذا طلبتُ المساعدة من إميليا-تشان، ولهذا لم أتردد في طلب العون من الآخرين أيضًا.»

 

«أريد أن يكون لي نصيب أكبر في القلق عليك أحيانًا.»

«لكنني أدركت على الفور أنه كان جادًّا للغاية. وأيضًا…»

«هاه؟»

 

«هاه؟! حقًا؟!»

«ماذا؟»

«انتظر، انتظر، انتظر. أنتم تبالغون في تقديري. أنا مجرد شخص منعزل. مهاراتي الخاصة تقتصر على ترتيب سريري بدقة وربما بعض الخياطة؟»

 

وضعت ميلي يدها على فمها حين سمعت أفكار سوبارو.

«كنتُ سعيدة لأنك لجأت إليَّ طلبًا للمساعدة. عادةً ما تخطط لحل كل شيء قبل أن أتمكن حتى من استيعاب ما يجري.»

 

 

 

عندما ابتسمت له، سلبت عيناها البنفسجيتان أنفاسه. تيبست ملامحه قليلًا، فيما ازدادت ابتسامة إميليا دفئًا وهي تومئ برأسها.

«أنتَ لا تُدرك حقًّا ما كنت على وشك فعله الآن! هذا مستحيل! وإلا، فلن يكون لهذا أي معنى! وإلا…»

 

عقدت بياتريس ذراعيها القصيرتين، وأجابت بصرامة. شهقت ميلي قليلًا، فيما بدأت إميليا بالضحك.

«لذلك، شعرتُ بالسعادة لأنك أتيت إليَّ منذ البداية هذه المرة، وأُتيح لنا التفكير معًا. هيهي، هذا غريب بعض الشيء.»

 

 

 

«… لا فائدة من قول هذا الآن، لكنني غاضب من نفسي القديمة. ومع ذلك، رؤيتك وسماع صوتك في هذه اللحظة… هذه تجربة لا تخص إلا أنا وحدي، لذا أعتقد أنني خرجتُ فائزًا في النهاية…؟ ما رأيكِ، إميليا-تشان؟»

«أنتَ فعلًا لا تلتزم بكلامك، يا هذا. سأنتظر… دون أن أرفع سقف توقعاتي.»

 

وفي تلك الأثناء، رفعت بياتريس صوتها بلُطف: «آه. إذن، هذا ما تعنيه!»

«آسفة، لكنني لا أفهم تمامًا ما تعنيه.»

 

 

«نعم، هذا مقبول. لستِ مضطرةً إلى نسيان من تحبين. لكن…»

انخفضت كتفا سوبارو حين تجاهلت حديثه بابتسامة، بينما كان الاثنان اللذان كانا يصعدان الدرج قد انضما أخيرًا إلى المجموعة في الأعلى.

«……»

 

 

«يا له من ارتياح أن شيئًا لم يحدث.»

 

 

«هذه طريقة مضللة لوصف الأمر. بالنظر إلى التغيرات التي طرأت على عقلية ميلي… هل هذا يُعدُّ حقًّا “لا شيء”؟»

 

 

 

«أوووه! هذا هو سيدي بحق! لا أفهم ما الذي تقوله تمامًا، لكنك الأفضل في كل ما يبدو عميقًا ومؤثرًا!»

 

 

في الواقع، السبب الوحيد الذي جعل سوبارو يفترض أنّه قد مات هو ما قيل له فحسب. لو لم يكن على علم بخلفيّة الرجل، لما استطاع التصديق بأنّ ريد كان ميتًا. كان مفعمًا بالحيوية بشكل لا يُصدّق.

«هل تحترمينني حقًّا؟»

بإرادتها، وبيديها، تجاهلت كلّ محاولاته السابقة لإنقاذها، وفضّلت السقوط بنفسها، لا لشيء… سوى لتخفي مشاعرها.

 

«مرحبًا، شكرًا على الدعم. كان من المريح ألا أقلق بشأن سقوط أي شيء بين الشقوق.»

أحد التفسيرات هو أن شاولَا كانت تنبهر تلقائيًّا بأي شيء يقوله، لكن حين ذكر رغبته في مساعدة ميلي، كانت أول من وافق. كان جزء منه يشعر بأنها ستدعمه في أي شيء يفعله، لكن من ناحية أخرى، لم يستطع إنكار أن وجودها وحده كان عونًا كبيرًا.

«أفهم سبب ارتباكك حين تنظر إليّ. النسخة السابقة مني فعلت شيئًا ما لك، أليس كذلك؟ ما فعله لم يختفِ من هذا العالم، لكنه اختفى من ذاكرتي.»

 

«لطيفة… هاها، شكرًا لك. لكن… إذن، لماذا؟»

«أمم، بياتريس… ألا… تغضبين مني؟»

 

 

إجابة سوبارو لم تكن ما أرادت سماعه.

«بالطبع بيتي غاضبة. لكن خطتك أُحبطت قبل أن تصل بيتي إلى حد فقدان أعصابها والتدخل. كما أن هناك الحادثة في الصحراء التي يجب أخذها في الاعتبار، لذا فلنقل إنكِ عوَّضتِ خطأكِ.»

 

 

 

«………»

 

 

«……»

«لكن! هذا يقتصر فقط على ما حدث خلال هذه الرحلة. لا يزال ذنب إحراق أرشيف بيتي في القصر القديم قائمًا. وطالما بقي ذلك، فإن بيتي لن تسامحكِ بعد.»

 

 

استعاد سوبارو مشاهد الحلقات السابقة بينما كان يستمع إلى تحليل إيكيدنا ويوليوس.

عقدت بياتريس ذراعيها القصيرتين، وأجابت بصرامة. شهقت ميلي قليلًا، فيما بدأت إميليا بالضحك.

 

 

 

«قد يكون من الصعب ملاحظته، لكن بياتريس قالت “بعد”. إذا كنت فتاة طيبة، فستسامحكِ. إنها لطيفة جدًّا.»

أما هو، فاكتفى بالإيماء مؤكدًا كلامه.

 

 

«إميليا! لا تقولي أشياء كهذه!»

 

 

 

ضحكت إميليا، بينما احمرَّ وجه بياتريس حين كُشف جانبها اللطيف خلف واجهتها الصارمة.

—المكان الذي وجد نفسه فيه لم يكن ماضي ريد.

 

 

«… سأكون حذرة قدر الإمكان…» همست ميلي بهدوء.

بناءً على ذلك، كان من الأفضل الافتراض أن مقدار الذكريات المفقودة غير محدود. في الواقع، بالنظر إلى كل الاحتمالات، ربما كان سوبارو محظوظًا إلى حد ما، إذ إنه احتفظ على الأقل بإحساسه بذاته.

 

راحت تلمس ضفيرتها بقلق، حركةٌ لا تخلو من دلالة، تعكس اعتمادها على شخصٍ آخر سرح شعرها بالطريقة ذاتها. أو هكذا بدا لسوبارو.

أومأ سوبارو برضا، متأملًا في سير الأمور.

—لكن ناتسكي سوبارو سيفعل ما لم يستطع «ناتسوكي سوبارو» فعله.

 

«نعم، لا يمكنني إنكار ذلك. لكن… لا أعرف الكثير عن هذا العالم، وإذا اختفيتِ، سيصبح أكثر وحدة بقليل. ربما لهذا السبب.»

‹هل يمكنني القول أخيرًا إنني أحرزت تقدمًا حقيقيًّا؟›

 

 

—لنبحث عن كتاب ريد في مكتبة تيجيتا.

على الأقل، تمكَّن من إيقاف الفتاة التي كانت مصممة على قتله. لكن التقدم وحده لم يكن كافيًا. كانت هناك أكثر من مأساة واحدة متربصة في هذا البرج…

«إنَّه قتلٌ بدافع العادة.»

 

 

«—هل هذا مقبول حقًّا، سيدي؟»

مجرد التفكير في إمكانية فقدان كل ما يجعله كيانًا مستقلاً أرسل قشعريرة في جسده. ولكن في الوقت ذاته، تساءل عن سبب عدم فقدانه لذكرياته من عالمه الأصلي.

 

**بمجرد أن خلا المكان من الآخرين، كسر يوليوس الصمت وسأل بجدية:**

«هاه؟»

«أنصحك بعدم أخذ كلماته على محمل الجد، سيدتي إميليا. فهو فارسُك، الشخص الذي يمكنك الوثوق به أكثر من أي أحد آخر، لكنه في بعض الأحيان يقول أشياء لا تُحتمل.»

 

المشاهد التي رآها، والحياة التي عاشتها كانت واضحة، لكنه كمن فقد إدراكه الذاتي، كأنما صار هو ذاته الشخص الذي خط اسمه على الكتاب. شعر بأفكارهم، وعاش مشاعرهم.

بينما كان غارقًا في أفكاره، تساءلت شاولَا فجأة، وقد ضاقت عيناها وهي تراقب تفاعل إميليا وبياتريس وميلي.

«اسمعي، ميلي. أنا أصدق ما قاله سوبارو. وإذا كنتِ لا تزالين غير قادرة على الوثوق به، فيمكننا ببساطة أن نراقبه معًا. وإذا أخل بوعده، فسأغضب منه معكِ.»

 

وضع سوبارو يده على الغلاف، ورفع بصره إلى من يراقبونه. بياتريس، ميلي، رام، إيكيدنا، يوليوس، وشاولا، كانوا جميعهم يشاهدونه.

«لقد حاولت قتلك. هل ستسامحها هكذا فحسب؟»

قالت إيكيدنا، مفكرة: «لا يبدو أن فقدان الذاكرة مجرد ثمن يُدفع لقاء قراءة كتب الموتى. هذا استنتاج مستند إلى حقيقة أن يوليوس قرأ كتابًا مماثلًا لما قرأه ناتسكي، لكنه لم يُظهر أي أعراض مشابهة.»

 

 

كان ذلك سؤالًا ثقيلًا… لكن نعم، لم يكن لديه اعتراض.

«… سأكون حذرة قدر الإمكان…» همست ميلي بهدوء.

 

 

«إذا كنتِ تتحدثين عن العقاب، فميلي قد عانت بالفعل. ولكن لماذا يجب أن تُعاقب؟ لم يُعلِّمها أحد يومًا ما هو الصواب. هذا ما سأعلمها إياه الآن.»

«هذه طريقة مضللة لوصف الأمر. بالنظر إلى التغيرات التي طرأت على عقلية ميلي… هل هذا يُعدُّ حقًّا “لا شيء”؟»

 

تذكر سوبارو تلك المرأة الغامضة ذات البشرة الداكنة التي رآها في كتاب الموتى.

«لقد قلت ذلك بالفعل، ولكن ماذا لو حاولت قتلك مجددًا؟»

ولكن المشكلة كانت أن الذكريات التي بدأ بجمعها في الدورات الأربع الأخيرة أصبحت ثمينة للغاية بحيث لا يمكنه التضحية بها ببساطة.

 

«…لماذا حاولت إنقاذي؟»

«هذا يعني أنني كنتُ معلمًا سيئًا. لكنني لن أفعل ذلك وحدي.»

لكن سواء كرهته أو رفضته، لم يكن بوسعه تغيير حقيقة بسيطة. لقد فهم مشاعرها بعمق مؤلم.

 

—لقد كان هذا اللقاء الخامس منذ أن فقد ذاكرته.

كان هذا جوابه.

 

 

لقد اعتمد على الآخرين لإيقاف هجوم ميلي. وسيكون لديه إميليا وبياتريس إلى جانبه في المستقبل أيضًا.

حتى في أفضل الظروف، سيكون من الصعب عليه غرس مجموعة جديدة من القيم في فتاة نشأت منذ طفولتها على القتل، خاصة بمفرده. إن كان صادقًا مع نفسه، فقد شكَّ في قدرته على تحمل عبء كهذا.

تحركت عيناها للحظة بارتباك، قبل أن تستعيد رباطة جأشها سريعًا وترسم ابتسامة ناعمة وهي تلامس بأطراف أصابعها ذراع سوبارو الملتف حول خصرها.

 

«»

لكن… لم يكن وحده.

لم يكن يعلم إن كان ذلك نابعًا من شعورها بالإحراج أم أنه محض هجوم بريء، لكنه بدا كمقاومة طفولية لطيفة.

 

«ما الذي سيكون…؟»

لقد اعتمد على الآخرين لإيقاف هجوم ميلي. وسيكون لديه إميليا وبياتريس إلى جانبه في المستقبل أيضًا.

 

 

 

«وبالطبع، سأعتمد على مساعدتكِ أنتِ أيضًا، شاولَا. عندما يتعلق الأمر بتغيير القلوب والعقول، فهذا سباق ماراثون، وليس عدوًا سريعًا.»

ببساطة، احتوت كتب الموتى على ذكريات أصحابها، لكنها كانت أيضًا بمثابة دليل تفصيلي يشرح كيفية موتهم.

 

احمرّت وجنتا إيميليا قليلًا وهي تنظر إلى سوبارو بغضب مكبوت. بدأ الجو يأخذ منحى غريبًا، فحذّر نفسه من إساءة فهم لطفها.

«… أنا أيضًا؟» أشارت شاولَا إلى نفسها بدهشة.

 

 

«ماذا تعنين؟ هذا مهم جدًا.» ابتسم سوبارو. «إنه دليل على أنكِ واحدة منا. لكن إن كنتِ تقولين إنكِ وجدتهِ بالمصادفة…»

«نعم، بطبيعة الحال. أنتِ… حسنًا، ربما ستكونين مثالًا لما لا يجب فعله، لكنني لن أستبعدكِ من المجموعة. لديكِ حسٌّ أموميٌّ، لذا سيكون من الجيد أن تعملي على الوصول إلى قلب ميلي العنيد.» قال سوبارو، مشيرًا إليها بلا مبالاة.

 

 

 

——

 

 

 

تساءل عمّا كان مفاجئًا في ذلك، لكنه، بما أن شاولَا كانت تبالغ في ردود فعلها دائمًا، فقد اعتبر الأمر مجرد إحدى نوباتها المعتادة ولم يُعِره اهتمامًا كبيرًا.

 

 

«حتى بعد فقدانه لذاكرته، لا يزال يحمل هذا الرأس البائس. لذا، حتى لو استعاد ذكرياته، فلن تكون مساهمته مختلفة كثيرًا عمّا هي عليه الآن… مما يعني أنّ إعطاء الأولويّة لذاكرته سيكون محض هدر. علينا التقدّم في البرج، على أمل أن تعود ذكرياته في أثناء ذلك.»

وضعت شاولَا يديها على وجهها وضغطتهما عليه، ثم تمتمت بحماس:

‹‹—ببساطة، هل تعتقد أنك قادر على هزيمة ريد؟››

 

 

«أنا أيضًا؟ أنا… وسيدي… هي-هي-هي-هي-هي…»

وخلال تلك السنوات الطويلة، بقيت بجوار إلزا.

 

 

«أم… ما خطبك؟»

‹‹نعم، يمكنني قول ذلك.››

 

 

«لا شيء! لقد قررت! سأقوم بتربية الطفلة الثانية وأجعل منها شخصًا صالحًا، تمامًا كما طلبت مني، سيدي!»

 

 

 

أشرق وجهها فجأة، وانطلقت مسرعة نحو الثلاثة الآخرين. حملت ميلي الصغيرة بين ذراعيها وضغطتها إلى صدرها الممتلئ في عناق قوي.

أحد التفسيرات هو أن شاولَا كانت تنبهر تلقائيًّا بأي شيء يقوله، لكن حين ذكر رغبته في مساعدة ميلي، كانت أول من وافق. كان جزء منه يشعر بأنها ستدعمه في أي شيء يفعله، لكن من ناحية أخرى، لم يستطع إنكار أن وجودها وحده كان عونًا كبيرًا.

 

 

«آااهه؟! م-ما هذا؟ لا تفاجئيني هكذا!»

 

 

تحدث ناتسكي كينيتشي بوضوح وصراحة، دون ذرة إحراج. أما ناتسكي ناوكو، فلطالما سارت على إيقاعها الخاص، ملقية بسلسلة من التعليقات الغريبة حيثما حلت، لكن دون أن تغفل عن أي شيء مهم.

«لا بأس، لا بأس. اعتمدي علي كما تشائين، يا طفلة رقم اثنين. صحيح أن صدري ملكٌ لسيدي، لكنني سأشاركك إياه لبعض الوقت!»

 

 

 

«أمم، أيها السيد! لا بد أنك قلت لها شيئًا غريبًا مجددًا!» صاحت ميلي بغضب، بينما كانت شاولَا تفعل ما يحلو لها كعادتها.

«رجاءً، ميلي. صدّقي سوبارو… صدّقينا.»

 

فاتّخذت قرارها الحاسم لتوقفه.

«فقط اعتبريه عقابًا لكِ لأنك جعلت الجميع يقلقون عليك، ودعيها تستمتع بوقتها.»

فتاة لم يرها من قبل، على الإطلاق.

 

 

«… أنتم جميعًا ميؤوس منكم.» تنهدت ميلي، ثم أردفت بتذمر: «حسنًا، سأسمح بذلك. لكن لا تخبروا أحدًا بما حدث هنا.»

عيناها الواسعتان كانتا بلون أزرق صافٍ، وبشرتها الناعمة بيضاء كالبورسلين. كانت ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا، وكل ما فيها كان يوحي بالشفافية.

 

 

نفخت وجنتيها باستياء وهي مدفونة بين أحضان شاولَا، لكن سوبارو حكّ رأسه بإحراج أمام ردّها ذاك. وبما أنها لاحظت ذلك، قطّبت حاجبيها، قبل أن تتدخل إميليا قائلة:

 

 

‹‹إذا كنت قد أبعدت السيدة إميليا والبقية عن قصد، فلا بد أن الأمر في غاية الأهمية.››

«أمم… ميلي، من الصعب قول هذا، لكن…»

 

 

كان سوبارو قد وصل إلى الطابق الثالث مستعدًا للخوض في مهمة بحث شاقة، لكنه شعر أن عزيمته تنهار تمامًا عندما سمع تقرير إيميليا المتحمس. كانت تشير إلى كتاب ضخم تحمله رام بين ذراعيها.

«… أشعر بأن شيئًا سيئًا سيُقال.»

«للأسف، لم نتمكن بعد من اكتشاف أي نمط لترتيب الكتب في أرشيف تيجيتا.» تدخلت إيكيدنا في الحديث.

 

تساءل عمّا كان مفاجئًا في ذلك، لكنه، بما أن شاولَا كانت تبالغ في ردود فعلها دائمًا، فقد اعتبر الأمر مجرد إحدى نوباتها المعتادة ولم يُعِره اهتمامًا كبيرًا.

كان بإمكانها التنبؤ بما سيحدث، وكان ذلك واضحًا من تعابير وجهها عندما نطقت إميليا بالكلمات التالية:

 

 

«لكن هناك شيء واحد مؤكد… سواء كنتُ أنا القديم أو أنا الآن: هذه خطة أودّ تنفيذها بأي ثمن».

«سوبارو طلب أيضًا من رام والآخرين مساعدتك.»

قطّب يوليوس حاجبيه أمام هذا التفسير الغامض، لكنه لم يسعَ للتعمق فيه. بدا وكأنه اكتسب قدرة على تجاهل النكات غير المفهومة من خلال تفاعله مع سوبارو بالأمس، يا له من تفاهم غريب.

 

وضعت ميلي يديها حول رقبتها النحيلة، وأخرجت لسانها بسخرية.

كانت ردة فعل ميلي مدهشة بحق، حيث تقلص وجهها بشكل مبالغ فيه.

ثم غيَّرت وضعها، مبتعدة نحو الدرج قبل أن تستدير لتواجهه مجددًا.

 

«هذا… متناقض. كنت تحاول فقط تقوية عزيمتي المترددة.»

«يستحق الأمر المحاولة على الأقل»، وافقت إيكيدنا. «لكن حتى مع ذلك، لا يسعني إلا أن أشعر بالرهبة أمام هذا الأرشيف الهائل».

 

 

عندما عاد سوبارو والآخرون إلى الغرفة التي كانوا يستخدمونها للاجتماعات وتناول الطعام—والتي أطلقوا عليها مؤقتًا اسم “الغرفة المشتركة”—استقبلتهم رام واقفة بيديها على خصرها، قائلة:

 

 

**تضيق عيناه بحدة، ثم تابع بصوت هادئ وثابت:**

«يبدو أنك أنجزت كل شيء على ما يرام. ليس سيئًا. سأثني على جهدك.»

 

 

كانت تبدو في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من عمرها. وبمظهرها النظيف، ابتسامة طبيعية كان سيلائمها بشكل لطيف.

بالنظر إلى أنها نادرًا ما توزع المديح، كانت تلك شهادة جديرة بالاعتبار من رام. شعر سوبارو بالارتياح لكونه تمكن من تحقيق شيء ملموس بعد حديثه الكبير عن مساعدة ميلي.

 

 

 

«هذا الأمر واضحٌ جدًا لدرجة أنه لا يحتاج إلى ذكر، لكنها كانت تنتظرك هنا طوال الوقت حتى تعود.»

فتاة لم يرها من قبل، على الإطلاق.

 

«ميلي، الأمر بدأ يُزعجني، لذا هل يمكنكِ تجديل شعري؟»

«بل كان يجدر بكِ ألا تذكري ذلك، تحكّمي في نفسك، إيكيدنا.»

**في ذلك الوقت، عندما بدأ الجميع بالصعود، استدارت إيكيدنا نحوه.**

 

 

انعقد حاجبا رام بشدة وهي تقول ذلك.

 

 

 

«مجرد تصرف بسيط عند اكتشاف أنني أنا من يتحكم بهذا الجسد؟ لطيف جدًا.» ابتسمت إيكيدنا، ثم نظرت إلى ميلي المتشبثة بشاولَا وقد أدارت وجهها بتجهم واضح.

كان صحيحًا أنه كان يختبرها، لكنه لم ينوي الإساءة إليها. ومع ذلك، إن أنكر ذلك الآن، فلن يكون مقنعًا.

 

لكن بوسعه أن يفعل ما لم تتوقعه.

«إذًا، لماذا تبدو وكأنها غاضبة؟»

 

 

 

«ليس لأنها مستاءة من فشل خطتها، لا، لا. بل لأنها محرجة لأن الجميع كشفوا عن مشاعرها الحقيقية. تصرف طفولي ولطيف جدًا.»

«سوبارو!»

 

«هذا ممكن بالتأكيد. هناك أيضًا حل مشكلة “تيجيتا”. ربما كان تقدم «ناتسكي» علينا بسبب معرفته التي كانت تسبقه هو ما أدى إلى فقدانه للذاكرة.»

«بالنظر إلى ما كانت تحاول فعله، لا أظن أن هذه الطريقة الصحيحة لوصف الأمر… لكن سواء امتلكت ذكرياتك أم لا، جوهرك لم يتغير، أليس كذلك؟ حقًا، أنت شيء آخر يا ناتسكي.»

وبذلك، طرح سوبارو أوّل مقترح له:

 

 

«يشرفني أنكِ استمتعتِ بالعرض.» غمز سوبارو نحو إيكيدنا، التي لم تلبث أن أطلقت ضحكة ساخرة.

«كنتُ سعيدة لأنك لجأت إليَّ طلبًا للمساعدة. عادةً ما تخطط لحل كل شيء قبل أن أتمكن حتى من استيعاب ما يجري.»

 

 

ثم أخذ سوبارو يتفقد الغرفة المشتركة قبل أن يرفع حاجبه قائلاً:

 

 

لقد فكرت في قتلها.

«هاه؟ جوليوس ليس هنا. إلى أين ذهب؟ دورة المياه أم ماذا؟»

 

 

 

جاءه الرد من خلفه:

 

 

 

«من المؤسف أن تظن أنني سأفعل شيئًا تافهًا كهذا أثناء مرورك بموقف مهم.»

رغم أن طريقته في التعبير عن الأمر لم تكن مثالية، فإن جوليوس، دون شك، كان الأفضل عندما يتعلق الأمر بتقديم مثال يُحتذى به.

 

 

استدار سوبارو ببطء بابتسامة ماكرة، ثم رد بمكر:

 

 

 

«لم أقل أنه يجب أن يكون شيئًا بسيطًا. ربما كان أمرًا أكبر من ذلك؟»

 

 

«ربّما اكتشف باروسو أمرًا لم يكن ينبغي له معرفته، ونتيجة لطيشه، سُرقت ذكرياته… هذه قصة قابلة للتصديق بلا شك.»

في تلك اللحظة، عاد جوليوس إلى الغرفة، مما دفع إميليا لسؤاله بقلق حقيقي:

 

 

 

«هل كنت تعاني من مشكلة في معدتك، جوليوس؟»

نظر إلى الحاضرين مبتسمًا وأضاف ممازحًا: «يوليوس مسؤول عن القتال، إيكيدنا العقل المدبر، رام صاحبة اللسان اللاذع، ميلي لطيفة، وبياتريس أيضًا، أما إميليا فهي بطلتنا الجميلة، وشاولا… فهي من تمنحنا اللحظات الجذابة.»

 

ثم…

«أنصحك بعدم أخذ كلماته على محمل الجد، سيدتي إميليا. فهو فارسُك، الشخص الذي يمكنك الوثوق به أكثر من أي أحد آخر، لكنه في بعض الأحيان يقول أشياء لا تُحتمل.»

 

 

 

«مهلًا، لا تقول هذا لإميليا-تشان! إنك أنت الذي لم يكن هنا، لذا لا يحق لك الاعتراض.»

**عبث سوبارُو بخصلات شعره السوداء، بينما وقف يوليوس أمامه، مولّيًا ظهره للدرج. السبب الرئيسي لعزله عن الآخرين كان واضحًا—لقد كانت هناك طريقة لهزيمة ريد أستريا.**

 

 

تبادل الاثنان النظرات للحظات، قبل أن يزفر جوليوس ببطء، وكأن ضحكة هادئة هربت منه دون قصد. كان تصرفًا متكلفًا يليق به، لكنه بدا غريبًا نوعًا ما لسوبارو.

حتى بعد أن اختار كلماته بعناية، لم يستطع سوبارو التعبير عن فكرته بشكل أفضل من ذلك، لكن إميليا قالتها بطريقة أكثر عذوبةً ودفئًا.

 

«لا تكوني سخيفة. عليكِ أن تفخري بنفسك! لقد فعلتِ عملًا رائعًا، ميلي. أحسنتِ في تعويض زلتك عندما حاولتِ دفعي عن الدرج!»

«إذا كنت تبحث عن عذر، فسأقول إنني خرجت لأقف في نوبة مراقبة. نظرًا لقدرات ميلي، فإن الخطر الأكبر كان يكمن في وحوش الشياطين خارج البرج. لكن…»

«انتظر، انتظر، انتظر. أنتم تبالغون في تقديري. أنا مجرد شخص منعزل. مهاراتي الخاصة تقتصر على ترتيب سريري بدقة وربما بعض الخياطة؟»

 

 

نظر جوليوس نحو الفتاة الصغيرة، التي قطبت جبينها ونظرت بعيدًا. لم يستطع سوى أن يبتسم ابتسامة جانبية، قبل أن يضيف:

«قد يكون من الصعب ملاحظته، لكن بياتريس قالت “بعد”. إذا كنت فتاة طيبة، فستسامحكِ. إنها لطيفة جدًّا.»

 

 

«يمكننا الافتراض بأنها لم تعد تشكل تهديدًا، صحيح؟»

 

 

 

«أجل، لا داعي للقلق. لن تحاول قتلي فجأة مجددًا. أما إن كانت ستتوقف عن ذلك تمامًا، فهذا يعتمد على مدى نجاحنا في تقديم قدوة جيدة لها. لذا، لا مجال للأداء البائس.»

 

 

«إميليا قالت ما أرادت بيتي قوله. كان ذلك أكثر تأثيرًا، لذا تأكد من استيعابه.»

«فهمت. الأمر أشبه بعرض مسرحي، إذًا؟ في هذه الحالة، اترك المهمة لي.»

 

 

 

بعد استنتاجه لنتائج المحادثة مع ميلي، أومأ جوليوس بهدوء.

 

 

تقدم سوبارو خطوة للأمام، وضغط بقبضته على صدر يوليوس.

رغم أن طريقته في التعبير عن الأمر لم تكن مثالية، فإن جوليوس، دون شك، كان الأفضل عندما يتعلق الأمر بتقديم مثال يُحتذى به.

 

 

 

لم يكن سوبارو في وضع يسمح له بالقول إنه يعرف يوليوس جيدًا، لكن من خلال أسلوبه الراقي، كان من الواضح أن هذا لم يكن مجرد طبع فطري للرجل، بل سلوكًا اكتسبه بجهد ومثابرة.

——

 

 

«أتوقع منك الكثير، أيها الفارس النبيل. أنت وأنا الوحيدان القادران على أن نكون بمثابة والدين لها الآن.»

«سيّدتي إميليا، أتفهّم مشاعرك، لكن وجنتك احمرّت».

 

«هذا صحيح، إنها قصة غريبة فعلًا. لو كنتِ قد خططتِ لقتلنا منذ البداية، فلا بد أن الفرص أتيحت أمامك. لكنكِ لم تفعلي.»

«…همف. في هذه الحالة، سأبذل قصارى جهدي.»

 

 

 

بينما تبادلا هذه المزحة الخفيفة، كان سوبارو يراقب ردود الفعل بحذر، محاولًا معرفة ما إذا كان قد وجد المستوى المناسب من الألفة.

 

 

**نظر إليه سوبارُو، فترددت شفتا ميلي قليلًا عندما سمعت ذلك.**

—لقد كان هذا اللقاء الخامس منذ أن فقد ذاكرته.

«لا داعي لأن تقلق كثيرًا.»

 

 

لم يحظَ سوبارو بالكثير من اللحظات الهادئة خلال هذه الفترة، ولكن في الأصل، كان الوقت الذي أمضاه «ناتسكي سوبارو» معهم جميعًا يبدو وكأنه كان هادئًا وسعيدًا.

 

 

لم يحظَ سوبارو بالكثير من اللحظات الهادئة خلال هذه الفترة، ولكن في الأصل، كان الوقت الذي أمضاه «ناتسكي سوبارو» معهم جميعًا يبدو وكأنه كان هادئًا وسعيدًا.

وبهدف ألا يبتعد كثيرًا عن ذلك، ومن أجل ألا يشعر الآخرون بالحزن، كان يحاول السير على خطى «ناتسكي سوبارو» بأكبر قدر ممكن.

«ما هذا العقاب؟! لا! هذا محرج! وأنتِ أيضًا، بياتريس، أنتِ ملاك لطيف! لا تتذمري!»

 

هكذا بدأت إلزا تناديها. ميلي، الفتاة التي حاولت مرارًا وتكرارًا استعادة ما سُلب منها، والانتقام لمن قُتلوا من بني جنسها.

—لقد أراد أن يُعيد إليهم «ناتسكي سوبارو».

**وهل ستحتمل ذاكرتي ذلك؟**

 

أشرق وجهها فجأة، وانطلقت مسرعة نحو الثلاثة الآخرين. حملت ميلي الصغيرة بين ذراعيها وضغطتها إلى صدرها الممتلئ في عناق قوي.

«—سوبارو؟ هل أنت بخير؟ هل تستطيع الحديث الآن؟» تطلعت إميليا إلى عينيه بقلق.

 

 

 

«ووه؟!»

كانت ميلي مذهولة من منطق إميليا القاطع. وقبل أن تستوعب، واصل سوبارو التوضيح:

 

 

تراجع سوبارو إلى الوراء، متفاجئًا من قربها المفاجئ.

‹‹لا تتأخر. إذا فقدنا جميعًا ذاكرتنا مثلك بحلول الوقت الذي تصعد فيه، فسيكون الأوان قد فات.››

 

بدت الدهشة واضحة على وجه يوليوس من كلماته المباشرة.

«آه…» شهقت إميليا بلطف. «…يبدو أنه، منذ استيقاظك… لا، منذ أن قلت إنك فقدت ذاكرتك، وأنت تتفاجأ بي كثيرًا. هل أبدو غريبة لهذا الحد؟ هل هناك شيء على وجهي؟»

أشاحت ميلي بنظرها بعيدًا. بدأ إحساس الخجل الذي راودها عند كشف جزءٍ من مشاعرها يتلاشى، وحلّ محله شعورٌ طاغٍ بالإحراج.

 

«—عار، إذن. أنا الآن… عارٌ على الفروسية…» تمتم يوليوس بصوت خافت، مُطرقًا برأسه.

«لا، أبدًا. فقط عينان لطيفتان، وأنف لطيف، وشفاه لطيفة، وأذنان لطيفتان.»

 

 

أما صاحبة الصوت، ففتحت عينيها على اتساعهما، مدهوشة من ردة فعله المفاجئة.

«لطيفة… هاها، شكرًا لك. لكن… إذن، لماذا؟»

 

 

 

«أعتقد أن لطافتك ليست مجرد مجموع هذه الأجزاء. إنها تتضاعف بشكل أساسي. وصوتك أيضًا. وشعرك. نعم، هذا لا يساعد. أنتِ مثل ملاك. متألقة جدًا، لا أستطيع النظر إليك مباشرة.» غطّى سوبارو وجهه بيديه ونظر إليها من بين أصابعه.

 

 

«إنها… صورتك. الانطباع الذي تتركه. مظهرك، طريقتك في الكلام، وقفتك. الأشياء التي تملكها، ملابسك، طريقة أكلك ومشيتك. كل ذلك مجتمِعًا.»

ما إن أنهى كلامه حتى قفزت بياتريس بردة فعل فورية.

 

 

«هناك بعض الأمور، وإن كان كل ما نملكه مجرد وقائع حدثت ومعلومات متفرقة.» رفعت إيكيدنا إصبعها مسترسلة:

«—آرغ! ألا يمكنك قول ذلك بطريقة أكثر “سوبارو”؟!»

 

 

«هذا مجرد احتمال.» أجابت إيكيدنا بجدية. «إذا كان صحيحًا، فهذا يعني أن من لم يقرأ أي كتاب من كتب الموتى سيكون الأجدر بقراءة كتاب ريد. سيكون الأمر خطيرًا على ناتسكي أو جوليوس، اللذين سبق أن خاضا هذه التجربة.»

«هاه؟! ماذا؟!»

 

 

 

«ما قلته عن أن إميليا ملاك. قله بطريقة أكثر “سوبارو”.»

«…آه.»

 

«…هذا منطقي، على ما أظن. لا يمكن أن تفوّت فرصة كهذه».

«ما هذا العقاب؟! لا! هذا محرج! وأنتِ أيضًا، بياتريس، أنتِ ملاك لطيف! لا تتذمري!»

«يشرفني أنكِ استمتعتِ بالعرض.» غمز سوبارو نحو إيكيدنا، التي لم تلبث أن أطلقت ضحكة ساخرة.

 

رام، جوليوس، وإيكيدنا أذكى من سوبارو بكثير. كانوا ليصلون إلى الحقيقة دون الحاجة إلى الموت أولًا. وميلي لا يمكن أن تجهل ذلك.

«من الصحيح أن بيتي ملاك لطيف، لكن هذا ليس ما قصدته…»

‹‹…هذه مشكلتي وحدي. لا تعرها اهتمامًا.››

 

 

تهدلت كتفا بياتريس بخيبة أمل، فربت سوبارو على رأسها، ثم اجتمع الجميع لبدء اجتماعهم.

 

 

بعد تفكير، قال سوبارو بحزم: «قد يكون هذا أنانيًا، لكن… أعتقد أن الأفضل أن أكون أنا من يقرأه.»

كان قد خاض مثل هذه المناقشات في القاعة المشتركة عدة مرات من قبل، لكن المشكلة كانت أن أيا منها لم يسفر عن نتائج مثمرة. أراد أن يحقق بعض التقدم أخيرًا.

وكما في مرات لا تُحصى، غرست أسنانها في عنق إلزا.

 

 

«يسعدني أن أعلن أن ميلي أصبحت رسميًا جزءًا من فريقنا. وبما أنها الآن عضو كامل ولأجل تعزيز مهاراتها الاجتماعية، أرغب في مغادرة هذا البرج الرملي بأسرع وقت. ما رأيكم؟»

 

 

هل هذا النص مطابق لأسلوبك المفضل؟

«من الصعب تصديق أنك فقدت ذاكرتك عندما تقول أشياء كهذه… لكن في ظل هذه الظروف الخطيرة، تعد ذاكرة باروسو المفقودة مشكلة ثانوية. لكنها تظل مشكلة.» بدأت رام النقاش.

 

 

كل ما حدث في الحلقة الماضية، وكل ما جرى قبلها، وكذلك ما عقد العزم عليه في هذه الحلقة.

«مم-هم. الذكريات لا تختفي عادة دون سبب، لذا علينا أن نفعل شيئًا لاستعادتها.» قالت إميليا.

 

 

«لم أكن لأصيغها بهذه الأناقة، لكنها الفكرة العامة.»

«بشأن ذلك… هل يمكننا تأجيل الأمر الآن؟» ما إن أوقف سوبارو هذا الطرح حتى بدت الدهشة على وجوه جميع من حوله. «أشعر بالسوء لأنني فقدت ذاكرتي، وأنا سعيد حقًا لأنكم جميعًا تريدون مساعدتي. لكن لا أحد يعتقد حقًا أن فقداني للذاكرة لا علاقة له بفخاخ هذا البرج، أليس كذلك؟»

 

 

أثنى سوبارو على ميلي، التي لم يكن يتوقع أن تكون صاحبة هذا الإنجاز، لكنها عبست وأشاحت بوجهها بعيدًا.

«لا يمكنك أن تكون متأكدًا من ذلك، يا سيدي. لقد فقدت ذاكرتك مرة بسبب اصطدام رأسك بالمرحاض، بعد كل شيء.»

 

 

 

«لا تعليقات من المتفرجين! لا يمكنني تجاهل ذلك، لكن أجل ذلك لوقت لاحق!» ضاق صدر سوبارو من هذا التعليق غير المتوقع على الإطلاق. «على أي حال! ما أريد قوله هو أنه لا بد أن هناك صلة بين فقداني للذاكرة والبرج. بمعنى آخر…»

 

 

 

«بمعنى آخر،» أكملت إيكيدنا منطقه، «إذا استوفينا شروط اجتياز البرج، فسنعرف بطبيعة الحال سبب فقدانك للذاكرة، وربما حتى نجد طريقة لاستعادتها. أهذا ما تعنيه؟»

اتسعت عينا إيميليا البنفسجيتان.

 

 

«نعم، بالضبط! هذا هو!» أومأ سوبارو، فرفع يوليوس يده إلى ذقنه متفكرًا.

«بيتي فهمت. آه، الآن اتضح الأمر. بعبارة أخرى، يريد سوبارو استخدام كتاب ريد من كتب الموتى ليكشف الطريقة المثلى لهزيمته.»

 

«إذا كنتِ تتحدثين عن العقاب، فميلي قد عانت بالفعل. ولكن لماذا يجب أن تُعاقب؟ لم يُعلِّمها أحد يومًا ما هو الصواب. هذا ما سأعلمها إياه الآن.»

«أرى… إذا كان فخ البرج هو ما سلبك ذاكرتك، فإن التقدم خلاله سيقربنا من الإجابة. أو ربما نكتشف أن فقدانك للذاكرة كان نتيجة اقترابك الشديد من الإجابة.»

—المكان الذي وجد نفسه فيه لم يكن ماضي ريد.

 

«أنتِ ترتجفين، هل تشعرين بالبرد؟»

«هذا ممكن بالتأكيد. هناك أيضًا حل مشكلة “تيجيتا”. ربما كان تقدم «ناتسكي» علينا بسبب معرفته التي كانت تسبقه هو ما أدى إلى فقدانه للذاكرة.»

كان صحيحًا أنه كان يختبرها، لكنه لم ينوي الإساءة إليها. ومع ذلك، إن أنكر ذلك الآن، فلن يكون مقنعًا.

 

 

«انتظر، انتظر، انتظر. أنتم تبالغون في تقديري. أنا مجرد شخص منعزل. مهاراتي الخاصة تقتصر على ترتيب سريري بدقة وربما بعض الخياطة؟»

 

 

 

«آه، انظر، سوبارو. لقد صنعت هذا. هل تتذكر؟ إنه لطيف، أليس كذلك؟ إنه باك.» قالت إميليا.

 

 

وأنهى حديثه بعبارة لم تكن معتادة منه.

«همم، هذا بالتأكيد قط لطيف. لكنني لا أتعرف عليه.»

 

 

كانت تبدو في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من عمرها. وبمظهرها النظيف، ابتسامة طبيعية كان سيلائمها بشكل لطيف.

تحول مسار المحادثة بسرعة إلى اتجاهات غير متوقعة، ولكن بعد سماع إجابة سوبارو، بدت خيبة الأمل واضحة على وجه إميليا وهي تمسح على النقش المطرز على ملابسها.

 

 

 

هل هذا قطها؟

 

 

بينما تبادلا هذه المزحة الخفيفة، كان سوبارو يراقب ردود الفعل بحذر، محاولًا معرفة ما إذا كان قد وجد المستوى المناسب من الألفة.

بما أنه لم يكن معها في هذه الرحلة، أراد سوبارو إنهاء الأمور هنا بسرعة حتى تتمكن من رؤيته مجددًا.

 

 

«ماذا؟»

كما أن هناك احتمالًا آخر…

‹‹…لا، ليس لدينا حل آخر. أقرّ بأن اقتراحك منطقي.››

 

 

«ربّما اكتشف باروسو أمرًا لم يكن ينبغي له معرفته، ونتيجة لطيشه، سُرقت ذكرياته… هذه قصة قابلة للتصديق بلا شك.»

—اترك أمر ريد أستريا لي.

 

استطاع رؤية ذراعيه وساقيه. وعندما انحنى، رأى جذعه وخصره أيضًا.

«طريقة تعبيرك توحي بأنّك تُضمّن إهانة خفيّة، لكن بيتي تتفق معك إجمالًا. كذلك، فيما يخصّ فكرة سوبارو حول إعطاء الأولويّة لاجتياز هذا البرج… فالأمر ليس مثاليًا، لكن له منطقه الخاص، على ما أظن.»

بما أنه لم يكن معها في هذه الرحلة، أراد سوبارو إنهاء الأمور هنا بسرعة حتى تتمكن من رؤيته مجددًا.

 

«هذا الوصف غير مُرضٍ كثيرًا… ولكن بما أنك تربت على رأس بيتي، فسأتغاضى عنه.»

«بياتريس…»

«سوبارو، ماذا تعني…؟»

 

«…صحيح، الليلة الماضية، رأيتك وسط أكوام من الكتب في تيجيتا. هل كان هذا السبب؟»

لم تكن بياتريس راضية عن عدم وضع استعادة ذكريات سوبارو على رأس الأولويّات. كان ممتنًّا لموقفها، لكنه امتلك سببًا جوهريًّا يمنعه من التفكير في نفسه أولًا.

«ماذا؟»

 

 

لم يكن لديهم متّسع من الوقت لمنع الكارثة التي ستقع إن انشغلوا طويلًا بمحاولة علاج فقدانه للذاكرة. ‹‹أنا— لا، جميعنا بحاجة للاستعداد لتلك الكارثة.››

 

 

 

«بالطبع، ليس كما لو أنّني أريد البقاء على هذه الحال إلى الأبد. لكنني أعتقد أنّه من الناحية العمليّة، كلّما أسرعنا في اجتياز البرج، زادت احتماليّة حلّ كلّ شيء في وقت أقرب. لهذا، أريد المضيّ قدمًا في الأمر.»

 

 

 

كان يبذل قصارى جهده لإخفاء مساوئ غياب «ناتسكي سوبارو»، وفي المقابل، طلب مساعدتهم جميعًا.

 

 

تهدلت كتفا بياتريس بخيبة أمل، فربت سوبارو على رأسها، ثم اجتمع الجميع لبدء اجتماعهم.

ساد الصمت للحظات، ثم—

«… تريدني أن أتحمَّل مسؤولية قتلك؟ هذا تعبير غريب، أيها السيد.»

 

«… أنا أيضًا؟» أشارت شاولَا إلى نفسها بدهشة.

«—أنتَ أحمق حقًّا.»

 

 

 

أطلقت رام تنهيدة، وهزّت رأسها قبل أن تطوف ببصرها الورديّ على الجميع.

 

 

«لكني أعرفكِ.»

«حتى بعد فقدانه لذاكرته، لا يزال يحمل هذا الرأس البائس. لذا، حتى لو استعاد ذكرياته، فلن تكون مساهمته مختلفة كثيرًا عمّا هي عليه الآن… مما يعني أنّ إعطاء الأولويّة لذاكرته سيكون محض هدر. علينا التقدّم في البرج، على أمل أن تعود ذكرياته في أثناء ذلك.»

 

 

 

«أيمكنكِ صياغة ذلك بطريقة ألطف؟» تأوّه سوبارو.

«نعم، لقد قال: “في حال حدث أي شيء لميلي”. هذا ما قصدته، صحيح، سوبارو؟»

 

«أنتِ…؟»

«لا يمكنني ذلك. لقد فقدت ذكرياتك أثناء محاولتك اجتياز البرج، صحيح؟ إذن، التقطها مجددًا في طريقك. لا تُلقِها على عاتقي.»

«ليس لأنها مستاءة من فشل خطتها، لا، لا. بل لأنها محرجة لأن الجميع كشفوا عن مشاعرها الحقيقية. تصرف طفولي ولطيف جدًا.»

 

 

كان قد وعدها. وعدها بأنّه سيتذكّر، وسيستعيد كلّ شيء.

المشاهد التي رآها، والحياة التي عاشتها كانت واضحة، لكنه كمن فقد إدراكه الذاتي، كأنما صار هو ذاته الشخص الذي خط اسمه على الكتاب. شعر بأفكارهم، وعاش مشاعرهم.

 

«مم-هم. الذكريات لا تختفي عادة دون سبب، لذا علينا أن نفعل شيئًا لاستعادتها.» قالت إميليا.

لا شكّ في أنّها كانت تحمل مشاعر مختلطة حين اقترح عدم إعطاء الأولويّة لذاكرته، لكنّها، بفضل ذلك الوعد، استطاعت التصريح برأيها بكلّ هذه الثقة… رغم أنّ سوبارو، على ما يبدو، كان يحنث بوعوده طوال الوقت.

 

 

«كنتِ تحاولين… كنتِ تعلمين حتى قبل أن أقفز، صحيح؟ هذا غريب. أنتَ غريب…»

«لا نمتلك وسيلة مؤكّدة لاستعادة ذكرياته، لهذا أنا أتّفق مع ناتسكي ورام. ثمّ إنّه، ببعض التفاؤل، قد تكون هناك فرصة لاستعادة الذكريات بمرور الوقت.»

—«لا وقت لدينا» تحمل معنى مختلفًا لي عما تحمله له. لكن مع ذلك، يجب أن نشعر بذات العجلة. بالأحرى، أُجبرتُ على فهمها.

 

كانت تبدو في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من عمرها. وبمظهرها النظيف، ابتسامة طبيعية كان سيلائمها بشكل لطيف.

«أظنّني أوافق على ذلك بالاستبعاد. ليست الأولويّة القصوى حاليًّا. اجتياز البرج هو هدفنا الأساسي في الوقت الراهن. لكن إن وجدنا طريقة لاستعادة ذكرياتك، فسأعطيها الأولويّة حينها. فلا ينبغي لسيدة إميليا والسيدة بياتريس أن تحزنا لأجلك.»

 

 

كان بإمكانها أن تعضّ بقوة كافية لتمزيق الجلد وإحداث الألم. لم تَعُد ميلي وحشًا ضعيفًا هزيلًا. أكلت جيدًا، وتعلمت الكلام، وحصلت على اسم، وعرفت إلزا. لذا…

أومأ سوبارو برأسه بعمق ردًّا على إيكيدنا وجوليوس، ثم نظر إلى إميليا وبياتريس. تردّدتا لوهلة، لكن—

 

 

 

«إنّه أمر مؤلم، لكنني سأتجلّد. غير أنّني…»

 

 

 

«ماذا؟»

 

 

أومأ سوبارو برأسه بعمق ردًّا على إيكيدنا وجوليوس، ثم نظر إلى إميليا وبياتريس. تردّدتا لوهلة، لكن—

«أريد أن يكون لي نصيب أكبر في القلق عليك أحيانًا.»

ثم…

 

«ح-حسنًا. إيميليا-تشان نصف جنيّة… وهذا يفسّر جمالها الذي لا يُضاهى. طول عمر أنصاف الجنيّات وجمالهنّ الأخاذ من الأمور المتعارف عليها.»

«آه… آسف…»

«أعني، ليس عليكِ أن تأخذي الأمر بجدية إلى هذا الحد…»

 

«كنتَ تختبرني، صحيح؟ تتظاهر بأنك فقدتَ ذاكرتك لترى إن كنتُ سأحاول دفعك مجددًا… والآن بعد أن وصلنا إلى البرج، لم أعد ذات فائدة لكم؛ لذا حان الوقت للتخلص من الأطراف غير الضرورية.»

أدرك أنّه، بطريقة غير مباشرة، طلب منهما الكفّ عن القلق عليه حتى إشعار آخر، فخفض رأسه معتذرًا لإميليا.

«لا، أبدًا. فقط عينان لطيفتان، وأنف لطيف، وشفاه لطيفة، وأذنان لطيفتان.»

 

 

تنهدت بياتريس وهي تراقب الموقف.

 

 

 

«إميليا قالت ما أرادت بيتي قوله. كان ذلك أكثر تأثيرًا، لذا تأكد من استيعابه.»

«أردتِ الانتقام؟»

 

في الواقع، في نهاية الحلقة السابقة، سقطا معًا حتى الموت. كان قد تمسك بها، لكنه لم يستطع إنقاذها. وكان ذلك الذكرى بمثابة شوكةٍ انغرست عميقًا في قلبه.

«حسنًا، فهمت.»

 

 

لذا…

بموافقة الجميع، أُعيد تأكيد الخطة للتركيز مجدّدًا على حلّ ألغاز البرج.

 

 

«ليس لأنها مستاءة من فشل خطتها، لا، لا. بل لأنها محرجة لأن الجميع كشفوا عن مشاعرها الحقيقية. تصرف طفولي ولطيف جدًا.»

وبذلك، طرح سوبارو أوّل مقترح له:

«إذا كان افتراضي صحيحًا، وإن كانت قراءة كتب الأموات هي السبب وراء فقداني للذاكرة… فهذا يعني أنني قرأتُ أحد هذه الكتب».

 

 

«—هل يمكننا البحث عن كتاب ريد في مكتبة تيجيتا؟»

 

 

«من المؤسف أن تظن أنني سأفعل شيئًا تافهًا كهذا أثناء مرورك بموقف مهم.»

### ٦

 

 

—لنبحث عن كتاب ريد في مكتبة تيجيتا.

«هذه عبارة لم أسمعها منذ مدة… لكن، بعيدًا عن ذلك… وجدتهِ حقًا يا ميلي؟! هذا إنجاز عظيم! أحسنتِ!»

 

«لا داعي لأن تقلق كثيرًا.»

كان ذلك اقتراح سوبارو لحلّ المشكلة التي واجهتهم في الوقت الحالي: كيفية اجتياز الطابق الثاني.

 

 

«هل كنت تعاني من مشكلة في معدتك، جوليوس؟»

«…كتابه؟ …لكنّنا لا نملك أيّ فكرة عن كيفيّة العثور عليه؟»

‹‹ليس حقًا، مجرد مزحة لكسر الجليد. سؤالي الحقيقي مختلف قليلًا.››

 

«لكنك وضعت إميليا لمراقبتي لهذا السبب، أليس كذلك…؟»

«ها-ها، نكتة جيّدة، إميليا-تشان.»

«رجاءً، ميلي. صدّقي سوبارو… صدّقينا.»

 

 

«سوبارو!»

تغيرت ملامح ميلي، وتوقفت ابتسامتها الهادئة. زفرت ببطء، ثم هزت كتفيها بأسلوب مثقل بالأعباء، لا يتناسب مع عمرها الصغير.

 

«لن أعدكِ بشيء، فأنا أعرف أن الوعود لا تعني الكثير، لكنني سأحقق أمنيتكِ.»

احمرّت وجنتا إميليا اللطيفتان غضبًا من ردّ فعله، بينما كان هو مستمتعًا بجمالها الطفوليّ. ثمّ نظر إلى البقيّة.

 

 

 

«أعتقد أنّ “كتاب الموتى” الخاصّ بريد سيكون الدليل الأسرع لكيفيّة اجتياز الطابق الثاني. ما رأيكم؟»

 

 

«وهل هناك حقًا شيء يمكن استنتاجه، إيكيدنا؟»

«سبق أن سألتك هذا، لكن كيف؟» أمالت إميليا رأسها. «لست ضدّ فكرة البحث عن الكتاب. لكن لا نعلم كيفيّة البحث عنه. ثمّ…»

«هذا يعني أنني كنتُ معلمًا سيئًا. لكنني لن أفعل ذلك وحدي.»

 

 

«…هل كتاب ريد أستريا موجود فعلًا في ذلك الأرشيف؟» أكمل جوليوس الفكرة.

«هذا الأمر واضحٌ جدًا لدرجة أنه لا يحتاج إلى ذكر، لكنها كانت تنتظرك هنا طوال الوقت حتى تعود.»

 

 

تحت أنظار الجميع، رفع جوليوس بصره المزين برموش طويلة، كأنّه يحاول اختراق السقف بنظراته ليرى الطابق الثاني.

 

 

والسبب في عدم مغادرته هو…

«من الصعب تصديقه، لكن ريد أستريا، البطل العظيم الذي سُطّر اسمه في التاريخ، ينتظرنا في الطابق الثاني لخوض ما يسمّيه امتحانًا. لقد عاش ريد أستريا قبل أربعمئة عام، ومع ذلك، لا شكّ في أنّ الشخص الذي ينتظرنا بالأعلى هو نفسه… لكنّ هذا يفتح باب التساؤل حول موته.»

 

 

 

«عندما تراه مفعمًا بالحياة إلى هذا الحدّ، يراودك الشكّ في أنّه مات بالفعل، أليس كذلك؟ لم أفكر في الأمر بهذا الشكل من قبل، لكنّه تساؤل وجيه…»

«…»

 

«هل كنت تعاني من مشكلة في معدتك، جوليوس؟»

في الواقع، السبب الوحيد الذي جعل سوبارو يفترض أنّه قد مات هو ما قيل له فحسب. لو لم يكن على علم بخلفيّة الرجل، لما استطاع التصديق بأنّ ريد كان ميتًا. كان مفعمًا بالحيوية بشكل لا يُصدّق.

 

 

مع كل ما مرّ به، كان من الواضح أن ينبوع حظه قد جفّ منذ زمن. أو ربما استُنزف بالكامل حينما جاء إلى هذا العالم.

«أعتقد أنّه من الأفضل تجاهل هذا الافتراض. لا يمكنني تخيّل أيّ شخص يعيش لمئات السنين، لذا يفترض أن يكون ميتًا. أليس كذلك، بياتريس؟»

 

 

 

«لا يمكنك الجزم بذلك، على ما أظن. رغم مظهرها، بيتي تبلغ من العمر أربعمئة عام.»

«يبدو أن هذا هو اسمكِ؟ كان من الصعب تمييزه، لكنه كان مُطرّزًا على ذلك الخرَق… ربما كان يخصّ شخصًا آخر، لكن من المزعج ألا يكون لديكِ اسم، لذا…» ابتسمت إلزا ابتسامة ناعمة. «أنتِ ميلي من الآن فصاعدًا، وهذا ما سأناديكِ به.»

 

«…»

 

 

***

افتر ثغرها عن ابتسامة ساخرة أربكت سوبارو. لم يكن هناك وصف آخر لها.

 

**بمجرد أن خلا المكان من الآخرين، كسر يوليوس الصمت وسأل بجدية:**

«وأنا أظن أن عمري يقارب المئة سنة؟» قالت إيميليا، مقاطعة الحديث.

«ماذا؟»

 

«أعني، ليس عليكِ أن تأخذي الأمر بجدية إلى هذا الحد…»

«وأنا كذلك. بالنظر إلى وقت مجيئي إلى الوجود، فأنا على الأرجح في الرابعة مئة من عمري؟ وإن لم أكن مستيقظة طوال هذا الوقت»، عقبت إيكيدنا.

 

 

 

«وأنا أيضًا! أنا أيضًا يا سيدي! لقد كنت أنتظر طيلة أربعمئة عام بلا جدوى! كنت وحيدة للغاية! أطالب بأربعمئة عام من العناق!»

«أمم، بياتريس… ألا… تغضبين مني؟»

 

 

«ما هذا العدد الهائل من الشخصيات المعمّرة؟! وحتى أنتِ، إيميليا-تشان؟!»

 

 

«أتفهّم خوفك، وأتفهم ارتباكك. وأشعر بالأسف لما فعله الشخص الذي كنتُ عليه سابقًا. لكن مع كل ذلك… أريدك أن تركز وتقاتل.»

كان يبحث عن تأكيد، لكنه لم يحصل إلا على سلسلة غير متوقعة من التناقضات. لم يكن يتوقع أن يكون نصف أفراد المجموعة من المعمّرين. اضطر إلى إعادة ضبط متوسط أعمارهم ذهنيًا، مضيفًا بضعة عقود إلى الحساب. ولكن، بطريقة ما، بدا الأمر منطقيًا.

«أمم… نعم، هذا صحيح. فالكتب هناك لا يمكن قراءتها إلا إن كنتَ تعرف اسم صاحبها مسبقًا».

 

استطاع رؤية ذراعيه وساقيه. وعندما انحنى، رأى جذعه وخصره أيضًا.

«ح-حسنًا. إيميليا-تشان نصف جنيّة… وهذا يفسّر جمالها الذي لا يُضاهى. طول عمر أنصاف الجنيّات وجمالهنّ الأخاذ من الأمور المتعارف عليها.»

بمحض المصادفة، سوبارو ويوليوس وضعا أيديهما على صدريهما في آنٍ واحد، ثم تطلعا إلى بعضهما البعض. عندها، اعتدل يوليوس في وقفته، ثم انحنى بانحناءة رشيقة، كفارس من الأساطير.

 

«—ونحن لويس ارنيب، أسقف خطيئة الشراهة لطائفة الساحرة.»

«أمم… ن-نعم… ألا تخاف من أنصاف الجنيّات رغم فقدانك لذاكرتك؟»

«… سأكون حذرة قدر الإمكان…» همست ميلي بهدوء.

 

 

«لو كنا نتحدث عن أمر مرعب، فأنتِ مرعبة بجمالك. جمال قاتل بحق. لو وقعت عيناي عليكِ وأنا غير متيقظ، فقد أفقد بصري للأبد. حتى الآن، أشعر بعينيّ تدمعان.»

 

 

 

«همف… أيها الأحمق…»

 

 

 

احمرّت وجنتا إيميليا قليلًا وهي تنظر إلى سوبارو بغضب مكبوت. بدأ الجو يأخذ منحى غريبًا، فحذّر نفسه من إساءة فهم لطفها.

«أنتَ لا تُدرك حقًّا ما كنت على وشك فعله الآن! هذا مستحيل! وإلا، فلن يكون لهذا أي معنى! وإلا…»

 

«أنتِ…؟»

‹اهدأ أيها القلب. حسنًا، ليس عليك أن تهدأ تمامًا، لكن…›

 

 

《١》

«هاه… من ناحية أخرى، أنتِ تمنحينني شعورًا بالطمأنينة، بياتريس. وكأنني عدت إلى المنزل في العطلة.»

 

 

«ما الذي سيكون…؟»

«هذا الوصف غير مُرضٍ كثيرًا… ولكن بما أنك تربت على رأس بيتي، فسأتغاضى عنه.»

 

 

«لا شيء يعيقني، لذا يمكنني القفز قفزة كبيرة. لا يمكنني الاستمرار في مشاهدتك وأنت تتراجع، سواء أمامي، أو أمام إيكيدنا، أو حين تتحدث عن ريد. أنا أيضًا شخص لا يستطيع التغاضي عن الأمور، لذا لست في موقع يسمح لي بتقديم النصائح، لكن… متجاهلًا كل ذلك، سأكون صريحًا.»

عاد قلبه الذي كان يخفق بسرعة بسبب إيميليا إلى هدوئه بينما كان يربّت على رأس بياتريس. ويبدو أنها كانت راضية أيضًا، فكان الأمر كضربة عصفورين بحجر واحد.

 

 

الجانية التي دفعته إلى السقوط نحو الموت ليست سوى ميلي بورتروت، تلك التي قام سوبارو الآخر بإزاحتها من المعادلة دون تردد في الحلقة السابقة.

رفعت إيكيدنا يدها قائلة: «إن لم يكن لديكم مانع، فأنا أتفهم قلق يوليوس، لكنني سأجازف وأقول إن ريد قد مات. هذا مجرد انطباعي بعد التفاعل معه.»

لكن…

 

 

«بناءً على ماذا؟»

قبض سوبارو يده، ومدّها نحو يوليوس.

 

لقد كانت ردة فعل غريزية؛ لأن القتل أصبح نهجها الافتراضي. لأن الحياة التي عاشتها كانت قاسية إلى حد لم تستطع معه تصوُّر أي خيارٍ آخر.

«أولًا، كما قال ناتسكي، لا يمكنني تخيّل أن ريد أستريا كائن طويل العمر إلى هذه الدرجة. هو بلا شك شخص يتحدى المنطق بطرق عديدة، لكنه لا يزال إنسانًا. وثانيًا، شخصيته.»

 

 

 

«شخصيته؟ تعنين كونه حيويًا للغاية؟»

من خلال ذكرياته التي استرجعها من كتاب ميلي للأموات، وصل إلى النتيجة ذاتها.

 

وعده لرام، وقسمه لميلي.

«بل غير مقيّد أكثر من كونه حيويًا. ربما هو مجرد شعور لدي، لكنني لا أستطيع تصوّره ينتظر بصبر في هذا البرج لمدة أربعمئة عام. أراهن أنه كان سيغادر بعد ثلاثة أيام على الأكثر.» قالت إيكيدنا وهي تهز كتفيها بلا مبالاة.

 

 

 

فهم كلٌّ من سوبارو وإيميليا مغزى حديثها. وبالنظر إلى ردود أفعال الجميع، بدا أنها ملاحظة مقنعة.

 

 

 

«مرة أخرى، هذا مجرد انطباعي عن الرجل. هل هذا مقنع بالنسبة لك، يوليوس؟»

 

 

 

«لا يسعني إلا أن أتفق معك. في الحقيقة، بالنظر إلى سلوكه، لا يبدو من النوع الذي يرضى بالبقاء في مكان واحد لفترة طويلة. إن كان هناك سبب يجعله مضطرًا للبقاء هنا، فلا بد أنه مرتبط بامتحان البرج… هذا ما أظنه.»

 

 

هزَّ رأسه لينفض عن عقله هذا التبرير الساذج.

«مرتبط بالبرج، هاه.»

 

 

 

استعاد سوبارو مشاهد الحلقات السابقة بينما كان يستمع إلى تحليل إيكيدنا ويوليوس.

 

 

كان بإمكانها التنبؤ بما سيحدث، وكان ذلك واضحًا من تعابير وجهها عندما نطقت إميليا بالكلمات التالية:

ريد أستريا يتجول بحرية في البرج أثناء الفوضى، يفعل ما يحلو له. لم يكن ذلك تصرف شخص مُقيّد. في الواقع، لو لم يكن لديه شيء يشدّه إلى البرج، لكان قد غادره بسعادة منذ زمن.

**— بدأت ترتدي الملابس.**

 

منذ ذلك الحين، لم تجرؤ على معارضة أمّها مجددًا.

والسبب في عدم مغادرته هو…

تحول مسار المحادثة بسرعة إلى اتجاهات غير متوقعة، ولكن بعد سماع إجابة سوبارو، بدت خيبة الأمل واضحة على وجه إميليا وهي تمسح على النقش المطرز على ملابسها.

 

 

«—؟ ما الأمر؟ هل هناك شيء يخصّني؟»

 

 

 

«لا…»

لا شكّ في أنّها كانت تحمل مشاعر مختلطة حين اقترح عدم إعطاء الأولويّة لذاكرته، لكنّها، بفضل ذلك الوعد، استطاعت التصريح برأيها بكلّ هذه الثقة… رغم أنّ سوبارو، على ما يبدو، كان يحنث بوعوده طوال الوقت.

 

«أين نحن…؟ لا، انتظري، من أنتِ؟ أي سؤال أبدأ به؟»

«همف. أعتقد أنني لا أزال أملك عينين وأذنين وأنفًا وفمًا، لكن هل هناك شيء غير طبيعي؟» سأل يوليوس.

 

 

 

«أجل، على عكس إيميليا-تشان، أنت لست لطيفًا، لذا لا تدخل في المقارنة. لكن على أي حال…» أعاد سوبارو الحديث إلى موضوع كتاب ريد. «إذن، إن كنّا متفقين على كونه ميتًا نابضًا بالحياة، فلنعد إلى صلب الموضوع. مكتبة تَيجِيتا مليئة بكتب الموتى، صحيح؟»

تصلّبت ملامح يوليوس، وحبس أنفاسه.

 

«ألم أخبرك؟ لا أحد في هذا العالم يفهمك أكثر مني.»

«حاليًا، هذا ما نفترضه.» أجابت رام. «من يقرأها يعيش ذكريات الميت… هذا ما أكدتموه أنت ويوليوس. لكن لسوء الحظ، يبدو أنك نسيت ذلك.»

«لا شيء! لقد قررت! سأقوم بتربية الطفلة الثانية وأجعل منها شخصًا صالحًا، تمامًا كما طلبت مني، سيدي!»

 

رغم أنه لم يعش سوى بضعة أيام متكررة أربع مرات، كان يحمل في قلبه حزمًا من الذكريات التي لا يستطيع السماح لنفسه بالتخلي عنها.

«قلتُ إنني آسف بالفعل، لذا لا تواصلي التذمّر. المهم هو هذا.»

بينما تبادلا هذه المزحة الخفيفة، كان سوبارو يراقب ردود الفعل بحذر، محاولًا معرفة ما إذا كان قد وجد المستوى المناسب من الألفة.

 

تحت أنظار الجميع، رفع جوليوس بصره المزين برموش طويلة، كأنّه يحاول اختراق السقف بنظراته ليرى الطابق الثاني.

بإشارة من أصابعه، أشار إلى رام. ويبدو أنها لم تُعجب بالإيماءة، فأمسكت بأصابعه ولوّتها، مانحة إياه طعمًا حادًا للألم.

 

 

‹‹إجابة مبهمة…››

وفي تلك الأثناء، رفعت بياتريس صوتها بلُطف: «آه. إذن، هذا ما تعنيه!»

 

 

 

«أفهمتِ ما يقصده، بياتريس؟» سألتها إيميليا.

 

 

 

«بيتي فهمت. آه، الآن اتضح الأمر. بعبارة أخرى، يريد سوبارو استخدام كتاب ريد من كتب الموتى ليكشف الطريقة المثلى لهزيمته.»

 

 

«قلتُ إنني آسف بالفعل، لذا لا تواصلي التذمّر. المهم هو هذا.»

«بالضبط.» أومأ سوبارو بينما كان يهز أصابعه المتألّمة.

**«لا أحد يعرف كيف…!»**

 

 

اتسعت عينا إيميليا البنفسجيتان.

 

 

لم تكن بياتريس راضية عن عدم وضع استعادة ذكريات سوبارو على رأس الأولويّات. كان ممتنًّا لموقفها، لكنه امتلك سببًا جوهريًّا يمنعه من التفكير في نفسه أولًا.

—يمكنهم استخدام كتاب الموتى لمعرفة كيفية هزيمة الأسطورة.

بمحض المصادفة، سوبارو ويوليوس وضعا أيديهما على صدريهما في آنٍ واحد، ثم تطلعا إلى بعضهما البعض. عندها، اعتدل يوليوس في وقفته، ثم انحنى بانحناءة رشيقة، كفارس من الأساطير.

 

كان قد وعدها. وعدها بأنّه سيتذكّر، وسيستعيد كلّ شيء.

ببساطة، احتوت كتب الموتى على ذكريات أصحابها، لكنها كانت أيضًا بمثابة دليل تفصيلي يشرح كيفية موتهم.

 

 

 

وبحكم كونه مخضرمًا في الموت، وقد مرّ به أربع مرات، أدرك سوبارو جيدًا مدى صعوبة تجنّب المصير المحتوم.

كان قد خاض مثل هذه المناقشات في القاعة المشتركة عدة مرات من قبل، لكن المشكلة كانت أن أيا منها لم يسفر عن نتائج مثمرة. أراد أن يحقق بعض التقدم أخيرًا.

 

**خلال الحلقة الأخيرة، عندما تحولت المعركة في البرج إلى فوضى، الشيء الوحيد الذي بدا أن ريد يندم عليه كان رغبته في مواجهة يوليوس.**

«إذن، إن قرأنا كتابه، سنعرف بالضبط كيف لقي حتفه. إنه أداة رائعة لحلّ لغزه. وبطريقة غير مباشرة، قد يكون هذا هو السبب في وجود كتب الموتى هنا.»

‹‹لا تتأخر. إذا فقدنا جميعًا ذاكرتنا مثلك بحلول الوقت الذي تصعد فيه، فسيكون الأوان قد فات.››

 

«هه!»

«لـ… لم أفكر في ذلك.» اتسعت عينا إيكيدنا.

 

 

 

«ولكن، الآن بعد أن ذكرت ذلك، يبدو منطقيًا. فقد اختير شخص ميت ليكون الممتحِن، بعد كل شيء. لن يكون غريبًا أن يكون هذا هو سبب وجود مكتبة تيجيتا.»

«وأنا أيضًا! أنا أيضًا يا سيدي! لقد كنت أنتظر طيلة أربعمئة عام بلا جدوى! كنت وحيدة للغاية! أطالب بأربعمئة عام من العناق!»

 

 

«أعني، ليس عليكِ أن تأخذي الأمر بجدية إلى هذا الحد…»

 

 

«لذلك، شعرتُ بالسعادة لأنك أتيت إليَّ منذ البداية هذه المرة، وأُتيح لنا التفكير معًا. هيهي، هذا غريب بعض الشيء.»

إذ رأت إيكيدنا أنّه أكثر حنكة مما توقّعت، ارتسمت على شفتي سوبارو ابتسامة محرجة. كان موقفًا يصعب الجزم فيه إن كان هذا هو المسار المقصود أم مجرّد ثغرة اكتشفها بالصدفة.

«للأسف، لم نتمكن بعد من اكتشاف أي نمط لترتيب الكتب في أرشيف تيجيتا.» تدخلت إيكيدنا في الحديث.

 

«أعلم. ريد هو الأولوية الآن، وكل شيء آخر يأتي لاحقًا… لكن هناك كتب أخرى سنرغب في الاطلاع عليها إن كنا نعرف كيفية العثور عليها».

«لكن هناك شيء واحد مؤكد… سواء كنتُ أنا القديم أو أنا الآن: هذه خطة أودّ تنفيذها بأي ثمن».

«؟ هل يمكنكِ التوقف؟ هذا يُدغدغ.»

 

«أفهم سبب ارتباكك حين تنظر إليّ. النسخة السابقة مني فعلت شيئًا ما لك، أليس كذلك؟ ما فعله لم يختفِ من هذا العالم، لكنه اختفى من ذاكرتي.»

«…هذا منطقي، على ما أظن. لا يمكن أن تفوّت فرصة كهذه».

 

 

‹‹أنت فظيع… فظيع جدًا… حقًا فظيع… لا بد أن بيترا عمياء.››

«طريق خلفي غير مألوف بدلًا من الدخول عبر الباب الأمامي. هذا شيء يمكنني تصديق أن باروسو سيفعله».

 

 

 

«مم-هم. سوبارو بارع حقًّا في مثل هذه الحيل».

«كنتَ تختبرني، صحيح؟ تتظاهر بأنك فقدتَ ذاكرتك لترى إن كنتُ سأحاول دفعك مجددًا… والآن بعد أن وصلنا إلى البرج، لم أعد ذات فائدة لكم؛ لذا حان الوقت للتخلص من الأطراف غير الضرورية.»

 

 

«تلك كلمة لم أسمعها منذ زمن…» حكّ سوبارو وجنته بإحراج أمام التقييم الثابت لشخصه، حينما لمع بريق في عيني إميليا فجأة.

 

 

 

«—!»

«لا تعليقات من المتفرجين! لا يمكنني تجاهل ذلك، لكن أجل ذلك لوقت لاحق!» ضاق صدر سوبارو من هذا التعليق غير المتوقع على الإطلاق. «على أي حال! ما أريد قوله هو أنه لا بد أن هناك صلة بين فقداني للذاكرة والبرج. بمعنى آخر…»

 

 

فوجئ بردة فعلها القوية، لكنها سرعان ما قرصت وجنتها.

«هل كنت تعاني من مشكلة في معدتك، جوليوس؟»

 

 

«أوه، لا، لا. الشخص الذي يعاني أكثر الآن هو سوبارو. عليّ أن أتماسك…»

 

 

«وكل هذا بينما كنت أواسي يوليوس؟! هل أنتم محترفو اختصارات؟»

«سيّدتي إميليا، أتفهّم مشاعرك، لكن وجنتك احمرّت».

 

 

 

أخذت رام يد إميليا وحذّرتها برفق.

 

 

في بعض النواحي، كانت أشبه بحيوان بري، كما أنها تأثرت أكثر من اللازم بالشخص الذي اتخذته قدوة لها.

منذ فترة، كانت إميليا وبياتريس تبديان ردود فعل غريبة ومبالغًا فيها، وربما كان السبب في ذلك هو شعورهما بآثار«ناتسكي سوبارو» الذي تعرفانه وتحملانه في قلبيهما.

 

 

«…كيف يمكنك أن تعقد آمالًا عظيمة عليّ، رغم أنك نسيت كل شيء قبل اليوم؟»

وضعت ميلي يدها على فمها حين سمعت أفكار سوبارو.

 

 

 

«…صحيح، الليلة الماضية، رأيتك وسط أكوام من الكتب في تيجيتا. هل كان هذا السبب؟»

«ببساطة، لقد كدتِ ترتكبين خطأ، لكن بفضل جهودنا، لم يحدث ذلك. وهذه فرصة لكِ لتكتشفي ما يمكنكِ فعله بدلًا من ذلك. أما إن كنتِ ستجدين إجابة لا تتضمن قتلي… حسنًا، فهذه هي رهانتنا الصغيرة، أليس كذلك؟»

 

 

«البارحة، هاه…؟ بالمناسبة، هل يمكنكِ أن تخبريني كم كتابًا قرأتُ؟»

«ماذا تعنين؟ هذا مهم جدًا.» ابتسم سوبارو. «إنه دليل على أنكِ واحدة منا. لكن إن كنتِ تقولين إنكِ وجدتهِ بالمصادفة…»

 

 

«أممم… لا أعرف العدد تحديدًا. آسفة».

 

 

جاءه الرد من خلفه:

وهي جالسة في حضن شاولا، هرشت ميلي رأسها ونظرت إلى الأسفل.

«مهلًا، لا تقول هذا لإميليا-تشان! إنك أنت الذي لم يكن هنا، لذا لا يحق لك الاعتراض.»

 

 

«لا بأس». لوّح سوبارو بيده.

 

 

«كنتِ تحاولين… كنتِ تعلمين حتى قبل أن أقفز، صحيح؟ هذا غريب. أنتَ غريب…»

من خلال ذكرياته التي استرجعها من كتاب ميلي للأموات، وصل إلى النتيجة ذاتها.

نظر إلى الحاضرين مبتسمًا وأضاف ممازحًا: «يوليوس مسؤول عن القتال، إيكيدنا العقل المدبر، رام صاحبة اللسان اللاذع، ميلي لطيفة، وبياتريس أيضًا، أما إميليا فهي بطلتنا الجميلة، وشاولا… فهي من تمنحنا اللحظات الجذابة.»

 

 

«كثير من الكتب، تقولين…؟ آمل ألّا يكون الأمر كذلك، ولكنك لن تفاجئنا بالقول إنك فقدت جزءًا من ذاكرتك بسبب قراءتك عددًا مفرطًا من كتب الأموات، أليس كذلك؟»

 

 

كان هذا جوابه.

«آمل ذلك بشدة، لكنني لا أستطيع الجزم. كما تعلمين، لأنني نسيت!»

 

 

كان سوبارو يتأمل كلمات إميليا المشجعة بغير اكتراث، قبل أن يجول بنظره على الجميع. لكن ما إن فعل، حتى أشاح الجميع بوجوههم بعيدًا. على ما يبدو، كان مذنبًا لا يُغتفر.

هزّ يوليوس رأسه متنهّدًا بينما أشار سوبارو إلى نفسه بفخر.

 

 

في الواقع، في نهاية الحلقة السابقة، سقطا معًا حتى الموت. كان قد تمسك بها، لكنه لم يستطع إنقاذها. وكان ذلك الذكرى بمثابة شوكةٍ انغرست عميقًا في قلبه.

لقد أصبح معتادًا على التصرف بتحدٍّ في أغلب الأوقات، لكنه لم يشكّ للحظة في أن فقدانه للذاكرة مرتبط بتلك الكتب. ولهذا السبب، إذا ما عثروا على كتاب ريد للأموات، كان يرى أنه هو من ينبغي له قراءته، وليس أيّ شخص آخر. فقد فقد ذاكرته بالفعل، لذا لن يكون الأمر مدمرًا له إن فقدها مجددًا—لكن هناك ذكريات ثمينة لا يستطيع السماح لنفسه بنسيانها.

«لا أسمعك، يوليوس. أجب على تطلعات صديقك.»

 

«هه!»

كل ما حدث في الحلقة الماضية، وكل ما جرى قبلها، وكذلك ما عقد العزم عليه في هذه الحلقة.

‹‹إذا كنت قد أبعدت السيدة إميليا والبقية عن قصد، فلا بد أن الأمر في غاية الأهمية.››

 

لكن في عيني سوبارو، كان تعبيرها يحمل شرًا خفيًا. غريزته أخبرته بأنها داست على أرواح لا تحصى.

وعده لرام، وقسمه لميلي.

 

 

كان لقاؤهما الأول سيئًا إلى حدٍ لا يُطاق. ورغم أنها لم تكن تفهم مفهوم الإعجاب أو الكراهية، فإنها أدركت أنه الأسوأ على الإطلاق. لم يكن في تلك المرأة أي جانب يستحق الإعجاب.

رغم أنه لم يعش سوى بضعة أيام متكررة أربع مرات، كان يحمل في قلبه حزمًا من الذكريات التي لا يستطيع السماح لنفسه بالتخلي عنها.

كانت ردة فعل ميلي مدهشة بحق، حيث تقلص وجهها بشكل مبالغ فيه.

 

أصبحت جزءًا من حياتها، بل إنها تجاوزت معنى أن تكون مجرد “جزء”.

ولهذا السبب، كانت الذكريات شيئًا لا يمكن فقدانه.

«إذن، إن قرأنا كتابه، سنعرف بالضبط كيف لقي حتفه. إنه أداة رائعة لحلّ لغزه. وبطريقة غير مباشرة، قد يكون هذا هو السبب في وجود كتب الموتى هنا.»

 

 

«—على أيّ حال، إن كان ريد أسطورة عظيمة كما تقولون، فهذا مثالي. فبطل بهذا الحجم لا بد أن تُحكى إنجازاته وإخفاقاته على مرّ الأجيال. وهكذا، فإن هزيمته هي الثمن الذي دفعه لقاء شهرته… وهذه نقطة ضعف جديدة من نوعها، أليس كذلك؟»

 

 

«أنتِ ترتجفين، هل تشعرين بالبرد؟»

«…أتفهّم هدف باروسو. وأوافق عليه. لكن هذا لا يعني أنني بلا مخاوف»، قالت رام.

 

 

 

«يستحق الأمر المحاولة على الأقل»، وافقت إيكيدنا. «لكن حتى مع ذلك، لا يسعني إلا أن أشعر بالرهبة أمام هذا الأرشيف الهائل».

 

 

في تلك اللحظة، المشاعر التي لم تستطع الطفلة التعبير عنها—تلك التي لم تكن تملك لها كلماتٍ أصلًا—تفجّرت، مشتعلةً في قلبها كحاجةٍ مُلحّة للانتقام.

«هذا… صحيح…»

 

 

 

سوبارو أدرك تمامًا مخاوفهم.

كانت ميلي على وشك أن تتعثر وتسقط من الحافة، إلا أن سوبارو أمسك بها بثبات، فحدّقت إليه بعينين متسعتين.

 

 

إن كانت تيجيتا تحوي بالفعل كل من فارقوا الحياة في هذا العالم، فإن القول إن هناك عددًا من الكتب يماثل عدد النجوم في السماء لن يكون مبالغة. العثور على الكتاب المطلوب سيكون كالبحث عن إبرة في صحراء شاسعة.

‹‹مع يوليوس؟››

 

«ميلي؟ هل تستمعين إليّ؟ أطلب منك المساعدة في شعري.»

لكن كان هناك بصيص أمل، ومصدر هذا الأمل لم يكن سوى فقدان سوبارو لذاكرته.

 

 

 

«إذا كان افتراضي صحيحًا، وإن كانت قراءة كتب الأموات هي السبب وراء فقداني للذاكرة… فهذا يعني أنني قرأتُ أحد هذه الكتب».

 

 

**في ذلك الوقت، عندما بدأ الجميع بالصعود، استدارت إيكيدنا نحوه.**

«أمم… نعم، هذا صحيح. فالكتب هناك لا يمكن قراءتها إلا إن كنتَ تعرف اسم صاحبها مسبقًا».

 

 

توسَّعت عيناها بذهول، وارتسمت على وجهها ملامح خوفٍ صادق. كان ذلك رد فعلٍ طبيعيًا، لكنه آلَم سوبارو. كان من الصعب عليه التعبير عن مشاعره المعقدة تجاه ميلي، ذلك الشعور المشوَّه، شبه النرجسي، الذي نما داخله.

«…باروسو وجد الكتاب الصحيح من بين هذا الكم الهائل في ذلك الأرشيف الضخم؟ أو ربما حتى أكثر من كتاب؟ هذا النوع من الحظ… مستحيل».

«ماذا؟»

 

**«»**

«نعم، لا أعتقد أنني محظوظ إلى هذا الحد أيضًا!»

«مرحبًا، شكرًا على الدعم. كان من المريح ألا أقلق بشأن سقوط أي شيء بين الشقوق.»

 

«ميلي وجدته. أليس ذلك رائعًا؟»

مع كل ما مرّ به، كان من الواضح أن ينبوع حظه قد جفّ منذ زمن. أو ربما استُنزف بالكامل حينما جاء إلى هذا العالم.

وأنهى حديثه بعبارة لم تكن معتادة منه.

 

 

«بأيّ حال، لم يكن الأمر مسألة حظ. مما يعني أنني ربما وضعتُ نظامًا معينًا للبحث. وإن تمكّنّا من كشفه، فسيصبح إيجاد أي كتاب نريده أكثر سرعة».

 

 

 

«…وماذا بعد؟ مع وضع حالتك الحالية في الاعتبار، حتى إن وجدنا كتاب الموتى  الصحيح…»، قالت إيكيدنا بتحذير.

ما إن أنهى كلامه حتى قفزت بياتريس بردة فعل فورية.

 

«لا تفهمي الأمر خطأ، ميلي. لم أكذب بشأن فقدان ذاكرتي لخداعك. إنها الحقيقة، وهي مشكلة خطيرة فعلًا.»

«أعلم. ريد هو الأولوية الآن، وكل شيء آخر يأتي لاحقًا… لكن هناك كتب أخرى سنرغب في الاطلاع عليها إن كنا نعرف كيفية العثور عليها».

«ن-نعم. مظهرك وكل شيء فيك يترك هذا الأثر في نفسي.»

 

 

**نظر إليه سوبارُو، فترددت شفتا ميلي قليلًا عندما سمعت ذلك.**

 

‹‹سيدي، هل أنت…؟››

**أومأ برأسه ببطء، ثم نهض أخيرًا.**

 

 

**ابتسم سوبارُو ابتسامة خفيفة وقال:**

 

 

«الجشع، أليس كذلك، أيها السيد؟ لكننا لا نكره مَن يطرح أسئلته مباشرة. نحن نحب الجشعين.»

‹‹أخبرتك، سأفعل كل ما في وسعي لأربيكِ كما يجب. لستُ مؤهلًا تمامًا للحديث عن ذلك، لكنكِ حقًا لا تجيدين التعبير عمّا تريدين.››

وضع سوبارو يده على الغلاف، ورفع بصره إلى من يراقبونه. بياتريس، ميلي، رام، إيكيدنا، يوليوس، وشاولا، كانوا جميعهم يشاهدونه.

 

كره سوبارو هذا العالم الذي لم يترك لها خيارًا آخر.

**ضغطت ميلي أصابعها معًا واحمرّ وجهها بخجل.**

«لن ترغب في ذلك. أعلم.»

 

اتسعت عينا سوبارو عند سماعه هذا المصطلح الغريب. وراضيه بردة فعله، تحدثت الفتاة. الفتاة التي كانت عبارة عن حزمة من الخبث تحدثت بسخرية

لم يكن بمقدورها إخفاء مشاعرها عن سوبارو، فسبب رؤيتها له في أرشيف تيجيتا الليلة الماضية كان بحثها عن كتاب الموتى بنفسها.

 

 

«ربّما اكتشف باروسو أمرًا لم يكن ينبغي له معرفته، ونتيجة لطيشه، سُرقت ذكرياته… هذه قصة قابلة للتصديق بلا شك.»

بالنسبة لها، العثور على الكتاب الذي تريده لم يكن سوى مهمة جانبية صغيرة.

 

 

 

‹‹أنت فظيع… فظيع جدًا… حقًا فظيع… لا بد أن بيترا عمياء.››

«أوووه! هذا هو سيدي بحق! لا أفهم ما الذي تقوله تمامًا، لكنك الأفضل في كل ما يبدو عميقًا ومؤثرًا!»

‹‹أسمع هذا الاسم كثيرًا مؤخرًا، لكنكِ لا توفرينها إطلاقًا…››

«همف.»

 

«بل غير مقيّد أكثر من كونه حيويًا. ربما هو مجرد شعور لدي، لكنني لا أستطيع تصوّره ينتظر بصبر في هذا البرج لمدة أربعمئة عام. أراهن أنه كان سيغادر بعد ثلاثة أيام على الأكثر.» قالت إيكيدنا وهي تهز كتفيها بلا مبالاة.

لم يكن يعلم إن كان ذلك نابعًا من شعورها بالإحراج أم أنه محض هجوم بريء، لكنه بدا كمقاومة طفولية لطيفة.

لكن، حدّق سوبارو فيها بعينين ضيقتين.

 

دفعت إيميليا برفق الفتاة ذات الشعر الأزرق الداكن، التي كانت متشبثة بها.

وبما أنها لم تعترض، فقد اعتبر ذلك موافقة ضمنية، وأضاف هدفًا جديدًا إلى قائمة مهامهم في تيجيتا—

 

 

 

‹‹أريد أن أوضح شيئًا هنا. أعتقد أنه يجب علينا التوجه إلى أرشيف تيجيتا. قراءة كتاب الموتى الخاص لريد هي أفضل خطوة يمكننا اتخاذها.››

لكن إلزا لم تُبدِ أي اهتمام، بل هزّت رأسها بملل، كما لو أن شيئًا ذا بالٍ لم يحدث.

 

«لا أنوي فقدان ذاكرتي. لكننا فريق، ويجب أن يقوم كل واحد منا بدوره من أجل الجميع.»

**علّقت إيكيدنا بابتسامة باهتة:*

**8**

*

 

‹‹من المفارقات أن فقدان ناتسكي لذاكرته بات سببًا لاتخاذنا هذا القرار. لا أستطيع تصور ماهية خطته، لكن لا فائدة من تقديم الأعذار قبل المحاولة.››

 

 

 

‹‹نعم! سوبارو محق! إذا كان هذا ما نحتاجه لاجتياز هذا البرج، فلنفعله!››

«شخصيته؟ تعنين كونه حيويًا للغاية؟»

 

«بمعنى آخر،» أكملت إيكيدنا منطقه، «إذا استوفينا شروط اجتياز البرج، فسنعرف بطبيعة الحال سبب فقدانك للذاكرة، وربما حتى نجد طريقة لاستعادتها. أهذا ما تعنيه؟»

**وقفت إميليا بحماسة، فتبعتها إيكيدنا، ولم يلبث البقية—بياتريس، رام، ميلي، وشاولا—أن فعلوا الأمر ذاته. عندها، صفق سوبارُو على ركبتيه ونهض، ثم التفت نحو يوليوس الذي لم يتحرك بعد.**

تصلّبت ملامح يوليوس، وحبس أنفاسه.

 

 

‹‹ما الأمر؟ هل لديك اعتراض؟››

 

 

«…هذا مقزز…»

‹‹…لا، ليس لدينا حل آخر. أقرّ بأن اقتراحك منطقي.››

 

 

 

‹‹لكن لا تزال لديك شكوك؟››

 

 

بعد تفكير، قال سوبارو بحزم: «قد يكون هذا أنانيًا، لكن… أعتقد أن الأفضل أن أكون أنا من يقرأه.»

‹‹…هذه مشكلتي وحدي. لا تعرها اهتمامًا.››

 

 

 

**أومأ برأسه ببطء، ثم نهض أخيرًا.**

«انتظر، انتظر، انتظر. أنتم تبالغون في تقديري. أنا مجرد شخص منعزل. مهاراتي الخاصة تقتصر على ترتيب سريري بدقة وربما بعض الخياطة؟»

 

 

رغم أنه طمأنه بألا يقلق، إلا أن سوبارُو لم يستطع تجاهل الأمر تمامًا. لكنه قرر تأجيله قليلًا.

 

 

 

‹‹بالمناسبة، بعيدًا عن كتاب الموتى، إلى أي حدّ كان ريد مشهورًا؟ يبدو وكأنه شخص غريب الأطوار.››

 

‹‹على الرغم من فقدانك لذاكرتك، يبدو أن بعض الأمور لا تزال عالقة في ذهنك. أظن أنه ترك انطباعًا قويًا… ريد أستريا هو أحد الأبطال الثلاثة العظام الذين هزموا الساحرة.››

 

 

إلزا غرانهارت كانت امرأةً مقززة.

‹‹الحكيم شاولا، والتنين المقدس فولكانيكا، وقديس السيف ريد…››

 

 

 

‹‹ليس أنا، معلمي هو الحكيم.››

أن تنضم إلى هذه الرحلة بينما تخفي أي أثر لرغبتها في الانتقام— لم يكن ذلك نوع الأداء الذي تستطيع ميلي القيام به. في الواقع، كانت أبعد ما تكون عن التمثيل المتقن. حتى لو لم يلمها أحد على اعتبار سوبارو والآخرين أعداءها، لم تكن تفهم سبب قيامها بذلك.

 

 

‹‹بناءً على هذا المنطق، أكون قد قضيت مئات السنين أيضًا؟ أشعر وكأن رحلتي من المتجر إلى هنا استغرقت أكثر مما ينبغي…››

 

 

 

**تجاهل سوبارُو تعليق شاولا المريب، ثم استرسل في استكشاف أسطورة ريد. وخلال ذلك، رمقته إميليا والآخرون بنظرات خفية، ثم وجهوا أنظارهم نحو يوليوس. وعندما لاحظ ذلك، رفع يده ولمس خصلات شعره.**

كان وقع الاسم عليها كالصاعقة. تشوّهت ملامحها البريئة، واتّسعت عيناها الخضراوان بألمٍ دفين.

 

بالنظر إلى أنها نادرًا ما توزع المديح، كانت تلك شهادة جديرة بالاعتبار من رام. شعر سوبارو بالارتياح لكونه تمكن من تحقيق شيء ملموس بعد حديثه الكبير عن مساعدة ميلي.

‹‹ليس هناك وقت لسرد جميع الأساطير التي تركها ريد أستريا في مختلف بقاع الأرض، لكن أشهرها هي… المعركة التي ذبح فيها مئة تنين، وسجله الخالي من الهزائم في جزيرة المصارعين، حيث خاض ستة آلاف معركة وانتصر في جميعها. وهناك قصص غريبة أخرى، مثل مواجهته لما يُعرف بإله الشياطين في مسابقة شرب.››

 

 

 

‹‹كلها تبدو سخيفة للغاية، لكن بعدما رأيناه…››

«عندما يتعلق الأمر بتكوين هوية المرء، فقد مررت بفترة اضطراب مماثلة منذ وقت ليس ببعيد. وبما أن لدي خبرة في هذا الأمر، اسمح لي أن أقدم لك نصيحة صغيرة… هذا أمر، وذلك أمر آخر.»

 

«…باروسو وجد الكتاب الصحيح من بين هذا الكم الهائل في ذلك الأرشيف الضخم؟ أو ربما حتى أكثر من كتاب؟ هذا النوع من الحظ… مستحيل».

‹‹لا تبدو مبالغًا فيها. بالفعل، مع معرفة قوته كما هي… هو بلا شك… لا.››

«لكن القصة تتغير إن حصلتِ على دافع جديد هذا الصباح. أو بالأحرى، إن كان ما حدث البارحة قد أدَّى إلى سلسلة من التبعات.»

 

«بمعنى آخر،» أكملت إيكيدنا منطقه، «إذا استوفينا شروط اجتياز البرج، فسنعرف بطبيعة الحال سبب فقدانك للذاكرة، وربما حتى نجد طريقة لاستعادتها. أهذا ما تعنيه؟»

‹‹—؟››

 

 

 

**أمال يوليوس رأسه قليلًا ثم أكمل بصوت هادئ:**

«؟ هذا يَدغدغ.»

‹‹وفقًا لمعرفتي، أغلب القصص عنه تتحدث عن إنجازاته العظيمة، لكنها لا تذكر شيئًا عن شخصيته، أو أي إخفاقات أو هزائم عادية قد يمر بها أي إنسان.››

 

 

عقدت بياتريس ذراعيها القصيرتين، وأجابت بصرامة. شهقت ميلي قليلًا، فيما بدأت إميليا بالضحك.

**مرر أصابعه بين خصلات شعره، مختتمًا حديثه بثقة.**

‹‹…هذه مشكلتي وحدي. لا تعرها اهتمامًا.››

 

 

**شعر سوبارُو بقشعريرة تسري في جسده. أن يكون هناك شخص لم يُهزم قط، حتى في الروايات والأساطير، أمر يبعث على الرهبة. هل من الممكن أنه عاش حياته كاملة دون أن يتجرع طعم الخسارة؟ فكرة كهذه وحدها كانت كفيلة بجعل الدم يتجمد في عروقه.**

—«لا وقت لدينا» تحمل معنى مختلفًا لي عما تحمله له. لكن مع ذلك، يجب أن نشعر بذات العجلة. بالأحرى، أُجبرتُ على فهمها.

 

«شخصيته؟ تعنين كونه حيويًا للغاية؟»

‹‹وهكذا، وصلنا.››

استدار سوبارو ببطء بابتسامة ماكرة، ثم رد بمكر:

 

ضربت قبضة سوبارو صدر يوليوس مرة أخرى. المرة الأولى كانت لإيداعه ثقته، والمرة الثانية لترسيخ أمله القوي.

**مع خفوت الحديث، وجدوا أنفسهم أمام الغرفة التي تقود إلى الدرج المؤدي إلى تيجيتا. في الأعلى، كان أرشيف الكتب ينتظرهم، لكن—**

 

 

تغيرت ملامح ميلي، وتوقفت ابتسامتها الهادئة. زفرت ببطء، ثم هزت كتفيها بأسلوب مثقل بالأعباء، لا يتناسب مع عمرها الصغير.

‹‹رام، هل يمكنني أن أترك البقية معكِ للحظة؟ أود التحدث مع يوليوس على انفراد.››

«لا، أبدًا. فقط عينان لطيفتان، وأنف لطيف، وشفاه لطيفة، وأذنان لطيفتان.»

 

«إنها… صورتك. الانطباع الذي تتركه. مظهرك، طريقتك في الكلام، وقفتك. الأشياء التي تملكها، ملابسك، طريقة أكلك ومشيتك. كل ذلك مجتمِعًا.»

‹‹مع يوليوس؟››

 

 

أشاحت إميليا وجهها بعيدًا بضيق، موبّخةً طيشه. لم يكن لسوبارو عذر يقدمه، فحكّ رأسه بخجل.

 

صرخت، ودموعها تتدفّق على وجنتيها، ثم استدارت وألقت بنفسها في الفراغ.

**قطبت رام حاجبيها عند طلبه، بينما بدا يوليوس مندهشًا هو الآخر، لكنه لم ينبس ببنت شفة. تقابلت عيناها الورديتان بعينيه السوداوين للحظات، ثم أطلقت زفرة خفيفة.**

 

 

شعر سوبارو بأن حماسته بدأت تخفت قليلًا. لم يتوقع أنها ستنكر التهمة بعد أن ضبطها متلبسة، لكنه استطاع أن يفهم ذلك… إن كانت ميلي، فهذا ليس مستبعدًا.

‹‹لا تتأخر. إذا فقدنا جميعًا ذاكرتنا مثلك بحلول الوقت الذي تصعد فيه، فسيكون الأوان قد فات.››

 

‹‹لا تقولي أشياء مرعبة كهذه. مع أني لا أمانع رؤية إن كنتِ ستصبحين ألطف وأكثر تهذيبًا بعد فقدان ذاكرتك…››

«بصراحة، لقد كان ذلك مخيفًا جدًا. لكن بما أنك طلبت، فقد تماسكت بيتي.»

 

 

‹‹ليس لدي أي نية لنسيان أي شيء آخر.››

 

 

 

**ابتسم سوبارُو ابتسامة باهتة، ثم همس:**

 

‹‹…نعم. إذا وجدتم كتابًا غريبًا، لا تقتربوا منه كثيرًا.››

 

 

 

**هزت رام كتفيها بلامبالاة، ثم قادت المجموعة إلى الطابق العلوي. كان واثقًا من أنه يستطيع الاعتماد عليها في إدارة الأمور. ومن بين الجميع، رام كانت الشخص الذي يثق به أكثر.**

 

 

 

**في ذلك الوقت، عندما بدأ الجميع بالصعود، استدارت إيكيدنا نحوه.**

 

 

 

‹‹كن لطيفًا.››

 

 

«إذا كنت تبحث عن عذر، فسأقول إنني خرجت لأقف في نوبة مراقبة. نظرًا لقدرات ميلي، فإن الخطر الأكبر كان يكمن في وحوش الشياطين خارج البرج. لكن…»

**أدارت وجهها مجددًا، ثم تابعت طريقها للأعلى. كان من الواضح أنها أدركت سبب إبقائه ليوليوس.**

أن تُحبس المشاعر داخل مساحة ضيقة أمرٌ سيئٌ لنموّ الطفل.

 

«فقط اعتبريه عقابًا لكِ لأنك جعلت الجميع يقلقون عليك، ودعيها تستمتع بوقتها.»

**بمجرد أن خلا المكان من الآخرين، كسر يوليوس الصمت وسأل بجدية:**

إذا كان هذا هو الكتاب المنشود، فكان من المدهش فعلًا أنهم تمكنوا من العثور عليه وسط هذا الأرشيف المتكدس.

‹‹إذا كنت قد أبعدت السيدة إميليا والبقية عن قصد، فلا بد أن الأمر في غاية الأهمية.››

 

 

 

‹‹نعم، يمكنني قول ذلك.››

«لا تفهمي الأمر خطأ، ميلي. لم أكذب بشأن فقدان ذاكرتي لخداعك. إنها الحقيقة، وهي مشكلة خطيرة فعلًا.»

 

 

‹‹إجابة مبهمة…››

 

 

لقد تحولت الفتاة التي كانتها ميلي إلى مئة ضفدعٍ على الأقل، كلٌّ منها يقفز بشكلٍ مستقل عن الآخر، وقد وُسِمَت روحها بالخوف من أن تتلاشى كليًا.

‹‹ما أريد قوله يصعب التعبير عنه بالكلمات. هذا كل ما في الأمر.››

 

 

 

**عبث سوبارُو بخصلات شعره السوداء، بينما وقف يوليوس أمامه، مولّيًا ظهره للدرج. السبب الرئيسي لعزله عن الآخرين كان واضحًا—لقد كانت هناك طريقة لهزيمة ريد أستريا.**

 

 

«حتى بعد فقدانه لذاكرته، لا يزال يحمل هذا الرأس البائس. لذا، حتى لو استعاد ذكرياته، فلن تكون مساهمته مختلفة كثيرًا عمّا هي عليه الآن… مما يعني أنّ إعطاء الأولويّة لذاكرته سيكون محض هدر. علينا التقدّم في البرج، على أمل أن تعود ذكرياته في أثناء ذلك.»

**خلال الحلقة الأخيرة، عندما تحولت المعركة في البرج إلى فوضى، الشيء الوحيد الذي بدا أن ريد يندم عليه كان رغبته في مواجهة يوليوس.**

«… سأكون حذرة قدر الإمكان…» همست ميلي بهدوء.

 

 

**لكن سوبارُو لم يتمكن من فهم السبب.**

 

 

وإن كان ذلك سيُكشَف ويُدنَّس— إن كانت إلزا غرانهارت ستُقتَل— فإن ميلي بورترُوت ستـ…

**من المفترض أن يوليوس قد واجهه سابقًا وتعرض لهزيمة ساحقة. من الطبيعي أن يعلَق الخاسر بالشخص الذي هزمه، لكن العكس…؟**

 

 

 

‹‹سوبارُو؟››

«بالطبع! هل يُعقل أنني حاولتُ قتلك؟ هذا افتراء بشع.»

 

«بشأن ذلك… هل يمكننا تأجيل الأمر الآن؟» ما إن أوقف سوبارو هذا الطرح حتى بدت الدهشة على وجوه جميع من حوله. «أشعر بالسوء لأنني فقدت ذاكرتي، وأنا سعيد حقًا لأنكم جميعًا تريدون مساعدتي. لكن لا أحد يعتقد حقًا أن فقداني للذاكرة لا علاقة له بفخاخ هذا البرج، أليس كذلك؟»

**رفع رأسه، ثم طرح سؤاله الحقيقي:**

 

‹‹ما رأيك في ريد؟ هل تحبه؟››

«إذًا، كيف تنوي القضاء عليَّ؟ هل ستدفعني من هنا انتقامًا؟ أنا الآن بلا تلك الوحوش الحقيرة التي أتحكم بها؛ لذا يمكنك محوي بسهولة، حتى بمفردك.»

 

 

‹‹…هل لهذا السؤال مغزى؟››

خلال كل ذلك، بقيت إلزا غير مكترثة، معتبرة أن الأمر لا مفرّ منه، وأنها فقط تنفذ الأوامر، دون أن تُلقي بالًا للوحوش التي رافقت تلك الطفلة منذ أن فتحت عينيها على هذا العالم.

 

 

‹‹ليس حقًا، مجرد مزحة لكسر الجليد. سؤالي الحقيقي مختلف قليلًا.››

«…أتفهّم هدف باروسو. وأوافق عليه. لكن هذا لا يعني أنني بلا مخاوف»، قالت رام.

 

«بمعنى آخر،» أكملت إيكيدنا منطقه، «إذا استوفينا شروط اجتياز البرج، فسنعرف بطبيعة الحال سبب فقدانك للذاكرة، وربما حتى نجد طريقة لاستعادتها. أهذا ما تعنيه؟»

**تضيق عيناه بحدة، ثم تابع بصوت هادئ وثابت:**

**إلزا غرانهارت كانت امرأة جامحة.**

‹‹—ببساطة، هل تعتقد أنك قادر على هزيمة ريد؟››

 

 

 

‹‹—!››

«أفهم… مظهري جعلك تفكر بهذه الطريقة.» تغير نبرة صوت يوليوس بينما ظل رأسه منخفضًا.

 

 

اتسعت عينا يوليوس الذهبيتان بذهول. حين رأى سوبارو الاضطراب الجليّ في نظره، تنفّس بعمق. كان يتوقع رد الفعل هذا، لكنه رغم ذلك لم يستطع منع نفسه من التفكير: امنحني استراحة، رجاءً.

«بالضبط.» أومأ سوبارو بينما كان يهز أصابعه المتألّمة.

 

صرخت، ودموعها تتدفّق على وجنتيها، ثم استدارت وألقت بنفسها في الفراغ.

«سواء كنت تدرك ذلك أم لا… من الطبيعي أن تشعر بالخوف في موقف كهذا. حين تعتاد على الخسارة، يصبح من الصعب التحرر منها.»

 

 

 

«سوبارو، ماذا تعني…؟»

«فقط اتركي الأمر لي. لن أفعل شيئًا سيئًا. على الأقل، سأبذل قصارى جهدي كي لا تسوء الأمور كثيرًا… طالما أن هذا هو ما تريدينه.»

 

 

«آسف، لكن بصراحة، أعتقد أنه سيكون من الأفضل أن تستغرق وقتًا أطول حتى تستعيد توازنك. لكن لا وقت لدينا لذلك. أنت تفهم ذلك، أليس كذلك؟»

اعترضت بياتريس قائلة: «لا أرغب في التفكير في ذلك، لكن هناك احتمال لفقدان طفيف للذاكرة. من الممكن أن يكون مقدار الفقدان مرتبطًا بكمية ما قُرئ، على ما أظن.»

 

«… أشعر بأن شيئًا سيئًا سيُقال.»

تصلّبت ملامح يوليوس، وحبس أنفاسه.

 

 

«…أتفهّم هدف باروسو. وأوافق عليه. لكن هذا لا يعني أنني بلا مخاوف»، قالت رام.

—«لا وقت لدينا» تحمل معنى مختلفًا لي عما تحمله له. لكن مع ذلك، يجب أن نشعر بذات العجلة. بالأحرى، أُجبرتُ على فهمها.

**بمجرد أن خلا المكان من الآخرين، كسر يوليوس الصمت وسأل بجدية:**

 

الليلة الماضية، حين التقت به في تيجيتا، بعد أن غضبت، بعد حديثها مع «ناتسكي سوبارو»، قرَّرت أن تقتله بعد أن فقد ذاكرته.

لم يكن «ناتسكي سوبارو» ليقول ذلك لرجل جريح لم يدرك اضطرابه بعد.

 

 

«؟ هذا يَدغدغ.»

—لكن ناتسكي سوبارو سيفعل ما لم يستطع «ناتسوكي سوبارو» فعله.

عانقتها إميليا من الخلف بينما كان سوبارو يربّت على رأسها. ضمّتها بلطف، واضعة خدّها على خدّ ميلي، بينما كانت الفتاة الصغيرة تعضّ شفتيها الشاحبتين.

 

 

«سأكون صريحًا، جوليوس. لأن الآن، أنا منيع.»

 

 

«إنها… صورتك. الانطباع الذي تتركه. مظهرك، طريقتك في الكلام، وقفتك. الأشياء التي تملكها، ملابسك، طريقة أكلك ومشيتك. كل ذلك مجتمِعًا.»

«منيع… هذا تصريح جريء.»

ربت سوبارو على رأس بياتريس وهي تنظر إليه بقلق ظاهر، ثم نقر جبهتها العريضة. عندها، قطّبت حاجبيها بانزعاج، قبل أن تخطو خطوة إلى الوراء.

 

 

«لا شيء يعيقني، لذا يمكنني القفز قفزة كبيرة. لا يمكنني الاستمرار في مشاهدتك وأنت تتراجع، سواء أمامي، أو أمام إيكيدنا، أو حين تتحدث عن ريد. أنا أيضًا شخص لا يستطيع التغاضي عن الأمور، لذا لست في موقع يسمح لي بتقديم النصائح، لكن… متجاهلًا كل ذلك، سأكون صريحًا.»

أما هو، فاكتفى بالإيماء مؤكدًا كلامه.

 

**أومأ برأسه ببطء، ثم نهض أخيرًا.**

«—أنا أصغي.»

 

 

 

أخذ يوليوس نفسًا عميقًا، ثم عدّل من جلسته وواجه سوبارو بنظرة ثابتة. التقت عيناهما مباشرة، فواصل سوبارو الحديث.

«لم أقل أنه يجب أن يكون شيئًا بسيطًا. ربما كان أمرًا أكبر من ذلك؟»

 

 

«هذا أمر، وذلك أمر آخر.» فتح يديه إلى جانبيه.

«لم أقل أنه يجب أن يكون شيئًا بسيطًا. ربما كان أمرًا أكبر من ذلك؟»

 

«لكنها كانت جملة تعبر عنك تمامًا، بحسنها وسيئها.»

«—ماذا؟»

 

 

 

بدت الدهشة واضحة على وجه يوليوس من كلماته المباشرة.

والمزعج أكثر أن هذا الشخص، الذي كان يتحدث بثقة وكأنه يفهم كل شيء، لم يوضح كيف له أن يحيط بمشاعرها إلى هذا الحد.

 

**تجاهل سوبارُو تعليق شاولا المريب، ثم استرسل في استكشاف أسطورة ريد. وخلال ذلك، رمقته إميليا والآخرون بنظرات خفية، ثم وجهوا أنظارهم نحو يوليوس. وعندما لاحظ ذلك، رفع يده ولمس خصلات شعره.**

«أفهم سبب ارتباكك حين تنظر إليّ. النسخة السابقة مني فعلت شيئًا ما لك، أليس كذلك؟ ما فعله لم يختفِ من هذا العالم، لكنه اختفى من ذاكرتي.»

«حين نخرج من هنا، إلى مكانٍ أكثر انفتاحًا، يمكنكِ أن تعطينا إجابتكِ. سنبذل قصارى جهدنا للوصول إلى هناك.»

 

 

«أنا… نعم، هذا صحيح. لكنني…»

 

 

**هزت رام كتفيها بلامبالاة، ثم قادت المجموعة إلى الطابق العلوي. كان واثقًا من أنه يستطيع الاعتماد عليها في إدارة الأمور. ومن بين الجميع، رام كانت الشخص الذي يثق به أكثر.**

«اسمعني. لهذا السبب، عليك وأنا أن نبني علاقتنا من جديد. على الأقل، النسخة الحالية مني ومنك. انسَ أمري السابق الآن.»

 

 

 

ظل يوليوس غارقًا في اضطرابه، ولم تساعده تلك المنطقية الحادة على استعادة توازنه.

 

 

«وكل هذا بينما كنت أواسي يوليوس؟! هل أنتم محترفو اختصارات؟»

كان منطقًا قسريًا للغاية. سوبارو لم يكن ينقل كل ما يريد قوله حقًا.

«…أتفهّم هدف باروسو. وأوافق عليه. لكن هذا لا يعني أنني بلا مخاوف»، قالت رام.

 

 

في الحقيقة، كان يستغل إنجازات «ناتسكي سوبارو»، مستفيدًا من التأثير الذي خلّفه على إميليا وبياتريس ويوليوس وبقية الرفاق. في هذه اللحظة، كان يطلب الإذن لاستخدام الجانب الجيد من ذلك التأثير، وتجاهل السيئ.

 

 

«—!»

لأنه—

 

 

 

«أنت أقوى شخص في مجموعتنا، لذا أنت من سيقاتل ريد. حتى لو وجدنا طريقة للتغلب عليه، يبقى القتال الفعلي ملقى على عاتقك.»

«مرتبط بالبرج، هاه.»

 

ساد التوتر الأجواء، محوِّلًا فرحة العثور على الكتاب إلى قلق ثقيل. إن أخطأوا في التعامل معه، فقد يخسرون ذكرياتهم. كان الأمر أشبه بقول: “هاك، اشرب هذا الإكسير المشبوه غير المُعنون.” كان ذلك انتحارًا، مهما كان لديهم من فرص لإعادة المحاولة.

بالطبع، كان هناك أيضًا أن ريد لديه نوع من الهوس بيوليوس ويريد مواجهته شخصيًا. لكن حتى بدون ذلك، لم يكن لدى سوبارو نية للتراجع عن قراره. إميليا قد اجتازت المعركة بالفعل، لذا لم يكن هناك أحد غير يوليوس يمكنه القيام بذلك.

 

 

 

«أتفهّم خوفك، وأتفهم ارتباكك. وأشعر بالأسف لما فعله الشخص الذي كنتُ عليه سابقًا. لكن مع كل ذلك… أريدك أن تركز وتقاتل.»

 

 

 

«…لقد هُزمت أمامه مرتين بالفعل.»

استدار سوبارو ببطء بابتسامة ماكرة، ثم رد بمكر:

 

وضعت ميلي يديها حول رقبتها النحيلة، وأخرجت لسانها بسخرية.

«أعلم. لكن اربح في المرة القادمة.»

 

 

 

كانت تلك خسارة إضافية لم يكن سوبارو يعلم بها، لكنها لم تعد تهم.

 

 

‹‹أنت فظيع… فظيع جدًا… حقًا فظيع… لا بد أن بيترا عمياء.››

«الحسابات ستضطرب إن لم تفُز. لقد فكرت في عدة احتمالات، لكننا، نحن الرجال، علينا أن نبذل قصارى جهدنا قبل أن نطلب من الفتيات القتال. سيكون ذلك عارًا على الفارس.»

«ربما فقدتَ شيئًا أكثر من مجرد ذكرياتك؟ وإلا لما كنتَ لترتكب مثل هذا الخلط الفادح.»

 

«لا تفهمي الأمر خطأ، ميلي. لم أكذب بشأن فقدان ذاكرتي لخداعك. إنها الحقيقة، وهي مشكلة خطيرة فعلًا.»

قبض سوبارو يده، ومدّها نحو يوليوس.

هكذا بدأت إلزا تناديها. ميلي، الفتاة التي حاولت مرارًا وتكرارًا استعادة ما سُلب منها، والانتقام لمن قُتلوا من بني جنسها.

 

 

«—عار، إذن. أنا الآن… عارٌ على الفروسية…» تمتم يوليوس بصوت خافت، مُطرقًا برأسه.

 

 

«وكل هذا بينما كنت أواسي يوليوس؟! هل أنتم محترفو اختصارات؟»

كان حديث سوبارو صادمًا، زعزع كيانه، وهزّه بعنف.

 

 

 

وفي النهاية، تشقق قناع الأناقة الذي كان يرتديه…

 

 

 

«كما قالت السيدة رام، من الصعب تصديق أنك فقدت ذاكرتك حقًا. أم أنك تتظاهر بفقدانها فقط لتشجيعي بعدما فقدتُ ثقتي؟»

 

 

 

«على حساب تعكير ابتسامة إميليا-تشان؟ أحمق. لن أفعل شيئًا بتلك الالتفافية! ثم إنك، حتى لو لم أفعل ذلك، لن تهرب. ستقاتل من أجل الجميع.»

 

 

 

«هذا… متناقض. كنت تحاول فقط تقوية عزيمتي المترددة.»

كان يبحث عن تأكيد، لكنه لم يحصل إلا على سلسلة غير متوقعة من التناقضات. لم يكن يتوقع أن يكون نصف أفراد المجموعة من المعمّرين. اضطر إلى إعادة ضبط متوسط أعمارهم ذهنيًا، مضيفًا بضعة عقود إلى الحساب. ولكن، بطريقة ما، بدا الأمر منطقيًا.

 

«أولًا، كما قال ناتسكي، لا يمكنني تخيّل أن ريد أستريا كائن طويل العمر إلى هذه الدرجة. هو بلا شك شخص يتحدى المنطق بطرق عديدة، لكنه لا يزال إنسانًا. وثانيًا، شخصيته.»

«لا، الأمر ليس كذلك. ما تفتقده ليس الشجاعة. لديك الشجاعة بالفعل.»

 

 

 

تقدم سوبارو خطوة للأمام، وضغط بقبضته على صدر يوليوس.

 

 

 

«ما تفتقده هو العزيمة. الإرادة التي ترفض الهزيمة.»

تراجع سوبارو إلى الوراء، متفاجئًا من قربها المفاجئ.

 

التقط يوليوس أنفاسه بحدة.

«وأنا أيضًا! أنا أيضًا يا سيدي! لقد كنت أنتظر طيلة أربعمئة عام بلا جدوى! كنت وحيدة للغاية! أطالب بأربعمئة عام من العناق!»

 

قالت رام وهي تقلب النظر بين الحاضرين: «لنناقش المخاطر المحتملة التي يمكننا استنتاجها.»

لم يكن سوبارو يكذب.

 

 

لم يحظَ سوبارو بالكثير من اللحظات الهادئة خلال هذه الفترة، ولكن في الأصل، كان الوقت الذي أمضاه «ناتسكي سوبارو» معهم جميعًا يبدو وكأنه كان هادئًا وسعيدًا.

لقد رآه في الحلقة السابقة. يوليوس، رغم الموقف الميؤوس منه مع وحوش الشياطين وريد من حوله، لم يتخلّ عن سيفه. لم يشيح بنظره عن اليأس الذي كان أمامه، بل عهد بالأمور إلى سوبارو بثقة.

**ترى، هل يعود ذلك إلى أن عقلي يراه على أنه شكلي الحالي، أم أن هناك إرادة أخرى تتحكم في الأمر، كروح الكتاب ذاتها؟**

 

 

لم يكن هناك تفسير آخر لتلك العبارة سوى أنه كان يقول: «اترك هذا المكان لي.»

«أتوقع منك الكثير، أيها الفارس النبيل. أنت وأنا الوحيدان القادران على أن نكون بمثابة والدين لها الآن.»

 

لكن هذه المرة، ليس مجرد رد فعل سريع ومناسب للموقف كما فعلت من قبل. هذه المرة، بدت في حيرة واضحة. حدَّقت في سوبارو، غير قادرة على استيعاب ما يقوله.

قالها في أحلك اللحظات.

«لكنِّك تفهمين الآن، أليس كذلك؟ محاولة إيذائي محفوفة بالمخاطر بالنسبة لك. إن لم يكن هذا كافيًا لإقناعك، فلا بأس، لكن على الأقل تحدَّثي معي. إن كان هناك ما يُزعجك، فسأستمع إليك قدر استطاعتي…»

 

«الجشع، أليس كذلك، أيها السيد؟ لكننا لا نكره مَن يطرح أسئلته مباشرة. نحن نحب الجشعين.»

—اترك أمر ريد أستريا لي.

في تلك اللحظة، وهو يتتبع المحتوى، كان ناتسكي سوبارو هو ميلي بورتروت.

 

«أصبحتُ متشوقًا الآن لمعرفة مدى عدم موثوقية نفسي في الماضي. ماذا فعلت؟»

وكان ذلك آخر ما رآه سوبارو منه.

 

 

**ترى، هل يعود ذلك إلى أن عقلي يراه على أنه شكلي الحالي، أم أن هناك إرادة أخرى تتحكم في الأمر، كروح الكتاب ذاتها؟**

لذا…

«أنا متأكد أنكِ لا تدركين كيف تتعاملين مع كل تلك المشاعر التي قد تشعرين بها أو لا تشعرين بها. وربما لن تجدي إجابة في الحال. لذا…»

 

 

«…لم أرَ النهاية. ولا أذكر ما حدث قبل اليوم. لذا، لم أشهدك تخسر أمام ريد ولو مرة واحدة.»

«……»

 

‹‹لا تتأخر. إذا فقدنا جميعًا ذاكرتنا مثلك بحلول الوقت الذي تصعد فيه، فسيكون الأوان قد فات.››

يوليوس يوكوليوس لم يُهزم. هذا الفارس، هذا الرجل، لم ينهزم قط أمام ناتسكي سوبارو. لذا، مهما قال الآخرون، ناتسكي سوبارو لن يأتمن أحدًا سواه على هذه المعركة.

على أي حال…

 

اعترضت بياتريس قائلة: «لا أرغب في التفكير في ذلك، لكن هناك احتمال لفقدان طفيف للذاكرة. من الممكن أن يكون مقدار الفقدان مرتبطًا بكمية ما قُرئ، على ما أظن.»

«أعهد إليك بأمر ريد أستريا. اهزم أخطر عدوٍّ يواجهنا. وفي المقابل، سأبذل قصارى جهدي لأعتني بكل ما تبقى.»

### ٦

 

لكن القتل الارتجالي سلاحٌ ذو حدَّين.

«…»

لقد فكرت في قتلها.

 

 

«لا أسمعك، يوليوس. أجب على تطلعات صديقك.»

 

 

 

ضربت قبضة سوبارو صدر يوليوس مرة أخرى. المرة الأولى كانت لإيداعه ثقته، والمرة الثانية لترسيخ أمله القوي.

— اختارت أن تلبس مثل إلزا.

 

 

وضع يوليوس يده على صدره، ثم زفر زفرة طويلة وعميقة.

«…لم أرَ النهاية. ولا أذكر ما حدث قبل اليوم. لذا، لم أشهدك تخسر أمام ريد ولو مرة واحدة.»

 

—اترك أمر ريد أستريا لي.

«…كيف يمكنك أن تعقد آمالًا عظيمة عليّ، رغم أنك نسيت كل شيء قبل اليوم؟»

 

 

وكما في مرات لا تُحصى، غرست أسنانها في عنق إلزا.

«إنها… صورتك. الانطباع الذي تتركه. مظهرك، طريقتك في الكلام، وقفتك. الأشياء التي تملكها، ملابسك، طريقة أكلك ومشيتك. كل ذلك مجتمِعًا.»

 

 

 

لم يستطع سوبارو الحديث عمّا رآه في الحلقة السابقة، فوضع يده على صدره، محاولًا انتقاء كلماته.

«مراقبته…؟ هذا غريب، أليس كذلك؟ المفترض أن تكونا… تراقباني أنا…»

 

«إذًا، لماذا تبدو وكأنها غاضبة؟»

بمحض المصادفة، سوبارو ويوليوس وضعا أيديهما على صدريهما في آنٍ واحد، ثم تطلعا إلى بعضهما البعض. عندها، اعتدل يوليوس في وقفته، ثم انحنى بانحناءة رشيقة، كفارس من الأساطير.

«لم أكن لأصيغها بهذه الأناقة، لكنها الفكرة العامة.»

 

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

«الانطباع، هاه؟»

 

 

أما هو، فاكتفى بالإيماء مؤكدًا كلامه.

«ن-نعم. مظهرك وكل شيء فيك يترك هذا الأثر في نفسي.»

تبادل الاثنان النظرات للحظات، قبل أن يزفر جوليوس ببطء، وكأن ضحكة هادئة هربت منه دون قصد. كان تصرفًا متكلفًا يليق به، لكنه بدا غريبًا نوعًا ما لسوبارو.

 

 

«أفهم… مظهري جعلك تفكر بهذه الطريقة.» تغير نبرة صوت يوليوس بينما ظل رأسه منخفضًا.

بموافقة الجميع، أُعيد تأكيد الخطة للتركيز مجدّدًا على حلّ ألغاز البرج.

 

لم يستطع سوبارو الحديث عمّا رآه في الحلقة السابقة، فوضع يده على صدره، محاولًا انتقاء كلماته.

حتى الآن، كان صوته أشبه بمن يُجبر على مواجهة شيء ناعم الملمس، لكن الآن، بدأت لمحة باهتة من الحيوية تعود إليه. بعض الدفء والتوازن تسلل إلى نبرته.

 

 

توسَّعت عيناها بذهول، وارتسمت على وجهها ملامح خوفٍ صادق. كان ذلك رد فعلٍ طبيعيًا، لكنه آلَم سوبارو. كان من الصعب عليه التعبير عن مشاعره المعقدة تجاه ميلي، ذلك الشعور المشوَّه، شبه النرجسي، الذي نما داخله.

ذلك هو الانطباع الذي راوده عندما رفع يوليوس رأسه ونظر إلى الأمام.

 

 

كانت ميلي مذهولة من منطق إميليا القاطع. وقبل أن تستوعب، واصل سوبارو التوضيح:

ثم…

**أمال يوليوس رأسه قليلًا ثم أكمل بصوت هادئ:**

 

لقد أراد أن يفعل كل ما في وسعه.

«منسيٌّ من العالم، عاجز عن التأكد من وجود سيدي، ثم منسيٌّ حتى من قِبلك، أنت الوحيد الذي تذكرني… لم أكن واثقًا من مكاني في هذا العالم. ولكن، حتى في هذه الحالة، لم أفقد كل ما سعيت إليه. هذا ما تحاول قوله، صحيح؟»

 

 

 

«لم أكن لأصيغها بهذه الأناقة، لكنها الفكرة العامة.»

 

 

 

أخذ يوليوس كلمات سوبارو المرتبكة وغير المترابطة تمامًا وصاغها في شكل أكثر ذكاءً واتزانًا.

«—!»

 

‹‹رام، هل يمكنني أن أترك البقية معكِ للحظة؟ أود التحدث مع يوليوس على انفراد.››

كان سوبارو يعتقد أنه لن يتمكن من إيصال فكرته كاملة، لكنه شعر أن يوليوس استطاع الاقتراب منها أكثر مما توقع.

 

 

لأنه—

«الكلمات كانت مجردة قليلًا وتعتمد على الشعور الداخلي، لكن بما أن المشكلة كانت نفسية، فيبدو أنها أدت الغرض؟»

«أولًا، خطورة كتب الموتى… هذه واضحة. كما يظهر من حالة ناتسكي، هناك احتمال لفقدان الذكريات. وفقًا لما قاله، فإن الفقدان جزئي… لكن في هذه الحالة، قد يكون من الأدق القول إن ما تبقى من الذكريات مجرد قطع.»

 

 

«هاه. لما أصبحت مترددًا الآن؟ ألم تكن لا تُقهر؟»

كانت الحقيقة أن ميلي ربما كانت أضعف منه، لكنه كان قد أثبت بالفعل أنه لا يستطيع التغلب على أي شخص آخر هنا. وإن فقد ذاكرته، فسيكون من السهل احتواؤه والتعامل معه.

 

اعترضت بياتريس قائلة: «لا أرغب في التفكير في ذلك، لكن هناك احتمال لفقدان طفيف للذاكرة. من الممكن أن يكون مقدار الفقدان مرتبطًا بكمية ما قُرئ، على ما أظن.»

«أعني… حتى لو أمسكتَ بالنجم، ستسقط إذا تعثرت بحفرة.»

 

 

 

قطّب يوليوس حاجبيه أمام هذا التفسير الغامض، لكنه لم يسعَ للتعمق فيه. بدا وكأنه اكتسب قدرة على تجاهل النكات غير المفهومة من خلال تفاعله مع سوبارو بالأمس، يا له من تفاهم غريب.

 

 

«…هل كتاب ريد أستريا موجود فعلًا في ذلك الأرشيف؟» أكمل جوليوس الفكرة.

على أي حال…

«لا يمكنني ذلك. لقد فقدت ذكرياتك أثناء محاولتك اجتياز البرج، صحيح؟ إذن، التقطها مجددًا في طريقك. لا تُلقِها على عاتقي.»

 

اتسعت عينا إيميليا البنفسجيتان.

«هل تشعر بشيء من الإيجابية الآن؟»

 

 

«من الصعب الجزم بذلك. في جوهرها، كلماتك لم تقدم نصيحة واضحة، بل كانت مجرد نداء للمشاعر. ولم يتغير شيء جذريًا.»

«إذن، ماذا يعني ذلك بالنسبة لي بعدما فقدت ذاكرتي بالفعل؟ إذا كان فقدان الذاكرة مرتبطًا بفيض من المعلومات المتدفقة من كتب الموتى، فهل أعيد ضبط ذاكرتي؟ أم لا؟»

 

 

«أنت…»

*—–*

 

 

«لكن…» ضاقَت عينا يوليوس وهو يحدق في سوبارو، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة طفيفة. «هذا أمر، وذلك أمر آخر.»

 

 

 

وأنهى حديثه بعبارة لم تكن معتادة منه.

 

 

 

❃ ❃ ❃

رفعت إيكيدنا يدها قائلة: «إن لم يكن لديكم مانع، فأنا أتفهم قلق يوليوس، لكنني سأجازف وأقول إن ريد قد مات. هذا مجرد انطباعي بعد التفاعل معه.»

 

كان سوبارو يعتقد أنه لن يتمكن من إيصال فكرته كاملة، لكنه شعر أن يوليوس استطاع الاقتراب منها أكثر مما توقع.

بصراحة، لم يكن لدى سوبارو أي يقين بأنه استطاع مواساة يوليوس.

استعاد سوبارو مشاهد الحلقات السابقة بينما كان يستمع إلى تحليل إيكيدنا ويوليوس.

 

 

لا يزال يشعر أن هناك كلمات أفضل، طريقة أنسب لدفعه إلى الأمام، شيء أكثر صقلًا من «هذا أمر، وذلك أمر آخر.» ربما تفسير أكثر وضوحًا، أو أسلوبًا يبدد غرابة الوضع الحالي…

همسات ميلي بورتروت الميتة، التي اندمجت مع وعيه حين قرأ كتابها في كتاب الموتى…

 

 

«لكنها كانت جملة تعبر عنك تمامًا، بحسنها وسيئها.»

 

 

 

«…حقًا؟ إذن، إلى أي مدى كانت تشبه ما كنت سأقوله في الماضي؟ الإجابة عن هذا السؤال مهمة جدًا لهويتي الحالية…»

«إذًا، كيف تنوي القضاء عليَّ؟ هل ستدفعني من هنا انتقامًا؟ أنا الآن بلا تلك الوحوش الحقيرة التي أتحكم بها؛ لذا يمكنك محوي بسهولة، حتى بمفردك.»

 

وبينما عم جو من المرح، نظرت بياتريس إلى سوبارو بقلق قبل أن تنهّد باستسلام.

«عندما يتعلق الأمر بتكوين هوية المرء، فقد مررت بفترة اضطراب مماثلة منذ وقت ليس ببعيد. وبما أن لدي خبرة في هذا الأمر، اسمح لي أن أقدم لك نصيحة صغيرة… هذا أمر، وذلك أمر آخر.»

 

 

«هاه. لما أصبحت مترددًا الآن؟ ألم تكن لا تُقهر؟»

«أوه، كفى!»

 

 

«على أي حال…» التفتت بياتريس بعيونها ذات النمط المميز نحو الكتاب الذي كانت رام تحمله. «لقد نجحنا في العثور على ما كنا نبحث عنه. الخطوة التالية هي تقرير كيفية استخدامه، على ما أظن.»

زمجر سوبارو على يوليوس، الذي سارع إلى إعادة استخدام عبارته، ثم توجه إلى الطابق العلوي لينضم إلى إيميليا والآخرين في أرشيف تيجيتا.

بالطبع، كان هناك أيضًا أن ريد لديه نوع من الهوس بيوليوس ويريد مواجهته شخصيًا. لكن حتى بدون ذلك، لم يكن لدى سوبارو نية للتراجع عن قراره. إميليا قد اجتازت المعركة بالفعل، لذا لم يكن هناك أحد غير يوليوس يمكنه القيام بذلك.

 

قالت إيكيدنا، مفكرة: «لا يبدو أن فقدان الذاكرة مجرد ثمن يُدفع لقاء قراءة كتب الموتى. هذا استنتاج مستند إلى حقيقة أن يوليوس قرأ كتابًا مماثلًا لما قرأه ناتسكي، لكنه لم يُظهر أي أعراض مشابهة.»

لقد قال ذلك ليوليوس، لكن الوقت لم يكن في صالحهم. كان عليهم وضع أسس النصر قبل أن تحل الكارثة ببرج بليديس للمراقبة.

«… هل أنا ضحية مكيدة؟»

 

هل هذا النص مطابق لأسلوبك المفضل؟

وعندما يتعلق الأمر بالأولويات، فإن العثور على «كتاب الموتى» الخاص بريد سيكون تحديًا حقيقيًا، خاصة أنهم يبحثون عن كتاب واحد وسط محيط من—

لكن لم يكن بإمكانه منحها ما أرادته.

 

 

«آه! سوبارو! انظر! لقد وجدنا كتاب ريد!»

 

 

«أنتِ…؟»

«هاه؟! حقًا؟!»

‹‹سيدي، هل أنت…؟››

 

لم يكن سوبارو في وضع يسمح له بالقول إنه يعرف يوليوس جيدًا، لكن من خلال أسلوبه الراقي، كان من الواضح أن هذا لم يكن مجرد طبع فطري للرجل، بل سلوكًا اكتسبه بجهد ومثابرة.

كان سوبارو قد وصل إلى الطابق الثالث مستعدًا للخوض في مهمة بحث شاقة، لكنه شعر أن عزيمته تنهار تمامًا عندما سمع تقرير إيميليا المتحمس. كانت تشير إلى كتاب ضخم تحمله رام بين ذراعيها.

 

 

**في ذلك الوقت، عندما بدأ الجميع بالصعود، استدارت إيكيدنا نحوه.**

إذا كان هذا هو الكتاب المنشود، فكان من المدهش فعلًا أنهم تمكنوا من العثور عليه وسط هذا الأرشيف المتكدس.

 

 

«ما قلته عن أن إميليا ملاك. قله بطريقة أكثر “سوبارو”.»

«وكل هذا بينما كنت أواسي يوليوس؟! هل أنتم محترفو اختصارات؟»

 

 

«همم… أنا قلقة بشأن ذلك أيضًا.» قالتها إميليا بصوت خافت. «لا أريد أن ينسى سوبارو الكثير من الأمور مرة أخرى.»

«لا أعرف ما هذا، لكنه يبدو رائعًا. أخبرها كم كانت رائعة.»

بمحض المصادفة، سوبارو ويوليوس وضعا أيديهما على صدريهما في آنٍ واحد، ثم تطلعا إلى بعضهما البعض. عندها، اعتدل يوليوس في وقفته، ثم انحنى بانحناءة رشيقة، كفارس من الأساطير.

 

 

دفعت إيميليا صدرها بفخر، لكنها أشارت أيضًا إلى أن الإنجاز لم يكن من صنعها. تساءل سوبارو عن من ينبغي عليه شكره، لكن الإجابة سرعان ما ظهرت.

 

 

«البارحة، هاه…؟ بالمناسبة، هل يمكنكِ أن تخبريني كم كتابًا قرأتُ؟»

دفعت إيميليا برفق الفتاة ذات الشعر الأزرق الداكن، التي كانت متشبثة بها.

 

 

كان من المفترض أن يصبح واحدًا مع عقل ريد أستريا، وأن تُعرض أمامه حياته.

«ميلي وجدته. أليس ذلك رائعًا؟»

 

 

 

«هذه عبارة لم أسمعها منذ مدة… لكن، بعيدًا عن ذلك… وجدتهِ حقًا يا ميلي؟! هذا إنجاز عظيم! أحسنتِ!»

 

 

 

أثنى سوبارو على ميلي، التي لم يكن يتوقع أن تكون صاحبة هذا الإنجاز، لكنها عبست وأشاحت بوجهها بعيدًا.

رغم أن طريقته في التعبير عن الأمر لم تكن مثالية، فإن جوليوس، دون شك، كان الأفضل عندما يتعلق الأمر بتقديم مثال يُحتذى به.

 

‹‹…هل لهذا السؤال مغزى؟››

«ل-ليس بالأمر الكبير. لقد لمحتُ الكتاب مصادفةً، هذا كل ما في الأمر. لا أعتقد أنه شيء يدعو للحماس، مجرد… سرعة في العثور عليه.»

 

 

**من المفترض أن يوليوس قد واجهه سابقًا وتعرض لهزيمة ساحقة. من الطبيعي أن يعلَق الخاسر بالشخص الذي هزمه، لكن العكس…؟**

«لا تكوني سخيفة. عليكِ أن تفخري بنفسك! لقد فعلتِ عملًا رائعًا، ميلي. أحسنتِ في تعويض زلتك عندما حاولتِ دفعي عن الدرج!»

كانت تلك خسارة إضافية لم يكن سوبارو يعلم بها، لكنها لم تعد تهم.

 

هزت ميلي رأسها.

«وتعتبرنا متعادلين لمجرد هذا؟!»

 

 

‹‹أخبرتك، سأفعل كل ما في وسعي لأربيكِ كما يجب. لستُ مؤهلًا تمامًا للحديث عن ذلك، لكنكِ حقًا لا تجيدين التعبير عمّا تريدين.››

اتسعت عينا ميلي بصدمة بينما كان سوبارو يعبث بشعرها بخشونة. لم يعجبها ذلك وصرخت محتجة، لكنه اكتفى بالابتسام.

تراجع سوبارو إلى الوراء، متفاجئًا من قربها المفاجئ.

 

 

«ومع ذلك… قولي ما تشائين، لكن لا بد أنك بذلتِ جهدًا. لا يمكن أن تجدي الكتاب الذي نبحث عنه بهذه السهولة ما لم تكوني جادة في البحث.»

«هذا… متناقض. كنت تحاول فقط تقوية عزيمتي المترددة.»

 

«حسنًا، فهمت.»

«—غخ… ي-يا هذا، لا تقل أشياء لا داعي لها.» احمرّ وجه ميلي.

 

 

لقد فكرت في قتلها.

«ماذا تعنين؟ هذا مهم جدًا.» ابتسم سوبارو. «إنه دليل على أنكِ واحدة منا. لكن إن كنتِ تقولين إنكِ وجدتهِ بالمصادفة…»

 

 

 

«للأسف، لم نتمكن بعد من اكتشاف أي نمط لترتيب الكتب في أرشيف تيجيتا.» تدخلت إيكيدنا في الحديث.

رام، جوليوس، وإيكيدنا أذكى من سوبارو بكثير. كانوا ليصلون إلى الحقيقة دون الحاجة إلى الموت أولًا. وميلي لا يمكن أن تجهل ذلك.

 

مما يعني أنه كان يملك جسدًا. وهذه وحدها كانت نقطة اختلاف عمّا جرى حين قرأ كتاب ميلي. التجربة لم تكن متطابقة، وكان واضحًا أنه أُلقي به في موقف جديد مجهول.

إذا كان العثور على هذا الكتاب مجرد صدفة، فسيظل على سوبارو تأجيل سعيه الجانبي لبعض الوقت. لكن الآن، عليهم التركيز على المهمة الرئيسية…

ضربت قبضة سوبارو صدر يوليوس مرة أخرى. المرة الأولى كانت لإيداعه ثقته، والمرة الثانية لترسيخ أمله القوي.

 

«هه!»

«لا داعي لأن تقلق كثيرًا.»

 

 

 

وكأنها قرأت أفكاره، هزّت ميلي كتفيها بلا مبالاة، وهي إيماءة لم يرها منها منذ مدة. شعر بأنها بدأت تعود إلى طبيعتها.

—اترك أمر ريد أستريا لي.

 

«—أنا أصغي.»

«لن أعدكِ بشيء، فأنا أعرف أن الوعود لا تعني الكثير، لكنني سأحقق أمنيتكِ.»

 

 

«لكن…» ضاقَت عينا يوليوس وهو يحدق في سوبارو، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة طفيفة. «هذا أمر، وذلك أمر آخر.»

«أنتَ فعلًا لا تلتزم بكلامك، يا هذا. سأنتظر… دون أن أرفع سقف توقعاتي.»

 

 

عانقتها إميليا من الخلف بينما كان سوبارو يربّت على رأسها. ضمّتها بلطف، واضعة خدّها على خدّ ميلي، بينما كانت الفتاة الصغيرة تعضّ شفتيها الشاحبتين.

وعد غير مُعلن. رؤية ابتسامة ميلي جعلت سوبارو يعود إلى الموضوع الرئيسي.

دفعت إيميليا برفق الفتاة ذات الشعر الأزرق الداكن، التي كانت متشبثة بها.

 

 

«—حسنًا… إذن، لم يطّلع أحد بعد على كتاب ريد، صحيح؟»

ثم أخذ سوبارو يتفقد الغرفة المشتركة قبل أن يرفع حاجبه قائلاً:

 

 

كان الكتاب الذي تمسك به رام يحمل على غلافه حروفًا لم يتمكن سوبارو من قراءتها. لكن هذا لا يغير أنه كان المشتبه به الرئيسي في قضية فقدانه لذاكرته.

**ومقززة.**

 

عبست إميليا وهي ترمق سوبارو بنظرة عتاب.

وفي هذا، كانت رام تبدو متفقة معه، إذ لمست الغلاف بحذر.

 

 

وحين اجتمعت أنظار الجميع عليه، جلس سوبارو على الأرض متربعًا، وأخذ نفسًا عميقًا.

«بالنظر إلى حالتك الحالية، سيكون من المزعج أن نتسرع في قراءة الكتاب ويفقد شخص آخر ذاكرته، لذا لم أسمح لأحد بفتحه بعد.»

 

 

 

«يجب أن أشير إلى أننا لم نثبت بعد أن الكتاب هو سبب فقداني لذاكرتي.»

 

 

 

«هه!»

 

 

**ابتسم سوبارُو ابتسامة باهتة، ثم همس:**

حتى إن لم يكن مقتنعًا بذلك تمامًا، إلا أن سوبارو عبس قليلًا عندما قوبل تصريحه بضحكة ساخرة.

 

 

 

 

«ألم أخبرك؟ لا أحد في هذا العالم يفهمك أكثر مني.»

 

 

 

«على أي حال…» التفتت بياتريس بعيونها ذات النمط المميز نحو الكتاب الذي كانت رام تحمله. «لقد نجحنا في العثور على ما كنا نبحث عنه. الخطوة التالية هي تقرير كيفية استخدامه، على ما أظن.»

 

 

 

ساد التوتر الأجواء، محوِّلًا فرحة العثور على الكتاب إلى قلق ثقيل. إن أخطأوا في التعامل معه، فقد يخسرون ذكرياتهم. كان الأمر أشبه بقول: “هاك، اشرب هذا الإكسير المشبوه غير المُعنون.” كان ذلك انتحارًا، مهما كان لديهم من فرص لإعادة المحاولة.

في تلك اللحظة، المشاعر التي لم تستطع الطفلة التعبير عنها—تلك التي لم تكن تملك لها كلماتٍ أصلًا—تفجّرت، مشتعلةً في قلبها كحاجةٍ مُلحّة للانتقام.

 

 

قالت رام وهي تقلب النظر بين الحاضرين: «لنناقش المخاطر المحتملة التي يمكننا استنتاجها.»

«أعهد إليك بأمر ريد أستريا. اهزم أخطر عدوٍّ يواجهنا. وفي المقابل، سأبذل قصارى جهدي لأعتني بكل ما تبقى.»

 

وضعت ميلي يديها خلف ظهرها، وأخذت تبتسم ببراءة متناهية.

«وهل هناك حقًا شيء يمكن استنتاجه، إيكيدنا؟»

لقد استطاع، بفضل قدرته على العودة بالموت، أن يمنع وقوع مأساة، وهذا أمر جيد بلا شك. لكنه في الوقت نفسه أثبت لنفسه أن هذه الفتاة الصغيرة قد ألقت به إلى حتفه مرتين من قبل.

 

 

«هناك بعض الأمور، وإن كان كل ما نملكه مجرد وقائع حدثت ومعلومات متفرقة.» رفعت إيكيدنا إصبعها مسترسلة:

 

 

بينما كان غارقًا في أفكاره، تساءلت شاولَا فجأة، وقد ضاقت عيناها وهي تراقب تفاعل إميليا وبياتريس وميلي.

«أولًا، خطورة كتب الموتى… هذه واضحة. كما يظهر من حالة ناتسكي، هناك احتمال لفقدان الذكريات. وفقًا لما قاله، فإن الفقدان جزئي… لكن في هذه الحالة، قد يكون من الأدق القول إن ما تبقى من الذكريات مجرد قطع.»

 

 

 

بما أن ما فُقد كان أكبر مما تبقى، كان هذا بالفعل التعبير الأدق. لكنه لم يكن مطابقًا تمامًا للحقيقة. فقدان الذاكرة المتقطع لم يكن سوى حجة يختبئ خلفها سوبارو ليخفي حقيقة ما تعلمه من قدرته على “العودة بالموت”. في الواقع، عند بدء الدورة الأولى، كان قد فقد جميع ذكرياته حرفيًا—أو بالأحرى، نسي كل شيء منذ لحظة قدومه إلى هذا العالم.

 

 

«أين نحن…؟ لا، انتظري، من أنتِ؟ أي سؤال أبدأ به؟»

بناءً على ذلك، كان من الأفضل الافتراض أن مقدار الذكريات المفقودة غير محدود. في الواقع، بالنظر إلى كل الاحتمالات، ربما كان سوبارو محظوظًا إلى حد ما، إذ إنه احتفظ على الأقل بإحساسه بذاته.

أن تُحبس المشاعر داخل مساحة ضيقة أمرٌ سيئٌ لنموّ الطفل.

 

«مجرد تصرف بسيط عند اكتشاف أنني أنا من يتحكم بهذا الجسد؟ لطيف جدًا.» ابتسمت إيكيدنا، ثم نظرت إلى ميلي المتشبثة بشاولَا وقد أدارت وجهها بتجهم واضح.

مجرد التفكير في إمكانية فقدان كل ما يجعله كيانًا مستقلاً أرسل قشعريرة في جسده. ولكن في الوقت ذاته، تساءل عن سبب عدم فقدانه لذكرياته من عالمه الأصلي.

 

 

«أولًا، كما قال ناتسكي، لا يمكنني تخيّل أن ريد أستريا كائن طويل العمر إلى هذه الدرجة. هو بلا شك شخص يتحدى المنطق بطرق عديدة، لكنه لا يزال إنسانًا. وثانيًا، شخصيته.»

قالت إيكيدنا، مفكرة: «لا يبدو أن فقدان الذاكرة مجرد ثمن يُدفع لقاء قراءة كتب الموتى. هذا استنتاج مستند إلى حقيقة أن يوليوس قرأ كتابًا مماثلًا لما قرأه ناتسكي، لكنه لم يُظهر أي أعراض مشابهة.»

«هذا هو المكان المنعزل، النهاية البيضاء للأرواح. المهد، أود لاغنا. ممرات الذاكرة.»

 

 

اعترضت بياتريس قائلة: «لا أرغب في التفكير في ذلك، لكن هناك احتمال لفقدان طفيف للذاكرة. من الممكن أن يكون مقدار الفقدان مرتبطًا بكمية ما قُرئ، على ما أظن.»

«—لا، هذا ليس صحيحًا.»

 

«سواء كنت تدرك ذلك أم لا… من الطبيعي أن تشعر بالخوف في موقف كهذا. حين تعتاد على الخسارة، يصبح من الصعب التحرر منها.»

«أتفق معك.» رد يوليوس مؤكدًا. «بمعنى آخر، الفرق بين حالتي وحالة سوبارو قد يكون متعلقًا بعدد الكتب التي قرأناها… وهذا يتماشى أيضًا مع ما شاهدته ميلي منه الليلة الماضية.»

 

 

 

أومأ سوبارو بينما كان يتابع النقاش بعناية، مستوعبًا المنطق الذي استند إليه الطرفان.

«نعم، لقد قال: “في حال حدث أي شيء لميلي”. هذا ما قصدته، صحيح، سوبارو؟»

 

**«»**

 

وضع يوليوس يده على صدره، ثم زفر زفرة طويلة وعميقة.

ارتجف جسدها قليلًا، ثم رفعت رأسها نحوه بعينين متردّدتين، بينما كان يربّت على رأسها بلطف قدر استطاعته. لم يكن يخنقها. بل قدم لها حلًا مختلفًا عن الآخر«ناتسكي سوبارو».

 

«أولًا، خطورة كتب الموتى… هذه واضحة. كما يظهر من حالة ناتسكي، هناك احتمال لفقدان الذكريات. وفقًا لما قاله، فإن الفقدان جزئي… لكن في هذه الحالة، قد يكون من الأدق القول إن ما تبقى من الذكريات مجرد قطع.»

«بمعنى اخر، عدد الكتب التي يقرأها المرء هو ما يحدد مدى فقدان الذاكرة؟»

«لا تكوني سخيفة. عليكِ أن تفخري بنفسك! لقد فعلتِ عملًا رائعًا، ميلي. أحسنتِ في تعويض زلتك عندما حاولتِ دفعي عن الدرج!»

 

 

«هذا مجرد احتمال.» أجابت إيكيدنا بجدية. «إذا كان صحيحًا، فهذا يعني أن من لم يقرأ أي كتاب من كتب الموتى سيكون الأجدر بقراءة كتاب ريد. سيكون الأمر خطيرًا على ناتسكي أو جوليوس، اللذين سبق أن خاضا هذه التجربة.»

 

 

أدرك أنّه، بطريقة غير مباشرة، طلب منهما الكفّ عن القلق عليه حتى إشعار آخر، فخفض رأسه معتذرًا لإميليا.

كان هناك نظريتان متضادتان: إحداهما تفترض أن من قرأ الكتب سابقًا يجب ألا يقرأ المزيد، والأخرى ترى العكس. كلتاهما تستندان إلى منطق متين، ولم يكن من السهل تفنيد أي منهما. لكن ما أثار انتباه سوبارو كان…

 

 

«حتى لو كنتَ أنت من طلب، بيتي غير متأكدة إن كانت ستغفر لكَ حقًا لو كنت قد سقطت. لذا، اعتبر نفسك محظوظًا.»

«إذن، ماذا يعني ذلك بالنسبة لي بعدما فقدت ذاكرتي بالفعل؟ إذا كان فقدان الذاكرة مرتبطًا بفيض من المعلومات المتدفقة من كتب الموتى، فهل أعيد ضبط ذاكرتي؟ أم لا؟»

 

 

«نعم، هذا مقبول. لستِ مضطرةً إلى نسيان من تحبين. لكن…»

تنهدت رام قائلة: «هذا سؤال خطير. إذا فقدت ذاكرتك مجددًا، فسيتعين علينا شرح كل شيء لك مرة أخرى… مجرد التفكير في ذلك مرعب.»

 

 

وبحكم كونه مخضرمًا في الموت، وقد مرّ به أربع مرات، أدرك سوبارو جيدًا مدى صعوبة تجنّب المصير المحتوم.

«حقًا، هل هذا ما يقلقك أكثر؟! هذا مرعب بالنسبة لي أيضًا، لكن بحقك!»

 

 

 

«همم… أنا قلقة بشأن ذلك أيضًا.» قالتها إميليا بصوت خافت. «لا أريد أن ينسى سوبارو الكثير من الأمور مرة أخرى.»

«ما الذي سيكون…؟»

 

«شخصيته؟ تعنين كونه حيويًا للغاية؟»

رغم أن دوافع رام وإميليا كانت مختلفة، إلا أنهما اتفقتا في قلقهما على سوبارو. ولكن في النهاية، كانت هذه مجرد تكهنات، ولم يكن هناك يقين بشأن مدى خطورة قراءة الكتاب، خاصة بالنسبة لأولئك الذين يمتلكون شغفًا جامحًا بالمعرفة.

لم يكن يعلم إن كان ذلك نابعًا من شعورها بالإحراج أم أنه محض هجوم بريء، لكنه بدا كمقاومة طفولية لطيفة.

 

 

ولم يكن بوسع سوبارو البوح بحقيقة أنه قرأ كتاب ميلي في الحلقة السابقة. فهل سيُحسب ذلك قراءة إضافية أيضًا؟

‹‹نعم، يمكنني قول ذلك.››

 

 

«…ماذا؟ تبدو وكأنك تفكر في جعلي أقرأه كتعويض عما فعلته— أوه!»

 

 

**أمال يوليوس رأسه قليلًا ثم أكمل بصوت هادئ:**

«بالطبع لا. لا تقولي كلامًا سخيفًا، ميلي، وإلا صفعتك.»

 

 

 

«هذا استبداد! معاملتكم للأسرى هنا أسوأ من القصر!»

لا شكّ في أنّها كانت تحمل مشاعر مختلطة حين اقترح عدم إعطاء الأولويّة لذاكرته، لكنّها، بفضل ذلك الوعد، استطاعت التصريح برأيها بكلّ هذه الثقة… رغم أنّ سوبارو، على ما يبدو، كان يحنث بوعوده طوال الوقت.

 

 

وبينما كانت ميلي تنتفخ غيظًا وتختبئ خلف إميليا وشاولا، قال سوبارو، متجاهلًا الموقف: «إذن، هل لدى أحدكم أي أفكار أخرى؟»

‹‹…لا، ليس لدينا حل آخر. أقرّ بأن اقتراحك منطقي.››

 

 

أجابت إيكيدنا: «الخيارات هي: واحد منا لم يقرأ أي كتاب بعد ولديه هامش أمان أكثر من يوليوس، أو يوليوس الذي لديه خبرة سابقة، أو ناتسكي، الذي ربما تجاوز الحد بالفعل…»

وضعت ميلي يدها على فمها حين سمعت أفكار سوبارو.

 

 

بعد تفكير، قال سوبارو بحزم: «قد يكون هذا أنانيًا، لكن… أعتقد أن الأفضل أن أكون أنا من يقرأه.»

 

 

تحدث ناتسكي كينيتشي بوضوح وصراحة، دون ذرة إحراج. أما ناتسكي ناوكو، فلطالما سارت على إيقاعها الخاص، ملقية بسلسلة من التعليقات الغريبة حيثما حلت، لكن دون أن تغفل عن أي شيء مهم.

«سوبارو…»

 

 

 

أمسكت بياتريس بيده، وعيناها تنطقان بقلق لا يقل عن قلقها عليه. لكنه اكتفى بمبادلتها غمزة خفيفة، محاولًا طمأنتها.

 

 

إجابة سوبارو لم تكن ما أرادت سماعه.

«هذه ليست مزحة. فقدان ذاكرتي ليس بالأمر الذي أتمناه… لكن من منظور إدارة المخاطر، هذا هو القرار الصحيح. إذا كان لا بد لأحد منا أن يفقد ذاكرته، فمن الأفضل أن أكون أنا، لأن الأضرار ستكون في حدها الأدنى. علاوة على ذلك، أنا الأضعف هنا.»

رؤية ميلي بهذه الحالة كان أمرًا جديدًا بالنسبة لسوبارو… لا، لقد رآها هكذا من قبل— داخل كتاب الموتى.

 

 

كانت الحقيقة أن ميلي ربما كانت أضعف منه، لكنه كان قد أثبت بالفعل أنه لا يستطيع التغلب على أي شخص آخر هنا. وإن فقد ذاكرته، فسيكون من السهل احتواؤه والتعامل معه.

لكنه كان مستعدًا لهذا الاحتمال مسبقًا.

 

 

ولكن المشكلة كانت أن الذكريات التي بدأ بجمعها في الدورات الأربع الأخيرة أصبحت ثمينة للغاية بحيث لا يمكنه التضحية بها ببساطة.

 

 

 

«لا أنوي فقدان ذاكرتي. لكننا فريق، ويجب أن يقوم كل واحد منا بدوره من أجل الجميع.»

 

 

«يؤسفني أن تشك بي. لو كنتُ أنوي قتلك، لكان من الأسهل أن أفعلها في الصحراء بدلًا من هنا، أليس كذلك؟ آه، لكنك لا تذكر ذلك، صحيح؟»

نظر إلى الحاضرين مبتسمًا وأضاف ممازحًا: «يوليوس مسؤول عن القتال، إيكيدنا العقل المدبر، رام صاحبة اللسان اللاذع، ميلي لطيفة، وبياتريس أيضًا، أما إميليا فهي بطلتنا الجميلة، وشاولا… فهي من تمنحنا اللحظات الجذابة.»

«—أنتَ أحمق حقًّا.»

 

هكذا بدأت إلزا تناديها. ميلي، الفتاة التي حاولت مرارًا وتكرارًا استعادة ما سُلب منها، والانتقام لمن قُتلوا من بني جنسها.

«أشعر أن هناك أدوارًا غير ضرورية في كلامك…»

«…أحمق…»

 

«يبدو أنك أنجزت كل شيء على ما يرام. ليس سيئًا. سأثني على جهدك.»

«هذا غير صحيح! لا بد من مشاهد مثيرة عند انقطاع الأضواء!»

 

 

 

وبينما عم جو من المرح، نظرت بياتريس إلى سوبارو بقلق قبل أن تنهّد باستسلام.

 

 

 

«بمجرد أن تصرّ على شيء، لا يمكن إيقافك. لم يتغير ذلك حتى بعد فقدانك للذاكرة.»

«هذا مجرد احتمال.» أجابت إيكيدنا بجدية. «إذا كان صحيحًا، فهذا يعني أن من لم يقرأ أي كتاب من كتب الموتى سيكون الأجدر بقراءة كتاب ريد. سيكون الأمر خطيرًا على ناتسكي أو جوليوس، اللذين سبق أن خاضا هذه التجربة.»

 

«هاه؟»

وبتسليم صامت من الجميع، وُضع الكتاب بين يدي سوبارو، وهو يبتسم بتوتر.

«ألم أخبرك؟ لا أحد في هذا العالم يفهمك أكثر مني.»

 

 

«أُقدِّر مشاعرك هذه، لكن الأمر يترك في داخلي إحساسًا متناقضًا. تأكد من العودة… لكن دون وعود. لو قطعت وعدًا، فستكسره حتمًا.»

عقدت بياتريس ذراعيها القصيرتين، وأجابت بصرامة. شهقت ميلي قليلًا، فيما بدأت إميليا بالضحك.

 

«هناك بعض الأمور، وإن كان كل ما نملكه مجرد وقائع حدثت ومعلومات متفرقة.» رفعت إيكيدنا إصبعها مسترسلة:

«أصبحتُ متشوقًا الآن لمعرفة مدى عدم موثوقية نفسي في الماضي. ماذا فعلت؟»

**شعر سوبارُو بقشعريرة تسري في جسده. أن يكون هناك شخص لم يُهزم قط، حتى في الروايات والأساطير، أمر يبعث على الرهبة. هل من الممكن أنه عاش حياته كاملة دون أن يتجرع طعم الخسارة؟ فكرة كهذه وحدها كانت كفيلة بجعل الدم يتجمد في عروقه.**

 

 

كان سوبارو يتأمل كلمات إميليا المشجعة بغير اكتراث، قبل أن يجول بنظره على الجميع. لكن ما إن فعل، حتى أشاح الجميع بوجوههم بعيدًا. على ما يبدو، كان مذنبًا لا يُغتفر.

 

 

 

ورغم ذلك…

«هل يعترض أحد على قراءتي له؟»

 

 

«هل يعترض أحد على قراءتي له؟»

بما أنه لم يكن معها في هذه الرحلة، أراد سوبارو إنهاء الأمور هنا بسرعة حتى تتمكن من رؤيته مجددًا.

 

«يشرفني أنكِ استمتعتِ بالعرض.» غمز سوبارو نحو إيكيدنا، التي لم تلبث أن أطلقت ضحكة ساخرة.

«…في النهاية، كل تخميناتنا ليست سوى افتراضات. أردتُ اختيار الخيار الأقل خطرًا على الجميع هنا، ولكن…»

رغم أن دوافع رام وإميليا كانت مختلفة، إلا أنهما اتفقتا في قلقهما على سوبارو. ولكن في النهاية، كانت هذه مجرد تكهنات، ولم يكن هناك يقين بشأن مدى خطورة قراءة الكتاب، خاصة بالنسبة لأولئك الذين يمتلكون شغفًا جامحًا بالمعرفة.

 

 

تدلت حاجبا إيكيدنا باعتذار وهي تراقب سوبارو وهو يرفع الكتاب. لم يكن ثمة شك في صدق كلماتها. لكن سوبارو أجابها ببساطة، طالبًا منها ألا تقلق.

تعلمت كيف تتحدث. —ونمّت طريقتها في الحديث على غرار إلزا.

 

 

«حسنًا، سأبدأ. إن فقدتُ ذاكرتي، فجمدوني في الجليد ووبخوني بصرامة.»

 

 

«هل يعترض أحد على قراءتي له؟»

«من عساه يفعل شيئًا بهذه القسوة، يا ترى؟»

«يجب أن أشير إلى أننا لم نثبت بعد أن الكتاب هو سبب فقداني لذاكرتي.»

 

‹‹أسمع هذا الاسم كثيرًا مؤخرًا، لكنكِ لا توفرينها إطلاقًا…››

«أعرف أنكِ لن تفعلي ذلك. لأنكِ طيبة القلب.»

 

 

إن كانت تيجيتا تحوي بالفعل كل من فارقوا الحياة في هذا العالم، فإن القول إن هناك عددًا من الكتب يماثل عدد النجوم في السماء لن يكون مبالغة. العثور على الكتاب المطلوب سيكون كالبحث عن إبرة في صحراء شاسعة.

ربت سوبارو على رأس بياتريس وهي تنظر إليه بقلق ظاهر، ثم نقر جبهتها العريضة. عندها، قطّبت حاجبيها بانزعاج، قبل أن تخطو خطوة إلى الوراء.

 

 

**مع خفوت الحديث، وجدوا أنفسهم أمام الغرفة التي تقود إلى الدرج المؤدي إلى تيجيتا. في الأعلى، كان أرشيف الكتب ينتظرهم، لكن—**

وحين اجتمعت أنظار الجميع عليه، جلس سوبارو على الأرض متربعًا، وأخذ نفسًا عميقًا.

قالت رام وهي تقلب النظر بين الحاضرين: «لنناقش المخاطر المحتملة التي يمكننا استنتاجها.»

 

 

بين يديه، كان كتاب الموتى الخاص بـ«ريد أستريا».

«ألم أخبرك؟ لا أحد في هذا العالم يفهمك أكثر مني.»

 

‹‹…لا، ليس لدينا حل آخر. أقرّ بأن اقتراحك منطقي.››

أحس بثقل غامض يحيط به. كان الأمر شبيهًا بما شعر به حين قرأ كتاب ميلي، لكن الضغط المنبعث من هذا الكتاب كان أعظم بدرجات.

‹‹بناءً على هذا المنطق، أكون قد قضيت مئات السنين أيضًا؟ أشعر وكأن رحلتي من المتجر إلى هنا استغرقت أكثر مما ينبغي…››

 

«إذا كنتِ تتحدثين عن العقاب، فميلي قد عانت بالفعل. ولكن لماذا يجب أن تُعاقب؟ لم يُعلِّمها أحد يومًا ما هو الصواب. هذا ما سأعلمها إياه الآن.»

**يبدو أن الشعور يتغير حسب هوية صاحب الكتاب، أليس كذلك؟**

 

 

«…وماذا بعد؟ مع وضع حالتك الحالية في الاعتبار، حتى إن وجدنا كتاب الموتى  الصحيح…»، قالت إيكيدنا بتحذير.

**يا ترى، أي حياة سأخوضها هذه المرة؟**

 

 

كانت ميلي ترتجف، مستسلمةً للخوف الذي تملّكها، بينما جلست إلزا إلى جانبها، وطوّقت كتفها بذراعها دون أن تنطق بكلمة.

**وهل ستحتمل ذاكرتي ذلك؟**

 

 

 

وضع سوبارو يده على الغلاف، ورفع بصره إلى من يراقبونه. بياتريس، ميلي، رام، إيكيدنا، يوليوس، وشاولا، كانوا جميعهم يشاهدونه.

تحت أنظار الجميع، رفع جوليوس بصره المزين برموش طويلة، كأنّه يحاول اختراق السقف بنظراته ليرى الطابق الثاني.

 

 

ثم…

 

 

‹‹—؟››

«—سوبارو.»

 

 

‹‹لا تقولي أشياء مرعبة كهذه. مع أني لا أمانع رؤية إن كنتِ ستصبحين ألطف وأكثر تهذيبًا بعد فقدان ذاكرتك…››

«حسنًا، سأعود. قد أغيب لبعض الوقت، فلا تنتظروني على العشاء.»

كانت عنيدة. أو بتعبير أقل لطفًا، تتصرف بطيش.

 

 

«…أحمق…»

«…لقد هُزمت أمامه مرتين بالفعل.»

 

 

ومع ابتسامة إميليا التي ودعته، فتح الكتاب.

 

 

«منسيٌّ من العالم، عاجز عن التأكد من وجود سيدي، ثم منسيٌّ حتى من قِبلك، أنت الوحيد الذي تذكرني… لم أكن واثقًا من مكاني في هذا العالم. ولكن، حتى في هذه الحالة، لم أفقد كل ما سعيت إليه. هذا ما تحاول قوله، صحيح؟»

في اللحظة التالية، بدأت الكلمات المكتوبة تتوهج وترتفع من الصفحة، وكأنها تتدفق مباشرة عبر عينيه لتستقر في عقله بعنف. وفي أقل من طرفة عين، وجد نفسه يُسحب إلى داخل الكتاب—

«يبدو أنك أنجزت كل شيء على ما يرام. ليس سيئًا. سأثني على جهدك.»

 

 

—ثم انقطع وعيه عن الأرشيف، وسقط في الظلام.

أومأ سوبارو بينما كان يتابع النقاش بعناية، مستوعبًا المنطق الذي استند إليه الطرفان.

 

«أنت أقوى شخص في مجموعتنا، لذا أنت من سيقاتل ريد. حتى لو وجدنا طريقة للتغلب عليه، يبقى القتال الفعلي ملقى على عاتقك.»

**8**

 

 

«…»

كان الشعور الذي راوده عند قراءته لكتاب ميلي غامضًا نوعًا ما.

 

 

«قلتُ إنني آسف بالفعل، لذا لا تواصلي التذمّر. المهم هو هذا.»

المشاهد التي رآها، والحياة التي عاشتها كانت واضحة، لكنه كمن فقد إدراكه الذاتي، كأنما صار هو ذاته الشخص الذي خط اسمه على الكتاب. شعر بأفكارهم، وعاش مشاعرهم.

اتسعت عينا سوبارو عند سماعه هذا المصطلح الغريب. وراضيه بردة فعله، تحدثت الفتاة. الفتاة التي كانت عبارة عن حزمة من الخبث تحدثت بسخرية

 

 

بكلمات أخرى، كانت الرحلة عبر كتاب الموتى أشبه بالاندماج مع صاحبه.

《١》

 

 

في تلك اللحظة، وهو يتتبع المحتوى، كان ناتسكي سوبارو هو ميلي بورتروت.

 

 

 

ولهذا السبب، ظلت صورتها كامنة في زاوية وعيه، كظل غريب يحتفظ بذكرى شبحية منها.

لأنه—

 

«— نعم، سمعتك. أنتِ مهملة للغاية، إلزا.»

فإن كان هذا هو تأثير كتاب الموتى، فمعنى ذلك أن ما كان يراه الآن هو حياة ريد أستريا. كان عليه أن يشعر بعالمه من منظور الشخص الأول، بقدر ما كانت أفكاره عصية على الفهم.

 

 

لذلك، كان متوقعًا أن ترفض تصديقه، وكان قد أعد خطة بديلة سلفًا.

**ماذا كان يفكر؟ ماذا كان يحب؟ ماذا كان يكره؟ ماذا أحب؟ ماذا أبغض؟ ماذا حقق؟

 

 

 

كان من المفترض أن يصبح واحدًا مع عقل ريد أستريا، وأن تُعرض أمامه حياته.

 

 

نظر إلى الحاضرين مبتسمًا وأضاف ممازحًا: «يوليوس مسؤول عن القتال، إيكيدنا العقل المدبر، رام صاحبة اللسان اللاذع، ميلي لطيفة، وبياتريس أيضًا، أما إميليا فهي بطلتنا الجميلة، وشاولا… فهي من تمنحنا اللحظات الجذابة.»

ولهذا، لاحظ سوبارو فورًا أن هناك شيئًا غير مألوف.

كان واثقًا من أنه سيتمكن من منعها من دفعه إلى الحافة. لكنه كان يعلم أيضًا أنها قد تلقي بنفسها إذا شعرت أنها محاصرة.

 

لم تحاول حتى تدبير حُجَّة، لم تحرص على إخفاء الأدلة.

—المكان الذي وجد نفسه فيه لم يكن ماضي ريد.

«… أنتم جميعًا ميؤوس منكم.» تنهدت ميلي، ثم أردفت بتذمر: «حسنًا، سأسمح بذلك. لكن لا تخبروا أحدًا بما حدث هنا.»

 

 

«…هاه؟»

 

 

هزت ميلي رأسها.

كان يقف في مكان مشرق… مشرق للغاية.

 

 

 

امتدت أمامه مساحة بيضاء لا نهائية، بلا أي معالم واضحة. لم يكن لديه أدنى فكرة عن مكانه.

 

 

 

استطاع رؤية ذراعيه وساقيه. وعندما انحنى، رأى جذعه وخصره أيضًا.

عاد قلبه الذي كان يخفق بسرعة بسبب إيميليا إلى هدوئه بينما كان يربّت على رأس بياتريس. ويبدو أنها كانت راضية أيضًا، فكان الأمر كضربة عصفورين بحجر واحد.

 

«شكرًا، إميليا-تشان… بصراحة، كنتُ خائفًا حتى الموت.»

مما يعني أنه كان يملك جسدًا. وهذه وحدها كانت نقطة اختلاف عمّا جرى حين قرأ كتاب ميلي. التجربة لم تكن متطابقة، وكان واضحًا أنه أُلقي به في موقف جديد مجهول.

 

 

 

ومن خلال النظر إلى ملابسه، وجدها كما كانت عندما كان في الأرشيف.

‹‹—؟››

 

 

**ترى، هل يعود ذلك إلى أن عقلي يراه على أنه شكلي الحالي، أم أن هناك إرادة أخرى تتحكم في الأمر، كروح الكتاب ذاتها؟**

‹‹مع يوليوس؟››

 

**لا أود التفكير بأنني امتصِصتُ جسديًا إلى داخل الكتاب، ولكن…**

«—؟ ما الأمر؟ هل هناك شيء يخصّني؟»

 

«لا…»

«—أوه؟ أتيتَ مجددًا، أيها السيد؟»

 

 

 

«—!»

وفي النهاية، تشقق قناع الأناقة الذي كان يرتديه…

 

 

ارتجف سوبارو عند سماعه صوتًا آخر غير صوته.

 

 

 

صدر الصوت من خلفه، فاندفع إلى الأمام بغريزة دفاعية، ثم تدحرج على الأرض واستدار بسرعة.

 

 

 

أما صاحبة الصوت، ففتحت عينيها على اتساعهما، مدهوشة من ردة فعله المفاجئة.

 

 

كان حديث سوبارو صادمًا، زعزع كيانه، وهزّه بعنف.

«أنتِ…؟»

 

 

لقد فكرت في قتلها.

لم يستطع إخفاء دهشته وارتباكه.

«سيدي رجل لا يمكن أن يموت، لذا لم أقلق إطلاقًا. على العكس، ظننت أن الصغيرة ستتناثر أشلاءً فور أن تقف خلفه.»

 

«أنتِ ترتجفين، هل تشعرين بالبرد؟»

كانت شخصًا غير متوقع البتة، وجودًا لم يخطر على باله مطلقًا—

بهذا المعنى، وجهت تلك القاتلة الصغيرة طعنات قاتلة إلى قلبه واحدة تلو الأخرى.

 

 

فتاة لم يرها من قبل، على الإطلاق.

بصراحة، لم يكن لدى سوبارو أي يقين بأنه استطاع مواساة يوليوس.

 

«بالنظر إلى حالتك الحالية، سيكون من المزعج أن نتسرع في قراءة الكتاب ويفقد شخص آخر ذاكرته، لذا لم أسمح لأحد بفتحه بعد.»

شعر أشقر باهت، كخيوط الحرير، ممتد بلا نهاية. تدفقت خصلاته الطويلة على الأرض البيضاء، متجمعة كبركة ذهبية عند قدميها.

دفعت إيميليا برفق الفتاة ذات الشعر الأزرق الداكن، التي كانت متشبثة بها.

 

بالطبع، فمنذ طفولتها، لم يكن في قاموسها أي طريق آخر للحياة، والآن يطلب منها سوبارو أن تجد طريقًا جديدًا لم تعرفه من قبل.

عيناها الواسعتان كانتا بلون أزرق صافٍ، وبشرتها الناعمة بيضاء كالبورسلين. كانت ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا، وكل ما فيها كان يوحي بالشفافية.

 

 

فتاة لم يراها من قبل. هكذا ينبغي أن يكون الأمر.

لا يزال يشعر أن هناك كلمات أفضل، طريقة أنسب لدفعه إلى الأمام، شيء أكثر صقلًا من «هذا أمر، وذلك أمر آخر.» ربما تفسير أكثر وضوحًا، أو أسلوبًا يبدد غرابة الوضع الحالي…

 

 

لكن، حدّق سوبارو فيها بعينين ضيقتين.

 

 

‹‹الحكيم شاولا، والتنين المقدس فولكانيكا، وقديس السيف ريد…››

فرك عينيه بظاهر يده، كمن يحاول إزالة ضباب يحجب رؤيته، لكنها ظلت كما هي.

 

 

 

حتى بعدما نظر مجددًا، لم يتعرف عليها. ورغم ذلك، شعر بوخز طفيف في ذاكرته، كما لو أن ذكرى غامضة تحاول الظهور.

**من المفترض أن يوليوس قد واجهه سابقًا وتعرض لهزيمة ساحقة. من الطبيعي أن يعلَق الخاسر بالشخص الذي هزمه، لكن العكس…؟**

 

انخفضت كتفا سوبارو حين تجاهلت حديثه بابتسامة، بينما كان الاثنان اللذان كانا يصعدان الدرج قد انضما أخيرًا إلى المجموعة في الأعلى.

«هل هدأتَ قليلًا، أيها السيد؟»

 

 

 

«أين نحن…؟ لا، انتظري، من أنتِ؟ أي سؤال أبدأ به؟»

 

 

إذ رأت إيكيدنا أنّه أكثر حنكة مما توقّعت، ارتسمت على شفتي سوبارو ابتسامة محرجة. كان موقفًا يصعب الجزم فيه إن كان هذا هو المسار المقصود أم مجرّد ثغرة اكتشفها بالصدفة.

«الجشع، أليس كذلك، أيها السيد؟ لكننا لا نكره مَن يطرح أسئلته مباشرة. نحن نحب الجشعين.»

 

 

«……»

افتر ثغرها عن ابتسامة ساخرة أربكت سوبارو. لم يكن هناك وصف آخر لها.

 

 

 

كانت تبدو في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من عمرها. وبمظهرها النظيف، ابتسامة طبيعية كان سيلائمها بشكل لطيف.

«سيّدتي إميليا، أتفهّم مشاعرك، لكن وجنتك احمرّت».

 

«أغ… مـ-ماذا…؟»

لكن في عيني سوبارو، كان تعبيرها يحمل شرًا خفيًا. غريزته أخبرته بأنها داست على أرواح لا تحصى.

**وهل ستحتمل ذاكرتي ذلك؟**

 

أحس بثقل غامض يحيط به. كان الأمر شبيهًا بما شعر به حين قرأ كتاب ميلي، لكن الضغط المنبعث من هذا الكتاب كان أعظم بدرجات.

وبينما كان سوبارو يرتعش، تحدثت الفتاة

«من الصحيح أن بيتي ملاك لطيف، لكن هذا ليس ما قصدته…»

 

 

«هذا هو المكان المنعزل، النهاية البيضاء للأرواح. المهد، أود لاغنا. ممرات الذاكرة.»

زمجر سوبارو على يوليوس، الذي سارع إلى إعادة استخدام عبارته، ثم توجه إلى الطابق العلوي لينضم إلى إيميليا والآخرين في أرشيف تيجيتا.

 

«آنستي… لقد… سمعتِ كل شيء…؟»

«ممرات… الذاكرة؟»

 

 

 

«يب، يب. و…»

لقد تحولت الفتاة التي كانتها ميلي إلى مئة ضفدعٍ على الأقل، كلٌّ منها يقفز بشكلٍ مستقل عن الآخر، وقد وُسِمَت روحها بالخوف من أن تتلاشى كليًا.

 

«أنت…»

اتسعت عينا سوبارو عند سماعه هذا المصطلح الغريب. وراضيه بردة فعله، تحدثت الفتاة. الفتاة التي كانت عبارة عن حزمة من الخبث تحدثت بسخرية

 

 

ولهذا—

«—ونحن لويس ارنيب، أسقف خطيئة الشراهة لطائفة الساحرة.»

«للأسف، لم نتمكن بعد من اكتشاف أي نمط لترتيب الكتب في أرشيف تيجيتا.» تدخلت إيكيدنا في الحديث.

 

 

«…»

 

 

 

«ستكون مجرد لفترة قصيرة مرة اخرى ولكن، من اللطيف مقابلتك، أيها السيد.»

كانت الفتاة تائهة تمامًا، لا تعرف كيف تتعامل مع مشاعرها، ولم يكن أمامها سوى سبيل واحد لحل المشاكل… القتل. كان قدرها مأساويًا من البداية حتى النهاية.

 

تحت أنظار الجميع، رفع جوليوس بصره المزين برموش طويلة، كأنّه يحاول اختراق السقف بنظراته ليرى الطابق الثاني.

 

لم يكن بمقدورها إخفاء مشاعرها عن سوبارو، فسبب رؤيتها له في أرشيف تيجيتا الليلة الماضية كان بحثها عن كتاب الموتى بنفسها.

 

 

 

////

 

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

 

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

  1. أفاتار Manaf يقول Manaf:

    أعتقد أن سبب كونه هنا أن ريد مبارك من العالم ولذا ذكرياته خاصة ومميزة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط