تجاوز إلى المحتوى
ملوك الروايات — أفضل منصة لقراءة روايات الخيال الصينية، الكورية، اليابانية، الإنجليزية والعربية معلومات الاتصال

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الفصلvol.24

3 - انهض.

المشاهدات 3٬594 نشر في تاريخ مايو 26, 2025
Sins ReZero
ترجمة ورفع الفصل Sins ReZero
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

《١》

 

 

ممرات الذاكرة… ولويس آرنيب. هذا ما قالته الفتاة الشقراء.

 

«……»

 

ساد الصمت على سوبارو.

 

فراغ أبيض يتحدى كل التوقعات، ولقاء غير متوقع على الإطلاق. والأسوأ من ذلك، أن الفتاة بدت وكأنها تعلم الكثير، ومستعدة للحديث عن عدة أمور، لكن…

 

«… طائفة الساحرة، الشراهة، أسقف الخطيئة… ما كل هذا الهراء المفترض أن يكون؟»

 

«أها.»

 

غطَّت لويس وجهها وانفجرت ضاحكة بينما عقد سوبارو ذراعيه وأمال رأسه. للحظة، بدا المشهد وكأنه لوحة فنية— فتاة تقف أمام لوحة بيضاء وهمية. لكن غريزة سوبارو كانت تصرخ له بالتحذير.

 

لقد وُلد وترعرع في اليابان الحديثة المسالمة؛ لذا كان لا بد أن تكون هذه الفتاة شيئًا مختلفًا تمامًا حتى تدفع غرائزه الدفاعية إلى هذا الحد. المشكلة الوحيدة أن اللقب الذي منحته لنفسها لم يكن له أي معنى بالنسبة له…

 

«… طائفة الساحرة، ببساطة، هم جماعة من المنبوذين المكروهين في هذا العالم.»

 

«أوه؟»

 

«حتى أنت سمعت عن ساحرة الحسد من قبل، صحيح؟ طائفة الساحرة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بتلك الشخصية العظيمة… حسنًا، يمكنك اعتبارهم أتباعها المخلصين.»

 

«… إذًا جزئية الأسقف تلك…؟»

 

الخطيئة والأسقف بدتا كلمتين متناقضتين تمامًا، لكنهما انسجمتا معًا في ذهنه على الفور. وأول ما خطر بباله…

 

«يمكنك أن تعرف مباشرة أن هذا لقب شرير.»

 

«مستحيل، اسكت، لا، لا، لا وألف لا.»

 

هزَّت لويس رأسها بينما عانقت جسدها النحيل، غير أن الابتسامة المريبة لم تفارق وجهها، ولم تكن تبدو وكأنها تنفي الأمر حقًا.

 

لا أستطيع قراءة نواياها الحقيقية… أو بالأحرى، لا أستطيع تحديد حقيقتها بدقة.

 

«لا تتنمَّر على فتاة مسكينة وبريئة هكذا، أيها السيد. يمكن أن نتأذى نحن أيضًا، كما تعلم. قلوبنا أكثر رقةً وهشاشة من قلوب الناس العاديين.»

 

«لست مقتنعًا على الإطلاق. وبالمناسبة، هل صيغة الجمع الملكية هذه أسلوبك الخاص في الكلام؟ أم أنك تحاولين فقط أن تبدي مميزة، مثل جيش من شخص واحد؟ حاولي أن تحافظي على وضوح الأمور.»

 

«آه… لا تقلق بشأن ذلك. هناك الكثير من الذوات، ومن غير الواضح أيها لها السيادة. نحن في الحقيقة قد سئمنا من ذلك.»

 

أطرقت لويس قليلًا بنظرها.

 

«لكن هذا هو الواقع. إنها هدايا من الأخ العزيز… والأخ الأعز. لو لم نقبلها، لكنا فشلنا كأخت صغرى. فالأشقاء عليهم مساندة بعضهم البعض.»

 

«… أخت صغيرة لطيفة تهتم بأخيها الأكبر. بوصفي طفلًا وحيدًا، أشعر بشيء من الغيرة.»

 

«حقًا؟ لكن قد يكون لديك أخ أو أخت أصغر الآن، مَن يدري؟»

 

«هوه، مجرد فكرة كهذه مخيفة! لا أريد حتى تخيُّل الأمر!»

 

والداه كانا متحابين وزواجهما سعيد؛ لذا لم يكن الأمر مستبعدًا تمامًا. لو فكر فيهما، فمع غيابه… ربما يخطر ببالهما إنجاب طفل آخر… لا، مستحيل.

 

«……»

 

إذا اختفى سوبارو، فسيواصل والداه البحث عنه حتى يجداه.

 

لذلك، لم يكن له إلا أن يتمنى أن يكون هذا الاستدعاء إلى عالم آخر أشبه بولادة جديدة.

 

إن كان والده ووالدته سيعيشان عذاب البحث عنه بلا نهاية، فكان الأفضل له لو مات قبل أن يولد مجددًا في هذا العالم. كان ذلك أهون بكثير.

 

رفعت لويس شعرها المتساقط على الأرض بين يديها، ثم نظرت إلى سوبارو قائلة:

 

«أنا أفهم، أيها السيد.»

 

«—! هراء! مستحيل!» انفجر في وجهها.

 

كانت تتطلع إلى عينيه وكأنها تفهم تمامًا الاضطراب الذي يعصف في داخله، ذاك الذي لم يجرؤ حتى على التعبير عنه. كان ذلك مزعجًا. أدار وجهه بعيدًا عنها وصاح:

 

«ماذا تعرفين عني؟ تتحدثين وكأنك…»

 

«تشعر بالذنب تجاه والديك، أليس كذلك؟ تندم على كونك ابنًا عاقًا لم يحظَ حتى بفرصة توديع والديه… لا، لطالما ندمت، الآن، وقبل ذلك أيضًا، صحيح؟»

 

«……»

 

واصلت حديثها وكأنها تسبر أغوار روحه، ثم احتضنته برفق من الخلف.

 

جسدها كان صغيرًا، خفيفًا. توقف سوبارو عن التنفس وتجمد في مكانه. لم يكن السبب العناق نفسه، بل الكلمات التي تفوهت بها. تحدثت وكأنها تعرف كل شيء، وكلماتها أصابت كبد الحقيقة.

 

 

«كيف نعرف؟ طبعًا نحن نعرف. في النهاية، لا يوجد أحد يفهمك كما نفعل نحن، أيها السيد.»

 

«— لا تلمسيني!»

 

«آه…»

 

أبعد سوبارو لويس عنه بخشونة وأخذ يلهث وهو يبتعد.

 

ما الذي يحدث هنا بحق؟ هل نساء هذا العالم لا يعرفن معنى التردد في لمس الآخرين؟ الجميع يتقربون أكثر مما ينبغي… يتصرفون وكأنهم أصدقاء مقربون.

 

أم أنني… أخشى أن أسلم قلبي لهذا الدفء؟

 

«ما أنتِ بحق؟ وماذا تحاولين قوله؟!»

 

«كل ما أردناه هو أن نشعرك بالراحة، أيها السيد. لا بأس، لا بأس… لقد تمكنت أخيرًا من التصالح مع مشاعرك تجاه والديك. ربما كان ذلك من طرف واحد، لكنك شعرت وكأنك واجهت الأمر. وكأن الحمل قد زال عن كاهلك. على الأقل، ظاهريًا.»

 

كانت تبتسم بسخرية طوال الوقت، ثم أخذت تحفر بأظافرها في ذراعها اليسرى، تخدشها بجنون، وكأنها تحاول تمزيق جلدها. عبس سوبارو، لكن لويس أخرجت لسانها الطويل ذي اللون الأحمر الغريب وقالت:

 

«من الخارج، يبدو كل شيء على ما يرام. لا أحد يستطيع أن يلاحظ أنك لا تشعر بشيء هنا، في قلبك. أنت بارع في هذا، أيها السيد… ولهذا، هذا ما يجعلك مثيرًا للشفقة.»

 

تشنج وجه سوبارو، وكلماتها اخترقت صدره مباشرة. صرخت غريزته، تخبره بألا ينجرف في حديثها أكثر.

 

«لا أفهم ماذا تحاولين قوله، لكن ما أعرفه أنكِ ستؤذين نفسك إن واصلتِ هذا؛ لذا توقفي. ثم إن الحديث أشبه بمباراة كرة، لا ترمِ كرات سريعة من الدوري المحترف، تمهلي قليلًا.»

 

«كلانا؟»

 

«نعم، كلانا. على سبيل المثال… لنعد إلى موضوع الأسقف مجددًا.»

 

لم يشأ أن يدعها تسيطر على مجرى الحديث أكثر، فعاد خطوة إلى الوراء.

 

الأسقف، والشراهة… هذان المصطلحان أيقظا شيئًا ما في ذاكرته.

 

«إذا كنتِ تمثلين الشراهة، فهذا يعني أن هناك ستة آخرين مثلكِ، أليس كذلك؟»

 

«إن كنا نعد الأخ العزيز والأخ الحبيب، فسيكون العدد ستة بالفعل، ربما؟ آه، لكن مؤخرًا انخفض العدد اثنين؛ لذا قد يكون أربعة فقط. أما الاثنان الآخران… فليذهبا إلى الجحيم.»

 

«… لا تبدو علاقة زمالة متينة بينكم.»

 

«أليس الأمر بديهيًا؟ صحيح أننا نحمل لقب الأساقفة، لكننا في النهاية لسنا سوى مجموعة من المنبوذين. الألقاب مختلفة، لكننا في الأساس لا نختلف عن الساحرة.»

 

جثت لويس أرضًا، مدفونة وسط شعرها الذهبي المتدفق. جلس سوبارو القرفصاء أمامها بحذر، متجنبًا أن يطأ أي خصلاته الطويلة.

 

«الساحرة؟ أنتم مع الساحرة التي من المفترض ان تكون مخيفة جدًا؟»

 

«ساحرة الحسد أسوأ منا بكثير؛ لذا لا نحب أن يتم وضعنا في نفس الخانة معها. الأمر نفسه ينطبق على الآخرين. الساحرة والأساقفة، مجرد مسميات مختلفة لشيء واحد. منبوذون تماشت أرواحهم مع عناصر الساحرة، يُطلق عليهم أسماء مختلفة باختلاف الأزمنة والأماكن.»

 

«……»

 

«حسنًا، يبدو أنكَ قد نسيت أمر الساحرة والأساقفة، بل وحتى نحن. لذلك، ربما لم يعد يهمك. لكننا نفهم، نحن ندرك، نحن نعي تمامًا…»

 

«كفى هراءً.»

 

«آه…»

 

قطع سوبارو طوفان كلماتها بوضع يده على ذقنه.

 

بأية حال، بدى ما يسمعه الآن في غاية الأهمية، لكنه لم يقدر على استيعابه كليًا. المشكلة أن هذا الوضع كله لم يكن منطقيًا. فراغ أبيض ممتد بلا نهاية، وفتاة تقف فيه… كان الشعور الذي يغمره الآن أشبه بديجافو قوي.

 

«هل أنتِ… نوع من المسؤولين أو شيء من هذا القبيل؟»

 

«مسئول… آه؟ هذا؟ هل تقصد مثل قصص الانتقال إلى عالم آخر؟ لا نرى أن ذلك منطقي كثيرًا، لكننا لا علاقة لنا بهذا الأمر. رغم أن هذا المكان قد يجعلكَ تشعر بشيء غريب.»

 

ضحكت بسخرية وهي تدور في مكانها، جالسة على وسادة من شعرها الذهبي، ثم أشارت إلى الفراغ الأبيض الذي يحيط بهما.

 

«كما ترى، هذا مكان يختفي فيه كــل شيء؛ لذلك هو فارغ تمامًا. ولأن هناك شخصًا واحدًا فقط هنا، فقد يبدو الأمر وكأنه مسكن حارس عالم.»

 

«مهد أود لاغنا، أليس كذلك؟ كما هو الحال مع ممرات الذاكرة، هذا اسم آخر لا أستطيع فهمه.»

 

«مــم-ممم-هممم… صحيح، ببساطة، هذا المكان هو حيث يتم تصفية الأرواح.»

 

«تصفية… الأرواح؟»

 

كان هذا تعبيرًا لم يسمع به من قبل، فارتسمت علامة استفهام فوق رأسه. لم يسبق لأحد أن استخدم فعل تصفية عند الحديث عن الأرواح.

 

لكن لويس ابتسمت بسعادة، ثم ضمت ركبتيها إلى صدرها وقالت:

 

«أجل، تمامًا. عندما تستخدم قطعة قماش، تقوم بغسلها وتجفيفها قبل أن تعيد استخدامها، صحيح؟ الأمر نفسه ينطبق على الأرواح… يتم تنظيفها من الأدران، ثم تُعاد إلى دورة الحياة من جديد، بعد أن تصبح ناصعة.»

 

«وهذه الأوساخ العالقة بهم… هل يُفترض بها أن تكون ذكريات وتجارب أو ما شابه؟»

 

«إن كان ذلك سيجعل الأمر أسهل عليك للفهم، فليكن. سمِّها ما شئت.»

 

التوى فم لويس، وأخرجت لسانها في استهزاء.

 

دار سوبارو برأسه، ناظرًا من حوله، فلم يجد إلا الفراغ الأبيض ذاته— لا شيء جديد في ممرات الذكريات، ولا أثر واضح لما تتحدث عنه لويس في هذا الفراغ اللامتناهي.

 

«ليس أمرًا بهذه البساطة.»

 

«يبدو أن هذا الكيان المسمى أود لاغنا شيء بالغ الخطورة.»

 

«ليس كما تتصور. لا يحمل أفكارًا خاصة أو دوافع. إنه مجرد آلية… آلية للحفاظ على العالم من الانهيار.»

 

«آلية…؟»

 

«عوامل الساحرات، البركات، قديس السيف، الساحرة— لا شيء من ذلك يعني له شيئًا. إن كان فيه ما يمكن اعتباره ميزة، فهي أنه لا يهتم أبدًا. كل شيء متساوٍ، عادل، ومحايد.»

 

أغمضت لويس عينيها نصف إغماضة بملل، ثم دسَّت وجهها بين ركبتيها. حدَّق سوبارو بطرف عينه في ملامحها المشوهة بانعكاس بياض ركبتيها، وزفر بهدوء.

 

لم تكن تتكلم بمراوغة حتى الآن. والأرجح أنها لم تكذب عليه حقًا. وهذا تحديدًا ما جعله يتنهَّد.

 

استنشق، ثم زفر، ثم استنشق مجددًا، وأخيرًا نظر إليها وسأل:

 

«—هل أنتِ مَن سرقت ذكرياتي قبل اليوم؟»

 

«أجل.»

 

كان رد المجرم مخيبًا بقدر ما كان سهلًا.

 

《٢》

 

«……»

 

أغمض سوبارو عينيه عند سماعه الإجابة بهذه البساطة. لم يكن يتوقع منها أن تنكر ذلك. حتى مع هذا الحوار القصير، شعر بأنها ليست من النوع الذي يلف ويدور حول الأمور.

 

عرفت لويس الكثير. تعرف أكثر مما ينبغي عن أعماق مشاعره. لويس آرنب كانت على دراية تامة ب«ناتسكي سوبارو»، ذلك الشخص الذي لم يعد حتى سوبارو نفسه يعرفه.

 

وهذا لا يعني إلا شيئًا واحدًا—

 

«—إذًا، كنتُ هنا بالفعل من قبل.»

 

«لأكون أكثر دقة، وصلت إلى هنا عبر مسار مختلف قليلًا. لكن الهدف كان ذاته، والنتيجة اختلفت بعض الشيء فحسب. لكن هذا رائع… مذهل… كم مرة استغرقتَ للوصول إلى هنا؟»

 

«……»

 

«هيا، أجب، أيها السيد. نحن أجبناك، أليس كذلك؟ كم مرة مرَّت منذ أن افترسناك، أيها السيد؟»

 

ارتجف جسد سوبارو بردًا، وهو يحدِّق في عينيها، ويستوعب سؤالها… لا أحد قد يطرح مثل هذا السؤال إلا إذا علم بأمر قدرته على العودة من الموت.

 

لا… بل من البديهي أن تعرف.

 

إن كانت قد سرقت ذكرياته الأصلية ولديها حرية تفحصها، فسيكون من الغريب ألا تعرف.

 

هذه القدرة ليست شيئًا اكتسبه بعد فقدانه لذاكرته، بل كانت قدرة امتلكها «ناتسكي سوبارو» قبل أن يفقد ذكرياته.

 

أنا متأكد من أنه استخدمها لتجاوز أوقات عصيبة لا تحصى. ولهذا تثق به إميليا وبياتريس والآخرون كثيرًا. تلك الثقة كلها دليلٌ على الغش.

 

لم يكن سوبارو ليدعو ذلك تحايُلًا. سواء كانت موهبة غير عادلة أم لا، لم يرى ضرورة للتردد حين تكون الحياة على المحك. لقد كان قرار«ناتسكي سوبارو» باستخدام هذه القدرة صائبًا بلا شك.

 

كان يعترف بقيمتها، ويمسك بزمام قوة العودة بالموت.

 

لكن، إلى جانب هذا التصميم، وعلى الوجه الآخر من العملة، كان هناك شعورٌ مزعج يتسلل إلى أعماقه. قلقٌ ظلَّ راسخًا في قلبه، وتوغَّل بعمقٍ أشد.

 

ولقد لمسته لويس آرنب.

 

«—هل يقلقك أن أحدًا آخر قد علم بذلك؟ حسنًا، فات الأوان بالفعل، أيها السيد. فمنذ أن التقينا بك البارحة، أليس كذلك؟»

 

«……»

 

«إن كان القانون يقول إنه لا ينبغي لأحد أن يعلم، فقد خرقتَه بالفعل. لكن ما يحدث في ممرات الذكريات لا يمكنه بسهولة الإفلات إلى العالم الخارجي. لذا، الساحرة المخيفة المخيفة لن تفعل شيئًا.»

 

لويس لا تزال جاثية على يديها وركبتيها، اقتربت من سوبارو، مبتسمةً ابتسامة ساحرة لا تتناسب مع مظهرها الطفولي، ولسانها الأحمر يلعق شفتيها ببطء.

 

«إذًا، أيها السيد، كم مرة كانت؟»

 

شعر بأن صوتها وكأنه لسانٌ يلعق مباشرةً دماغه، مما سبب له صداعًا خفيفًا أشبه بوخزة تخدير.

 

وبحركة بالكاد ملحوظة، حرَّك شفتيه ليجيب أخيرًا.

 

«… الخامسة.»

 

«—! مذهل، واو، رائع، أليس كذلك؟ إنه أمرٌ مذهل حقًا؛ لأننا نرغب في ذلك… نلتهمه كله! الشراهة!»

 

«آه…!»

 

«نريد أن نتذوقك حتى نمتلئ حدَّ الانفجار! فمن خلال تجربتنا، نعلم أن الشهية والشهوة متشابهان. وهذا بدوره يشبه الحب، أليس كذلك؟ لذا نحن—»

 

دفعت لويس سوبارو أرضًا، وجثمت فوقه، وجهها محمرٌ من الحماسة، وعيناها تلمعان بنشوةٍ مفرطة. أخذت نفسًا عميقًا لاهثًا، ثم مررت لسانها على عنقه بلا تردد.

 

في تلك اللحظة، استطاع أن يتخيل الكلمات التي كانت على وشك قولها—

 

«—أحبك.»

 

كانت تلك هي الكلمات التي همستها له مرارًا وتكرارًا في الحلقة السابقة، حين تمنى الموت وسط يأسٍ لا نهاية له. وفي تلك اللحظة، انفجر قلبه غيظًا.

 

«—لا… تلمسيني، أيتها المتصنعة الرخيصة!»

 

«—آه.»

 

اتسعت عينا سوبارو، وأمسك بعنقها ودفعها بعنف إلى الأرض.

 

تبدّل الوضع بينهما، فأصبح هو مَن يعلوها الآن.

 

كان جسدها نحيلًا وخفيفًا. شعرها الأشقر المبعثر على الأرض بدا كأنه فراشٌ من الذهب يحيط بها، بينما كانت يداه تطوقان عنقها، وأسنانه تكاد تزمجر.

 

«هل خفضتِ حذرك؟ لسوء حظك، لقد أصبحتُ أنا المسيطر الآن! إن كنتِ لا تريدين أن أطبق على عنقك، فأعيدي لي ذكرياتي—!»

 

«إعادتها؟ وإن لم نفعل، ستخنقنا؟ نحن؟ فتاة صغيرة رقيقة؟»

 

حتى مع يده القابضة على رقبتها، لم تفقد عينيها بريق الإثارة. حدقت فيه بشفتين متراخيتين، بينما كان يلهث بأنفٍ متقدٍ بالغضب.

 

ثم، وهي تبتسم بسحرٍ مريب، همست في أذنه بنبرةٍ مسحورة:

 

«هل يمكنك حقًا فعلها، أيها السيد؟»

 

«—أترين أنني لا أستطيع؟»

 

«بل أعرف، لا أظن. فحاليًا، نحن نعرفك أكثر مما تعرف نفسك.»

 

وخزت لويس خديها بأصابعها، مائلةً برأسها باستفزاز. تململ سوبارو وهو يحدق بيده اليمنى القابضة على عنقها.

 

كل ما عليَّ فعله هو أن أضغط قليلًا لإثبات جديتي… فقط لأثبت جديتي، وستغير نبرتها. فكر في إميليا، بياتريس، رام، ميلي، جوليوس، إيكيدنا، شاولا، باتراش، الجميع، و—

 

«—لقد ارتخت قبضتك، أيها السيد.»

 

«……»

 

«كن مطمئنًا، لم نكن لنقاوم أبدًا. ففي هذا المكان، نحن مجرد فتاة صغيرة ضعيفة كما نبدو. على عكس إخوتنا، لا يمكننا فعل شيء دون أن نتخذ شكل من أكلناه.»

 

وخزت لويس يد سوبارو بإصبعها، فكان ذلك كافيًا ليجعل يده تنزلق عن رقبتها بكل سهولة.

 

«تبـً…ـا… غـه!»

 

«لا داعي لأن تشعر بالسوء، أيها السيد. لقد أحسنتَ الصنيع، حقًا. لم نكن نعتقد أصلًا أنك ستتمكن من العودة إلى هنا.»

 

«وهل يُعَدُّ هذا نوعًا من العزاء؟»

 

كانت لويس لا تزال ممددة في موضعها، حيث أسقطها، غير مكترثة وكأن الخطر قد زال تمامًا. كل ما سيقوله سوبارو لن يبدو سوى تذمر خائب، بينما لويس تكتفي بإخراج لسانها والضحك.

 

«لكن أليس هذا هو الأفضل؟ لو استعدتَ ذكريات «ناتسكي سوبارو»، فستكون نهايتك حتمية. وبهذا، ينتهي الأمر دون حماقةٍ كالانتحار.»

 

«… هاه؟»

 

«أوه؟ تلك ردة فعل غريبة. ألم تدرك ذلك حقًا؟ إذا عادت تلك الذكريات، فسيتم استبدال ذاتك الحالية، وستُمحى من الوجود… أليس ذلك شبيهًا بالموت؟»

 

تجمَّد سوبارو عند سماع هذا التصريح الغامض، الواضح في الوقت ذاته.

 

الموت. الاختفاء. أن يُقال له ذلك بهذه المباشرة…

 

أن يخبره أحدهم بأن عودة ذكريات «ناتسكي سوبارو» ستعني طمس وعيه الحالي تمامًا.

 

لو سألتُ نفسي إن كان ذلك يُعَدُّ موتًا أم لا…

 

«—حاليًا، «ناتسكي سوبارو» ميت. لا وجود له في أي مكان. لكن إن عاد، فهذا يعني أن نهايتك قد حانت، أيها السيد. لن يكون لك وجود في أي مكان.»

 

«……»

 

«هل هناك قيمةٌ كبيرةٌ لاستعادة «ناتسكي سوبارو»؟ ألست قادرًا على فعل الأشياء ذاتها، أيها السيد؟ أنت تحب الأشخاص من حولك تمامًا كما فعل، أليس كذلك؟ وهم أيضًا يحبونك الآن كما أحبوه. فما الخطأ في ذلك؟»

 

«ما هو…؟»

 

ما الخطأ في ذلك؟ عند طرح المسألة بهذه الطريقة، لم يكن هناك أي خطأ في الأمر.

 

ذاك «ناتسكي سوبارو»، وهذا ناتسكي سوبارو. لم يكن أيٌّ منهما سيئًا.

 

سوبارو شخص مليء بالعيوب. مليء بها حد الاشمئزاز. كفيل بأن يجعله يكره ذاته. ولو سُئل عن أكثر شخص يكرهه في العالم، فلن يتردد في الإجابة: نفسه.

 

هكذا كان ناتسكي سوبارو، بائسًا… ناقصًا…

 

لكن في هذه المسألة بالذات، لم يكن قد ارتكب أي خطأ. إن كان هناك خطأٌ ما، فهو أن هذه اللعبة القاسية لا تسمح سوى بفائز واحد.

 

«إميليا-تشان والبقية… كنتُ أرغب في…»

 

…إعادة «ناتسكي سوبارو» إليهم.

 

لهذا السبب، كان عازمًا على استعادة ذكرياته، دون تردد، إن أُتيحت له الفرصة. لكنه غض الطرف عن حقيقة أنه سيختفي تمامًا. كان يأمل في معجزةٍ ما، في أن تندمج ذكرياتهما بطريقةٍ ملائمة. أن يظل سوبارو موجودًا، ولو بشكلٍ ما، داخل «ناتسكي سوبارو».

 

كان ذلك أمله المبهم، لكن…

 

«من الصعب الجزم بما سيحدث. لم يسبق لنا أن رأينا أحدًا يستعيد ذكرياته؛ لذا لا نعلم.»

 

لويس ابتسمت ابتسامةً تشبه نظرات القط وهو يلهو بفأرٍ ضعيف، متلذذةً باضطرابه الداخلي الواضح.

 

السارقة التي انتزعت تلك الذكريات ادعت، بكل وقاحة، أنها لا تعرف ما سيحدث بعد ذلك. وكان ذلك، على الأرجح، صحيحًا.

 

لويس آرنب لم تكن ممَن يُعيدون ما سرقوه إلى أصحابه. لذا، لم تعلم ما الذي سيحل «ناتسكي سوبارو» إذا استعاد ذكرياته.

 

«لقد أُعطيتَ حياةً جديدة، أيها السيد. سيكون من المؤسف ألا تستمتع بها.»

 

واصلت تلك السارقة اللامبالية حديثها، متأملةً وجه سوبارو من مسافةٍ قريبة.

 

«بما أننا التهمنا ذكريات «ناتسكي سوبارو»، فأنت موجود الآن. هذا يجعلنا أشبه بأمك، أليس كذلك؟ أن تختار موتك أمام والدتك مباشرة؟ أليس ذلك نوعًا من العقوق، أيها السيد؟»

 

«هراء…»

 

«—الذكريات هي ما يصنع الإنسان، أيها السيد.»

 

لم يكن على وجه لويس أي تعبير. صوتها كان منخفضًا، باردًا. وحدها تلك العبارة نُطقت بجدية.

 

كتم سوبارو أنفاسه عند تلك الكلمات الحادة غير المتوقعة، والتزم الصمت. في الوقت ذاته، شعر أن هذه الجملة مألوفة… رنينها، صياغتها… سبق أن سمعها، قبل موته في الحلقة الثانية…

 

«لدى ذاتك الحالية علاقات صنعتها بذاتك الحالية. لمَ لا تحاول مرة أخرى؟ عش حياتك بإيجابية. هذا خيار آخر، إن سألتنا.»

 

«……»

 

«أيضًا، ربما لا يجدر بنا قول هذا، لكن… «ناتسكي سوبارو» لا يبدو شخصًا عظيمًا.»

 

أغلقت إحدى عينيها وكأنها تنطق بحقيقةٍ صعبة، مستمتعةً بضرب مشاعر سوبارو.

 

لا تزال ممددةً على الأرض تحته، شبكت يديها أمام صدرها، ثم نظرت إليه بعينيها الحالكتين بنظرة حالمة، كأنها فتاة عاشقة…

 

«آه، إميليا المسكينة! وُلدت تماما كالساحرة القديمة، فتاةٌ بائسةٌ منبوذةٌ من الجميع! آه، كم أنا طيب؛ لأنني أختار البقاء معها!»

 

«ماذا…؟»

 

«بياتريس الضعيفة الهشة! تعيش وحيدة بلا أحد تعتمد عليه، فتاةٌ وحيدةٌ حقًا! لا بد أن أمسك بيدها، وأقودها عبر هذا الطريق المظلم والخطِر!»

 

لدهشة سوبارو، ذكرت أسماء الفتيات اللواتي صلين لأجله، وراقبن رحيله… ثم بدأت في ترديد أفكارٍ ملتويةٍ على نحوٍ مرعب.

 

كان واضحًا مَن قصدت لويس بكلامها، لكنه…

 

«ريم، تلك التي تفانت حتى النهاية، تمنح حبًّا غير مشروط! يا لها من فتاةٍ حمقاء، جميلة ونقية! طفلة ناقصة لا تشعر بوجودها إلا عندما تكرس نفسها لشخصٍ آخر. ولهذا، كان لا بد أن أرشدها!»

 

«ما الذي… ما الذي تحاولين قوله؟!»

 

«مجرد مشاركةٍ لما فكر به «ناتسكي سوبارو». ما أراده ليس سوى شعورٍ بالتفوق. لم يفكر في أي أحدٍ آخر. كان ثملًا بلذة وجود أشخاصٍ مفيدين يتسابقون لخدمته. أما الجراء التي ترفض الاقتراب، فلا طعام لها. ولهذا، تم إبعادهم.»

 

«……»

 

«هل تريد حقًا أن تُضحي بنفسك من أجل «ناتسكي سوبارو»؟»

 

مرةً أخرى، وجهت لويس سؤالها، مطالبةً ناتسكي سوبارو بالإجابة.

 

كانت… الشراهة نفسها… تطلب منه اعترافًا.

 

أرادت أن تسمع ما يشعر به حقًا: هل يريد الموت أم لا؟ وإن أراد، فهل سيموت حقًا من أجل شخصٍ كهذا؟

 

—هل سيختار ناتسكي سوبارو الموت لأجل «ناتسكي سوبارو» آخر؟

 

«إذًا ماذا تريد، أيها السيد؟»

 

«……!»

 

يد لويس النحيلة أمسكت بمعصم سوبارو، ووضعت يده على عنقها. حتى أنها قادت أصابعه ليحيط بها. ليس عليه سوى أن يضغط، وستتحطم رقبتها الهشة بكل سهولة…

 

 

 

لقد انتهت لتوها إلى استنتاج أنه لن يتمكن من فعلها. لكن ذلك سيكون بمثابة قتل «ناتسكي سوبارو». على الأقل، هذا ما كانت تقوله.

 

«إذًا.»

 

«……»

 

«حسنًا؟ ماذا ستفعل؟ أي خيار ستختار؟ ما الذي تريده؟ كيف تريده؟ ماذا يمكنك أن تفعل؟ ماذا سيحدث بعد ذلك؟ ما المسموح به؟ لا تقلق، سنغفر لك أيًا كان اختيارك.»

 

اخترق صوت لويس أذنيه بلهجة ساخرة مستهزئة، أشبه بلعنة.

 

لويس آرنب، أسقف الشراهة، تلك الفتاة النحيلة، الكائن البغيض، الكيان الذي أنجبه، طرح السؤال على ناتسكي سوبارو الواقف أمامها.

 

—ماذا سيفعل بشأن «ناتسكي سوبارو»؟

 

«إذًا…»

 

إذًا.

 

«ما الذي تريده، أيها السيد؟»

 

《٣》

 

—الخيار القاسي، القاسي للغاية، نهش في روح ناتسكي.

 

شعر بشيء في قلبه يحترق حتى التفحم.

 

إنسانيته، ثقته بنفسه، مشاعره تجاه «ناتسكي سوبارو» كشخص منفصل… شيء ما حُرق ببطء.

 

ويده موضوعة على عنق الفتاة التي دفعها أرضًا، وهي تبتسم له بابتسامة ساخرة، وُضِع ناتسكي سوبارو عند مفترق طرق. مصيره ومصير «ناتسكي سوبارو» كانا معلقين في الميزان.

 

«..….»

 

لا أسمع نبض قلبي. أنفاسي متقطعة، لكن رئتي لا تعملان. رغم أنه كان في وضعٍ يائس، لم يكن هناك عرق يتصبب من جبينه.

 

لا بد أن ذلك لأن وجوده المادي في هذا المكان ليس حقيقيًا.

 

لقد انتقل جسدي حين قرأتُ الكتاب؛ لم تُسحب سوى روحي… لكن كل هذا مجرد محاولة للتهرب من الواقع الذي أمامي، أليس كذلك؟

 

حاول قلب سوبارو أن يجد سلامًا عابرًا عبر الهروب بأفكاره إلى البعيد. لكن الزمن، والمكان، والفتاة أمامه، لم يسمحوا له بذلك.

 

«إذًا، ماذا ستفعل، أيها السيد؟»

 

الفتاة التي ثبتها أرضًا رفعت رأسها تنظر إلى سوبارو المتجمد في تردده. حدقت في عينيه السوداوين بابتسامة سادية، ولسانها يتحرك ذهابًا وإيابًا، وكأنها على وشك أن تلعق شفتيها.

 

«ها أنت ذا، تُثبت فتاة رقيقة على الأرض، ويدك تحيط بعنقها الهش. ألا يجعلك هذا تشعر بالإثارة؟ أم أن أمثالك لديهم خبرة طويلة في مثل هذه الأمور؟»

 

«…!»

 

«إنك ترتجف. كم هو مشهدٌ رائع. هل سيمكنك ذلك من اتخاذ قرارك المصيري؟»

 

مالت برأسها قليلًا، ثم وضعت لويس قبلة على معصم سوبارو.

 

ذلك الفعل المقزز، النظرة المفعمة بالغواية، الكلمات القاسية…

 

كل ذلك أعاد إلى ذهنه مشهدًا مأساويًا كان قد اختبره سابقًا.

 

—لكن في تلك المرة، كان المنظور مختلفًا. في ذلك المشهد، لم يكن يرى من زاوية عينيه، بل رآه من منظور الفتاة أمامه.

 

مشهد سوبارو وهو يدفعه أرضًا. وهو يخنقه، بوجه يقطر قسوة ووحشية.

 

«ناتسكي سوبارو»… كان قد خنق ميلي…

 

«أغه…»

 

—بمجرد أن أدرك مدى التشابه بين الموقفين، تصلب جسده، تجمد وجهه، وكل شيء داخله انعقد.

 

«—أوه، إذًا فأنت تتذكر شيئًا كهذا.»

 

«لا! لا…!»

 

«نحن لا نمزح. إن كان هناك شخص غير جاد في هذا، فهو أنت. يجب أن تحب نفسك بجدية، وبإخلاص.»

 

«……»

 

«أجل، هذا صحيح. أحبب نفسك. هيا، افعلها. كما يريد منك مَن تحبهم تمامًا. يجب أن تحب نفسك.»

 

سيلٌ من الكلمات الفارغة بصوت خالٍ من الصدق.

 

هل كانت تحاول أن تجعله يفهم شيئًا؟ أم أنها ببساطة لم تكن قادرة على التعاطف مع البشر؟

 

هل كانت مزيفة؟ أم أن هذه كان طبيعتها الحقيقية؟

 

هل تسخر منه؟ أم أنها تواسيه؟

 

كل شيء كان غامضًا… كل شيء عن لويس آرنب كان غامضًا.

 

«أنتِ… إن كنتِ على حق، إن كان ما تقولينه صحيحًا… فأعطيني دليلًا.»

 

«دليل؟»

 

«دليل على أنني سأختفي إن أعدتُ «ناتسكي سوبارو» …!»

 

«لا يوجد. لا شيء. صفر. فراغ. عدم. لا شيء إطلاقًا… هل يجعلك ذلك تشعر بتحسن؟»

 

«..….»

 

«أنت تدور في دوائر، أيها السيد. لا يمكننا الحديث عن أشياء لا نعرفها. نحن لا نعرف ما إذا كان إخوتنا سيموتون إن عاد ما أكلوه إلى أصحابه. وبصراحة، نحن لم نُعد شيئًا أكلناه من قبل، لذا لا نعلم. لقد أكلناه، بعد كل شيء.»

 

فتحت لويس فمها على اتساعه، كاشفة عن لسانها الأحمر وأناملها الحادة، تاركة سوبارو يرى عمق حنجرتها، وكأنها تقول: ”انظر، لا يوجد شيء هنا.“

 

لسانها الأحمر يرقص بينما تشير إلى التهام ذكريات البشر ونهبها على أنها ”أكل“.

 

«إذًا، ماذا ستفعل، أيها السيد؟»

 

«غه… نغه…»

 

الموت كان مخيفًا. كان مرعبًا.

 

لكن هذا الرعب كان مختلفًا عن ذلك الذي اختبره في المرات الأربع السابقة حين مات وعاد للحياة.

 

ما أثقل روحه الآن لم يكن الموت بحد ذاته، بل فقدان الذات.

 

وجوده كان معلقًا في الميزان.

 

هكذا ينبغي أن تكون النهاية، فالموت في أصله فقدان تام للوعي، بلا فرص ثانية. لذا، ربما ليس من حق سوبارو الاعتراض بعدما اعتاد على الحل السهل الذي مكّنَه من إصلاح أخطائه. ربما كانت رفاهية مطلقة أن يكون له الخيار في تقرير ما إذا كان سيختفي أم لا.

 

ولكنها كانت حياته.

 

وإذ وُضع في موقف يجبره على اختيار ما إذا كان عليه أن يطفئ شعلته بيده، شعر بتصدع قلبه مع كل ثانية تمر.

 

«……»

 

لقد مات سوبارو بالفعل أربع مرات منذ أن وطأت قدماه هذا العالم. كلها كانت سريعة.

 

قُذف في عالم غريب، محاطًا بأناس مجهولين، ولم يلبث أن وجد الموت يتربص به في أشكال يستحيل الفكاك منها.

 

وإذا جمع المرء كل اللحظات التي كان فيها واعيًا، فالمحصلة أقل من يومين كاملين. وقت قصير، ضئيل. لكن إلى جانب هذين اليومين، كانت هناك سبعة عشر عامًا قضاها في عالمه الأصلي.

 

لم تكن تلك الأعوام سهلة. لقد كان سوبارو فاشلًا في الحياة.

 

ومع ذلك، رغم كل الإخفاقات، رغم التجارب المتعثرة، رغم أن حياته لم تكن يومًا على المحك، إلا أنه في اللحظات الحاسمة، بذل قصارى جهده لمواجهة الأمور بطريقته الخاصة.

 

حتى لو عاد «ناتسكي سوبارو»، فإن كل ما حدث لن يتغير. لكن سوبارو، الذي حمل هذه الذكريات، سيُمحى.

 

أنا الذي قطع الوعد مع رام، الذي أقسم على حماية ميلي، الذي خزن مسامحة إيكيدنا في قلبه، الذي دفع جوليوس إلى القتال، الذي يرى بياتريس رائعة الجمال، الذي… الذي وقع في حب إميليا… هذا الشخص سيختفي.

 

«لا أريد ذلك…»

 

في تلك اللحظة، شعر سوبارو وكأن كيانه يتشقق.

 

كان جسده هناك مجرد انعكاس لمشاعره. وحينما انهارت مشاعره، انهار معها الجسد الذي تشبث به.

 

تشققات امتدت عبر ذراعيه وساقيه، وسقط خده على الأرض.

 

لم يكن ذلك سوى القشرة الزائفة التي تظاهر بارتدائها ك«ناتسكي سوبارو».

 

ومع سقوطها، تلاشت القوة الزائفة التي تحصن بها.

 

«لا، لا، لا…»

 

«بالطبع لا. هذا أمر طبيعي.»

 

هزَ رأسه كطفل صغير، رافضًا مواجهة رعب الموت، رعب الفقدان الذي يترصده.

 

لماذا يجب أن أفقد كل هذا؟ لماذا الآن، عندما أدركت أنني أحبها؟

 

«لا أريد…»

 

«هممم. نحن نفهم. نحن نعرف.»

 

«لا أريده…»

 

«إنها حياتك، في النهاية. لماذا عليك أن تمنحها لشخص آخر؟»

 

«الجميع… جميعهم… أريد…»

 

أريد أن أبقى معهم أكثر.

 

لقد كانوا مهمين بالنسبة له. رغم أن الوقت لم يتجاوز يومين، رغم أنه اشتبه فيهم مرارًا، رغم أنه حاول قتلهم، رغم أنه حاول الهروب، رغم أنه ترك جنونه يسيطر عليه…

 

إلا أن سوبارو كان يهتم بهم. كانوا ثمينين في نظره.

 

إذا ظل بقربهم، إذا بادلوه المشاعر نفسها، فقد يتمكن يومًا من أن يتقبل ذاته، من أن يتعلم كيف يحب نفسه. كان قد بدأ يستشعر بعض الأمل.

 

لقد أمضى حياته غارقًا في السلبية، لكنه أخيرًا وجد بصيص ضوء.

 

فلماذا عليه أن يتخلى عنه بيديه؟

 

هذا…

 

«—لا أريد…»

 

«بالضبط. هذا هو الطبيعي. إذًا، ماذا تظن أنك يجب أن تفعل؟»

 

«… أن أبقى أنا.»

 

«نعم. كن على طبيعتك فحسب، أيها السيد. هذا صحيح. لقد حصلت على هذه الفرصة لنفسك. إنها لعبة الكراسي الموسيقية. من يجلس على الكرسي الفارغ هو الفائز.»

 

«……»

 

«ومن يُدفع خارجه، يرحل. اعترف بذلك. تقبل وجودك. اصرخ للعالم كله بأنك أنت الحقيقي! أليس كذلك؟!»

 

كانت على بعد أنفاس منه، قريبة بما يكفي ليشعر بزفيرها على بشرته، وعيناها متسعتان تشعان وهجًا جنونيًا.

 

بدا للحظة وكأنها ستغرس أنيابها في لحمه— لا، لقد فعلت ذلك بالفعل. عضت معصمه، مرسلةً له رسالة بألم حي نابض.

 

نظرت إليه، تحدق في عينيه السوداوين المرتجفتين، وصرخت بصوت جارف:

 

«أثبت وجودك!— «ناتسكي سوبارو» مجرد شخص آخر، مجرد غريب هو الأكثر ألفة بالنسبة لك!»

 

زأرت بصوتها، مطالبةً إياه بأن يتمسك بوجوده، بأن يرفض ارتكاب مثل هذه الحماقة.

 

لماذا عليه أن يضحي بنفسه لأجل شخص آخر؟

 

—لأجل شخص ليس هو، لشخص آخر يحمل اسمه.

 

أن يتخلى عن فرصة لقاء من يحبهم، ليمنحها لشخص آخر.

 

أن يتنازل عن الأيام التي عاشها معهم، عن تلك اللحظات الثمينة التي لا تُعوَّض.

 

مَن قد يفعل مثل هذه الحماقة؟

 

«إذًا اقتله! اقتله! اقتله! فقط اقتله! إذا قتلته! إذا قمت بقتله! إذا أمته!»

 

«… «ناتسكي سوبارو».»

 

«أنت الوحيد في هذا العالم. لست بديلًا لأحد.»

 

«—!»

 

أنا ناتسكي سوبارو الوحيد في هذا العالم، لست بديلًا عن أي أحد.

 

عليَّ أن أستحق الحق في إمساك يد بياتريس، وفي تبادل السخرية مع رام، وفي إغضاب ميلي، وفي الذهول أمام صراحة شاولا، وفي الحديث العابر مع إيكيدنا، وفي الوقوف جنبًا إلى جنب مع جوليوس، وفي الشعور بحب باتراش غير المشروط، وفي أن أكون مع إميليا.

 

إذا كان «ناتسكي سوبارو» قد امتلك كل ذلك، فحينها سوبارو…

 

«……»

 

تَغَشَّت رؤيته بضباب من الدموع.

 

أثر ذهنه مباشرةً على جسده، نبضات قلبه، ألمه في رئتيه… كل ذلك كان حاضرًا بوضوح الآن.

 

لكن ما شعر به أكثر من أي شيء آخر كان الدموع التي لم يستطع كبحها.

 

أكانت غضبًا أم حزنًا، غيرةً أم حسدًا، شعورًا بالذنب أم خوفًا؟

 

لم يعرف سوبارو أي المشاعر هذه اعتَملت داخله. لم يعرف شيئًا. لكن وسط غشاوة دموعه، رأى ذلك المشهد.

 

«……»

 

شخص ما كان ينظر إلى سوبارو، إلى لويس.

 

كانت لويس ممددة على الأرض، تنظر إلى سوبارو البائس، الغارق في دموعه، والذي ما زالت يده ملتفة حول عنقها.

 

ليس هناك سوى شخص واحد فقط يمكن أن يكون في هذا المكان.

 

«خِفتَ… وقررتَ أن تظهر أخيرًا، «ناتسكي سوبارو»؟»

 

«……»

 

لم يتفوه ذلك الظل المبهم بأي كلمة.

 

اكتفى بالنظر إلى سوبارو.

 

ظلٌّ أبيض باهت، يقف فوق أرض بيضاء، وخلفه عالم أبيض.

 

وجه سوبارو المبتل بالدموع تشوَّه بحقيقة الكلمات التي خرجت منه دون تردد.

 

«أنا… لا أريد أن أختفي. لا أريد أن أموت. لذا أنا…»

 

«……»

 

«أريد أن أبقى مع الجميع. أحبهم جميعًا. لذا أنا…»

 

«……»

 

«لذا أنا…»

 

واصل ترديد الكلمات، محاولًا أن يبرر لنفسه.

 

تمامًا كما حين وضع يده على عنق لويس. كان قد وصل إلى قناعةٍ بأنه لا يريد أن يخسر نفسه. لذا، أخبر الظل الذي ظهر أمامه بهذه الحقيقة.

 

حتى لو كان ذلك يعني أن عليه قتل الشخص الواقف أمامه بوجهه ذاته.

 

لأنه… لأن «ناتسكي سوبارو» ليس هو. كان مجرد شخص آخر مألوف وقريب، لكنه ليس هو.

 

أنا أمتلك هذا الحق.

 

ناتسكي سيقتل «ناتسكي سوبارو»… ويأخذ مكانه…

 

«أنا لستَ أنت! نحن…!»

 

مختلفان.

 

هذا ما حاول أن يقوله، أن يتخلص من هذا الاحتمال.

 

لكن تمامًا قبل أن يفعل—

 

«مع مَن تتحدث، أيها السيد؟»

 

اتسعت عينا لويس، وكأنها مصدومة.

 

حدقت به وكأنه فقد عقله تمامًا، ثم أمالت رأسها ونظرت في نفس الاتجاه الذي حدق فيه سوبارو، محاولةً أن ترى ما يراه. لكن ملامحها انعقدت في حيرة، ثم تحركت أنيابها الحادة بقلق.

 

«لا يوجد أحد هناك، فمع مَن تتحدث، أيها السيد؟»

 

«……»

 

بَدَت لويس وكأنها لا تصدق ما يجري. تغير تعبيرها تدريجيًا، ليبدو وكأنها تخشى شيئًا مجهولًا.

 

«هذا المكان لنا… لا ينبغي أن يكون هناك أي شيء يمكنه إزعاجنا. التحدث إلى شخص آخر هنا… توقف عن ذلك. أنت…!»

 

توسلت لويس إليه، لكن وعي سوبارو لم يتزحزح.

 

 

 

كل انتباهه كان مسلطًا على الظل الواقف هناك، الرافض أن يختفي. الملامح المرتجفة لذلك الكيان في رؤيته المموَّهة بدأت تتضح قليلًا.

 

شخص لم يتعرف عليه.

 

ومع وضوح الملامح تدريجيًا، بدا له وكأن هذا الشخص كان يبتسم.

 

هزَّ رأسه بقوة، رمش بعينيه عدة مرات، محاولًا أن يرى تلك الابتسامة بوضوح أكبر—

 

«—لماذا تحاول اختيار واحد فقط؟»

 

صوت لم يسمعه من قبل.

 

صوت شخص لا ينبغي أن يكون هنا. فتاة ذات شعر أزرق، لم يسبق له أن رآها تبتسم… وقفت هناك مبتسمة.

 

تجمد سوبارو صامتًا، فيما الفتاة، محتفظةً بابتسامتها—

 

«انهض!»

 

كانت تلك أولى كلماتها.

 

—صرخت على ناتسكي سوبارو بصوت هو الأشد حزمًا في العالم.

 

《٤》

 

«انهض!»

 

دوى الصوت في كيان ناتسكي سوبارو المحطم. تلك الكلمات انهمرت عليه كالمطرقة، تضربه بلا رحمة، تحطمه أكثر فأكثر. لم تتردد في انتزاع ما تبقى من قلبه العاري، فمزقته بلا هوادة.

 

«انهض!»

 

رفعت الفتاة ذات الشعر الأزرق صوتها في وجه سوبارو.

 

حدقت فيه بحدة، ثم صاحت مجددًا. ثم مرة تلو الأخرى. نحو ناتسكي سوبارو، الذي ظل جاثيًا على ركبتيه، مثبتًا الفتاة تحت قبضته، بينما شقت الصدمة وجهه المتصدع.

 

«انهض!»

 

الصيحة ذاتها.

 

دون رحمة، بلا تحفظ، اخترقت قلبه مرارًا وتكرارًا.

 

لماذا عليَّ أن أتحمل هذا العذاب؟

 

إنه مؤلم. إنه موجع. إنه بائس. إنه محزن. أشعر أن قلبي سيتحطم.

 

اتخاذ مثل هذا القرار القاسي… لا يحدث غالبًا أن ينهال عليك واحد تلو الآخر دون أن يُمنح لك الوقت للاستعداد. —على الأقل، لم أعد أشعر بالندم على كوني في هذا المكان المريع.

 

لقد اتخذت قراري بالفعل. أليس هذا كافيًا؟

 

«انهض!»

 

الفتاة التي أمامه رفضت تقبل شكواه، ورفضت قبوله لاستنتاجه العنيد، ورفضت قلبه المرتجف خوفًا من الفقدان، ورفضت تراجعه. رفضت كل شيء بإصرار، بقوة لا تلين.

 

لقد اتخذت قراري. يمكنكِ فقط قبوله. على الأقل تظاهري بأنكِ مترددة قليلًا. أليس هذا حقًا كافيًا؟ لقد عانيت بما فيه الكفاية، فكفي عن…

 

«انهض!»

 

حتى عندما تحطم قلبه، لم تقبل الفتاة استسلامه.

 

«انهض!»

 

ما زالت؟

 

لماذا صوتها؟ لماذا إصرارها؟ رغم أن الأمر مؤلم لهذه الدرجة…

 

«انهض…! انهض! انهض! انهض!»

 

مَن تكون؟ إنها في مكان ما من ذاكرتي.

 

لم يسبق له أن تحدث معها. لم تكن حتى في ذاكرة سوبارو الحالية. لم يعرف عنها شيئًا. سوى ملامحها. وذلك لم يكن كافيًا ليجعل يده تتوقف.

 

ومع ذلك…

 

لماذا؟ لماذا أشعر بهذا اللهيب في صدري؟ لماذا هذا الدفء الغريب يملأ قلبي؟

 

«انهض، ناتسكي سوبارو! انهض! بطلي!»

 

ارتجف قلبه حين سمع صوتها الباكي يناديه ليكون بطلًا.

 

رغم سخافة الفكرة، اهتز قلبه. تصدعت قوقعته أكثر فأكثر.

 

كان ذلك ناتسكي سوبارو… يتحرر من قشرة «ناتسكي سوبارو».

 

لكن ما خرج لم يكن سوى اختلاف طفيف عمَّا كان عليه من قبل.

 

—لا، إن كان هناك اختلاف، فسيبدأ الآن.

 

ابتلع خوفه، ونهض كما تمنى ذلك الصوت.

 

«إن كنت تستطيع النهوض، إذًا اذهب. اذهب وأنقذ كل شيء.»

 

كل شيء؟ ما المقصود بكل شيء؟

 

كان الأمر غامضًا جدًا. ماذا تعني بـ ”كل شيء“؟

 

«كل شيء هو كل شيء. كل شخص، كل روح. نفسك… وحتى ذاك الغريب الذي يبدو مألوفًا لك أكثر من أي شخص آخر!»

 

ما هذا؟

 

مَن يستطيع فعل ذلك؟ هل تظن حقًا أنني قادر؟ لا أستطيع حتى إنقاذ نفسي…

 

من أجل منَ يحبهم، من أجل مَن يحبونه، من أجل مَن أراد أن يحتفظ بهم، من أجل ذكرياته معهم التي لم يشأ أن يفقدها.

 

كنت على وشك التخلي عن شيء ما الآن. هل تعتقدين حقًا أنني أستطيع؟

 

«أنت تستطيع. لأنك…»

 

لأنني ماذا؟

 

امنحيني القوة، امنحيني إجابة. إن كنتِ تستطيعين، فأرجوكِ—

 

أخبِريني يا فتاة ذات الشعر الأزرق—

 

«—أنتَ بطلي.»

 

«……»

 

سقط شيء ما في صدره بوقع مكتوم.

 

شيء مظلم راكد، وكأنه تطهر بصوتها الذي بدا أشبه باعتراف بالحب. — لا، لم يكن أشبه باعتراف بالحب، بل كان كذلك تمامًا.

 

أصبح لديه سبب آخر يجعله لا يرغب في إعادة هذا المكان إلى «ناتسكي سوبارو».

 

«—هاه.»

 

لكن هذا لم يكن الشيء الوحيد الذي ازداد.

 

إذ تطهر ذلك الشيء المظلم الراكد بكلماتها، بدأ يتوهج ويتخذ شكلًا مختلفًا.

 

كان هناك نبض داخل ناتسكي سوبارو، في جوهره الأكثر جشعًا.

 

«……»

 

نبض… فقد كل شيء، وتُرك منبوذًا من كل شيء. ومع ذلك، أراد أن يُبقي كل شيء تحت سيطرته، ألا يدع أي شيء يفلت من بين أصابعه، ألا يتخلى حتى عن نفسه.

 

وبينما كان يتوسل لذلك، أزهرت رغبته الجبانة في الطمع لتصبح القوة التي تحقق ذلك التمني.

 

—العامل المتقلب اندمج مع كيانه.

 

«تعالَ، كور ليونيس.»

 

البذرة التي فقدت مكانها أزهرت داخل سوبارو. وحينما اتخذت شكلًا أكثر وضوحًا—

 

«……»

 

كانت ابتسامة الفتاة ذات الشعر الأزرق وحدها احتفلت بتلك اللحظة.

 

《٥》

 

«… سيد؟»

 

«……»

 

نطقت لويس وهي تراقب سوبارو وهو ينهض.

 

لم تكن يده ملتفة حول عنقها بعد الآن. جلست لا تزال في حالة من الذهول فوق سجادتها الذهبية من الشعر، وهي ترمش بعينين مشوشتين.

 

«ما…؟ هيا، واصل… لم ينتهِ بعد، صحيح؟»

 

«……»

 

«ليس…»

 

«لا داعي لأن تقولي شيئًا آخر. لقد سئمت من تبريراتك الملتوية.»

 

كم يُدهشني مدى صفاء ذهني الآن.

 

وبسبب ذلك، استطاع أن يدرك بهدوء أيضًا أن هذه الكراهية، التي تجسدت في صورة فتاة، قد لوت إرادته. حاولت أن تستخدمه كما يحلو لها.

 

«……»

 

ضيَّقت لويس عينيها. لم تكن لتعرف تفاصيل ما حدث داخل جسد سوبارو. حتى سوبارو نفسه لم يكن يفهم التفاصيل تمامًا.

 

لكن طمعًا ثابتًا استقر داخل ناتسكي سوبارو.

 

نظر سوبارو ليس إلى لويس، بل إلى ما وراءها.

 

الفتاة التي صرخت به بوحشية لم تكن هناك. لقد اختفت في اللحظة التي وقف فيها سوبارو وواجه الموقف.

 

لكن هذا يكفي على الأرجح!

 

لم يكن هذا المكان المناسب، ولم يكن هو الشخص الذي ينبغي أن يلتقي بها مجددًا.

 

لا، هذا ليس صحيحًا أيضًا. بل الشخص الذي يجب أن يلتقي به هو ناتسكي سوبارو الذي استعاد ذكرياته عنها، ومشاعره تجاهها.

 

ولا يوجد سبب للتمييز بين «ناتسكي سوبارو» وناتسكي سوبارو.

 

«رغم أنهم أخبروني… مرارًا وتكرارًا.»

 

—قالوا لي، حتى وإن فقدت ذاكرتي، لا أزال سوبارو.

 

حاجته إلى التمييز، إلى الفصل، إلى التفريق، إلى التحديد. كانت تلك عبئه، اللعنة التي قيدته.

 

لكن، وماذا في ذلك؟

 

الآن وقد استقر على ما ينبغي عليه فعله، أصبح ذلك دليله، خيط أمل. وإذا جذب ذلك الخيط، فسيقوده مباشرةً إلى حيث كان أحباؤه ينتظرونه في الطرف الآخر.

 

«ضع السكين والشوكة، أيها الطفيلي الحقير. لا طعام عندي لمَن هم أمثالك.»

 

اتسعت عينا لويس آرنب. اتسعت، ونظرت إلى سوبارو، الذي أشار إليها. وبعد أن رأت أنه لا أثر لأي تعبير على وجهه، نظرت إلى الأسفل.

 

«آاه…»

 

نظرت إلى الأسفل وأطلقت تنهيدة خشنة.

 

كانت تنهيدة مشبعة بمشاعر يصعب وصفها.

 

وبينما كانت لا تزال جالسة، ارتجفت كتفاها، وضمت ركبتيها، منكمشة فوق بساط شعرها الأشقر.

 

ثم رفعت وجهها ببطء—

 

«—آرغهه، تبًا، تبًا، تبًا. خطوة واحدة فقط. مجرد خطوة واحدة أخرى.»

 

بنظرة يملؤها الكره، حدَّقت في سوبارو ولعنته.

 

«مجرد خطوة واحدة أخرى. كان قريبًا للغاية. ماذا حدث؟ مَن خدعك، أيها السيد؟»

 

كان صوتًا مشبعًا بكراهية عميقة، كصوت شخص في قاع الجحيم يحسد مَن ينعمون بجنة الأرض.

 

«مجرد خطوة واحدة أخرى، وكان ناتسكي سوبارو سيتجرد تمامًا من «ناتسكي سوبارو»…!»

 

«…ماذا؟ لماذا—؟»

 

«—لأننا لا نستطيع أن نأكل نفس الشخص مرتين، بطبيعة الحال!»

 

«—!»

 

أطلقت لويس صرخة مروعة، طاغية على سؤال سوبارو المريب.

 

وحينما رفعت نفسها عن الأرض، تبدل تعبيرها تمامًا. حدَّقت في سوبارو بوجه وحشي، خالٍ من أي إنسانية.

 

«كان لا بد من فصلهما! «ناتسكي سوبارو» الذي التهمناه سابقًا، وناتسكي سوبارو المتبقي. رغم أننا خططنا لكل شيء… لقد ذهب كل شيء سدى! هيا، اضحك إن شئت!»

 

«… هذا ليس مضحكًا. لا شيء من هذا مضحك على الإطلاق.»

 

«حقًا؟ حقًا؟! لكنك تكرهنا أيضًا، أليس كذلك؟ أليس ممتعًا أن ترى مَن تكرههم وهم يتألمون؟ أليس شعورًا رائعًا؟ لقد سئمنا من الأكل، ولكنك… كنت الوحيد الذي يستطيع إرضاء نهمنا… كنت الوحيد الذي يمكنه أن يُشبع جوعنا النهم!»

 

صرخت لويس وعيناها محتقنتان بالدماء، بينما تمتم سوبارو بالكلمة الأخيرة.

 

إن لم يكن قد أساء السمع، فقد قالت إنها الشراهة، فكيف أصبحت النهم؟

 

وبينما كان سوبارو حائرًا، رفعت لويس رأسها نحو السماء البيضاء وصرخت:

 

«الذواق لاي وآكل الغريب (لقب روي BIZARRE EATING بمعنى يأكل اي شي حتى الأكل الفاسد والقمامة بعكس اخوه لاي) روي لا يفهمان أي شيء على الإطلاق! يأكلان بلا تفكير، الواحد تلو الآخر، إلى ما لا نهاية… لأجلي؟ لأجلي، أنا العالقة هنا، التي لا تستطيع اختيار أي شيء؟ لا تضحكني، أيها الأخوان الغبيان!»

 

ضامةً شعرها بين ذراعيها، بدأت لويس تتخبط بجنون، كأنها في نوبة هياج ملطخة باللعاب.

 

لم يستطع سوبارو فهم كل ما صرخت به، لكن حديثها عن لاي وروي— يبدو أنهما اسمان؟ ومع ذلك، كان واضحًا من كلامها عن النهم والذكريات أن…

 

«أنتِ ورفاقك… تسرقون أسماء الناس وذكرياتهم… أليس كذلك؟ تسرقون كل هذه الأشياء وتلتهمونها جميعًا، أليس كذلك؟»

 

سوبارو، الذي سُرقت ذكرياته وفقد ذاته.

 

جوليوس، الذي سُرق اسمه وعانى من ألم نسيانه من قبل الجميع.

 

ورِيم، التي لم تُسرق فقط، بل نُسيت تمامًا من العالم وسقطت في سبات عميق لا نهاية له.

 

كل ذلك كان من عمل الشراهة لويس والآخرين الذين…

 

«لماذا تفعلون هذا بحق؟ ماذا تريدون؟»

 

«—السعادة.»

 

«……»

 

أخذ سوبارو نفسًا عميقًا عند سماعه هذه الإجابة المباشرة.

 

لم تنظر إليه لويس حتى، بل صكت أسنانها وارتجف صوتها بحافة مضطربة.

 

«ما الهدف من الحياة إن لم يكن السعادة؟ أم ظننت أن منبوذين مثلنا سيكون لديهم منظور مشوه عن ذلك أيضًا؟ خطأ. هذا خطأ. بالطبع هذا خطأ! خطأ تمامًا! خطأ فادح! نحن نقول لك إنه خطأ!»

 

«وما علاقة سرقة ذكريات الآخرين بالسعادة…؟»

 

«ألم تفكر يومًا أن الحياة ليست عادلة؟»

 

«لقد فعلت.»

 

«أها!»

 

عضت على ظهر يدها البيضاء، وحدقت في سوبارو بابتسامة ساخرة عند رده الفوري بالإيجاب.

 

«بالطبع، نحن أيضًا فكرنا بذلك. فالحياة ليست عادلة. لا يمكنك اختيار مكان ولادتك، ولا والديك، ولا بيئتك، ولا مستقبلك، لا يمكنك التحكم في أي شيء. هذا هو النظام الموضوع، نحن جميعًا مجرد تروس في آلة عملاقة.»

 

«……»

 

«—لكن ماذا لو لم يكن الأمر كذلك؟»

 

أمالت لويس رأسها بينما ظل سوبارو صامتًا.

 

«ماذا لو كان بإمكانك اختيار مكان ولادتك؟ اختيار والديك؟ اختيار بيئتك؟ اختيار مستقبلك؟ اختيار كل شيء تريده؟… ألن يختار الجميع حياة أفضل؟ أليس كذلك؟»

 

«هذا…»

 

«لو كان بإمكانهم اختيار مكان ولادتهم، واختيار والديهم، واختيار بيئتهم، واختيار مستقبلهم، واختيار كل شيء، لاختار الجميع حياة أفضل… لذا نحن نأخذ وقتنا بعناية، نبحث عن الحياة المثالية لأنفسنا.»

 

«……»

 

«لا بد أنها موجودة في مكان ما! مستقبل مشرق حيث يمكننا أن نشعر بالفخر بالحياة التي عشناها! حياة تناسبنا تمامًا! وحتى نصل إلى تلك الحياة المنشودة، سنأكل ونلتهم ونمضغ ونلعق ونمتص ونفترس! سنأكل كل شيء! شراهة!»

 

اشتعلت عيناها وهي تصرخ بطموحها الجليل بصوت مرتفع.

 

آمنت حقًا، من أعماق قلبها، أن هذا هو سعيها الشخصي لتحقيق السعادة، وأنه الوسيلة الوحيدة المتاحة لها لضمان أفضل مستقبل ممكن.

 

لم ترَ أي أمل في حياتها الخاصة. لأنها، في نظرها، كانت حياة لويس آرنب خاطئة منذ البداية. كانت البداية كلها خطأ. أرادت تصحيحها. أرادت أن تفوز بنسخة من ذاتها تكون فيها مباركة منذ الولادة، بالأبوين المناسبين، بالبيئة الصحيحة، بالمستقبل المشرق، بالموهبة، بكل شيء.

 

لقد عرَّفت ذلك على أنه الشرط الأساسي لحياة تستحق الاحتفاء بها بأقصى حد.

 

ولهذا…

 

«أنتِ تسرقين ذكريات الآخرين… وتلتهمينها… من أجل ذلك؟»

 

استوعب سوبارو أخيرًا فداحة ما يعنيه ذلك، ولم يجد كلمات تخرج من فمه.

 

كما قالت لويس، فقد انغمست في نهمها، تلتهم بلا عقل حيوات الآخرين.

 

رجالًا، نساءً، صغارًا، كبارًا، من جميع الأعراق والأنواع— لقد التهمت الحياة نفسها، واستمتعت بتذوق كل أشكال التجربة.

 

لقد التهمت ”أفضل الأجزاء“ من آلاف الحيوات. كل إنجاز كان مجرد حدث عادي بالنسبة لها. لا شيء أصيل يمكن العثور عليه.

 

فقط أشياء مكررة، مملة، بالية…

 

«إذًا، لماذا أنتِ مهتمة بي إلى هذا الحد؟ لماذا كل هذا العناء فقط لتلتهميني؟ أهي نوع من الشراهة السخيفة؟»

 

«الأمر ليس عديم المعنى بهذا الشكل… لأنك أنت مصيرنا.»

 

حدق سوبارو فيها بعينين تضجان بالغضب والحيطة. كانت كلماتها عبثية، لكن نظرتها كانت صادقة بشكل لا لبس فيه.

 

كانت مغرمة بسوبارو -أو بالأحرى بحياته- بكل جدية.

 

«لقد أكلنا الصغار والكبار، الرجال والنساء، أناسًا من كل الأزمنة، ومن جميع الطبقات. لكن هناك أمرًا واحدًا لا نعرفه. هل تعلم ما هو؟»

 

«وكيف لي أن أعلم؟ هل هو كيفية الرثاء على نفسك عديمة الفائدة؟»

 

«—تجربة الموت.»

 

تجمد سوبارو بعين نصف مغلقة.

 

رفعت لويس ذراعيها النحيلتين، وبسطت راحتيها نحوه.

 

«بغض النظر عن عدد الذكريات التي نلتهمها، يظل الأمر مستحيلًا. لا يمكننا أبدًا الحصول على ذكرى الموت. يبدو ذلك بديهيًا، أليس كذلك؟ الذكريات ليست سوى سجل للحياة، وحين يموت المرء، تتوقف سجلاته عن التدوين. —لكن أنت، أيها السيد، أنت الاستثناء الوحيد.»

 

بدت وكأنها تغمرها الغيرة والحسد، بل حتى العشق تجاه قدرة العودة بالموت.

 

هذه الفتاة التي سئمت من العالم بأسره، وجدت في هذا الفتى النافذة الوحيدة إلى شيء لم تختبره من قبل.

 

«كيف يكون شعور الموت؟ لا بد أنه قاسٍ، أليس كذلك؟ مؤلم، أليس كذلك؟ لا يُحتمل، صحيح؟ لكنه لم يكن مؤلمًا دائمًا، أليس كذلك؟ هناك قصص تقول إنه قد يكون مريحًا، هل هذا صحيح؟ هل تشعر بالسعادة عند الموت؟ أم أنك ببساطة تكف عن الاكتراث؟ هل هو سهل؟ هل يشبه الذروة؟ أخبرني، أخبرني، أخبرني، أخبرني، أخبرني!»

 

«… إذا كنتِ تملكين ذكرياتي، فيفترض أنكِ تعلمين بالفعل.»

 

«كذكريات! لكنها قديمة! لم تعد طازجة! نحن نريد شيئًا أكثر واقعية. لا نرضى ببقايا معاد تسخينها. ما سيُشبعنا هو حالة ذهنية جديدة، نادرة، لم يسبق أن اختبرها أحد في هذا العالم! ذكريات خاصة، فريدة، لا يمكن لأحد سوانا أن يعايشها! وليس هذا فحسب، بل القدرة على إعادة المحاولة فورًا إن حدث أي خطأ! حتى لو عثرنا على الحياة المثالية، فقد تفسد بخطأ بسيط، أليس كذلك؟ لكن هذا لا يمكن أن يحدث مع حياتك! لا تقلق، سنكون حذرين جدًا، حتى لا يلاحظ أحد.»

 

«……»

 

«إيميليا، بياتريس، رام، ميلي، جوليوس، إيكيدنا، شاولا، باتراش، بيترا، أوتو، غارفيل، فريدريكا، ريوزو، روزوال، كليند، أنيروز، فيلت، راينهارد، العجوز روم، الأغبياء الثلاثة، كروش، فيريس، ويلهيلم، ريكارد، ميمي، هيتارو، تي بي، بريسيلا، آل، شولت، هاينكل، كيريتاكا، ليليانا— الجميع، أي شخص، كل مَن يمكن خداعه لنحيا حياة سعيدة!»

 

مدَّت يديها بتلك الطريقة، وأمالت رأسها بلطافة.

 

«لذا أرجوك، دعني ألتهم حياتك حتى أرتوي.»

 

كانت تتوسل إليه.

 

ومن المؤكد أنها قد اختارت أكثر الأساليب ملاءمة لهذا الموقف، مستمدةً إياها من آلاف الذكريات التي تحملها في جوفها.

 

ليس ذلك سوى دليل على أن جودة المكونات وحدها لا تصنع طعامًا جيدًا، إنما يحتاج الأمر إلى طاهٍ ماهر.

 

طالما آمن سوبارو بأنه لا وجود لمكونات سيئة، بل فقط أطباق سيئة.

 

لكن لم يسبق أن شعر بهذه الحقيقة بألم كهذا من قبل.

 

تجارب لا حصر لها، منحتها القدرة على امتلاك حياة لا يمكن لأي إنسان عادي أن يحلم بجمعها. ورغم ذلك، لم يسبق له أن رأى شخصًا يهدر هذه الإمكانية العظيمة إلى هذا الحد.

 

«—لن تكون هناك مرة ثالثة. ألمي، موتي، حياتي، كلها لي وحدي. لن أهبكِ منها شيئًا!»

 

«……»

 

«آمل أن تموتي جوعًا، أيتها الحمقاء. إن كان الخيار الوحيد المتاح لكِ في الحياة هو طريقة موتكِ، فإليكِ نصيحتي— اختاري أشدها عذابًا، حتى تعيشي آلامًا تفوق أي شخص آخر في هذا العالم.»

 

مرر سوبارو إبهامه على عنقه بإيماءة حاسمة.

 

اتسعت عينا لويس، ثم نظرت إلى يديها. بعدها غطت وجهها، وحدقت في السماء البيضاء.

 

«آآآآآآآآآه. أخطأنا. دمرنا كل شيء. أفسدنا الخطة. ارتكبنا زلة لا تغتفر. أسأنا التقدير. خذلنا أنفسنا. فشلنا… آآآآآرغههههه!»

 

ارتجفت ركبتاها، وانهارت على الأرض.

 

كان ذهولها العارم دليلًا على مدى جديتها في محاولة إقناع سوبارو.

 

ولأن النتيجة أتت على هذا النحو، لم يكن من الغريب أن ينهار عقلها تحت وطأة الفشل.

 

«لن أكون ما كنتِ تطمحين إليه. اسمي ناتسكي سوبارو. الاسم الذي منحه لي ناتسكي كينيتشي وناتسكي ناوكو. أنا هو أنا. لا أكثر، ولا أقل.»

 

«حتى وإن أُعيدت كتابتك ومُحيت؟»

 

«دعيني أعلمكِ تعويذة سحرية. هناك أمر، وهناك نقيضه.»

 

أخذ التعويذة التي استخدمها مع جوليوس، ووجهها نحو نفسه.

 

 

قد يختفي سوبارو إذا تمكن من استعادة «ناتسكي سوبارو». لكن ربما لا يختفي. قد تكون هناك طريقة لتفادي ذلك. وحتى إن لم يكن هناك متسع إلا لشخص واحد، فقد يجد طريقة لمشاركة ذلك الوجود.

 

«لا أمانع أن أدخل قلوب الآخرين وألطخها بالطين؛ لذا لا حاجة لي بالجلوس بطريقة مهذبة على كرسي. هذه هي إجابتي. احصلي على قصة شعر، أيتها الحمقاء.»

 

أطلق هذه الكلمات الأخيرة مستديرًا مبتعدًا عن لويس.

 

ما دامت قد فقدت إرادة القتال، فلم يعد هناك داعٍ للحذر منها. الأهم من ذلك، كان عليه إيجاد طريقة للخروج من هذا المكان الجنوني.

 

ولكن، لماذا كان كتاب الموت لريد متصلًا بهذا المكان أصلًا…؟

 

«—آرغعه. يبدو أنه لا خيار سوى ترك الأمر لأخي العزيز وأخي الحبيب، هاه؟»

 

لامس زفير لويس ظهر سوبارو وهو غارق في أفكاره.

 

الأخ العزيز والأخ الحبيب. هذه الكلمات جعلته يتوقف عن البحث عن المخرج.

 

الأسماء التي ذكرتها من قبل… إن كان حدسه صحيحًا…

 

«لاي وروي. الذوَّاق وآكل الغريب؟»

 

«لا يمكننا مغادرة هذا المكان، لذا لا يمكننا اختيار ما نأكله إلا إن تناوله الأخ العزيز والأخ الحبيب نيابةً عنا… لذلك طلبنا منهما ذلك.»

 

حبس سوبارو أنفاسه، يعتريه شعور سيئ وهو ينتظرها لتكمل حديثها.

 

مرَّ وقت بدا طويلًا قبل أن تنطق بشيء آخر، وكأنها تتلذذ بإثارة قلقه، ثم حرَّكت شفتيها الحمراوين أخيرًا.

 

«هذه هي المرة الثانية التي تأتي فيها إلى هنا، أليس كذلك؟ إذًا لا بد أن الأخ العزيز والأخ الحبيب قد لاحظا… تمامًا أين أنت.»

 

«انتظري… هل إخوتك في طريقهم إلى هنا…؟!»

 

«هما مهتمان بك جدًا، أيها السيد. وهذا أمر بديهي تمامًا. فأنت… مفعم بتجارب لم نتذوقها قط.»

 

إخوة يهرعون لإنقاذ شقيقتهم عند وقوعها في الخطر… على الورق، يبدو الأمر كقصة عائلية دافئة. لكن الحقيقة لم تكن سوى سباق لإرضاء رغباتهم الأنانية.

 

وفي كلتا الحالتين، أصبح العثور على مخرج من هذا المكان أمرًا أكثر إلحاحًا. ولكن، ما إن عبرت تلك الفكرة ذهنه وهمَّ بمد يده، حتى تشقق العالم من حوله.

 

«ما…؟! هل هذا هو المخرج؟!»

 

أمام عينيه، رأى شقوقًا في الفراغ، يتخللها مسار لم يكن موجودًا من قبل.

 

مسار وُلد من إصراره على العودة.

 

«قبل أن أعود، أنتِ…»

 

«لا يمكنك ذلك. إنه مستحيل عليك. ليتك استطعت.»

 

«……»

 

لم يجد ما يقوله حين رفعت لويس يدها النحيلة وقبضت على عنقها.

 

«حتى في أعماق جنون الارتياب، حتى في أقصى لحظات اليأس، لن تقتل نفسك، ولن تقتل أحدًا، حتى لو كان من المنبوذين. أنت مجرد جبان عديم الجرأة. رغم أننا قضمناك بلطف شديد.»

 

«… ركِّبِي تقويم أسنان، أيتها الحمقاء».

 

رفع لها إصبعه الأوسط بينما علت وجهها ملامح الامتعاض.

 

لم يلتفت ليرى ردَّة فعلها، بل قفز مباشرة داخل الصدع في الفضاء. ولكن، في اللحظة الأخيرة، تردد لوهلة.

 

ليس بسبب لويس، فقد كان راضيًا تمامًا بعدم رؤية وجهها مجددًا. ما ندم عليه لم يكن تركها، بل الصوت الذي أعاده للوقوف على قدميه.

 

الفتاة التي ظهرت للحظة وجيزة لتوقظ روح ناتسكي سوبارو. الفتاة التي سُرقت ذاكرتها واسمها، فأصبحت الوحيدة التي استطاعت مناداته عند نهاية العالم.

 

«لا بأس. أذكر وعدي.»

 

ناتسكي سوبارو لن ينسى ذلك. سنلتقي مجددًا قريبًا.

 

—كان يأمل حينها أن يسمع صوتها العذب، لا مجرد توبيخ آخر.

 

«……»

 

وبذلك، قفز سوبارو داخل الشق ليعود إلى رفاقه.

 

《٦》

 

—اختفى الفراغ الأبيض، وأعيد تشكيل العالم النابض بالألوان على الجانب الآخر.

 

كان شعورًا غريبًا، كأن يكون في فضاء عديم اللون، يراقب من الداخل كيف يُرسم العالم تدريجيًا بألوانه.

 

مهد أود لاغنا. ممرات الذاكرة.

 

أُعيد ربط وعي ناتسكي سوبارو الممزق بذلك المكان خارج حدود العالم. ومع استعادة ذاته شيئًا فشيئًا، بدأ يستعيد وعيه…

 

«—سوبارو».

 

أول ما شعر به كان جفافًا شديدًا في حلقه.

 

ثم ملمسًا باردًا وصلبًا أسفل ظهره وجسده. كان مستندًا على ما يبدو إلى جدار.

 

فتح عينيه، وأخذ يرمش عدة مرات حتى بدأ العالم يتضح أمامه، وعندها رأى عيونًا زرقاء تتأمله.

 

عيون بنقوش تشبه الفراشات، ووجه طفولي يرافقها…

 

«بياتريس…؟»

 

«… يبدو أنك واعٍ مجددًا. مناداتك لاسم بيتي أولًا تعني أنك لم تفقد ذاكرتك في الطريق.»

 

«… أجل. أذكر كل شيء. وأنتِ… ظريفة.»

 

قالها سوبارو، لتتسع عينا بياتريس ارتياحًا، ثم بدأت تتحسس وجهه وصدره بكفيها الصغيرتين.

 

كان ملمس راحتيها يثير الدغدغة. كما أنه شرع بفحص نفسه أيضًا.

 

كان قد أجابها بثقة دون أن يعرف كيف تناولت لويس -أو الشراهة- الأسماء والذكريات…

 

لكنه كبح ذلك الخوف وأقنع نفسه بأن ناتسكي سوبارو في المكان الذي ينبغي أن يكون فيه.

 

«يجب أن يكون الأمر بخير… الوعود والمحبة كلها ما زالت في قلبي.»

 

خفق قلبه يخفق كلما فكر في إميليا، ولأنه كان يهتم ببياتريس، أراد أن يربت على رأسها. كما أنه صلى من أعماق قلبه لأجل سلامة رفاقه. وكان ذلك هو الدليل على أنه لا يزال سوبارو.

 

«كم من الوقت بقيتُ فاقدًا للوعي؟ لا يبدو وكأنه كان مجرد لحظة.»

 

اعتمد على دفء بياتريس ليهدئ نفسه ويستعيد تركيزه، ثم أدرك أنه في وضعية مختلفة عن تلك التي كان عليها عندما انجذب إلى ممرات الذكريات. كان ينبغي أن يكون أمام الرفوف، لكنه وجد نفسه مستندًا إلى الحائط، والأهم من ذلك…

 

«إميليا تشان، رام، جوليوس، وشاولا… أين هم؟» قال سوبارو متجهمًا.

 

«يبدو أنك استيقظت أخيرًا، ناتسكي.»

 

تحدثت إيكيدنا وهي ترفع خصلات شعرها الأرجواني الفاتح، متقدمة نحوه، بينما وقفت ميلي بجانبها، تبدو عليها علامات الضجر. وما إن لاحظت استيقاظه حتى زمَّت شفتيها.

 

«أخيرًا؟! أنت حقًا كسول. سئمتُ الانتظار.»

 

«كسول؟ هذا تعبير لطيف… في الواقع، لقد عدتُ للتو من صراع غير متوقّع بين الحياة والموت. أظهري قليلًا من التعاطف.»

 

«صراع غير متوقع بين الحياة والموت؟ يثير ذلك فضولي، لكن الأمور هنا بدأت تتحرك أثناء نومك، ولهذا السبب لم يكن جوليوس والبقية هنا.»

 

كان كل من بياتريس، إيكيدنا، وميلي مع سوبارو في مكتبة تيجيتا. ومن نظرة واحدة إلى وجه إيكيدنا، كان واضحًا أنها قلقة بشأن سلامة الآخرين الذين لم يكونوا موجودين.

 

«لقد كنت فاقدًا للوعي لمدة ساعة تقريبًا، على ما أظن. لم تستغرق قراءة الكتب الأخرى سوى بضع ثوانٍ؛ لذا كنا قلقين من أن يكون قد حدث لك شيء.»

 

«ساعة… هذا يتناسب مع ما شعرتُ به تقريبًا. ماذا حدث هنا؟»

 

«شاولا لاحظت أمرًا غريبًا. قالت إن شيئًا ما يقترب من البرج من الخارج. فانطلقتْ مسرعة قبل أن نتمكن من إيقافها.»

 

«شيء… يقترب…»

 

حرصًا على شرح الوضع قبل الاطمئنان على حال سوبارو، أشارت إيكيدنا إلى الدرج المؤدي إلى الطابق التالي.

 

«الفارس البارد لحق بها. ثم ذهبت صاحبة الشعر الفضي والخادمة لتفقد الفتاة النائمة.» أضافت ميلي.

 

«إذًا، لهذا السبب لم يكونوا هنا. لكن كان من الصواب الذهاب إلى ريم.» أومأ سوبارو موافقًا.

 

عندها، عبست إيكيدنا بقلق.

 

«ناتسكي؟ من رد فعلك… هل تعرف شيئًا؟»

 

«أجـ…ـل… نعم. لا فائدة من إخفائه. سأختصر الأمر مباشرة.»

 

لم يكن قد استوعب بالكامل كل ما حدث في ممرات الذكريات، لكنه كان يعلم أيضًا أن إيكيدنا لم تعد تثق به تمامًا بعد فقدانه لذاكرته وإعادة ضبط علاقتهما. والشك غير الضروري لن يكون سوى عقبة أمام اتحادهم لمواجهة الكارثة غير المسبوقة التي تقترب منهم.

 

إذًا…؟

 

«حسنًا، سأخبركم بكل شيء دون تحفظ. خطة قراءة كتاب ريد ووضع استراتيجية بناءً على ماضيه فشلت. لم أتمكن من رؤية ماضيه، ولم يعد هذا الوقت مناسبًا لذلك على أي حال.»

 

«لم تستطع رؤية ماضيه…؟ إذًا ماذا حدث؟»

 

«كان هناك ما يعترض طريقي. أسقف الشراهة.»

 

«—؟!»

 

تشنجت تعابير الجميع بصدمة.

 

من الواضح أن لقب الأسقف والشراهة يحملان لهما معنىً خطيرًا. بالنظر إلى حالة ريم وجوليوس، كان ذلك متوقّعًا.

 

وفي المقام الأول، السبب الذي دفعهم إلى التوجه نحو برج المراقبة بليديس كان…

 

«إذًا، بينما كنتَ فاقدًا للوعي، كنتَ تواجه أسقف الشراهة؟ هل هذا هو الصراع غير المتوقع بين الحياة والموت الذي كنتَ تتحدث عنه؟»

 

«بالضبط. بمجرد أن انزلقتُ داخل كتاب الموتى، لم أجد نفسي داخل ذكريات رايد، بل في فضاء أبيض فارغ… وهناك التقيتُ بفتاة تدعى لويس. من كلامها، بدا أنه مكان يُسمى مهد أود لاغنا أو ممرات الذكريات أو شيء من هذا القبيل.»

 

«أود لاغنا…»

 

«بياتريس…» تمتمت بصوت خافت بينما حاول سوبارو تلخيص كل ما سمعه من أمور بدت له ذات أهمية.

 

فسألها: «هل تعرفين ما هو؟» ثم تابع قائلًا: «لويس قالت إنه آلية تضمن ألا يُدمَّر العالم. حسنًا، لقد قالت أشياء كثيرة…»

 

«بيتي لا تعرف التفاصيل، لكن ما يُسمَّى أود لاغنا معروف بأنه مركز العالم… المكان الذي تعود إليه كل المانا.»

 

«المكان الذي تعود إليه كل المانا…»

 

كان وصفًا بالغ العظمة، لكن بعد أن زار ذلك المكان، لم يستطع سوبارو أن يسخر منه أو يستخف به. فقد شعر أن تلك المساحة البيضاء كانت بالفعل عالمًا منفصلًا عن العالم المعتاد. سواء أكان مكانًا بعيدًا تمامًا أم في قلب العالم، فإن الفرق لم يكن ذا أهمية كبيرة. كان ذلك المكان ممتلئًا بالتناقضات.

 

قاطعه ميلي، متسائلة بنبرة فضولية: «إذًا، التقيت بالشراهة هناك، لكنك بخير؟»

 

كانت قد جلست على قدميها بحيث تلتقي عيناها بعيني سوبارو السوداوين وهو جالس، ثم أمعنت النظر فيه.

 

«الشراهة يلتهم أسماء الناس وذكرياتهم، أليس كذلك؟ هل أنت متأكد أنك لم تفقد شيئًا مرة أخرى، أيها السيد؟»

 

«نعم، أنا بخير تمامًا. يمكنني أن أقول بكل يقين أنني لم أفقد أي شيء هناك.»

 

«وكيف يمكنك أن تكون واثقًا من ذلك—؟»

 

«لأن ريم أنقذتني عندما كنت محاصرًا من قِبل الشراهة.»

 

اتسعت عيون الجميع عند سماع اسمها منطوقًا بتلك الطريقة القاطعة، إلا أن ردة فعل بياتريس كانت الأشد.

 

«سوبارو… ذلك الاسم…»

 

«لقد ركلتني ركلة جيدة، ولهذا أنا بخير.»

 

نظر سوبارو إليها وهو يبتسم، وعندما التقت عيناه بعينيها الكبيرتين المرتعشتين، بدت وكأنها تحاول أن تقول شيئًا أكثر من مرة، لكنها اكتفت في النهاية بإراحة جبهتها برفق على صدره.

 

مدَّ يده إلى ظهرها، وربت عليه بحنان.

 

«—؟ هناك اهتزاز غريب قادم من الأسفل…»

 

«إيكيدنا! هل الجميع بخير؟!»

 

انطلق صوت شخص يركض صاعدًا الدرج بسرعة، قبل أن يقتحم قاعة تيجيتا صارخًا. استدارت إيكيدنا بسرعة، وقد بدا الذهول على وجهها حين رأت القادم.

 

«جوليوس؟ تبدو متوترًا.»

 

«حدث أمر غير متوقع، علينا أن نجتمع جميعًا بأسرع وقت…»

 

لكنه قطع كلامه فجأة، وعيناه تتسعان قليلًا وهو يحدق في سوبارو الجالس على الأرض. بدا التوتر والحذر واضحين في ملامحه الصارمة.

 

«إذًا، لقد استيقظت، سوبارو. هذه أخبار جيدة. هل تتذكرني؟»

 

«أممم، من تكون…؟»

 

«… كما توقعت.»

 

«أنا أمزح! أنت جوليوس جوكوليوس! لا تأخذ المزاح على محمل الجد!»

 

«ها، كنت أمازحك أنا أيضًا، لأنني مضطر لقول شيء ليس مضحكًا على الإطلاق.»

 

تجهم وجه سوبارو عندما أدرك أنه وقع في فخ مزاح جوليوس. لكن هذا الأخير لم يطل الابتسام، إذ سرعان ما اتخذ تعبيرًا جادًا وهو يقول:

 

«أود أن أسمع المزيد من سوبارو الآن بعدما عاد إلينا، لكن هناك أخبارًا عاجلة. لقد تأكدنا من مصدر الاضطراب الذي استشعرته الآنسة شاولًا خارج البرج.»

 

رفع سوبارو يده مشيرًا نحو الأرض تحتهم، وقال متسائلًا: «هل هذا هو سبب الاهتزاز الذي نشعر به؟»

 

أومأ جوليوس بثبات: «نعم. هذا الاهتزاز الذي نسمعه منذ فترة سببه خطوات الأقدام.»

 

«… خطوات أقدام؟»

 

أمال سوبارو وبياتريس رأسيهما معًا بدهشة. كما بدت إيكيدنا وميلي في حيرة مماثلة بينما أشار جوليوس نحو الخارج.

 

«… جميع وحوش الشياطين المنتشرة في صحراء أوغريا تتجمع حول هذا البرج ككتلة واحدة. الآنسة شاولًا تخوض معهم معركة، لكن الأمر مسألة وقت فقط قبل أن يتمكنوا من اقتحامه.»

 

《٧》

 

—في تلك اللحظة، وفي العالم الأبيض الذي غادره ناتسكي سوبارو…

 

كانت فتاة وحيدة مستلقية على الأرض، تغطي وجهها، تنتحب بحرقة بينما تدفن رأسها بين خصلات شعرها الأشقر الطويل.

 

كان نواحها المليء بالغضب أشبه بصوت آثم يحترق في الجحيم، يائسًا من بلوغ الجنة…

 

«أرغه… أرغه… أرغه… سحقًا! لم يلتفت إليَّ حتى!»

 

«لن نسمح بذلك… لن ندعك تفلت… أبدًا، أبدًا!»

 

«لا تجرؤ على الظن أن هذا قد انتهى، ناتسكي سوبارو…!»

 

«حياتك ملك لنا!!!»

 

 

 

////

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات

التعليقات

سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.

READER EDITION

إعدادات القراءة

خصّص مظهر القراءة على هذه الصفحة.

الخط والفقرات

215%
1.0×
معاينة الخط

هذه معاينة قصيرة لشكل النص أثناء القراءة.

وهنا تظهر المسافة بين فقرتين.

عرض الصفحة

90%

تحكّم بعرض النص داخل الصفحة؛ يُحفظ اختيارك للفصول التالية.

محاذاة النص
شريط التقدم

يخفي شريط الموقع الثابت الذي يظهر عند التمرير أثناء قراءة الفصول.

طريقة القراءة

انقر داخل نص الفصل للانتقال إلى أسفل بمقدار الشاشة المحدد.

40 px/ث
يتوقف التمرير عند استخدام لوحة المفاتيح أو اللمس.

اسحب أفقيًا داخل النص للانتقال إلى الفصل المجاور. يمكنك استخدام Shift مع سهم اليمين أو اليسار من لوحة المفاتيح.

وضع التصفية

لتغيير كلمة إله إلى شيء آخر

مظهر القراءة

تختار السمة لون الخلفية والنص معًا. يمكنك تعديل كل لون بعدها.

اختر لون خلفية مريحًا للقراءة.

لا يتوفر غلاف لهذه الرواية.

رفع صورة خلفية مخصصة

تُحفظ الصورة في هذا المتصفح فقط.

100%

خفّض التباين لجعل النص أكثر راحة وأقل بروزاً.

عند إيقافه، يختار الموقع لون النص حسب السمة.

عناصر صفحة الفصل

يحفظ اختيارك في هذا المتصفح ويخفي زري الإعدادات والانتقال إلى أعلى الصفحة.

حفظ إعداداتك في هذا المتصفح

تبقى الإعدادات على هذا المتصفح. لا يتضمن التصدير صورة الخلفية المخصصة.

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.
READER EDITION

تخصيص الموقع

اختر ألوان الموقع والوضع الداكن بما يلائم ذوقك.

دعم الرواية

ري زيرو: بدء الحياة في عالم أخر من الصفر

سجّل الدخول لإرسال الذهب إلى خزنة الرواية.