27 - ذوو الحظوظ... والمحرومون.
؟؟؟: «إن بقيتَ على قيد الحياة، فستحظى بفرصةٍ لمسح عارك. أمَّا إن مُتَّ، فذاك هو الختام. لذا… سأرحل. لن أخوض معركة لا أرى في نفسي قدرة على الظفر بها.»
فهم قد وقفوا في صف الجنود قبل سقوط المدينة؛ لذا من الطبيعي أن يغضب من تبدُّل ولائهم بهذه السرعة.
لم يكن في كلماته كذب.
ما حدث لم يكن سوى رقصة سيف―― رقصة السيف لجمال أورِيليه.
أن يُلقي المرء بنفسه في معركة لا أمل في الفوز بها، لا يفعلها إلا أحمقٌ أخرق لا يُصدَّق.
كان من أولئك الذين يمشون على السجية، غريزته الحيوانية ظاهرة على ملامحه. سواء من حيث قوَّته الجسدية ككائنٍ حي، أو في حدسه الذكوري القادر على تمييز النساء، لم يكن من النوع الذي ينسى بسهولة امرأةً أثارت شيئًا في قلبه.
رفع قبضته المشدودة أمام عينه اليمنى، وأخذ يتطلَّع إلى البعيد عبر الثقب الضيِّق الذي صنعه بأصابعه.
لم يكن يظن نفسه حكيمًا، ولو بقدر ذرَّة، لكنُّه أدرك لذلك السبب بالذات أنه بحاجةٍ إلى التأني في قراراته. فالحكيم قد يبلغ قراره في لحظة، بينما يتخبَّط الأحمق عمرًا كاملًا ليصل إليه.
وقد كان تود يعلم تمامًا: هكذا يخوض عديمو الموهبة معاركهم.
لا يدخل في قتالٍ لا يملك فرصة للظفر فيه.
جمال: «كفاك ترَّهات! أنا أستفيد من ذكائك في التخطيط، لكن عندي عقلٌ أفكِّر به أيضًا! أقدر أن أُميِّز بين ما يمكن فعله وما يستحيل.»
لكن، وعلى نحوٍ متناقض――
هولي: «لن أسمح لك… آي!»
تود: «――لا بأس إطلاقًا في خوض معركةٍ نملك فيها احتمالًا للانتصار.»
لقد كُووِي الجرح لحظة تلقيه، ما جعله أشبه بندبة مروّعة… لولا أن الضربة أتت من نصل مشتعل، لما ظهرت تلك الندبة بهذا الشكل.
رفع قبضته المشدودة أمام عينه اليمنى، وأخذ يتطلَّع إلى البعيد عبر الثقب الضيِّق الذي صنعه بأصابعه.
جمال: «هاه؟ آه، أجل! هاها، هذا رائع! يسرُّني سماع ذلك! جسدي يحكني منذ وقت، لأن الهرب ليس من طبعي. لن أترك جنرال الدرجة الأولى تأخد كل الفضل وحدها!»
وسيلة بدائية لتحسين الرؤية البعيدة، بتضييق مجال النظر. ولو ضيَّق عينيه، لتمكَّن من رؤية مدى بعيد، لكنُّه لن يستطيع إدراك ما يجري داخل قاعة المدينة المشتعلة، دع عنك ما وراء الأعلام المحترقة.
――«اقتليه الآن، يا أراكيا… ولا تدعي له أثرًا!»
وذلك، حتى لو كانت الرياح تسير لصالحه.
ذلك سيختصر الكثير من الجهد والوقت، وإن كان جمال على استعداد لفعلها، فلا داعي لثنيه.
جمال: «أوي! سقف قاعة المدينة اختفى! ما الذي يجري بحق؟»
وذلك، حتى لو كانت الرياح تسير لصالحه.
بجواره، صاح رفيقه الشرس، وقد أخذ الهلع يتسلَّل إلى نفسه، فأثار ضجَّةً لم يكن لها داعٍ.
ولا شك أبدًا، إن هذا هو نفس القنَّاص الذي أطلق سهمًا في صدر تود قبل بضعة أيام.
أزعج الصوت تركيز تود، فلوَّح بيده نحوه، يأمره بالصمت. أما هو، فكان لا يزال يراقب الموقف بدقَّة، محاولًا تقييم الوضع بجدية.
كان الأمر تمامًا كما قال جمال.
فما عداه، إن كُتب له النجاح أو الفشل، لم يكن يهمُّ تود في شيء. لم يكن يعبأ إن ضاع منه الفضل، أو إن ثبت أن كل ذلك الوقت الذي أمضاه في التفكير لم يؤتِ أُكله.
تود: «أغلب الظن أنَّ أحد الجنرالات التسعة السماويين قد تدخَّل.»
وما إن وقعت عيناه عليه، لم يتبادر إلى ذهن تود أفكارٌ ساخرة من قبيل: “أيِّ أحمق يقف في وجه جنرال الدرجة الأولى؟” أو “كيف ما زال حيًّا حتى الآن؟”
وإلا، فلا معنى للبقاء في مدينة الحصن، التي وقعت بين يدي العدو.
لم يكن يهمُّه أي شيءٍ آخر، طالما تأكَّد من أنَّ حياة ناتسومي شوارتز، رمز الحرب ورايتها، قد انطفأت إلى الأبد. لو تحقق ذلك، لكان――
وكما قيل من قبل، فقد فكَّر تود أصلًا في الفرار من المدينة بعد سقوط قاعة المدينة، حسبما خُطَّط له في خطة العدو. لم تكن لديه أي نية في الامتثال لأوامر نزع السلاح أو الاستسلام المهذَّب.
تود: «لم أكن أنوي الانخراط في مهمتك الانتحارية، لكن إن لم تكن كذلك، فالأمر يختلف.»
ففي نهاية المطاف، ما دام مَن يقود الأمور هو رمزية الحرب ذاتها――ذاك الذي يُدعى ناتسومي شوارتز―― فإن الخطرين أمثال تود وجمال سيكونون أوَّل من يُقصى من الصورة.
ورغم أنَّ الإعدامات العشوائية للأسرى المستسلمين تُعدُّ تصرُّفًا مرفوضًا حتى في فولاكيا، إلا أن ذلك الرجل سيجد –بلا شك– مبررًا شرعيًّا لارتكاب مثل تلك الفظائع.
تود: «――――»
على الأقل، هذا ما كان سيفعله تود نفسه. إنها مجرَّد غريزة بقاء.
جمال: «أوي، تود… أيها الوغد، لا تقل إنك تنوى الفرار؟»
ولهذا السبب، لم يتردَّد في قرار مغادرة المدينة. ومع ذلك، فقد تغلَّبت عليه فضوله، فتوارى في موقعٍ يتيح له مراقبة قدوم أيِّ تعزيزات نحو المدينة.
لكن، وعلى نحوٍ متناقض――
جمال: «ليس هناك مجال للشك. إنها نفس المرأة التي رأيتها منذ عامين، عندما كنت أخدم وقت سحق البرابرة―― جنرال الدرجة الأولى، أراكيا، المصنفة الثانية.»
لم ينطق تود بكلمة، فقط تبعه بصمت، فيما كانت السهام المميتة تمطره. لأنه كان يعلم يقينًا أن أي تشتت في تركيز جمال سيعني موته المباشر.
تود: «لا تكن أحمقًا. غايتنا نكسب ود جنرال الدرجة الأولى، لا نتنافس معها.»
بينما كان يتأمَّل تلك المرأة شبه العارية، التي تسلَّلت إلى المدينة بخفَّة، قافزةً فوق البوَّابة الرئيسية المغلقة بكل أريحية، نطق جمال بتلك الكلمات، وفي أنفاسه خنة حماسٍ لا تخطئها الأذن.
كان من أولئك الذين يمشون على السجية، غريزته الحيوانية ظاهرة على ملامحه. سواء من حيث قوَّته الجسدية ككائنٍ حي، أو في حدسه الذكوري القادر على تمييز النساء، لم يكن من النوع الذي ينسى بسهولة امرأةً أثارت شيئًا في قلبه.
مرور الوقت بدا ضبابيًا، وربما لم تدم رقصة السيف سوى بضع ثوانٍ، حتى وإن خُيِّل لهما أنها استمرَّت لساعات. ومع ذلك، لم يتجاوزا سوى أول حاجز. ورغم ذلك، لم يتراخَ جمال، بل نفَّذ ما قيل له تمامًا، واستدار إلى اليمين عند نهاية الطريق، وهناك――
كان مستعدًا للقتال حتى آخر رمق، لكن حتى وإن فعل، لن يمكنه الاحتفاظ بأي جهد احتياطي. لم يتخيَّل للحظة أن يُوقَع به بهذه الدقة، وكأن الحظ قد تخلى عنه بالكامل.
وبمعنى آخر، فقد ظهرت واحدة من أقوى أفراد الجنرالات التسعة السماويين لقمع التمرُّد―― ويبدو أنَّ هذه هي “الفرصة” التي ظنَّ تود سابقًا أنها مفقودة.
ومع ذلك――
فالسبب الذي أعاده إلى هنا قد تلاشى، والتصرُّف الحكيم الآن هو الفرار بأسرع ما يمكن. غير أنَّ――
تود: «التحرُّك أو التراجع… يستحقُّ الأمر عناء التفكير.»
تود: «حسنًا، سنعود يا جمال. سنساعدها في استعادة قاعة المدينة.»
صحيح أنَّ حِيَل ناتسومي الماكرة كانت لامعة، إلا أنه لا يمتلك قوَّة قتالٍ مباشرة، على الأقل لا تقارب حتى ثلث ما يملكه الجندي العادي. أما عشيرة الشودراك الذين اتَّبعوه، فصحيحٌ أنهم مشهورون ببأسهم، لكنَّ ذلك بالمقارنة مع عامة الناس فقط.
التفت على الفور، ليجد سهمًا ضخمًا، سميكًا، مغروسًا أسفل قدميه. شخص ما قد قطعه قبل أن يصيبه. لقد كان موجهًا نحوه، بقوة جنونية، لكن جمال هو مَن تدخَّل في اللحظة الحاسمة وأوقفه.
أما الأقوياء بحق، كأفراد الجنرالات التسعة السماويين، فلا تُقاس قوَّتهم بتلك المقاييس.
توالت ضربات السيفين الهائجين كالعاصفة نحو المرأة الشودراكية، وجمال يزمجر بأعلى صوته. تفادت الضربات بحنكة مستخدمةً رمحها، لكنها كانت في موقف دفاعي خالص.
حتى جمال، الذي لم يكن يُعرَف إلا بمهارته الهائلة في القتال، لا يزيد عن كونه يعادل اثني عشر جنديًّا من جنود الإمبراطورية. وهذه كانت الطريقة التي يُقاس بها الإنسان العادي. أما أفراد الجنرالات التسعة السماويين، فهم أولئك الذين “يتكفَّلون” بأمثال جمال بسهولة―― وسيستعيدون قاعة المدينة التي سقطت بيد العدو.
وإن لم تكن قد لفظت أنفاسها، فلا يزال ثمة طريقٌ لانتشالها.
تود: «إذًا، من البديهي المراهنة على التنين الأرضي الرابح.»
بدأت فوضى قاعة المدينة تنقشع شيئًا فشيئًا.
فما الحاجة إلى التعاون مع أحد الجنرالات التسعة السماويين؟
تود: «لا تتحدث بسوء عن خطيبتي، أوني ساما.»
بلل شفتيه بطرف لسانه، ثم اندفع تود من خلف جمال قافزًا مباشرة نحو الزنزانة، عابرًا بين خصمين يتقاذفان الشرر من شدَّة الاشتباك.
كلَّ ما ينبغي عليهم فعله، هو إثبات نفعهم للجنرال أكثر من أولئك الجنود الذين أُسروا ولم يعودوا قادرين على أداء واجبهم. فإن استطاعوا القبض على أحد الأعداء، والتحقيق معه، ثم رد الصاع صاعين، فسوف تحتفظ جنرال الدرجة الأولى بموقفهم في ذاكرتها.
في أحضان تود، انحدرت دموع أراكيّا من عينها المغلقة. وبينما كان يراقبها وهي تنساب على وجنتيها، راودته خاطرة مبهمة: رفيقته الحالية ترتدي عصابة عين… تمامًا كما فعل رفيقه السابقة.
وحينها، قد ينالان ترقيةً مرموقة، وربما يجدان طريق العودة إلى العاصمة الإمبراطورية أسرع مما كانا يتوقَّعان.
تود: «حسنًا، سنعود يا جمال. سنساعدها في استعادة قاعة المدينة.»
جمال: «هاه؟ آه، أجل! هاها، هذا رائع! يسرُّني سماع ذلك! جسدي يحكني منذ وقت، لأن الهرب ليس من طبعي. لن أترك جنرال الدرجة الأولى تأخد كل الفضل وحدها!»
جمال: «أجل، هؤلاء الأوغاد مزعجون. بعيدون جدًا عن متناول سيوفي، لكن إن لم نتصرَّف، فسيستمرون في رشقنا بالسهام. ما العمل؟»
تود: «لا تكن أحمقًا. غايتنا نكسب ود جنرال الدرجة الأولى، لا نتنافس معها.»
افتخر جمال بانتمائه لجند الإمبراطورية أكثر من افتخاره بأصله النبيل. وكانت نقمته على الحراس المتعاونين مع المتمردين الذين قاتلوا ضد الإمبراطورية لا تُحد.
تنفَّس تود تنهيدةً ثقيلة وهو ينظر إلى جمال، الذي راحت قبضتاه تتصلَّبان حماسةً مع تغيُّر الخطَّة وعودة احتمال القتال. توجَّها نحو قاعة المدينة، لكن بدلاً من الدخول مباشرةً، اتّخذا موقعًا يتيح لهما مراقبة الوضع بأفضل شكل ممكن.
تود: «… إذًا، لا خيار أمامنا سوى واحد.»
ووفاءً بمبادئه، حافظ تود على حذره وتيقُّظه، و――
وفي ضوء ما يجري، بحث تود سريعًا عن أنجع طريقة للخروج، وكان الخيار الأوفر حظًا لتحقيق نتيجة ملموسة هو――
جمال: «أوي، تود… أيها الوغد، لا تقل إنك تنوى الفرار؟»
تود: «――اقتليه، أراكيا.»
جمال: «تِش، لا يمكننا البقاء أكثر. جنرال الدرجة الأولى…»
فقد تحطَّم الطابق الأعلى من قاعة المدينة تحت عصفٍ من الرياح العاتية، فيما راحت جنرال الدرجة الأولى تُمزِّق المكان في نوبة من الهيجان.
لم يكن في كلماته كذب.
ومن مكانه البعيد، ظهرت له تلك المرأة ذات البشرة الداكنة والشعر الفضي، تمسك بفرع شجرة بدا كسلاح مرتجَل، وهي تتصرَّف كما لو كانت قانون هذا العالم الأعلى.
وبتلك الكلمات، اندفع جمال إلى الأمام بغباء ظاهر.
في القاعة المليئة بالجثث المتناثرة بعشوائية، لم يعد هناك فرق بين عشيرة الشودراك وجنود الإمبراطورية.
نظر تود نحوها، وهمَّ أن يأمر جمال بإنهاء أمرها، لكن――
لكنَّ الوضع تغيَّر، ولا مخرج في الأفق. تُرى، هل يمكن لوزن كلٍ من تود وجمال أن يُعيد الكفة إلى الجهة الأخرى؟
وفي خضمِّ هذا المشهد، وقف أمام أراكيا رجلٌ تختبئ خلفه فتاةٌ زرقاء الشعر―― لم يكن سوى ناتسومي شوارتز.
وإلا، فلا معنى للبقاء في مدينة الحصن، التي وقعت بين يدي العدو.
تود: «――――»
وقد علم منذ النظرة الأولى―― أن تلك المرأة تنتمي هي الأخرى إلى فئة “ذوي الحظوظ”، أولئك الذين تفصلهم عن البشر العاديين مسافاتٌ شاسعة.
وما إن وقعت عيناه عليه، لم يتبادر إلى ذهن تود أفكارٌ ساخرة من قبيل: “أيِّ أحمق يقف في وجه جنرال الدرجة الأولى؟” أو “كيف ما زال حيًّا حتى الآن؟”
ما إن خرج من الزقاق، حتى انطلقت نحوه سهام طائرة، يلفُّها الإعصار.
بل على العكس، وبكل حذرٍ ويقظة، صرخ تود في قلبه بأعلى صوته:
لكن، وعلى نحوٍ متناقض――
لم يكن في كلماته كذب.
――«اقتليه الآن، يا أراكيا… ولا تدعي له أثرًا!»
فما عداه، إن كُتب له النجاح أو الفشل، لم يكن يهمُّ تود في شيء. لم يكن يعبأ إن ضاع منه الفضل، أو إن ثبت أن كل ذلك الوقت الذي أمضاه في التفكير لم يؤتِ أُكله.
وحينها، قد ينالان ترقيةً مرموقة، وربما يجدان طريق العودة إلى العاصمة الإمبراطورية أسرع مما كانا يتوقَّعان.
لم يكن يهمُّه أي شيءٍ آخر، طالما تأكَّد من أنَّ حياة ناتسومي شوارتز، رمز الحرب ورايتها، قد انطفأت إلى الأبد. لو تحقق ذلك، لكان――
ما إن خرج من الزقاق، حتى انطلقت نحوه سهام طائرة، يلفُّها الإعصار.
تود: «لم أكن أنوي الانخراط في مهمتك الانتحارية، لكن إن لم تكن كذلك، فالأمر يختلف.»
تود: «…أوي أوي، لا تقل لي أنك تمزح الآن.»
في اللحظة التي همَّت فيها أراكيا بإنهاء ناتسومي، تحطَّمت آمال تود الصادقة فجأة، حين لمع شيءٌ ما أمام مجال رؤيته الضيِّق، بينما كان قد ركَّز بكل حواسه على ألا يفوته ذلك المشهد الحاسم.
ثم استدار بجسده العريض نحو تود.
وميضٌ من الضوء القرمزي فصل بين ناتسومي وأراكيا.
جمال: «هل يجب أن أجب؟ أنتم لطَّختُم سمعة ذئب السيف للإمبراطورية فولاكيا! لا تظنوا أنكم انتصرتم في ساحة لم أكن فيها!»
وقف بشموخ في وجه جنرال الدرجة الأولى، وفي الوقت نفسه، حجب ناتسومي خلف ظهره، كما لو أنَّه أقوى كيانٍ في هذا العالم بأسره. وما إن رأى تود هذا المشهد، حتَّى اختلَّ توازنه الداخلي اختلالًا شديدًا.
ومن مكانه البعيد، ظهرت له تلك المرأة ذات البشرة الداكنة والشعر الفضي، تمسك بفرع شجرة بدا كسلاح مرتجَل، وهي تتصرَّف كما لو كانت قانون هذا العالم الأعلى.
جمال: «ما الذي سقط من السماء الآن؟! تنينٌ طائر؟! أين التنين الطائر؟!»
تود: «――――»
جمال: «هل تسمعني يا تود؟ ماذا عنا؟ ألسنا هنا لندعم جنرال الدرجة الأولى أراكيا؟ أجبني!»
ويبدو أن جمال قرَّر أن يفتعل جلبةً أخيرة قبل أن يُقدم على ما ينوي فعله.
تود: «نعم، هذا ما ظننت. ظننتك تريد أن تموت مثل كلب.»
تود: «――اصمت، جمال.»
توالت ضربات السيفين الهائجين كالعاصفة نحو المرأة الشودراكية، وجمال يزمجر بأعلى صوته. تفادت الضربات بحنكة مستخدمةً رمحها، لكنها كانت في موقف دفاعي خالص.
شهق جمال بصوتٍ مبحوح عند سماع كلمات تود، وقد خَشُن صوته بفعل تغير مجرى الأحداث.
تود: «حسنًا، سنعود يا جمال. سنساعدها في استعادة قاعة المدينة.»
لكنَّ تود لم يلتفت إليه بعدها، بل بقيت عيناه مسمَّرتين على المشهد داخل قاعة المدينة. تلك المرأة ذات الفستان القرمزي، التي ظهرت بغتةً، كانت تواجه أراكيا وجهًا لوجه.
وقد كان تود يعلم تمامًا: هكذا يخوض عديمو الموهبة معاركهم.
وقد علم منذ النظرة الأولى―― أن تلك المرأة تنتمي هي الأخرى إلى فئة “ذوي الحظوظ”، أولئك الذين تفصلهم عن البشر العاديين مسافاتٌ شاسعة.
تمكَّن ناتسومي من النجاة من موقفٍ ميؤوسٍ منه، وتيقَّن تود أنَّ في جعبة هذا الرجل ما يملكه، شيءٌ يملكه ويتميّز به، لا علاقة له بالقوة القتالية أو الحظ.
؟؟؟: «إن بقيتَ على قيد الحياة، فستحظى بفرصةٍ لمسح عارك. أمَّا إن مُتَّ، فذاك هو الختام. لذا… سأرحل. لن أخوض معركة لا أرى في نفسي قدرة على الظفر بها.»
تود: «――――»
لو لم تتدخَّل تلك المرأة القرمزية، لكانت أراكيا وحدها كافيةً لإعادة موازين القوى لصالحهم.
لو لم تتدخَّل تلك المرأة القرمزية، لكانت أراكيا وحدها كافيةً لإعادة موازين القوى لصالحهم.
لكنَّ الوضع تغيَّر، ولا مخرج في الأفق. تُرى، هل يمكن لوزن كلٍ من تود وجمال أن يُعيد الكفة إلى الجهة الأخرى؟
جمال: «حتى لو مشيتَ متبخترًا متذاكيًا بكل الطرق، في النهاية، الحظ لا يدوم، أليس كذلك…؟ هه، لا جدوى من كل هذا. لكن… لم يكن بالأمر السيئ.»
جمال: «تود…!»
لا بد أن تلك المرأة الشودراكية كانت تملك قدرًا معتبرًا من المهارة، إذ أُوكل إليها حراسة أراكيا. غير أنها على ما يبدو لم تتوقع أن يظهر أحدٌ لاستعادة أسيرتهم بعد لحظات قليلة من وضعها في الزنزانة.
تود: «لا تتحرَّك، جمال―― لا يمكنك أن تفعل شيئًا في الوقت الراهن.»
جمال: «تود…!»
الجنرالات التسعة السماويين كانوا محاربي النخبة، يمثِّلون ذروة القوَّة العسكرية للإمبراطورية فولاكيا.
كانت الاحتمالات ضدهم، وكلَّما طال نظر تود، ازداد الموقف سوءًا.
△▼△▼△▼△
كان يعلم أنَّ الغضب بدأ يسيطر على جمال، لكن أيَّ تصرّفٍ الآن لن يكون سوى هدرٍ للوقت.
تود: «فاقدة للوعي، لكنها لا تزال حيَّة. وذلك يكفينا.»
ففي النهاية――
بأعجوبة، تمكَّنا من اجتياز طريق الموت المستقيم وبلغا نهايته كما خُطِّط.
تود: «لأنَّ جنرال الدرجة الأولى أراكيا… هُزِمَت الآن لتوِّها.»
ربما اعتقد أن اشتداد الخطر يعني مزيدًا من الدماء، ومزيدًا من الإخلاص للإمبراطورية.
فقد أصابها سيف المرأة القرمزية في ظهرها، وسقطت أراكيا بلا حولٍ ولا قوَّة، على الأرض.
وما كان يلزم الحذر منه هو ناتسومي وتلك المرأة ذات الثوب القرمزي. التحرك في وجودهما يُعادل الانتحار. لكن هذا لا يعني أن خصمهما خرج من المعركة سالمًا دون أن يناله شيء.
لو لم تتدخَّل تلك المرأة القرمزية، لكانت أراكيا وحدها كافيةً لإعادة موازين القوى لصالحهم.
تحطَّم التوازن، ولن تعود الكفة لتميل في الاتجاه الآخر أبدًا.
فإن لم يعد جمال سالمًا، فلن يكون بالإمكان الوفاء بالوعد الذي قُطع.
△▼△▼△▼△
وحينها، قد ينالان ترقيةً مرموقة، وربما يجدان طريق العودة إلى العاصمة الإمبراطورية أسرع مما كانا يتوقَّعان.
تود: «――――»
انبعث صوت مكتومٌ وارتداد صلب، حتى إن طرف الفأس تصدَّع بقوة، لكن القفل انكسر على نحو مدوٍّ، فانفتح الباب المزعج، واقتحم تود الزنزانة دون تردد.
انهارت أراكيا، ووصلت الأحداث في قاعة المدينة إلى خاتمتها المحتومة.
في هذه اللحظة، سقطت مدينة الحصن غوارال بالكامل في يد العدو، ولم يعُد هناك أي سبيلٍ لاستعادتها.
؟؟؟: «…ظللتَ أحمقًا حتى النهاية، أليس كذلك؟»
فقد هُزِمَت المصنفة الثانية من الجنرالات التسع السماويين، ولا احتمال لبروز تعزيزات جديدة تتدخَّل في الموقف.
الجنرالات التسعة السماويين كانوا محاربي النخبة، يمثِّلون ذروة القوَّة العسكرية للإمبراطورية فولاكيا.
وكان سبب استلقاء أراكيا على وجهها يرجع إلى الجرح الغائر في ظهرها، وقد غطَّته ندبة بشعة أُحرقت لإغلاقها على الفور.
وكانت قوَّة كلِّ واحدٍ منهم تعادل جيشًا كاملًا، إن لم يكن أكثر. ولم يكن من عادة الإمبراطورية أن تُرسل اثنين أو ثلاثة من أولئك الجنرالات لمعالجة موقفٍ واحد. لقد انتهى كل شيء.
مرور الوقت بدا ضبابيًا، وربما لم تدم رقصة السيف سوى بضع ثوانٍ، حتى وإن خُيِّل لهما أنها استمرَّت لساعات. ومع ذلك، لم يتجاوزا سوى أول حاجز. ورغم ذلك، لم يتراخَ جمال، بل نفَّذ ما قيل له تمامًا، واستدار إلى اليمين عند نهاية الطريق، وهناك――
اختلَّ التوازن، وما تبقّى الآن هو التفكير في كيفية الانسحاب من الساحة بما تبقَّى من شرف.
تود: «ما الخطوة التالية؟»
المرأة التي تولَّت الحراسة كانت ضخمة، وأطرافها مكسوة بلحم صلب. وبحسب ما يعرفه عن بُنية الشودراك، فحتى فأس تود قد لا يتمكن من تقطيع أحد أطرافها.
ولو كان الأمر يُريح جمال لو أفرغ عليه لكمةً أو اثنتين، لتقبَّلها، لكن الواضح أنَّ جمال لم يكن ينوي ذلك، إذ اكتفى بالنفخ بلسانه ودفع تود بعيدًا.
من وراء ظلِّ المبنى الذي كان يُراقب منه مجريات قاعة المدينة، أخذ تود يُفكِّر بصمت.
منذ البداية، لم يكن إقناع جمال بالأمر سهلًا، حتى بعد سقوط المدينة واحتراق علم قاعة المدينة فوق أسطحها.
وفي الحقيقة، كان الغضب والإحباط يغليان بداخله، لكن إطلاقهما لن يُغيِّر شيئًا.
وشعر بالارتياح لذلك―― إذ إن جمال، حتى نخاعه، كان من ذئاب السيف التابعة للإمبراطورية فولاكيا.
فالسبب الذي أعاده إلى هنا قد تلاشى، والتصرُّف الحكيم الآن هو الفرار بأسرع ما يمكن. غير أنَّ――
جمال: «أوي، تود… أيها الوغد، لا تقل إنك تنوى الفرار؟»
ولذلك، فهذه كانت المرة الأولى التي يرى فيها تود عن قرب أحد جنرالات الدرجة الأولى، أحد أفراد الجنرالات التسعة السماويين.
حدٍَق جمال فيه بعينين ملتهبتين، والعِرق النافر في جبينه ينبض كأنه يكاد ينفجر، في دلالةٍ على احتقانه.
وقف بشموخ في وجه جنرال الدرجة الأولى، وفي الوقت نفسه، حجب ناتسومي خلف ظهره، كما لو أنَّه أقوى كيانٍ في هذا العالم بأسره. وما إن رأى تود هذا المشهد، حتَّى اختلَّ توازنه الداخلي اختلالًا شديدًا.
منذ البداية، لم يكن إقناع جمال بالأمر سهلًا، حتى بعد سقوط المدينة واحتراق علم قاعة المدينة فوق أسطحها.
أما الأقوياء بحق، كأفراد الجنرالات التسعة السماويين، فلا تُقاس قوَّتهم بتلك المقاييس.
لكن في تلك اللحظات، كان من الممكن احتواء عاطفته، وتوجيهها قليلًا… ومع أنَّه لم يكن راغبًا، إلا أنَّ تود تمكَّن من إقناعه آنذاك، وجعل سيوفه التي كادت تخرج من غمدها تعود إلى مكانها.
جمال: «أنا آسف بشأن كاتيا، لكن لا مفرَّ من هذا. هي من النبلاء الإمبراطوريين أيضًا. وأكاد أجزم أنها كانت مستعدة لِما قد يحدث لي ولك.»
غير أن هذا لم يعد ينطبق على الآن، بعدما تكرَّر المشهد، وسمح تود نفسه لجمال بأن يُشهر سيوفه من جديد. ومهما قال له الآن، فليس من المتوقع أن يستمع أو يطيع.
بل، والأسوأ من ذلك، أنه إن قيلت كلمةٌ في غير محلِّها… فقد تكون أوَّل ما تمسَّه نصلُ سيفه هي رقبة تود نفسه.
وميضٌ من الضوء القرمزي فصل بين ناتسومي وأراكيا.
إن حدث ذلك، فلن يبقى ما يمنع تود من قتل جمال―― خطيب أخته المستقبلي. وكان قتلُه آخر خيارٍ يرغب به.
فقد تحطَّم الطابق الأعلى من قاعة المدينة تحت عصفٍ من الرياح العاتية، فيما راحت جنرال الدرجة الأولى تُمزِّق المكان في نوبة من الهيجان.
فإن لم يعد جمال سالمًا، فلن يكون بالإمكان الوفاء بالوعد الذي قُطع.
الحرس الذين تولُّوا الحراسة لم يكونوا جنود الإمبراطورية ولا عشيرة الشودراك، بل عناصر من الحرس المحلي الذين عهدت إليهم الجهات الرسمية بأمن المدينة. وكان هؤلاء قد استُدعوا من قِبل العناصر المضطربة التي تسببت في سقوط غوارال―― وإن كانوا لا يستحقون الآن أن يُطلق عليهم لقب “جيش التمرُّد” كما كان سابقًا.
تود: «فلنجرِّب هذا النهج.»
جمال: «آه، حسنًا إذًا، وأنت ماذا عنك؟ تبدو مترددًا.»
انفرجت شفتا تود بابتسامة باهتة، وهو يحدق في جمال من خلال أصابعه التي سدَّ بها فمه، وكأنه يُعنِّفه على هذا الاندفاع البدائي. مرر طرف لسانه على نابه الأبيض بسخرية، وارتسمت على وجهه ابتسامة جانبية.
جمال: «هاه؟»
تود: «… أفهم تمامًا ما تشعر به، لكن عليك أن تهدأ. الآن، بعدما هُزِمَت جنرال الدرجة الأولى أراكيا، لم يعد هناك أمل في النصر حتى لو اقتحمنا المكان. أتُريد أن تحزن أختك بموتٍ لا طائل منه؟»
لم يكن يظن نفسه حكيمًا، ولو بقدر ذرَّة، لكنُّه أدرك لذلك السبب بالذات أنه بحاجةٍ إلى التأني في قراراته. فالحكيم قد يبلغ قراره في لحظة، بينما يتخبَّط الأحمق عمرًا كاملًا ليصل إليه.
هولي: «… هك! أنت قوي حقًا~!»
جمال: «――――»
تود: «آه يا للعجب، كم تبدين بريئة. ومع ذلك، لو كنتِ من الجنرالات التسعة السماويين، فلا بد أن عدد مَن قتلتيهم يتجاوز المئة… أو المئتين.»
محاولةٌ لإقناعه عبر استغلال محبته لأسرته درعًا.
ورغم تعبير الغضب ذاك، صرف تود انتباهه عنه وركُّز نظره على هدفه القادم.
مباشرة إلى الأمام، تَفادَ، اقْطع، اندفع، اقفز، ابْعِد، وافتح الطريق.
وما إن رمقه تود بنظرةٍ ترجوه أن يستجيب، حتى امتدت يدٌ نحو قَبَّة قميصه وأمسكت بها بصمت. ثم، بزفيرٍ خشن، كشف جمال ذو العين الواحدة عن أنيابه وهو يجذب تود ناحيته.
جمال: «أخبرك بشيء… إن كنت تظنُّ أنني سأتراجع كلَّما ذكرت اسم كاتيا، فأنت واهم.»
كان من أولئك الذين يمشون على السجية، غريزته الحيوانية ظاهرة على ملامحه. سواء من حيث قوَّته الجسدية ككائنٍ حي، أو في حدسه الذكوري القادر على تمييز النساء، لم يكن من النوع الذي ينسى بسهولة امرأةً أثارت شيئًا في قلبه.
تود: «أفهم… مؤسف فعلًا.»
في أحضان تود، انحدرت دموع أراكيّا من عينها المغلقة. وبينما كان يراقبها وهي تنساب على وجنتيها، راودته خاطرة مبهمة: رفيقته الحالية ترتدي عصابة عين… تمامًا كما فعل رفيقه السابقة.
هزَّ تود رأسه ببطء، معبِّرًا بصدقٍ عن خيبة أمله.
ولو كان الأمر يُريح جمال لو أفرغ عليه لكمةً أو اثنتين، لتقبَّلها، لكن الواضح أنَّ جمال لم يكن ينوي ذلك، إذ اكتفى بالنفخ بلسانه ودفع تود بعيدًا.
مرور الوقت بدا ضبابيًا، وربما لم تدم رقصة السيف سوى بضع ثوانٍ، حتى وإن خُيِّل لهما أنها استمرَّت لساعات. ومع ذلك، لم يتجاوزا سوى أول حاجز. ورغم ذلك، لم يتراخَ جمال، بل نفَّذ ما قيل له تمامًا، واستدار إلى اليمين عند نهاية الطريق، وهناك――
لم يكن هناك داعٍ لمثل هذا التصعيد، ومع ذلك، لم يكن ثمة وسيلة لإيقافه.
تود: «――لا بأس إطلاقًا في خوض معركةٍ نملك فيها احتمالًا للانتصار.»
جمال: «ليس هناك مجال للشك. إنها نفس المرأة التي رأيتها منذ عامين، عندما كنت أخدم وقت سحق البرابرة―― جنرال الدرجة الأولى، أراكيا، المصنفة الثانية.»
وعلى هذا، التفت تود إلى جمال، وبدأ يفكر جديًا في تسلُّق جدار القلعة والفرار بمفرده.
تود لن يضع حياته أبدًا في رهان يائس، حتى وإن كان ميتًا―― بل إنه لن يقدم على ذلك بالضبط كي لا يموت.
تود: «التحرُّك أو التراجع… يستحقُّ الأمر عناء التفكير.»
لحسن الحظ، كان قد حفظ تضاريس المدينة خلال بحثهم عن الممرات السرِّية سابقًا. ومع أنَّ أراكيا لم تحقق هدفها، فإنها على الأقل خلقت نوعًا من الفوضى، مما جعل الهروب أسهل مما كان عليه قبل مجيئها.
غير أن هذا لم يعد ينطبق على الآن، بعدما تكرَّر المشهد، وسمح تود نفسه لجمال بأن يُشهر سيوفه من جديد. ومهما قال له الآن، فليس من المتوقع أن يستمع أو يطيع.
ويبدو أن جمال قرَّر أن يفتعل جلبةً أخيرة قبل أن يُقدم على ما ينوي فعله.
الحرس الذين تولُّوا الحراسة لم يكونوا جنود الإمبراطورية ولا عشيرة الشودراك، بل عناصر من الحرس المحلي الذين عهدت إليهم الجهات الرسمية بأمن المدينة. وكان هؤلاء قد استُدعوا من قِبل العناصر المضطربة التي تسببت في سقوط غوارال―― وإن كانوا لا يستحقون الآن أن يُطلق عليهم لقب “جيش التمرُّد” كما كان سابقًا.
تود: «جمال، آسف، لكنني راحل. سأقولها مرة أخرى، مع أنني أعلم أنك لن تُصغي: ستموت ميتةً تافهة. حتى لو دخلت إلى هناك، لن تستطيع القضاء عليهم جميعًا…»
――«اقتليه الآن، يا أراكيا… ولا تدعي له أثرًا!»
جمال: «أحمق! أظنُّك تظنُّ أنني أنوي شيئًا بهذا الغباء! أنا ذاهبٌ لإنقاذ جنرال الدرجة الأولى أراكيا!»
تود: «أمسكت بها! جمال، لنرحل!»
تود: «… ماذا؟»
في اللحظة التي سمع فيها صوت الريح، مرَّ نصل خلفه مباشرة.
ظن أنُّه يواجه عاطفةً عبثية لا طائل منها، فإذا بجمال يتفوَّه بكلمات لم تخطر لتود على بال.
تجمَّد تود في مكانه، وحدَّق في وجه جمال، الذي ردَّ عليه بتنهيدة خفيفة:
ومن مكانه البعيد، ظهرت له تلك المرأة ذات البشرة الداكنة والشعر الفضي، تمسك بفرع شجرة بدا كسلاح مرتجَل، وهي تتصرَّف كما لو كانت قانون هذا العالم الأعلى.
جمال: «أتعتقد حقًا أنَّني سأندفع بروحٍ مستعدة للموت؟»
تود: «――تهك!»
جمال: «تنحُّوا من طريقي، أيها الحمقى!»
تود: «نعم، هذا ما ظننت. ظننتك تريد أن تموت مثل كلب.»
جمال: «كفاك ترَّهات! أنا أستفيد من ذكائك في التخطيط، لكن عندي عقلٌ أفكِّر به أيضًا! أقدر أن أُميِّز بين ما يمكن فعله وما يستحيل.»
تود: «ما إن نقفز إلى الخارج، سيطلق علينا السهام فورًا. سأجعلك تتقدمني، وتصد السهام كما فعلت قبل قليل. لن تكون رمية واحدة، بل ربما اثنتان أو ثلاث. سأركض بكل ما أملك، كي لا أسقط الجنرال من على كتفي.»
أجاب تود بوضوح، وهو يركض خارج الزنزانة. أما جمال، الذي سبقه قليلًا، فقد تولَّى فتح الطريق أمامه، لكن تود سرعان ما تجاوزه بخفة.
لقد أذهل جمال تود فعلًا بما لم يكن يتوقَّعه.
أزعج الصوت تركيز تود، فلوَّح بيده نحوه، يأمره بالصمت. أما هو، فكان لا يزال يراقب الموقف بدقَّة، محاولًا تقييم الوضع بجدية.
رفع قبضته المشدودة أمام عينه اليمنى، وأخذ يتطلَّع إلى البعيد عبر الثقب الضيِّق الذي صنعه بأصابعه.
فرغم أنَّه يملك خبرةً قتالية في ساحة المعركة، إلا أنَّه بدا دائمًا لتود رجلًا بسيط التفكير، خشن الطبع، لا يدري ما معنى التأمُّل ولا يهمه.
وبتلك الكلمات، اندفع جمال إلى الأمام بغباء ظاهر.
جمال: «على ما يبدو، إن كنت جبانًا حقًا، فكاتيا لم تحسن اختيار الرجل. سأنقذ جنرال الدرجة الأولى أراكيا… عندها سأظفر بذلك الجسد الجميل!»
وكما قيل من قبل، فقد فكَّر تود أصلًا في الفرار من المدينة بعد سقوط قاعة المدينة، حسبما خُطَّط له في خطة العدو. لم تكن لديه أي نية في الامتثال لأوامر نزع السلاح أو الاستسلام المهذَّب.
تود: «――انتظر، سآتي معك.»
لقد كانت أفكار تود وتصرفاته مربكة ومحبطة في كثير من الأحيان.
جمال: «أوه! لا تقل لي أنك لم تكتفِ بجسد كاتيا…؟»
إن حدث ذلك، فلن يبقى ما يمنع تود من قتل جمال―― خطيب أخته المستقبلي. وكان قتلُه آخر خيارٍ يرغب به.
تود: «لم أكن أنوي الانخراط في مهمتك الانتحارية، لكن إن لم تكن كذلك، فالأمر يختلف.»
تود اعتاد أن يُكوِّن تصورًا جغرافيًا لأي مكان يطأه، ولو مرة واحدة. لم يكن يشعر بالأمان ما لم يعلم مسبقًا طريق الهروب ومخابئ النجاة.
نادرًا ما يجد المرء مَن تتطابق أقواله مع أفعاله بهذه الصورة الصارخة.
من دون أن يرد على ذلك الاتهام الفج، سدَّ تود فم جمال بكفه. أجبره على الصمت، وفي ذهنه راح يُعيد ترتيب خطوات الخطة بعد هذا التغيير الطارئ.
بل على العكس، وبكل حذرٍ ويقظة، صرخ تود في قلبه بأعلى صوته:
فمن طبع تود ألَّا يتحرك بدافع اللحظة. ومع ذلك، وكلما طالت صحبته لجمال، ازدادت خبرته في فن الارتجال الميداني.
ولو اعتزم جمال الموت بشرفٍ وهو يحاول استعادة قاعة المدينة، لتركه يلقى حتفه وحده. أما إن كان هدفه إنقاذ أراكيا، فذلك شأن آخر.
تود: «――――»
علم مواضع القتل الخفية، ومواقع الاختباء عن العيون.
بدأت فوضى قاعة المدينة تنقشع شيئًا فشيئًا.
وما كان يلزم الحذر منه هو ناتسومي وتلك المرأة ذات الثوب القرمزي. التحرك في وجودهما يُعادل الانتحار. لكن هذا لا يعني أن خصمهما خرج من المعركة سالمًا دون أن يناله شيء.
△▼△▼△▼△
إن غفل الطرف الآخر عن الحذر، فقد تبرز فرصة لا تُعوَّض.
جمال: «سأقتحم المكان وأحدث ضجة. وإن استغللنا تلك اللحظة، نقدر على إنقاذ جنرال الدرجة الأولى أراكيا…»
تود: «جنرال الدرجة الأولى، أراكيا!»
لكن جمال بدا وكأنه يستمتع بالقفز إلى قلب الخطر.
تود: «لقد أعجبتني قليلًا منذ لحظات، لكن يبدو أن ذلك تبخَّر الآن… هناك شخصان لا بد أن نحذر منهما. لا تفعل شيئًا أمام أعينهما. واطمئن، سنجد مخرجًا.»
من دون أن يرد على ذلك الاتهام الفج، سدَّ تود فم جمال بكفه. أجبره على الصمت، وفي ذهنه راح يُعيد ترتيب خطوات الخطة بعد هذا التغيير الطارئ.
انفرجت شفتا تود بابتسامة باهتة، وهو يحدق في جمال من خلال أصابعه التي سدَّ بها فمه، وكأنه يُعنِّفه على هذا الاندفاع البدائي. مرر طرف لسانه على نابه الأبيض بسخرية، وارتسمت على وجهه ابتسامة جانبية.
تود: «――――»
هو قتلهم لأنه كان مضطرًا، ولو لم يكن، لما أقدم على ذلك.
وبطرف عينه، لمح أراكيا تُحمَل بعيدًا، رغم أنها كانت على شفا الموت.
كانت تلك رمية دقيقة، موجهة بعناية نحو اثنين يجريان ويتنقلان بخفة في قلب المدينة.
ففي النهاية――
وإن لم تكن قد لفظت أنفاسها، فلا يزال ثمة طريقٌ لانتشالها.
△▼△▼△▼△
ثم استدار بجسده العريض نحو تود.
――كان التسلل إلى قاعة المدينة أمرًا يسيرًا.
فمهما كانت إقامتهم فيه قصيرة، فقد كان يومًا مقرهم الرئيسي.
فمهما كانت إقامتهم فيه قصيرة، فقد كان يومًا مقرهم الرئيسي.
لقد أذهل جمال تود فعلًا بما لم يكن يتوقَّعه.
تود اعتاد أن يُكوِّن تصورًا جغرافيًا لأي مكان يطأه، ولو مرة واحدة. لم يكن يشعر بالأمان ما لم يعلم مسبقًا طريق الهروب ومخابئ النجاة.
ولو اعتزم جمال الموت بشرفٍ وهو يحاول استعادة قاعة المدينة، لتركه يلقى حتفه وحده. أما إن كان هدفه إنقاذ أراكيا، فذلك شأن آخر.
ولهذا، بعد احتراق معسكرهم في غابة بودهايم ودخوله إلى غوارال، جاب أرجاء المدينة كافة، بما فيها قاعة المدينة، ورسم خريطة ذهنية دقيقة.
علم مواضع القتل الخفية، ومواقع الاختباء عن العيون.
علم مواضع القتل الخفية، ومواقع الاختباء عن العيون.
فأيًّا كان نوع الخطر الذي سيواجهه، امتلك دومًا طريقًا للقتل، وآخر للهروب.
ولو سارت الأمور كما ينبغي، لربما كانوا ليشاهدوا رقصة إحدى الراقصات المدعوات إلى قاعة المدينة في اليوم التالي.
تود: «خمسة.»
قال ذلك بصوت منخفض، وهو يتسلل داخل قاعة المدينة ويُسقط بعض الحراس هنا وهناك.
أن يُلقي المرء بنفسه في معركة لا أمل في الفوز بها، لا يفعلها إلا أحمقٌ أخرق لا يُصدَّق.
حتى جمال، الذي لم يكن يُعرَف إلا بمهارته الهائلة في القتال، لا يزيد عن كونه يعادل اثني عشر جنديًّا من جنود الإمبراطورية. وهذه كانت الطريقة التي يُقاس بها الإنسان العادي. أما أفراد الجنرالات التسعة السماويين، فهم أولئك الذين “يتكفَّلون” بأمثال جمال بسهولة―― وسيستعيدون قاعة المدينة التي سقطت بيد العدو.
الحرس الذين تولُّوا الحراسة لم يكونوا جنود الإمبراطورية ولا عشيرة الشودراك، بل عناصر من الحرس المحلي الذين عهدت إليهم الجهات الرسمية بأمن المدينة. وكان هؤلاء قد استُدعوا من قِبل العناصر المضطربة التي تسببت في سقوط غوارال―― وإن كانوا لا يستحقون الآن أن يُطلق عليهم لقب “جيش التمرُّد” كما كان سابقًا.
تود: «لو لم أكن هنا، لكنتَ على الأرجح تخوض كل هذا النوع من الرهانات.»
بدأت فوضى قاعة المدينة تنقشع شيئًا فشيئًا.
جمال: «لن أُظهر لكم أي شفقة.»
جمال: «إنه أمر واضح، أليس كذلك؟ قاتل كجندي إمبراطوري، وفز بالحرب! حينها يمكنني أن أفتخر بأنني جندي في الإمبراطورية.»
تفجَّر الغضب من صوته وهو يكسر عنق أحد الحراس بقبضتيه معًا.
وعلى هذا، التفت تود إلى جمال، وبدأ يفكر جديًا في تسلُّق جدار القلعة والفرار بمفرده.
افتخر جمال بانتمائه لجند الإمبراطورية أكثر من افتخاره بأصله النبيل. وكانت نقمته على الحراس المتعاونين مع المتمردين الذين قاتلوا ضد الإمبراطورية لا تُحد.
وبمعنى آخر، فقد ظهرت واحدة من أقوى أفراد الجنرالات التسعة السماويين لقمع التمرُّد―― ويبدو أنَّ هذه هي “الفرصة” التي ظنَّ تود سابقًا أنها مفقودة.
وبينما كان يتأمل ظهر جمال العريض، شدَّ تود قبضته على جسد أراكيا التي يحملها.
فهم قد وقفوا في صف الجنود قبل سقوط المدينة؛ لذا من الطبيعي أن يغضب من تبدُّل ولائهم بهذه السرعة.
تود: «… أفهم تمامًا ما تشعر به، لكن عليك أن تهدأ. الآن، بعدما هُزِمَت جنرال الدرجة الأولى أراكيا، لم يعد هناك أمل في النصر حتى لو اقتحمنا المكان. أتُريد أن تحزن أختك بموتٍ لا طائل منه؟»
تود: «أما أنا، فلي رأي آخر.»
هو قتلهم لأنه كان مضطرًا، ولو لم يكن، لما أقدم على ذلك.
ولهذا السبب، لم يتردَّد في قرار مغادرة المدينة. ومع ذلك، فقد تغلَّبت عليه فضوله، فتوارى في موقعٍ يتيح له مراقبة قدوم أيِّ تعزيزات نحو المدينة.
فإن كانوا قد غيروا ولاءهم لمجرد البقاء في صف الأقوى، فلا يُلامون، لكن عليهم أن يدفعوا ثمن خيارهم الخاطئ بأرواحهم.
فالمعركة بالكاد انتهت، والاضطراب لا يزال يعصف في الأرجاء، وهناك ما لا يقل عن ثلاثمائة جندي إمبراطوري يرتدون الزي ذاته في المدينة، ما يصعُّب تمييزهم عن بعضهم البعض.
وعلى هذا المنوال، واصل الاثنان――تود وجمال―― طريقهما نحو الهدف، يزيلان مَن يعترضهما.
قال ذلك بصوت منخفض، وهو يتسلل داخل قاعة المدينة ويُسقط بعض الحراس هنا وهناك.
كان في سرداب قاعة المدينة سجنٌ مخصص للمجرمين الذين ينتظرون المحاكمة أمام حاكم المدينة. ومن المرجَّح أن تكون أراكيا، بعد أن وقعت أسيرة، محتجزة هناك أيضًا.
جمال: «هل يجب أن أجب؟ أنتم لطَّختُم سمعة ذئب السيف للإمبراطورية فولاكيا! لا تظنوا أنكم انتصرتم في ساحة لم أكن فيها!»
بطبيعة الحال، فإن قضبان الحديد لا تساوي شيئًا أمام واحدة من الجنرالات التسعة السماويين، لكنها على الأقل أفضل من استقبالها في غرفة ضيافة.
كان في سرداب قاعة المدينة سجنٌ مخصص للمجرمين الذين ينتظرون المحاكمة أمام حاكم المدينة. ومن المرجَّح أن تكون أراكيا، بعد أن وقعت أسيرة، محتجزة هناك أيضًا.
فإن كانوا قد غيروا ولاءهم لمجرد البقاء في صف الأقوى، فلا يُلامون، لكن عليهم أن يدفعوا ثمن خيارهم الخاطئ بأرواحهم.
وربما كان تود سيفعل الشيء نفسه لو كان في موضعهم――
لقد كانت أفكار تود وتصرفاته مربكة ومحبطة في كثير من الأحيان.
جمال: «أوي! سقف قاعة المدينة اختفى! ما الذي يجري بحق؟»
جمال: «――ها هي هناك، جنرال الدرجة الأولى.»
وإلا، فلا معنى للبقاء في مدينة الحصن، التي وقعت بين يدي العدو.
المرأة التي تولَّت الحراسة كانت ضخمة، وأطرافها مكسوة بلحم صلب. وبحسب ما يعرفه عن بُنية الشودراك، فحتى فأس تود قد لا يتمكن من تقطيع أحد أطرافها.
في الطابق السفلي من السرداب، اصطُفَّت الزنازين على جانبي الممر. أما صغار المجرمين، فكانوا في الزنازين القريبة، بينما خُصِّصت الزنازين القصوى لأولئك الأشد خطورة.
في اللحظة التي همَّت فيها أراكيا بإنهاء ناتسومي، تحطَّمت آمال تود الصادقة فجأة، حين لمع شيءٌ ما أمام مجال رؤيته الضيِّق، بينما كان قد ركَّز بكل حواسه على ألا يفوته ذلك المشهد الحاسم.
وكما هو متوقَّع، كانت الزنزانة الواقعة في نهاية الممر، حيث وُضعت أراكيا، تحت حراسة مشددة.
وسيلة بدائية لتحسين الرؤية البعيدة، بتضييق مجال النظر. ولو ضيَّق عينيه، لتمكَّن من رؤية مدى بعيد، لكنُّه لن يستطيع إدراك ما يجري داخل قاعة المدينة المشتعلة، دع عنك ما وراء الأعلام المحترقة.
لكن الحارس هذه المرة لم يكن من رجال الأمن، بل امرأة من الشودراك. كانت امرأة ضخمة ذات شعر مصبوغ باللون الأصفر، وبنظرة واحدة، أمكنه استيعاب مدى براعتها.
تذكَّر أخته التي تركها في العاصمة الإمبراطورية، فشعر بوخزة خفيفة في صدره. لكنها سرعان ما غرقَت في عزيمته على مجابهة الأعداء أمامه، وفي رائحة الدم التي غطَّت المكان.
وفوق ذلك، فإن تصميم المكان لا يسمح بالاقتراب من زنزانة أراكيا دون أن تُكشف خطاهم لتلك المرأة. وبعبارة أخرى――
جمال: «ليس هناك مجال للشك. إنها نفس المرأة التي رأيتها منذ عامين، عندما كنت أخدم وقت سحق البرابرة―― جنرال الدرجة الأولى، أراكيا، المصنفة الثانية.»
جمال: «أظن أن وقت التسلل انتهى.»
تود: «لم أكن أنوي الانخراط في مهمتك الانتحارية، لكن إن لم تكن كذلك، فالأمر يختلف.»
تود: «… وأنت، ما الذي يضحكك؟»
جمال: «هيا بنا، تود… لنُرهم على الأقل ممّ نحن مصنوعون، لمرّةٍ أخيرة.»
كان من الصعب فهم هذا الابتهاج الذي ارتسم على وجه جمال في لحظة تستدعي أقصى درجات الجدية.
لم تكن رغبة تود في القتال، ولا كانت هوايته القتل، بل على العكس تمامًا، فضل تفاديهما ما استطاع. وإن تعذَّر الأمران، فخيارُه الدائم أن يسلك الطريق الأسهل والأقل خطرًا.
فقد هُزِمَت المصنفة الثانية من الجنرالات التسع السماويين، ولا احتمال لبروز تعزيزات جديدة تتدخَّل في الموقف.
ورقة رابحة قد تمنحه نفوذًا أكبر بكثير مما كان يمتلكه جمال، حتى رغم أنه كان على وشك الترقية إلى رتبة “جنرال من الدرجة الثالثة”.
لكن جمال بدا وكأنه يستمتع بالقفز إلى قلب الخطر.
فما عداه، إن كُتب له النجاح أو الفشل، لم يكن يهمُّ تود في شيء. لم يكن يعبأ إن ضاع منه الفضل، أو إن ثبت أن كل ذلك الوقت الذي أمضاه في التفكير لم يؤتِ أُكله.
ربما اعتقد أن اشتداد الخطر يعني مزيدًا من الدماء، ومزيدًا من الإخلاص للإمبراطورية.
رغم مشاكله، إلا أن قدراته القتالية كانت مشهودًا لها. وعلى الأقل، ما دام خصمه فردًا من الشودراك، فلن يخسر المعركة بسهولة.
وعلى هذا المنوال، واصل الاثنان――تود وجمال―― طريقهما نحو الهدف، يزيلان مَن يعترضهما.
جمال: «إنه أمر واضح، أليس كذلك؟ قاتل كجندي إمبراطوري، وفز بالحرب! حينها يمكنني أن أفتخر بأنني جندي في الإمبراطورية.»
تود: «إذا تركتهم يلاحقونك خارج الزقاق، فسيتشتَّت انتباههم. حسنًا… أشعر بالأسف تجاه كاتيا…»
تود: «آه يا للعجب، كم تبدين بريئة. ومع ذلك، لو كنتِ من الجنرالات التسعة السماويين، فلا بد أن عدد مَن قتلتيهم يتجاوز المئة… أو المئتين.»
تود: «――――»
جمال: «أوي، ما هذه النظرة؟»
تود: «…أوي أوي، لا تقل لي أنك تمزح الآن.»
تود: «لا شيء… فقط قلت ما توقعت تمامًا أن تقوله.»
نادرًا ما يجد المرء مَن تتطابق أقواله مع أفعاله بهذه الصورة الصارخة.
ارتفعت روح جمال القتالية بصمت، متوهجة خلف الكلمات اللاذعة المتبادلة.
ثم، بقوة عارمة، اندفع مباشرة نحو الأعداء، عازمًا على أن يختم مسيرته كجندي إمبراطوري بكل ما أوتي من كرامة.
بدت على جمال علامات الانزعاج من ردِّ تود، لكنه سرعان ما هز رأسه وهو يمرر أصابعه في لحيته القصيرة ثم زمجر ساخرًا.
فمن طبع تود ألَّا يتحرك بدافع اللحظة. ومع ذلك، وكلما طالت صحبته لجمال، ازدادت خبرته في فن الارتجال الميداني.
جمال: «آه، حسنًا إذًا، وأنت ماذا عنك؟ تبدو مترددًا.»
تود: «لن أنخرط في مهمة انتحارية. إن لم تكن كذلك، فقد أفكر في الأمر. لذا لا، لست مترددًا.»
وعلى هذا، التفت تود إلى جمال، وبدأ يفكر جديًا في تسلُّق جدار القلعة والفرار بمفرده.
جمال: «نويت الهرب، لكنك لم تفعل.»
؟؟؟: «مَن في العا… غاه!»
تود: «قررت أرجع بهدية وأنا في طريقي للهرب. الخطة لم تتغير.»
جمال: «آه، حسنًا إذًا، وأنت ماذا عنك؟ تبدو مترددًا.»
جمال: «تقول هذا، وتقول ذاك… هك.»
تود: «لا شيء… فقط قلت ما توقعت تمامًا أن تقوله.»
زمَّ جمال أسنانه، وعينه الوحيدة اشتعلت حمرة.
نادرًا ما يجد المرء مَن تتطابق أقواله مع أفعاله بهذه الصورة الصارخة.
ورغم تعبير الغضب ذاك، صرف تود انتباهه عنه وركُّز نظره على هدفه القادم.
وكما قيل من قبل، فقد فكَّر تود أصلًا في الفرار من المدينة بعد سقوط قاعة المدينة، حسبما خُطَّط له في خطة العدو. لم تكن لديه أي نية في الامتثال لأوامر نزع السلاح أو الاستسلام المهذَّب.
منذ البداية، لم يكن إقناع جمال بالأمر سهلًا، حتى بعد سقوط المدينة واحتراق علم قاعة المدينة فوق أسطحها.
المرأة التي تولَّت الحراسة كانت ضخمة، وأطرافها مكسوة بلحم صلب. وبحسب ما يعرفه عن بُنية الشودراك، فحتى فأس تود قد لا يتمكن من تقطيع أحد أطرافها.
تود: «جنرال الدرجة الأولى، أراكيا!»
لقد أذهل جمال تود فعلًا بما لم يكن يتوقَّعه.
لذا، فالنقطة الأضعف حتمًا تكمن من الرقبة فما فوق.
ومن مكانه البعيد، ظهرت له تلك المرأة ذات البشرة الداكنة والشعر الفضي، تمسك بفرع شجرة بدا كسلاح مرتجَل، وهي تتصرَّف كما لو كانت قانون هذا العالم الأعلى.
وبمساعدة غير معتادة من جمال الحاذق، هبط تود بفأسه على قفل الزنزانة بكل ما أوتي من قوة.
ضرب رأسها، أو قطع عنقها، أو شطر وجهها إلى نصفين―― تلك كانت الخيارات المتاحة.
جمال: «――إنها لحظة تألقي، أليس كذلك؟»
تود: «قررت أرجع بهدية وأنا في طريقي للهرب. الخطة لم تتغير.»
وبتلك الكلمات، اندفع جمال إلى الأمام بغباء ظاهر.
تردد تود للحظة إن كان عليه منعه، لكنه في النهاية آثر الصمت. بل على العكس، فإن استخدام جمال كطُعم لإشغال الحارسة كان أفضل خطوة ممكنة.
ذلك سيختصر الكثير من الجهد والوقت، وإن كان جمال على استعداد لفعلها، فلا داعي لثنيه.
هولي: «مممم، مَن أنتما~؟!»
جمال: «هل يجب أن أجب؟ أنتم لطَّختُم سمعة ذئب السيف للإمبراطورية فولاكيا! لا تظنوا أنكم انتصرتم في ساحة لم أكن فيها!»
هولي: «غريب الأطوار ظهر~!»
جمال: «――إنها لحظة تألقي، أليس كذلك؟»
نظرت المرأة الشودراكية إلى جمال المتقدِّم نحو قلب القاعة، وهي ترفع رمحًا ضخمًا بجانبها. في المقابل، استلَّ جمال سيفيه التوأمين وهو يتلوى في مكانه، والابتسامة الهوسية تعلو وجهه.
ثم، بقوة عارمة، اندفع مباشرة نحو الأعداء، عازمًا على أن يختم مسيرته كجندي إمبراطوري بكل ما أوتي من كرامة.
رغم مشاكله، إلا أن قدراته القتالية كانت مشهودًا لها. وعلى الأقل، ما دام خصمه فردًا من الشودراك، فلن يخسر المعركة بسهولة.
جمال: «خُذي هذه! وتلك! وتلك أيضًا!»
هولي: «… هك! أنت قوي حقًا~!»
――كان التسلل إلى قاعة المدينة أمرًا يسيرًا.
توالت ضربات السيفين الهائجين كالعاصفة نحو المرأة الشودراكية، وجمال يزمجر بأعلى صوته. تفادت الضربات بحنكة مستخدمةً رمحها، لكنها كانت في موقف دفاعي خالص.
الحرس الذين تولُّوا الحراسة لم يكونوا جنود الإمبراطورية ولا عشيرة الشودراك، بل عناصر من الحرس المحلي الذين عهدت إليهم الجهات الرسمية بأمن المدينة. وكان هؤلاء قد استُدعوا من قِبل العناصر المضطربة التي تسببت في سقوط غوارال―― وإن كانوا لا يستحقون الآن أن يُطلق عليهم لقب “جيش التمرُّد” كما كان سابقًا.
لا بد أن تلك المرأة الشودراكية كانت تملك قدرًا معتبرًا من المهارة، إذ أُوكل إليها حراسة أراكيا. غير أنها على ما يبدو لم تتوقع أن يظهر أحدٌ لاستعادة أسيرتهم بعد لحظات قليلة من وضعها في الزنزانة.
وفوق ذلك، فقد مثَّلت قلة الجنود الموثوقين ثغرة قاتلة في صفوف المتمردين.
لكنَّ الوضع تغيَّر، ولا مخرج في الأفق. تُرى، هل يمكن لوزن كلٍ من تود وجمال أن يُعيد الكفة إلى الجهة الأخرى؟
تود: «رغم كل شيء… لا فائدة منهم في الوقت الحالي.»
إن حدث ذلك، فلن يبقى ما يمنع تود من قتل جمال―― خطيب أخته المستقبلي. وكان قتلُه آخر خيارٍ يرغب به.
وكانت قوَّة كلِّ واحدٍ منهم تعادل جيشًا كاملًا، إن لم يكن أكثر. ولم يكن من عادة الإمبراطورية أن تُرسل اثنين أو ثلاثة من أولئك الجنرالات لمعالجة موقفٍ واحد. لقد انتهى كل شيء.
بلل شفتيه بطرف لسانه، ثم اندفع تود من خلف جمال قافزًا مباشرة نحو الزنزانة، عابرًا بين خصمين يتقاذفان الشرر من شدَّة الاشتباك.
تود: «آه يا للعجب، كم تبدين بريئة. ومع ذلك، لو كنتِ من الجنرالات التسعة السماويين، فلا بد أن عدد مَن قتلتيهم يتجاوز المئة… أو المئتين.»
تود: «لا تتحدث بسوء عن خطيبتي، أوني ساما.»
هولي: «آه! إنه رفيقه… كياا!»
وقف بشموخ في وجه جنرال الدرجة الأولى، وفي الوقت نفسه، حجب ناتسومي خلف ظهره، كما لو أنَّه أقوى كيانٍ في هذا العالم بأسره. وما إن رأى تود هذا المشهد، حتَّى اختلَّ توازنه الداخلي اختلالًا شديدًا.
جمال: «هل لديك وقت للنظر حولك؟ هااه!»
وبمساعدة غير معتادة من جمال الحاذق، هبط تود بفأسه على قفل الزنزانة بكل ما أوتي من قوة.
وسيلة بدائية لتحسين الرؤية البعيدة، بتضييق مجال النظر. ولو ضيَّق عينيه، لتمكَّن من رؤية مدى بعيد، لكنُّه لن يستطيع إدراك ما يجري داخل قاعة المدينة المشتعلة، دع عنك ما وراء الأعلام المحترقة.
لقد كانت أفكار تود وتصرفاته مربكة ومحبطة في كثير من الأحيان.
لم يكن هناك وقت للبحث عن المفاتيح. لم يكن بوسعه تهشيم الزنزانة كلها، لكنه استطاع تحطيم القفل على الأقل.
انبعث صوت مكتومٌ وارتداد صلب، حتى إن طرف الفأس تصدَّع بقوة، لكن القفل انكسر على نحو مدوٍّ، فانفتح الباب المزعج، واقتحم تود الزنزانة دون تردد.
تود: «جنرال الدرجة الأولى، أراكيا!»
عند سماع هذه التعليمات، راح جمال يُفكِّر بها في ذهنه، ثم أغمض عينه ببطء، وفتحها مجددًا وهو يتقدَّم خطوة إلى الأمام.
كانت هناك فتاة ممددة على وجهها فوق سرير بسيط.
تود: «…أوي أوي، لا تقل لي أنك تمزح الآن.»
حتى ولو انتمى الجميع للإمبراطورية نفسها، فإن لقاء الجنرالات لم يكن أمرًا شائعًا بالنسبة لجندي عادي. حتى الجنرال من الدرجة الثالثة يُعدُّ قائد جيش، فما بالك بجنرال من الدرجة الثانية أو الأولى، فذلك كمَن يحلِّق في السحاب.
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
وعلى هذا المنوال، واصل الاثنان――تود وجمال―― طريقهما نحو الهدف، يزيلان مَن يعترضهما.
ولذلك، فهذه كانت المرة الأولى التي يرى فيها تود عن قرب أحد جنرالات الدرجة الأولى، أحد أفراد الجنرالات التسعة السماويين.
ولذلك، فهذه كانت المرة الأولى التي يرى فيها تود عن قرب أحد جنرالات الدرجة الأولى، أحد أفراد الجنرالات التسعة السماويين.
جمال: «اصمت بحقك… ابقَ هادئًا وورائي.»
أراكيا: «――――»
جمال: «أتعتقد حقًا أنَّني سأندفع بروحٍ مستعدة للموت؟»
وكان سبب استلقاء أراكيا على وجهها يرجع إلى الجرح الغائر في ظهرها، وقد غطَّته ندبة بشعة أُحرقت لإغلاقها على الفور.
لقد كُووِي الجرح لحظة تلقيه، ما جعله أشبه بندبة مروّعة… لولا أن الضربة أتت من نصل مشتعل، لما ظهرت تلك الندبة بهذا الشكل.
الجنرالات التسعة السماويين كانوا محاربي النخبة، يمثِّلون ذروة القوَّة العسكرية للإمبراطورية فولاكيا.
△▼△▼△▼△
تود: «تلك المرأة الحمراء… ماذا فعلت؟»
ظن أنُّه يواجه عاطفةً عبثية لا طائل منها، فإذا بجمال يتفوَّه بكلمات لم تخطر لتود على بال.
فالسبب الذي أعاده إلى هنا قد تلاشى، والتصرُّف الحكيم الآن هو الفرار بأسرع ما يمكن. غير أنَّ――
كانت تلك المرأة بعيدة كل البعد عن أن تكون عادية، وسيفها المزخرف لم يكن سيفًا بسيطًا أيضًا.
جمال: «كفاك ترَّهات! أنا أستفيد من ذكائك في التخطيط، لكن عندي عقلٌ أفكِّر به أيضًا! أقدر أن أُميِّز بين ما يمكن فعله وما يستحيل.»
ولمَّا لم يجد معلومات إضافية، ولم ترد أراكيا على ندائه، لم يكن أمام تود سوى أن يلتقط جسدها ويهرع خارج الزنزانة.
جمال: «كفاك ترَّهات! أنا أستفيد من ذكائك في التخطيط، لكن عندي عقلٌ أفكِّر به أيضًا! أقدر أن أُميِّز بين ما يمكن فعله وما يستحيل.»
تود: «أمسكت بها! جمال، لنرحل!»
هولي: «لن أسمح لك… آي!»
جمال: «قلت لك، توقفي عن التشتت! نييييي―― هك!»
وسيلة بدائية لتحسين الرؤية البعيدة، بتضييق مجال النظر. ولو ضيَّق عينيه، لتمكَّن من رؤية مدى بعيد، لكنُّه لن يستطيع إدراك ما يجري داخل قاعة المدينة المشتعلة، دع عنك ما وراء الأعلام المحترقة.
تود: «جمال، عندما تخرج من الزقاق، اركض مباشرة. بعد ذلك، عند النهاية، خُذ الطريق إلى اليمين. هذا سيمنحك بعض الوقت لالتقاط أنفاسك.»
لحظة انشغال المرأة الشودراكية إثر اختطاف أراكيا، انقضَّ عليها جمال كوميض من البرق، وسيفاه يلمعان في الهواء.
جمال: «――سحقًا.»
فرفعت رمحها الثقيل عموديًا لصدِّ الهجوم، غير أن قوة الضربة انتزعت السلاح من يديها، وركلة جمال الخلفية أصابت وسطها المكشوف أثناء اندفاعه.
جمال: «أحمق! أظنُّك تظنُّ أنني أنوي شيئًا بهذا الغباء! أنا ذاهبٌ لإنقاذ جنرال الدرجة الأولى أراكيا!»
جمال: «هاه؟ تقصد ماذا؟»
صرخت المرأة بصوت خافت، وارتطم جسدها بجدار السجن، ثم هوت رأسها إلى الأرض بقوة، وسكنت بلا حراك.
كان مستعدًا للقتال حتى آخر رمق، لكن حتى وإن فعل، لن يمكنه الاحتفاظ بأي جهد احتياطي. لم يتخيَّل للحظة أن يُوقَع به بهذه الدقة، وكأن الحظ قد تخلى عنه بالكامل.
نظر تود نحوها، وهمَّ أن يأمر جمال بإنهاء أمرها، لكن――
جمال: «هاه؟ آه، أجل! هاها، هذا رائع! يسرُّني سماع ذلك! جسدي يحكني منذ وقت، لأن الهرب ليس من طبعي. لن أترك جنرال الدرجة الأولى تأخد كل الفضل وحدها!»
تود: «――اسمع، هناك جلبة في الأعلى. لعلهم عثروا على جثة الحارس؟»
الحرس الذين تولُّوا الحراسة لم يكونوا جنود الإمبراطورية ولا عشيرة الشودراك، بل عناصر من الحرس المحلي الذين عهدت إليهم الجهات الرسمية بأمن المدينة. وكان هؤلاء قد استُدعوا من قِبل العناصر المضطربة التي تسببت في سقوط غوارال―― وإن كانوا لا يستحقون الآن أن يُطلق عليهم لقب “جيش التمرُّد” كما كان سابقًا.
تود: «لأنَّ جنرال الدرجة الأولى أراكيا… هُزِمَت الآن لتوِّها.»
جمال: «تِش، لا يمكننا البقاء أكثر. جنرال الدرجة الأولى…»
وبينما كان غارقًا في التفكير، مال تود برأسه قليلًا، ثم قال متسائلًا:
جمال: «أتعتقد حقًا أنَّني سأندفع بروحٍ مستعدة للموت؟»
تود: «فاقدة للوعي، لكنها لا تزال حيَّة. وذلك يكفينا.»
كان من أولئك الذين يمشون على السجية، غريزته الحيوانية ظاهرة على ملامحه. سواء من حيث قوَّته الجسدية ككائنٍ حي، أو في حدسه الذكوري القادر على تمييز النساء، لم يكن من النوع الذي ينسى بسهولة امرأةً أثارت شيئًا في قلبه.
أجاب تود بوضوح، وهو يركض خارج الزنزانة. أما جمال، الذي سبقه قليلًا، فقد تولَّى فتح الطريق أمامه، لكن تود سرعان ما تجاوزه بخفة.
تود: «ما إن نقفز إلى الخارج، سيطلق علينا السهام فورًا. سأجعلك تتقدمني، وتصد السهام كما فعلت قبل قليل. لن تكون رمية واحدة، بل ربما اثنتان أو ثلاث. سأركض بكل ما أملك، كي لا أسقط الجنرال من على كتفي.»
أن يُلقي المرء بنفسه في معركة لا أمل في الفوز بها، لا يفعلها إلا أحمقٌ أخرق لا يُصدَّق.
؟؟؟: «مَن في العا… غاه!»
جمال: «تنحُّوا من طريقي، أيها الحمقى!»
جمال: «نهاية الممر―― هك!»
اندفع جمال بسيفه ليطيح بأحد الحراس الذي أطلَّ من فتحة الطابق السفلي، فيما اندفع تود خلفه، يشقَّان طريقهما عبر أروقة قاعة المدينة، يملؤهما الحذر ويقظة الطريدة.
كانت تلك رمية دقيقة، موجهة بعناية نحو اثنين يجريان ويتنقلان بخفة في قلب المدينة.
لولسوء الحظ، لم يُتح له التفرغ للعناية بجسد أراكيا أثناء حمله لها. وإن كانت حقًا واحدة من الجنرالات التسعة السماويين، فلا بد أن جسدها يملك من الصلابة ما يكفي. كل ما عليه هو أن يثق بتحمُّله ويواصل الركض.
تود: «وهكذا تكون الحال عندما تنفد أوراقك الرابحة. لكني ما زلت أعدُّ نفسي محظوظًا.»
جمال: «خرجنا! إلى أين الآن؟»
جمال: «ما الذي سقط من السماء الآن؟! تنينٌ طائر؟! أين التنين الطائر؟!»
فالسبب الذي أعاده إلى هنا قد تلاشى، والتصرُّف الحكيم الآن هو الفرار بأسرع ما يمكن. غير أنَّ――
تود: «البوابة الرئيسية مغلقة―― اتبعني.»
وميضٌ من الضوء القرمزي فصل بين ناتسومي وأراكيا.
شقَّا طريقهما عبر أزقَّة المدينة المعتمة المشتعلة في جنون الفوضى، قافزين إلى الممرات الخلفية والطرق الجانبية. استغل تود معرفته بالأزقة الضيقة لينحرف عن مسار التتبع ويضلِّل مَن يلاحقهم.
فالمعركة بالكاد انتهت، والاضطراب لا يزال يعصف في الأرجاء، وهناك ما لا يقل عن ثلاثمائة جندي إمبراطوري يرتدون الزي ذاته في المدينة، ما يصعُّب تمييزهم عن بعضهم البعض.
اندفع جمال بسيفه ليطيح بأحد الحراس الذي أطلَّ من فتحة الطابق السفلي، فيما اندفع تود خلفه، يشقَّان طريقهما عبر أروقة قاعة المدينة، يملؤهما الحذر ويقظة الطريدة.
تود: «… وأنت، ما الذي يضحكك؟»
لم يتبقَ إلا أن――
ثم، بقوة عارمة، اندفع مباشرة نحو الأعداء، عازمًا على أن يختم مسيرته كجندي إمبراطوري بكل ما أوتي من كرامة.
تود: «――تهك!»
في اللحظة التي سمع فيها صوت الريح، مرَّ نصل خلفه مباشرة.
“لم يكن بالأمر السيء”—قالها بصدق.
△▼△▼△▼△
التفت على الفور، ليجد سهمًا ضخمًا، سميكًا، مغروسًا أسفل قدميه. شخص ما قد قطعه قبل أن يصيبه. لقد كان موجهًا نحوه، بقوة جنونية، لكن جمال هو مَن تدخَّل في اللحظة الحاسمة وأوقفه.
جمال: «――سحقًا.»
كانت تلك رمية دقيقة، موجهة بعناية نحو اثنين يجريان ويتنقلان بخفة في قلب المدينة.
تود: «جنرال الدرجة الأولى، أراكيا!»
ولا شك أبدًا، إن هذا هو نفس القنَّاص الذي أطلق سهمًا في صدر تود قبل بضعة أيام.
تود: «――انتظر، سآتي معك.»
――كانا مراقبَين.
وبناءً على ذلك، لم يعُد بوسعهما التحرك بلا حساب.
إن خرجا من الأزقة إلى العراء، سيُصبحان هدفًا سهلًا. وتود، وهو يحمل أراكيا، لم يكن بوسعه التحرك بخفة كعادته. أما خيار قتل القنَّاص، فكان يعني العودة إلى قاعة المدينة للمرة الثالثة، حيث يتربص خصمهم هناك.
فهل عليهما ترك أراكيا والهروب؟ قد يكون هذا السبيل الأنجع للنجاة، لكنه لم يعد يعلم ما الذي يُخاطر من أجله إن فعل ذلك.
تحطَّم التوازن، ولن تعود الكفة لتميل في الاتجاه الآخر أبدًا.
هولي: «آه! إنه رفيقه… كياا!»
وفي ضوء ما يجري، بحث تود سريعًا عن أنجع طريقة للخروج، وكان الخيار الأوفر حظًا لتحقيق نتيجة ملموسة هو――
تود: «――جمال، أنت تعلم أننا مستهدفون.»
مرور الوقت بدا ضبابيًا، وربما لم تدم رقصة السيف سوى بضع ثوانٍ، حتى وإن خُيِّل لهما أنها استمرَّت لساعات. ومع ذلك، لم يتجاوزا سوى أول حاجز. ورغم ذلك، لم يتراخَ جمال، بل نفَّذ ما قيل له تمامًا، واستدار إلى اليمين عند نهاية الطريق، وهناك――
جمال: «أجل، هؤلاء الأوغاد مزعجون. بعيدون جدًا عن متناول سيوفي، لكن إن لم نتصرَّف، فسيستمرون في رشقنا بالسهام. ما العمل؟»
تود: «… إذًا، لا خيار أمامنا سوى واحد.»
بدت على جمال علامات الانزعاج من ردِّ تود، لكنه سرعان ما هز رأسه وهو يمرر أصابعه في لحيته القصيرة ثم زمجر ساخرًا.
ضاقت عين جمال الوحيدة بكلمات تود.
ففي نهاية المطاف، ما دام مَن يقود الأمور هو رمزية الحرب ذاتها――ذاك الذي يُدعى ناتسومي شوارتز―― فإن الخطرين أمثال تود وجمال سيكونون أوَّل من يُقصى من الصورة.
وبينما كان يتأمل ظهر جمال العريض، شدَّ تود قبضته على جسد أراكيا التي يحملها.
كان يترقّب حلًا، بينما أطلق تود زفرة عميقة وأغمض إحدى عينيه.
تود: «ما إن نقفز إلى الخارج، سيطلق علينا السهام فورًا. سأجعلك تتقدمني، وتصد السهام كما فعلت قبل قليل. لن تكون رمية واحدة، بل ربما اثنتان أو ثلاث. سأركض بكل ما أملك، كي لا أسقط الجنرال من على كتفي.»
جمال: «لن أُظهر لكم أي شفقة.»
جمال: «هاه؟ هذا ليس أسلوبك. أتُراك جادًا؟ يبدو الأمر يائسًا بحق.»
في تلك اللحظة، اشتعل الدم في عروقه، وخفق قلبه كأنما يقفز من بين أضلاعه، وغلى كيانه كله بالحياة.
تود: «وهكذا تكون الحال عندما تنفد أوراقك الرابحة. لكني ما زلت أعدُّ نفسي محظوظًا.»
جمال: «هاه؟ تقصد ماذا؟»
الحرس الذين تولُّوا الحراسة لم يكونوا جنود الإمبراطورية ولا عشيرة الشودراك، بل عناصر من الحرس المحلي الذين عهدت إليهم الجهات الرسمية بأمن المدينة. وكان هؤلاء قد استُدعوا من قِبل العناصر المضطربة التي تسببت في سقوط غوارال―― وإن كانوا لا يستحقون الآن أن يُطلق عليهم لقب “جيش التمرُّد” كما كان سابقًا.
تود: «ما زال لديك ورقة رابحة واحدة على الأقل… وتلك قوية جدًا.»
تود: «――――»
فخطته هذه كانت تعتمد كليًا، تقريبًا، على مهارة جمال في المبارزة.
ضرب رأسها، أو قطع عنقها، أو شطر وجهها إلى نصفين―― تلك كانت الخيارات المتاحة.
فإن لم يعد جمال سالمًا، فلن يكون بالإمكان الوفاء بالوعد الذي قُطع.
لو عجز جمال عن صدِّ السهام الطائرة، فمصيرهما سيكون الهلاك. فكرة أن يخاطر تود بحياته بهذا الشكل المتهور كانت ضربًا من الجنون وفقًا لمبادئه.
تود: «لا تتحدث بسوء عن خطيبتي، أوني ساما.»
ومع ذلك، كانت هذه خطته. ومع مهارة جمال في المبارزة، لم تكن احتمالات النجاة معدومة.
جمال: «… كنتُ أعلم أنَّ كاتيا لا تُحسن الحكم على الناس، لكنني ظننتُك أذكى من ذلك.»
تمكَّن ناتسومي من النجاة من موقفٍ ميؤوسٍ منه، وتيقَّن تود أنَّ في جعبة هذا الرجل ما يملكه، شيءٌ يملكه ويتميّز به، لا علاقة له بالقوة القتالية أو الحظ.
تود: «لا تتحدث بسوء عن خطيبتي، أوني ساما.»
ردَّ تود وهو يحكُّ رأسه، ووجهه متلوٍ بشيء من الإحراج. وما إن سمع جمال هذا الردَّ، حتى أطلق تنهيدة قصيرة “هاه”، ثم قبض مجددًا على مقابض سيفيه التوأمين.
ثم استدار بجسده العريض نحو تود.
لكنَّ الوضع تغيَّر، ولا مخرج في الأفق. تُرى، هل يمكن لوزن كلٍ من تود وجمال أن يُعيد الكفة إلى الجهة الأخرى؟
جمال: «حسنًا، أنا معكم أحيانًا الرهانات الغبية لا تكون سيئة تمامًا.»
فمهما كانت إقامتهم فيه قصيرة، فقد كان يومًا مقرهم الرئيسي.
تود: «لو لم أكن هنا، لكنتَ على الأرجح تخوض كل هذا النوع من الرهانات.»
وسيلة بدائية لتحسين الرؤية البعيدة، بتضييق مجال النظر. ولو ضيَّق عينيه، لتمكَّن من رؤية مدى بعيد، لكنُّه لن يستطيع إدراك ما يجري داخل قاعة المدينة المشتعلة، دع عنك ما وراء الأعلام المحترقة.
أن يُلقي المرء بنفسه في معركة لا أمل في الفوز بها، لا يفعلها إلا أحمقٌ أخرق لا يُصدَّق.
جمال: «اصمت بحقك… ابقَ هادئًا وورائي.»
تود: «التحرُّك أو التراجع… يستحقُّ الأمر عناء التفكير.»
ارتفعت روح جمال القتالية بصمت، متوهجة خلف الكلمات اللاذعة المتبادلة.
وبينما كان يتأمل ظهر جمال العريض، شدَّ تود قبضته على جسد أراكيا التي يحملها.
تحطَّم التوازن، ولن تعود الكفة لتميل في الاتجاه الآخر أبدًا.
تود: «جمال، عندما تخرج من الزقاق، اركض مباشرة. بعد ذلك، عند النهاية، خُذ الطريق إلى اليمين. هذا سيمنحك بعض الوقت لالتقاط أنفاسك.»
جمال: «أنا آسف بشأن كاتيا، لكن لا مفرَّ من هذا. هي من النبلاء الإمبراطوريين أيضًا. وأكاد أجزم أنها كانت مستعدة لِما قد يحدث لي ولك.»
عند سماع هذه التعليمات، راح جمال يُفكِّر بها في ذهنه، ثم أغمض عينه ببطء، وفتحها مجددًا وهو يتقدَّم خطوة إلى الأمام.
تود: «――――»
جمال: «――هَك.»
كان يعلم أنَّ الغضب بدأ يسيطر على جمال، لكن أيَّ تصرّفٍ الآن لن يكون سوى هدرٍ للوقت.
ما إن خرج من الزقاق، حتى انطلقت نحوه سهام طائرة، يلفُّها الإعصار.
تود: «أفهم… مؤسف فعلًا.»
انهارت أراكيا، ووصلت الأحداث في قاعة المدينة إلى خاتمتها المحتومة.
لكن جمال ردَّ عليها بسرعة خارقة، وصدَّها بتقاطع سيفيه التوأمين. الارتجاج ارتدَّ إلى معصمه، فاحتكَّت أسنانه من شدة الصدمة، ثم انفجر ضاحكًا ككلب مسعور.
في تلك اللحظة، اشتعل الدم في عروقه، وخفق قلبه كأنما يقفز من بين أضلاعه، وغلى كيانه كله بالحياة.
كان الأمر تمامًا كما قال جمال.
في أقصى درجات التركيز، بدا له العالم كأنه يتباطأ. أحسّ َبكل قطرة عرق تسيل على جلده، بكل ذرة غبار تطير في الهواء، بل وحتى بوجود الهواء نفسه الذي لا يُرى.
جمال: «――هاهااااا!»
جمال: «هاه؟ آه، أجل! هاها، هذا رائع! يسرُّني سماع ذلك! جسدي يحكني منذ وقت، لأن الهرب ليس من طبعي. لن أترك جنرال الدرجة الأولى تأخد كل الفضل وحدها!»
جمال: «حسنًا، أنا معكم أحيانًا الرهانات الغبية لا تكون سيئة تمامًا.»
تساقط وابل من السهام كالمطر المنهمر، سيل متواصل بلا انقطاع.
تود: «لن أنخرط في مهمة انتحارية. إن لم تكن كذلك، فقد أفكر في الأمر. لذا لا، لست مترددًا.»
وما إن رمقه تود بنظرةٍ ترجوه أن يستجيب، حتى امتدت يدٌ نحو قَبَّة قميصه وأمسكت بها بصمت. ثم، بزفيرٍ خشن، كشف جمال ذو العين الواحدة عن أنيابه وهو يجذب تود ناحيته.
ثبت قدميه في الأرض، ولوَّح بسيفه كراقص، يقطع السهام ويشتتها.
ما حدث لم يكن سوى رقصة سيف―― رقصة السيف لجمال أورِيليه.
لولسوء الحظ، لم يُتح له التفرغ للعناية بجسد أراكيا أثناء حمله لها. وإن كانت حقًا واحدة من الجنرالات التسعة السماويين، فلا بد أن جسدها يملك من الصلابة ما يكفي. كل ما عليه هو أن يثق بتحمُّله ويواصل الركض.
ولو سارت الأمور كما ينبغي، لربما كانوا ليشاهدوا رقصة إحدى الراقصات المدعوات إلى قاعة المدينة في اليوم التالي.
كانت تلك المرأة بعيدة كل البعد عن أن تكون عادية، وسيفها المزخرف لم يكن سيفًا بسيطًا أيضًا.
جمال: «آه، حسنًا إذًا، وأنت ماذا عنك؟ تبدو مترددًا.»
لكن جمال سخر من الفكرة، وضحك من كونه هو مَن يؤدي الرقصة بدلًا عنها. لكنها رقصة بكل قلبه، بكل جسده، معركة سيف بكل طاقته.
وتود، بدوره، راقب جمال بدهشة بينما كان يصدُّ الهجوم بجنون واحتراف.
لم تكن رغبة تود في القتال، ولا كانت هوايته القتل، بل على العكس تمامًا، فضل تفاديهما ما استطاع. وإن تعذَّر الأمران، فخيارُه الدائم أن يسلك الطريق الأسهل والأقل خطرًا.
لم ينطق تود بكلمة، فقط تبعه بصمت، فيما كانت السهام المميتة تمطره. لأنه كان يعلم يقينًا أن أي تشتت في تركيز جمال سيعني موته المباشر.
لذا، أبعد تود تفكيره عن جمال، وصبَّ تركيزه كاملًا على تفادي “الموت” الزاحف.
ثم انحنى بجسده قليلًا، ولعق الدم الذي سال من عينه اليمنى المكسوَّة برقعة.
مباشرة إلى الأمام، تَفادَ، اقْطع، اندفع، اقفز، ابْعِد، وافتح الطريق.
وبينما كان يتأمل ظهر جمال العريض، شدَّ تود قبضته على جسد أراكيا التي يحملها.
جمال: «نهاية الممر―― هك!»
هولي: «آه! إنه رفيقه… كياا!»
بأعجوبة، تمكَّنا من اجتياز طريق الموت المستقيم وبلغا نهايته كما خُطِّط.
مرور الوقت بدا ضبابيًا، وربما لم تدم رقصة السيف سوى بضع ثوانٍ، حتى وإن خُيِّل لهما أنها استمرَّت لساعات. ومع ذلك، لم يتجاوزا سوى أول حاجز. ورغم ذلك، لم يتراخَ جمال، بل نفَّذ ما قيل له تمامًا، واستدار إلى اليمين عند نهاية الطريق، وهناك――
في اللحظة التي همَّت فيها أراكيا بإنهاء ناتسومي، تحطَّمت آمال تود الصادقة فجأة، حين لمع شيءٌ ما أمام مجال رؤيته الضيِّق، بينما كان قد ركَّز بكل حواسه على ألا يفوته ذلك المشهد الحاسم.
تود: «خمسة.»
――وعند نهاية الطريق المحطَّم، وقف جمع من الشودراكيين، رماحهم موجَّهة نحوهم.
جمال: «تنحُّوا من طريقي، أيها الحمقى!»
جمال: «――سحقًا.»
كلَّ ما ينبغي عليهم فعله، هو إثبات نفعهم للجنرال أكثر من أولئك الجنود الذين أُسروا ولم يعودوا قادرين على أداء واجبهم. فإن استطاعوا القبض على أحد الأعداء، والتحقيق معه، ثم رد الصاع صاعين، فسوف تحتفظ جنرال الدرجة الأولى بموقفهم في ذاكرتها.
ثم، بقوة عارمة، اندفع مباشرة نحو الأعداء، عازمًا على أن يختم مسيرته كجندي إمبراطوري بكل ما أوتي من كرامة.
كان من الصعب مجابهة هذا العدد من الشودراكيين مع وجود ذلك القنَّاص يتربص بهم. بل يمكن القول إن الأمر مستحيل.
هولي: «آه! إنه رفيقه… كياا!»
كان مستعدًا للقتال حتى آخر رمق، لكن حتى وإن فعل، لن يمكنه الاحتفاظ بأي جهد احتياطي. لم يتخيَّل للحظة أن يُوقَع به بهذه الدقة، وكأن الحظ قد تخلى عنه بالكامل.
جمال: «حتى لو مشيتَ متبخترًا متذاكيًا بكل الطرق، في النهاية، الحظ لا يدوم، أليس كذلك…؟ هه، لا جدوى من كل هذا. لكن… لم يكن بالأمر السيئ.»
في اللحظة التي همَّت فيها أراكيا بإنهاء ناتسومي، تحطَّمت آمال تود الصادقة فجأة، حين لمع شيءٌ ما أمام مجال رؤيته الضيِّق، بينما كان قد ركَّز بكل حواسه على ألا يفوته ذلك المشهد الحاسم.
تفقَّد جمال ثِقَل السيفين في يديه الملطختين بالدماء، وألقى بهذه الكلمات لتود الذي خلفه.
تود: «جنرال الدرجة الأولى، أراكيا!»
“لم يكن بالأمر السيء”—قالها بصدق.
جمال: «تود…!»
قال ذلك بصوت منخفض، وهو يتسلل داخل قاعة المدينة ويُسقط بعض الحراس هنا وهناك.
لقد كانت أفكار تود وتصرفاته مربكة ومحبطة في كثير من الأحيان.
ومع ذلك، في النهاية، اختار أن يبذل نفسه كما يفعل جنود الإمبراطورية.
الفتحة التي عبر منها انهارت بعده مباشرة، وسارع بمحو كل أثر له كي لا يتعقبه أحد. على الأرجح، سينشغل مَن في المدينة بجمال لبعض الوقت، مما يمنحه فرصة للفرار.
جمال: «أنا آسف بشأن كاتيا، لكن لا مفرَّ من هذا. هي من النبلاء الإمبراطوريين أيضًا. وأكاد أجزم أنها كانت مستعدة لِما قد يحدث لي ولك.»
إن خرجا من الأزقة إلى العراء، سيُصبحان هدفًا سهلًا. وتود، وهو يحمل أراكيا، لم يكن بوسعه التحرك بخفة كعادته. أما خيار قتل القنَّاص، فكان يعني العودة إلى قاعة المدينة للمرة الثالثة، حيث يتربص خصمهم هناك.
من دون أن يرد على ذلك الاتهام الفج، سدَّ تود فم جمال بكفه. أجبره على الصمت، وفي ذهنه راح يُعيد ترتيب خطوات الخطة بعد هذا التغيير الطارئ.
تذكَّر أخته التي تركها في العاصمة الإمبراطورية، فشعر بوخزة خفيفة في صدره. لكنها سرعان ما غرقَت في عزيمته على مجابهة الأعداء أمامه، وفي رائحة الدم التي غطَّت المكان.
ورغم أنَّ الإعدامات العشوائية للأسرى المستسلمين تُعدُّ تصرُّفًا مرفوضًا حتى في فولاكيا، إلا أن ذلك الرجل سيجد –بلا شك– مبررًا شرعيًّا لارتكاب مثل تلك الفظائع.
وشعر بالارتياح لذلك―― إذ إن جمال، حتى نخاعه، كان من ذئاب السيف التابعة للإمبراطورية فولاكيا.
جمال: «هيا بنا، تود… لنُرهم على الأقل ممّ نحن مصنوعون، لمرّةٍ أخيرة.»
ثم انحنى بجسده قليلًا، ولعق الدم الذي سال من عينه اليمنى المكسوَّة برقعة.
لكن جمال سخر من الفكرة، وضحك من كونه هو مَن يؤدي الرقصة بدلًا عنها. لكنها رقصة بكل قلبه، بكل جسده، معركة سيف بكل طاقته.
ثم، بقوة عارمة، اندفع مباشرة نحو الأعداء، عازمًا على أن يختم مسيرته كجندي إمبراطوري بكل ما أوتي من كرامة.
غير أن هذا لم يعد ينطبق على الآن، بعدما تكرَّر المشهد، وسمح تود نفسه لجمال بأن يُشهر سيوفه من جديد. ومهما قال له الآن، فليس من المتوقع أن يستمع أو يطيع.
وما إن رمقه تود بنظرةٍ ترجوه أن يستجيب، حتى امتدت يدٌ نحو قَبَّة قميصه وأمسكت بها بصمت. ثم، بزفيرٍ خشن، كشف جمال ذو العين الواحدة عن أنيابه وهو يجذب تود ناحيته.
انهمرت عليه الهجمات القاتلة كالعاصفة، لكنه لم يعد يحمل أي ندم.
قال ذلك بصوت منخفض، وهو يتسلل داخل قاعة المدينة ويُسقط بعض الحراس هنا وهناك.
وحينها، قد ينالان ترقيةً مرموقة، وربما يجدان طريق العودة إلى العاصمة الإمبراطورية أسرع مما كانا يتوقَّعان.
أن يظل على طبيعته حتى اللحظة الأخيرة، كان أعظم مكافأةٍ نالها جمال.
△▼△▼△▼△
؟؟؟: «…ظللتَ أحمقًا حتى النهاية، أليس كذلك؟»
استمع تود لصوت زئير جمال الهادر في البعيد، وتمتم بتلك الكلمات بينما كان يندفع عبر الجدار.
تود: «――――»
الفتحة التي عبر منها انهارت بعده مباشرة، وسارع بمحو كل أثر له كي لا يتعقبه أحد. على الأرجح، سينشغل مَن في المدينة بجمال لبعض الوقت، مما يمنحه فرصة للفرار.
كان الأمر تمامًا كما قال جمال.
هو قتلهم لأنه كان مضطرًا، ولو لم يكن، لما أقدم على ذلك.
تود لن يضع حياته أبدًا في رهان يائس، حتى وإن كان ميتًا―― بل إنه لن يقدم على ذلك بالضبط كي لا يموت.
ولا شك أبدًا، إن هذا هو نفس القنَّاص الذي أطلق سهمًا في صدر تود قبل بضعة أيام.
تود: «إذا تركتهم يلاحقونك خارج الزقاق، فسيتشتَّت انتباههم. حسنًا… أشعر بالأسف تجاه كاتيا…»
فقد تحطَّم الطابق الأعلى من قاعة المدينة تحت عصفٍ من الرياح العاتية، فيما راحت جنرال الدرجة الأولى تُمزِّق المكان في نوبة من الهيجان.
فإن كانوا قد غيروا ولاءهم لمجرد البقاء في صف الأقوى، فلا يُلامون، لكن عليهم أن يدفعوا ثمن خيارهم الخاطئ بأرواحهم.
الوعد الذي قطعه بإعادة صهره سيظل بلا وفاء، وخطيبته ستنغمس في حزن شديد.
غير أن هذا لم يعد ينطبق على الآن، بعدما تكرَّر المشهد، وسمح تود نفسه لجمال بأن يُشهر سيوفه من جديد. ومهما قال له الآن، فليس من المتوقع أن يستمع أو يطيع.
ومن أجل مواساتها، أراد أن يعود إلى العاصمة الإمبراطورية بأسرع ما يمكن.
فخطته هذه كانت تعتمد كليًا، تقريبًا، على مهارة جمال في المبارزة.
بأعجوبة، تمكَّنا من اجتياز طريق الموت المستقيم وبلغا نهايته كما خُطِّط.
ولحسن الحظ، فمقابل خسارة جمال، تمكَّن من العثور على ورقة رابحة أخرى توصله إلى العاصمة.
وبطرف عينه، لمح أراكيا تُحمَل بعيدًا، رغم أنها كانت على شفا الموت.
تود اعتاد أن يُكوِّن تصورًا جغرافيًا لأي مكان يطأه، ولو مرة واحدة. لم يكن يشعر بالأمان ما لم يعلم مسبقًا طريق الهروب ومخابئ النجاة.
ورقة رابحة قد تمنحه نفوذًا أكبر بكثير مما كان يمتلكه جمال، حتى رغم أنه كان على وشك الترقية إلى رتبة “جنرال من الدرجة الثالثة”.
أراكيا: «… الأميرة.»
بل على العكس، وبكل حذرٍ ويقظة، صرخ تود في قلبه بأعلى صوته:
تود: «آه يا للعجب، كم تبدين بريئة. ومع ذلك، لو كنتِ من الجنرالات التسعة السماويين، فلا بد أن عدد مَن قتلتيهم يتجاوز المئة… أو المئتين.»
جمال: «تِش، لا يمكننا البقاء أكثر. جنرال الدرجة الأولى…»
في أحضان تود، انحدرت دموع أراكيّا من عينها المغلقة. وبينما كان يراقبها وهي تنساب على وجنتيها، راودته خاطرة مبهمة: رفيقته الحالية ترتدي عصابة عين… تمامًا كما فعل رفيقه السابقة.
بل على العكس، وبكل حذرٍ ويقظة، صرخ تود في قلبه بأعلى صوته:
وبينما كان غارقًا في التفكير، مال تود برأسه قليلًا، ثم قال متسائلًا:
تود: «على أي عين وضع جمال رقعته…؟»
وبينما كان يتأمل ظهر جمال العريض، شدَّ تود قبضته على جسد أراكيا التي يحملها.
جمال: «حسنًا، أنا معكم أحيانًا الرهانات الغبية لا تكون سيئة تمامًا.»
لذا، فالنقطة الأضعف حتمًا تكمن من الرقبة فما فوق.
////
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
انبعث صوت مكتومٌ وارتداد صلب، حتى إن طرف الفأس تصدَّع بقوة، لكن القفل انكسر على نحو مدوٍّ، فانفتح الباب المزعج، واقتحم تود الزنزانة دون تردد.

تود عنده زهايمر؟كيف ينسى بأي عين رقعة صهره