Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ري زيرو: بدء الحياة في عالم أخر من الصفر 27

27 - ذوو الحظوظ... والمحرومون.
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

27 - ذوو الحظوظ... والمحرومون.

؟؟؟: «إن بقيتَ على قيد الحياة، فستحظى بفرصةٍ لمسح عارك. أمَّا إن مُتَّ، فذاك هو الختام. لذا… سأرحل. لن أخوض معركة لا أرى في نفسي قدرة على الظفر بها.»

 

 

 

لم يكن في كلماته كذب.

 

 

تردد تود للحظة إن كان عليه منعه، لكنه في النهاية آثر الصمت. بل على العكس، فإن استخدام جمال كطُعم لإشغال الحارسة كان أفضل خطوة ممكنة.

أن يُلقي المرء بنفسه في معركة لا أمل في الفوز بها، لا يفعلها إلا أحمقٌ أخرق لا يُصدَّق.

 

 

 

لم يكن يظن نفسه حكيمًا، ولو بقدر ذرَّة، لكنُّه أدرك لذلك السبب بالذات أنه بحاجةٍ إلى التأني في قراراته. فالحكيم قد يبلغ قراره في لحظة، بينما يتخبَّط الأحمق عمرًا كاملًا ليصل إليه.

كانت تلك المرأة بعيدة كل البعد عن أن تكون عادية، وسيفها المزخرف لم يكن سيفًا بسيطًا أيضًا.

 

 

وقد كان تود يعلم تمامًا: هكذا يخوض عديمو الموهبة معاركهم.

 

 

 

لا يدخل في قتالٍ لا يملك فرصة للظفر فيه.

 

 

 

لكن، وعلى نحوٍ متناقض――

 

 

ومن مكانه البعيد، ظهرت له تلك المرأة ذات البشرة الداكنة والشعر الفضي، تمسك بفرع شجرة بدا كسلاح مرتجَل، وهي تتصرَّف كما لو كانت قانون هذا العالم الأعلى.

تود: «――لا بأس إطلاقًا في خوض معركةٍ نملك فيها احتمالًا للانتصار.»

 

 

ورغم تعبير الغضب ذاك، صرف تود انتباهه عنه وركُّز نظره على هدفه القادم.

رفع قبضته المشدودة أمام عينه اليمنى، وأخذ يتطلَّع إلى البعيد عبر الثقب الضيِّق الذي صنعه بأصابعه.

 

 

△▼△▼△▼△

وسيلة بدائية لتحسين الرؤية البعيدة، بتضييق مجال النظر. ولو ضيَّق عينيه، لتمكَّن من رؤية مدى بعيد، لكنُّه لن يستطيع إدراك ما يجري داخل قاعة المدينة المشتعلة، دع عنك ما وراء الأعلام المحترقة.

 

 

 

وذلك، حتى لو كانت الرياح تسير لصالحه.

هولي: «لن أسمح لك… آي!»

 

 

جمال: «أوي! سقف قاعة المدينة اختفى! ما الذي يجري بحق؟»

 

 

 

بجواره، صاح رفيقه الشرس، وقد أخذ الهلع يتسلَّل إلى نفسه، فأثار ضجَّةً لم يكن لها داعٍ.

 

 

 

أزعج الصوت تركيز تود، فلوَّح بيده نحوه، يأمره بالصمت. أما هو، فكان لا يزال يراقب الموقف بدقَّة، محاولًا تقييم الوضع بجدية.

في أقصى درجات التركيز، بدا له العالم كأنه يتباطأ. أحسّ َبكل قطرة عرق تسيل على جلده، بكل ذرة غبار تطير في الهواء، بل وحتى بوجود الهواء نفسه الذي لا يُرى.

 

 

تود: «أغلب الظن أنَّ أحد الجنرالات التسعة السماويين قد تدخَّل.»

شهق جمال بصوتٍ مبحوح عند سماع كلمات تود، وقد خَشُن صوته بفعل تغير مجرى الأحداث.

 

 

وإلا، فلا معنى للبقاء في مدينة الحصن، التي وقعت بين يدي العدو.

وبتلك الكلمات، اندفع جمال إلى الأمام بغباء ظاهر.

 

وعلى هذا المنوال، واصل الاثنان――تود وجمال―― طريقهما نحو الهدف، يزيلان مَن يعترضهما.

وكما قيل من قبل، فقد فكَّر تود أصلًا في الفرار من المدينة بعد سقوط قاعة المدينة، حسبما خُطَّط له في خطة العدو. لم تكن لديه أي نية في الامتثال لأوامر نزع السلاح أو الاستسلام المهذَّب.

 

 

 

ففي نهاية المطاف، ما دام مَن يقود الأمور هو رمزية الحرب ذاتها――ذاك الذي يُدعى ناتسومي شوارتز―― فإن الخطرين أمثال تود وجمال سيكونون أوَّل من يُقصى من الصورة.

تنفَّس تود تنهيدةً ثقيلة وهو ينظر إلى جمال، الذي راحت قبضتاه تتصلَّبان حماسةً مع تغيُّر الخطَّة وعودة احتمال القتال. توجَّها نحو قاعة المدينة، لكن بدلاً من الدخول مباشرةً، اتّخذا موقعًا يتيح لهما مراقبة الوضع بأفضل شكل ممكن.

 

 

ورغم أنَّ الإعدامات العشوائية للأسرى المستسلمين تُعدُّ تصرُّفًا مرفوضًا حتى في فولاكيا، إلا أن ذلك الرجل سيجد –بلا شك– مبررًا شرعيًّا لارتكاب مثل تلك الفظائع.

بلل شفتيه بطرف لسانه، ثم اندفع تود من خلف جمال قافزًا مباشرة نحو الزنزانة، عابرًا بين خصمين يتقاذفان الشرر من شدَّة الاشتباك.

 

 

على الأقل، هذا ما كان سيفعله تود نفسه. إنها مجرَّد غريزة بقاء.

 

 

 

ولهذا السبب، لم يتردَّد في قرار مغادرة المدينة. ومع ذلك، فقد تغلَّبت عليه فضوله، فتوارى في موقعٍ يتيح له مراقبة قدوم أيِّ تعزيزات نحو المدينة.

 

 

 

جمال: «ليس هناك مجال للشك. إنها نفس المرأة التي رأيتها منذ عامين، عندما كنت أخدم وقت سحق البرابرة―― جنرال الدرجة الأولى، أراكيا، المصنفة الثانية.»

 

 

 

بينما كان يتأمَّل تلك المرأة شبه العارية، التي تسلَّلت إلى المدينة بخفَّة، قافزةً فوق البوَّابة الرئيسية المغلقة بكل أريحية، نطق جمال بتلك الكلمات، وفي أنفاسه خنة حماسٍ لا تخطئها الأذن.

 

 

كانت تلك المرأة بعيدة كل البعد عن أن تكون عادية، وسيفها المزخرف لم يكن سيفًا بسيطًا أيضًا.

كان من أولئك الذين يمشون على السجية، غريزته الحيوانية ظاهرة على ملامحه. سواء من حيث قوَّته الجسدية ككائنٍ حي، أو في حدسه الذكوري القادر على تمييز النساء، لم يكن من النوع الذي ينسى بسهولة امرأةً أثارت شيئًا في قلبه.

 

 

جمال: «على ما يبدو، إن كنت جبانًا حقًا، فكاتيا لم تحسن اختيار الرجل. سأنقذ جنرال الدرجة الأولى أراكيا… عندها سأظفر بذلك الجسد الجميل!»

وبمعنى آخر، فقد ظهرت واحدة من أقوى أفراد الجنرالات التسعة السماويين لقمع التمرُّد―― ويبدو أنَّ هذه هي “الفرصة” التي ظنَّ تود سابقًا أنها مفقودة.

كان في سرداب قاعة المدينة سجنٌ مخصص للمجرمين الذين ينتظرون المحاكمة أمام حاكم المدينة. ومن المرجَّح أن تكون أراكيا، بعد أن وقعت أسيرة، محتجزة هناك أيضًا.

 

توالت ضربات السيفين الهائجين كالعاصفة نحو المرأة الشودراكية، وجمال يزمجر بأعلى صوته. تفادت الضربات بحنكة مستخدمةً رمحها، لكنها كانت في موقف دفاعي خالص.

ومع ذلك――

 

 

لم تكن رغبة تود في القتال، ولا كانت هوايته القتل، بل على العكس تمامًا، فضل تفاديهما ما استطاع. وإن تعذَّر الأمران، فخيارُه الدائم أن يسلك الطريق الأسهل والأقل خطرًا.

تود: «التحرُّك أو التراجع… يستحقُّ الأمر عناء التفكير.»

المرأة التي تولَّت الحراسة كانت ضخمة، وأطرافها مكسوة بلحم صلب. وبحسب ما يعرفه عن بُنية الشودراك، فحتى فأس تود قد لا يتمكن من تقطيع أحد أطرافها.

 

ولو اعتزم جمال الموت بشرفٍ وهو يحاول استعادة قاعة المدينة، لتركه يلقى حتفه وحده. أما إن كان هدفه إنقاذ أراكيا، فذلك شأن آخر.

صحيح أنَّ حِيَل ناتسومي الماكرة كانت لامعة، إلا أنه لا يمتلك قوَّة قتالٍ مباشرة، على الأقل لا تقارب حتى ثلث ما يملكه الجندي العادي. أما عشيرة الشودراك الذين اتَّبعوه، فصحيحٌ أنهم مشهورون ببأسهم، لكنَّ ذلك بالمقارنة مع عامة الناس فقط.

 

 

 

أما الأقوياء بحق، كأفراد الجنرالات التسعة السماويين، فلا تُقاس قوَّتهم بتلك المقاييس.

وربما كان تود سيفعل الشيء نفسه لو كان في موضعهم――

 

 

حتى جمال، الذي لم يكن يُعرَف إلا بمهارته الهائلة في القتال، لا يزيد عن كونه يعادل اثني عشر جنديًّا من جنود الإمبراطورية. وهذه كانت الطريقة التي يُقاس بها الإنسان العادي. أما أفراد الجنرالات التسعة السماويين، فهم أولئك الذين “يتكفَّلون” بأمثال جمال بسهولة―― وسيستعيدون قاعة المدينة التي سقطت بيد العدو.

 

 

وما إن رمقه تود بنظرةٍ ترجوه أن يستجيب، حتى امتدت يدٌ نحو قَبَّة قميصه وأمسكت بها بصمت. ثم، بزفيرٍ خشن، كشف جمال ذو العين الواحدة عن أنيابه وهو يجذب تود ناحيته.

تود: «إذًا، من البديهي المراهنة على التنين الأرضي الرابح.»

 

 

 

فما الحاجة إلى التعاون مع أحد الجنرالات التسعة السماويين؟

 

 

 

كلَّ ما ينبغي عليهم فعله، هو إثبات نفعهم للجنرال أكثر من أولئك الجنود الذين أُسروا ولم يعودوا قادرين على أداء واجبهم. فإن استطاعوا القبض على أحد الأعداء، والتحقيق معه، ثم رد الصاع صاعين، فسوف تحتفظ جنرال الدرجة الأولى بموقفهم في ذاكرتها.

 

 

الفتحة التي عبر منها انهارت بعده مباشرة، وسارع بمحو كل أثر له كي لا يتعقبه أحد. على الأرجح، سينشغل مَن في المدينة بجمال لبعض الوقت، مما يمنحه فرصة للفرار.

وحينها، قد ينالان ترقيةً مرموقة، وربما يجدان طريق العودة إلى العاصمة الإمبراطورية أسرع مما كانا يتوقَّعان.

جمال: «أجل، هؤلاء الأوغاد مزعجون. بعيدون جدًا عن متناول سيوفي، لكن إن لم نتصرَّف، فسيستمرون في رشقنا بالسهام. ما العمل؟»

 

كان من الصعب مجابهة هذا العدد من الشودراكيين مع وجود ذلك القنَّاص يتربص بهم. بل يمكن القول إن الأمر مستحيل.

تود: «حسنًا، سنعود يا جمال. سنساعدها في استعادة قاعة المدينة.»

 

 

تفقَّد جمال ثِقَل السيفين في يديه الملطختين بالدماء، وألقى بهذه الكلمات لتود الذي خلفه.

جمال: «هاه؟ آه، أجل! هاها، هذا رائع! يسرُّني سماع ذلك! جسدي يحكني منذ وقت، لأن الهرب ليس من طبعي. لن أترك جنرال الدرجة الأولى تأخد كل الفضل وحدها!»

ولهذا، بعد احتراق معسكرهم في غابة بودهايم ودخوله إلى غوارال، جاب أرجاء المدينة كافة، بما فيها قاعة المدينة، ورسم خريطة ذهنية دقيقة.

 

 

تود: «لا تكن أحمقًا. غايتنا نكسب ود جنرال الدرجة الأولى، لا نتنافس معها.»

مرور الوقت بدا ضبابيًا، وربما لم تدم رقصة السيف سوى بضع ثوانٍ، حتى وإن خُيِّل لهما أنها استمرَّت لساعات. ومع ذلك، لم يتجاوزا سوى أول حاجز. ورغم ذلك، لم يتراخَ جمال، بل نفَّذ ما قيل له تمامًا، واستدار إلى اليمين عند نهاية الطريق، وهناك――

 

 

تنفَّس تود تنهيدةً ثقيلة وهو ينظر إلى جمال، الذي راحت قبضتاه تتصلَّبان حماسةً مع تغيُّر الخطَّة وعودة احتمال القتال. توجَّها نحو قاعة المدينة، لكن بدلاً من الدخول مباشرةً، اتّخذا موقعًا يتيح لهما مراقبة الوضع بأفضل شكل ممكن.

لكن جمال ردَّ عليها بسرعة خارقة، وصدَّها بتقاطع سيفيه التوأمين. الارتجاج ارتدَّ إلى معصمه، فاحتكَّت أسنانه من شدة الصدمة، ثم انفجر ضاحكًا ككلب مسعور.

 

 

ووفاءً بمبادئه، حافظ تود على حذره وتيقُّظه، و――

انهارت أراكيا، ووصلت الأحداث في قاعة المدينة إلى خاتمتها المحتومة.

 

جمال: «أحمق! أظنُّك تظنُّ أنني أنوي شيئًا بهذا الغباء! أنا ذاهبٌ لإنقاذ جنرال الدرجة الأولى أراكيا!»

تود: «――اقتليه، أراكيا.»

جمال: «أوي، تود… أيها الوغد، لا تقل إنك تنوى الفرار؟»

 

 

فقد تحطَّم الطابق الأعلى من قاعة المدينة تحت عصفٍ من الرياح العاتية، فيما راحت جنرال الدرجة الأولى تُمزِّق المكان في نوبة من الهيجان.

 

 

تود: «جمال، آسف، لكنني راحل. سأقولها مرة أخرى، مع أنني أعلم أنك لن تُصغي: ستموت ميتةً تافهة. حتى لو دخلت إلى هناك، لن تستطيع القضاء عليهم جميعًا…»

ومن مكانه البعيد، ظهرت له تلك المرأة ذات البشرة الداكنة والشعر الفضي، تمسك بفرع شجرة بدا كسلاح مرتجَل، وهي تتصرَّف كما لو كانت قانون هذا العالم الأعلى.

فقد هُزِمَت المصنفة الثانية من الجنرالات التسع السماويين، ولا احتمال لبروز تعزيزات جديدة تتدخَّل في الموقف.

 

تود: «ما الخطوة التالية؟»

في القاعة المليئة بالجثث المتناثرة بعشوائية، لم يعد هناك فرق بين عشيرة الشودراك وجنود الإمبراطورية.

 

 

 

وفي خضمِّ هذا المشهد، وقف أمام أراكيا رجلٌ تختبئ خلفه فتاةٌ زرقاء الشعر―― لم يكن سوى ناتسومي شوارتز.

حتى جمال، الذي لم يكن يُعرَف إلا بمهارته الهائلة في القتال، لا يزيد عن كونه يعادل اثني عشر جنديًّا من جنود الإمبراطورية. وهذه كانت الطريقة التي يُقاس بها الإنسان العادي. أما أفراد الجنرالات التسعة السماويين، فهم أولئك الذين “يتكفَّلون” بأمثال جمال بسهولة―― وسيستعيدون قاعة المدينة التي سقطت بيد العدو.

 

وحينها، قد ينالان ترقيةً مرموقة، وربما يجدان طريق العودة إلى العاصمة الإمبراطورية أسرع مما كانا يتوقَّعان.

تود: «――――»

 

 

فمن طبع تود ألَّا يتحرك بدافع اللحظة. ومع ذلك، وكلما طالت صحبته لجمال، ازدادت خبرته في فن الارتجال الميداني.

وما إن وقعت عيناه عليه، لم يتبادر إلى ذهن تود أفكارٌ ساخرة من قبيل: “أيِّ أحمق يقف في وجه جنرال الدرجة الأولى؟” أو “كيف ما زال حيًّا حتى الآن؟”

لكن في تلك اللحظات، كان من الممكن احتواء عاطفته، وتوجيهها قليلًا… ومع أنَّه لم يكن راغبًا، إلا أنَّ تود تمكَّن من إقناعه آنذاك، وجعل سيوفه التي كادت تخرج من غمدها تعود إلى مكانها.

 

كانت هناك فتاة ممددة على وجهها فوق سرير بسيط.

بل على العكس، وبكل حذرٍ ويقظة، صرخ تود في قلبه بأعلى صوته:

 

 

وبينما كان يتأمل ظهر جمال العريض، شدَّ تود قبضته على جسد أراكيا التي يحملها.

――«اقتليه الآن، يا أراكيا… ولا تدعي له أثرًا!»

كانت هناك فتاة ممددة على وجهها فوق سرير بسيط.

 

 

فما عداه، إن كُتب له النجاح أو الفشل، لم يكن يهمُّ تود في شيء. لم يكن يعبأ إن ضاع منه الفضل، أو إن ثبت أن كل ذلك الوقت الذي أمضاه في التفكير لم يؤتِ أُكله.

ومن مكانه البعيد، ظهرت له تلك المرأة ذات البشرة الداكنة والشعر الفضي، تمسك بفرع شجرة بدا كسلاح مرتجَل، وهي تتصرَّف كما لو كانت قانون هذا العالم الأعلى.

 

تود: «حسنًا، سنعود يا جمال. سنساعدها في استعادة قاعة المدينة.»

لم يكن يهمُّه أي شيءٍ آخر، طالما تأكَّد من أنَّ حياة ناتسومي شوارتز، رمز الحرب ورايتها، قد انطفأت إلى الأبد. لو تحقق ذلك، لكان――

تود: «حسنًا، سنعود يا جمال. سنساعدها في استعادة قاعة المدينة.»

 

 

تود: «…أوي أوي، لا تقل لي أنك تمزح الآن.»

 

 

 

في اللحظة التي همَّت فيها أراكيا بإنهاء ناتسومي، تحطَّمت آمال تود الصادقة فجأة، حين لمع شيءٌ ما أمام مجال رؤيته الضيِّق، بينما كان قد ركَّز بكل حواسه على ألا يفوته ذلك المشهد الحاسم.

――«اقتليه الآن، يا أراكيا… ولا تدعي له أثرًا!»

 

ولو كان الأمر يُريح جمال لو أفرغ عليه لكمةً أو اثنتين، لتقبَّلها، لكن الواضح أنَّ جمال لم يكن ينوي ذلك، إذ اكتفى بالنفخ بلسانه ودفع تود بعيدًا.

وميضٌ من الضوء القرمزي فصل بين ناتسومي وأراكيا.

 

 

جمال: «أحمق! أظنُّك تظنُّ أنني أنوي شيئًا بهذا الغباء! أنا ذاهبٌ لإنقاذ جنرال الدرجة الأولى أراكيا!»

وقف بشموخ في وجه جنرال الدرجة الأولى، وفي الوقت نفسه، حجب ناتسومي خلف ظهره، كما لو أنَّه أقوى كيانٍ في هذا العالم بأسره. وما إن رأى تود هذا المشهد، حتَّى اختلَّ توازنه الداخلي اختلالًا شديدًا.

 

 

 

جمال: «ما الذي سقط من السماء الآن؟! تنينٌ طائر؟! أين التنين الطائر؟!»

ومع ذلك، كانت هذه خطته. ومع مهارة جمال في المبارزة، لم تكن احتمالات النجاة معدومة.

 

لم يكن يظن نفسه حكيمًا، ولو بقدر ذرَّة، لكنُّه أدرك لذلك السبب بالذات أنه بحاجةٍ إلى التأني في قراراته. فالحكيم قد يبلغ قراره في لحظة، بينما يتخبَّط الأحمق عمرًا كاملًا ليصل إليه.

تود: «――――»

منذ البداية، لم يكن إقناع جمال بالأمر سهلًا، حتى بعد سقوط المدينة واحتراق علم قاعة المدينة فوق أسطحها.

 

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

جمال: «هل تسمعني يا تود؟ ماذا عنا؟ ألسنا هنا لندعم جنرال الدرجة الأولى أراكيا؟ أجبني!»

 

 

انفرجت شفتا تود بابتسامة باهتة، وهو يحدق في جمال من خلال أصابعه التي سدَّ بها فمه، وكأنه يُعنِّفه على هذا الاندفاع البدائي. مرر طرف لسانه على نابه الأبيض بسخرية، وارتسمت على وجهه ابتسامة جانبية.

تود: «――اصمت، جمال.»

 

 

تود: «――تهك!»

شهق جمال بصوتٍ مبحوح عند سماع كلمات تود، وقد خَشُن صوته بفعل تغير مجرى الأحداث.

 

 

فمهما كانت إقامتهم فيه قصيرة، فقد كان يومًا مقرهم الرئيسي.

لكنَّ تود لم يلتفت إليه بعدها، بل بقيت عيناه مسمَّرتين على المشهد داخل قاعة المدينة. تلك المرأة ذات الفستان القرمزي، التي ظهرت بغتةً، كانت تواجه أراكيا وجهًا لوجه.

 

 

 

وقد علم منذ النظرة الأولى―― أن تلك المرأة تنتمي هي الأخرى إلى فئة “ذوي الحظوظ”، أولئك الذين تفصلهم عن البشر العاديين مسافاتٌ شاسعة.

 

 

جمال: «خرجنا! إلى أين الآن؟»

تمكَّن ناتسومي من النجاة من موقفٍ ميؤوسٍ منه، وتيقَّن تود أنَّ في جعبة هذا الرجل ما يملكه، شيءٌ يملكه ويتميّز به، لا علاقة له بالقوة القتالية أو الحظ.

جمال: «تقول هذا، وتقول ذاك… هك.»

 

؟؟؟: «…ظللتَ أحمقًا حتى النهاية، أليس كذلك؟»

تود: «――――»

 

 

 

لو لم تتدخَّل تلك المرأة القرمزية، لكانت أراكيا وحدها كافيةً لإعادة موازين القوى لصالحهم.

تود: «تلك المرأة الحمراء… ماذا فعلت؟»

 

 

لكنَّ الوضع تغيَّر، ولا مخرج في الأفق. تُرى، هل يمكن لوزن كلٍ من تود وجمال أن يُعيد الكفة إلى الجهة الأخرى؟

 

 

لا يدخل في قتالٍ لا يملك فرصة للظفر فيه.

جمال: «تود…!»

 

 

 

تود: «لا تتحرَّك، جمال―― لا يمكنك أن تفعل شيئًا في الوقت الراهن.»

من وراء ظلِّ المبنى الذي كان يُراقب منه مجريات قاعة المدينة، أخذ تود يُفكِّر بصمت.

 

 

كانت الاحتمالات ضدهم، وكلَّما طال نظر تود، ازداد الموقف سوءًا.

تنفَّس تود تنهيدةً ثقيلة وهو ينظر إلى جمال، الذي راحت قبضتاه تتصلَّبان حماسةً مع تغيُّر الخطَّة وعودة احتمال القتال. توجَّها نحو قاعة المدينة، لكن بدلاً من الدخول مباشرةً، اتّخذا موقعًا يتيح لهما مراقبة الوضع بأفضل شكل ممكن.

 

رفع قبضته المشدودة أمام عينه اليمنى، وأخذ يتطلَّع إلى البعيد عبر الثقب الضيِّق الذي صنعه بأصابعه.

كان يعلم أنَّ الغضب بدأ يسيطر على جمال، لكن أيَّ تصرّفٍ الآن لن يكون سوى هدرٍ للوقت.

 

 

 

ففي النهاية――

من وراء ظلِّ المبنى الذي كان يُراقب منه مجريات قاعة المدينة، أخذ تود يُفكِّر بصمت.

 

 

تود: «لأنَّ جنرال الدرجة الأولى أراكيا… هُزِمَت الآن لتوِّها.»

 

 

ولحسن الحظ، فمقابل خسارة جمال، تمكَّن من العثور على ورقة رابحة أخرى توصله إلى العاصمة.

فقد أصابها سيف المرأة القرمزية في ظهرها، وسقطت أراكيا بلا حولٍ ولا قوَّة، على الأرض.

 

 

 

تحطَّم التوازن، ولن تعود الكفة لتميل في الاتجاه الآخر أبدًا.

 

 

 

△▼△▼△▼△

 

 

 

تود: «――――»

 

 

في اللحظة التي همَّت فيها أراكيا بإنهاء ناتسومي، تحطَّمت آمال تود الصادقة فجأة، حين لمع شيءٌ ما أمام مجال رؤيته الضيِّق، بينما كان قد ركَّز بكل حواسه على ألا يفوته ذلك المشهد الحاسم.

انهارت أراكيا، ووصلت الأحداث في قاعة المدينة إلى خاتمتها المحتومة.

 

 

 

في هذه اللحظة، سقطت مدينة الحصن غوارال بالكامل في يد العدو، ولم يعُد هناك أي سبيلٍ لاستعادتها.

ولو سارت الأمور كما ينبغي، لربما كانوا ليشاهدوا رقصة إحدى الراقصات المدعوات إلى قاعة المدينة في اليوم التالي.

 

 

فقد هُزِمَت المصنفة الثانية من الجنرالات التسع السماويين، ولا احتمال لبروز تعزيزات جديدة تتدخَّل في الموقف.

 

 

 

الجنرالات التسعة السماويين كانوا محاربي النخبة، يمثِّلون ذروة القوَّة العسكرية للإمبراطورية فولاكيا.

بطبيعة الحال، فإن قضبان الحديد لا تساوي شيئًا أمام واحدة من الجنرالات التسعة السماويين، لكنها على الأقل أفضل من استقبالها في غرفة ضيافة.

 

لكن جمال ردَّ عليها بسرعة خارقة، وصدَّها بتقاطع سيفيه التوأمين. الارتجاج ارتدَّ إلى معصمه، فاحتكَّت أسنانه من شدة الصدمة، ثم انفجر ضاحكًا ككلب مسعور.

وكانت قوَّة كلِّ واحدٍ منهم تعادل جيشًا كاملًا، إن لم يكن أكثر. ولم يكن من عادة الإمبراطورية أن تُرسل اثنين أو ثلاثة من أولئك الجنرالات لمعالجة موقفٍ واحد. لقد انتهى كل شيء.

 

 

 

اختلَّ التوازن، وما تبقّى الآن هو التفكير في كيفية الانسحاب من الساحة بما تبقَّى من شرف.

لم يكن يظن نفسه حكيمًا، ولو بقدر ذرَّة، لكنُّه أدرك لذلك السبب بالذات أنه بحاجةٍ إلى التأني في قراراته. فالحكيم قد يبلغ قراره في لحظة، بينما يتخبَّط الأحمق عمرًا كاملًا ليصل إليه.

 

 

تود: «ما الخطوة التالية؟»

لا بد أن تلك المرأة الشودراكية كانت تملك قدرًا معتبرًا من المهارة، إذ أُوكل إليها حراسة أراكيا. غير أنها على ما يبدو لم تتوقع أن يظهر أحدٌ لاستعادة أسيرتهم بعد لحظات قليلة من وضعها في الزنزانة.

 

تود: «لن أنخرط في مهمة انتحارية. إن لم تكن كذلك، فقد أفكر في الأمر. لذا لا، لست مترددًا.»

من وراء ظلِّ المبنى الذي كان يُراقب منه مجريات قاعة المدينة، أخذ تود يُفكِّر بصمت.

 

 

 

وفي الحقيقة، كان الغضب والإحباط يغليان بداخله، لكن إطلاقهما لن يُغيِّر شيئًا.

 

 

 

فالسبب الذي أعاده إلى هنا قد تلاشى، والتصرُّف الحكيم الآن هو الفرار بأسرع ما يمكن. غير أنَّ――

ورقة رابحة قد تمنحه نفوذًا أكبر بكثير مما كان يمتلكه جمال، حتى رغم أنه كان على وشك الترقية إلى رتبة “جنرال من الدرجة الثالثة”.

 

أراكيا: «… الأميرة.»

جمال: «أوي، تود… أيها الوغد، لا تقل إنك تنوى الفرار؟»

تود: «البوابة الرئيسية مغلقة―― اتبعني.»

 

 

حدٍَق جمال فيه بعينين ملتهبتين، والعِرق النافر في جبينه ينبض كأنه يكاد ينفجر، في دلالةٍ على احتقانه.

ورغم تعبير الغضب ذاك، صرف تود انتباهه عنه وركُّز نظره على هدفه القادم.

 

 

منذ البداية، لم يكن إقناع جمال بالأمر سهلًا، حتى بعد سقوط المدينة واحتراق علم قاعة المدينة فوق أسطحها.

 

 

 

لكن في تلك اللحظات، كان من الممكن احتواء عاطفته، وتوجيهها قليلًا… ومع أنَّه لم يكن راغبًا، إلا أنَّ تود تمكَّن من إقناعه آنذاك، وجعل سيوفه التي كادت تخرج من غمدها تعود إلى مكانها.

 

 

 

غير أن هذا لم يعد ينطبق على الآن، بعدما تكرَّر المشهد، وسمح تود نفسه لجمال بأن يُشهر سيوفه من جديد. ومهما قال له الآن، فليس من المتوقع أن يستمع أو يطيع.

تود: «لا تتحرَّك، جمال―― لا يمكنك أن تفعل شيئًا في الوقت الراهن.»

 

جمال: «خُذي هذه! وتلك! وتلك أيضًا!»

بل، والأسوأ من ذلك، أنه إن قيلت كلمةٌ في غير محلِّها… فقد تكون أوَّل ما تمسَّه نصلُ سيفه هي رقبة تود نفسه.

تردد تود للحظة إن كان عليه منعه، لكنه في النهاية آثر الصمت. بل على العكس، فإن استخدام جمال كطُعم لإشغال الحارسة كان أفضل خطوة ممكنة.

 

فرفعت رمحها الثقيل عموديًا لصدِّ الهجوم، غير أن قوة الضربة انتزعت السلاح من يديها، وركلة جمال الخلفية أصابت وسطها المكشوف أثناء اندفاعه.

إن حدث ذلك، فلن يبقى ما يمنع تود من قتل جمال―― خطيب أخته المستقبلي. وكان قتلُه آخر خيارٍ يرغب به.

 

 

 

فإن لم يعد جمال سالمًا، فلن يكون بالإمكان الوفاء بالوعد الذي قُطع.

 

 

 

تود: «فلنجرِّب هذا النهج.»

 

 

△▼△▼△▼△

جمال: «هاه؟»

في الطابق السفلي من السرداب، اصطُفَّت الزنازين على جانبي الممر. أما صغار المجرمين، فكانوا في الزنازين القريبة، بينما خُصِّصت الزنازين القصوى لأولئك الأشد خطورة.

 

تود: «لا تتحرَّك، جمال―― لا يمكنك أن تفعل شيئًا في الوقت الراهن.»

تود: «… أفهم تمامًا ما تشعر به، لكن عليك أن تهدأ. الآن، بعدما هُزِمَت جنرال الدرجة الأولى أراكيا، لم يعد هناك أمل في النصر حتى لو اقتحمنا المكان. أتُريد أن تحزن أختك بموتٍ لا طائل منه؟»

 

 

فخطته هذه كانت تعتمد كليًا، تقريبًا، على مهارة جمال في المبارزة.

جمال: «――――»

بطبيعة الحال، فإن قضبان الحديد لا تساوي شيئًا أمام واحدة من الجنرالات التسعة السماويين، لكنها على الأقل أفضل من استقبالها في غرفة ضيافة.

 

 

محاولةٌ لإقناعه عبر استغلال محبته لأسرته درعًا.

جمال: «هاه؟ هذا ليس أسلوبك. أتُراك جادًا؟ يبدو الأمر يائسًا بحق.»

 

 

وما إن رمقه تود بنظرةٍ ترجوه أن يستجيب، حتى امتدت يدٌ نحو قَبَّة قميصه وأمسكت بها بصمت. ثم، بزفيرٍ خشن، كشف جمال ذو العين الواحدة عن أنيابه وهو يجذب تود ناحيته.

 

 

――«اقتليه الآن، يا أراكيا… ولا تدعي له أثرًا!»

جمال: «أخبرك بشيء… إن كنت تظنُّ أنني سأتراجع كلَّما ذكرت اسم كاتيا، فأنت واهم.»

تود اعتاد أن يُكوِّن تصورًا جغرافيًا لأي مكان يطأه، ولو مرة واحدة. لم يكن يشعر بالأمان ما لم يعلم مسبقًا طريق الهروب ومخابئ النجاة.

 

جمال: «إنه أمر واضح، أليس كذلك؟ قاتل كجندي إمبراطوري، وفز بالحرب! حينها يمكنني أن أفتخر بأنني جندي في الإمبراطورية.»

تود: «أفهم… مؤسف فعلًا.»

 

 

جمال: «… كنتُ أعلم أنَّ كاتيا لا تُحسن الحكم على الناس، لكنني ظننتُك أذكى من ذلك.»

هزَّ تود رأسه ببطء، معبِّرًا بصدقٍ عن خيبة أمله.

وإلا، فلا معنى للبقاء في مدينة الحصن، التي وقعت بين يدي العدو.

 

ومن أجل مواساتها، أراد أن يعود إلى العاصمة الإمبراطورية بأسرع ما يمكن.

ولو كان الأمر يُريح جمال لو أفرغ عليه لكمةً أو اثنتين، لتقبَّلها، لكن الواضح أنَّ جمال لم يكن ينوي ذلك، إذ اكتفى بالنفخ بلسانه ودفع تود بعيدًا.

جمال: «――إنها لحظة تألقي، أليس كذلك؟»

 

 

لم يكن هناك داعٍ لمثل هذا التصعيد، ومع ذلك، لم يكن ثمة وسيلة لإيقافه.

 

 

 

وعلى هذا، التفت تود إلى جمال، وبدأ يفكر جديًا في تسلُّق جدار القلعة والفرار بمفرده.

من دون أن يرد على ذلك الاتهام الفج، سدَّ تود فم جمال بكفه. أجبره على الصمت، وفي ذهنه راح يُعيد ترتيب خطوات الخطة بعد هذا التغيير الطارئ.

 

 

لحسن الحظ، كان قد حفظ تضاريس المدينة خلال بحثهم عن الممرات السرِّية سابقًا. ومع أنَّ أراكيا لم تحقق هدفها، فإنها على الأقل خلقت نوعًا من الفوضى، مما جعل الهروب أسهل مما كان عليه قبل مجيئها.

 

 

 

ويبدو أن جمال قرَّر أن يفتعل جلبةً أخيرة قبل أن يُقدم على ما ينوي فعله.

تود: «――جمال، أنت تعلم أننا مستهدفون.»

 

فالسبب الذي أعاده إلى هنا قد تلاشى، والتصرُّف الحكيم الآن هو الفرار بأسرع ما يمكن. غير أنَّ――

تود: «جمال، آسف، لكنني راحل. سأقولها مرة أخرى، مع أنني أعلم أنك لن تُصغي: ستموت ميتةً تافهة. حتى لو دخلت إلى هناك، لن تستطيع القضاء عليهم جميعًا…»

 

 

في الطابق السفلي من السرداب، اصطُفَّت الزنازين على جانبي الممر. أما صغار المجرمين، فكانوا في الزنازين القريبة، بينما خُصِّصت الزنازين القصوى لأولئك الأشد خطورة.

جمال: «أحمق! أظنُّك تظنُّ أنني أنوي شيئًا بهذا الغباء! أنا ذاهبٌ لإنقاذ جنرال الدرجة الأولى أراكيا!»

 

 

 

تود: «… ماذا؟»

 

 

 

ظن أنُّه يواجه عاطفةً عبثية لا طائل منها، فإذا بجمال يتفوَّه بكلمات لم تخطر لتود على بال.

 

 

 

تجمَّد تود في مكانه، وحدَّق في وجه جمال، الذي ردَّ عليه بتنهيدة خفيفة:

 

 

في القاعة المليئة بالجثث المتناثرة بعشوائية، لم يعد هناك فرق بين عشيرة الشودراك وجنود الإمبراطورية.

جمال: «أتعتقد حقًا أنَّني سأندفع بروحٍ مستعدة للموت؟»

جمال: «تقول هذا، وتقول ذاك… هك.»

 

 

تود: «نعم، هذا ما ظننت. ظننتك تريد أن تموت مثل كلب.»

 

 

أما الأقوياء بحق، كأفراد الجنرالات التسعة السماويين، فلا تُقاس قوَّتهم بتلك المقاييس.

جمال: «كفاك ترَّهات! أنا أستفيد من ذكائك في التخطيط، لكن عندي عقلٌ أفكِّر به أيضًا! أقدر أن أُميِّز بين ما يمكن فعله وما يستحيل.»

جمال: «أوي، تود… أيها الوغد، لا تقل إنك تنوى الفرار؟»

 

بأعجوبة، تمكَّنا من اجتياز طريق الموت المستقيم وبلغا نهايته كما خُطِّط.

لقد أذهل جمال تود فعلًا بما لم يكن يتوقَّعه.

جمال: «لن أُظهر لكم أي شفقة.»

 

ضاقت عين جمال الوحيدة بكلمات تود.

فرغم أنَّه يملك خبرةً قتالية في ساحة المعركة، إلا أنَّه بدا دائمًا لتود رجلًا بسيط التفكير، خشن الطبع، لا يدري ما معنى التأمُّل ولا يهمه.

 

 

ظن أنُّه يواجه عاطفةً عبثية لا طائل منها، فإذا بجمال يتفوَّه بكلمات لم تخطر لتود على بال.

جمال: «على ما يبدو، إن كنت جبانًا حقًا، فكاتيا لم تحسن اختيار الرجل. سأنقذ جنرال الدرجة الأولى أراكيا… عندها سأظفر بذلك الجسد الجميل!»

أجاب تود بوضوح، وهو يركض خارج الزنزانة. أما جمال، الذي سبقه قليلًا، فقد تولَّى فتح الطريق أمامه، لكن تود سرعان ما تجاوزه بخفة.

 

توالت ضربات السيفين الهائجين كالعاصفة نحو المرأة الشودراكية، وجمال يزمجر بأعلى صوته. تفادت الضربات بحنكة مستخدمةً رمحها، لكنها كانت في موقف دفاعي خالص.

تود: «――انتظر، سآتي معك.»

ففي نهاية المطاف، ما دام مَن يقود الأمور هو رمزية الحرب ذاتها――ذاك الذي يُدعى ناتسومي شوارتز―― فإن الخطرين أمثال تود وجمال سيكونون أوَّل من يُقصى من الصورة.

 

 

جمال: «أوه! لا تقل لي أنك لم تكتفِ بجسد كاتيا…؟»

 

 

جمال: «كفاك ترَّهات! أنا أستفيد من ذكائك في التخطيط، لكن عندي عقلٌ أفكِّر به أيضًا! أقدر أن أُميِّز بين ما يمكن فعله وما يستحيل.»

تود: «لم أكن أنوي الانخراط في مهمتك الانتحارية، لكن إن لم تكن كذلك، فالأمر يختلف.»

 

 

 

من دون أن يرد على ذلك الاتهام الفج، سدَّ تود فم جمال بكفه. أجبره على الصمت، وفي ذهنه راح يُعيد ترتيب خطوات الخطة بعد هذا التغيير الطارئ.

إن غفل الطرف الآخر عن الحذر، فقد تبرز فرصة لا تُعوَّض.

 

في أحضان تود، انحدرت دموع أراكيّا من عينها المغلقة. وبينما كان يراقبها وهي تنساب على وجنتيها، راودته خاطرة مبهمة: رفيقته الحالية ترتدي عصابة عين… تمامًا كما فعل رفيقه السابقة.

فمن طبع تود ألَّا يتحرك بدافع اللحظة. ومع ذلك، وكلما طالت صحبته لجمال، ازدادت خبرته في فن الارتجال الميداني.

ولهذا السبب، لم يتردَّد في قرار مغادرة المدينة. ومع ذلك، فقد تغلَّبت عليه فضوله، فتوارى في موقعٍ يتيح له مراقبة قدوم أيِّ تعزيزات نحو المدينة.

 

 

ولو اعتزم جمال الموت بشرفٍ وهو يحاول استعادة قاعة المدينة، لتركه يلقى حتفه وحده. أما إن كان هدفه إنقاذ أراكيا، فذلك شأن آخر.

هو قتلهم لأنه كان مضطرًا، ولو لم يكن، لما أقدم على ذلك.

 

جمال: «هيا بنا، تود… لنُرهم على الأقل ممّ نحن مصنوعون، لمرّةٍ أخيرة.»

تود: «――――»

 

 

 

بدأت فوضى قاعة المدينة تنقشع شيئًا فشيئًا.

 

 

في الطابق السفلي من السرداب، اصطُفَّت الزنازين على جانبي الممر. أما صغار المجرمين، فكانوا في الزنازين القريبة، بينما خُصِّصت الزنازين القصوى لأولئك الأشد خطورة.

وما كان يلزم الحذر منه هو ناتسومي وتلك المرأة ذات الثوب القرمزي. التحرك في وجودهما يُعادل الانتحار. لكن هذا لا يعني أن خصمهما خرج من المعركة سالمًا دون أن يناله شيء.

 

 

 

إن غفل الطرف الآخر عن الحذر، فقد تبرز فرصة لا تُعوَّض.

فرفعت رمحها الثقيل عموديًا لصدِّ الهجوم، غير أن قوة الضربة انتزعت السلاح من يديها، وركلة جمال الخلفية أصابت وسطها المكشوف أثناء اندفاعه.

 

 

جمال: «سأقتحم المكان وأحدث ضجة. وإن استغللنا تلك اللحظة، نقدر على إنقاذ جنرال الدرجة الأولى أراكيا…»

 

 

تود: «فاقدة للوعي، لكنها لا تزال حيَّة. وذلك يكفينا.»

تود: «لقد أعجبتني قليلًا منذ لحظات، لكن يبدو أن ذلك تبخَّر الآن… هناك شخصان لا بد أن نحذر منهما. لا تفعل شيئًا أمام أعينهما. واطمئن، سنجد مخرجًا.»

 

 

 

انفرجت شفتا تود بابتسامة باهتة، وهو يحدق في جمال من خلال أصابعه التي سدَّ بها فمه، وكأنه يُعنِّفه على هذا الاندفاع البدائي. مرر طرف لسانه على نابه الأبيض بسخرية، وارتسمت على وجهه ابتسامة جانبية.

كان من الصعب فهم هذا الابتهاج الذي ارتسم على وجه جمال في لحظة تستدعي أقصى درجات الجدية.

 

 

وبطرف عينه، لمح أراكيا تُحمَل بعيدًا، رغم أنها كانت على شفا الموت.

تود: «لا تتحدث بسوء عن خطيبتي، أوني ساما.»

 

تود اعتاد أن يُكوِّن تصورًا جغرافيًا لأي مكان يطأه، ولو مرة واحدة. لم يكن يشعر بالأمان ما لم يعلم مسبقًا طريق الهروب ومخابئ النجاة.

وإن لم تكن قد لفظت أنفاسها، فلا يزال ثمة طريقٌ لانتشالها.

؟؟؟: «مَن في العا… غاه!»

 

 

△▼△▼△▼△

 

 

وعلى هذا، التفت تود إلى جمال، وبدأ يفكر جديًا في تسلُّق جدار القلعة والفرار بمفرده.

――كان التسلل إلى قاعة المدينة أمرًا يسيرًا.

جمال: «إنه أمر واضح، أليس كذلك؟ قاتل كجندي إمبراطوري، وفز بالحرب! حينها يمكنني أن أفتخر بأنني جندي في الإمبراطورية.»

 

تود: «――اصمت، جمال.»

فمهما كانت إقامتهم فيه قصيرة، فقد كان يومًا مقرهم الرئيسي.

؟؟؟: «…ظللتَ أحمقًا حتى النهاية، أليس كذلك؟»

 

 

تود اعتاد أن يُكوِّن تصورًا جغرافيًا لأي مكان يطأه، ولو مرة واحدة. لم يكن يشعر بالأمان ما لم يعلم مسبقًا طريق الهروب ومخابئ النجاة.

 

 

 

ولهذا، بعد احتراق معسكرهم في غابة بودهايم ودخوله إلى غوارال، جاب أرجاء المدينة كافة، بما فيها قاعة المدينة، ورسم خريطة ذهنية دقيقة.

 

 

 

علم مواضع القتل الخفية، ومواقع الاختباء عن العيون.

جمال: «أوه! لا تقل لي أنك لم تكتفِ بجسد كاتيا…؟»

 

 

فأيًّا كان نوع الخطر الذي سيواجهه، امتلك دومًا طريقًا للقتل، وآخر للهروب.

 

 

بلل شفتيه بطرف لسانه، ثم اندفع تود من خلف جمال قافزًا مباشرة نحو الزنزانة، عابرًا بين خصمين يتقاذفان الشرر من شدَّة الاشتباك.

تود: «خمسة.»

تمكَّن ناتسومي من النجاة من موقفٍ ميؤوسٍ منه، وتيقَّن تود أنَّ في جعبة هذا الرجل ما يملكه، شيءٌ يملكه ويتميّز به، لا علاقة له بالقوة القتالية أو الحظ.

 

 

قال ذلك بصوت منخفض، وهو يتسلل داخل قاعة المدينة ويُسقط بعض الحراس هنا وهناك.

 

 

 

الحرس الذين تولُّوا الحراسة لم يكونوا جنود الإمبراطورية ولا عشيرة الشودراك، بل عناصر من الحرس المحلي الذين عهدت إليهم الجهات الرسمية بأمن المدينة. وكان هؤلاء قد استُدعوا من قِبل العناصر المضطربة التي تسببت في سقوط غوارال―― وإن كانوا لا يستحقون الآن أن يُطلق عليهم لقب “جيش التمرُّد” كما كان سابقًا.

 

 

هولي: «… هك! أنت قوي حقًا~!»

جمال: «لن أُظهر لكم أي شفقة.»

 

 

تساقط وابل من السهام كالمطر المنهمر، سيل متواصل بلا انقطاع.

تفجَّر الغضب من صوته وهو يكسر عنق أحد الحراس بقبضتيه معًا.

لم يكن هناك داعٍ لمثل هذا التصعيد، ومع ذلك، لم يكن ثمة وسيلة لإيقافه.

 

 

افتخر جمال بانتمائه لجند الإمبراطورية أكثر من افتخاره بأصله النبيل. وكانت نقمته على الحراس المتعاونين مع المتمردين الذين قاتلوا ضد الإمبراطورية لا تُحد.

كانت هناك فتاة ممددة على وجهها فوق سرير بسيط.

 

 

فهم قد وقفوا في صف الجنود قبل سقوط المدينة؛ لذا من الطبيعي أن يغضب من تبدُّل ولائهم بهذه السرعة.

عند سماع هذه التعليمات، راح جمال يُفكِّر بها في ذهنه، ثم أغمض عينه ببطء، وفتحها مجددًا وهو يتقدَّم خطوة إلى الأمام.

 

ثم، بقوة عارمة، اندفع مباشرة نحو الأعداء، عازمًا على أن يختم مسيرته كجندي إمبراطوري بكل ما أوتي من كرامة.

تود: «أما أنا، فلي رأي آخر.»

 

 

 

هو قتلهم لأنه كان مضطرًا، ولو لم يكن، لما أقدم على ذلك.

 

 

 

فإن كانوا قد غيروا ولاءهم لمجرد البقاء في صف الأقوى، فلا يُلامون، لكن عليهم أن يدفعوا ثمن خيارهم الخاطئ بأرواحهم.

 

 

 

وعلى هذا المنوال، واصل الاثنان――تود وجمال―― طريقهما نحو الهدف، يزيلان مَن يعترضهما.

فرفعت رمحها الثقيل عموديًا لصدِّ الهجوم، غير أن قوة الضربة انتزعت السلاح من يديها، وركلة جمال الخلفية أصابت وسطها المكشوف أثناء اندفاعه.

 

 

كان في سرداب قاعة المدينة سجنٌ مخصص للمجرمين الذين ينتظرون المحاكمة أمام حاكم المدينة. ومن المرجَّح أن تكون أراكيا، بعد أن وقعت أسيرة، محتجزة هناك أيضًا.

الفتحة التي عبر منها انهارت بعده مباشرة، وسارع بمحو كل أثر له كي لا يتعقبه أحد. على الأرجح، سينشغل مَن في المدينة بجمال لبعض الوقت، مما يمنحه فرصة للفرار.

 

 

بطبيعة الحال، فإن قضبان الحديد لا تساوي شيئًا أمام واحدة من الجنرالات التسعة السماويين، لكنها على الأقل أفضل من استقبالها في غرفة ضيافة.

جمال: «لن أُظهر لكم أي شفقة.»

 

 

وربما كان تود سيفعل الشيء نفسه لو كان في موضعهم――

ولو اعتزم جمال الموت بشرفٍ وهو يحاول استعادة قاعة المدينة، لتركه يلقى حتفه وحده. أما إن كان هدفه إنقاذ أراكيا، فذلك شأن آخر.

 

أما الأقوياء بحق، كأفراد الجنرالات التسعة السماويين، فلا تُقاس قوَّتهم بتلك المقاييس.

جمال: «――ها هي هناك، جنرال الدرجة الأولى.»

 

 

 

في الطابق السفلي من السرداب، اصطُفَّت الزنازين على جانبي الممر. أما صغار المجرمين، فكانوا في الزنازين القريبة، بينما خُصِّصت الزنازين القصوى لأولئك الأشد خطورة.

 

 

كان من أولئك الذين يمشون على السجية، غريزته الحيوانية ظاهرة على ملامحه. سواء من حيث قوَّته الجسدية ككائنٍ حي، أو في حدسه الذكوري القادر على تمييز النساء، لم يكن من النوع الذي ينسى بسهولة امرأةً أثارت شيئًا في قلبه.

وكما هو متوقَّع، كانت الزنزانة الواقعة في نهاية الممر، حيث وُضعت أراكيا، تحت حراسة مشددة.

 

 

ولهذا السبب، لم يتردَّد في قرار مغادرة المدينة. ومع ذلك، فقد تغلَّبت عليه فضوله، فتوارى في موقعٍ يتيح له مراقبة قدوم أيِّ تعزيزات نحو المدينة.

لكن الحارس هذه المرة لم يكن من رجال الأمن، بل امرأة من الشودراك. كانت امرأة ضخمة ذات شعر مصبوغ باللون الأصفر، وبنظرة واحدة، أمكنه استيعاب مدى براعتها.

عند سماع هذه التعليمات، راح جمال يُفكِّر بها في ذهنه، ثم أغمض عينه ببطء، وفتحها مجددًا وهو يتقدَّم خطوة إلى الأمام.

 

فما عداه، إن كُتب له النجاح أو الفشل، لم يكن يهمُّ تود في شيء. لم يكن يعبأ إن ضاع منه الفضل، أو إن ثبت أن كل ذلك الوقت الذي أمضاه في التفكير لم يؤتِ أُكله.

وفوق ذلك، فإن تصميم المكان لا يسمح بالاقتراب من زنزانة أراكيا دون أن تُكشف خطاهم لتلك المرأة. وبعبارة أخرى――

 

 

تود: «وهكذا تكون الحال عندما تنفد أوراقك الرابحة. لكني ما زلت أعدُّ نفسي محظوظًا.»

جمال: «أظن أن وقت التسلل انتهى.»

 

 

تود: «حسنًا، سنعود يا جمال. سنساعدها في استعادة قاعة المدينة.»

تود: «… وأنت، ما الذي يضحكك؟»

 

 

 

كان من الصعب فهم هذا الابتهاج الذي ارتسم على وجه جمال في لحظة تستدعي أقصى درجات الجدية.

 

 

 

لم تكن رغبة تود في القتال، ولا كانت هوايته القتل، بل على العكس تمامًا، فضل تفاديهما ما استطاع. وإن تعذَّر الأمران، فخيارُه الدائم أن يسلك الطريق الأسهل والأقل خطرًا.

 

 

لكن جمال بدا وكأنه يستمتع بالقفز إلى قلب الخطر.

 

 

لم ينطق تود بكلمة، فقط تبعه بصمت، فيما كانت السهام المميتة تمطره. لأنه كان يعلم يقينًا أن أي تشتت في تركيز جمال سيعني موته المباشر.

ربما اعتقد أن اشتداد الخطر يعني مزيدًا من الدماء، ومزيدًا من الإخلاص للإمبراطورية.

 

 

تود: «نعم، هذا ما ظننت. ظننتك تريد أن تموت مثل كلب.»

جمال: «إنه أمر واضح، أليس كذلك؟ قاتل كجندي إمبراطوري، وفز بالحرب! حينها يمكنني أن أفتخر بأنني جندي في الإمبراطورية.»

لكن، وعلى نحوٍ متناقض――

 

تود: «لا تتحدث بسوء عن خطيبتي، أوني ساما.»

تود: «――――»

انفرجت شفتا تود بابتسامة باهتة، وهو يحدق في جمال من خلال أصابعه التي سدَّ بها فمه، وكأنه يُعنِّفه على هذا الاندفاع البدائي. مرر طرف لسانه على نابه الأبيض بسخرية، وارتسمت على وجهه ابتسامة جانبية.

 

 

جمال: «أوي، ما هذه النظرة؟»

فمهما كانت إقامتهم فيه قصيرة، فقد كان يومًا مقرهم الرئيسي.

 

تود: «――جمال، أنت تعلم أننا مستهدفون.»

تود: «لا شيء… فقط قلت ما توقعت تمامًا أن تقوله.»

 

 

 

نادرًا ما يجد المرء مَن تتطابق أقواله مع أفعاله بهذه الصورة الصارخة.

وكما قيل من قبل، فقد فكَّر تود أصلًا في الفرار من المدينة بعد سقوط قاعة المدينة، حسبما خُطَّط له في خطة العدو. لم تكن لديه أي نية في الامتثال لأوامر نزع السلاح أو الاستسلام المهذَّب.

 

لم يتبقَ إلا أن――

بدت على جمال علامات الانزعاج من ردِّ تود، لكنه سرعان ما هز رأسه وهو يمرر أصابعه في لحيته القصيرة ثم زمجر ساخرًا.

لو لم تتدخَّل تلك المرأة القرمزية، لكانت أراكيا وحدها كافيةً لإعادة موازين القوى لصالحهم.

 

إن حدث ذلك، فلن يبقى ما يمنع تود من قتل جمال―― خطيب أخته المستقبلي. وكان قتلُه آخر خيارٍ يرغب به.

جمال: «آه، حسنًا إذًا، وأنت ماذا عنك؟ تبدو مترددًا.»

لكنَّ الوضع تغيَّر، ولا مخرج في الأفق. تُرى، هل يمكن لوزن كلٍ من تود وجمال أن يُعيد الكفة إلى الجهة الأخرى؟

 

 

تود: «لن أنخرط في مهمة انتحارية. إن لم تكن كذلك، فقد أفكر في الأمر. لذا لا، لست مترددًا.»

 

 

――«اقتليه الآن، يا أراكيا… ولا تدعي له أثرًا!»

جمال: «نويت الهرب، لكنك لم تفعل.»

جمال: «كفاك ترَّهات! أنا أستفيد من ذكائك في التخطيط، لكن عندي عقلٌ أفكِّر به أيضًا! أقدر أن أُميِّز بين ما يمكن فعله وما يستحيل.»

 

 

تود: «قررت أرجع بهدية وأنا في طريقي للهرب. الخطة لم تتغير.»

ولهذا، بعد احتراق معسكرهم في غابة بودهايم ودخوله إلى غوارال، جاب أرجاء المدينة كافة، بما فيها قاعة المدينة، ورسم خريطة ذهنية دقيقة.

 

 

جمال: «تقول هذا، وتقول ذاك… هك.»

 

 

جمال: «إنه أمر واضح، أليس كذلك؟ قاتل كجندي إمبراطوري، وفز بالحرب! حينها يمكنني أن أفتخر بأنني جندي في الإمبراطورية.»

زمَّ جمال أسنانه، وعينه الوحيدة اشتعلت حمرة.

 

 

 

ورغم تعبير الغضب ذاك، صرف تود انتباهه عنه وركُّز نظره على هدفه القادم.

وبينما كان غارقًا في التفكير، مال تود برأسه قليلًا، ثم قال متسائلًا:

 

بينما كان يتأمَّل تلك المرأة شبه العارية، التي تسلَّلت إلى المدينة بخفَّة، قافزةً فوق البوَّابة الرئيسية المغلقة بكل أريحية، نطق جمال بتلك الكلمات، وفي أنفاسه خنة حماسٍ لا تخطئها الأذن.

المرأة التي تولَّت الحراسة كانت ضخمة، وأطرافها مكسوة بلحم صلب. وبحسب ما يعرفه عن بُنية الشودراك، فحتى فأس تود قد لا يتمكن من تقطيع أحد أطرافها.

انهمرت عليه الهجمات القاتلة كالعاصفة، لكنه لم يعد يحمل أي ندم.

 

 

لذا، فالنقطة الأضعف حتمًا تكمن من الرقبة فما فوق.

جمال: «أجل، هؤلاء الأوغاد مزعجون. بعيدون جدًا عن متناول سيوفي، لكن إن لم نتصرَّف، فسيستمرون في رشقنا بالسهام. ما العمل؟»

 

لم تكن رغبة تود في القتال، ولا كانت هوايته القتل، بل على العكس تمامًا، فضل تفاديهما ما استطاع. وإن تعذَّر الأمران، فخيارُه الدائم أن يسلك الطريق الأسهل والأقل خطرًا.

ضرب رأسها، أو قطع عنقها، أو شطر وجهها إلى نصفين―― تلك كانت الخيارات المتاحة.

 

 

تود: «جمال، آسف، لكنني راحل. سأقولها مرة أخرى، مع أنني أعلم أنك لن تُصغي: ستموت ميتةً تافهة. حتى لو دخلت إلى هناك، لن تستطيع القضاء عليهم جميعًا…»

جمال: «――إنها لحظة تألقي، أليس كذلك؟»

 

 

هولي: «آه! إنه رفيقه… كياا!»

وبتلك الكلمات، اندفع جمال إلى الأمام بغباء ظاهر.

جمال: «نويت الهرب، لكنك لم تفعل.»

 

 

تردد تود للحظة إن كان عليه منعه، لكنه في النهاية آثر الصمت. بل على العكس، فإن استخدام جمال كطُعم لإشغال الحارسة كان أفضل خطوة ممكنة.

جمال: «… كنتُ أعلم أنَّ كاتيا لا تُحسن الحكم على الناس، لكنني ظننتُك أذكى من ذلك.»

 

 

ذلك سيختصر الكثير من الجهد والوقت، وإن كان جمال على استعداد لفعلها، فلا داعي لثنيه.

وربما كان تود سيفعل الشيء نفسه لو كان في موضعهم――

 

تود: «――اقتليه، أراكيا.»

هولي: «مممم، مَن أنتما~؟!»

 

 

 

جمال: «هل يجب أن أجب؟ أنتم لطَّختُم سمعة ذئب السيف للإمبراطورية فولاكيا! لا تظنوا أنكم انتصرتم في ساحة لم أكن فيها!»

وكما هو متوقَّع، كانت الزنزانة الواقعة في نهاية الممر، حيث وُضعت أراكيا، تحت حراسة مشددة.

 

اندفع جمال بسيفه ليطيح بأحد الحراس الذي أطلَّ من فتحة الطابق السفلي، فيما اندفع تود خلفه، يشقَّان طريقهما عبر أروقة قاعة المدينة، يملؤهما الحذر ويقظة الطريدة.

هولي: «غريب الأطوار ظهر~!»

 

 

 

نظرت المرأة الشودراكية إلى جمال المتقدِّم نحو قلب القاعة، وهي ترفع رمحًا ضخمًا بجانبها. في المقابل، استلَّ جمال سيفيه التوأمين وهو يتلوى في مكانه، والابتسامة الهوسية تعلو وجهه.

 

 

لا يدخل في قتالٍ لا يملك فرصة للظفر فيه.

رغم مشاكله، إلا أن قدراته القتالية كانت مشهودًا لها. وعلى الأقل، ما دام خصمه فردًا من الشودراك، فلن يخسر المعركة بسهولة.

 

 

تود: «البوابة الرئيسية مغلقة―― اتبعني.»

جمال: «خُذي هذه! وتلك! وتلك أيضًا!»

 

 

 

هولي: «… هك! أنت قوي حقًا~!»

لحظة انشغال المرأة الشودراكية إثر اختطاف أراكيا، انقضَّ عليها جمال كوميض من البرق، وسيفاه يلمعان في الهواء.

 

جمال: «أجل، هؤلاء الأوغاد مزعجون. بعيدون جدًا عن متناول سيوفي، لكن إن لم نتصرَّف، فسيستمرون في رشقنا بالسهام. ما العمل؟»

توالت ضربات السيفين الهائجين كالعاصفة نحو المرأة الشودراكية، وجمال يزمجر بأعلى صوته. تفادت الضربات بحنكة مستخدمةً رمحها، لكنها كانت في موقف دفاعي خالص.

 

 

 

لا بد أن تلك المرأة الشودراكية كانت تملك قدرًا معتبرًا من المهارة، إذ أُوكل إليها حراسة أراكيا. غير أنها على ما يبدو لم تتوقع أن يظهر أحدٌ لاستعادة أسيرتهم بعد لحظات قليلة من وضعها في الزنزانة.

جمال: «أوه! لا تقل لي أنك لم تكتفِ بجسد كاتيا…؟»

 

تود: «ما زال لديك ورقة رابحة واحدة على الأقل… وتلك قوية جدًا.»

وفوق ذلك، فقد مثَّلت قلة الجنود الموثوقين ثغرة قاتلة في صفوف المتمردين.

وكما هو متوقَّع، كانت الزنزانة الواقعة في نهاية الممر، حيث وُضعت أراكيا، تحت حراسة مشددة.

 

 

تود: «رغم كل شيء… لا فائدة منهم في الوقت الحالي.»

 

 

بينما كان يتأمَّل تلك المرأة شبه العارية، التي تسلَّلت إلى المدينة بخفَّة، قافزةً فوق البوَّابة الرئيسية المغلقة بكل أريحية، نطق جمال بتلك الكلمات، وفي أنفاسه خنة حماسٍ لا تخطئها الأذن.

بلل شفتيه بطرف لسانه، ثم اندفع تود من خلف جمال قافزًا مباشرة نحو الزنزانة، عابرًا بين خصمين يتقاذفان الشرر من شدَّة الاشتباك.

 

 

 

هولي: «آه! إنه رفيقه… كياا!»

فرغم أنَّه يملك خبرةً قتالية في ساحة المعركة، إلا أنَّه بدا دائمًا لتود رجلًا بسيط التفكير، خشن الطبع، لا يدري ما معنى التأمُّل ولا يهمه.

 

 

جمال: «هل لديك وقت للنظر حولك؟ هااه!»

 

 

محاولةٌ لإقناعه عبر استغلال محبته لأسرته درعًا.

وبمساعدة غير معتادة من جمال الحاذق، هبط تود بفأسه على قفل الزنزانة بكل ما أوتي من قوة.

صحيح أنَّ حِيَل ناتسومي الماكرة كانت لامعة، إلا أنه لا يمتلك قوَّة قتالٍ مباشرة، على الأقل لا تقارب حتى ثلث ما يملكه الجندي العادي. أما عشيرة الشودراك الذين اتَّبعوه، فصحيحٌ أنهم مشهورون ببأسهم، لكنَّ ذلك بالمقارنة مع عامة الناس فقط.

 

 

لم يكن هناك وقت للبحث عن المفاتيح. لم يكن بوسعه تهشيم الزنزانة كلها، لكنه استطاع تحطيم القفل على الأقل.

انبعث صوت مكتومٌ وارتداد صلب، حتى إن طرف الفأس تصدَّع بقوة، لكن القفل انكسر على نحو مدوٍّ، فانفتح الباب المزعج، واقتحم تود الزنزانة دون تردد.

 

 

انبعث صوت مكتومٌ وارتداد صلب، حتى إن طرف الفأس تصدَّع بقوة، لكن القفل انكسر على نحو مدوٍّ، فانفتح الباب المزعج، واقتحم تود الزنزانة دون تردد.

هزَّ تود رأسه ببطء، معبِّرًا بصدقٍ عن خيبة أمله.

 

 

تود: «جنرال الدرجة الأولى، أراكيا!»

جمال: «أنا آسف بشأن كاتيا، لكن لا مفرَّ من هذا. هي من النبلاء الإمبراطوريين أيضًا. وأكاد أجزم أنها كانت مستعدة لِما قد يحدث لي ولك.»

 

 

كانت هناك فتاة ممددة على وجهها فوق سرير بسيط.

استمع تود لصوت زئير جمال الهادر في البعيد، وتمتم بتلك الكلمات بينما كان يندفع عبر الجدار.

 

جمال: «هاه؟»

حتى ولو انتمى الجميع للإمبراطورية نفسها، فإن لقاء الجنرالات لم يكن أمرًا شائعًا بالنسبة لجندي عادي. حتى الجنرال من الدرجة الثالثة يُعدُّ قائد جيش، فما بالك بجنرال من الدرجة الثانية أو الأولى، فذلك كمَن يحلِّق في السحاب.

جمال: «نهاية الممر―― هك!»

 

 

ولذلك، فهذه كانت المرة الأولى التي يرى فيها تود عن قرب أحد جنرالات الدرجة الأولى، أحد أفراد الجنرالات التسعة السماويين.

الجنرالات التسعة السماويين كانوا محاربي النخبة، يمثِّلون ذروة القوَّة العسكرية للإمبراطورية فولاكيا.

 

 

أراكيا: «――――»

لكن الحارس هذه المرة لم يكن من رجال الأمن، بل امرأة من الشودراك. كانت امرأة ضخمة ذات شعر مصبوغ باللون الأصفر، وبنظرة واحدة، أمكنه استيعاب مدى براعتها.

 

 

وكان سبب استلقاء أراكيا على وجهها يرجع إلى الجرح الغائر في ظهرها، وقد غطَّته ندبة بشعة أُحرقت لإغلاقها على الفور.

تود: «… أفهم تمامًا ما تشعر به، لكن عليك أن تهدأ. الآن، بعدما هُزِمَت جنرال الدرجة الأولى أراكيا، لم يعد هناك أمل في النصر حتى لو اقتحمنا المكان. أتُريد أن تحزن أختك بموتٍ لا طائل منه؟»

 

 

لقد كُووِي الجرح لحظة تلقيه، ما جعله أشبه بندبة مروّعة… لولا أن الضربة أتت من نصل مشتعل، لما ظهرت تلك الندبة بهذا الشكل.

لقد كُووِي الجرح لحظة تلقيه، ما جعله أشبه بندبة مروّعة… لولا أن الضربة أتت من نصل مشتعل، لما ظهرت تلك الندبة بهذا الشكل.

 

 

تود: «تلك المرأة الحمراء… ماذا فعلت؟»

جمال: «――سحقًا.»

 

 

كانت تلك المرأة بعيدة كل البعد عن أن تكون عادية، وسيفها المزخرف لم يكن سيفًا بسيطًا أيضًا.

فإن لم يعد جمال سالمًا، فلن يكون بالإمكان الوفاء بالوعد الذي قُطع.

 

فقد أصابها سيف المرأة القرمزية في ظهرها، وسقطت أراكيا بلا حولٍ ولا قوَّة، على الأرض.

ولمَّا لم يجد معلومات إضافية، ولم ترد أراكيا على ندائه، لم يكن أمام تود سوى أن يلتقط جسدها ويهرع خارج الزنزانة.

تود: «… إذًا، لا خيار أمامنا سوى واحد.»

 

تود: «آه يا للعجب، كم تبدين بريئة. ومع ذلك، لو كنتِ من الجنرالات التسعة السماويين، فلا بد أن عدد مَن قتلتيهم يتجاوز المئة… أو المئتين.»

تود: «أمسكت بها! جمال، لنرحل!»

؟؟؟: «إن بقيتَ على قيد الحياة، فستحظى بفرصةٍ لمسح عارك. أمَّا إن مُتَّ، فذاك هو الختام. لذا… سأرحل. لن أخوض معركة لا أرى في نفسي قدرة على الظفر بها.»

 

 

هولي: «لن أسمح لك… آي!»

صحيح أنَّ حِيَل ناتسومي الماكرة كانت لامعة، إلا أنه لا يمتلك قوَّة قتالٍ مباشرة، على الأقل لا تقارب حتى ثلث ما يملكه الجندي العادي. أما عشيرة الشودراك الذين اتَّبعوه، فصحيحٌ أنهم مشهورون ببأسهم، لكنَّ ذلك بالمقارنة مع عامة الناس فقط.

 

تود: «إذًا، من البديهي المراهنة على التنين الأرضي الرابح.»

جمال: «قلت لك، توقفي عن التشتت! نييييي―― هك!»

 

 

تود: «لا تتحرَّك، جمال―― لا يمكنك أن تفعل شيئًا في الوقت الراهن.»

لحظة انشغال المرأة الشودراكية إثر اختطاف أراكيا، انقضَّ عليها جمال كوميض من البرق، وسيفاه يلمعان في الهواء.

 

 

وبتلك الكلمات، اندفع جمال إلى الأمام بغباء ظاهر.

فرفعت رمحها الثقيل عموديًا لصدِّ الهجوم، غير أن قوة الضربة انتزعت السلاح من يديها، وركلة جمال الخلفية أصابت وسطها المكشوف أثناء اندفاعه.

 

 

جمال: «هاه؟ آه، أجل! هاها، هذا رائع! يسرُّني سماع ذلك! جسدي يحكني منذ وقت، لأن الهرب ليس من طبعي. لن أترك جنرال الدرجة الأولى تأخد كل الفضل وحدها!»

صرخت المرأة بصوت خافت، وارتطم جسدها بجدار السجن، ثم هوت رأسها إلى الأرض بقوة، وسكنت بلا حراك.

أن يُلقي المرء بنفسه في معركة لا أمل في الفوز بها، لا يفعلها إلا أحمقٌ أخرق لا يُصدَّق.

 

 

نظر تود نحوها، وهمَّ أن يأمر جمال بإنهاء أمرها، لكن――

كان من أولئك الذين يمشون على السجية، غريزته الحيوانية ظاهرة على ملامحه. سواء من حيث قوَّته الجسدية ككائنٍ حي، أو في حدسه الذكوري القادر على تمييز النساء، لم يكن من النوع الذي ينسى بسهولة امرأةً أثارت شيئًا في قلبه.

 

 

تود: «――اسمع، هناك جلبة في الأعلى. لعلهم عثروا على جثة الحارس؟»

 

 

 

جمال: «تِش، لا يمكننا البقاء أكثر. جنرال الدرجة الأولى…»

 

 

تود: «أمسكت بها! جمال، لنرحل!»

تود: «فاقدة للوعي، لكنها لا تزال حيَّة. وذلك يكفينا.»

وشعر بالارتياح لذلك―― إذ إن جمال، حتى نخاعه، كان من ذئاب السيف التابعة للإمبراطورية فولاكيا.

 

 

أجاب تود بوضوح، وهو يركض خارج الزنزانة. أما جمال، الذي سبقه قليلًا، فقد تولَّى فتح الطريق أمامه، لكن تود سرعان ما تجاوزه بخفة.

 

 

لم يكن هناك وقت للبحث عن المفاتيح. لم يكن بوسعه تهشيم الزنزانة كلها، لكنه استطاع تحطيم القفل على الأقل.

؟؟؟: «مَن في العا… غاه!»

 

جمال: «تنحُّوا من طريقي، أيها الحمقى!»

 

 

تود: «ما زال لديك ورقة رابحة واحدة على الأقل… وتلك قوية جدًا.»

اندفع جمال بسيفه ليطيح بأحد الحراس الذي أطلَّ من فتحة الطابق السفلي، فيما اندفع تود خلفه، يشقَّان طريقهما عبر أروقة قاعة المدينة، يملؤهما الحذر ويقظة الطريدة.

جمال: «حسنًا، أنا معكم أحيانًا الرهانات الغبية لا تكون سيئة تمامًا.»

 

 

لولسوء الحظ، لم يُتح له التفرغ للعناية بجسد أراكيا أثناء حمله لها. وإن كانت حقًا واحدة من الجنرالات التسعة السماويين، فلا بد أن جسدها يملك من الصلابة ما يكفي. كل ما عليه هو أن يثق بتحمُّله ويواصل الركض.

تود: «آه يا للعجب، كم تبدين بريئة. ومع ذلك، لو كنتِ من الجنرالات التسعة السماويين، فلا بد أن عدد مَن قتلتيهم يتجاوز المئة… أو المئتين.»

 

وما إن وقعت عيناه عليه، لم يتبادر إلى ذهن تود أفكارٌ ساخرة من قبيل: “أيِّ أحمق يقف في وجه جنرال الدرجة الأولى؟” أو “كيف ما زال حيًّا حتى الآن؟”

جمال: «خرجنا! إلى أين الآن؟»

 

 

 

تود: «البوابة الرئيسية مغلقة―― اتبعني.»

لكن جمال ردَّ عليها بسرعة خارقة، وصدَّها بتقاطع سيفيه التوأمين. الارتجاج ارتدَّ إلى معصمه، فاحتكَّت أسنانه من شدة الصدمة، ثم انفجر ضاحكًا ككلب مسعور.

 

 

شقَّا طريقهما عبر أزقَّة المدينة المعتمة المشتعلة في جنون الفوضى، قافزين إلى الممرات الخلفية والطرق الجانبية. استغل تود معرفته بالأزقة الضيقة لينحرف عن مسار التتبع ويضلِّل مَن يلاحقهم.

ولو سارت الأمور كما ينبغي، لربما كانوا ليشاهدوا رقصة إحدى الراقصات المدعوات إلى قاعة المدينة في اليوم التالي.

 

 

فالمعركة بالكاد انتهت، والاضطراب لا يزال يعصف في الأرجاء، وهناك ما لا يقل عن ثلاثمائة جندي إمبراطوري يرتدون الزي ذاته في المدينة، ما يصعُّب تمييزهم عن بعضهم البعض.

 

 

وفي ضوء ما يجري، بحث تود سريعًا عن أنجع طريقة للخروج، وكان الخيار الأوفر حظًا لتحقيق نتيجة ملموسة هو――

لم يتبقَ إلا أن――

 

 

 

تود: «――تهك!»

 

 

فمهما كانت إقامتهم فيه قصيرة، فقد كان يومًا مقرهم الرئيسي.

في اللحظة التي سمع فيها صوت الريح، مرَّ نصل خلفه مباشرة.

 

 

 

التفت على الفور، ليجد سهمًا ضخمًا، سميكًا، مغروسًا أسفل قدميه. شخص ما قد قطعه قبل أن يصيبه. لقد كان موجهًا نحوه، بقوة جنونية، لكن جمال هو مَن تدخَّل في اللحظة الحاسمة وأوقفه.

 

 

 

كانت تلك رمية دقيقة، موجهة بعناية نحو اثنين يجريان ويتنقلان بخفة في قلب المدينة.

 

 

لم يكن يهمُّه أي شيءٍ آخر، طالما تأكَّد من أنَّ حياة ناتسومي شوارتز، رمز الحرب ورايتها، قد انطفأت إلى الأبد. لو تحقق ذلك، لكان――

ولا شك أبدًا، إن هذا هو نفس القنَّاص الذي أطلق سهمًا في صدر تود قبل بضعة أيام.

جمال: «آه، حسنًا إذًا، وأنت ماذا عنك؟ تبدو مترددًا.»

 

 

――كانا مراقبَين.

حتى ولو انتمى الجميع للإمبراطورية نفسها، فإن لقاء الجنرالات لم يكن أمرًا شائعًا بالنسبة لجندي عادي. حتى الجنرال من الدرجة الثالثة يُعدُّ قائد جيش، فما بالك بجنرال من الدرجة الثانية أو الأولى، فذلك كمَن يحلِّق في السحاب.

 

 

وبناءً على ذلك، لم يعُد بوسعهما التحرك بلا حساب.

 

 

 

إن خرجا من الأزقة إلى العراء، سيُصبحان هدفًا سهلًا. وتود، وهو يحمل أراكيا، لم يكن بوسعه التحرك بخفة كعادته. أما خيار قتل القنَّاص، فكان يعني العودة إلى قاعة المدينة للمرة الثالثة، حيث يتربص خصمهم هناك.

 

 

 

فهل عليهما ترك أراكيا والهروب؟ قد يكون هذا السبيل الأنجع للنجاة، لكنه لم يعد يعلم ما الذي يُخاطر من أجله إن فعل ذلك.

 

 

 

وفي ضوء ما يجري، بحث تود سريعًا عن أنجع طريقة للخروج، وكان الخيار الأوفر حظًا لتحقيق نتيجة ملموسة هو――

 

 

 

تود: «――جمال، أنت تعلم أننا مستهدفون.»

 

 

 

جمال: «أجل، هؤلاء الأوغاد مزعجون. بعيدون جدًا عن متناول سيوفي، لكن إن لم نتصرَّف، فسيستمرون في رشقنا بالسهام. ما العمل؟»

 

 

 

تود: «… إذًا، لا خيار أمامنا سوى واحد.»

وميضٌ من الضوء القرمزي فصل بين ناتسومي وأراكيا.

 

هولي: «مممم، مَن أنتما~؟!»

ضاقت عين جمال الوحيدة بكلمات تود.

 

 

 

كان يترقّب حلًا، بينما أطلق تود زفرة عميقة وأغمض إحدى عينيه.

 

 

إن حدث ذلك، فلن يبقى ما يمنع تود من قتل جمال―― خطيب أخته المستقبلي. وكان قتلُه آخر خيارٍ يرغب به.

تود: «ما إن نقفز إلى الخارج، سيطلق علينا السهام فورًا. سأجعلك تتقدمني، وتصد السهام كما فعلت قبل قليل. لن تكون رمية واحدة، بل ربما اثنتان أو ثلاث. سأركض بكل ما أملك، كي لا أسقط الجنرال من على كتفي.»

تود: «جمال، آسف، لكنني راحل. سأقولها مرة أخرى، مع أنني أعلم أنك لن تُصغي: ستموت ميتةً تافهة. حتى لو دخلت إلى هناك، لن تستطيع القضاء عليهم جميعًا…»

 

 

جمال: «هاه؟ هذا ليس أسلوبك. أتُراك جادًا؟ يبدو الأمر يائسًا بحق.»

 

 

 

تود: «وهكذا تكون الحال عندما تنفد أوراقك الرابحة. لكني ما زلت أعدُّ نفسي محظوظًا.»

ردَّ تود وهو يحكُّ رأسه، ووجهه متلوٍ بشيء من الإحراج. وما إن سمع جمال هذا الردَّ، حتى أطلق تنهيدة قصيرة “هاه”، ثم قبض مجددًا على مقابض سيفيه التوأمين.

 

 

جمال: «هاه؟ تقصد ماذا؟»

 

 

جمال: «أتعتقد حقًا أنَّني سأندفع بروحٍ مستعدة للموت؟»

تود: «ما زال لديك ورقة رابحة واحدة على الأقل… وتلك قوية جدًا.»

 

 

 

فخطته هذه كانت تعتمد كليًا، تقريبًا، على مهارة جمال في المبارزة.

 

 

جمال: «هاه؟ آه، أجل! هاها، هذا رائع! يسرُّني سماع ذلك! جسدي يحكني منذ وقت، لأن الهرب ليس من طبعي. لن أترك جنرال الدرجة الأولى تأخد كل الفضل وحدها!»

لو عجز جمال عن صدِّ السهام الطائرة، فمصيرهما سيكون الهلاك. فكرة أن يخاطر تود بحياته بهذا الشكل المتهور كانت ضربًا من الجنون وفقًا لمبادئه.

بدت على جمال علامات الانزعاج من ردِّ تود، لكنه سرعان ما هز رأسه وهو يمرر أصابعه في لحيته القصيرة ثم زمجر ساخرًا.

 

في أحضان تود، انحدرت دموع أراكيّا من عينها المغلقة. وبينما كان يراقبها وهي تنساب على وجنتيها، راودته خاطرة مبهمة: رفيقته الحالية ترتدي عصابة عين… تمامًا كما فعل رفيقه السابقة.

ومع ذلك، كانت هذه خطته. ومع مهارة جمال في المبارزة، لم تكن احتمالات النجاة معدومة.

 

جمال: «… كنتُ أعلم أنَّ كاتيا لا تُحسن الحكم على الناس، لكنني ظننتُك أذكى من ذلك.»

جمال: «هل تسمعني يا تود؟ ماذا عنا؟ ألسنا هنا لندعم جنرال الدرجة الأولى أراكيا؟ أجبني!»

 

تود: «جمال، عندما تخرج من الزقاق، اركض مباشرة. بعد ذلك، عند النهاية، خُذ الطريق إلى اليمين. هذا سيمنحك بعض الوقت لالتقاط أنفاسك.»

تود: «لا تتحدث بسوء عن خطيبتي، أوني ساما.»

 

 

 

ردَّ تود وهو يحكُّ رأسه، ووجهه متلوٍ بشيء من الإحراج. وما إن سمع جمال هذا الردَّ، حتى أطلق تنهيدة قصيرة “هاه”، ثم قبض مجددًا على مقابض سيفيه التوأمين.

تود: «ما زال لديك ورقة رابحة واحدة على الأقل… وتلك قوية جدًا.»

 

حتى ولو انتمى الجميع للإمبراطورية نفسها، فإن لقاء الجنرالات لم يكن أمرًا شائعًا بالنسبة لجندي عادي. حتى الجنرال من الدرجة الثالثة يُعدُّ قائد جيش، فما بالك بجنرال من الدرجة الثانية أو الأولى، فذلك كمَن يحلِّق في السحاب.

ثم استدار بجسده العريض نحو تود.

فالمعركة بالكاد انتهت، والاضطراب لا يزال يعصف في الأرجاء، وهناك ما لا يقل عن ثلاثمائة جندي إمبراطوري يرتدون الزي ذاته في المدينة، ما يصعُّب تمييزهم عن بعضهم البعض.

 

 

جمال: «حسنًا، أنا معكم أحيانًا الرهانات الغبية لا تكون سيئة تمامًا.»

فهم قد وقفوا في صف الجنود قبل سقوط المدينة؛ لذا من الطبيعي أن يغضب من تبدُّل ولائهم بهذه السرعة.

 

جمال: «――إنها لحظة تألقي، أليس كذلك؟»

تود: «لو لم أكن هنا، لكنتَ على الأرجح تخوض كل هذا النوع من الرهانات.»

لكنَّ الوضع تغيَّر، ولا مخرج في الأفق. تُرى، هل يمكن لوزن كلٍ من تود وجمال أن يُعيد الكفة إلى الجهة الأخرى؟

 

 

جمال: «اصمت بحقك… ابقَ هادئًا وورائي.»

تود: «جمال، آسف، لكنني راحل. سأقولها مرة أخرى، مع أنني أعلم أنك لن تُصغي: ستموت ميتةً تافهة. حتى لو دخلت إلى هناك، لن تستطيع القضاء عليهم جميعًا…»

 

 

ارتفعت روح جمال القتالية بصمت، متوهجة خلف الكلمات اللاذعة المتبادلة.

وبطرف عينه، لمح أراكيا تُحمَل بعيدًا، رغم أنها كانت على شفا الموت.

 

جمال: «ليس هناك مجال للشك. إنها نفس المرأة التي رأيتها منذ عامين، عندما كنت أخدم وقت سحق البرابرة―― جنرال الدرجة الأولى، أراكيا، المصنفة الثانية.»

وبينما كان يتأمل ظهر جمال العريض، شدَّ تود قبضته على جسد أراكيا التي يحملها.

جمال: «هاه؟ آه، أجل! هاها، هذا رائع! يسرُّني سماع ذلك! جسدي يحكني منذ وقت، لأن الهرب ليس من طبعي. لن أترك جنرال الدرجة الأولى تأخد كل الفضل وحدها!»

 

قال ذلك بصوت منخفض، وهو يتسلل داخل قاعة المدينة ويُسقط بعض الحراس هنا وهناك.

تود: «جمال، عندما تخرج من الزقاق، اركض مباشرة. بعد ذلك، عند النهاية، خُذ الطريق إلى اليمين. هذا سيمنحك بعض الوقت لالتقاط أنفاسك.»

 

 

وسيلة بدائية لتحسين الرؤية البعيدة، بتضييق مجال النظر. ولو ضيَّق عينيه، لتمكَّن من رؤية مدى بعيد، لكنُّه لن يستطيع إدراك ما يجري داخل قاعة المدينة المشتعلة، دع عنك ما وراء الأعلام المحترقة.

عند سماع هذه التعليمات، راح جمال يُفكِّر بها في ذهنه، ثم أغمض عينه ببطء، وفتحها مجددًا وهو يتقدَّم خطوة إلى الأمام.

 

 

 

جمال: «――هَك.»

 

 

 

ما إن خرج من الزقاق، حتى انطلقت نحوه سهام طائرة، يلفُّها الإعصار.

جمال: «أوه! لا تقل لي أنك لم تكتفِ بجسد كاتيا…؟»

 

تمكَّن ناتسومي من النجاة من موقفٍ ميؤوسٍ منه، وتيقَّن تود أنَّ في جعبة هذا الرجل ما يملكه، شيءٌ يملكه ويتميّز به، لا علاقة له بالقوة القتالية أو الحظ.

لكن جمال ردَّ عليها بسرعة خارقة، وصدَّها بتقاطع سيفيه التوأمين. الارتجاج ارتدَّ إلى معصمه، فاحتكَّت أسنانه من شدة الصدمة، ثم انفجر ضاحكًا ككلب مسعور.

 

 

ولو كان الأمر يُريح جمال لو أفرغ عليه لكمةً أو اثنتين، لتقبَّلها، لكن الواضح أنَّ جمال لم يكن ينوي ذلك، إذ اكتفى بالنفخ بلسانه ودفع تود بعيدًا.

في تلك اللحظة، اشتعل الدم في عروقه، وخفق قلبه كأنما يقفز من بين أضلاعه، وغلى كيانه كله بالحياة.

جمال: «هل لديك وقت للنظر حولك؟ هااه!»

 

△▼△▼△▼△

في أقصى درجات التركيز، بدا له العالم كأنه يتباطأ. أحسّ َبكل قطرة عرق تسيل على جلده، بكل ذرة غبار تطير في الهواء، بل وحتى بوجود الهواء نفسه الذي لا يُرى.

جمال: «――هاهااااا!»

 

 

جمال: «――هاهااااا!»

 

 

 

تساقط وابل من السهام كالمطر المنهمر، سيل متواصل بلا انقطاع.

 

 

ويبدو أن جمال قرَّر أن يفتعل جلبةً أخيرة قبل أن يُقدم على ما ينوي فعله.

ثبت قدميه في الأرض، ولوَّح بسيفه كراقص، يقطع السهام ويشتتها.

جمال: «――ها هي هناك، جنرال الدرجة الأولى.»

 

 

ما حدث لم يكن سوى رقصة سيف―― رقصة السيف لجمال أورِيليه.

 

 

 

ولو سارت الأمور كما ينبغي، لربما كانوا ليشاهدوا رقصة إحدى الراقصات المدعوات إلى قاعة المدينة في اليوم التالي.

 

 

 

لكن جمال سخر من الفكرة، وضحك من كونه هو مَن يؤدي الرقصة بدلًا عنها. لكنها رقصة بكل قلبه، بكل جسده، معركة سيف بكل طاقته.

تود: «فلنجرِّب هذا النهج.»

 

――كانا مراقبَين.

وتود، بدوره، راقب جمال بدهشة بينما كان يصدُّ الهجوم بجنون واحتراف.

 

 

 

لم ينطق تود بكلمة، فقط تبعه بصمت، فيما كانت السهام المميتة تمطره. لأنه كان يعلم يقينًا أن أي تشتت في تركيز جمال سيعني موته المباشر.

هو قتلهم لأنه كان مضطرًا، ولو لم يكن، لما أقدم على ذلك.

 

على الأقل، هذا ما كان سيفعله تود نفسه. إنها مجرَّد غريزة بقاء.

لذا، أبعد تود تفكيره عن جمال، وصبَّ تركيزه كاملًا على تفادي “الموت” الزاحف.

علم مواضع القتل الخفية، ومواقع الاختباء عن العيون.

مباشرة إلى الأمام، تَفادَ، اقْطع، اندفع، اقفز، ابْعِد، وافتح الطريق.

أن يُلقي المرء بنفسه في معركة لا أمل في الفوز بها، لا يفعلها إلا أحمقٌ أخرق لا يُصدَّق.

 

 

جمال: «نهاية الممر―― هك!»

تود: «لو لم أكن هنا، لكنتَ على الأرجح تخوض كل هذا النوع من الرهانات.»

 

 

بأعجوبة، تمكَّنا من اجتياز طريق الموت المستقيم وبلغا نهايته كما خُطِّط.

ولحسن الحظ، فمقابل خسارة جمال، تمكَّن من العثور على ورقة رابحة أخرى توصله إلى العاصمة.

 

 

مرور الوقت بدا ضبابيًا، وربما لم تدم رقصة السيف سوى بضع ثوانٍ، حتى وإن خُيِّل لهما أنها استمرَّت لساعات. ومع ذلك، لم يتجاوزا سوى أول حاجز. ورغم ذلك، لم يتراخَ جمال، بل نفَّذ ما قيل له تمامًا، واستدار إلى اليمين عند نهاية الطريق، وهناك――

وربما كان تود سيفعل الشيء نفسه لو كان في موضعهم――

 

 

――وعند نهاية الطريق المحطَّم، وقف جمع من الشودراكيين، رماحهم موجَّهة نحوهم.

 

 

تفجَّر الغضب من صوته وهو يكسر عنق أحد الحراس بقبضتيه معًا.

جمال: «――سحقًا.»

 

 

جمال: «أجل، هؤلاء الأوغاد مزعجون. بعيدون جدًا عن متناول سيوفي، لكن إن لم نتصرَّف، فسيستمرون في رشقنا بالسهام. ما العمل؟»

كان من الصعب مجابهة هذا العدد من الشودراكيين مع وجود ذلك القنَّاص يتربص بهم. بل يمكن القول إن الأمر مستحيل.

 

 

لذا، فالنقطة الأضعف حتمًا تكمن من الرقبة فما فوق.

كان مستعدًا للقتال حتى آخر رمق، لكن حتى وإن فعل، لن يمكنه الاحتفاظ بأي جهد احتياطي. لم يتخيَّل للحظة أن يُوقَع به بهذه الدقة، وكأن الحظ قد تخلى عنه بالكامل.

تنفَّس تود تنهيدةً ثقيلة وهو ينظر إلى جمال، الذي راحت قبضتاه تتصلَّبان حماسةً مع تغيُّر الخطَّة وعودة احتمال القتال. توجَّها نحو قاعة المدينة، لكن بدلاً من الدخول مباشرةً، اتّخذا موقعًا يتيح لهما مراقبة الوضع بأفضل شكل ممكن.

 

 

جمال: «حتى لو مشيتَ متبخترًا متذاكيًا بكل الطرق، في النهاية، الحظ لا يدوم، أليس كذلك…؟ هه، لا جدوى من كل هذا. لكن… لم يكن بالأمر السيئ.»

جمال: «نويت الهرب، لكنك لم تفعل.»

 

تود: «لا تتحدث بسوء عن خطيبتي، أوني ساما.»

تفقَّد جمال ثِقَل السيفين في يديه الملطختين بالدماء، وألقى بهذه الكلمات لتود الذي خلفه.

كان من الصعب فهم هذا الابتهاج الذي ارتسم على وجه جمال في لحظة تستدعي أقصى درجات الجدية.

 

الجنرالات التسعة السماويين كانوا محاربي النخبة، يمثِّلون ذروة القوَّة العسكرية للإمبراطورية فولاكيا.

“لم يكن بالأمر السيء”—قالها بصدق.

 

 

 

لقد كانت أفكار تود وتصرفاته مربكة ومحبطة في كثير من الأحيان.

جمال: «أظن أن وقت التسلل انتهى.»

 

 

ومع ذلك، في النهاية، اختار أن يبذل نفسه كما يفعل جنود الإمبراطورية.

 

 

ولا شك أبدًا، إن هذا هو نفس القنَّاص الذي أطلق سهمًا في صدر تود قبل بضعة أيام.

جمال: «أنا آسف بشأن كاتيا، لكن لا مفرَّ من هذا. هي من النبلاء الإمبراطوريين أيضًا. وأكاد أجزم أنها كانت مستعدة لِما قد يحدث لي ولك.»

 

 

 

تذكَّر أخته التي تركها في العاصمة الإمبراطورية، فشعر بوخزة خفيفة في صدره. لكنها سرعان ما غرقَت في عزيمته على مجابهة الأعداء أمامه، وفي رائحة الدم التي غطَّت المكان.

 

 

 

وشعر بالارتياح لذلك―― إذ إن جمال، حتى نخاعه، كان من ذئاب السيف التابعة للإمبراطورية فولاكيا.

 

 

وفوق ذلك، فقد مثَّلت قلة الجنود الموثوقين ثغرة قاتلة في صفوف المتمردين.

جمال: «هيا بنا، تود… لنُرهم على الأقل ممّ نحن مصنوعون، لمرّةٍ أخيرة.»

 

 

تود: «فلنجرِّب هذا النهج.»

ثم انحنى بجسده قليلًا، ولعق الدم الذي سال من عينه اليمنى المكسوَّة برقعة.

 

 

 

ثم، بقوة عارمة، اندفع مباشرة نحو الأعداء، عازمًا على أن يختم مسيرته كجندي إمبراطوري بكل ما أوتي من كرامة.

 

 

جمال: «نهاية الممر―― هك!»

انهمرت عليه الهجمات القاتلة كالعاصفة، لكنه لم يعد يحمل أي ندم.

 

 

 

أن يظل على طبيعته حتى اللحظة الأخيرة، كان أعظم مكافأةٍ نالها جمال.

جمال: «تِش، لا يمكننا البقاء أكثر. جنرال الدرجة الأولى…»

 

ارتفعت روح جمال القتالية بصمت، متوهجة خلف الكلمات اللاذعة المتبادلة.

△▼△▼△▼△

؟؟؟: «…ظللتَ أحمقًا حتى النهاية، أليس كذلك؟»

 

بدت على جمال علامات الانزعاج من ردِّ تود، لكنه سرعان ما هز رأسه وهو يمرر أصابعه في لحيته القصيرة ثم زمجر ساخرًا.

؟؟؟: «…ظللتَ أحمقًا حتى النهاية، أليس كذلك؟»

 

 

 

استمع تود لصوت زئير جمال الهادر في البعيد، وتمتم بتلك الكلمات بينما كان يندفع عبر الجدار.

 

 

 

الفتحة التي عبر منها انهارت بعده مباشرة، وسارع بمحو كل أثر له كي لا يتعقبه أحد. على الأرجح، سينشغل مَن في المدينة بجمال لبعض الوقت، مما يمنحه فرصة للفرار.

 

 

تود: «التحرُّك أو التراجع… يستحقُّ الأمر عناء التفكير.»

كان الأمر تمامًا كما قال جمال.

الحرس الذين تولُّوا الحراسة لم يكونوا جنود الإمبراطورية ولا عشيرة الشودراك، بل عناصر من الحرس المحلي الذين عهدت إليهم الجهات الرسمية بأمن المدينة. وكان هؤلاء قد استُدعوا من قِبل العناصر المضطربة التي تسببت في سقوط غوارال―― وإن كانوا لا يستحقون الآن أن يُطلق عليهم لقب “جيش التمرُّد” كما كان سابقًا.

 

جمال: «سأقتحم المكان وأحدث ضجة. وإن استغللنا تلك اللحظة، نقدر على إنقاذ جنرال الدرجة الأولى أراكيا…»

تود لن يضع حياته أبدًا في رهان يائس، حتى وإن كان ميتًا―― بل إنه لن يقدم على ذلك بالضبط كي لا يموت.

 

 

 

تود: «إذا تركتهم يلاحقونك خارج الزقاق، فسيتشتَّت انتباههم. حسنًا… أشعر بالأسف تجاه كاتيا…»

غير أن هذا لم يعد ينطبق على الآن، بعدما تكرَّر المشهد، وسمح تود نفسه لجمال بأن يُشهر سيوفه من جديد. ومهما قال له الآن، فليس من المتوقع أن يستمع أو يطيع.

 

 

الوعد الذي قطعه بإعادة صهره سيظل بلا وفاء، وخطيبته ستنغمس في حزن شديد.

 

 

صحيح أنَّ حِيَل ناتسومي الماكرة كانت لامعة، إلا أنه لا يمتلك قوَّة قتالٍ مباشرة، على الأقل لا تقارب حتى ثلث ما يملكه الجندي العادي. أما عشيرة الشودراك الذين اتَّبعوه، فصحيحٌ أنهم مشهورون ببأسهم، لكنَّ ذلك بالمقارنة مع عامة الناس فقط.

ومن أجل مواساتها، أراد أن يعود إلى العاصمة الإمبراطورية بأسرع ما يمكن.

 

 

تود: «إذًا، من البديهي المراهنة على التنين الأرضي الرابح.»

ولحسن الحظ، فمقابل خسارة جمال، تمكَّن من العثور على ورقة رابحة أخرى توصله إلى العاصمة.

 

 

الفتحة التي عبر منها انهارت بعده مباشرة، وسارع بمحو كل أثر له كي لا يتعقبه أحد. على الأرجح، سينشغل مَن في المدينة بجمال لبعض الوقت، مما يمنحه فرصة للفرار.

ورقة رابحة قد تمنحه نفوذًا أكبر بكثير مما كان يمتلكه جمال، حتى رغم أنه كان على وشك الترقية إلى رتبة “جنرال من الدرجة الثالثة”.

 

 

 

أراكيا: «… الأميرة.»

فقد هُزِمَت المصنفة الثانية من الجنرالات التسع السماويين، ولا احتمال لبروز تعزيزات جديدة تتدخَّل في الموقف.

 

 

تود: «آه يا للعجب، كم تبدين بريئة. ومع ذلك، لو كنتِ من الجنرالات التسعة السماويين، فلا بد أن عدد مَن قتلتيهم يتجاوز المئة… أو المئتين.»

 

 

 

في أحضان تود، انحدرت دموع أراكيّا من عينها المغلقة. وبينما كان يراقبها وهي تنساب على وجنتيها، راودته خاطرة مبهمة: رفيقته الحالية ترتدي عصابة عين… تمامًا كما فعل رفيقه السابقة.

وتود، بدوره، راقب جمال بدهشة بينما كان يصدُّ الهجوم بجنون واحتراف.

 

وعلى هذا، التفت تود إلى جمال، وبدأ يفكر جديًا في تسلُّق جدار القلعة والفرار بمفرده.

وبينما كان غارقًا في التفكير، مال تود برأسه قليلًا، ثم قال متسائلًا:

ولو سارت الأمور كما ينبغي، لربما كانوا ليشاهدوا رقصة إحدى الراقصات المدعوات إلى قاعة المدينة في اليوم التالي.

 

 

تود: «على أي عين وضع جمال رقعته…؟»

 

 

لكنَّ تود لم يلتفت إليه بعدها، بل بقيت عيناه مسمَّرتين على المشهد داخل قاعة المدينة. تلك المرأة ذات الفستان القرمزي، التي ظهرت بغتةً، كانت تواجه أراكيا وجهًا لوجه.

 

تود: «آه يا للعجب، كم تبدين بريئة. ومع ذلك، لو كنتِ من الجنرالات التسعة السماويين، فلا بد أن عدد مَن قتلتيهم يتجاوز المئة… أو المئتين.»

////

 

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

△▼△▼△▼△

ثم، بقوة عارمة، اندفع مباشرة نحو الأعداء، عازمًا على أن يختم مسيرته كجندي إمبراطوري بكل ما أوتي من كرامة.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط