34 - مشادة في العربة.
تحرَّكت العربة ببطء، لا إلى حدِّ الاسترخاء المفرط، على امتداد الطريق.
كان حصان زوبعة الربح ذو الشعر الكستنائي، يلوِّح بجسده الضخم في حركة رشيقة تُكذِّب مظهره القوي، يجرُّ العربة التي تقلُّ سوبارو ومَن معه بحذر بالغ.
سوبارو: «كما هو متوقَّع… معنا ليدي، وليست تمامًا “سيدة” حقيقية… بالنظر إلى أنَّها فرس زيكر سان المحبوبة.»
لكن اللوح، بعد أن تنبأ بأن العائلة الملكية ستسقط ضحية مرضٍ عضال، قدَّم خطة لاختيار الملك القادم―― أي الاختيار الملكي الذي تخوضه إميليا وبريسيلا حاليًا.
وافق آل سوبارو، الذي كان متحمسًا لتوجيه اللوم إلى جلالته الإمبراطور المتهور. ثم رفع آل لوح أرضية العربة، فانحنى سوبارو لينظر إلى الأسفل ويكيل شكواه للوجه الذي سيظهر――
استعاد سوبارو هذه الفكرة وهو يحدِّق في الحصان، متذكِّرًا سيِّده.
إنَّ فرس زيكر العزيزة، التي استعاروها منه، تحمل اسم ليدي―― اسم يكاد يطابق كلمة “سيدة” بالإنجليزية، وهو أمرٌ ذو دلالة غريبة لشخص لُقِّب بزير النساء.
قالها إيبل وهو يعقد ذراعيه بهدوء، وكأن الأمر لا يعنيه كثيرًا. يمكن القول إنَّ اللوح الحجري والمُراقب، وهما كيانان يؤديان دورًا متشابهًا، قد تغاضيا معًا عن مأساة المنصب الأسمى في بلديهما.
بالنسبة لسوبارو، رغم أنَّه لم يسمع الكلمة من قبل، فقد انطبعت في ذهنه صورة لشخصيةٍ ما، ومع اكتمال الصورة تبلور دورها في عقله على نحو غامض.
على أيِّ حال، وبفضل جهد ليدي، كانت رحلتهم نحو مدينة الشياطين كيوس فليم تمضي بسلاسة. وإذا استمرَّت الوتيرة على حالها، فالمتوقَّع أن يصلوا خلال أربعة أيام.
كانت لويس متشبثة بخصر سوبارو، تهز رأسها رافضة. حاول سوبارو إبعادها، لكن قبضتها كانت شديدة بحيث لم يتمكن من الإفلات. لحسن الحظ، كان سوبارو يعرف اسم آل وحقيقته، وآل نفسه لم يبدو وكأنه فقد ذاته بسبب سرقة ذكرياته. لكن الضرر لم يتضح بعد――
على أي حال، لم يرَ جنود نقطة التفتيش في تصرفات سوبارو ورفاقه ما يدعو للريبة. لكن ما إن ذُكرت وجهتهم –كيوس فليم– حتى بدت عليهم لحظة تردُّد ذات مغزى، إذ قالوا: «أوه… ذلك…»، وكأنَّ حتى بينهم كانت سمعة مدينة الشياطين رديئة.
سوبارو: «لكن الأمر ليس مجرَّد الوصول… فليس فقط سمعة أحد أعضاء الجنرالات التسعة السماويين الذي سنلتقيه، بل حتى اسم “مدينة الشياطين” نفسه يبعث على القلق.»
؟؟؟: «――يبدو أنَّها كانت مختبئة تحت الأرضية طوال الوقت. لا أصدِّق أنَّ أحدًا لم يكتشف الأمر حتى الآن. على الأرجح أنَّها من تدبير أوتاكاتا.»
مدينة تحمل في اسمها كلمة “شيطان”… من المستبعد أن يكون الأمر بسيطًا.
لقد سمع أنها بوتقة تنصهر فيها أعراق شتَّى، لكن هل يكفي هذا لتستحق كلمتَي “الفوضى” و”الشيطان” في اسمها؟
وفوق ذلك، فإنَّ مَن يتولَّى أمرها هو أحد الجنرالات التسعة السماويين المعروف بكثرة تمرُّده، وكأنَّ الغرض من كلِّ هذا هو زيادة شعور سوبارو بالخطر―― وهو أحد الأسباب التي جعلته لا يصطحب ريم معه.
سوبارو: «أتساءل أيُّ نوع من الفوضى ينتظرنا هناك…»
آل: «مهما بلغت الفوضى، ما زال الأمر يحيِّرني. ذاك الزي وهذا الـ “أخي” الذي أعرفه لا يبدوان متناغمين، ويبدأ الأمر وكأنَّه… خلل.»
سوبارو: «هاه؟ ما زلت تردِّد هذا الكلام؟»
فما ظهر لم يكن إيبل يضحك―― بل فتاة صغيرة ذات شعر ذهبي. كانت الفتاة مألوفة لديه أكثر من اللازم، ولديه من الذكريات السيئة عنها ما يكفي. إنها لويس، الفتاة التي ما كان ينبغي لها أن تكون هنا.
كانت لويس متشبثة بخصر سوبارو، تهز رأسها رافضة. حاول سوبارو إبعادها، لكن قبضتها كانت شديدة بحيث لم يتمكن من الإفلات. لحسن الحظ، كان سوبارو يعرف اسم آل وحقيقته، وآل نفسه لم يبدو وكأنه فقد ذاته بسبب سرقة ذكرياته. لكن الضرر لم يتضح بعد――
كان سوبارو جالسًا في المقعد الأمامي الرحب للعربة، يطلُّ من النافذة على ظهر ليدي وهي تركض برشاقة، بينما يمرِّر يده على شعره الأسود الطويل المتمايل مع الريح.
وفي الخلف، جلس آل على مقعد ثلاثي في وضع متراخٍ، يرفع ذقنه بيدين تعلقان على خوذته، فيبدو رأسه مائلًا إلى الأسفل.
سوبارو: «إن كان جادًا فعلًا في إنقاذ المملكة، لكان أخبرهم كيف يوقفون المرض أو يشفونه من البداية…»
آل: «أنت تفعل هذا عمدًا بلا شك.»
؟؟؟: «―― آه! يا رفاق! انظروا إلى الأمام قليلًا، هناك~!»
في تلك الأثناء، نظر إيبل مجددًا إلى سوبارو ليجيب عن سؤال آل:
قالها بنبرة ساخرة بسبب تصرُّف سوبارو.
هزَّ سوبارو كتفيه في إحباط من رفض آل القاطع. والغريب أنَّ آل كان ثاني شخص بعد ريم ينتقد تنكُّره بملابس النساء.
أمَّا إيبل، وعشيرة الشودراك، والأشقاء أوكونيل، وزيكر، فقد تقبَّلوا الأمر بلا اعتراض بعد أن اعتادوا عليه… لكن آل ظلَّ يثير المسألة مرارًا.
آل: «لكن هذا هو… الجنرال الأفرو أيد إيبل تشان، صحيح؟» سوبارو: «أجل، صحيح… إذًا أظن أنه ليس هناك مشكلة…»
سوبارو: «بالطبع لا أريد أن أكون امرأة، الأمر كلُّه يتعلَّق بالثقة بالنفس وما شابه.» آل: «لم أسآل!»
سوبارو: «الفم نفسه الذي قال إنَّه سيؤازرني… صار الآن يتذمَّر؟ إذًا تلك المحادثة الغامضة كلُّها كانت كذبة؟»
آل: «ما كانت كذبة، وقراري بمساعدتك صادق يا أخي، لكن هذا… شيء آخر تمامًا. متأكِّد أنَّك تفهم لماذا لا يسرُّني موضوع تنكُّرك بملابس النساء.»
سوبارو: «إن كنتَ حقًّا في صفي، فعليك أن تتقبَّلني كما أنا، في هذه الفترة على الأقل.»
آل: «متأكِّد أنك تريد أن أستمرَّ في مناداتك أخي وأنت متنكر بهذا الشكل؟ بصدق؟»
حين يكرِّر أحدهم هذه الملاحظة، حتى سوبارو نفسه يجدها مبالغًا فيها بعض الشيء.
ناتسكي سوبارو وناتسومي شفارتز―― ورغم أنَّهما يشتركان في الجسد نفسه، فبينهما اختلاف واضح في الحضور والموقف.
بعبارة أخرى، سوبارو هو ذاته الواقعية، وناتسومي صورة مثالية من ذاته المتقلبة.
سوبارو: «بالطبع لا أريد أن أكون امرأة، الأمر كلُّه يتعلَّق بالثقة بالنفس وما شابه.»
آل: «لم أسآل!»
رغم الردِّ الحاد، آلقى سوبارو نظرة إلى جسده، وأعاد ترتيب أفكاره.
لقد أُعيد تشكيل شخصية ناتسومي شفارتز الآن باستخدام الشعر المستعار والمكياج، لكن على خلاف المرة التي انتحل فيها دور راقصة، فإن دوره المستقبلي سيكون أكثر فكرية.
لذلك جرى تنسيق الزي والمكياج ليعكسا تلك الصورة.
―― لم يُعر الجنود الإمبراطوريون الذين أوقفوا العربة اهتمامًا كبيرًا بكونها تقلُّ آل إلى جانب ثلاث نساء فقط: ميديوم، وتاريتا، وسوبارو. ما طلبوه كان هوية المجموعة وسبب رحلتهم.
كان الزي الأحمر ذو الياقة تصميمًا فريدًا مستوحًى من زي ضباط إمبراطورية فولاكيا―― زي مشابه لذاك الذي يرتديه زيكر. لم يكن يرتدي عباءة إلا عند الحاجة، إذ تعيق حركته، لكنه فخور بأنَّ هذا الخداع البصري ينجح.
أسفل ذلك سروال، وفي قدميه حذاء عسكري متين، وعلى رأسه قبعة ضباط يتزيَّن جانبها بريشة طائر.
تلك كانت الصورة الكاملة للمستشارة العسكرية ناتسومي شفارتز.
سوبارو: «إن كان جادًا فعلًا في إنقاذ المملكة، لكان أخبرهم كيف يوقفون المرض أو يشفونه من البداية…»
سوبارو: «في الحقيقة، أظنني أشبه بجندية أكثر من كوني مستشارة… حين تفكِّر في امرأة بزي عسكري، تتوقع أن تكون متنكرة كرجل، أليس كذلك؟»
آل: «حتى وأنا أنظر إليك وأنتَ رجل متنكِّر كامرأة متنكرة كرجل… حيرتي تزداد أكثر.»
سوبارو: «لا أريد لفت الأنظار، لذا رتَّبتُ الزيَّ على طراز الإمبراطورية. المظهر ذكوري، لكنني استلهمت قليلًا من ذوق كروش سان.»
آل: «لستُ متأكدًا أن الدوقة ستُسرُّ بسماعك تقول إنك استوحيت مظهرك قليلًا من لقاءاتك السابقة بها… هل أنا الوحيد الذي يرى هذا غريبًا؟ ما رأيك، يا إمبراطور سان؟»
آل: «أخي؟» سوبارو: «لا شيء… إلا أنني… آل، أطلب منك معروفًا―― رجاءً، راقب لويس قدر استطاعتك.» آل: «… ما هذا الطلب المفاجئ؟ ما قصة هذه الفتاة أصلًا؟»
رفع آل ذراعه اليمنى متنهِّدًا تجاه سوبارو الذي شرح فكرته، ثم وجَّه تلك الذراع نحو الجالس أمامه.
في المقعد الأوسط للعربة ―أي في الموضع المحاصر دومًا بين أحاديثهما― جلس إيبل، يحدِّق عبر النافذة بوجه متجهِّم.
بدا غارقًا في التفكير الجاد، وحين سمع اللقب الوقح الذي استخدمه آل، ارتفع حاجباه، ومن غير أن يلتفت، قال ببرود:
سوبارو: «تقول لنا آلا نأخذ طريقًا جانبيًا، فماذا تريد إذًا؟ إن اكتشفوك، سنقع في ورطة.» إيبل: «أريد أن أعرف غايتهم. إن كان الأمر يتعلق بسقوط غوارال، فالأحداث ستكون قد تسارعت أكثر مما ينبغي. أمَّا إن كانت غايتهم معرفة مكاني، فأودُّ أن أسمع من أفواه الجنود ما يبحثون عنه.» سوبارو: «يعني… وما الذي سيحدث حين يجدونك؟ ستقرع عشَّ الدبابير، وسننتهي بمشهد مطاردة سيارات!»
إيبل: «لا أذكر أنَّني أذنتُ لك بمناداتي هكذا. واعلم أن كلمة طائشة واحدة قد تُهدِّد وجود الإمبراطورية بأكملها. وإن لم تدرك ذلك، فستخسر أكثر من ذراعك الأخرى.»
آل: «أوه، ارحمني قليلًا. أنا معتاد على الأمر، لكن الإزعاج يظل إزعاجًا. إن فقدتُ الأخرى، فسيكون أكثر من مجرَّد إزعاج.»
إيبل: «إذًا اجعل هذا في حسبانك.»
آل: «هيي هيي… الطريق الإمبراطوري ما هو مضحك أبدًا. الأمر صعب على المهرجين من أمثالنا، أليس كذلك، يا أخي؟»
آل: «أنت تفعل هذا عمدًا بلا شك.»
ابتسم سوبارو على جوابها العذب، رافعًا يده إلى وجنته. وعند هذا التبادل بينه وبين ميديوم، التفتت تاريتا، الجالسة في المقعد الأمامي للعربة بملامح منهكة، نحو الخلف. فأمال سوبارو رأسه متسائلًا أمام نظرتها ذات المعنى، بينما كانت هي تضع يدها على صدرها بارتياح، وكأنها أفرغت شحنة توترها.
سوبارو: «لا أريد أن يُطلب مني إعطاء الموافقة.»
كان الجو مشحونًا، لا مجال فيه للمزاح أو الأحاديث الخفيفة، لكن سوبارو ليس لديه أي نيَّة لانتقاد الإمبراطورية أو الادعاء أنَّ مشكلتها مشكلة في طبع البلاد.
أقصى ما في الأمر أنَّه، على الصعيد الشخصي، وجد أنَّ إيبل شخص صعب المراس. كانت إجابته تلك خفيفة المعنى، أقرب إلى شكوى لم تصل يومًا إلى حدِّ التذمُّر الصريح.
بالطبع، حين يتعلَّق الأمر بالمعتقدات والقيم، فالقضية أعمق من ذلك.
آل: «أخي، جاهز؟» سوبارو: «――أجل، أجل، أفهم ما تقصد! تشرفنا بلقائكم!» آل: «… يا لها من نقلة مفاجئة.»
تحرَّكت العربة ببطء، لا إلى حدِّ الاسترخاء المفرط، على امتداد الطريق. كان حصان زوبعة الربح ذو الشعر الكستنائي، يلوِّح بجسده الضخم في حركة رشيقة تُكذِّب مظهره القوي، يجرُّ العربة التي تقلُّ سوبارو ومَن معه بحذر بالغ.
آل: «حسنًا، ما رأيك بزي أخي يا إيبل تشان؟»
إيبل: «――――»
تجمَّد سوبارو وهو يوازن بين المخاطر والمكاسب، ليقرِّر أن الاحتمالات ليست في صالحهم. كانا من المفترض أن يتحدثا عن جدوى خوض رهان محفوف بالخطر، لا أن…
للحظةً واحدة، عبس إيبل عند سماع اللقب الجديد.
تفاجأ سوبارو من جرأة آل، لكن بعد بضع ثوانٍ من الصمت، زفر إيبل زفرة قصيرة، متجاهلًا وقاحته.
هل كان هذا اللقب أفضل من “الإمبراطور سان”؟ لا يعلم سوبارو، لكنه كتم قشعريرة داخلية وتنهد.
في تلك الأثناء، نظر إيبل مجددًا إلى سوبارو ليجيب عن سؤال آل:
إيبل: «لا أظن أن تلك الفتاة تمكنت من دخول العربة وحدها. إن كان هناك مَن ساعدها، فعليه أن يوضح الأمر.» سوبارو: «… أجل، هذا صحيح على الأرجح.»
إيبل: «نعم، المظهر مثير للسخرية، لكن لا يهمني ما دام يحقق النتيجة المرجوة. عليك أن تفصل بين قدراتك و… هواياتك.»
سوبارو: «لا تطعنني من الخلف وأنت تتظاهر أنك تؤيدني. كم مرة عليَّ أن أكرر أنَّ هذا ليس هواية، بل ضرورة؟ أتظن أنني أرتدي ملابس النساء لأنني أحب ذلك؟»
إيبل: «――――»
سوبارو: «لا تلتزم الصمت هكذا!»
ذلك الصمت الموحِي جعل شكوك سوبارو تتضخم بلا وجه حق.
بالطبع، كان ذلك فهمًا مزعجًا للغاية بالنسبة له؛ فهو لا يرغب أبدًا في التنكُّر كامرأة إلا إذا فرضت الضرورة ذلك.
ومع ذلك، إذا وُجد أدنى احتمال بأن يحلَّ ذلك المشكلة، فلن يستبعده كخيار. هذا كل ما في الأمر.
أخرج سوبارو رأسه من نافذة العربة، لكنه لم يستطع تحديد ما الذي تقصده ميديوم بـ “الحركة والنشاط”. ربما كان السبب زاوية الرؤية، أو ربما بصره هو نفسه. كان يعتقد أن نظره جيد، لكن في هذا العالم الآخر لم يعد الأمر كذلك.
سوبارو: «لكلٍّ منَّا حجَّته… اسمع.»
آل: «قلت إنك مسلَّح بحجة. على أي حال، أراهن أنها من الحبكات المعتادة: إمبراطور نُفي عن العرش، يجمع الحلفاء ليسترده… وفي مثل تلك القصص، من الطبيعي أن ترافقه امرأة غامضة.»
سوبارو: «بالضبط، كمستشارة أو ساحرة. وغالبًا في تلك الحكايات تكون تلك الشخصية هي البطلة… لكني لست البطلة!»
آل: «لا تغضب وأنت مَن قالها بنفسه. كنت ستفاجئ الجميع، وأنا أولهم.»
ومع ذلك، وبينما كان يستمع إلى الأصوات المزدحمة القادمة من منصة القيادة، وخاصة صوت لويس…
كان سوبارو غاضبًا، لكن لم يفهم مقصده سوى آل الذي من موطنه.
من الأساس، هناك الكثير من التعابير التي لا تُفهم حتى في وطنهما الأصلي. ومع ذلك، كان آل يملك معرفة قريبة جدًا من معرفة سوبارو، بدليل قدرته على استخدامها.
لكن اللوح، بعد أن تنبأ بأن العائلة الملكية ستسقط ضحية مرضٍ عضال، قدَّم خطة لاختيار الملك القادم―― أي الاختيار الملكي الذي تخوضه إميليا وبريسيلا حاليًا.
ابتلع سوبارو بقيَّة نصيحته الصريحة أمام الصرخة التي دوت، فقفز إلى الخلف ليسقط في أحضان تاريتا. وبينما كانت تاريتا تحمله على طريقة “العروس”، لم يجد الفرصة ليتأمل قوة ذراعيها.
سوبارو: «… لم أسآله قط عن الحقبة التي جاء منها، أو أي تفاصيل أعمق.»
كان الزي الأحمر ذو الياقة تصميمًا فريدًا مستوحًى من زي ضباط إمبراطورية فولاكيا―― زي مشابه لذاك الذي يرتديه زيكر. لم يكن يرتدي عباءة إلا عند الحاجة، إذ تعيق حركته، لكنه فخور بأنَّ هذا الخداع البصري ينجح. أسفل ذلك سروال، وفي قدميه حذاء عسكري متين، وعلى رأسه قبعة ضباط يتزيَّن جانبها بريشة طائر. تلك كانت الصورة الكاملة للمستشارة العسكرية ناتسومي شفارتز.
آل: «عجبًا، إيبل تشان عنيدٌ إلى أقصى حد. على أي حال، ما في اليد حيلة يا أخي.»
حتى الآن، رغم أن سوبارو شارك معلومة أنه وآل جاءا من المكان نفسه، لم يتحدثا قط عن الفترة الزمنية التي وصلا منها.
كان آل قد أخبره مرة بأنه استُدعي إلى هذا العالم الآخر منذ ما يقارب عشرين عامًا.
وفوق ذلك، كانت تجربته بائسة إلى حد أنه فقد ذراعه.
ورغم أن اعترافه جاء بلا اكتراث، فإن الواقع لم يكن بتلك الخفة؛ فالمعاناة واليأس اللذان عاشهما آل كانا جزءًا دائمًا من حياته اليومية. لقد كان رجلًا ذاق قسوة هذا العالم الآخر أكثر بكثير مما ذاقه سوبارو.
الآن، وهو يتحدث عن الأمر، أدرك سوبارو كم كان محظوظًا مقارنةً بآل.
وفي الوقت نفسه، راوده تساؤل عن الفرق بينه وبين آل.
ذلك الخوف الخفي هو ما جعله يتجنب الخوض في أحاديث عميقة معه، تمامًا كما أنَّ آل لم يحاول التعمق أكثر.
تاريتا: «تصوُّر… ذاتك المثالية…»
ومع ذلك، فإن اللغة التي استخدماها، ومواضيع الثقافة الفرعية التي استطاعا فهمها، دلَّت على أن العالم الذي عاشا فيه في الأصل كان في نفس الحقبة الزمنية.―― إن كان آل قد استُدعي قبل عشرين عامًا، فهذا يعني أنَّه من نفس الجيل والزمن الذي جاء منه سوبارو.
الفرق العمري الحالي بينهما لم يكن إلا انعكاسًا للفترة التي قضياها في هذا العالم الآخر. ولهذا، رغم ذلك الفرق، ظلَّا على نفس الموجة في أحاديثهما.
لويس: «أو؟»
―― وهذا بالذات كان سبب ذلك الوخز الغامض الذي يشعر به سوبارو كلما تفاعل مع آل.
سوبارو: «إذًا، ما الذي يمكن أن نفعله بحق…؟» إيبل: «لقد ظللتَ تتحدث عني بأسلوب مُهين، لكن ما خطتك للتعامل مع هذا الشيء؟» سوبارو: «وماذا علي أن أفعل…؟»
آل: «―― أكره هذه الحبكات.»
سوبارو: «هاه؟»
آل: «ساحر مريب بجانب الإمبراطور… أليست تلك حبكة معتادة بحد ذاتها؟ ما رأيك؟»
أعاد تعليق آل الخفيف سوبارو من شروده إلى أرض الواقع.
رمش بعينيه، ثم أومأ برأسه موافقًا على ما سمّاه “حبكة معتادة”، قائلًا: «أجل.»
سوبارو: «إنها حبكة معتادة فعلًا… ساحرة فاتنة تغوي الإمبراطور ببطء حتى تحوِّله إلى دمية لإرادتها… ثم تنهار المملكة المزدهرة.»
إيبل: «لن أسمح لها أن تنهار من تلقاء نفسها. سأستعيدها مهما كلَّف الأمر. لكن――»
سوبارو: «لكن…؟»
إيبل: «لم تكن ساحرة ولا امرأة، لكن صحيح أنَّه كان هناك مَن لُقّب بمُراقب النجوم.»
كان الجو مشحونًا، لا مجال فيه للمزاح أو الأحاديث الخفيفة، لكن سوبارو ليس لديه أي نيَّة لانتقاد الإمبراطورية أو الادعاء أنَّ مشكلتها مشكلة في طبع البلاد. أقصى ما في الأمر أنَّه، على الصعيد الشخصي، وجد أنَّ إيبل شخص صعب المراس. كانت إجابته تلك خفيفة المعنى، أقرب إلى شكوى لم تصل يومًا إلى حدِّ التذمُّر الصريح. بالطبع، حين يتعلَّق الأمر بالمعتقدات والقيم، فالقضية أعمق من ذلك.
لكن اللوح، بعد أن تنبأ بأن العائلة الملكية ستسقط ضحية مرضٍ عضال، قدَّم خطة لاختيار الملك القادم―― أي الاختيار الملكي الذي تخوضه إميليا وبريسيلا حاليًا.
سوبارو وآل معًا: «―― مُراقب النجوم؟»
الكلمات التي خرجت من فم إيبل قوبلت باستفهام متزامن من الاثنين.
كان مصطلحًا لم يسمع به أيٌّ منهما من قبل، ومع ذلك أحسَّا بشيء غريب حياله.
كان آل قد التقط همهمة سوبارو، فكلماته زادت من ارتباك مشاعر الأخير. العلاقة بين سوبارو، وريم، ولويس لم تكن بسيطة كما تبدو.
بالنسبة لسوبارو، رغم أنَّه لم يسمع الكلمة من قبل، فقد انطبعت في ذهنه صورة لشخصيةٍ ما، ومع اكتمال الصورة تبلور دورها في عقله على نحو غامض.
سوبارو: «ربما يكون أشبه بخبير فنغ شوي… أو مثل دور العرَّاف؟»
آل: «أقرب لمتنبئ على ما أظن. أقصد… مثل ما تفعله اللوحة الحجرية في المملكة.»
سوبارو: «أجل… لوح تاريخ التنين، كانوا يسمونه هكذا…»
سوبارو: «أيهما أفضل… أن تجهل مكانها أم أن تعرفه…؟» آل: «――؟ بالطبع من الأسلم أن تكون معك، يا أخي. أعني، مما قالته تاريتا تشان، بدا الأمر معقدًا نوعًا ما.»
عند سماع تفسير آل، استحضر سوبارو ما يعرفه عن اللوح النبوءة المتوارث في مملكة لوغونيكا.
ورغم أنَّه لم يره بعينيه قط، فقد قيل إنَّه يحتوي على معلومات عن أحداث مستقبلية ستقع في المملكة، بل ويقدِّم حلولًا لها.
رفع آل ذراعه اليمنى متنهِّدًا تجاه سوبارو الذي شرح فكرته، ثم وجَّه تلك الذراع نحو الجالس أمامه. في المقعد الأوسط للعربة ―أي في الموضع المحاصر دومًا بين أحاديثهما― جلس إيبل، يحدِّق عبر النافذة بوجه متجهِّم. بدا غارقًا في التفكير الجاد، وحين سمع اللقب الوقح الذي استخدمه آل، ارتفع حاجباه، ومن غير أن يلتفت، قال ببرود:
لكن اللوح، بعد أن تنبأ بأن العائلة الملكية ستسقط ضحية مرضٍ عضال، قدَّم خطة لاختيار الملك القادم―― أي الاختيار الملكي الذي تخوضه إميليا وبريسيلا حاليًا.
آل: «حسنًا، ما رأيك بزي أخي يا إيبل تشان؟» إيبل: «――――»
بصراحة، كانت نتيجة جعلته يميل رأسه مستغربًا من فكرة الامتنان للوح النبوءة.
حتى الآن، رغم أن سوبارو شارك معلومة أنه وآل جاءا من المكان نفسه، لم يتحدثا قط عن الفترة الزمنية التي وصلا منها. كان آل قد أخبره مرة بأنه استُدعي إلى هذا العالم الآخر منذ ما يقارب عشرين عامًا. وفوق ذلك، كانت تجربته بائسة إلى حد أنه فقد ذراعه. ورغم أن اعترافه جاء بلا اكتراث، فإن الواقع لم يكن بتلك الخفة؛ فالمعاناة واليأس اللذان عاشهما آل كانا جزءًا دائمًا من حياته اليومية. لقد كان رجلًا ذاق قسوة هذا العالم الآخر أكثر بكثير مما ذاقه سوبارو.
سوبارو: «إن كان جادًا فعلًا في إنقاذ المملكة، لكان أخبرهم كيف يوقفون المرض أو يشفونه من البداية…»
سوبارو: «لا يمكننا أن نتركها هنا فتتسبب بالمشاكل لأناس لا يعرفون عنها شيئًا…» لويس: «أو؟»
سوبارو: «كيف انتهى بنا الحال إلى هذا…؟»
ومع تعمُّقه في المعرفة كفارسٍ لمرشحة ملكية، أدرك أنَّ عائلة لوغونيكا الملكية لم تكن طاغية ولا حمقاء، بل على الأقل كانت محبوبة من شعبها.
لقد حزن الكثير من رعاياهم على وفاتهم، ولم يفرح بذلك أحد―― لذا ظلَّ سبب تخلي لوح تاريخ التنين عنهم لغزًا بلا حل.
سوبارو: «لو كان الطرف الآخر مجرَّد لوح حجر، فسيكون من أحلام اليقظة أن تنتظر منه أي إجابة.»
آل: «لو كان حجر، نعم… لكن مُراقب النجوم ليس كذلك، صحيح؟ ما هو دوره في البلاط، يا إيبل تشان؟»
إيبل: «―― ليس بعيدًا عن تصوُّركم جميعًا. فقوَّة مُراقب النجوم كانت النظر في المستقبل… لحفظ الإمبراطورية.»
سوبارو: «إنها حبكة معتادة فعلًا… ساحرة فاتنة تغوي الإمبراطور ببطء حتى تحوِّله إلى دمية لإرادتها… ثم تنهار المملكة المزدهرة.» إيبل: «لن أسمح لها أن تنهار من تلقاء نفسها. سأستعيدها مهما كلَّف الأمر. لكن――» سوبارو: «لكن…؟» إيبل: «لم تكن ساحرة ولا امرأة، لكن صحيح أنَّه كان هناك مَن لُقّب بمُراقب النجوم.»
أومأ سوبارو موافقًا على اقتراح آل، مكتفًا ذراعيه فوق صدره المزيَّف ليؤكد امتعاضه. فسبب استيائه ليس فقط الذريعة السخيفة التي دفعتهم لعبور الحاجز، بل أيضًا التصرف المتهور لإيبل أثناء ذلك.
كانت إجابة إيبل قريبة مما تخيَّله سوبارو من اسم “مُراقب النجوم”، لكن ظلَّت هناك مشكلة واحدة.
رفع آل ذراعه اليمنى متنهِّدًا تجاه سوبارو الذي شرح فكرته، ثم وجَّه تلك الذراع نحو الجالس أمامه. في المقعد الأوسط للعربة ―أي في الموضع المحاصر دومًا بين أحاديثهما― جلس إيبل، يحدِّق عبر النافذة بوجه متجهِّم. بدا غارقًا في التفكير الجاد، وحين سمع اللقب الوقح الذي استخدمه آل، ارتفع حاجباه، ومن غير أن يلتفت، قال ببرود:
سوبارو: «… لكن لم يتنبأ بالأحداث. وبالنهاية، طردوك.»
إيبل: «كما قلت لكم سابقًا… قوَّة مُراقب النجوم وُجدت لحفظ الإمبراطورية―― وهذا لا يعني بالضرورة حفظ سلامتي أنا.»
سوبارو: «يعني… كان الأفضل للإمبراطورية أن يتم طردك.»
إيبل: «على الأقل… يبدو أن هذا ما استقرَّ عليه رأي مُراقب النجوم.»
لم يشك سوبارو في كلماته الأخيرة، لأنه شعر أنَّها لم تكن بدافع الانتقام أو العصيان فقط، بل نابعة من إيمان أكبر وأنقى. لكن، ما كان يتمناه حقًا هو لو أُحيطت كل تلك القناعة بالمزيد من التفاصيل التي تجعلها قابلة للتصديق.
قالها إيبل وهو يعقد ذراعيه بهدوء، وكأن الأمر لا يعنيه كثيرًا.
يمكن القول إنَّ اللوح الحجري والمُراقب، وهما كيانان يؤديان دورًا متشابهًا، قد تغاضيا معًا عن مأساة المنصب الأسمى في بلديهما.
كان من المغري الشك بوجود صلة بين المملكة والإمبراطورية، لكن――
كان سوبارو جالسًا في المقعد الأمامي الرحب للعربة، يطلُّ من النافذة على ظهر ليدي وهي تركض برشاقة، بينما يمرِّر يده على شعره الأسود الطويل المتمايل مع الريح.
سوبارو: «كيف انتهى بنا الحال إلى هذا…؟»
سوبارو: «قبل كل هذا، بدأت أحس أن المشكلة بك أنت، مَن تخلى عنه رئيس الوزراء، وذراعك اليمنى، وحتى هذا المتنبئ. هل متأكد أنه يجب أن نرجعك إلى عرش الإمبراطور؟»
آل: «أوي أوي، هذه كرة نار تصيب الهدف جدًا يا أخي.»
سوبارو: «لا، آلا تشعر أنه يجب أن تقلق بعد الاستماع لحقيقة الموقف حولك؟!»
للحظةً واحدة، عبس إيبل عند سماع اللقب الجديد. تفاجأ سوبارو من جرأة آل، لكن بعد بضع ثوانٍ من الصمت، زفر إيبل زفرة قصيرة، متجاهلًا وقاحته. هل كان هذا اللقب أفضل من “الإمبراطور سان”؟ لا يعلم سوبارو، لكنه كتم قشعريرة داخلية وتنهد.
آل: «لكن هذا هو… الجنرال الأفرو أيد إيبل تشان، صحيح؟»
سوبارو: «أجل، صحيح… إذًا أظن أنه ليس هناك مشكلة…»
أمالت لويس رأسها وهي تبدو في غاية البراءة. لكن، حتى هذه اللحظة منذ وصولهم إلى فولاكيا، لم تُظهر لويس وجهها الحقيقي كأسقف الخطيئة الوحشية، الشراهة. إلا أنَّ ذلك لا يعني أنَّ الأمر لن يحدث في المستقبل، وسيكون سوبارو حينها مسؤولًا عن أي ضرر قد يقع بمجرد أن تنكشف حقيقتها.
بذكر الجنرال الأفرو، زيكر، شعر سوبارو بالاطمئنان.
وجود زيكر في صف إيبل كان مريحًا، رغم أنه جعل الكثير من المخاوف الأخرى تلوح في رأسه. بصراحة، من دون زيكر، كان من المشكوك فيه أن يمضي سوبارو مع إيبل وهو يحمل كل تلك الريبة.
سوبارو: «ما الأمر يا تاريتا سان؟ هل هناك مشكلة؟» تاريتا: «لا، ليست لديَّ مشكلة، لكن… ناتسومي، كيف يمكنك أن تكون بهذه الجرأة؟ ظللت أتساءل عن ذلك منذ خططتَ للتنكر كراقصة.» سوبارو: «… أجل، أظن ذلك.»
ومهما كان حرصه على إعادة نفسه وريم إلى المملكة بسلام، لم يكن هذا يعني أنَّه لا يكترث لما سيؤول إليه حال الإمبراطورية.
صحيح أنَّ ذكرياته عن الإمبراطورية كانت أسوأ من الجيِّدة، لكنه عرف الكثير من الناس الذين يتمنى سعادتهم، مثل شعب الشُودراك، وأشقاء أوكونيل.
لو أنَّ غياب الإمبراطور انكشف وألقيت الإمبراطورية في أتون الفوضى، لم يكن معلومًا ما إذا كان سوبارو ومَن معه سيتمكنون من السيطرة على الوضع بفاعلية. على الأقل، كان تقدير إيبل أنَّهم ما زالوا يفتقرون للقوة اللازمة لانتزاع العرش، وسوبارو يوافقه الرأي. ومع ذلك، فإنَّ إصراره على عبور الحاجز قد جعله متوتِّرًا للغاية.
سوبارو: «بدأت أقلق من فكرة وضعك ضمن هؤلاء، لكن…»
إيبل: «قل ما تشاء… فمهما رأى مُراقب النجوم في المستقبل، أنا لديَّ جوابي.»
سوبارو: «――――»
إيبل: «إن قرَّر مُراقب النجوم أنني لا أصلح للبقاء على العرش، فلن أُذعن. وإن حكم بأن وجودي سيدمِّر الإمبراطورية… فسأُثبت بيدي أن ذلك خطأ.»
كان تصريح إيبل حماسيًا أكثر من أن يكون عابرًا. كان بنفس القدر من الحزم الذي أبداه مرارًا حين قال إنه سيستعيد عرشه. هذه كانت قناعة إيبل الراسخة وقلبه الذي لا يتزعزع.
أشار آل إلى تاريتا التي كان عملها يقتضي الجلوس فوق العربة التي تجرها الخيول، غير أنَّ سوبارو، المعتاد على غارفيل الذي يهوى لعب هذا الدور، لم يجد في الأمر ما يثير استغرابه. بل على العكس، ففي هذا العالم الآخر، كانت اليقظة أثناء التنقُّل أمرًا ضروريًا، لا مجرَّد تصرُّف «تشووني» للفت الأنظار. وكون إيبل لم يمنعها من ذلك، كان برهانًا على جديَّة الموقف.
كان تصريح إيبل حماسيًا أكثر من أن يكون عابرًا.
كان بنفس القدر من الحزم الذي أبداه مرارًا حين قال إنه سيستعيد عرشه. هذه كانت قناعة إيبل الراسخة وقلبه الذي لا يتزعزع.
في اللحظة التي كانت فيها المحادثة توشك على الانتهاء، انطلق فجأة صوت صاخب من مقدمة العربة―― تحديدًا من مقعد السائق، مما شدَّ انتباه سوبارو والبقية إليه.
لم يشك سوبارو في كلماته الأخيرة، لأنه شعر أنَّها لم تكن بدافع الانتقام أو العصيان فقط، بل نابعة من إيمان أكبر وأنقى.
لكن، ما كان يتمناه حقًا هو لو أُحيطت كل تلك القناعة بالمزيد من التفاصيل التي تجعلها قابلة للتصديق.
سوبارو: «――――»
.shola-widget, .shola-lb-wrap, .shola-pb-wrap { background: var(--bg-color, #fff); border: 1px solid var(--border-color, #e5e2e2); border-radius: 4px; padding: 15px; color: var(--text-color, #333); font-family: inherit; direction: rtl; box-sizing: border-box; margin-bottom: 20px; } .darkmode .shola-widget, .darkmode .shola-lb-wrap, .darkmode .shola-pb-wrap { background: #1a1a1a; border-color: #333; color: #ddd; } .shola-progress-wrap { margin-bottom: 20px; } .shola-progress-header, .shola-pb-header { display: flex; justify-content: space-between; align-items: center; font-size: .95em; margin-bottom: 6px; font-weight: bold; } .shola-days-left, .shola-pb-days { color: #f5a623; font-size: .85em; font-weight: normal; } .shola-numbers, .shola-pb-numbers { display: flex; justify-content: space-between; font-size: .85em; color: inherit; margin-bottom: 8px; opacity: 0.8; } .shola-bar-bg, .shola-pb-bg { background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 20px; height: 25px; overflow: hidden; } .shola-bar-fill, .shola-pb-fill { background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); height: 100%; border-radius: 20px; display: flex; align-items: center; justify-content: flex-end; padding-left: 10px; min-width: 4px; transition: width 1s ease; font-size: .8em; font-weight: bold; color:#fff; } .shola-completed, .shola-pb-done { text-align: center; color: #2ecc71; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; } .shola-pre-goal, .shola-pb-pre { text-align: center; color: inherit; font-weight: bold; margin-top: 10px; font-size: 1.05em; opacity: 0.9; } .shola-tabs { display: flex; gap: 8px; margin-bottom: 14px; border-bottom: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); padding-bottom: 10px; flex-wrap: wrap; } .shola-tab { background: rgba(150,150,150,0.1); border: 1px solid rgba(150,150,150,0.2); color: inherit; padding: 5px 12px; border-radius: 3px; cursor: pointer; font-family: inherit; font-size: .85em; transition: all .3s; } .shola-tab.active { background: #366ad3; border-color: #366ad3; color: #fff; } .shola-tab:hover:not(.active) { background: rgba(150,150,150,0.2); } .shola-row, .shola-lb-row { display: flex; align-items: center; gap: 10px; padding: 8px 10px; border-radius: 4px; margin-bottom: 6px; background: rgba(150,150,150,0.05); transition: background .2s; border:1px solid rgba(150,150,150,0.1); } .shola-top3, .shola-lb-top3 { background: rgba(54,106,211,0.08); border-color:rgba(54,106,211,0.2); } .shola-row:hover, .shola-lb-row:hover { background: rgba(150,150,150,0.1); } .shola-rank, .shola-lb-rank { min-width: 30px; text-align: center; font-size: 1.1em; } .shola-num, .shola-lb-num { display: inline-block; width: 22px; height: 22px; line-height: 22px; text-align: center; background: rgba(150,150,150,0.2); border-radius: 50%; font-size: .8em; color: inherit; opacity:0.8; } .shola-avatar { width: 32px; height: 32px; border-radius: 50%; object-fit: cover; border: 1px solid rgba(150,150,150,0.3); flex-shrink: 0; } .shola-uname, .shola-lb-uname { flex: 1; font-size: .95em; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; white-space: nowrap; font-weight:600;} .shola-score, .shola-lb-score { color: #f5a623; font-weight: bold; font-size: .9em; white-space: nowrap; } .shola-empty, .shola-lb-empty { text-align: center; color: inherit; opacity:0.7; padding: 20px 0; font-size: .9em; } .shola-btn-support { display: block; width: 100%; background: #366ad3; background: linear-gradient(90deg, #366ad3, #5785e6); color: #fff; text-align: center; padding: 10px; border-radius: 4px; font-weight: bold; cursor: pointer; border: none; margin-top: 15px; font-family: inherit; font-size: 1.05em; transition: opacity 0.3s; } .shola-btn-support:hover { opacity: 0.9; color: #fff; } .shola-modal-overlay { position: fixed; top: 0; left: 0; width: 100%; height: 100%; background: rgba(0,0,0,0.6); z-index: 999999; display: none; align-items: center; justify-content: center; backdrop-filter: blur(3px); } .shola-modal-box { background: var(--bg-color, #fff); color: var(--text-color, #333); padding: 25px; border-radius: 8px; width: 90%; max-width: 400px; position: relative; box-shadow: 0 10px 30px rgba(0,0,0,0.5); } .darkmode .shola-modal-box { background: #1a1a1a; color: #ddd; border: 1px solid #333; } .shola-modal-close { position: absolute; top: 10px; left: 15px; font-size: 24px; cursor: pointer; color: inherit; opacity: 0.7; font-weight: bold; line-height: 1; } .shola-modal-close:hover { opacity: 1; } function sholaTab(btn, id) { var widget = btn.closest(".shola-widget"); widget.querySelectorAll(".shola-tab").forEach(function(b){ b.classList.remove("active"); }); widget.querySelectorAll(".shola-board").forEach(function(b){ b.style.display = "none"; }); btn.classList.add("active"); document.getElementById("shola-" + id).style.display = "block"; } function sholaOpenModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "flex"; } function sholaCloseModal(modalId) { document.getElementById(modalId).style.display = "none"; } 🔥 تحدي أغسطس 2026 ⏳ 7 يوم متبقي 69,410 شعلة الهدف: 66,666 104.1% 🎉 حققنا هدف الشهر، شكرًا لكل الداعمين! إدعمنا × شراء عملة الشعلة 🏆 أكبر الداعمين هذا الشهر 💎 أكبر الداعمين كل الأوقات 🥇M. K🔥 40,000🥈Yazeed Alsaedi🔥 105🥉عويض المطيري🔥 1004G A🔥 1005Ali Alshamsi🔥 1006Abdulla Alkalbani🔥 1007ahmad aa🔥 1008Ali Souidan🔥 1009mohammad alazmi🔥 10010Gehrman Sparrow🔥 100 🥇M. K💎 52,000🥈Fares saeed💎 1,100🥉Hamood Mahemed💎 5004Abdullah K💎 5005ibrahim shazly💎 5006Yazeed Alsaedi💎 1057الخال!💎 1008F A💎 1009mohaamned alrehaili💎 10010محمد جبران💎 100
؟؟؟: «―― آه! يا رفاق! انظروا إلى الأمام قليلًا، هناك~!»
سوبارو: «همم؟»
لم يُرد أن يصدِّق أنَّ ذاك الرجل هو مَن أخذ أراكيا، مهما حاول أن يقنع نفسه. كل ما تمناه هو آلا تتشابك خيوط مصيرهما أكثر من ذلك.
تاريتا: «――أرجوكما، اهدآ!» سوبارو: «هيـياان؟!» لويس: «أووه؟!»
في اللحظة التي كانت فيها المحادثة توشك على الانتهاء، انطلق فجأة صوت صاخب من مقدمة العربة―― تحديدًا من مقعد السائق، مما شدَّ انتباه سوبارو والبقية إليه.
كانت ميديوم، التي تمسك بزمام ليدي من على مقعد السائق، هي صاحبة ذلك الصوت المليء بالحيوية.
يبدو أنها لم يُسمح لها بالإمساك بالزمام أثناء سفرها مع فلوب، فاغتنمت الفرصة لتقول بحماس: «أنا أريد القيادة!»
كانت ميديوم، التي تمسك بزمام ليدي من على مقعد السائق، هي صاحبة ذلك الصوت المليء بالحيوية. يبدو أنها لم يُسمح لها بالإمساك بالزمام أثناء سفرها مع فلوب، فاغتنمت الفرصة لتقول بحماس: «أنا أريد القيادة!»
وبابتسامةٍ تُخفيها يدُه المرفوعة برقة إلى فمه، تملَّص سوبارو بأناقة من شكوك الجندي. وعلى العموم، لم يبدُ أنَّ هناك أيُّ مشكلة في اجتياز نقطة التفتيش. لم يبقَ سوى――
ميديوم، بجسدها الطويل النحيف المنطوي على المنصة، أمسكت بالزمام بيد، وأشارت بالطريق أمامها باليد الأخرى.
سوبارو: «أشعر أنَّ لهذا الأمر مزايا وعيوبًا. سواء استطعنا التعامل مع الموقف إذا انكشف أمره أم لا، تبقى مسألة العثور على إيبل أمرًا بالغ الأهمية.»
ميديوم: «أمامي حركة ونشاط كثير! أتريها يا ناتسومي تشان؟»
سوبارو: «آه… بالكاد أرى شيء، هذا ممكن.»
سوبارو: «الظروف سيئة للغاية. أم أنَّ لديك خطة أفضل؟» إيبل: «بلى―― أنت.» سوبارو: «… هيه؟»
تاريتا: «تصوُّر… ذاتك المثالية…»
أخرج سوبارو رأسه من نافذة العربة، لكنه لم يستطع تحديد ما الذي تقصده ميديوم بـ “الحركة والنشاط”.
ربما كان السبب زاوية الرؤية، أو ربما بصره هو نفسه.
كان يعتقد أن نظره جيد، لكن في هذا العالم الآخر لم يعد الأمر كذلك.
ومهما كان حرصه على إعادة نفسه وريم إلى المملكة بسلام، لم يكن هذا يعني أنَّه لا يكترث لما سيؤول إليه حال الإمبراطورية. صحيح أنَّ ذكرياته عن الإمبراطورية كانت أسوأ من الجيِّدة، لكنه عرف الكثير من الناس الذين يتمنى سعادتهم، مثل شعب الشُودراك، وأشقاء أوكونيل.
الناس هنا يملكون نظرًا بمستوى آخر تمامًا. إميليا مثلًا، كان يتخيَّل أن حدة بصرها خمسة على خمسة.
تذكَّر أنه شاهد برنامجًا تلفزيونيًا في عالمه الأصلي يقول إن بعض الناس في إفريقيا يملكون نظرًا خارقًا.
كان تصرفًا ناكرًا للجميل، كقطة شاردة تعضُّ اليد التي حاولت إطعامها. آل: «أوتس، هذا الوجع حقيقي! كنت أحاول مساعدك، يبدو أنني أخطأت!» سوبارو: «أنتِ فعلتيها، أليس كذلك…! كنت أعلم أنَّ طريقتك هي افتراس الآخرين هكذا!» لويس: «أووه! آآه! آووو!» سوبارو: «لا أستطيع أفهمك مع كل هالأوهات والآهات!»
وفي هذا الجانب، كانت تاريتا، كإحدى محاربات الأمازون في هذا العالم، ذات بصر حاد للغاية.
تاريتا: «――――»
سوبارو: «――الآن، علينا التركيز على ما أمامنا. ما العمل؟ هل نظن أنَّنا قادرون على تجاوزهم؟» تاريتا: «في الوقت الحالي، لا أظنُّ أنهم قد لاحظونا بعد…»
سوبارو: «ماذا عنكِ يا تاريتا سان؟ ماذا ترين؟»
تاريتا: «لحظة… هذا…»
أجابت تاريتا على نداء سوبارو، لكنها لم تكن لا داخل العربة ولا على منصة السائق… بل كانت فوق العربة نفسها.
كانت عينا إيبل، الموجهتان نحو لويس، خاليتين من أي دفء. إشارة واضحة إلى أنه لا يرى أي قيمة في منحها أدنى قدر من الرحمة أو التعاطف، وأنه لا يفرِّق بينها وبين حجر على الطريق أو زهرة برِّية. ذلك البرود في نظره جعل سوبارو يستوعب تمامًا ما سيحدث إن كشف عن هويتها الحقيقية.
متمركزة على سقف العربة المتحركة، كانت تقوم بدور الحارس، تراقب كل الجهات.
سوبارو: «بالطبع لا أريد أن أكون امرأة، الأمر كلُّه يتعلَّق بالثقة بالنفس وما شابه.» آل: «لم أسآل!»
كان آل قد التقط همهمة سوبارو، فكلماته زادت من ارتباك مشاعر الأخير. العلاقة بين سوبارو، وريم، ولويس لم تكن بسيطة كما تبدو.
على سطح العربة المتحركة، كانت تاريتا متمركزة كحارسة، تراقب الجهات الأربع بعيون يقِظة.
اتسعت عينا سوبارو وارتجف صوته من الدهشة. وجاء الجواب على سؤاله من إيبل، الذي خرج من الأسفل بعد لويس. أزاح الغبار عن ثيابه السفرية المتسخة، ومشَّط شعره الأسود الكثيف الذي بدا أشعثًا للغاية بيديه. ثم، وهو يوجِّه نظره نحو لويس التي مالت بجسدها نحو سوبارو، والذي ما زال بين ذراعي تاريتا، قال:
آل: «أهو شعوري وحدي، أم أنَّ وجود أشخاص فوق السقف أمر غير مريح قليلًا؟»
سوبارو: «لا أدري عن إيبل، لكنني معتاد على هذا مع غارفيل خاصتنا.»
كان الاحتمال قائمًا أن يُمسكوا بهم في الحال. ومن بين الخمسة الذين في العربة، لم يكن القادرون على القتال سوى ثلاثة –دون احتساب سوبارو وإيبل– وقوتهم الإجمالية لم تتجاوز كثيرًا تلك التي كانت لفرقة الرقص التي دخلت غوارال. وفي حال اضطروا للهروب بالعربة، سيكون من بالغ الصعوبة التملُّص من العدو على طريق مفتوح بهذا الاتساع.
أشار آل إلى تاريتا التي كان عملها يقتضي الجلوس فوق العربة التي تجرها الخيول، غير أنَّ سوبارو، المعتاد على غارفيل الذي يهوى لعب هذا الدور، لم يجد في الأمر ما يثير استغرابه.
بل على العكس، ففي هذا العالم الآخر، كانت اليقظة أثناء التنقُّل أمرًا ضروريًا، لا مجرَّد تصرُّف «تشووني» للفت الأنظار. وكون إيبل لم يمنعها من ذلك، كان برهانًا على جديَّة الموقف.
بالنسبة لسوبارو، رغم أنَّه لم يسمع الكلمة من قبل، فقد انطبعت في ذهنه صورة لشخصيةٍ ما، ومع اكتمال الصورة تبلور دورها في عقله على نحو غامض.
أغلق إيبل الألواح الخشبية وعاد إلى مقعده، وكانت كلماته منطقية بالنسبة لسوبارو. يبدو أنَّ سبب الضجة التي شتَّتت انتباهه كثيرًا أثناء تفتيش جنود الإمبراطورية للعربة لم تكن سوى لويس. ربما كانت لويس، وهي مختبئة في أسفل العربة، قد احتكت بإيبل الذي نزل هناك للاختباء. لم يكن يبدو أنَّ لديه موهبة في التعامل مع الأطفال، ولا أحد يدري كيف عامل لويس.
تاريتا: «… يبدو أنَّ جنود الإمبراطورية يتجمَّعون. هناك ما يشبه عربة ثور أو شيء من هذا القبيل موقوفة أمامنا.»
سوبارو: «هذا…»
إيبل: «――نقطة تفتيش.»
كان من الصعب على تاريتا أن تعتاد على تحول سوبارو إلى امرأة. فالمدة التي قضتها معه وهو يرتدي ثياب النساء مساوية لتلك التي قضاها إيبل؛ منذ دخولهما مدينة غوارال. ومع ذلك، بدا الأمر غريبًا في نظرها. فإيبل وفلوب كانا قادرين على أداء أدوارهما بلا عناء―― وبيانكا وفلورا كانتا قادرتين على تخطي كل العقبات بجمالهما الطبيعي. أما شخصية سوبارو، “ناتسومي شفارتز”، فلم تكن تملك مثل ذلك الأساس.
تمتم إيبل لنفسه بعد سماع تقرير تاريتا وفهم الموقف.
أول ما خطر في بال سوبارو كان نقطة التفتيش عند البوابة الرئيسية لغوارال، لكنَّ وجودها هذه المرَّة في منتصف الطريق، لا عند مدخل المدينة، أثار انتباهه.
فمن الطبيعي أن تُفتَّش مداخل المدن، لكن نقاط التفتيش على الطرقات تعطي انطباعًا آخر―― أنَّها استجابة لطارئ ما.
وبكلمة أخرى، كانوا على الأرجح يبحثون عن شيء محدد.
؟؟؟: «―― آه! يا رفاق! انظروا إلى الأمام قليلًا، هناك~!»
تحرَّكت العربة ببطء، لا إلى حدِّ الاسترخاء المفرط، على امتداد الطريق. كان حصان زوبعة الربح ذو الشعر الكستنائي، يلوِّح بجسده الضخم في حركة رشيقة تُكذِّب مظهره القوي، يجرُّ العربة التي تقلُّ سوبارو ومَن معه بحذر بالغ.
سوبارو: «مستحيل… نحن؟ هل فرار أراكيا من أيدينا هو ما انتشر؟»
إيبل: «بطبيعة الحال، لا مفرَّ من تسرُّب الأخبار عن أراكيا في النهاية. لكنني لا أظن أن ذلك يمكن أن يحدث بهذه السرعة والدقة. ثم إنَّ مدينة الشياطين تقع في الاتجاه المعاكس للعاصمة الإمبراطورية.»
سوبارو: «إذًا من حيث الموقع، لا ينبغي أن يكون لديهم أي بلاغ عنا؟»
إيبل: «نعم―― غير أنَّ هناك مسألة رفيقها، أليس كذلك؟»
ومع تعمُّقه في المعرفة كفارسٍ لمرشحة ملكية، أدرك أنَّ عائلة لوغونيكا الملكية لم تكن طاغية ولا حمقاء، بل على الأقل كانت محبوبة من شعبها. لقد حزن الكثير من رعاياهم على وفاتهم، ولم يفرح بذلك أحد―― لذا ظلَّ سبب تخلي لوح تاريخ التنين عنهم لغزًا بلا حل.
كان إيبل، مكتوف الذراعين، منشغلًا ليس بأراكيا، بل برفيقها.
رفيق أراكيا هي الشخص الذي أعادها من غوارال.
――إذًت، لماذا لم يُخبر الجميع بحقيقتها هنا والآن؟
آل: «ذاك الذي جرَّ آنسة أراكيا بعيدًا؟ إنَّه من النوع الذي يقتحم قلب أرض العدو بلا تردُّد في ظروف كهذه، فلا بد أنَّه شخص حاذق وبارع.»
سوبارو: «شخص حاذق وبارع…»
أثار قلق إيبل وتعليق آل في ذهن سوبارو صورةً غير محببة.
كان يعلم مَن هم الأذكياء في نظر جنود الإمبراطورية في مدينة الحصن، ومن بين الجنود الذين استسلموا بعد سقوط قاعة المدينة، لم يكن ذلك الشخص –الذي يخشاه– بينهم.
وربما كان قد اندسَّ بين الجنود الذين تركوا المدينة وفرُّوا.
أجابت تاريتا على نداء سوبارو، لكنها لم تكن لا داخل العربة ولا على منصة السائق… بل كانت فوق العربة نفسها.
استعاد سوبارو هذه الفكرة وهو يحدِّق في الحصان، متذكِّرًا سيِّده. إنَّ فرس زيكر العزيزة، التي استعاروها منه، تحمل اسم ليدي―― اسم يكاد يطابق كلمة “سيدة” بالإنجليزية، وهو أمرٌ ذو دلالة غريبة لشخص لُقِّب بزير النساء.
سوبارو: «لا يمكن…»
سوبارو: «كيف انتهى بنا الحال إلى هذا…؟»
لم يُرد أن يصدِّق أنَّ ذاك الرجل هو مَن أخذ أراكيا، مهما حاول أن يقنع نفسه.
كل ما تمناه هو آلا تتشابك خيوط مصيرهما أكثر من ذلك.
تلك الفتاة، الشرسة الشريرة التي لا رجاء فيها، التي واجهها سوبارو في العالم الأبيض عند وصوله إلى برج المراقبة بلياديس―― هل هذا القناع الهادئ هو ما اختارته لتخفي حقيقتها؟ كان عليه أن يتعامل مع الأمر على هذا الأساس، ومع ذلك――
لم يكن سوبارو يقصد ذلك، لكن كلمات ميديوم المباشرة أفقدت الجنود الإمبراطوريين شيئًا من تماسكهم. ورغم أنَّ هناك احتمالًا أن يُثير الاستفسارُ الكثير من الشكوك، إلا أنَّهم على ما يبدو تخلَّصوا من تلك الهواجس. أما تاريتا، فقد التزمت الصمت، مؤديةً دور الخادم الذي لا يقاطع سيِّده بلا داعٍ. صحيح أنَّ طبعها يميل للخجل أصلًا، لذا قد يكون صمتها أمرًا طبيعيًا.
سوبارو: «――الآن، علينا التركيز على ما أمامنا. ما العمل؟ هل نظن أنَّنا قادرون على تجاوزهم؟»
تاريتا: «في الوقت الحالي، لا أظنُّ أنهم قد لاحظونا بعد…»
كانتا ميديوم وتاريتا، بفضل بصرهما الحاد، أول مَن رصد الجنود.
تاريتا: «ناتسومي، لقد انتبهوا لوجودنا.» ميديوم: «إذًا، ما لنا خيار إلا المضيّ قُدمًا! حظًا موفَّقًا يا ناتسومي تشان!»
قبل أن يلحظهم الجنود أمامهم، كان بوسعهم أن يتركوا الطريق ويتفادوا نقطة التفتيش.
فإن لم يكن في أمرهم ما يثير الريبة، استطاعوا المرور بكل جرأة، أمَّا إن كان معهم ما يُعدُّ ممنوعًا، فلن يكون أمامهم سوى التهرُّب. لكن――
إيبل: «――قفوا، لا تسلكوا طرقًا جانبيَّة.» سوبارو: «هاه؟»
تاريتا: «ناتسومي، لقد انتبهوا لوجودنا.» ميديوم: «إذًا، ما لنا خيار إلا المضيّ قُدمًا! حظًا موفَّقًا يا ناتسومي تشان!»
إيبل: «――قفوا، لا تسلكوا طرقًا جانبيَّة.»
سوبارو: «هاه؟»
سوبارو: «كل ما في الأمر أنني بذلت جهدي فحسب.»
وقبل أن يعطي الأمر بمغادرة الطريق، إذا بإيبل نفسه هو مَن يوقفه.
وبنظرات مريبة، التفت سوبارو إلى إيبل ردًّا على دعوته للكفِّ عن الالتفاف.
سوبارو: «ليس بالأمر الكبير. لو كان الحاجز قد نُصب لسبب أكثر خطورة، لاحتجنا إلى الكثير من الدقة والمناورة لعبوره… من هذه الناحية، يمكن القول إننا كنا محظوظين.» ميديوم: «حقًا؟ إذًا أظنُّك على حق. كثيرًا ما يقول لي أخي الأكبر إنني محظوظة! وأنا أشعر بذلك أيضًا.» سوبارو: «هيهي، ميديوم سان وفلوب سان يجيدان العثور على السعادة بالفطرة، أليس كذلك؟»
سوبارو: «تقول لنا آلا نأخذ طريقًا جانبيًا، فماذا تريد إذًا؟ إن اكتشفوك، سنقع في ورطة.»
إيبل: «أريد أن أعرف غايتهم. إن كان الأمر يتعلق بسقوط غوارال، فالأحداث ستكون قد تسارعت أكثر مما ينبغي. أمَّا إن كانت غايتهم معرفة مكاني، فأودُّ أن أسمع من أفواه الجنود ما يبحثون عنه.»
سوبارو: «يعني… وما الذي سيحدث حين يجدونك؟ ستقرع عشَّ الدبابير، وسننتهي بمشهد مطاردة سيارات!»
كان الاحتمال قائمًا أن يُمسكوا بهم في الحال.
ومن بين الخمسة الذين في العربة، لم يكن القادرون على القتال سوى ثلاثة –دون احتساب سوبارو وإيبل– وقوتهم الإجمالية لم تتجاوز كثيرًا تلك التي كانت لفرقة الرقص التي دخلت غوارال.
وفي حال اضطروا للهروب بالعربة، سيكون من بالغ الصعوبة التملُّص من العدو على طريق مفتوح بهذا الاتساع.
سوبارو: «الظروف سيئة للغاية. أم أنَّ لديك خطة أفضل؟»
إيبل: «بلى―― أنت.»
سوبارو: «… هيه؟»
تجمَّد سوبارو وهو يوازن بين المخاطر والمكاسب، ليقرِّر أن الاحتمالات ليست في صالحهم.
كانا من المفترض أن يتحدثا عن جدوى خوض رهان محفوف بالخطر، لا أن…
آل: «يمكن مع وجود طفل، يكون أسهل لنا ألا نلفت الانتباه كثيرًا كما حدث في نفطة التفتيش سابقًا. السفر مع طفل ليس سيئ بعد كل شي… أوتش!» لويس: «غااوك!»
سوبارو: «تقصد أنَّك تريدني أنا أن أظهر أمامهم؟»
إيبل: «سبق أن فعلنا شيئًا مشابهًا في مدينة الحصن. العربة متنكرة بحيث لا تُعرف على أنها من الجيش. سيكون الأمر كما اتفقنا مسبقًا.»
سوبارو: «آلم يكن ذلك مجرد تحضير لأحاديث الطريق مع الباعة والمسافرين؟!»
كان ما قاله إيبل يُقصد به إعداد غطاء للتحدث مع الناس على الطريق، لا لخداع جنود الإمبراطورية الذين يراقبون بدقة.
لكن إيبل أدار أذنه عن شكاوى سوبارو التي كادت أن تتحوَّل إلى صرخات.
تمتم إيبل لنفسه بعد سماع تقرير تاريتا وفهم الموقف. أول ما خطر في بال سوبارو كان نقطة التفتيش عند البوابة الرئيسية لغوارال، لكنَّ وجودها هذه المرَّة في منتصف الطريق، لا عند مدخل المدينة، أثار انتباهه. فمن الطبيعي أن تُفتَّش مداخل المدن، لكن نقاط التفتيش على الطرقات تعطي انطباعًا آخر―― أنَّها استجابة لطارئ ما. وبكلمة أخرى، كانوا على الأرجح يبحثون عن شيء محدد.
قبل أن يلحظهم الجنود أمامهم، كان بوسعهم أن يتركوا الطريق ويتفادوا نقطة التفتيش. فإن لم يكن في أمرهم ما يثير الريبة، استطاعوا المرور بكل جرأة، أمَّا إن كان معهم ما يُعدُّ ممنوعًا، فلن يكون أمامهم سوى التهرُّب. لكن――
إيبل: «سأختبئ في أسفل العربة. أنت استدرجهم للكلام.»
سوبارو: «انتظر، انتظر، انتظر، أنت جاد؟»
إيبل: «إيَّاك أن تدع الجنود ينظرون إلى أسفل العربة. قد تخسر حياتك أنت أيضًا.»
سوبارو: «لا أدري لماذا تتصرَّف وكأنك فوق الجميع…!»
رحَّبت بها المرأتان، وإن كان الضجيج قد عمَّ فجأة مقعد القيادة.
وبعد أن قال ذلك، نهض إيبل من مقعده، ووضع يديه على أرض العربة. كان تحت المقاعد فجوة صغيرة، تُرفع آلواح الأرضية منها، فيهبط إلى أسفل العربة.
كانت هذه العربة في الأصل مُعَدَّة ليجرَّها حصان زوبعة الريح الخاص بجنرال الدرجة الثانية زيكر.
وقد أُعيد تشكيل مظهرها الخارجي لتُخفي صلتها بالجيش الإمبراطوري، غير أنَّ هذا لم يعطِّل ما فيها من خصائص.
فالعربة، المصممة لخدمة أصحاب المراتب العليا، كانت مجهزة بآلية تسمح بفك آلواح الأرضية، بحيث يتمكَّن ركابها من الاختباء في حال الخطر.
سوبارو: «لكلٍّ منَّا حجَّته… اسمع.» آل: «قلت إنك مسلَّح بحجة. على أي حال، أراهن أنها من الحبكات المعتادة: إمبراطور نُفي عن العرش، يجمع الحلفاء ليسترده… وفي مثل تلك القصص، من الطبيعي أن ترافقه امرأة غامضة.» سوبارو: «بالضبط، كمستشارة أو ساحرة. وغالبًا في تلك الحكايات تكون تلك الشخصية هي البطلة… لكني لست البطلة!» آل: «لا تغضب وأنت مَن قالها بنفسه. كنت ستفاجئ الجميع، وأنا أولهم.»
كان سوبارو على يقينٍ بأن صانع هذه العربة التي تجرَّها الخيول لم يكن ليتخيَّل يومًا أن يكون الإمبراطور نفسه هو مَن يختبئ في جوفها.
ومهما يكن، فقد أسرع إيبل برفع آلواح الأرضية، ثم لوى جسده النحيل لينزلق إلى الحيز الضيق في الأسفل.
لقد سلَّم البقيَّة بجدِّيَة إلى سوبارو.
لم يكن ذلك جرأة بقدر ما كان كبرياء.
كانت كلماتها توبيخًا مباشرًا، وبساطتها هي ما جعلها تصيب سوبارو في الصميم. كم من شخص يستطيع أن ينتصر في جدال يُقال له فيه إنه يتصرَّف بلا نضج مع طفلة؟ لكن هذه النظرية الساذجة لا تنطبق على رئيس أساقفة الخطيئة. لو كانت تاريتا على دراية بالخطر الذي تمثِّله لويس أرنيب، لكانت بلا شك اتخذت موقفًا مغايرًا――
آل: «عجبًا، إيبل تشان عنيدٌ إلى أقصى حد. على أي حال، ما في اليد حيلة يا أخي.»
سوبارو: «الظروف سيئة للغاية. أم أنَّ لديك خطة أفضل؟» إيبل: «بلى―― أنت.» سوبارو: «… هيه؟»
هكذا علَّق آل على إيبل، الذي اكتفى بإبداء رأيه ثم انسحب بسرعة. وبعدها، جاءت كلماته تعليقًا على ردَّة فعل نقطة التفتيش التي تعترض طريقهم.
يبدو أنَّ وجودهم قد أصبح معلومًا للطرف الآخر أيضًا.
سوبارو: «――إن أصابها مكروه، فريم ستتألم… أرجوك، أتوسل إليك.» آل: «――――»
تاريتا: «ناتسومي، لقد انتبهوا لوجودنا.»
ميديوم: «إذًا، ما لنا خيار إلا المضيّ قُدمًا! حظًا موفَّقًا يا ناتسومي تشان!»
وبهذا، أزالت صيحات تاريتا وميديوم كل احتمالٍ للالتفاف بعيدًا. فالانعطاف في هذه اللحظة سيكون إعلانًاو اضحًا: «لا نرغب أن تُفتَّش العربة.»
وعليه، لم يبقَ أمامهم سوى أن يتقدَّموا كما شاء جلالته، الإمبراطور، وإن كان الأمر مزعجًا.
حكَّ آل مشبك خوذته برفق، وهز رأسه موافقًا على كلام إيبِل. وفي الأثناء، طلب سوبارو من تاريتا أن تضعه على الأرض، ثم ضغط بيده على جبين لويس وهي تضحك قائلة “أوو”، وتنحني لتلتصق به.
آل: «أخي، جاهز؟»
سوبارو: «――أجل، أجل، أفهم ما تقصد! تشرفنا بلقائكم!»
آل: «… يا لها من نقلة مفاجئة.»
―― وهكذا، تمكنوا من عبور نقطة التفتيش دون أي مشاكل تُذكر.
ربَّت سوبارو بخفة على وجنتيه بكلتا يديه، وكأنَّه يضغط على زر داخلي في نفسه.
لو صفع نفسه بقوة لأفسد مساحيق وجهه، ولو عبث بشعره لتبعثر. وإن لم يكبح انزعاجه الداخلي، ستخرج كلماته قاسية―― ولن ينجح حينها في خداع جنود الإمبراطورية.
كان عليه أن يؤدي الدور المطلوب منه، ويؤدي المهمة المتوقعة منه.
تلك كانت أول خطوة لناتسكي سوبارو نحو استعادة الثقة التي فقدها.
سوبارو: «أوه، شكرًا لخدمتكم أيها السادة من الجيش. كيف لي أن أُسدي إليكم العون؟»
مدينة تحمل في اسمها كلمة “شيطان”… من المستبعد أن يكون الأمر بسيطًا. لقد سمع أنها بوتقة تنصهر فيها أعراق شتَّى، لكن هل يكفي هذا لتستحق كلمتَي “الفوضى” و”الشيطان” في اسمها؟ وفوق ذلك، فإنَّ مَن يتولَّى أمرها هو أحد الجنرالات التسعة السماويين المعروف بكثرة تمرُّده، وكأنَّ الغرض من كلِّ هذا هو زيادة شعور سوبارو بالخطر―― وهو أحد الأسباب التي جعلته لا يصطحب ريم معه.
قالها سوبارو وهو يطلُّ من نافذة العربة، باسماً بأرق وأعذب ما يستطيع، ملوِّحًا بمرح للجنود الإمبراطوريين الذين أوقفوا العربة.
لم يشك سوبارو في كلماته الأخيرة، لأنه شعر أنَّها لم تكن بدافع الانتقام أو العصيان فقط، بل نابعة من إيمان أكبر وأنقى. لكن، ما كان يتمناه حقًا هو لو أُحيطت كل تلك القناعة بالمزيد من التفاصيل التي تجعلها قابلة للتصديق.
△▼△▼△▼△
سوبارو: «أوه، شكرًا لخدمتكم أيها السادة من الجيش. كيف لي أن أُسدي إليكم العون؟»
―― لم يُعر الجنود الإمبراطوريون الذين أوقفوا العربة اهتمامًا كبيرًا بكونها تقلُّ آل إلى جانب ثلاث نساء فقط: ميديوم، وتاريتا، وسوبارو.
ما طلبوه كان هوية المجموعة وسبب رحلتهم.
وكما اتفقوا مسبقًا، كان آل وميديوم يعملان كحرَّاس شخصيين لسوبارو، ابنة أحد النبلاء من رتبة كونت منخفضة، وكانت تاريتا خادمتها. وقبل مغادرتهم غوارال، كان مظهر تاريتا قد خضع للتجربة والتعديل، ليتحوَّل من أسلوب المحارِبة الأمازونية المميَّز الذي يكشف فورًا أنها من عشيرة الشودراك، إلى هيئة خادمٍ ذكوري―― وهيئةٌ كانت تروق لسوبارو. وقد علَّق آل مازحًا: «أخي يرتد زي امرأة متنكرة كرجل، وتاريتا تشان ترتدي زي رجل… أنا لم أعد أفهم شيئًا.»
وكما اتفقوا مسبقًا، كان آل وميديوم يعملان كحرَّاس شخصيين لسوبارو، ابنة أحد النبلاء من رتبة كونت منخفضة، وكانت تاريتا خادمتها.
وقبل مغادرتهم غوارال، كان مظهر تاريتا قد خضع للتجربة والتعديل، ليتحوَّل من أسلوب المحارِبة الأمازونية المميَّز الذي يكشف فورًا أنها من عشيرة الشودراك، إلى هيئة خادمٍ ذكوري―― وهيئةٌ كانت تروق لسوبارو.
وقد علَّق آل مازحًا: «أخي يرتد زي امرأة متنكرة كرجل، وتاريتا تشان ترتدي زي رجل… أنا لم أعد أفهم شيئًا.»
على أي حال، لم يرَ جنود نقطة التفتيش في تصرفات سوبارو ورفاقه ما يدعو للريبة.
لكن ما إن ذُكرت وجهتهم –كيوس فليم– حتى بدت عليهم لحظة تردُّد ذات مغزى، إذ قالوا: «أوه… ذلك…»، وكأنَّ حتى بينهم كانت سمعة مدينة الشياطين رديئة.
تاريتا: «سوبارو، لا يمكننا فعل شيء، سنأخذ لويس معنا.» سوبارو: «حتى أنتِ تقولين هذا يا تاريتا سان؟» تاريتا: «إيبِل على حق، ليس أمامنا خيار سوى المضيِّ قدمًا الآن. لكن لا يمكننا أيضًا ترك لويس خلفنا. أنا أعلم أنَّ علاقتك أنت ولويس معقدة…»
―― لم يُعر الجنود الإمبراطوريون الذين أوقفوا العربة اهتمامًا كبيرًا بكونها تقلُّ آل إلى جانب ثلاث نساء فقط: ميديوم، وتاريتا، وسوبارو. ما طلبوه كان هوية المجموعة وسبب رحلتهم.
الجندي: «لا أنصحك بزيارة مدينة الشياطين، يا آنسة.»
سوبارو: «حتى وإن قلت هذا، أخشى أن يغضب والدي إن لم أذهب. فحتى وإن كنت نبيلة، إلا أن أسرة الكونت المتواضع لا تملك رفاهية الرفض…»
الجندي: «همم، فهمت. حسنًا، يبدو أنِّك فتاة راجحة العقل، لذا أظن أنَّه لا داعي للقلق.»
سوبارو: «أوه، يا لي من محظوظة بهذا الإطراء.»
ما إن اتخذ قراره، حتى تحوَّلت تلك العيون الداكنة التي كانت تحدِّق بلويس نحو سوبارو. حدة النظرة اخترقت صدره كأنها تحفر فيه، لكنه عضَّ على أضراسه وطرد ذلك الإحساس من ذهنه.
وبابتسامةٍ تُخفيها يدُه المرفوعة برقة إلى فمه، تملَّص سوبارو بأناقة من شكوك الجندي.
وعلى العموم، لم يبدُ أنَّ هناك أيُّ مشكلة في اجتياز نقطة التفتيش. لم يبقَ سوى――
ومهما كان حرصه على إعادة نفسه وريم إلى المملكة بسلام، لم يكن هذا يعني أنَّه لا يكترث لما سيؤول إليه حال الإمبراطورية. صحيح أنَّ ذكرياته عن الإمبراطورية كانت أسوأ من الجيِّدة، لكنه عرف الكثير من الناس الذين يتمنى سعادتهم، مثل شعب الشُودراك، وأشقاء أوكونيل.
سوبارو: «يبدو أنَّ الأمن مشدد هنا… هل حدث أمرٌ ما؟»
الجندي: «أوه، لا، ليس بالأمر الكبير. هناك بعض الفارين من معركة وقعت مؤخرًا في الشمال قرب بودهايم، ونحن نبحث عنهم… كما نبحث أيضًا عن مجرمٍ مطلوب.»
سوبارو: «مطلوب، تقول؟»
وقبل أن يعطي الأمر بمغادرة الطريق، إذا بإيبل نفسه هو مَن يوقفه. وبنظرات مريبة، التفت سوبارو إلى إيبل ردًّا على دعوته للكفِّ عن الالتفاف.
حرص سوبارو على آلا ترتجف نبرته، لكنُّه عقد حاجبيه عند سماع ذلك.
ولحسن الحظ، لم يلحظ الجندي اضطراب أفكاره، بل أومأ قائلًا: «أجل.»
آل: «حسنًا، ما رأيك بزي أخي يا إيبل تشان؟» إيبل: «――――»
الجندي: «هناك حديث عن رجل مطلوب في العاصمة الإمبراطورية شوهد في هذه الأنحاء. يُقال إن عمره يقارب الخمسين، وشَعره أزرق… هل لديك أي معرفة به؟»
سوبارو: «――للأسف، لا. لكن، أن يكون هناك فارون من جنود الإمبراطورية، المشهود لهم بالقوة، فهذا يدعو للقلق على شعار الإمبراطورية.»
ميديوم: «لا تقلقي يا ناتسومي تشان! نحن هنا من أجلك، فلا تشغلي بالك! لنرفع صدورنا عاليًا!»
سوبارو: «هذا مطمئنٌ حقًا يا ميديوم سان. أوهوهوهو.»
سوبارو: «آلن يبدو الأمر سيئًا لو لم أقل إنني استأجرته كحارس؟ فبذراعه تلك، لا شك أنَّه كان جنديًا يخدم هذا البلد.» الجندي: «… إن كان قد ترك الخدمة بسبب إصاباته، فلا كلام لنا. لكن كوني حذرة، فهذا لا يعني أنَّه يخلو من النوايا السيئة.»
ما إن اتخذ قراره، حتى تحوَّلت تلك العيون الداكنة التي كانت تحدِّق بلويس نحو سوبارو. حدة النظرة اخترقت صدره كأنها تحفر فيه، لكنه عضَّ على أضراسه وطرد ذلك الإحساس من ذهنه.
لم يكن سوبارو يقصد ذلك، لكن كلمات ميديوم المباشرة أفقدت الجنود الإمبراطوريين شيئًا من تماسكهم.
ورغم أنَّ هناك احتمالًا أن يُثير الاستفسارُ الكثير من الشكوك، إلا أنَّهم على ما يبدو تخلَّصوا من تلك الهواجس. أما تاريتا، فقد التزمت الصمت، مؤديةً دور الخادم الذي لا يقاطع سيِّده بلا داعٍ.
صحيح أنَّ طبعها يميل للخجل أصلًا، لذا قد يكون صمتها أمرًا طبيعيًا.
تمتم إيبل لنفسه بعد سماع تقرير تاريتا وفهم الموقف. أول ما خطر في بال سوبارو كان نقطة التفتيش عند البوابة الرئيسية لغوارال، لكنَّ وجودها هذه المرَّة في منتصف الطريق، لا عند مدخل المدينة، أثار انتباهه. فمن الطبيعي أن تُفتَّش مداخل المدن، لكن نقاط التفتيش على الطرقات تعطي انطباعًا آخر―― أنَّها استجابة لطارئ ما. وبكلمة أخرى، كانوا على الأرجح يبحثون عن شيء محدد.
وباستثناء النساء، كان أكثر مَن يثير القلق هو آل بمظهره المريب――
سوبارو: «إذًا، ما الذي يمكن أن نفعله بحق…؟» إيبل: «لقد ظللتَ تتحدث عني بأسلوب مُهين، لكن ما خطتك للتعامل مع هذا الشيء؟» سوبارو: «وماذا علي أن أفعل…؟»
آل: «يا سلام، شكرًا لكم أيها الجنود على جهدكم العظيم. بفضلكم، أستطيع أنا الكسول البليد أن أعيش بارتخاء.»
الجندي: «… نحن نعمل من أجل خير الإمبراطورية، وليس بالتأكيد من أجل شخص ضعيف كسول مثلك.»
آل: «أعرف، أعرف. أنا مدرك تمامًا لمكاني.»
////
تعامل آل ببراعة مع نبرة الازدراء الصادرة من الجنود الإمبراطوريين، رغم قسوتها.
ولم يكن من السهل تمييز إن كان يتصنَّع أم لا، لكنه كان محقًا في طرحه. كما أن الشبهة في توظيف آل، وهو أحادي الذراع، كحارس شخصي، قد أُزيلت مسبقًا بفضل سوبارو.
سوبارو: «آلن يبدو الأمر سيئًا لو لم أقل إنني استأجرته كحارس؟ فبذراعه تلك، لا شك أنَّه كان جنديًا يخدم هذا البلد.»
الجندي: «… إن كان قد ترك الخدمة بسبب إصاباته، فلا كلام لنا. لكن كوني حذرة، فهذا لا يعني أنَّه يخلو من النوايا السيئة.»
كانت ميديوم، التي تمسك بزمام ليدي من على مقعد السائق، هي صاحبة ذلك الصوت المليء بالحيوية. يبدو أنها لم يُسمح لها بالإمساك بالزمام أثناء سفرها مع فلوب، فاغتنمت الفرصة لتقول بحماس: «أنا أريد القيادة!»
إن التعامل مع ذراع آل كموطن قوة بدلًا من ضعف، عزَّز المبرر لطباعه المتهاونة.
فالجنود الإمبراطوريون، رغم نفورهم من الضعف واحترامهم للقوي، كانوا يكنُّون بعض الاحترام لمَن تقاعد من الخطوط الأمامية بسبب إصابة لا شفاء منها.
―― وهكذا، تمكنوا من عبور نقطة التفتيش دون أي مشاكل تُذكر.
ميديوم: «أحسنتِ يا ناتسومي تشان! أنا منبهرة بك حقًا!»
كانت الحيرة والارتباك يتلاطمَان في رأسه. لكن، في الجانب الآخر من قلبه، شعر هناك جزء صغير بالارتياح لوجود لويس هنا―― على الأقل، لم يعد مضطرًا للتعامل مع هذا الغموض بينما هي بجوار ريم التي تركها في غوارال. ومع ذلك، فإن حقيقة أنَّ لويس قد تتبِّعته لم تُقلِّل من حذره حيال طبيعتها الحقيقية وما قد تُخفيه في خططها.
أثنت ميديوم عليه وهو يلوِّح من على المنصَّة باتجاه الجنود الإمبراطوريين في البعيد. وعند كلماتها، هزَّ سوبارو رأسه قائلًا: «لا، لا…»
وحين وجَّه بصره إلى مؤخرة رأس آل، تنبَّه إلى أن إيبل كان يحدِّق به. ذراعاه مطويتان، وجسده متكئ إلى الوراء، وعيناه السوداوان الغامضتان تعكسان صورة سوبارو، وفي ملامحهما ظل خفيف من الاستياء. شعر سوبارو بقلق شديد، فانتهى سؤاله بنبرة حادة. لكن إيبل اكتفى بتمتمة قصيرة: «همم.»، ولم يزد شيئًا.
سوبارو: «ليس بالأمر الكبير. لو كان الحاجز قد نُصب لسبب أكثر خطورة، لاحتجنا إلى الكثير من الدقة والمناورة لعبوره… من هذه الناحية، يمكن القول إننا كنا محظوظين.»
ميديوم: «حقًا؟ إذًا أظنُّك على حق. كثيرًا ما يقول لي أخي الأكبر إنني محظوظة! وأنا أشعر بذلك أيضًا.»
سوبارو: «هيهي، ميديوم سان وفلوب سان يجيدان العثور على السعادة بالفطرة، أليس كذلك؟»
سوبارو: «هيه، إيبل، ما القصة؟ أنت لا تعرف كم عانينا لتغطية ما فعلت――» ؟؟؟: «أوووو――!» سوبارو: «أهيااااه―― هـك؟!»
ابتسم سوبارو على جوابها العذب، رافعًا يده إلى وجنته.
وعند هذا التبادل بينه وبين ميديوم، التفتت تاريتا، الجالسة في المقعد الأمامي للعربة بملامح منهكة، نحو الخلف. فأمال سوبارو رأسه متسائلًا أمام نظرتها ذات المعنى، بينما كانت هي تضع يدها على صدرها بارتياح، وكأنها أفرغت شحنة توترها.
أثار قلق إيبل وتعليق آل في ذهن سوبارو صورةً غير محببة. كان يعلم مَن هم الأذكياء في نظر جنود الإمبراطورية في مدينة الحصن، ومن بين الجنود الذين استسلموا بعد سقوط قاعة المدينة، لم يكن ذلك الشخص –الذي يخشاه– بينهم. وربما كان قد اندسَّ بين الجنود الذين تركوا المدينة وفرُّوا.
كانت عينا إيبل، الموجهتان نحو لويس، خاليتين من أي دفء. إشارة واضحة إلى أنه لا يرى أي قيمة في منحها أدنى قدر من الرحمة أو التعاطف، وأنه لا يفرِّق بينها وبين حجر على الطريق أو زهرة برِّية. ذلك البرود في نظره جعل سوبارو يستوعب تمامًا ما سيحدث إن كشف عن هويتها الحقيقية.
سوبارو: «ما الأمر يا تاريتا سان؟ هل هناك مشكلة؟»
تاريتا: «لا، ليست لديَّ مشكلة، لكن… ناتسومي، كيف يمكنك أن تكون بهذه الجرأة؟ ظللت أتساءل عن ذلك منذ خططتَ للتنكر كراقصة.»
سوبارو: «… أجل، أظن ذلك.»
بالإضافة إلى مهمتهم في التسلل إلى غوارال، كانوا قد أمضوا أيضًا بعض الوقت في مستوطنة عشيرة الشودراك. وكان معظم الشُودرتكيين، وإن لم يكن بنفس قدر ريم، على دراية بحذر سوبارو وعداوته تجاه لويس ووجودها. ومع أخذ ذلك في الحسبان، صرَّحت تاريتا بأن ترك لويس خلفهم ليس خيارًا. ولسوء حظه، وجد سوبارو نفسه موافقًا على رأيها.
كان من الصعب على تاريتا أن تعتاد على تحول سوبارو إلى امرأة.
فالمدة التي قضتها معه وهو يرتدي ثياب النساء مساوية لتلك التي قضاها إيبل؛ منذ دخولهما مدينة غوارال. ومع ذلك، بدا الأمر غريبًا في نظرها.
فإيبل وفلوب كانا قادرين على أداء أدوارهما بلا عناء―― وبيانكا وفلورا كانتا قادرتين على تخطي كل العقبات بجمالهما الطبيعي.
أما شخصية سوبارو، “ناتسومي شفارتز”، فلم تكن تملك مثل ذلك الأساس.
هناك سمة لا يمكن للملابس أو مساحيق التجميل أن تخفيها، ومشكلة لا بد أن يواجهها مَن يفتقر إليها―― ولتعويضها، يلزم بذل جهد حقيقي.
كان من الصعب على تاريتا أن تعتاد على تحول سوبارو إلى امرأة. فالمدة التي قضتها معه وهو يرتدي ثياب النساء مساوية لتلك التي قضاها إيبل؛ منذ دخولهما مدينة غوارال. ومع ذلك، بدا الأمر غريبًا في نظرها. فإيبل وفلوب كانا قادرين على أداء أدوارهما بلا عناء―― وبيانكا وفلورا كانتا قادرتين على تخطي كل العقبات بجمالهما الطبيعي. أما شخصية سوبارو، “ناتسومي شفارتز”، فلم تكن تملك مثل ذلك الأساس.
سوبارو: «كل ما في الأمر أنني بذلت جهدي فحسب.»
على أي حال، لم يرَ جنود نقطة التفتيش في تصرفات سوبارو ورفاقه ما يدعو للريبة. لكن ما إن ذُكرت وجهتهم –كيوس فليم– حتى بدت عليهم لحظة تردُّد ذات مغزى، إذ قالوا: «أوه… ذلك…»، وكأنَّ حتى بينهم كانت سمعة مدينة الشياطين رديئة.
إن اكتمال شخصية “ناتسومي شفارتز” كان ثمرة تراكم مسيرة البشرية في سعيها نحو الجمال.
ولولا هؤلاء الرواد، لما كان من الممكن تقبُّل تنكر سوبارو حتى في مهرجان مدرسي.
ومن هذا المنطلق، شعر بواجبه في عدم التفريط فيما تحقق من إنجاز.
وبهذا، أزالت صيحات تاريتا وميديوم كل احتمالٍ للالتفاف بعيدًا. فالانعطاف في هذه اللحظة سيكون إعلانًاو اضحًا: «لا نرغب أن تُفتَّش العربة.» وعليه، لم يبقَ أمامهم سوى أن يتقدَّموا كما شاء جلالته، الإمبراطور، وإن كان الأمر مزعجًا.
تاريتا: «أنا أغار من ثقتك… أنا لا أملك مثلها.»
سوبارو: «الثقة… ما أملكه هو إيماني بناتسومي شفارتز، لكن الثقة أمر مختلف.»
تاريتا: «ها؟ ها؟ ها؟»
آل: «أوي أوي، يا أخي، لا تفعل هذا. ستربك تاريتا تشان. هذا المستوى من التفكير معقد علينا قليلًا، كما تعلم.»
حلَّ آل محل تاريتا، المترنحة بنظراتها، ليقاطع تصريح سوبارو.
لم يدرك آل أن حديثه كان معقدًا لدرجة تربك الاثنين؛ كل ما قصده أنه، رغم صعوبة الإيمان بنفسه أحيانًا، يستطيع الإيمان بالصورة المثالية التي يرسمها في ذهنه، صورة يمكنه الوثوق بها.
استعاد سوبارو هذه الفكرة وهو يحدِّق في الحصان، متذكِّرًا سيِّده. إنَّ فرس زيكر العزيزة، التي استعاروها منه، تحمل اسم ليدي―― اسم يكاد يطابق كلمة “سيدة” بالإنجليزية، وهو أمرٌ ذو دلالة غريبة لشخص لُقِّب بزير النساء.
سوبارو: «أنا دائمًا أتخيل نفسي في أفضل نسخة ممكنة مني―― هل تفهمين؟»
تاريتا: «أ-أجد هذا المفهوم صعب الفهم…»
سوبارو: «لكنني أنصحك بتجربة هذا الأسلوب. مقارنة نفسك بالشخص الذي تعجبين به قد يكون مؤلمًا، لكن… يمكنك أن تتصوري ذاتك المثالية.»
تاريتا: «――――»
اتسعت عينا تاريتا قليلًا وهي تراه يضع يده على صدره ويتحدث.
لقد بدا أن شيئًا في كلامه قد لامس قلبها بعمقٍ ليس بالقليل.
سوبارو: «بدأت أقلق من فكرة وضعك ضمن هؤلاء، لكن…» إيبل: «قل ما تشاء… فمهما رأى مُراقب النجوم في المستقبل، أنا لديَّ جوابي.» سوبارو: «――――» إيبل: «إن قرَّر مُراقب النجوم أنني لا أصلح للبقاء على العرش، فلن أُذعن. وإن حكم بأن وجودي سيدمِّر الإمبراطورية… فسأُثبت بيدي أن ذلك خطأ.»
حتى الآن، رغم أن سوبارو شارك معلومة أنه وآل جاءا من المكان نفسه، لم يتحدثا قط عن الفترة الزمنية التي وصلا منها. كان آل قد أخبره مرة بأنه استُدعي إلى هذا العالم الآخر منذ ما يقارب عشرين عامًا. وفوق ذلك، كانت تجربته بائسة إلى حد أنه فقد ذراعه. ورغم أن اعترافه جاء بلا اكتراث، فإن الواقع لم يكن بتلك الخفة؛ فالمعاناة واليأس اللذان عاشهما آل كانا جزءًا دائمًا من حياته اليومية. لقد كان رجلًا ذاق قسوة هذا العالم الآخر أكثر بكثير مما ذاقه سوبارو.
تاريتا: «تصوُّر… ذاتك المثالية…»
لسوء الحظ، لم تتح لرُووان فرصة لإظهار مهاراته، إذ أفشلها هجوم تود المفاجئ، لكن سوبارو كان يعتقد أنَّه كان سيكون مقاتلًا بارعًا لو أتيح له القتال في ظروف مناسبة. ومع ذلك، لم يظنُّ سوبارو أنَّه المطلوب الذي يستدعي حشد هذا العدد من الجنود الإمبراطوريين. ولعلَّ المسألة تتعلق بشخص آخر يملك صفات مشابهة.
ترددت كلماتها، وكأنها قد حفظتها في أعماق قلبها بهدوء.
هكذا علَّق آل على إيبل، الذي اكتفى بإبداء رأيه ثم انسحب بسرعة. وبعدها، جاءت كلماته تعليقًا على ردَّة فعل نقطة التفتيش التي تعترض طريقهم. يبدو أنَّ وجودهم قد أصبح معلومًا للطرف الآخر أيضًا.
آل: «بعيدًا عن مسألة الفارين، ما أدري ماذا فعل الرجل المطلوب. صحيح أنَّه من حسن الحظ أنَّ قصة إيبل تشان لم تنتشر، لكن الأمر كان كبيرًا فعلًا.»
سوبارو: «حسنًا… رجل في الخمسين تقريبًا بشَعر أزرق، أعتقد أنَّ هناك كثيرًا من السادة الذين تنطبق عليهم هذه الصفات، بل وحتى أحدهم يخطر في بالي الآن، كما تعلم.»
الجندي: «همم، فهمت. حسنًا، يبدو أنِّك فتاة راجحة العقل، لذا أظن أنَّه لا داعي للقلق.» سوبارو: «أوه، يا لي من محظوظة بهذا الإطراء.»
في عالمه الأصلي، لم يظهر الشعر الأزرق طبيعيًّا، لكن في هذا العالم الآخر، كان لونًا مآلوفًا نسبيًّا، وتأتي ريم في المقدمة كمثال.
الرجل المطلوب على الحاجز طابق هذا الوصف، وكذلك السكير الذي ساعده في مدينة غوارال ذات مرة―― المرتزق المسمَّى رووان، الذي كان يملك هذه الصفة أيضًا.
للحظةً واحدة، عبس إيبل عند سماع اللقب الجديد. تفاجأ سوبارو من جرأة آل، لكن بعد بضع ثوانٍ من الصمت، زفر إيبل زفرة قصيرة، متجاهلًا وقاحته. هل كان هذا اللقب أفضل من “الإمبراطور سان”؟ لا يعلم سوبارو، لكنه كتم قشعريرة داخلية وتنهد.
وبعد أن قال ذلك، نهض إيبل من مقعده، ووضع يديه على أرض العربة. كان تحت المقاعد فجوة صغيرة، تُرفع آلواح الأرضية منها، فيهبط إلى أسفل العربة. كانت هذه العربة في الأصل مُعَدَّة ليجرَّها حصان زوبعة الريح الخاص بجنرال الدرجة الثانية زيكر. وقد أُعيد تشكيل مظهرها الخارجي لتُخفي صلتها بالجيش الإمبراطوري، غير أنَّ هذا لم يعطِّل ما فيها من خصائص. فالعربة، المصممة لخدمة أصحاب المراتب العليا، كانت مجهزة بآلية تسمح بفك آلواح الأرضية، بحيث يتمكَّن ركابها من الاختباء في حال الخطر.
لسوء الحظ، لم تتح لرُووان فرصة لإظهار مهاراته، إذ أفشلها هجوم تود المفاجئ، لكن سوبارو كان يعتقد أنَّه كان سيكون مقاتلًا بارعًا لو أتيح له القتال في ظروف مناسبة.
ومع ذلك، لم يظنُّ سوبارو أنَّه المطلوب الذي يستدعي حشد هذا العدد من الجنود الإمبراطوريين. ولعلَّ المسألة تتعلق بشخص آخر يملك صفات مشابهة.
سوبارو: «على أيِّ حال، يبدو أنَّ وضع إيبل لم يُبلَّغ به الجنود العاديون بعد… وبما أنَّه لا اضطراب في العاصمة الإمبراطورية، فيُرجَّح أنَّ هناك مَن ينتحل شخصيته كإمبراطور.»
آل: «لا أدري إذا كان هذا شيء جيد أو سيئ. بصراحة، أظن أنه كان سيكون أسهل لنا لو أنَّ الإمبراطور غاب وعمت فوضى كبيرة.»
لويس أرنيب، شخصية شاذة في الإمبراطورية، خرجت بمرح من تحت أرضية العربة. سوبارو: «وـوـوـو…!» لويس: «آه، أُو؟» سوبارو: «لماذا! لماذا أنتِ في العربة…؟»
سوبارو: «أشعر أنَّ لهذا الأمر مزايا وعيوبًا. سواء استطعنا التعامل مع الموقف إذا انكشف أمره أم لا، تبقى مسألة العثور على إيبل أمرًا بالغ الأهمية.»
لكن صوت العربة التي تجرها الخيول ابتلع شكواه تمامًا، فلم تصل إلى مسامع أحد.
لو أنَّ غياب الإمبراطور انكشف وألقيت الإمبراطورية في أتون الفوضى، لم يكن معلومًا ما إذا كان سوبارو ومَن معه سيتمكنون من السيطرة على الوضع بفاعلية.
على الأقل، كان تقدير إيبل أنَّهم ما زالوا يفتقرون للقوة اللازمة لانتزاع العرش، وسوبارو يوافقه الرأي.
ومع ذلك، فإنَّ إصراره على عبور الحاجز قد جعله متوتِّرًا للغاية.
سوبارو: «لو كان الطرف الآخر مجرَّد لوح حجر، فسيكون من أحلام اليقظة أن تنتظر منه أي إجابة.» آل: «لو كان حجر، نعم… لكن مُراقب النجوم ليس كذلك، صحيح؟ ما هو دوره في البلاط، يا إيبل تشان؟» إيبل: «―― ليس بعيدًا عن تصوُّركم جميعًا. فقوَّة مُراقب النجوم كانت النظر في المستقبل… لحفظ الإمبراطورية.»
آل: «على أي حال، الآن بعد أن أفلتنا من الحاجز، لنُخرج إيبل تشان من هناك.»
سوبارو: «صحيح. وبالمناسبة، أريد أن أشتكي من أمر ما.»
سوبارو: «على أيِّ حال، يبدو أنَّ وضع إيبل لم يُبلَّغ به الجنود العاديون بعد… وبما أنَّه لا اضطراب في العاصمة الإمبراطورية، فيُرجَّح أنَّ هناك مَن ينتحل شخصيته كإمبراطور.» آل: «لا أدري إذا كان هذا شيء جيد أو سيئ. بصراحة، أظن أنه كان سيكون أسهل لنا لو أنَّ الإمبراطور غاب وعمت فوضى كبيرة.»
أومأ سوبارو موافقًا على اقتراح آل، مكتفًا ذراعيه فوق صدره المزيَّف ليؤكد امتعاضه.
فسبب استيائه ليس فقط الذريعة السخيفة التي دفعتهم لعبور الحاجز، بل أيضًا التصرف المتهور لإيبل أثناء ذلك.
عند سماع تفسير آل، استحضر سوبارو ما يعرفه عن اللوح النبوءة المتوارث في مملكة لوغونيكا. ورغم أنَّه لم يره بعينيه قط، فقد قيل إنَّه يحتوي على معلومات عن أحداث مستقبلية ستقع في المملكة، بل ويقدِّم حلولًا لها.
فأثناء حديثهم مع الجنود، صدرت أصوات مرارًا من أسفل العربة، وقد اضطروا إلى بذل جهد كبير للتغطية عليها.
وفي النهاية، تم الاتفاق على أنَّ “الآنسة” التي يتنكر فيها سوبارو تعاني من مغص، مردِّدين: «ليس من السهل أن تكوني كونتيسة متواضعة….»
لكن الأمر كان إهانة أضرَّت بسمعة الأنيقة ناتسومي شفارتز.
وهو يستحضر صورة ريم خلف جفونه، وجد لنفسه عذرًا. بغض النظر عن هوية لويس، فإن ريم ستظل قلقة عليها. وحتى لو أخبرها الحقيقة حين تسنح الفرصة، فإن الأمر سيكون من طرف واحد ما لم تكن لويس حاضرة. ولهذا السبب، ينبغي الحفاظ على سلامة لويس.
سوبارو: «يبدو أنَّ جلالته الإمبراطور لا يدرك تمامًا موقعه.»
آل: «أوه يا أخب، واضح إنك غاضب. أظن يجدر بي أنا أيضًا أن أغضب.»
سوبارو: «أيهما أفضل… أن تجهل مكانها أم أن تعرفه…؟» آل: «――؟ بالطبع من الأسلم أن تكون معك، يا أخي. أعني، مما قالته تاريتا تشان، بدا الأمر معقدًا نوعًا ما.»
هكذا علَّق آل على إيبل، الذي اكتفى بإبداء رأيه ثم انسحب بسرعة. وبعدها، جاءت كلماته تعليقًا على ردَّة فعل نقطة التفتيش التي تعترض طريقهم. يبدو أنَّ وجودهم قد أصبح معلومًا للطرف الآخر أيضًا.
وافق آل سوبارو، الذي كان متحمسًا لتوجيه اللوم إلى جلالته الإمبراطور المتهور.
ثم رفع آل لوح أرضية العربة، فانحنى سوبارو لينظر إلى الأسفل ويكيل شكواه للوجه الذي سيظهر――
آل: «يمكن مع وجود طفل، يكون أسهل لنا ألا نلفت الانتباه كثيرًا كما حدث في نفطة التفتيش سابقًا. السفر مع طفل ليس سيئ بعد كل شي… أوتش!» لويس: «غااوك!»
سوبارو: «هيه، إيبل، ما القصة؟ أنت لا تعرف كم عانينا لتغطية ما فعلت――»
؟؟؟: «أوووو――!»
سوبارو: «أهيااااه―― هـك؟!»
وفي هذا الجانب، كانت تاريتا، كإحدى محاربات الأمازون في هذا العالم، ذات بصر حاد للغاية.
ابتلع سوبارو بقيَّة نصيحته الصريحة أمام الصرخة التي دوت، فقفز إلى الخلف ليسقط في أحضان تاريتا.
وبينما كانت تاريتا تحمله على طريقة “العروس”، لم يجد الفرصة ليتأمل قوة ذراعيها.
سوبارو: «مستحيل… نحن؟ هل فرار أراكيا من أيدينا هو ما انتشر؟» إيبل: «بطبيعة الحال، لا مفرَّ من تسرُّب الأخبار عن أراكيا في النهاية. لكنني لا أظن أن ذلك يمكن أن يحدث بهذه السرعة والدقة. ثم إنَّ مدينة الشياطين تقع في الاتجاه المعاكس للعاصمة الإمبراطورية.» سوبارو: «إذًا من حيث الموقع، لا ينبغي أن يكون لديهم أي بلاغ عنا؟» إيبل: «نعم―― غير أنَّ هناك مسألة رفيقها، أليس كذلك؟»
فما ظهر لم يكن إيبل يضحك―― بل فتاة صغيرة ذات شعر ذهبي.
كانت الفتاة مألوفة لديه أكثر من اللازم، ولديه من الذكريات السيئة عنها ما يكفي.
إنها لويس، الفتاة التي ما كان ينبغي لها أن تكون هنا.
حين يكرِّر أحدهم هذه الملاحظة، حتى سوبارو نفسه يجدها مبالغًا فيها بعض الشيء. ناتسكي سوبارو وناتسومي شفارتز―― ورغم أنَّهما يشتركان في الجسد نفسه، فبينهما اختلاف واضح في الحضور والموقف. بعبارة أخرى، سوبارو هو ذاته الواقعية، وناتسومي صورة مثالية من ذاته المتقلبة.
بصراحة، كانت نتيجة جعلته يميل رأسه مستغربًا من فكرة الامتنان للوح النبوءة.
لويس أرنيب، شخصية شاذة في الإمبراطورية، خرجت بمرح من تحت أرضية العربة.
سوبارو: «وـوـوـو…!»
لويس: «آه، أُو؟»
سوبارو: «لماذا! لماذا أنتِ في العربة…؟»
؟؟؟: «――يبدو أنَّها كانت مختبئة تحت الأرضية طوال الوقت. لا أصدِّق أنَّ أحدًا لم يكتشف الأمر حتى الآن. على الأرجح أنَّها من تدبير أوتاكاتا.»
اتسعت عينا سوبارو وارتجف صوته من الدهشة. وجاء الجواب على سؤاله من إيبل، الذي خرج من الأسفل بعد لويس.
أزاح الغبار عن ثيابه السفرية المتسخة، ومشَّط شعره الأسود الكثيف الذي بدا أشعثًا للغاية بيديه. ثم، وهو يوجِّه نظره نحو لويس التي مالت بجسدها نحو سوبارو، والذي ما زال بين ذراعي تاريتا، قال:
وقد شعرت بتوتر الجو بين سوبارو وإيبل، سألت تاريتا إذنًا للرد على صوت ميديوم القادم من منصة القيادة. أما إيبل، فلم يبدُ مهتمًا، ورغم قراره باصطحاب سوبارو معه، لم يكن راغبًا في اصطحاب لويس، فقرر أن يستغل لطف الأخريات.
إيبل: «همم. يبدو أنَّها اشتاقت إليك كثيرًا. لدرجة أنَّها فضَّلت البقاء معك بدلًا من أن تكون مع أوتاكاتا أو مع تلك المرأة خاصتك.»
سوبارو: «مـ-ما الذي يجعلك هادئًا هكذا… هل كان لا بأس عندك أن تبقى تحت الأرضية معها؟»
إيبل: «وكيف كان ليكون الأمر بخير؟ لقد كانت تعبث بلا داعٍ في الأسفل، وحتى أنا شعرت بالبرد من تصرفاتها. ظللت أفكِّر كيف أبرر وجودي إذا اكتشفني الجنود بفضلها.»
أغلق إيبل الألواح الخشبية وعاد إلى مقعده، وكانت كلماته منطقية بالنسبة لسوبارو.
يبدو أنَّ سبب الضجة التي شتَّتت انتباهه كثيرًا أثناء تفتيش جنود الإمبراطورية للعربة لم تكن سوى لويس.
ربما كانت لويس، وهي مختبئة في أسفل العربة، قد احتكت بإيبل الذي نزل هناك للاختباء. لم يكن يبدو أنَّ لديه موهبة في التعامل مع الأطفال، ولا أحد يدري كيف عامل لويس.
سوبارو: «إذًا، ما الذي يمكن أن نفعله بحق…؟»
إيبل: «لقد ظللتَ تتحدث عني بأسلوب مُهين، لكن ما خطتك للتعامل مع هذا الشيء؟»
سوبارو: «وماذا علي أن أفعل…؟»
كان آل، الذي تعرضت يده للعض قبل قليل، يجد صعوبة في التعامل مع لويس، فجاء صوته متحفظًا متسائلًا عن نوايا سوبارو.
إيبل: «أقولها لك الآن، لا يوجد أي مجال للعودة. الحاجز والزمن كلاهما لن يسمحا بذلك.»
آل: «حسنًا، أظن أنَّ إيبل تشان معه حق في هذا.»
كانت إجابة إيبل قريبة مما تخيَّله سوبارو من اسم “مُراقب النجوم”، لكن ظلَّت هناك مشكلة واحدة.
حكَّ آل مشبك خوذته برفق، وهز رأسه موافقًا على كلام إيبِل.
وفي الأثناء، طلب سوبارو من تاريتا أن تضعه على الأرض، ثم ضغط بيده على جبين لويس وهي تضحك قائلة “أوو”، وتنحني لتلتصق به.
لكن اللوح، بعد أن تنبأ بأن العائلة الملكية ستسقط ضحية مرضٍ عضال، قدَّم خطة لاختيار الملك القادم―― أي الاختيار الملكي الذي تخوضه إميليا وبريسيلا حاليًا.
تلك المشاعر السوداء التي تتردَّد في قلبه سدَّت حنجرته. تشنَّجت وجنتاه، وأبدت تاريتا وآل ملامح حيرة أمامه. في النهاية، كان هذا الوضع كله ثمرة تردده وقراراته الضبابية. السبيل الوحيد لجعلهم يفهمون سبب حذره من لويس، هو أن يكشف لهم أنها رئيس أساقفة الشراهة. فخلافًا لريم، التي فقدت حذرها من طائفة الساحرة بفقدان ذاكرتها، فإن الحاضرين هنا سيفهمون حجم التهديد. ومتى أدركوا خطورة الأمر، فلن يعاملوا لويس كطفلة بريئة كما تبدو. ومن ثم، للتخلص من هذا الخطر المقلق――
سوبارو: «كيف انتهى بنا الحال إلى هذا…؟»
ابتلع سوبارو بقيَّة نصيحته الصريحة أمام الصرخة التي دوت، فقفز إلى الخلف ليسقط في أحضان تاريتا. وبينما كانت تاريتا تحمله على طريقة “العروس”، لم يجد الفرصة ليتأمل قوة ذراعيها.
كانت الحيرة والارتباك يتلاطمَان في رأسه.
لكن، في الجانب الآخر من قلبه، شعر هناك جزء صغير بالارتياح لوجود لويس هنا―― على الأقل، لم يعد مضطرًا للتعامل مع هذا الغموض بينما هي بجوار ريم التي تركها في غوارال.
ومع ذلك، فإن حقيقة أنَّ لويس قد تتبِّعته لم تُقلِّل من حذره حيال طبيعتها الحقيقية وما قد تُخفيه في خططها.
كانت ميديوم، التي تمسك بزمام ليدي من على مقعد السائق، هي صاحبة ذلك الصوت المليء بالحيوية. يبدو أنها لم يُسمح لها بالإمساك بالزمام أثناء سفرها مع فلوب، فاغتنمت الفرصة لتقول بحماس: «أنا أريد القيادة!»
تاريتا: «سوبارو، لا يمكننا فعل شيء، سنأخذ لويس معنا.»
سوبارو: «حتى أنتِ تقولين هذا يا تاريتا سان؟»
تاريتا: «إيبِل على حق، ليس أمامنا خيار سوى المضيِّ قدمًا الآن. لكن لا يمكننا أيضًا ترك لويس خلفنا. أنا أعلم أنَّ علاقتك أنت ولويس معقدة…»
تاريتا: «أأنتَ رجل ناضج ومع ذلك تتصرف كطفل! بل لماذا لا تتصرَّف بهدوء ورزانة كما يفعل البالغون؟ الصغار يقلِّدون الكبار.» سوبارو: «أه… كُه… لكِن، تاريتا سان، هذه الفتاة…» تاريتا: «لا أعذار يا ناتسومي. أعلم أن علاقتك بهذه الفتاة معقدة. لكن حتى وإن كان الأمر كذلك، ماذا ستجني من إثارة هذه الفوضى؟»
سوبارو: «――――»
////
كانت لويس متشبثة بخصر سوبارو، تهز رأسها رافضة. حاول سوبارو إبعادها، لكن قبضتها كانت شديدة بحيث لم يتمكن من الإفلات. لحسن الحظ، كان سوبارو يعرف اسم آل وحقيقته، وآل نفسه لم يبدو وكأنه فقد ذاته بسبب سرقة ذكرياته. لكن الضرر لم يتضح بعد――
نظرت تاريتا إلى سوبارو ولويس بالتناوب، وهي تعرض بحذر رأيًا حياديًّا.
سوبارو: «ليس بالأمر الكبير. لو كان الحاجز قد نُصب لسبب أكثر خطورة، لاحتجنا إلى الكثير من الدقة والمناورة لعبوره… من هذه الناحية، يمكن القول إننا كنا محظوظين.» ميديوم: «حقًا؟ إذًا أظنُّك على حق. كثيرًا ما يقول لي أخي الأكبر إنني محظوظة! وأنا أشعر بذلك أيضًا.» سوبارو: «هيهي، ميديوم سان وفلوب سان يجيدان العثور على السعادة بالفطرة، أليس كذلك؟»
بالإضافة إلى مهمتهم في التسلل إلى غوارال، كانوا قد أمضوا أيضًا بعض الوقت في مستوطنة عشيرة الشودراك.
وكان معظم الشُودرتكيين، وإن لم يكن بنفس قدر ريم، على دراية بحذر سوبارو وعداوته تجاه لويس ووجودها.
ومع أخذ ذلك في الحسبان، صرَّحت تاريتا بأن ترك لويس خلفهم ليس خيارًا.
ولسوء حظه، وجد سوبارو نفسه موافقًا على رأيها.
تمتم إيبل لنفسه بعد سماع تقرير تاريتا وفهم الموقف. أول ما خطر في بال سوبارو كان نقطة التفتيش عند البوابة الرئيسية لغوارال، لكنَّ وجودها هذه المرَّة في منتصف الطريق، لا عند مدخل المدينة، أثار انتباهه. فمن الطبيعي أن تُفتَّش مداخل المدن، لكن نقاط التفتيش على الطرقات تعطي انطباعًا آخر―― أنَّها استجابة لطارئ ما. وبكلمة أخرى، كانوا على الأرجح يبحثون عن شيء محدد.
سوبارو: «لا يمكننا أن نتركها هنا فتتسبب بالمشاكل لأناس لا يعرفون عنها شيئًا…»
لويس: «أو؟»
أمالت لويس رأسها وهي تبدو في غاية البراءة.
لكن، حتى هذه اللحظة منذ وصولهم إلى فولاكيا، لم تُظهر لويس وجهها الحقيقي كأسقف الخطيئة الوحشية، الشراهة.
إلا أنَّ ذلك لا يعني أنَّ الأمر لن يحدث في المستقبل، وسيكون سوبارو حينها مسؤولًا عن أي ضرر قد يقع بمجرد أن تنكشف حقيقتها.
لو أنَّ غياب الإمبراطور انكشف وألقيت الإمبراطورية في أتون الفوضى، لم يكن معلومًا ما إذا كان سوبارو ومَن معه سيتمكنون من السيطرة على الوضع بفاعلية. على الأقل، كان تقدير إيبل أنَّهم ما زالوا يفتقرون للقوة اللازمة لانتزاع العرش، وسوبارو يوافقه الرأي. ومع ذلك، فإنَّ إصراره على عبور الحاجز قد جعله متوتِّرًا للغاية.
ومع ذلك، وبينما كان يستمع إلى الأصوات المزدحمة القادمة من منصة القيادة، وخاصة صوت لويس…
كان لديه من القناعة ما يكفي بأنَّها خطيرة، ومن الفرص الكافية ليمنع أضرارًا كثيرة قبل وقوعها.
ولهذا بالتحديد، خطرت له فكرة أن يلفَّ أصابعه حول عنقها النحيل في هذه اللحظة بالذات، ويقطع مستقبلها إلى الأبد.
فبهذا وحده، ستذبل الكثير من بذور القلق قبل أن تنبت.
ومع ذلك――
سوبارو: «――――»
آل: «يا أخي… لا أفهم ما يحدث، لكن يبدو هذه الفتاة الصغيرة متعلقة بك، صحيح؟ أفهم أنها ستبطئنا لاحقًا، لكن يجب أن نفكر في كيفية الاستفادة منه.»
سوبارو: «آل…»
تاريتا: «… هل هذا مناسب؟»
وأثناء حديثه، حاول آل مساعدة سوبارو المتردِّد على اتخاذ قرار.
اقترب بخطوات متراخية من لويس التي كانت تقف بجوار سوبارو، وصعد على أرضية العربة بخفَّة.
ثم مدَّ يده ليربِّت بلطف على رأس الفتاة الشقراء――
تاريتا: «ناتسومي، لقد انتبهوا لوجودنا.» ميديوم: «إذًا، ما لنا خيار إلا المضيّ قُدمًا! حظًا موفَّقًا يا ناتسومي تشان!»
آل: «يمكن مع وجود طفل، يكون أسهل لنا ألا نلفت الانتباه كثيرًا كما حدث في نفطة التفتيش سابقًا. السفر مع طفل ليس سيئ بعد كل شي… أوتش!»
لويس: «غااوك!»
على أيِّ حال، وبفضل جهد ليدي، كانت رحلتهم نحو مدينة الشياطين كيوس فليم تمضي بسلاسة. وإذا استمرَّت الوتيرة على حالها، فالمتوقَّع أن يصلوا خلال أربعة أيام.
في اللحظة التي كادت فيها يده تلمس رأسها، كشَّرت لويس عن أنيابها حرفيًا.
فتحت فمها على مصراعيه وعضَّت يد آل الممدودة بكل قوتها.
صرخ آل وسحب يده بسرعة، بينما اختبأت لويس خلف سوبارو، وهي تُصدر هسهسة حيوانية.
حلَّ آل محل تاريتا، المترنحة بنظراتها، ليقاطع تصريح سوبارو. لم يدرك آل أن حديثه كان معقدًا لدرجة تربك الاثنين؛ كل ما قصده أنه، رغم صعوبة الإيمان بنفسه أحيانًا، يستطيع الإيمان بالصورة المثالية التي يرسمها في ذهنه، صورة يمكنه الوثوق بها.
كان تصرفًا ناكرًا للجميل، كقطة شاردة تعضُّ اليد التي حاولت إطعامها.
آل: «أوتس، هذا الوجع حقيقي! كنت أحاول مساعدك، يبدو أنني أخطأت!»
سوبارو: «أنتِ فعلتيها، أليس كذلك…! كنت أعلم أنَّ طريقتك هي افتراس الآخرين هكذا!»
لويس: «أووه! آآه! آووو!»
سوبارو: «لا أستطيع أفهمك مع كل هالأوهات والآهات!»
سوبارو: «لا يمكننا أن نتركها هنا فتتسبب بالمشاكل لأناس لا يعرفون عنها شيئًا…» لويس: «أو؟»
كان تصريح إيبل حماسيًا أكثر من أن يكون عابرًا. كان بنفس القدر من الحزم الذي أبداه مرارًا حين قال إنه سيستعيد عرشه. هذه كانت قناعة إيبل الراسخة وقلبه الذي لا يتزعزع.
كانت لويس متشبثة بخصر سوبارو، تهز رأسها رافضة.
حاول سوبارو إبعادها، لكن قبضتها كانت شديدة بحيث لم يتمكن من الإفلات.
لحسن الحظ، كان سوبارو يعرف اسم آل وحقيقته، وآل نفسه لم يبدو وكأنه فقد ذاته بسبب سرقة ذكرياته. لكن الضرر لم يتضح بعد――
وفي الخلف، جلس آل على مقعد ثلاثي في وضع متراخٍ، يرفع ذقنه بيدين تعلقان على خوذته، فيبدو رأسه مائلًا إلى الأسفل.
سوبارو: «… لكن، نعم، هذا صحيح.»
تاريتا: «――أرجوكما، اهدآ!»
سوبارو: «هيـياان؟!»
لويس: «أووه؟!»
كان ما قاله إيبل يُقصد به إعداد غطاء للتحدث مع الناس على الطريق، لا لخداع جنود الإمبراطورية الذين يراقبون بدقة. لكن إيبل أدار أذنه عن شكاوى سوبارو التي كادت أن تتحوَّل إلى صرخات.
حين بدأ سوبارو وآل بإحداث ضجَّة، شرعت لويس بالصراخ مثل طفلة في نوبة غضب.
ولإيقافهم، تدخلت تاريتا بصوت حازم.
وضعت يديها تحت إبطي لويس ورفعتها عن الأرض، ثم رمقت سوبارو وآل بنظرة حادة، تحمل في ملامحها أثرًا من ملامح شقيقتها، مانحةً انطباعًا قويًا لا يخفى.
سوبارو: «أشعر أنَّ لهذا الأمر مزايا وعيوبًا. سواء استطعنا التعامل مع الموقف إذا انكشف أمره أم لا، تبقى مسألة العثور على إيبل أمرًا بالغ الأهمية.»
كانت الحيرة والارتباك يتلاطمَان في رأسه. لكن، في الجانب الآخر من قلبه، شعر هناك جزء صغير بالارتياح لوجود لويس هنا―― على الأقل، لم يعد مضطرًا للتعامل مع هذا الغموض بينما هي بجوار ريم التي تركها في غوارال. ومع ذلك، فإن حقيقة أنَّ لويس قد تتبِّعته لم تُقلِّل من حذره حيال طبيعتها الحقيقية وما قد تُخفيه في خططها.
تاريتا: «أأنتَ رجل ناضج ومع ذلك تتصرف كطفل! بل لماذا لا تتصرَّف بهدوء ورزانة كما يفعل البالغون؟ الصغار يقلِّدون الكبار.»
سوبارو: «أه… كُه… لكِن، تاريتا سان، هذه الفتاة…»
تاريتا: «لا أعذار يا ناتسومي. أعلم أن علاقتك بهذه الفتاة معقدة. لكن حتى وإن كان الأمر كذلك، ماذا ستجني من إثارة هذه الفوضى؟»
ومع تعمُّقه في المعرفة كفارسٍ لمرشحة ملكية، أدرك أنَّ عائلة لوغونيكا الملكية لم تكن طاغية ولا حمقاء، بل على الأقل كانت محبوبة من شعبها. لقد حزن الكثير من رعاياهم على وفاتهم، ولم يفرح بذلك أحد―― لذا ظلَّ سبب تخلي لوح تاريخ التنين عنهم لغزًا بلا حل.
كانت كلماتها توبيخًا مباشرًا، وبساطتها هي ما جعلها تصيب سوبارو في الصميم.
كم من شخص يستطيع أن ينتصر في جدال يُقال له فيه إنه يتصرَّف بلا نضج مع طفلة؟ لكن هذه النظرية الساذجة لا تنطبق على رئيس أساقفة الخطيئة.
لو كانت تاريتا على دراية بالخطر الذي تمثِّله لويس أرنيب، لكانت بلا شك اتخذت موقفًا مغايرًا――
سوبارو: «كما هو متوقَّع… معنا ليدي، وليست تمامًا “سيدة” حقيقية… بالنظر إلى أنَّها فرس زيكر سان المحبوبة.»
――إذًت، لماذا لم يُخبر الجميع بحقيقتها هنا والآن؟
على أي حال، لم يرَ جنود نقطة التفتيش في تصرفات سوبارو ورفاقه ما يدعو للريبة. لكن ما إن ذُكرت وجهتهم –كيوس فليم– حتى بدت عليهم لحظة تردُّد ذات مغزى، إذ قالوا: «أوه… ذلك…»، وكأنَّ حتى بينهم كانت سمعة مدينة الشياطين رديئة.
سوبارو: «――――»
حلَّ آل محل تاريتا، المترنحة بنظراتها، ليقاطع تصريح سوبارو. لم يدرك آل أن حديثه كان معقدًا لدرجة تربك الاثنين؛ كل ما قصده أنه، رغم صعوبة الإيمان بنفسه أحيانًا، يستطيع الإيمان بالصورة المثالية التي يرسمها في ذهنه، صورة يمكنه الوثوق بها.
قالها سوبارو وهو يطلُّ من نافذة العربة، باسماً بأرق وأعذب ما يستطيع، ملوِّحًا بمرح للجنود الإمبراطوريين الذين أوقفوا العربة.
تلك المشاعر السوداء التي تتردَّد في قلبه سدَّت حنجرته.
تشنَّجت وجنتاه، وأبدت تاريتا وآل ملامح حيرة أمامه.
في النهاية، كان هذا الوضع كله ثمرة تردده وقراراته الضبابية.
السبيل الوحيد لجعلهم يفهمون سبب حذره من لويس، هو أن يكشف لهم أنها رئيس أساقفة الشراهة.
فخلافًا لريم، التي فقدت حذرها من طائفة الساحرة بفقدان ذاكرتها، فإن الحاضرين هنا سيفهمون حجم التهديد.
ومتى أدركوا خطورة الأمر، فلن يعاملوا لويس كطفلة بريئة كما تبدو.
ومن ثم، للتخلص من هذا الخطر المقلق――
سوبارو: «همم؟»
――كيف يمكن التخلُّص منها؟
واستمرت الرحلة نحو مدينة الشياطين كيوس فليم وهي تحمل في طياتها شعورًا غامضًا بعدم اليقين بشأن ما سيأتي.
سوبارو: «――――»
ومع ذلك، فإن اللغة التي استخدماها، ومواضيع الثقافة الفرعية التي استطاعا فهمها، دلَّت على أن العالم الذي عاشا فيه في الأصل كان في نفس الحقبة الزمنية.―― إن كان آل قد استُدعي قبل عشرين عامًا، فهذا يعني أنَّه من نفس الجيل والزمن الذي جاء منه سوبارو. الفرق العمري الحالي بينهما لم يكن إلا انعكاسًا للفترة التي قضياها في هذا العالم الآخر. ولهذا، رغم ذلك الفرق، ظلَّا على نفس الموجة في أحاديثهما.
لويس: «أو؟»
كانت لويس متشبثة بخصر سوبارو، تهز رأسها رافضة. حاول سوبارو إبعادها، لكن قبضتها كانت شديدة بحيث لم يتمكن من الإفلات. لحسن الحظ، كان سوبارو يعرف اسم آل وحقيقته، وآل نفسه لم يبدو وكأنه فقد ذاته بسبب سرقة ذكرياته. لكن الضرر لم يتضح بعد――
أمالت لويس رأسها وهي بين ذراعي تاريتا، تحدِّق في ملامح سوبارو.
وما إن هدأ سوبارو وآل عن الضجيج، حتى هدأت هي أيضًا.
كما اكتشفوا خلال هذه المدة، لويس لا تُصدر ضوضاء إلا إذا كان الجو حولها صاخبًا.
أما إذا ساد الهدوء، فإنها تبقى صامتة تمامًا.
ولعل هذا أحد أسباب انسجامها مع أوتاكاتا، فهي طفلة هادئة على نحو استثنائي.
ربما كان هذا السلوك مجرد وسيلة أخرى من لويس أرنيب للاندماج في محيطها.
إيبل: «لا أظن أن تلك الفتاة تمكنت من دخول العربة وحدها. إن كان هناك مَن ساعدها، فعليه أن يوضح الأمر.» سوبارو: «… أجل، هذا صحيح على الأرجح.»
تلك الفتاة، الشرسة الشريرة التي لا رجاء فيها، التي واجهها سوبارو في العالم الأبيض عند وصوله إلى برج المراقبة بلياديس―― هل هذا القناع الهادئ هو ما اختارته لتخفي حقيقتها؟
كان عليه أن يتعامل مع الأمر على هذا الأساس، ومع ذلك――
إيبل: «――أُخبرك بهذا، غايتنا هنا ليست الترفيه ولا التسلية.»
سوبارو: «حقًا، مَن تظنين أنه سبب معاناتي؟»
قال إيبل ذلك ببرود، وهو جالس في مقعده، مخاطبًا سوبارو الذي كان لا يزال غارقًا في حيرته.
للحظة، لم يفهم سوبارو المعنى الخفي وراء كلماته، لكنه سرعان ما أدرك أنها رأيه في كيفية التعامل مع لويس.
قالها بنبرة ساخرة بسبب تصرُّف سوبارو. هزَّ سوبارو كتفيه في إحباط من رفض آل القاطع. والغريب أنَّ آل كان ثاني شخص بعد ريم ينتقد تنكُّره بملابس النساء. أمَّا إيبل، وعشيرة الشودراك، والأشقاء أوكونيل، وزيكر، فقد تقبَّلوا الأمر بلا اعتراض بعد أن اعتادوا عليه… لكن آل ظلَّ يثير المسألة مرارًا.
هذه الرحلة ليست لعبة، هكذا أكد إيبل.
ومع تلفظه بذلك، ألقى نظرة داكنة نحو لويس جعلت أنفاس سوبارو تتوقف.
تحرَّكت العربة ببطء، لا إلى حدِّ الاسترخاء المفرط، على امتداد الطريق. كان حصان زوبعة الربح ذو الشعر الكستنائي، يلوِّح بجسده الضخم في حركة رشيقة تُكذِّب مظهره القوي، يجرُّ العربة التي تقلُّ سوبارو ومَن معه بحذر بالغ.
حرص سوبارو على آلا ترتجف نبرته، لكنُّه عقد حاجبيه عند سماع ذلك. ولحسن الحظ، لم يلحظ الجندي اضطراب أفكاره، بل أومأ قائلًا: «أجل.»
كانت عينا إيبل، الموجهتان نحو لويس، خاليتين من أي دفء.
إشارة واضحة إلى أنه لا يرى أي قيمة في منحها أدنى قدر من الرحمة أو التعاطف، وأنه لا يفرِّق بينها وبين حجر على الطريق أو زهرة برِّية.
ذلك البرود في نظره جعل سوبارو يستوعب تمامًا ما سيحدث إن كشف عن هويتها الحقيقية.
سوبارو: «――لنأخذها معنا.»
إيبل: «――――»
تاريتا: «لحظة… هذا…»
ما إن اتخذ قراره، حتى تحوَّلت تلك العيون الداكنة التي كانت تحدِّق بلويس نحو سوبارو.
حدة النظرة اخترقت صدره كأنها تحفر فيه، لكنه عضَّ على أضراسه وطرد ذلك الإحساس من ذهنه.
سوبارو: «بما أن هذه ليست رحلة للمتعة… أظهري لهم فائدتك… هكذا تسير الأمور، أليس كذلك؟»
إيبل: «أجل، لا بأس بذلك―― كنتُ أشعر أنك ستقول مثل هذا.»
سوبارو: «… تقييمك هذا يصعب فهمه.»
لم يكن واضحًا ما إذا كان ذلك خيبة أمل أم شيئًا آخر.
من الطبيعي أن يُبقي إيبل نواياه الحقيقية طيَّ الكتمان، وسوبارو خشي أن يؤدي الخوض فيها مجددًا إلى نتيجة مغايرة.
لم يكن واضحًا ما إذا كان ذلك خيبة أمل أم شيئًا آخر. من الطبيعي أن يُبقي إيبل نواياه الحقيقية طيَّ الكتمان، وسوبارو خشي أن يؤدي الخوض فيها مجددًا إلى نتيجة مغايرة.
لم يشك سوبارو في كلماته الأخيرة، لأنه شعر أنَّها لم تكن بدافع الانتقام أو العصيان فقط، بل نابعة من إيمان أكبر وأنقى. لكن، ما كان يتمناه حقًا هو لو أُحيطت كل تلك القناعة بالمزيد من التفاصيل التي تجعلها قابلة للتصديق.
ميديوم: «هيه، هيه، انتهيتما من هذا؟ لويس- شان، تعالي إليَّ عندما ينتهيان من الكلام!»
تاريتا: «… هل هذا مناسب؟»
آل: «يا سلام، شكرًا لكم أيها الجنود على جهدكم العظيم. بفضلكم، أستطيع أنا الكسول البليد أن أعيش بارتخاء.» الجندي: «… نحن نعمل من أجل خير الإمبراطورية، وليس بالتأكيد من أجل شخص ضعيف كسول مثلك.» آل: «أعرف، أعرف. أنا مدرك تمامًا لمكاني.»
وقد شعرت بتوتر الجو بين سوبارو وإيبل، سألت تاريتا إذنًا للرد على صوت ميديوم القادم من منصة القيادة.
أما إيبل، فلم يبدُ مهتمًا، ورغم قراره باصطحاب سوبارو معه، لم يكن راغبًا في اصطحاب لويس، فقرر أن يستغل لطف الأخريات.
ميديوم: «حسنًا، لويس تشان، تريدين إمساك اللجام؟ جربي توجيه ليدي تشين!»
لويس: «أو!»
تاريتا: «لا، لن نفعل ذلك!»
رحَّبت بها المرأتان، وإن كان الضجيج قد عمَّ فجأة مقعد القيادة.
كان سوبارو الوحيد الذي تحفَّظ بشدة تجاه لويس منذ البداية، لذلك لم يكن ردُّ فعلهما مفاجئًا.
لكن، إن كان ثمة ما يُقال، فهو أن اختفاء لويس ربما جعل ريم، التي بقيت في غوارال، تدخل في حالة قلق للبحث عنها.
تاريتا: «――أرجوكما، اهدآ!» سوبارو: «هيـياان؟!» لويس: «أووه؟!»
إيبل: «لا أظن أن تلك الفتاة تمكنت من دخول العربة وحدها. إن كان هناك مَن ساعدها، فعليه أن يوضح الأمر.»
سوبارو: «… أجل، هذا صحيح على الأرجح.»
عند سماع تفسير آل، استحضر سوبارو ما يعرفه عن اللوح النبوءة المتوارث في مملكة لوغونيكا. ورغم أنَّه لم يره بعينيه قط، فقد قيل إنَّه يحتوي على معلومات عن أحداث مستقبلية ستقع في المملكة، بل ويقدِّم حلولًا لها.
ولعل إيبل قد استشف طبيعة قلق سوبارو من ملامحه، فأجاب بلا أي انفعال.
إن كان محقًا، وأن أوتاكاتا قد ساعدت لويس على التسلُّل، فلا بد أن تلك المعلومة وصلت إلى ريم والبقية في المدينة.
ومع وجوده ولويس معًا، تساءل سوبارو إن كان ذلك سيخفف من قلق ريم.
سوبارو: «أيهما أفضل… أن تجهل مكانها أم أن تعرفه…؟»
آل: «――؟ بالطبع من الأسلم أن تكون معك، يا أخي. أعني، مما قالته تاريتا تشان، بدا الأمر معقدًا نوعًا ما.»
آل: «بعيدًا عن مسألة الفارين، ما أدري ماذا فعل الرجل المطلوب. صحيح أنَّه من حسن الحظ أنَّ قصة إيبل تشان لم تنتشر، لكن الأمر كان كبيرًا فعلًا.» سوبارو: «حسنًا… رجل في الخمسين تقريبًا بشَعر أزرق، أعتقد أنَّ هناك كثيرًا من السادة الذين تنطبق عليهم هذه الصفات، بل وحتى أحدهم يخطر في بالي الآن، كما تعلم.»
كان آل قد التقط همهمة سوبارو، فكلماته زادت من ارتباك مشاعر الأخير.
العلاقة بين سوبارو، وريم، ولويس لم تكن بسيطة كما تبدو.
آل: «―― أكره هذه الحبكات.» سوبارو: «هاه؟» آل: «ساحر مريب بجانب الإمبراطور… أليست تلك حبكة معتادة بحد ذاتها؟ ما رأيك؟»
سوبارو: «… لكن، نعم، هذا صحيح.»
بالإضافة إلى مهمتهم في التسلل إلى غوارال، كانوا قد أمضوا أيضًا بعض الوقت في مستوطنة عشيرة الشودراك. وكان معظم الشُودرتكيين، وإن لم يكن بنفس قدر ريم، على دراية بحذر سوبارو وعداوته تجاه لويس ووجودها. ومع أخذ ذلك في الحسبان، صرَّحت تاريتا بأن ترك لويس خلفهم ليس خيارًا. ولسوء حظه، وجد سوبارو نفسه موافقًا على رأيها.
وهو يستحضر صورة ريم خلف جفونه، وجد لنفسه عذرًا.
بغض النظر عن هوية لويس، فإن ريم ستظل قلقة عليها. وحتى لو أخبرها الحقيقة حين تسنح الفرصة، فإن الأمر سيكون من طرف واحد ما لم تكن لويس حاضرة.
ولهذا السبب، ينبغي الحفاظ على سلامة لويس.
آل: «أخي؟»
سوبارو: «لا شيء… إلا أنني… آل، أطلب منك معروفًا―― رجاءً، راقب لويس قدر استطاعتك.»
آل: «… ما هذا الطلب المفاجئ؟ ما قصة هذه الفتاة أصلًا؟»
ومع ذلك، وبينما كان يستمع إلى الأصوات المزدحمة القادمة من منصة القيادة، وخاصة صوت لويس…
كان الجو مشحونًا، لا مجال فيه للمزاح أو الأحاديث الخفيفة، لكن سوبارو ليس لديه أي نيَّة لانتقاد الإمبراطورية أو الادعاء أنَّ مشكلتها مشكلة في طبع البلاد. أقصى ما في الأمر أنَّه، على الصعيد الشخصي، وجد أنَّ إيبل شخص صعب المراس. كانت إجابته تلك خفيفة المعنى، أقرب إلى شكوى لم تصل يومًا إلى حدِّ التذمُّر الصريح. بالطبع، حين يتعلَّق الأمر بالمعتقدات والقيم، فالقضية أعمق من ذلك.
كان آل، الذي تعرضت يده للعض قبل قليل، يجد صعوبة في التعامل مع لويس، فجاء صوته متحفظًا متسائلًا عن نوايا سوبارو.
كان سؤال آل منطقيًّا، لكن سوبارو تردُّد لحظة قبل أن يجيبه.
فبالنسبة لآل، كان سيتقبَّل هوية لويس بسهولة أكبر من الآخرين.
غير أن السؤال الذي أرهقه هو: كيف سيتصرَّف آل إن عرف أن لويس واحدة من أساقفة الخطيئة؟
هل سيفهم الخطر ويصبح نصيرًا يشاركه المخاوف ذاتها؟
كان من المغري الشك بوجود صلة بين المملكة والإمبراطورية، لكن――
سوبارو: «――إن أصابها مكروه، فريم ستتألم… أرجوك، أتوسل إليك.»
آل: «――――»
تاريتا: «… يبدو أنَّ جنود الإمبراطورية يتجمَّعون. هناك ما يشبه عربة ثور أو شيء من هذا القبيل موقوفة أمامنا.» سوبارو: «هذا…» إيبل: «――نقطة تفتيش.»
ورغم اضطرابه، احتفظ سوبارو بالحقيقة لنفسه كما فعل مع بقية المجموعة.
أمَّا آل، فقد صمت برهة بعد سماع جوابه، ثم قال:
آل: «حسنًا، لا بأس… رغم أنني قلق أن تلتهم ذراعي المتبقية، لكن سأتدبر الأمر.»
تاريتا: «أأنتَ رجل ناضج ومع ذلك تتصرف كطفل! بل لماذا لا تتصرَّف بهدوء ورزانة كما يفعل البالغون؟ الصغار يقلِّدون الكبار.» سوبارو: «أه… كُه… لكِن، تاريتا سان، هذه الفتاة…» تاريتا: «لا أعذار يا ناتسومي. أعلم أن علاقتك بهذه الفتاة معقدة. لكن حتى وإن كان الأمر كذلك، ماذا ستجني من إثارة هذه الفوضى؟»
إن التعامل مع ذراع آل كموطن قوة بدلًا من ضعف، عزَّز المبرر لطباعه المتهاونة. فالجنود الإمبراطوريون، رغم نفورهم من الضعف واحترامهم للقوي، كانوا يكنُّون بعض الاحترام لمَن تقاعد من الخطوط الأمامية بسبب إصابة لا شفاء منها.
بهذه الكلمات، استقر آل في المقعد الأمامي للعربة وكأنه قبل الطلب.
مدَّ ساقيه بكسل، وأصغى إلى أصوات الفتيات الثلاث اللاتي كنَّ يضججن بالحركة في منصة القيادة.
كان ذلك أسلوبه المعتاد في قبول أي رجاء.
سوبارو: «――؟ ما الأمر؟»
لويس: «أو؟»
وحين وجَّه بصره إلى مؤخرة رأس آل، تنبَّه إلى أن إيبل كان يحدِّق به.
ذراعاه مطويتان، وجسده متكئ إلى الوراء، وعيناه السوداوان الغامضتان تعكسان صورة سوبارو، وفي ملامحهما ظل خفيف من الاستياء.
شعر سوبارو بقلق شديد، فانتهى سؤاله بنبرة حادة.
لكن إيبل اكتفى بتمتمة قصيرة: «همم.»، ولم يزد شيئًا.
كان لديه من القناعة ما يكفي بأنَّها خطيرة، ومن الفرص الكافية ليمنع أضرارًا كثيرة قبل وقوعها. ولهذا بالتحديد، خطرت له فكرة أن يلفَّ أصابعه حول عنقها النحيل في هذه اللحظة بالذات، ويقطع مستقبلها إلى الأبد. فبهذا وحده، ستذبل الكثير من بذور القلق قبل أن تنبت. ومع ذلك――
سوبارو: «… ما زلتَ لم تشكرني على تمكنَّا من اجتياز نقطة التفتيش أساسًا.»
مدينة تحمل في اسمها كلمة “شيطان”… من المستبعد أن يكون الأمر بسيطًا. لقد سمع أنها بوتقة تنصهر فيها أعراق شتَّى، لكن هل يكفي هذا لتستحق كلمتَي “الفوضى” و”الشيطان” في اسمها؟ وفوق ذلك، فإنَّ مَن يتولَّى أمرها هو أحد الجنرالات التسعة السماويين المعروف بكثرة تمرُّده، وكأنَّ الغرض من كلِّ هذا هو زيادة شعور سوبارو بالخطر―― وهو أحد الأسباب التي جعلته لا يصطحب ريم معه.
وأفرغ سوبارو ضيقه في ملاحظة عن جفاء إيبل، قبل أن يمرر يده في شعره الأسود الطويل ويجلس في مقعد أبعد قليلًا عن آل وإيبل معًا.
سوبارو: «لا أريد أن يُطلب مني إعطاء الموافقة.»
واستمرت الرحلة نحو مدينة الشياطين كيوس فليم وهي تحمل في طياتها شعورًا غامضًا بعدم اليقين بشأن ما سيأتي.
ذلك الصمت الموحِي جعل شكوك سوبارو تتضخم بلا وجه حق. بالطبع، كان ذلك فهمًا مزعجًا للغاية بالنسبة له؛ فهو لا يرغب أبدًا في التنكُّر كامرأة إلا إذا فرضت الضرورة ذلك. ومع ذلك، إذا وُجد أدنى احتمال بأن يحلَّ ذلك المشكلة، فلن يستبعده كخيار. هذا كل ما في الأمر.
ومع ذلك، وبينما كان يستمع إلى الأصوات المزدحمة القادمة من منصة القيادة، وخاصة صوت لويس…
سوبارو: «حقًا، مَن تظنين أنه سبب معاناتي؟»
لكن صوت العربة التي تجرها الخيول ابتلع شكواه تمامًا، فلم تصل إلى مسامع أحد.
آل: «أخي؟» سوبارو: «لا شيء… إلا أنني… آل، أطلب منك معروفًا―― رجاءً، راقب لويس قدر استطاعتك.» آل: «… ما هذا الطلب المفاجئ؟ ما قصة هذه الفتاة أصلًا؟»
////
تاريتا: «سوبارو، لا يمكننا فعل شيء، سنأخذ لويس معنا.» سوبارو: «حتى أنتِ تقولين هذا يا تاريتا سان؟» تاريتا: «إيبِل على حق، ليس أمامنا خيار سوى المضيِّ قدمًا الآن. لكن لا يمكننا أيضًا ترك لويس خلفنا. أنا أعلم أنَّ علاقتك أنت ولويس معقدة…»
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
