ميديوم: «المكان الذي كنت فيه أنا وأخي كان مكانًا سيئًا للغاية.»
كان هذا ما قالته ميديوم بنبرتها المعتادة، وهم ملتفُّون حول نار المخيَّم في الليل. كانت ميديوم دائمًا مشرقة ومبتهجة، ولم تُعنَ يومًا بخفض صوتها. وما خرج من فمها تلك الليلة، كان حديثًا عن دار الأيتام التي نشأت فيها هي وفلوب سابقًا.
وكان قد سُمِع من فلوب أيضًا أنَّهما ترعرعا في ظروف بائسة.
نشأ الأخوان تحت الضرب اليومي، في منشأةٍ تؤوي الأطفال اليتامى. وقد صرَّح فلوب أنَّهما كانا يحملان حقدًا على هذا العالم الذي يُمعن فيه الكبار التعساء ضربًا بالأطفال التعساء، وأنهما أقسما على الانتقام منه.
ميديوم: «لا أفهم كلَّ ما يقوله أخي، لأنَّ كلامه صعب جدًّا بالنسبة لي. لكن عندما أراه يمشي بتلك الخطوات العريضة وصدره مرفوع، أرغب بمساعدته.»
سوبارو: «حتى لو كان انتقامًا من العالم؟»
ميديوم: «نعم، نعم! مع أنني لا أعلم كيف سيفعل ذلك.»
ثم جلست ميديوم القرفصاء وهي تبتسم بخجل، ووضعت لويس في حجرها، وراحت تمشِّط شعرها من الخلف بأصابعها.
وكان السبب في حديثها عن دار الأيتام، في المقام الأول، هو مهارتها في التعامل مع الأطفال.
لقد دُهِش سوبارو من أنَّ ميديوم، التي تُعطي انطباعًا بأنها تقوم بكلِّ شيءٍ بنوعٍ من الخشونة، إن جاز له القول، كانت تعتني بلويس بهذا القدر من اللطف.
فسألها عن سبب ألفتها مع الأطفال، فقادهم الحديث إلى النقطة السابقة.
ميديوم: «لأنَّه كان في المنشأة أطفالٌ آخرون غيري وغير أخي، كما تعلم. بعضهم كانوا أصغر منِّي، ولم يكن الأمر مُمتعًا كثيرًا، فأردتُ على الأقل أن أترك لهم شعرهم ينمو.»
سوبارو: «إذًا لهذا السبب أنتِ بارعةٌ في التعامل مع الصغار. هذا منطقي، فأنتِ بارعةٌ حقًّا في رعاية الآخرين.»
ميديوم: «أوهِيهي، أتعتقد ذلك؟ حسنًا، إن كان الأمر كذلك، فأنا سعيدةٌ لأنني استطعتُ المساعدة.»
تألَّق شعرُ ميديوم الذهبي الجميل تحت وهج النار المتوهِّجة الحمراء. ولويس، الجالسة أمامها، تمتلك شعرًا بنفس اللون. كانتا على قدرٍ من القرب جعل مَن يراهما يظنُّهما أختين.
ولو أُضيفت فلورا إلى المشهد، وتُرك فلوب جانبًا، لصحَّ أن يُقال إنهنَّ ثلاث أخواتٍ جميلات.
سوبارو: «… ما كان ينبغي لي أن أفكِّر في تحميلك أنتِ وفلوب سان مثل هذا العبء.»
ميديوم: «――؟ ناتسومي تشان، هل قلتَ شيئًا؟»
سوبارو: «لا، لا شيء. فقط… أشعر فعلًا أنَّكِ ساعدتِني كثيرًا، ميديوم سان.»
وبغضِّ النظر عن العلاقة غير اللائقة بين الشقيقين أوكونيل ولويس، فإنَّ ما قاله قد يبدو كأنه قيل تحت ذريعةٍ واهية، لكنَّه كان يعنيه بحق.
فقد مثَّلت ميديوم وفلوب دعمًا عظيمًا في رحلتهم داخل الإمبراطورية، سواء من الناحية العسكرية أو النفسية.
ولو لم يكن فلوب وميديوم معهم، لكانت مسيرة سوبارو والبقيَّة داخل الإمبراطورية أشدَّ كآبةً بكثير.
سوبارو: «من هذه الناحية، ألا ينبغي لك أن تكون أكثر امتنانًا؟»
؟؟؟: «――――»
قال ذلك وهو يُضيِّق عينيه، محاولًا أن يستدرَّ ردًّا من إيبل، الجالس قُرب نار المخيَّم.
ولدهشة الجميع، لم يُعِد إيبل نفسه سريعًا إلى العربة لينال قسطًا من الراحة بعد العشاء، بل بقي هناك صامتًا. ومع ذلك، لم يبدو أنَّه كان يُنصت إلى الأحاديث الجانبية، ولا إلى كلمات سوبارو التي كانت تهكميةً ساخرة.
إيبل: «ميديوم، من أين أنتِ وأخوكِ؟»
ميديوم: «هاه؟»
لكن، وعلى الرغم من أنَّه لم يُجب على كلمات سوبارو، فقد طرح إيبل سؤالًا على ميديوم.
وكان مضمون السؤال متعلِّقًا بالحديث الذي جرى تَوًّا.
فُوجئت ميديوم، واتسعت عيناها الكبيرتان لأقصى حد، وسقط فمها مفتوحًا. يبدو أنَّها لم تُصدِّق أنَّ إيبل بادر بالكلام معها، أو حتى أنَّه كان يُنصت.
ميديوم: «إيبل تشان، أتعرف اسمي؟»
ويبدو أنَّ هذه لم تكن وحدها أسباب دهشتها.
على أيِّ حال، تنفَّس إيبل زفرةً صغيرة تجاه ميديوم، التي استعملت في ندائه أسلوبًا غير محترم تمامًا كالذي يستخدمه آل، وهو ما كان كفيلًا بإغضاب صاحب الجلالة الإمبراطور.
إيبل: «تذكُّر الأسماء أمرٌ تافه. فكفِّي عن هذا الإعجاب السخيف. أجيبي على سؤالي. من أين أنتما، أنتِ وفلوب؟ ومَن كان رئيس المنشأة التي نشأتما فيها؟»
ميديوم: «الرئيس؟ تقصد مدير الدار؟ لا أذكر اسمه، لكنني وأخي كنَّا في بلدةٍ صغيرة تُدعى آفيريك.»
إيبل: «آفيريك… تلك بلدةٌ في الغرب. سأُبقيها في ذاكرتي.»
ميديوم: «――؟ ستتذكَّرها؟ ولماذا؟»
إيبل: «سيُعالَج الأمر بما يليق. سواءٌ قمتُ بذلك بنفسي أم لا.»
كان جواب إيبل موجزًا، غير أنَّ مقصده لم يكن واضحًا بالنسبة لميديوم.
ظهرت علامة استفهام على وجه ميديوم، وبدا أنَّ ملامحها توحي وكأنَّ رأسها امتلأ فجأة بعشرات الأسئلة. وإيبل، بطبعه البعيد عن اللطف، لم يُبْدِ أيَّ نية لتبديد ذلك الغموض.
أما سوبارو، فعلى الرغم من أنه لم يفهم الصورة كاملة، فقد قال:
سوبارو: «أتُراك تريد الاستماع إلى آراء الناس الصريحة وتطبيقها مباشرةً في سياسة الدولة؟»
إيبل: «لستُ بتلك الدرجة من النُبل. لقد أخبرتكَ من قبل―― إنَّه أمرٌ يتعلَّق بالعقوبة أو المكافأة، لا غير.»
فمَن حقَّق إنجازًا نال الجزاء، ومَن أساء التصرُّف نال العقاب.
ذلك هو المبدأ الذي يؤمن به إيبل بصفته حاكمًا، ويبدو أنَّه لا يتزحزح عنه قيد أنملة.
ولو استرجع سوبارو شعائر “دم الحياة” في قرية الشودراك، حينها لَتذكَّر كيف أنَّ إيبل توسَّل إليه وهو على شفير الموت، ليُخبره برغبته. خلف ذلك التوسُّل كانت ترقد نفس القناعة. وتلك هي――
سوبارو: «――أنتَ من النوع الذي لا يطيق رؤية أحدٍ يخرج صفر اليدين، أليس كذلك؟»
إيبل: «كثيرون يُقذَفون في هذا العالم مجرَّدين من كلِّ شيء. وما يُمسكون به بأيديهم، وما يرحلون به في النهاية، هو حياتهم. لا ينبغي أن يُنتزَع من أحد ما كسبه.»
سوبارو: «من الغريب أن أسمع هذا من فم إمبراطور وُلد وفي فمه ملعقةٌ من ذهب.»
فالناس في غالبيتهم يولدون محرومين، ولا خيار لهم سوى الصراع الدائم، يتحمَّلون قصورهم وعجزهم. وهم يعلمون أنَّ هذه هي طبيعة الحياة، ولكن يصعب عليهم تقبُّل ذلك حين يصدر عن مَن وُلد ميسَّرًا.
غير أنَّ إيبل لم يُعر سوبارو اهتمامًا، ولا نظر إليه على أنَّه يسخر.
إيبل: «――وأنا لستُ استثناءً.»
سوبارو: «――؟ ماذا تقصد؟»
إيبل: «مع المنصب تأتي المسؤولية. فإنِ ارتدى المرء عباءةً أثقل من أن يحملها، وسُحق تحتها، فلا يُعدُّ سوى أحمق. أما الخُلُق والكبرياء فلا يُصقلان إلَّا بالوعي الذاتي المستمر.»
ردًّا على سؤال سوبارو، التفت إيبل إليه ببطء، وتفحَّصه وهو جالسٌ قرب النار.
أنعم النظر في شعره الأسود وملابسه القاتمة، وكأنَّه يُقيِّمه بعينٍ فاحصة.
إيبل: «الهويَّات الزائفة والمُصطنعة لا بدَّ أن تُكشَف في النهاية. تبدو ماهرًا في التنكُّر، ولكن إن انكشف أمرك، فإصلاح الأمر لن يكون سهلًا.»
سوبارو: «――――»
إيبل: «ما دمتَ تُحقِّق النتائج، فلن أتدخَّل في شؤونك. لكن لا تظننَّ أنني أتغاضى عن اتخاذ صورةٍ زائفة كداعمٍ أساسي. فحينها، سينهار الأساس برمَّته.»
كانت عينا إيبل، وقد انعكست فيهما نسائم الليل، صافية كبرودة السماء.
كلماته لم تترك مجالًا للفهم المشترك أو التعاطف. لذا، فالمعنى الحقيقي لكلامه لم يصل إلى سوبارو إلَّا جزئيًا، إن وصل أصلًا.
ولم يبقَ في صدر سوبارو سوى ألمٌ لاذع، ناجم عن كلماتٍ مهينةٍ وجَّهت سهمها إلى أعماق قلبه دون رحمة.
إيبل: «… لقد أثقلتُ الحديث. سأترك الباقي لكم.»
قال ذلك، ثم وقف ومضى إلى العربة.
وأُغلِق بابها الثقيل خلفه بصوتٍ مكتوم. ولم يبقَ حول النار سوى سوبارو، وميديوم، ولويس التي لم تُدرك شيئًا ممَّا جرى.
سوبارو: «… ما بال هذا الرجل؟»
قالها وهو يُمسك بفمه، وملامحه تعكس مرارةً حادَّة.
وكأنَّه كان خاسرًا مُرًّا في دور خصمٍ نسويٍّ عنيد. تلك الاستراتيجية العسكرية الحديدية، ناتسومي شوارتز، كانت أشدَّ صلابةً وأرقَّ مرونة.
ذلك ما كان دومًا ما يتمناه سوبارو―― قلبٌ لا يلين، صورة المرأة الأقوى التي تسكنه.
ميديوم: «ناتسومي تشان، هل أنتِ بخير؟»
لامست يدُ ميديوم رأسَ سوبارو المثقل بالصراعات بلطفٍ وحنان.
كانت قد انتقلت بخفة وجلست بجانبه على عقبيها دون أن تُلامس الأرض، يداها مناسبتان لطول قامتها، كبيرتان بما يكفي لتُحيط برأسه بسهولة.
كفُّها العريض احتضن قلبَ سوبارو المرهق بلُطفٍ ودفء.
سوبارو: «نعم، أنا بخير. أقصد، ذلك الرجل كان مواربًا في كلامه… هل فهمتِ ما قصده، ميديوم سان؟»
ميديوم: «هممم، لا إطلاقًا! لكن بدا أنَّ ناتسومي تشان كانت تتألم؛ لذا كان هذا أقلَّ ما أستطيع فعله.»
سوبارو: «هذا ليس صحيحًا…»
ميديوم: «لا بأس، لا بأس، أعلم ذلك! أنا مُكلَّفة بأن أستغلَّ جسدي الكبير لأبذل جهدي، وأترك الأمور الصعبة لأخي الكبير وللجميع.»
ابتسمت ميديوم بابتسامةٍ عذبة وهي تواصل تربيتَها على رأس سوبارو، ووجهها خالٍ تمامًا من أيِّ زيف.
رغم إدراكها لنقاط ضعفها، لم تسمح لها بأن تُحبطها، وكانت تنعم بروحٍ مشرقة―― تلك الروح التي كانت سمةً مشتركة بين مَن يُعجب بهم سوبارو.
سوبارو: «أنتِ ناضجة حقًّا، ميديوم سان.»
ميديوم: «لم يقل لي أحدٌ هذا من قبل! رغم أني سمعتُ أشياء مثل: أني أختٌ كبيرة جيدة، أو أنني آكل كثيرًا من دون مشاكل.»
سوبارو: «وهذه أيضًا صفات جميلة فيكِ، ميديوم سان.»
ميديوم: «أوِهِيهي~.»
أمام عجزه عن التعبير عن امتنانه وإعجابه رغم كثرة كلماته، شعر سوبارو بالإحباط. غير أنَّ ميديوم، بابتسامتها المرحة، استقبلت كلماته المجاملة وكأنها أثمن ما قيل لها.
لويس، المتكوِّرة في حجرها، كانت سعيدةً أيضًا، وكأنَّها انجرفت في بهجة ميديوم.
كان المشهد سلميًّا إلى درجةٍ جعلت سوبارو يشعر وكأنَّه انفصل مؤقَّتًا عن كلِّ معاناته وهمومه.
كان ذلك الوقت هادئًا لدرجة أنَّه صوَّره في مخيِّلته وكأنَّه وُجد في عالمٍ آخر، بعيدًا عن كلِّ توتُّر.
△▼△▼△▼△
مرَّ الزمن ببطء، فيما كان يُحدّق في لهيب النار المتراقص.
سوبارو: «――――»
كان العالم هادئًا تمامًا، لا يُسمع فيه سوى فرقعة قطع الحطب المُشتعلة.
كره سوبارو مثل هذه اللحظات الخالية. ففيها، إن ترك نفسه للشرود، اجتاحه شعورٌ ثقيلٌ بالعجز، وإحساسٌ ملحٌّ بأنه يُهدر حياته بلا معنى.
كان يتساءل ما إذا كان من المسموح له أن يقضي وقته متسكِّعًا هكذا، غارقًا في السكون.
حينها، يبدأ ظلٌّ أسود غامض بالزحف من خلفه، يلفُّ ذراعيه حول كتفيه بمودةٍ مزيَّفة، ويلاحقه بإلحاحٍ خانق.
لم يكن ممكنًا صدُّ ذاك الكابوس، حتى لو أغلق أذنيه وأغمض عينيه―― ولكي يهرب منه، جرَّب ناتسكي سوبارو كلَّ وسيلةٍ ممكنة.
وفي بعض الأحيان، يُشيد الناس بدهائه وتعدُّد مهاراته.
لكن الحقيقة أنَّ كلَّ ذلك لم يكن سوى ذرائعٍ للهروب من المسؤولية والشعور بالذنب.
فناتسكي سوبارو لم يكن سوى مجسَّمٍ من الورق المعجون―― نتيجة سلسلةٍ من الأعذار والتبريرات.
سوبارو: «――أشعر ببعض الارتياح فقط لأنَّ الأمر لم يكن مجرَّدَ عذر.»
؟؟؟: «أهكذا…»
بعد أن أنصتت لحديث سوبارو، أومأت تاريتا برأسها.
على الجانب الآخر من لهيب النار المتراقص، انعكس الضوء الأحمر على وجه تاريتا وهي راكعة على الأرض. انسجم وهج النار المتراقص بانسياب مع لون بشرتها الأسمر.
وللحديث عن الانسجام، فإن ملابسها التي تُخفي هويتها كشودراكية كانت كذلك أيضًا.
فقد تخلَّت تاريتا عن النقوش البيضاء التي غطت جسدها، وارتدت زيًّا أقرب للمدنيِّين، ومع قوامها الطويل والمتناسق، بدت كأنَّها امرأة فاتنة في زيٍّ رجولي.
غير أنَّها حين تولَّت حراسة الليل، خلعت سترتها ورفعت أكمامها، مما منحها هيئةً أكثر وحشية من كونها ذكيَّة.
تاريتا: «――――»
ساد الصمت قليلًا، وغرقت تاريتا في التفكير.
فقد دفعت سوبارو للإفصاح عن ظروفه الشخصية―― عن عالمه الأصلي؛ ومع أنَّه تعمَّد تخفيف وطأة التفاصيل المظلمة والثقيلة في حياته، فكيف أثَّر ذلك في تاريتا؟
كلُّ ذلك بدأ حين رأت تاريتا سوبارو ينظِّف أظافره، فسألته: «من أين تعلمتَ التزيُّن؟»
فبالنسبة له، استخدام أدوات التجميل والتنكر بزيِّ النساء لم يكن أمرًا جللًا.
إذ إن سنوات مراهقته في المرحلة المتوسطة كانت مضطربة، وقد خاض تلك التجربة كتحدٍّ وتسلية، ليُحدث بها انقلابًا مثيرًا في حياته الثانوية القادمة.
سوبارو: «أنا شخصٌ دقيقٌ بعض الشيء، فإذا أردتُ أن أفعل شيئًا… أرغب أن أُتقنه دون أن أشعر بالحرج منه.»
كما هو الحال في كل مجال، فثمَّة جهودٌ عظيمة لأسلافٍ سبقوا في تطوير الفنون.
وقد انتهت حياة سوبارو الثانوية نتيجة رغبته في إثبات أنَّه لا يخجل من تلك التجربة. ومنذ ذلك الحين، أقسم ألَّا يتنكَّر بزيِّ امرأة مجددًا، لكن ها هو ذا.
لا أحد يعلم ما الشيء الذي سيُجدي نفعًا في الحياة حتى تنقضي―― وفي حالة سوبارو، الذي لا يموت حتى حين يموت، فإن هذه المقولة تنطبق عليه بامتياز.
سوبارو: «أوه، هذا ليس مضحكًا――»
تاريتا: «… أحسد ناتسومي على شجاعته.»
سوبارو: «مـ-مــــاذا؟»
تاريتا: «لِـ-لِمَ تبدو متفاجئًا هكذا…؟»
سوبارو: «آه، لا، لم يسبق لأحدٍ أن قال لي شيئًا كهذا…»
كانت تلك صدمةً حقيقيةً بالنسبة له، وقد أربكت تاريتا.
ومع ذلك، لم تتبدد الصدمة في داخل سوبارو، حتى وهو يضغط على صدره المزيَّف. فعلى المستوى الموضوعي، لم يشعر بأن وضعه يستحق الغبطة أو الحسد.
ربما كان ذلك من وجهة نظره الذاتية، لكنه مذ وطئت قدمُه هذا العالم الآخر―― بل وحتى قبل ذلك، كانت حياته سلسلة من الإخفاقات وخيبات الأمل.
وبصراحة، لولا لقاؤه بإميليا، لَما ظنَّ أنَّه كان سيحصل على فرصةٍ لتغيير مجرى حياته.
فقد آمن بأنَّ كلَّ لقاء جميل، وكلَّ سعادةٍ نالها، كانت بفضل إميليا―― الفتاة التي حاولت إنقاذه حين تعرَّض للضرب في زقاقٍ من الأزقة.
――رغم أنَّ تلك الذكرى لم تعد موجودة في عقل إميليا الآن.
تاريتا: «لطالما نشأتُ مختبئة خلف أختي. الجميع يعرف مَن تكون أختي؛ لذا لم يشكُّ أحدٌ في أنَّها ستصبح الزعيمة يومًا ما. ولا أنا كذلك.»
سوبارو: «تاريتا سان…»
ثم بدأت تاريتا، بترددٍ خافت، بالكلام عن نفسها.
في البداية، نوى سوبارو أن يوقفها إن بدأت تتحدث عمَّا لا ترغب في الإفصاح عنه، كردٍّ على اعترافه. فقد سألته عن مصدر خبرته في التزيُّن وتنكر النساء، فحدَّثها عن نفسه، إذ إن تلك كانت مشاكله الخاصة، ولم يكن ينوي فرض ذلك عليها.
غير أنَّه حين لمح دموعًا في عيني تاريتا، وصوتًا مرتجفًا، وملامحَ منخفضةً حزينة، تراجع.
لقد كانت تتكلَّم لأنَّها أرادت ذلك، وهذا ما شعر به سوبارو.
تاريتا: «أنا وأختي بيننا ثلاث سنوات فرق. لكن السبب الذي يجعلني أشعر بأنَّ أختي “أكبر بكثير”، ليس هذه السنوات الثلاث. أليس كذلك؟»
سوبارو: «――――»
تاريتا: «ما كانت أختي تقدر عليه حين بلغت العاشرة، لم أستطع أنا فعله حين بلغتُ السنَّ نفسه. لم يكن فرقًا في العمر، بل فرقًا في شيءٍ آخر… لا أعلم ما هو.»
كلُّ كلمةٍ نطقت بها تاريتا، اخترقت قلب سوبارو.
كانت حكايةً قد سمع مثلها من قبل، ومع ذلك، كانت حكايةً لم يسبق له أن أفصح بها لأحد.
عقدة النقص تجاه الأخت الكبرى المتفوقة… شعورٌ ظلَّ يؤلم ريم لسنوات.
عقدة النقص تجاه الشخص الذي تتوق لتكون مثله… شعورٌ ظلَّ يعذب سوبارو.
تاريتا: «لماذا جعلتني أختي الزعيمة؟ لا أرى نفسي أصلح لذلك.»
؟؟؟: «――فهو في النهاية، ابنُ ذلك الرجل.»
خيبة الأمل في النفس. الشعور بالذنب حيال آمال أحد الأحبَّة.
وقد خرجت تاريتا في هذه الرحلة غارقةً في هذه المشاعر. فميزيلدا، الزعيمة السابقة، قد أقسمت على دعم إيبل في مسعاه لاستعادة العرش.
وربما كانت هذه الرحلة أيضًا وسيلةً لتاريتا كي تنظر في ذاتها، وتعيد اكتشافها، بل لعلها كانت محاولةً للهرب من عبء التوقعات التي أُلقيت فوق كتفيها.
تاريتا: «عليَّ أن أجد الجواب في هذه الرحلة. لا، بل يجب أن أعزم أمري بثبات.»
سوبارو: «عزمٌ… هل هو العزم على تولِّي الزعامة؟»
تاريتا: «――――»
أجابته تاريتا بهزَّةٍ خافتةٍ من ذقنها الرفيع.
لن يكون مناسبًا القول بأنَّها قد وجدت الجواب، لكن يمكن القول إنَّها استعدَّت لقبول مصيرٍ محتوم―― مصيرُ الزعامة الذي أوكلته إليها ميزيلدا. كان ذلك واضحًا لسوبارو.
لقد آمنت تاريتا أنَّ تولِّي الزعامة أمرٌ لا مفرَّ منه.
وآمنت أنَّه لا يحق لها رفضه، بل إنَّه واجبُ الأخت التي كُلِّفت به من قِبل أختها الكبرى، وأنَّه عليها أن تقود الجيل القادم من العشيرة――
سوبارو: «حتى لو هربتِ…»
تاريتا: «هاه؟»
سوبارو: «حتى لو هربتِ، أظنُّ أنَّه لا بأس. لن ألومك على ذلك.»
ملامحُ الذهول التي ارتسمت على وجه تاريتا دلَّت على أنَّها لم تكن تتوقَّع سماع مثل تلك الكلمات.
ورغم أنَّه كان هذا مجرى الحديث، فقد أفضت له تاريتا بأعمق أفكارها. وضعها، مخاوفها، والمسؤولية التي تحملها على كتفيها الهزيلتين، كانت كلُّها جلية.
وقد رأى سوبارو بوضوح مدى مسؤوليتها الزائدة وميلها إلى جلد الذات، وكفاحها للتعامل مع كل ذلك.
وربما―― تمنت تاريتا أن يقول لها سوبارو في تلك اللحظة: «تماسكي.»، لتدفع نفسها إلى اتخاذ قرارٍ لم تستطع اتخاذه.
وربما، تمنت أن يُخبرها بأنَّ عدم الثقة بالنفس ليس له مكانٌ أمام شخصٍ مثل سوبارو، يرتدي ملابس النساء بكلِّ فخرٍ ودون خجل.
لكنَّ ما قاله سوبارو قد خالف توقُّعاتها تمامًا.
سوبارو: «إن لم تستطيعي الاحتمال، وإن شعرتِ أنَّ ثمَّة مَن هو أصلح منكِ، فلن نلومكِ إن قرَّرتِ مغادرة العربة. على الأقل، أنا لن أفعل.»
تاريتا: «لكِن، إن رحلتُ، فَـ… قوتُنا سوف…»
سوبارو: «بالطبع، هذا يقلقني. لكنني سأبذل كلَّ ما أستطيع.»
تاريتا: «――――»
سخر سوبارو من نفسه في قرارة صدره، لكَم كانت كلماته تلك أنانية، وإن لم يظهر ذلك على وجهه.
ولو سمع إيبل هذا الحديث، فلن يرضيه الأمر. إذ كما قالت تاريتا، هي عنصرٌ عسكريٌّ ثمين في فصيلٍ يعاني من ضعف في قوَّته.
وهذا ينطبق على الفصيل ككل، وكذلك على هذه المجموعة الصغيرة التي تشاركه الرحلة.
لكنه مع ذلك، كان يتساءل: أليس من المقبول السماح بالرحيل؟
تاريتا: «أنت تقول إنِّي لستُ ضرورية…»
سوبارو: «لا، هذا خطأ كبير. أنا أريد لتاريتا سان أن تكون معنا، بشخصها وقوَّتها على حدٍّ سواء. لكنَّ هذا سيكون أنانيًّا منِّي، أليس كذلك؟»
تاريتا: «أناني…؟»
سوبارو: «لأنِّي سأكون بذلك أطلب منكِ أن تُخدِّري مشاعركِ… كي أستطيع أنا أن أعيش.»
وهو الذي خَبِرَ المعاناة وتشرَّبها، لم يكن بوسعه أن يفرض على تاريتا ما لا يقبله لنفسه.
سوبارو، الذي أُتيحت له الفرصة ليغادر ذلك المكان المظلم الذي كان حبيسًا فيه، لم يتردد في قول ذلك لتاريتا، التي تكبره سنًّا وربَّما خبرةً، وكأنَّه يحدِّث أختًا كبرى أو مرشدًا قد سبقه في طريق الألم.
――لا يمكنُك أن تكون شخصًا آخر.
لا فرق إن كان هذا “الآخر” قريبًا بالدم، أو مجرد شخصٍ محبوب. لا فرق كم تمنَّيتِ أن تكوني مثله، أو كم حسدتهِ، أو كم نقشْتِ صورته في أعماق قلبك.
لا يمكنُ لأيٍّ منَّا أن يكون أحدًا غير نفسه.
سوبارو: «لا نستطيعُ أن نكون سوى “ذواتنا”…»
ما كان في استطاعته أن يكون سوى نفسه. لكن، كان عليه على الأقل أن يصبح شخصًا يُحبُّه، ويرتاح إليه، ويثق فيه.
مثل فراشةٍ تنبثق بعد كثيرٍ من الإحباطات، والانكسارات، ولحظاتٍ صغيرة من الفخر بالنفس.
سوبارو: «… الأمرُ مزعج، أليس كذلك؟»
همس سوبارو بتلك الكلمات، بصوتٍ خافتٍ لم تستطع تاريتا أن تسمعه.
وما كان يتذكَّره وهو يتكلم، هو تلك الصورة المثلى التي رسمها له إيبل قبل ساعات، حين جلسا حول النار ذاتها. لقد تساءل: ما الذي يتمسَّك به مَن لا يملكون شيئًا؟ بماذا يعيشون؟
كان جوهر تلك الكلمات يشبه إلى حدٍّ بعيد ما حاول سوبارو التعبير عنه.
تاريتا: «――――»
أنصتت تاريتا لحديث سوبارو، والاضطراب في عينيها يزداد، وتردُّدها يحتدم.
وكان من حقِّها وحدها أن تقرِّر إلى أيِّ طريقٍ سيأخذها هذا التردُّد، وأدرك سوبارو أن عليه احترام القرار الذي ستتخذه.
لقد فرَّ سوبارو من التوقُّعات التي أُلقيت فوقه، ومن الذنبِ الذي شعر به حين أخفق في تحقيقها.
بل لقد راوده الشكُّ أن استدعاءه إلى هذا العالم الآخر، لم يكن سوى استجابةٍ لرغبةٍ دفينةٍ في داخله… رغبةٍ في الهرب.
ولهذا السبب… لم يستطع حتى أن يودِّع والدَيه الحقيقيَّين، والديه في العالم الذي أتى منه――
سوبارو: «تعلم… مجرد قدرتي على الهروب، كانت بمثابة الخلاص.»
على أقل تقدير، لو بقي حبيس غرفته، تائهًا دومًا بين التوقُّعات والذنب، لما استطاع ناتسكي سوبارو أن يلحق بمشاعره الحالية.
لكان لا يزال هو نفسه، سوبارو العاجز عن تجاوز ذاته، المنشغل بهمومه، ولا فرصة له لأن يُجهد قلبه من أجل الآخرين، أو أن يفعل شيئًا لأجلهم، أو أن يقدِّم لهم شيئًا.
الهروب ليس خطأ، ما دام المرء لم يستعد بعدُ للقتال.
ينبغي أن يكون هذا عالمًا يمكن فيه لكلِّ شخص أن يختار عدم القتال.
تاريتا: «الثقة والعزم…»
سوبارو: «هاه؟»
تاريتا: «أفتقر إلى الثقة والعزم. لكن هذا ليس كل شيء…»
كلمات سوبارو، المنبثقة من تجربته الشخصية، بلغت أُذنَي تاريتا، فتمتمت بها، وشفتاها ترتجفان.
كان صوتها بالكاد يُسمع، كأنَّه غرق في فرقعة ألسنة اللهب. أو ربما كانت مشاعرها متأججةً إلى حدٍّ أكبر من حين سردت قصَّتها الأولى عن عجزها.
تاريتا: «إن ارتكبتُ خطأً كبيرًا… كيف سأُكفِّر عنه؟»
سوبارو: «أخطأتِ… والتكفير… تاريتا سان؟»
تاريتا: «――――»
أعاد عليها سؤاله، فخرج من فمها “آه” صغيرة.
اتَّسعت عيناها، وبدت ملامح الندم جليَّة فيها. كما في المرَّة الأولى حين تحدَّثت عن الخطأ، ها هي الآن تُبدي أسفًا واضحًا لما أفشتْه أمام سوبارو.
بدت وكأنها تحمل في أعماقها الكثير من الذنب تجاه ذلك الخطأ الكبير.
لم يكن الشعور بالعجز أمام تفوُّق أختها فقط، بل يبدو أن وجود أختها نفسها كان سببًا يمنعها من اتخاذ
قرارها بنفسها.
تاريتا: «ما قلته… كان غريبًا… أرجوك، انسَه.»
وفي النهاية، لم تجد إلَّا أن تختم باعترافٍ ضمنيٍّ بأنَّ قصَّتها التي لم تُروَ… لا يمكن روايتها بعد.
وقد فهم سوبارو، من نبرة صوتها وتعبيرات وجهها، أنَّها لم تبلغ جوابًا بعد، لكنه أدرك أيضًا أنَّ عليه ألَّا يُجبرها على الحديث.
كلُّ ما تمناه… أن يكون موجودًا حين تأتي اللحظة التي ترغب فيها بأن تبوح.
؟؟؟: «――يا صاح، جاء وقت تبديل النوبة.»
وما إن أنهى سوبارو حديثه، حتى ارتفع صوت من جهة العربة.
كان آل، يلوِّي عنقه الضخم وهو يتقدَّم ببطء نحو النار. لقد حان وقت تبديل المناوبة الليلية، والتي كان من المفترض أن تتغيَّر كل ثلاث ساعات.
سوبارو: «أنا ممتعض لأنَّ إيبل ولويس لا يشاركان في النظام، لكن…»
آل: «كفى كفى، سيكون من الفظيع أن يُعدَم أحدنا لأننا جعلنا إيبل تشان يعمل في نوبة الحراسة الليلية بعد أن يستعيد عرشه!»
سوبارو: «إن كنتَ تتحدث عن الأحقاد، فلا أظن أنني قادر على تحديد عدد الرؤوس التي يجدر بي أن أقدِّمها مقابل ذلك.»
آل: «طالما أنك واعٍ لذلك، فرجاءً اضبط نفسك. وجودك بقربي وأنت بهذا الحال يوتِّر أعصابي.»
استمع آل إلى تذمُّر سوبارو وأطلق شكوى معقولة.
ومع ذلك، فإنَّه سيستمر في التذمُّر من سلوك إيبل فيما بعد. فسببُ غطرسة إيبل واستبداده هو أن لا أحد قط تجرَّأ على مجابهته بالكلام.
طالما ظلَّ فارًّا من العدالة بلا سلطة حقيقية، فكان لا بد من تقويم شخصيَّته قدر الإمكان.
سوبارو: «وإلا، حتى لو عاد إلى العرش بمساعدتنا، فسرعان ما ستندلع ثورة أخرى، وسيفقد رأسه حينها.»
آل: «نعم، سأترك ذلك لك. كما ترى من تعاملاتي مع الأميرة، فأنا من النوع الذي يؤمن بسياسة “دَع الأمور تجري”.»
لوَّح آل بيده بخفة، كأنَّه يرمي مهمة إقناع سوبارو من كاهله، فزفر سوبارو متنهِّدًا إزاء تهاونه، ثم التفت من جديد نحو تاريتا التي كانت تحدِّق في النار شاردة.
سوبارو: «سأترك الأمر بين يديك. وإذا شعرتِ بأن نكات آل السمجة أو مضايقاته ذات الطابع الجنسي لا تُطاق، فرجاءً أخبريني فورًا.»
تاريتا: «مضايقات ذات طابع…؟»
آل: «لن أتصرف معها كما أتصرف مع الأميرة! فالأمر يتعلَّق بالمسافة، ومستوى القرب، وظروف الزمان والمكان!»
سوبارو: «هذا أمر لستُ بارعًا فيه.»
ردَّت تاريتا بصوت خافت، بينما صرخ آل محتجًّا مدافعًا عن نفسه. وبعد أن قارن بينهما بنظره، نهض سوبارو وهو ينفض الغبار عن حاشية ثوبه ومؤخِّرته، وهمس لآل:
سوبارو: «ربما تطلب تاريتا سان منك نصيحةً تخصُّ الحياة… إن فعلت، فأرشدها كقائد خبير.»
آل: «”قائد خبير” يبدو كأنَّه نقيض ما أُوصَف به، أليس كذلك؟ لا يمكنني تحمُّل مسؤولية حياة الآخرين، فأنا أتهرَّب من ذلك عمدًا.»
سوبارو: «هذه فرصتك لتتجاوز نقاط ضعفك… الأمر نفسه ينطبق على الفلفل الحار.»
إميليا وبياتريس، اللتان لم تكن لهما ميول للفلفل الحار أيضًا، كانتا تحاولان بجهدٍ التغلُّب على نفورهما منه بطرق شتَّى، دون أن تخسرا روح التحدي الجريء.
لم تخوضا بعدُ معركة واحدة معًا، لكن سوبارو آمن بأنَّه ما دامتا تستمرَّان في القتال، فلا بدَّ أن تنتصرا يومًا ما.
سوبارو: «لذا، رجاءً، ابذل جهدك يا آل.»
آل: «هل أنا وحدي مَن لا يتأثر بكلامك هذا…؟»
على الأقل، ما قاله استوفى شروط تحفيز سوبارو، ولذا استنتج أن المشكلة تكمن في آل نفسه، الذي لم يتأثر به.
تاريتا: «ناتسومي… أراكَ غدًا.»
سوبارو: «――أجل، أراكِ غدًا.»
نادته تاريتا بصوت خافت، بينما كان يسلم نوبة الحراسة لآل ويهمُّ بالعودة إلى العربة.
ذلك الوعد البسيط والواثق بالغد منح سوبارو أملًا بأنَّها تقبَّلت كلماته، وأنَّهما سيلتقيان وجهًا لوجه في اليوم التالي.
الفرار ليس أمرًا مشينًا. بل إنَّه وسيلةٌ لاكتساب القوة أحيانًا.
لكن هناك أيضًا مَن يُقْدم على المواجهة بدل الهرب، ويقدر على تخطِّي المِحن.
وسوبارو كان يأمل أن تكون تاريتا من أولئك.
سوبارو: «――――»
ولدى عودته إلى العربة، استقبله سكونها الهادئ، يلفُّه ظلامها الدافئ.
انقسم الجزء الداخلي من العربة بستار بسيط، فاصِلًا بين أماكن نوم الرجال والنساء في المقدِّمة والمؤخِّرة. وقد خُصِّصت الجهة الأمامية للرجال، والخلفية للنساء، لكن المجموعة التي كانت نائمة حاليًّا بدت هادئة على نحو مفاجئ.
إيبل، وميديوم، ولويس كانوا الثلاثة الذين يستريحون في تلك اللحظة، ومقدار السكون الذي كانت تنام فيه كلٌّ من ميديوم ولويس، أما إيبل فخارج هذا القياس، بدا في نظر سوبارو مفاجئًا إلى حدٍّ ما.
وعندما سألهم ذات مرَّة عن عادات نومهم، مع علمه بأنَّ ذلك ليس من آداب الحديث، أجابته ميديوم بابتسامة مرِحة:
«إن شخرتَ بصوتٍ عالٍ، سيعرف الناس مكانك!»
ولم يدرك سوبارو آنذاك أنَّها أشارت إلى أسفارها السابقة كمتجوِّلة تبيع البضائع، أو إلى أيَّامها في المنشأة التي قيل إنَّها كانت ذات ظروف سيئة.
كانت مهارةً اكتُسبت بدافع الحاجة.
ومن هذه الزاوية، ربَّما كان هذا هو السبب ذاته في نوم إيبل بهدوء.
سوبارو: «… وجهك يبدو بغيضًا حتى وأنت نائم. لعلِّي أرسم شيئًا عليه.»
؟؟؟: «――ما بالك تحدِّق فيَّ بهذه الوقاحة؟»
سوبارو: «――هـك.»
في منتصف المساحة المخصَّصة داخل العربة، كان إيبل مستلقيًا نائمًا. وما إن تطلَّع سوبارو إلى وجهه أثناء نومه، حتى صُدم بذلك الصوت المفاجئ. وكاد يطلق صرخة غريزية، لكنه تمكَّن من كتمها، قائلًا بدلًا من ذلك:
سوبارو: «أأنت مستيقظ؟… بما أننا نتناوب على الحراسة، كنتُ آمل أن تحظى ببعض الراحة على الأقل.»
إيبل: «من عادة الأسرة الإمبراطورية الفولاكية أن تنام وعينها مفتوحة. وأنا لستُ استثناءً لهذه القاعدة.»
سوبارو: «تنام بعينٍ مفتوحة؟… هذا ليس فيلمًا! أنت جاد؟»
أبيل: «ولمَ أقول نكتة سخيفة لك؟»
ارتبك تنفُّس سوبارو إثر رد إيبل، بينما ظلَّ هذا الأخير غير مبالٍ، مغمض العين اليمنى، فاتحًا اليسرى، تمامًا كما ادَّعى.
ضوء عينيه القاتمتين أثبت أنَّ كلماته السابقة لم تكن كذبًا ولا مبالغة.
ثمَّة فيلم قديم تحدَّث عن قاتلٍ محترف له عادة النوم بعينٍ مفتوحة، وقد بدا أنَّ ذلك سلوكٌ يصعب تحقيقه وفقًا لتركيبة الدماغ البشري، لكن رؤية إيبل يؤديه دون تكلُّف أمامه جعلت سوبارو يدرك أنَّ الأمر ليس مستحيلًا.
لكن الإدراك لا يعني الاقتناع.
سوبارو: «لمَ لا تنام بشكلٍ طبيعي؟ أتظنُّ أننا سنطعنك وأنت نائم؟»
إيبل: «إن وُجد احتمال ولو ضئيل، فهو يظلُّ احتمالًا. لا يجوز أن تزهق حياتك بسبب غفلة.»
سوبارو: «غفلة…!»
ارتجف صوت سوبارو وهو يردُّ بتلك الكلمة، مشيرًا نحو النافذة.
ما كان يُرى من نافذة العربة لا يتعدَّى نور النار المشتعلة على بُعدٍ ليس ببعيد. عندها وقف آل وتاريتا يحرسان المعسكر، يتفقدان الأرجاء تحسُّبًا لأي خطرٍ يلوح في الأفق.
طبعًا، لأجل سلامتهما أيضًا، ولكن――
سوبارو: «――لمصلحة مَن تظنُّ أنهم يفعلون كلَّ هذا؟»
إيبل: «――――»
سوبارو: «بعد كلِّ هذا الوقت… ما زلتَ غير قادرٍ على إغماض عينيك أمامنا؟»
عندها تهاوى قناع ناتسومي شواراز، ليظهر ناتسكي سوبارو بملامحه المشوهة من الغضب.
في المقابل، لم تهتزُّ ملامح إيبل الواضحة الصارمة. وكما فعل في الماضي، راح يرمش بعينيه اليمنى واليسرى بالتناوب، وعدد رمشاته كان أقلَّ ما يمكن، وهي نفس الدوافع التي تمنعه من إغلاق عينيه كلتيهما أثناء النوم.
حين خاطرا بحياتيهما معًا في طقس دم الحياة بقرية الشودراك، وعند تسللهما إلى غوارال متنكرَين كراقصات، وحتى خلال الرحلة في العربة إلى وجهتهما، لم يكن ثمة فرق يُذكَر.
سوبارو يتفهّم أولئك الذين يعيشون في حالة تأهب، حين يكون الخطأ غير مسموح.
لكن، ألم يكن حريًّا بإيبل أن يخفف من حِدته حين يتواجد في مكانٍ ليس من المؤكد أنه معادٍ؟
وتحت نظرة سوبارو المرفوعة حاجبها، أغلق إيبل عينًا واحدة فقط―― نعم، واحدة فقط.
أغلق عينًا واحدة، شبك ذراعيه، أسند ظهره إلى المقعد، وأطلق زفرة صغيرة.
إيبل: «لا تفكِّر حتى في تشويه طريقتي في العيش. الزمْ حدودك.»
سوبارو: «――――»
إيبل: «مدينة الشياطين باتت قريبة. قم بدورك. لا أرغب بأكثر من ذلك، ولن أسمح.»
عند هذا الردِّ المنفصل عن الواقع، نقر سوبارو لسانه بضيق.
كان قد ظنَّ في وقتٍ ما أنَّ بإمكانه إحداث تقدُّم معه… لكن لا فائدة.
سوبارو: «أوه، حسنًا… حسنًا! سأشخر بأعلى صوتٍ أستطيعه!»
قالها بصوتٍ مرتفع من الغيظ، لكن إيبل لم يرد بشيء.
وبوجهٍ عبوس، جلس سوبارو في أبعد نقطة ممكنة عن إيبل، رخى ملابسه، واستلقى بحذر كي لا يُفسد شعره المستعار.
فكَّر في البقاء مستيقظًا نكايةً بإيبلد لكنُّه لم يكن متأكدًا إنْ كان لذلك معنى، أو إن كان النوم أو الاستيقاظ هو الخيار الأفضل؛ وعليه، غامت وعيه وتلاشت أفكاره.
واصلت العربة سيرها محمَّلةً بهمومٍ ومشاكلَ وقيمِ علاقاتٍ مضطربة.
―― وكان الوصول إلى مدينة الشياطين كيوس فليم على بُعد خطواتٍ قليلة.
////
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.