Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ري زيرو: بدء الحياة في عالم أخر من الصفر 35

35 - ليلةٌ للحديث.
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

35 - ليلةٌ للحديث.

ميديوم: «المكان الذي كنت فيه أنا وأخي كان مكانًا سيئًا للغاية.»

 

 

ذلك الوعد البسيط والواثق بالغد منح سوبارو أملًا بأنَّها تقبَّلت كلماته، وأنَّهما سيلتقيان وجهًا لوجه في اليوم التالي.

كان هذا ما قالته ميديوم بنبرتها المعتادة، وهم ملتفُّون حول نار المخيَّم في الليل. كانت ميديوم دائمًا مشرقة ومبتهجة، ولم تُعنَ يومًا بخفض صوتها. وما خرج من فمها تلك الليلة، كان حديثًا عن دار الأيتام التي نشأت فيها هي وفلوب سابقًا.

 

 

ما كان يُرى من نافذة العربة لا يتعدَّى نور النار المشتعلة على بُعدٍ ليس ببعيد. عندها وقف آل وتاريتا يحرسان المعسكر، يتفقدان الأرجاء تحسُّبًا لأي خطرٍ يلوح في الأفق.

وكان قد سُمِع من فلوب أيضًا أنَّهما ترعرعا في ظروف بائسة.

 

 

 

نشأ الأخوان تحت الضرب اليومي، في منشأةٍ تؤوي الأطفال اليتامى. وقد صرَّح فلوب أنَّهما كانا يحملان حقدًا على هذا العالم الذي يُمعن فيه الكبار التعساء ضربًا بالأطفال التعساء، وأنهما أقسما على الانتقام منه.

لم يكن ممكنًا صدُّ ذاك الكابوس، حتى لو أغلق أذنيه وأغمض عينيه―― ولكي يهرب منه، جرَّب ناتسكي سوبارو كلَّ وسيلةٍ ممكنة.

 

 

ميديوم: «لا أفهم كلَّ ما يقوله أخي، لأنَّ كلامه صعب جدًّا بالنسبة لي. لكن عندما أراه يمشي بتلك الخطوات العريضة وصدره مرفوع، أرغب بمساعدته.»

كان العالم هادئًا تمامًا، لا يُسمع فيه سوى فرقعة قطع الحطب المُشتعلة.

 

سوبارو: «――――»

سوبارو: «حتى لو كان انتقامًا من العالم؟»

سوبارو: «غفلة…!»

 

على الأقل، ما قاله استوفى شروط تحفيز سوبارو، ولذا استنتج أن المشكلة تكمن في آل نفسه، الذي لم يتأثر به.

ميديوم: «نعم، نعم! مع أنني لا أعلم كيف سيفعل ذلك.»

 

 

 

ثم جلست ميديوم القرفصاء وهي تبتسم بخجل، ووضعت لويس في حجرها، وراحت تمشِّط شعرها من الخلف بأصابعها.

 

 

وتحت نظرة سوبارو المرفوعة حاجبها، أغلق إيبل عينًا واحدة فقط―― نعم، واحدة فقط.

وكان السبب في حديثها عن دار الأيتام، في المقام الأول، هو مهارتها في التعامل مع الأطفال.

////

 

 

لقد دُهِش سوبارو من أنَّ ميديوم، التي تُعطي انطباعًا بأنها تقوم بكلِّ شيءٍ بنوعٍ من الخشونة، إن جاز له القول، كانت تعتني بلويس بهذا القدر من اللطف.

 

 

 

فسألها عن سبب ألفتها مع الأطفال، فقادهم الحديث إلى النقطة السابقة.

تاريتا: «لطالما نشأتُ مختبئة خلف أختي. الجميع يعرف مَن تكون أختي؛ لذا لم يشكُّ أحدٌ في أنَّها ستصبح الزعيمة يومًا ما. ولا أنا كذلك.»

 

وكأنَّه كان خاسرًا مُرًّا في دور خصمٍ نسويٍّ عنيد. تلك الاستراتيجية العسكرية الحديدية، ناتسومي شوارتز، كانت أشدَّ صلابةً وأرقَّ مرونة.

ميديوم: «لأنَّه كان في المنشأة أطفالٌ آخرون غيري وغير أخي، كما تعلم. بعضهم كانوا أصغر منِّي، ولم يكن الأمر مُمتعًا كثيرًا، فأردتُ على الأقل أن أترك لهم شعرهم ينمو.»

 

 

 

سوبارو: «إذًا لهذا السبب أنتِ بارعةٌ في التعامل مع الصغار. هذا منطقي، فأنتِ بارعةٌ حقًّا في رعاية الآخرين.»

 

 

إيبل: «آفيريك… تلك بلدةٌ في الغرب. سأُبقيها في ذاكرتي.»

ميديوم: «أوهِيهي، أتعتقد ذلك؟ حسنًا، إن كان الأمر كذلك، فأنا سعيدةٌ لأنني استطعتُ المساعدة.»

 

 

 

تألَّق شعرُ ميديوم الذهبي الجميل تحت وهج النار المتوهِّجة الحمراء. ولويس، الجالسة أمامها، تمتلك شعرًا بنفس اللون. كانتا على قدرٍ من القرب جعل مَن يراهما يظنُّهما أختين.

 

 

سوبارو: «أنتِ ناضجة حقًّا، ميديوم سان.»

ولو أُضيفت فلورا إلى المشهد، وتُرك فلوب جانبًا، لصحَّ أن يُقال إنهنَّ ثلاث أخواتٍ جميلات.

تاريتا: «هاه؟»

 

 

سوبارو: «… ما كان ينبغي لي أن أفكِّر في تحميلك أنتِ وفلوب سان مثل هذا العبء.»

 

 

؟؟؟: «――――»

ميديوم: «――؟ ناتسومي تشان، هل قلتَ شيئًا؟»

 

 

 

سوبارو: «لا، لا شيء. فقط… أشعر فعلًا أنَّكِ ساعدتِني كثيرًا، ميديوم سان.»

ولدى عودته إلى العربة، استقبله سكونها الهادئ، يلفُّه ظلامها الدافئ.

 

 

وبغضِّ النظر عن العلاقة غير اللائقة بين الشقيقين أوكونيل ولويس، فإنَّ ما قاله قد يبدو كأنه قيل تحت ذريعةٍ واهية، لكنَّه كان يعنيه بحق.

 

 

 

فقد مثَّلت ميديوم وفلوب دعمًا عظيمًا في رحلتهم داخل الإمبراطورية، سواء من الناحية العسكرية أو النفسية.

 

 

ميديوم: «إيبل تشان، أتعرف اسمي؟»

ولو لم يكن فلوب وميديوم معهم، لكانت مسيرة سوبارو والبقيَّة داخل الإمبراطورية أشدَّ كآبةً بكثير.

 

 

أغلق عينًا واحدة، شبك ذراعيه، أسند ظهره إلى المقعد، وأطلق زفرة صغيرة.

سوبارو: «من هذه الناحية، ألا ينبغي لك أن تكون أكثر امتنانًا؟»

////

 

؟؟؟: «أهكذا…»

؟؟؟: «――――»

نشأ الأخوان تحت الضرب اليومي، في منشأةٍ تؤوي الأطفال اليتامى. وقد صرَّح فلوب أنَّهما كانا يحملان حقدًا على هذا العالم الذي يُمعن فيه الكبار التعساء ضربًا بالأطفال التعساء، وأنهما أقسما على الانتقام منه.

 

 

قال ذلك وهو يُضيِّق عينيه، محاولًا أن يستدرَّ ردًّا من إيبل، الجالس قُرب نار المخيَّم.

 

 

 

ولدهشة الجميع، لم يُعِد إيبل نفسه سريعًا إلى العربة لينال قسطًا من الراحة بعد العشاء، بل بقي هناك صامتًا. ومع ذلك، لم يبدو أنَّه كان يُنصت إلى الأحاديث الجانبية، ولا إلى كلمات سوبارو التي كانت تهكميةً ساخرة.

على أقل تقدير، لو بقي حبيس غرفته، تائهًا دومًا بين التوقُّعات والذنب، لما استطاع ناتسكي سوبارو أن يلحق بمشاعره الحالية.

 

 

إيبل: «ميديوم، من أين أنتِ وأخوكِ؟»

 

 

 

ميديوم: «هاه؟»

تاريتا: «――――»

 

 

لكن، وعلى الرغم من أنَّه لم يُجب على كلمات سوبارو، فقد طرح إيبل سؤالًا على ميديوم.

 

 

 

وكان مضمون السؤال متعلِّقًا بالحديث الذي جرى تَوًّا.

وقد خرجت تاريتا في هذه الرحلة غارقةً في هذه المشاعر. فميزيلدا، الزعيمة السابقة، قد أقسمت على دعم إيبل في مسعاه لاستعادة العرش.

 

 

فُوجئت ميديوم، واتسعت عيناها الكبيرتان لأقصى حد، وسقط فمها مفتوحًا. يبدو أنَّها لم تُصدِّق أنَّ إيبل بادر بالكلام معها، أو حتى أنَّه كان يُنصت.

تاريتا: «ما قلته… كان غريبًا… أرجوك، انسَه.»

 

سوبارو: «――――»

ميديوم: «إيبل تشان، أتعرف اسمي؟»

ميديوم: «أوِهِيهي~.»

 

خيبة الأمل في النفس. الشعور بالذنب حيال آمال أحد الأحبَّة.

ويبدو أنَّ هذه لم تكن وحدها أسباب دهشتها.

 

 

 

على أيِّ حال، تنفَّس إيبل زفرةً صغيرة تجاه ميديوم، التي استعملت في ندائه أسلوبًا غير محترم تمامًا كالذي يستخدمه آل، وهو ما كان كفيلًا بإغضاب صاحب الجلالة الإمبراطور.

انقسم الجزء الداخلي من العربة بستار بسيط، فاصِلًا بين أماكن نوم الرجال والنساء في المقدِّمة والمؤخِّرة. وقد خُصِّصت الجهة الأمامية للرجال، والخلفية للنساء، لكن المجموعة التي كانت نائمة حاليًّا بدت هادئة على نحو مفاجئ.

 

 

إيبل: «تذكُّر الأسماء أمرٌ تافه. فكفِّي عن هذا الإعجاب السخيف. أجيبي على سؤالي. من أين أنتما، أنتِ وفلوب؟ ومَن كان رئيس المنشأة التي نشأتما فيها؟»

――رغم أنَّ تلك الذكرى لم تعد موجودة في عقل إميليا الآن.

 

ردَّت تاريتا بصوت خافت، بينما صرخ آل محتجًّا مدافعًا عن نفسه. وبعد أن قارن بينهما بنظره، نهض سوبارو وهو ينفض الغبار عن حاشية ثوبه ومؤخِّرته، وهمس لآل:

ميديوم: «الرئيس؟ تقصد مدير الدار؟ لا أذكر اسمه، لكنني وأخي كنَّا في بلدةٍ صغيرة تُدعى آفيريك.»

سوبارو: «――――»

 

ما كان يُرى من نافذة العربة لا يتعدَّى نور النار المشتعلة على بُعدٍ ليس ببعيد. عندها وقف آل وتاريتا يحرسان المعسكر، يتفقدان الأرجاء تحسُّبًا لأي خطرٍ يلوح في الأفق.

إيبل: «آفيريك… تلك بلدةٌ في الغرب. سأُبقيها في ذاكرتي.»

ضوء عينيه القاتمتين أثبت أنَّ كلماته السابقة لم تكن كذبًا ولا مبالغة.

 

بعد أن أنصتت لحديث سوبارو، أومأت تاريتا برأسها.

ميديوم: «――؟ ستتذكَّرها؟ ولماذا؟»

 

 

سوبارو: «――أنتَ من النوع الذي لا يطيق رؤية أحدٍ يخرج صفر اليدين، أليس كذلك؟»

إيبل: «سيُعالَج الأمر بما يليق. سواءٌ قمتُ بذلك بنفسي أم لا.»

 

 

ميديوم: «هاه؟»

كان جواب إيبل موجزًا، غير أنَّ مقصده لم يكن واضحًا بالنسبة لميديوم.

 

 

 

ظهرت علامة استفهام على وجه ميديوم، وبدا أنَّ ملامحها توحي وكأنَّ رأسها امتلأ فجأة بعشرات الأسئلة. وإيبل، بطبعه البعيد عن اللطف، لم يُبْدِ أيَّ نية لتبديد ذلك الغموض.

 

 

تاريتا: «أنت تقول إنِّي لستُ ضرورية…»

أما سوبارو، فعلى الرغم من أنه لم يفهم الصورة كاملة، فقد قال:

كانت مهارةً اكتُسبت بدافع الحاجة.

 

كره سوبارو مثل هذه اللحظات الخالية. ففيها، إن ترك نفسه للشرود، اجتاحه شعورٌ ثقيلٌ بالعجز، وإحساسٌ ملحٌّ بأنه يُهدر حياته بلا معنى.

سوبارو: «أتُراك تريد الاستماع إلى آراء الناس الصريحة وتطبيقها مباشرةً في سياسة الدولة؟»

وآمنت أنَّه لا يحق لها رفضه، بل إنَّه واجبُ الأخت التي كُلِّفت به من قِبل أختها الكبرى، وأنَّه عليها أن تقود الجيل القادم من العشيرة――

 

 

إيبل: «لستُ بتلك الدرجة من النُبل. لقد أخبرتكَ من قبل―― إنَّه أمرٌ يتعلَّق بالعقوبة أو المكافأة، لا غير.»

مثل فراشةٍ تنبثق بعد كثيرٍ من الإحباطات، والانكسارات، ولحظاتٍ صغيرة من الفخر بالنفس.

 

 

فمَن حقَّق إنجازًا نال الجزاء، ومَن أساء التصرُّف نال العقاب.

 

 

ورغم أنَّه كان هذا مجرى الحديث، فقد أفضت له تاريتا بأعمق أفكارها. وضعها، مخاوفها، والمسؤولية التي تحملها على كتفيها الهزيلتين، كانت كلُّها جلية.

ذلك هو المبدأ الذي يؤمن به إيبل بصفته حاكمًا، ويبدو أنَّه لا يتزحزح عنه قيد أنملة.

؟؟؟: «――يا صاح، جاء وقت تبديل النوبة.»

 

 

ولو استرجع سوبارو شعائر “دم الحياة” في قرية الشودراك، حينها لَتذكَّر كيف أنَّ إيبل توسَّل إليه وهو على شفير الموت، ليُخبره برغبته. خلف ذلك التوسُّل كانت ترقد نفس القناعة. وتلك هي――

وعندما سألهم ذات مرَّة عن عادات نومهم، مع علمه بأنَّ ذلك ليس من آداب الحديث، أجابته ميديوم بابتسامة مرِحة:

 

 

سوبارو: «――أنتَ من النوع الذي لا يطيق رؤية أحدٍ يخرج صفر اليدين، أليس كذلك؟»

 

 

أجابته تاريتا بهزَّةٍ خافتةٍ من ذقنها الرفيع.

إيبل: «كثيرون يُقذَفون في هذا العالم مجرَّدين من كلِّ شيء. وما يُمسكون به بأيديهم، وما يرحلون به في النهاية، هو حياتهم. لا ينبغي أن يُنتزَع من أحد ما كسبه.»

وبوجهٍ عبوس، جلس سوبارو في أبعد نقطة ممكنة عن إيبل، رخى ملابسه، واستلقى بحذر كي لا يُفسد شعره المستعار.

 

 

سوبارو: «من الغريب أن أسمع هذا من فم إمبراطور وُلد وفي فمه ملعقةٌ من ذهب.»

لن يكون مناسبًا القول بأنَّها قد وجدت الجواب، لكن يمكن القول إنَّها استعدَّت لقبول مصيرٍ محتوم―― مصيرُ الزعامة الذي أوكلته إليها ميزيلدا. كان ذلك واضحًا لسوبارو.

 

تاريتا: «ما كانت أختي تقدر عليه حين بلغت العاشرة، لم أستطع أنا فعله حين بلغتُ السنَّ نفسه. لم يكن فرقًا في العمر، بل فرقًا في شيءٍ آخر… لا أعلم ما هو.»

فالناس في غالبيتهم يولدون محرومين، ولا خيار لهم سوى الصراع الدائم، يتحمَّلون قصورهم وعجزهم. وهم يعلمون أنَّ هذه هي طبيعة الحياة، ولكن يصعب عليهم تقبُّل ذلك حين يصدر عن مَن وُلد ميسَّرًا.

سوبارو يتفهّم أولئك الذين يعيشون في حالة تأهب، حين يكون الخطأ غير مسموح.

 

 

غير أنَّ إيبل لم يُعر سوبارو اهتمامًا، ولا نظر إليه على أنَّه يسخر.

 

 

؟؟؟: «أهكذا…»

إيبل: «――وأنا لستُ استثناءً.»

وقد رأى سوبارو بوضوح مدى مسؤوليتها الزائدة وميلها إلى جلد الذات، وكفاحها للتعامل مع كل ذلك.

 

سوبارو: «من هذه الناحية، ألا ينبغي لك أن تكون أكثر امتنانًا؟»

سوبارو: «――؟ ماذا تقصد؟»

 

 

لكن، وعلى الرغم من أنَّه لم يُجب على كلمات سوبارو، فقد طرح إيبل سؤالًا على ميديوم.

إيبل: «مع المنصب تأتي المسؤولية. فإنِ ارتدى المرء عباءةً أثقل من أن يحملها، وسُحق تحتها، فلا يُعدُّ سوى أحمق. أما الخُلُق والكبرياء فلا يُصقلان إلَّا بالوعي الذاتي المستمر.»

 

 

 

ردًّا على سؤال سوبارو، التفت إيبل إليه ببطء، وتفحَّصه وهو جالسٌ قرب النار.

 

 

 

أنعم النظر في شعره الأسود وملابسه القاتمة، وكأنَّه يُقيِّمه بعينٍ فاحصة.

إيبل: «――――»

 

فبالنسبة له، استخدام أدوات التجميل والتنكر بزيِّ النساء لم يكن أمرًا جللًا.

إيبل: «الهويَّات الزائفة والمُصطنعة لا بدَّ أن تُكشَف في النهاية. تبدو ماهرًا في التنكُّر، ولكن إن انكشف أمرك، فإصلاح الأمر لن يكون سهلًا.»

 

 

 

سوبارو: «――――»

 

 

كلُّ ما تمناه… أن يكون موجودًا حين تأتي اللحظة التي ترغب فيها بأن تبوح.

إيبل: «ما دمتَ تُحقِّق النتائج، فلن أتدخَّل في شؤونك. لكن لا تظننَّ أنني أتغاضى عن اتخاذ صورةٍ زائفة كداعمٍ أساسي. فحينها، سينهار الأساس برمَّته.»

 

 

 

كانت عينا إيبل، وقد انعكست فيهما نسائم الليل، صافية كبرودة السماء.

 

 

 

كلماته لم تترك مجالًا للفهم المشترك أو التعاطف. لذا، فالمعنى الحقيقي لكلامه لم يصل إلى سوبارو إلَّا جزئيًا، إن وصل أصلًا.

 

 

 

ولم يبقَ في صدر سوبارو سوى ألمٌ لاذع، ناجم عن كلماتٍ مهينةٍ وجَّهت سهمها إلى أعماق قلبه دون رحمة.

؟؟؟: «――فهو في النهاية، ابنُ ذلك الرجل.»

 

وتحت نظرة سوبارو المرفوعة حاجبها، أغلق إيبل عينًا واحدة فقط―― نعم، واحدة فقط.

إيبل: «… لقد أثقلتُ الحديث. سأترك الباقي لكم.»

نشأ الأخوان تحت الضرب اليومي، في منشأةٍ تؤوي الأطفال اليتامى. وقد صرَّح فلوب أنَّهما كانا يحملان حقدًا على هذا العالم الذي يُمعن فيه الكبار التعساء ضربًا بالأطفال التعساء، وأنهما أقسما على الانتقام منه.

 

 

قال ذلك، ثم وقف ومضى إلى العربة.

 

 

ومع ذلك، فإنَّه سيستمر في التذمُّر من سلوك إيبل فيما بعد. فسببُ غطرسة إيبل واستبداده هو أن لا أحد قط تجرَّأ على مجابهته بالكلام.

وأُغلِق بابها الثقيل خلفه بصوتٍ مكتوم. ولم يبقَ حول النار سوى سوبارو، وميديوم، ولويس التي لم تُدرك شيئًا ممَّا جرى.

 

 

وتحت نظرة سوبارو المرفوعة حاجبها، أغلق إيبل عينًا واحدة فقط―― نعم، واحدة فقط.

سوبارو: «… ما بال هذا الرجل؟»

وكان قد سُمِع من فلوب أيضًا أنَّهما ترعرعا في ظروف بائسة.

 

 

قالها وهو يُمسك بفمه، وملامحه تعكس مرارةً حادَّة.

سوبارو: «أخطأتِ… والتكفير… تاريتا سان؟»

 

كان ذلك الوقت هادئًا لدرجة أنَّه صوَّره في مخيِّلته وكأنَّه وُجد في عالمٍ آخر، بعيدًا عن كلِّ توتُّر.

وكأنَّه كان خاسرًا مُرًّا في دور خصمٍ نسويٍّ عنيد. تلك الاستراتيجية العسكرية الحديدية، ناتسومي شوارتز، كانت أشدَّ صلابةً وأرقَّ مرونة.

إذ إن سنوات مراهقته في المرحلة المتوسطة كانت مضطربة، وقد خاض تلك التجربة كتحدٍّ وتسلية، ليُحدث بها انقلابًا مثيرًا في حياته الثانوية القادمة.

 

 

ذلك ما كان دومًا ما يتمناه سوبارو―― قلبٌ لا يلين، صورة المرأة الأقوى التي تسكنه.

ويبدو أنَّ هذه لم تكن وحدها أسباب دهشتها.

 

 

ميديوم: «ناتسومي تشان، هل أنتِ بخير؟»

لقد كانت تتكلَّم لأنَّها أرادت ذلك، وهذا ما شعر به سوبارو.

 

 

لامست يدُ ميديوم رأسَ سوبارو المثقل بالصراعات بلطفٍ وحنان.

 

 

وقد خرجت تاريتا في هذه الرحلة غارقةً في هذه المشاعر. فميزيلدا، الزعيمة السابقة، قد أقسمت على دعم إيبل في مسعاه لاستعادة العرش.

كانت قد انتقلت بخفة وجلست بجانبه على عقبيها دون أن تُلامس الأرض، يداها مناسبتان لطول قامتها، كبيرتان بما يكفي لتُحيط برأسه بسهولة.

 

 

خيبة الأمل في النفس. الشعور بالذنب حيال آمال أحد الأحبَّة.

كفُّها العريض احتضن قلبَ سوبارو المرهق بلُطفٍ ودفء.

لا يمكنُ لأيٍّ منَّا أن يكون أحدًا غير نفسه.

 

لكن، ألم يكن حريًّا بإيبل أن يخفف من حِدته حين يتواجد في مكانٍ ليس من المؤكد أنه معادٍ؟

سوبارو: «نعم، أنا بخير. أقصد، ذلك الرجل كان مواربًا في كلامه… هل فهمتِ ما قصده، ميديوم سان؟»

 

 

 

ميديوم: «هممم، لا إطلاقًا! لكن بدا أنَّ ناتسومي تشان كانت تتألم؛ لذا كان هذا أقلَّ ما أستطيع فعله.»

 

 

 

سوبارو: «هذا ليس صحيحًا…»

 

 

كلماته لم تترك مجالًا للفهم المشترك أو التعاطف. لذا، فالمعنى الحقيقي لكلامه لم يصل إلى سوبارو إلَّا جزئيًا، إن وصل أصلًا.

ميديوم: «لا بأس، لا بأس، أعلم ذلك! أنا مُكلَّفة بأن أستغلَّ جسدي الكبير لأبذل جهدي، وأترك الأمور الصعبة لأخي الكبير وللجميع.»

مثل فراشةٍ تنبثق بعد كثيرٍ من الإحباطات، والانكسارات، ولحظاتٍ صغيرة من الفخر بالنفس.

 

إيبل: «لا تفكِّر حتى في تشويه طريقتي في العيش. الزمْ حدودك.»

ابتسمت ميديوم بابتسامةٍ عذبة وهي تواصل تربيتَها على رأس سوبارو، ووجهها خالٍ تمامًا من أيِّ زيف.

 

 

سوبارو: «――――»

رغم إدراكها لنقاط ضعفها، لم تسمح لها بأن تُحبطها، وكانت تنعم بروحٍ مشرقة―― تلك الروح التي كانت سمةً مشتركة بين مَن يُعجب بهم سوبارو.

 

 

الفرار ليس أمرًا مشينًا. بل إنَّه وسيلةٌ لاكتساب القوة أحيانًا.

سوبارو: «أنتِ ناضجة حقًّا، ميديوم سان.»

 

 

 

ميديوم: «لم يقل لي أحدٌ هذا من قبل! رغم أني سمعتُ أشياء مثل: أني أختٌ كبيرة جيدة، أو أنني آكل كثيرًا من دون مشاكل.»

 

 

 

سوبارو: «وهذه أيضًا صفات جميلة فيكِ، ميديوم سان.»

سوبارو: «――――»

 

سوبارو: «حتى لو هربتِ، أظنُّ أنَّه لا بأس. لن ألومك على ذلك.»

ميديوم: «أوِهِيهي~.»

غير أنَّها حين تولَّت حراسة الليل، خلعت سترتها ورفعت أكمامها، مما منحها هيئةً أكثر وحشية من كونها ذكيَّة.

 

سوبارو: «لمَ لا تنام بشكلٍ طبيعي؟ أتظنُّ أننا سنطعنك وأنت نائم؟»

أمام عجزه عن التعبير عن امتنانه وإعجابه رغم كثرة كلماته، شعر سوبارو بالإحباط. غير أنَّ ميديوم، بابتسامتها المرحة، استقبلت كلماته المجاملة وكأنها أثمن ما قيل لها.

 

 

سوبارو: «إذًا لهذا السبب أنتِ بارعةٌ في التعامل مع الصغار. هذا منطقي، فأنتِ بارعةٌ حقًّا في رعاية الآخرين.»

لويس، المتكوِّرة في حجرها، كانت سعيدةً أيضًا، وكأنَّها انجرفت في بهجة ميديوم.

عقدة النقص تجاه الشخص الذي تتوق لتكون مثله… شعورٌ ظلَّ يعذب سوبارو.

 

إيبل: «――وأنا لستُ استثناءً.»

كان المشهد سلميًّا إلى درجةٍ جعلت سوبارو يشعر وكأنَّه انفصل مؤقَّتًا عن كلِّ معاناته وهمومه.

سوبارو: «تعلم… مجرد قدرتي على الهروب، كانت بمثابة الخلاص.»

 

 

كان ذلك الوقت هادئًا لدرجة أنَّه صوَّره في مخيِّلته وكأنَّه وُجد في عالمٍ آخر، بعيدًا عن كلِّ توتُّر.

لقد كانت تتكلَّم لأنَّها أرادت ذلك، وهذا ما شعر به سوبارو.

 

إيبل: «كثيرون يُقذَفون في هذا العالم مجرَّدين من كلِّ شيء. وما يُمسكون به بأيديهم، وما يرحلون به في النهاية، هو حياتهم. لا ينبغي أن يُنتزَع من أحد ما كسبه.»

△▼△▼△▼△

 

 

لم يكن الشعور بالعجز أمام تفوُّق أختها فقط، بل يبدو أن وجود أختها نفسها كان سببًا يمنعها من اتخاذ

مرَّ الزمن ببطء، فيما كان يُحدّق في لهيب النار المتراقص.

ولدهشة الجميع، لم يُعِد إيبل نفسه سريعًا إلى العربة لينال قسطًا من الراحة بعد العشاء، بل بقي هناك صامتًا. ومع ذلك، لم يبدو أنَّه كان يُنصت إلى الأحاديث الجانبية، ولا إلى كلمات سوبارو التي كانت تهكميةً ساخرة.

 

سوبارو: «لا، لا شيء. فقط… أشعر فعلًا أنَّكِ ساعدتِني كثيرًا، ميديوم سان.»

سوبارو: «――――»

 

 

 

كان العالم هادئًا تمامًا، لا يُسمع فيه سوى فرقعة قطع الحطب المُشتعلة.

 

 

 

كره سوبارو مثل هذه اللحظات الخالية. ففيها، إن ترك نفسه للشرود، اجتاحه شعورٌ ثقيلٌ بالعجز، وإحساسٌ ملحٌّ بأنه يُهدر حياته بلا معنى.

 

 

أمام عجزه عن التعبير عن امتنانه وإعجابه رغم كثرة كلماته، شعر سوبارو بالإحباط. غير أنَّ ميديوم، بابتسامتها المرحة، استقبلت كلماته المجاملة وكأنها أثمن ما قيل لها.

كان يتساءل ما إذا كان من المسموح له أن يقضي وقته متسكِّعًا هكذا، غارقًا في السكون.

كان قد ظنَّ في وقتٍ ما أنَّ بإمكانه إحداث تقدُّم معه… لكن لا فائدة.

 

 

حينها، يبدأ ظلٌّ أسود غامض بالزحف من خلفه، يلفُّ ذراعيه حول كتفيه بمودةٍ مزيَّفة، ويلاحقه بإلحاحٍ خانق.

تألَّق شعرُ ميديوم الذهبي الجميل تحت وهج النار المتوهِّجة الحمراء. ولويس، الجالسة أمامها، تمتلك شعرًا بنفس اللون. كانتا على قدرٍ من القرب جعل مَن يراهما يظنُّهما أختين.

 

 

لم يكن ممكنًا صدُّ ذاك الكابوس، حتى لو أغلق أذنيه وأغمض عينيه―― ولكي يهرب منه، جرَّب ناتسكي سوبارو كلَّ وسيلةٍ ممكنة.

آل: «هل أنا وحدي مَن لا يتأثر بكلامك هذا…؟»

 

أبيل: «ولمَ أقول نكتة سخيفة لك؟»

وفي بعض الأحيان، يُشيد الناس بدهائه وتعدُّد مهاراته.

 

 

 

لكن الحقيقة أنَّ كلَّ ذلك لم يكن سوى ذرائعٍ للهروب من المسؤولية والشعور بالذنب.

غير أنَّ إيبل لم يُعر سوبارو اهتمامًا، ولا نظر إليه على أنَّه يسخر.

 

ولهذا السبب… لم يستطع حتى أن يودِّع والدَيه الحقيقيَّين، والديه في العالم الذي أتى منه――

فناتسكي سوبارو لم يكن سوى مجسَّمٍ من الورق المعجون―― نتيجة سلسلةٍ من الأعذار والتبريرات.

 

 

إيبل: «سيُعالَج الأمر بما يليق. سواءٌ قمتُ بذلك بنفسي أم لا.»

 

فقد دفعت سوبارو للإفصاح عن ظروفه الشخصية―― عن عالمه الأصلي؛ ومع أنَّه تعمَّد تخفيف وطأة التفاصيل المظلمة والثقيلة في حياته، فكيف أثَّر ذلك في تاريتا؟

سوبارو: «――أشعر ببعض الارتياح فقط لأنَّ الأمر لم يكن مجرَّدَ عذر.»

ردَّت تاريتا بصوت خافت، بينما صرخ آل محتجًّا مدافعًا عن نفسه. وبعد أن قارن بينهما بنظره، نهض سوبارو وهو ينفض الغبار عن حاشية ثوبه ومؤخِّرته، وهمس لآل:

 

لقد فرَّ سوبارو من التوقُّعات التي أُلقيت فوقه، ومن الذنبِ الذي شعر به حين أخفق في تحقيقها.

؟؟؟: «أهكذا…»

 

 

 

بعد أن أنصتت لحديث سوبارو، أومأت تاريتا برأسها.

سوبارو: «بالطبع، هذا يقلقني. لكنني سأبذل كلَّ ما أستطيع.»

 

 

على الجانب الآخر من لهيب النار المتراقص، انعكس الضوء الأحمر على وجه تاريتا وهي راكعة على الأرض. انسجم وهج النار المتراقص بانسياب مع لون بشرتها الأسمر.

 

 

 

وللحديث عن الانسجام، فإن ملابسها التي تُخفي هويتها كشودراكية كانت كذلك أيضًا.

 

 

 

فقد تخلَّت تاريتا عن النقوش البيضاء التي غطت جسدها، وارتدت زيًّا أقرب للمدنيِّين، ومع قوامها الطويل والمتناسق، بدت كأنَّها امرأة فاتنة في زيٍّ رجولي.

 

 

وسوبارو كان يأمل أن تكون تاريتا من أولئك.

غير أنَّها حين تولَّت حراسة الليل، خلعت سترتها ورفعت أكمامها، مما منحها هيئةً أكثر وحشية من كونها ذكيَّة.

 

 

إيبل، وميديوم، ولويس كانوا الثلاثة الذين يستريحون في تلك اللحظة، ومقدار السكون الذي كانت تنام فيه كلٌّ من ميديوم ولويس، أما إيبل فخارج هذا القياس، بدا في نظر سوبارو مفاجئًا إلى حدٍّ ما.

تاريتا: «――――»

سوبارو: «هاه؟»

 

 

ساد الصمت قليلًا، وغرقت تاريتا في التفكير.

وربما كانت هذه الرحلة أيضًا وسيلةً لتاريتا كي تنظر في ذاتها، وتعيد اكتشافها، بل لعلها كانت محاولةً للهرب من عبء التوقعات التي أُلقيت فوق كتفيها.

 

 

فقد دفعت سوبارو للإفصاح عن ظروفه الشخصية―― عن عالمه الأصلي؛ ومع أنَّه تعمَّد تخفيف وطأة التفاصيل المظلمة والثقيلة في حياته، فكيف أثَّر ذلك في تاريتا؟

كان آل، يلوِّي عنقه الضخم وهو يتقدَّم ببطء نحو النار. لقد حان وقت تبديل المناوبة الليلية، والتي كان من المفترض أن تتغيَّر كل ثلاث ساعات.

 

 

كلُّ ذلك بدأ حين رأت تاريتا سوبارو ينظِّف أظافره، فسألته: «من أين تعلمتَ التزيُّن؟»

 

 

 

فبالنسبة له، استخدام أدوات التجميل والتنكر بزيِّ النساء لم يكن أمرًا جللًا.

 

 

في البداية، نوى سوبارو أن يوقفها إن بدأت تتحدث عمَّا لا ترغب في الإفصاح عنه، كردٍّ على اعترافه. فقد سألته عن مصدر خبرته في التزيُّن وتنكر النساء، فحدَّثها عن نفسه، إذ إن تلك كانت مشاكله الخاصة، ولم يكن ينوي فرض ذلك عليها.

إذ إن سنوات مراهقته في المرحلة المتوسطة كانت مضطربة، وقد خاض تلك التجربة كتحدٍّ وتسلية، ليُحدث بها انقلابًا مثيرًا في حياته الثانوية القادمة.

 

 

 

سوبارو: «أنا شخصٌ دقيقٌ بعض الشيء، فإذا أردتُ أن أفعل شيئًا… أرغب أن أُتقنه دون أن أشعر بالحرج منه.»

 

 

كان قد ظنَّ في وقتٍ ما أنَّ بإمكانه إحداث تقدُّم معه… لكن لا فائدة.

كما هو الحال في كل مجال، فثمَّة جهودٌ عظيمة لأسلافٍ سبقوا في تطوير الفنون.

إيبل: «――وأنا لستُ استثناءً.»

 

 

وقد انتهت حياة سوبارو الثانوية نتيجة رغبته في إثبات أنَّه لا يخجل من تلك التجربة. ومنذ ذلك الحين، أقسم ألَّا يتنكَّر بزيِّ امرأة مجددًا، لكن ها هو ذا.

 

 

لكنَّ ما قاله سوبارو قد خالف توقُّعاتها تمامًا.

لا أحد يعلم ما الشيء الذي سيُجدي نفعًا في الحياة حتى تنقضي―― وفي حالة سوبارو، الذي لا يموت حتى حين يموت، فإن هذه المقولة تنطبق عليه بامتياز.

 

 

لا يمكنُ لأيٍّ منَّا أن يكون أحدًا غير نفسه.

سوبارو: «أوه، هذا ليس مضحكًا――»

 

 

 

تاريتا: «… أحسد ناتسومي على شجاعته.»

 

 

 

سوبارو: «مـ-مــــاذا؟»

 

 

تاريتا: «… أحسد ناتسومي على شجاعته.»

تاريتا: «لِـ-لِمَ تبدو متفاجئًا هكذا…؟»

تاريتا: «لماذا جعلتني أختي الزعيمة؟ لا أرى نفسي أصلح لذلك.»

 

 

سوبارو: «آه، لا، لم يسبق لأحدٍ أن قال لي شيئًا كهذا…»

 

 

 

كانت تلك صدمةً حقيقيةً بالنسبة له، وقد أربكت تاريتا.

سوبارو: «――؟ ماذا تقصد؟»

 

 

ومع ذلك، لم تتبدد الصدمة في داخل سوبارو، حتى وهو يضغط على صدره المزيَّف. فعلى المستوى الموضوعي، لم يشعر بأن وضعه يستحق الغبطة أو الحسد.

 

 

 

ربما كان ذلك من وجهة نظره الذاتية، لكنه مذ وطئت قدمُه هذا العالم الآخر―― بل وحتى قبل ذلك، كانت حياته سلسلة من الإخفاقات وخيبات الأمل.

 

 

 

وبصراحة، لولا لقاؤه بإميليا، لَما ظنَّ أنَّه كان سيحصل على فرصةٍ لتغيير مجرى حياته.

ميديوم: «――؟ ناتسومي تشان، هل قلتَ شيئًا؟»

 

لا أحد يعلم ما الشيء الذي سيُجدي نفعًا في الحياة حتى تنقضي―― وفي حالة سوبارو، الذي لا يموت حتى حين يموت، فإن هذه المقولة تنطبق عليه بامتياز.

فقد آمن بأنَّ كلَّ لقاء جميل، وكلَّ سعادةٍ نالها، كانت بفضل إميليا―― الفتاة التي حاولت إنقاذه حين تعرَّض للضرب في زقاقٍ من الأزقة.

لقد فرَّ سوبارو من التوقُّعات التي أُلقيت فوقه، ومن الذنبِ الذي شعر به حين أخفق في تحقيقها.

 

سوبارو: «وهذه أيضًا صفات جميلة فيكِ، ميديوم سان.»

――رغم أنَّ تلك الذكرى لم تعد موجودة في عقل إميليا الآن.

عقدة النقص تجاه الأخت الكبرى المتفوقة… شعورٌ ظلَّ يؤلم ريم لسنوات.

 

 

تاريتا: «لطالما نشأتُ مختبئة خلف أختي. الجميع يعرف مَن تكون أختي؛ لذا لم يشكُّ أحدٌ في أنَّها ستصبح الزعيمة يومًا ما. ولا أنا كذلك.»

 

 

سوبارو: «أخطأتِ… والتكفير… تاريتا سان؟»

سوبارو: «تاريتا سان…»

 

 

ومع ذلك، فإنَّه سيستمر في التذمُّر من سلوك إيبل فيما بعد. فسببُ غطرسة إيبل واستبداده هو أن لا أحد قط تجرَّأ على مجابهته بالكلام.

ثم بدأت تاريتا، بترددٍ خافت، بالكلام عن نفسها.

 

 

لقد دُهِش سوبارو من أنَّ ميديوم، التي تُعطي انطباعًا بأنها تقوم بكلِّ شيءٍ بنوعٍ من الخشونة، إن جاز له القول، كانت تعتني بلويس بهذا القدر من اللطف.

في البداية، نوى سوبارو أن يوقفها إن بدأت تتحدث عمَّا لا ترغب في الإفصاح عنه، كردٍّ على اعترافه. فقد سألته عن مصدر خبرته في التزيُّن وتنكر النساء، فحدَّثها عن نفسه، إذ إن تلك كانت مشاكله الخاصة، ولم يكن ينوي فرض ذلك عليها.

تاريتا: «… أحسد ناتسومي على شجاعته.»

 

سوبارو: «عزمٌ… هل هو العزم على تولِّي الزعامة؟»

غير أنَّه حين لمح دموعًا في عيني تاريتا، وصوتًا مرتجفًا، وملامحَ منخفضةً حزينة، تراجع.

 

 

 

لقد كانت تتكلَّم لأنَّها أرادت ذلك، وهذا ما شعر به سوبارو.

 

 

 

تاريتا: «أنا وأختي بيننا ثلاث سنوات فرق. لكن السبب الذي يجعلني أشعر بأنَّ أختي “أكبر بكثير”، ليس هذه السنوات الثلاث. أليس كذلك؟»

 

 

 

سوبارو: «――――»

؟؟؟: «――يا صاح، جاء وقت تبديل النوبة.»

 

 

تاريتا: «ما كانت أختي تقدر عليه حين بلغت العاشرة، لم أستطع أنا فعله حين بلغتُ السنَّ نفسه. لم يكن فرقًا في العمر، بل فرقًا في شيءٍ آخر… لا أعلم ما هو.»

إيبل: «ما دمتَ تُحقِّق النتائج، فلن أتدخَّل في شؤونك. لكن لا تظننَّ أنني أتغاضى عن اتخاذ صورةٍ زائفة كداعمٍ أساسي. فحينها، سينهار الأساس برمَّته.»

 

كلُّ كلمةٍ نطقت بها تاريتا، اخترقت قلب سوبارو.

كلُّ كلمةٍ نطقت بها تاريتا، اخترقت قلب سوبارو.

بعد أن أنصتت لحديث سوبارو، أومأت تاريتا برأسها.

 

△▼△▼△▼△

كانت حكايةً قد سمع مثلها من قبل، ومع ذلك، كانت حكايةً لم يسبق له أن أفصح بها لأحد.

لقد آمنت تاريتا أنَّ تولِّي الزعامة أمرٌ لا مفرَّ منه.

 

 

عقدة النقص تجاه الأخت الكبرى المتفوقة… شعورٌ ظلَّ يؤلم ريم لسنوات.

――لا يمكنُك أن تكون شخصًا آخر.

 

 

عقدة النقص تجاه الشخص الذي تتوق لتكون مثله… شعورٌ ظلَّ يعذب سوبارو.

 

 

 

تاريتا: «لماذا جعلتني أختي الزعيمة؟ لا أرى نفسي أصلح لذلك.»

سوبارو: «――――»

 

إيبل: «إن وُجد احتمال ولو ضئيل، فهو يظلُّ احتمالًا. لا يجوز أن تزهق حياتك بسبب غفلة.»

؟؟؟: «――فهو في النهاية، ابنُ ذلك الرجل.»

سوبارو: «أخطأتِ… والتكفير… تاريتا سان؟»

 

 

خيبة الأمل في النفس. الشعور بالذنب حيال آمال أحد الأحبَّة.

سوبارو: «غفلة…!»

 

لكن، ألم يكن حريًّا بإيبل أن يخفف من حِدته حين يتواجد في مكانٍ ليس من المؤكد أنه معادٍ؟

وقد خرجت تاريتا في هذه الرحلة غارقةً في هذه المشاعر. فميزيلدا، الزعيمة السابقة، قد أقسمت على دعم إيبل في مسعاه لاستعادة العرش.

غير أنَّ إيبل لم يُعر سوبارو اهتمامًا، ولا نظر إليه على أنَّه يسخر.

 

وربما كانت هذه الرحلة أيضًا وسيلةً لتاريتا كي تنظر في ذاتها، وتعيد اكتشافها، بل لعلها كانت محاولةً للهرب من عبء التوقعات التي أُلقيت فوق كتفيها.

وربما كانت هذه الرحلة أيضًا وسيلةً لتاريتا كي تنظر في ذاتها، وتعيد اكتشافها، بل لعلها كانت محاولةً للهرب من عبء التوقعات التي أُلقيت فوق كتفيها.

 

 

 

تاريتا: «عليَّ أن أجد الجواب في هذه الرحلة. لا، بل يجب أن أعزم أمري بثبات.»

ولو لم يكن فلوب وميديوم معهم، لكانت مسيرة سوبارو والبقيَّة داخل الإمبراطورية أشدَّ كآبةً بكثير.

 

ولهذا السبب… لم يستطع حتى أن يودِّع والدَيه الحقيقيَّين، والديه في العالم الذي أتى منه――

سوبارو: «عزمٌ… هل هو العزم على تولِّي الزعامة؟»

سوبارو: «تاريتا سان…»

 

في منتصف المساحة المخصَّصة داخل العربة، كان إيبل مستلقيًا نائمًا. وما إن تطلَّع سوبارو إلى وجهه أثناء نومه، حتى صُدم بذلك الصوت المفاجئ. وكاد يطلق صرخة غريزية، لكنه تمكَّن من كتمها، قائلًا بدلًا من ذلك:

تاريتا: «――――»

فالناس في غالبيتهم يولدون محرومين، ولا خيار لهم سوى الصراع الدائم، يتحمَّلون قصورهم وعجزهم. وهم يعلمون أنَّ هذه هي طبيعة الحياة، ولكن يصعب عليهم تقبُّل ذلك حين يصدر عن مَن وُلد ميسَّرًا.

 

 

أجابته تاريتا بهزَّةٍ خافتةٍ من ذقنها الرفيع.

 

 

 

لن يكون مناسبًا القول بأنَّها قد وجدت الجواب، لكن يمكن القول إنَّها استعدَّت لقبول مصيرٍ محتوم―― مصيرُ الزعامة الذي أوكلته إليها ميزيلدا. كان ذلك واضحًا لسوبارو.

 

 

سوبارو: «――أشعر ببعض الارتياح فقط لأنَّ الأمر لم يكن مجرَّدَ عذر.»

لقد آمنت تاريتا أنَّ تولِّي الزعامة أمرٌ لا مفرَّ منه.

إميليا وبياتريس، اللتان لم تكن لهما ميول للفلفل الحار أيضًا، كانتا تحاولان بجهدٍ التغلُّب على نفورهما منه بطرق شتَّى، دون أن تخسرا روح التحدي الجريء.

 

فسألها عن سبب ألفتها مع الأطفال، فقادهم الحديث إلى النقطة السابقة.

وآمنت أنَّه لا يحق لها رفضه، بل إنَّه واجبُ الأخت التي كُلِّفت به من قِبل أختها الكبرى، وأنَّه عليها أن تقود الجيل القادم من العشيرة――

 

 

إيبل: «مدينة الشياطين باتت قريبة. قم بدورك. لا أرغب بأكثر من ذلك، ولن أسمح.»

سوبارو: «حتى لو هربتِ…»

نادته تاريتا بصوت خافت، بينما كان يسلم نوبة الحراسة لآل ويهمُّ بالعودة إلى العربة.

 

 

تاريتا: «هاه؟»

سوبارو يتفهّم أولئك الذين يعيشون في حالة تأهب، حين يكون الخطأ غير مسموح.

 

 

سوبارو: «حتى لو هربتِ، أظنُّ أنَّه لا بأس. لن ألومك على ذلك.»

 

 

 

ملامحُ الذهول التي ارتسمت على وجه تاريتا دلَّت على أنَّها لم تكن تتوقَّع سماع مثل تلك الكلمات.

تاريتا: «――――»

 

 

ورغم أنَّه كان هذا مجرى الحديث، فقد أفضت له تاريتا بأعمق أفكارها. وضعها، مخاوفها، والمسؤولية التي تحملها على كتفيها الهزيلتين، كانت كلُّها جلية.

ثم جلست ميديوم القرفصاء وهي تبتسم بخجل، ووضعت لويس في حجرها، وراحت تمشِّط شعرها من الخلف بأصابعها.

 

عقدة النقص تجاه الأخت الكبرى المتفوقة… شعورٌ ظلَّ يؤلم ريم لسنوات.

وقد رأى سوبارو بوضوح مدى مسؤوليتها الزائدة وميلها إلى جلد الذات، وكفاحها للتعامل مع كل ذلك.

ملامحُ الذهول التي ارتسمت على وجه تاريتا دلَّت على أنَّها لم تكن تتوقَّع سماع مثل تلك الكلمات.

 

 

وربما―― تمنت تاريتا أن يقول لها سوبارو في تلك اللحظة: «تماسكي.»، لتدفع نفسها إلى اتخاذ قرارٍ لم تستطع اتخاذه.

تاريتا: «… أحسد ناتسومي على شجاعته.»

وربما، تمنت أن يُخبرها بأنَّ عدم الثقة بالنفس ليس له مكانٌ أمام شخصٍ مثل سوبارو، يرتدي ملابس النساء بكلِّ فخرٍ ودون خجل.

تاريتا: «――――»

 

طبعًا، لأجل سلامتهما أيضًا، ولكن――

لكنَّ ما قاله سوبارو قد خالف توقُّعاتها تمامًا.

ميديوم: «نعم، نعم! مع أنني لا أعلم كيف سيفعل ذلك.»

 

 

سوبارو: «إن لم تستطيعي الاحتمال، وإن شعرتِ أنَّ ثمَّة مَن هو أصلح منكِ، فلن نلومكِ إن قرَّرتِ مغادرة العربة. على الأقل، أنا لن أفعل.»

 

 

 

تاريتا: «لكِن، إن رحلتُ، فَـ… قوتُنا سوف…»

 

 

 

سوبارو: «بالطبع، هذا يقلقني. لكنني سأبذل كلَّ ما أستطيع.»

 

 

ولو استرجع سوبارو شعائر “دم الحياة” في قرية الشودراك، حينها لَتذكَّر كيف أنَّ إيبل توسَّل إليه وهو على شفير الموت، ليُخبره برغبته. خلف ذلك التوسُّل كانت ترقد نفس القناعة. وتلك هي――

تاريتا: «――――»

 

 

 

سخر سوبارو من نفسه في قرارة صدره، لكَم كانت كلماته تلك أنانية، وإن لم يظهر ذلك على وجهه.

 

 

 

ولو سمع إيبل هذا الحديث، فلن يرضيه الأمر. إذ كما قالت تاريتا، هي عنصرٌ عسكريٌّ ثمين في فصيلٍ يعاني من ضعف في قوَّته.

 

 

قال ذلك وهو يُضيِّق عينيه، محاولًا أن يستدرَّ ردًّا من إيبل، الجالس قُرب نار المخيَّم.

وهذا ينطبق على الفصيل ككل، وكذلك على هذه المجموعة الصغيرة التي تشاركه الرحلة.

إيبل: «من عادة الأسرة الإمبراطورية الفولاكية أن تنام وعينها مفتوحة. وأنا لستُ استثناءً لهذه القاعدة.»

 

وعندما سألهم ذات مرَّة عن عادات نومهم، مع علمه بأنَّ ذلك ليس من آداب الحديث، أجابته ميديوم بابتسامة مرِحة:

لكنه مع ذلك، كان يتساءل: أليس من المقبول السماح بالرحيل؟

حينها، يبدأ ظلٌّ أسود غامض بالزحف من خلفه، يلفُّ ذراعيه حول كتفيه بمودةٍ مزيَّفة، ويلاحقه بإلحاحٍ خانق.

 

 

تاريتا: «أنت تقول إنِّي لستُ ضرورية…»

 

 

 

سوبارو: «لا، هذا خطأ كبير. أنا أريد لتاريتا سان أن تكون معنا، بشخصها وقوَّتها على حدٍّ سواء. لكنَّ هذا سيكون أنانيًّا منِّي، أليس كذلك؟»

 

 

لن يكون مناسبًا القول بأنَّها قد وجدت الجواب، لكن يمكن القول إنَّها استعدَّت لقبول مصيرٍ محتوم―― مصيرُ الزعامة الذي أوكلته إليها ميزيلدا. كان ذلك واضحًا لسوبارو.

تاريتا: «أناني…؟»

استمع آل إلى تذمُّر سوبارو وأطلق شكوى معقولة.

 

 

سوبارو: «لأنِّي سأكون بذلك أطلب منكِ أن تُخدِّري مشاعركِ… كي أستطيع أنا أن أعيش.»

كان يتساءل ما إذا كان من المسموح له أن يقضي وقته متسكِّعًا هكذا، غارقًا في السكون.

 

لم يكن ممكنًا صدُّ ذاك الكابوس، حتى لو أغلق أذنيه وأغمض عينيه―― ولكي يهرب منه، جرَّب ناتسكي سوبارو كلَّ وسيلةٍ ممكنة.

وهو الذي خَبِرَ المعاناة وتشرَّبها، لم يكن بوسعه أن يفرض على تاريتا ما لا يقبله لنفسه.

ميديوم: «――؟ ناتسومي تشان، هل قلتَ شيئًا؟»

سوبارو، الذي أُتيحت له الفرصة ليغادر ذلك المكان المظلم الذي كان حبيسًا فيه، لم يتردد في قول ذلك لتاريتا، التي تكبره سنًّا وربَّما خبرةً، وكأنَّه يحدِّث أختًا كبرى أو مرشدًا قد سبقه في طريق الألم.

لا أحد يعلم ما الشيء الذي سيُجدي نفعًا في الحياة حتى تنقضي―― وفي حالة سوبارو، الذي لا يموت حتى حين يموت، فإن هذه المقولة تنطبق عليه بامتياز.

 

 

――لا يمكنُك أن تكون شخصًا آخر.

 

 

 

لا فرق إن كان هذا “الآخر” قريبًا بالدم، أو مجرد شخصٍ محبوب. لا فرق كم تمنَّيتِ أن تكوني مثله، أو كم حسدتهِ، أو كم نقشْتِ صورته في أعماق قلبك.

 

 

وربما كانت هذه الرحلة أيضًا وسيلةً لتاريتا كي تنظر في ذاتها، وتعيد اكتشافها، بل لعلها كانت محاولةً للهرب من عبء التوقعات التي أُلقيت فوق كتفيها.

لا يمكنُ لأيٍّ منَّا أن يكون أحدًا غير نفسه.

سوبارو: «هذه فرصتك لتتجاوز نقاط ضعفك… الأمر نفسه ينطبق على الفلفل الحار.»

 

وقد فهم سوبارو، من نبرة صوتها وتعبيرات وجهها، أنَّها لم تبلغ جوابًا بعد، لكنه أدرك أيضًا أنَّ عليه ألَّا يُجبرها على الحديث.

سوبارو: «لا نستطيعُ أن نكون سوى “ذواتنا”…»

سوبارو: «――أجل، أراكِ غدًا.»

 

 

ما كان في استطاعته أن يكون سوى نفسه. لكن، كان عليه على الأقل أن يصبح شخصًا يُحبُّه، ويرتاح إليه، ويثق فيه.

 

 

تاريتا: «――――»

مثل فراشةٍ تنبثق بعد كثيرٍ من الإحباطات، والانكسارات، ولحظاتٍ صغيرة من الفخر بالنفس.

ظهرت علامة استفهام على وجه ميديوم، وبدا أنَّ ملامحها توحي وكأنَّ رأسها امتلأ فجأة بعشرات الأسئلة. وإيبل، بطبعه البعيد عن اللطف، لم يُبْدِ أيَّ نية لتبديد ذلك الغموض.

 

ميديوم: «المكان الذي كنت فيه أنا وأخي كان مكانًا سيئًا للغاية.»

سوبارو: «… الأمرُ مزعج، أليس كذلك؟»

إيبل: «إن وُجد احتمال ولو ضئيل، فهو يظلُّ احتمالًا. لا يجوز أن تزهق حياتك بسبب غفلة.»

 

 

همس سوبارو بتلك الكلمات، بصوتٍ خافتٍ لم تستطع تاريتا أن تسمعه.

 

 

 

وما كان يتذكَّره وهو يتكلم، هو تلك الصورة المثلى التي رسمها له إيبل قبل ساعات، حين جلسا حول النار ذاتها. لقد تساءل: ما الذي يتمسَّك به مَن لا يملكون شيئًا؟ بماذا يعيشون؟

سوبارو: «هذا ليس صحيحًا…»

 

كلُّ ذلك بدأ حين رأت تاريتا سوبارو ينظِّف أظافره، فسألته: «من أين تعلمتَ التزيُّن؟»

كان جوهر تلك الكلمات يشبه إلى حدٍّ بعيد ما حاول سوبارو التعبير عنه.

 

 

 

تاريتا: «――――»

 

 

آل: «نعم، سأترك ذلك لك. كما ترى من تعاملاتي مع الأميرة، فأنا من النوع الذي يؤمن بسياسة “دَع الأمور تجري”.»

أنصتت تاريتا لحديث سوبارو، والاضطراب في عينيها يزداد، وتردُّدها يحتدم.

 

 

 

وكان من حقِّها وحدها أن تقرِّر إلى أيِّ طريقٍ سيأخذها هذا التردُّد، وأدرك سوبارو أن عليه احترام القرار الذي ستتخذه.

تألَّق شعرُ ميديوم الذهبي الجميل تحت وهج النار المتوهِّجة الحمراء. ولويس، الجالسة أمامها، تمتلك شعرًا بنفس اللون. كانتا على قدرٍ من القرب جعل مَن يراهما يظنُّهما أختين.

 

استمع آل إلى تذمُّر سوبارو وأطلق شكوى معقولة.

لقد فرَّ سوبارو من التوقُّعات التي أُلقيت فوقه، ومن الذنبِ الذي شعر به حين أخفق في تحقيقها.

فقد دفعت سوبارو للإفصاح عن ظروفه الشخصية―― عن عالمه الأصلي؛ ومع أنَّه تعمَّد تخفيف وطأة التفاصيل المظلمة والثقيلة في حياته، فكيف أثَّر ذلك في تاريتا؟

 

 

بل لقد راوده الشكُّ أن استدعاءه إلى هذا العالم الآخر، لم يكن سوى استجابةٍ لرغبةٍ دفينةٍ في داخله… رغبةٍ في الهرب.

أعاد عليها سؤاله، فخرج من فمها “آه” صغيرة.

 

 

ولهذا السبب… لم يستطع حتى أن يودِّع والدَيه الحقيقيَّين، والديه في العالم الذي أتى منه――

 

 

وهذا ينطبق على الفصيل ككل، وكذلك على هذه المجموعة الصغيرة التي تشاركه الرحلة.

سوبارو: «تعلم… مجرد قدرتي على الهروب، كانت بمثابة الخلاص.»

ثم جلست ميديوم القرفصاء وهي تبتسم بخجل، ووضعت لويس في حجرها، وراحت تمشِّط شعرها من الخلف بأصابعها.

 

انقسم الجزء الداخلي من العربة بستار بسيط، فاصِلًا بين أماكن نوم الرجال والنساء في المقدِّمة والمؤخِّرة. وقد خُصِّصت الجهة الأمامية للرجال، والخلفية للنساء، لكن المجموعة التي كانت نائمة حاليًّا بدت هادئة على نحو مفاجئ.

على أقل تقدير، لو بقي حبيس غرفته، تائهًا دومًا بين التوقُّعات والذنب، لما استطاع ناتسكي سوبارو أن يلحق بمشاعره الحالية.

 

 

 

لكان لا يزال هو نفسه، سوبارو العاجز عن تجاوز ذاته، المنشغل بهمومه، ولا فرصة له لأن يُجهد قلبه من أجل الآخرين، أو أن يفعل شيئًا لأجلهم، أو أن يقدِّم لهم شيئًا.

ولو لم يكن فلوب وميديوم معهم، لكانت مسيرة سوبارو والبقيَّة داخل الإمبراطورية أشدَّ كآبةً بكثير.

 

سوبارو: «بعد كلِّ هذا الوقت… ما زلتَ غير قادرٍ على إغماض عينيك أمامنا؟»

الهروب ليس خطأ، ما دام المرء لم يستعد بعدُ للقتال.

 

 

قال ذلك وهو يُضيِّق عينيه، محاولًا أن يستدرَّ ردًّا من إيبل، الجالس قُرب نار المخيَّم.

ينبغي أن يكون هذا عالمًا يمكن فيه لكلِّ شخص أن يختار عدم القتال.

 

 

 

تاريتا: «الثقة والعزم…»

 

 

 

سوبارو: «هاه؟»

ولو سمع إيبل هذا الحديث، فلن يرضيه الأمر. إذ كما قالت تاريتا، هي عنصرٌ عسكريٌّ ثمين في فصيلٍ يعاني من ضعف في قوَّته.

 

 

تاريتا: «أفتقر إلى الثقة والعزم. لكن هذا ليس كل شيء…»

ما كان يُرى من نافذة العربة لا يتعدَّى نور النار المشتعلة على بُعدٍ ليس ببعيد. عندها وقف آل وتاريتا يحرسان المعسكر، يتفقدان الأرجاء تحسُّبًا لأي خطرٍ يلوح في الأفق.

 

وبوجهٍ عبوس، جلس سوبارو في أبعد نقطة ممكنة عن إيبل، رخى ملابسه، واستلقى بحذر كي لا يُفسد شعره المستعار.

كلمات سوبارو، المنبثقة من تجربته الشخصية، بلغت أُذنَي تاريتا، فتمتمت بها، وشفتاها ترتجفان.

انقسم الجزء الداخلي من العربة بستار بسيط، فاصِلًا بين أماكن نوم الرجال والنساء في المقدِّمة والمؤخِّرة. وقد خُصِّصت الجهة الأمامية للرجال، والخلفية للنساء، لكن المجموعة التي كانت نائمة حاليًّا بدت هادئة على نحو مفاجئ.

 

إيبل: «ميديوم، من أين أنتِ وأخوكِ؟»

كان صوتها بالكاد يُسمع، كأنَّه غرق في فرقعة ألسنة اللهب. أو ربما كانت مشاعرها متأججةً إلى حدٍّ أكبر من حين سردت قصَّتها الأولى عن عجزها.

وربما―― تمنت تاريتا أن يقول لها سوبارو في تلك اللحظة: «تماسكي.»، لتدفع نفسها إلى اتخاذ قرارٍ لم تستطع اتخاذه.

 

ميديوم: «لأنَّه كان في المنشأة أطفالٌ آخرون غيري وغير أخي، كما تعلم. بعضهم كانوا أصغر منِّي، ولم يكن الأمر مُمتعًا كثيرًا، فأردتُ على الأقل أن أترك لهم شعرهم ينمو.»

تاريتا: «إن ارتكبتُ خطأً كبيرًا… كيف سأُكفِّر عنه؟»

 

 

 

سوبارو: «أخطأتِ… والتكفير… تاريتا سان؟»

؟؟؟: «――يا صاح، جاء وقت تبديل النوبة.»

 

الفرار ليس أمرًا مشينًا. بل إنَّه وسيلةٌ لاكتساب القوة أحيانًا.

تاريتا: «――――»

إيبل: «لستُ بتلك الدرجة من النُبل. لقد أخبرتكَ من قبل―― إنَّه أمرٌ يتعلَّق بالعقوبة أو المكافأة، لا غير.»

 

 

أعاد عليها سؤاله، فخرج من فمها “آه” صغيرة.

لكان لا يزال هو نفسه، سوبارو العاجز عن تجاوز ذاته، المنشغل بهمومه، ولا فرصة له لأن يُجهد قلبه من أجل الآخرين، أو أن يفعل شيئًا لأجلهم، أو أن يقدِّم لهم شيئًا.

 

 

اتَّسعت عيناها، وبدت ملامح الندم جليَّة فيها. كما في المرَّة الأولى حين تحدَّثت عن الخطأ، ها هي الآن تُبدي أسفًا واضحًا لما أفشتْه أمام سوبارو.

كانت مهارةً اكتُسبت بدافع الحاجة.

 

 

بدت وكأنها تحمل في أعماقها الكثير من الذنب تجاه ذلك الخطأ الكبير.

 

 

 

لم يكن الشعور بالعجز أمام تفوُّق أختها فقط، بل يبدو أن وجود أختها نفسها كان سببًا يمنعها من اتخاذ

عندها تهاوى قناع ناتسومي شواراز، ليظهر ناتسكي سوبارو بملامحه المشوهة من الغضب.

قرارها بنفسها.

 

 

 

تاريتا: «ما قلته… كان غريبًا… أرجوك، انسَه.»

ذلك هو المبدأ الذي يؤمن به إيبل بصفته حاكمًا، ويبدو أنَّه لا يتزحزح عنه قيد أنملة.

 

 

وفي النهاية، لم تجد إلَّا أن تختم باعترافٍ ضمنيٍّ بأنَّ قصَّتها التي لم تُروَ… لا يمكن روايتها بعد.

 

 

 

وقد فهم سوبارو، من نبرة صوتها وتعبيرات وجهها، أنَّها لم تبلغ جوابًا بعد، لكنه أدرك أيضًا أنَّ عليه ألَّا يُجبرها على الحديث.

أنصتت تاريتا لحديث سوبارو، والاضطراب في عينيها يزداد، وتردُّدها يحتدم.

 

واصلت العربة سيرها محمَّلةً بهمومٍ ومشاكلَ وقيمِ علاقاتٍ مضطربة.

كلُّ ما تمناه… أن يكون موجودًا حين تأتي اللحظة التي ترغب فيها بأن تبوح.

 

 

 

؟؟؟: «――يا صاح، جاء وقت تبديل النوبة.»

نادته تاريتا بصوت خافت، بينما كان يسلم نوبة الحراسة لآل ويهمُّ بالعودة إلى العربة.

 

 

وما إن أنهى سوبارو حديثه، حتى ارتفع صوت من جهة العربة.

 

كان آل، يلوِّي عنقه الضخم وهو يتقدَّم ببطء نحو النار. لقد حان وقت تبديل المناوبة الليلية، والتي كان من المفترض أن تتغيَّر كل ثلاث ساعات.

 

 

 

سوبارو: «أنا ممتعض لأنَّ إيبل ولويس لا يشاركان في النظام، لكن…»

 

 

 

آل: «كفى كفى، سيكون من الفظيع أن يُعدَم أحدنا لأننا جعلنا إيبل تشان يعمل في نوبة الحراسة الليلية بعد أن يستعيد عرشه!»

كان المشهد سلميًّا إلى درجةٍ جعلت سوبارو يشعر وكأنَّه انفصل مؤقَّتًا عن كلِّ معاناته وهمومه.

 

ميديوم: «أوهِيهي، أتعتقد ذلك؟ حسنًا، إن كان الأمر كذلك، فأنا سعيدةٌ لأنني استطعتُ المساعدة.»

 

وربما―― تمنت تاريتا أن يقول لها سوبارو في تلك اللحظة: «تماسكي.»، لتدفع نفسها إلى اتخاذ قرارٍ لم تستطع اتخاذه.

 

سوبارو: «ربما تطلب تاريتا سان منك نصيحةً تخصُّ الحياة… إن فعلت، فأرشدها كقائد خبير.»

 

سوبارو: «إن لم تستطيعي الاحتمال، وإن شعرتِ أنَّ ثمَّة مَن هو أصلح منكِ، فلن نلومكِ إن قرَّرتِ مغادرة العربة. على الأقل، أنا لن أفعل.»

سوبارو: «إن كنتَ تتحدث عن الأحقاد، فلا أظن أنني قادر على تحديد عدد الرؤوس التي يجدر بي أن أقدِّمها مقابل ذلك.»

 

 

وهذا ينطبق على الفصيل ككل، وكذلك على هذه المجموعة الصغيرة التي تشاركه الرحلة.

آل: «طالما أنك واعٍ لذلك، فرجاءً اضبط نفسك. وجودك بقربي وأنت بهذا الحال يوتِّر أعصابي.»

غير أنَّ إيبل لم يُعر سوبارو اهتمامًا، ولا نظر إليه على أنَّه يسخر.

استمع آل إلى تذمُّر سوبارو وأطلق شكوى معقولة.

――لا يمكنُك أن تكون شخصًا آخر.

 

 

ومع ذلك، فإنَّه سيستمر في التذمُّر من سلوك إيبل فيما بعد. فسببُ غطرسة إيبل واستبداده هو أن لا أحد قط تجرَّأ على مجابهته بالكلام.

 

 

 

طالما ظلَّ فارًّا من العدالة بلا سلطة حقيقية، فكان لا بد من تقويم شخصيَّته قدر الإمكان.

 

 

سوبارو: «――هـك.»

سوبارو: «وإلا، حتى لو عاد إلى العرش بمساعدتنا، فسرعان ما ستندلع ثورة أخرى، وسيفقد رأسه حينها.»

 

 

وكان قد سُمِع من فلوب أيضًا أنَّهما ترعرعا في ظروف بائسة.

آل: «نعم، سأترك ذلك لك. كما ترى من تعاملاتي مع الأميرة، فأنا من النوع الذي يؤمن بسياسة “دَع الأمور تجري”.»

 

 

 

لوَّح آل بيده بخفة، كأنَّه يرمي مهمة إقناع سوبارو من كاهله، فزفر سوبارو متنهِّدًا إزاء تهاونه، ثم التفت من جديد نحو تاريتا التي كانت تحدِّق في النار شاردة.

«إن شخرتَ بصوتٍ عالٍ، سيعرف الناس مكانك!»

 

سوبارو: «أوه، هذا ليس مضحكًا――»

سوبارو: «سأترك الأمر بين يديك. وإذا شعرتِ بأن نكات آل السمجة أو مضايقاته ذات الطابع الجنسي لا تُطاق، فرجاءً أخبريني فورًا.»

 

 

 

تاريتا: «مضايقات ذات طابع…؟»

 

 

لكنَّ ما قاله سوبارو قد خالف توقُّعاتها تمامًا.

آل: «لن أتصرف معها كما أتصرف مع الأميرة! فالأمر يتعلَّق بالمسافة، ومستوى القرب، وظروف الزمان والمكان!»

 

 

تاريتا: «――――»

سوبارو: «هذا أمر لستُ بارعًا فيه.»

 

 

في المقابل، لم تهتزُّ ملامح إيبل الواضحة الصارمة. وكما فعل في الماضي، راح يرمش بعينيه اليمنى واليسرى بالتناوب، وعدد رمشاته كان أقلَّ ما يمكن، وهي نفس الدوافع التي تمنعه من إغلاق عينيه كلتيهما أثناء النوم.

ردَّت تاريتا بصوت خافت، بينما صرخ آل محتجًّا مدافعًا عن نفسه. وبعد أن قارن بينهما بنظره، نهض سوبارو وهو ينفض الغبار عن حاشية ثوبه ومؤخِّرته، وهمس لآل:

مثل فراشةٍ تنبثق بعد كثيرٍ من الإحباطات، والانكسارات، ولحظاتٍ صغيرة من الفخر بالنفس.

 

سوبارو: «――――»

سوبارو: «ربما تطلب تاريتا سان منك نصيحةً تخصُّ الحياة… إن فعلت، فأرشدها كقائد خبير.»

طالما ظلَّ فارًّا من العدالة بلا سلطة حقيقية، فكان لا بد من تقويم شخصيَّته قدر الإمكان.

 

ميديوم: «لأنَّه كان في المنشأة أطفالٌ آخرون غيري وغير أخي، كما تعلم. بعضهم كانوا أصغر منِّي، ولم يكن الأمر مُمتعًا كثيرًا، فأردتُ على الأقل أن أترك لهم شعرهم ينمو.»

آل: «”قائد خبير” يبدو كأنَّه نقيض ما أُوصَف به، أليس كذلك؟ لا يمكنني تحمُّل مسؤولية حياة الآخرين، فأنا أتهرَّب من ذلك عمدًا.»

 

 

 

سوبارو: «هذه فرصتك لتتجاوز نقاط ضعفك… الأمر نفسه ينطبق على الفلفل الحار.»

سوبارو: «حتى لو هربتِ، أظنُّ أنَّه لا بأس. لن ألومك على ذلك.»

 

كان العالم هادئًا تمامًا، لا يُسمع فيه سوى فرقعة قطع الحطب المُشتعلة.

إميليا وبياتريس، اللتان لم تكن لهما ميول للفلفل الحار أيضًا، كانتا تحاولان بجهدٍ التغلُّب على نفورهما منه بطرق شتَّى، دون أن تخسرا روح التحدي الجريء.

تاريتا: «مضايقات ذات طابع…؟»

 

ميديوم: «الرئيس؟ تقصد مدير الدار؟ لا أذكر اسمه، لكنني وأخي كنَّا في بلدةٍ صغيرة تُدعى آفيريك.»

لم تخوضا بعدُ معركة واحدة معًا، لكن سوبارو آمن بأنَّه ما دامتا تستمرَّان في القتال، فلا بدَّ أن تنتصرا يومًا ما.

وما كان يتذكَّره وهو يتكلم، هو تلك الصورة المثلى التي رسمها له إيبل قبل ساعات، حين جلسا حول النار ذاتها. لقد تساءل: ما الذي يتمسَّك به مَن لا يملكون شيئًا؟ بماذا يعيشون؟

 

أغلق عينًا واحدة، شبك ذراعيه، أسند ظهره إلى المقعد، وأطلق زفرة صغيرة.

سوبارو: «لذا، رجاءً، ابذل جهدك يا آل.»

ميديوم: «هاه؟»

 

 

آل: «هل أنا وحدي مَن لا يتأثر بكلامك هذا…؟»

سوبارو: «حتى لو هربتِ…»

 

تاريتا: «الثقة والعزم…»

على الأقل، ما قاله استوفى شروط تحفيز سوبارو، ولذا استنتج أن المشكلة تكمن في آل نفسه، الذي لم يتأثر به.

 

 

 

تاريتا: «ناتسومي… أراكَ غدًا.»

 

 

ومع ذلك، لم تتبدد الصدمة في داخل سوبارو، حتى وهو يضغط على صدره المزيَّف. فعلى المستوى الموضوعي، لم يشعر بأن وضعه يستحق الغبطة أو الحسد.

سوبارو: «――أجل، أراكِ غدًا.»

عقدة النقص تجاه الأخت الكبرى المتفوقة… شعورٌ ظلَّ يؤلم ريم لسنوات.

 

 

نادته تاريتا بصوت خافت، بينما كان يسلم نوبة الحراسة لآل ويهمُّ بالعودة إلى العربة.

 

 

على أقل تقدير، لو بقي حبيس غرفته، تائهًا دومًا بين التوقُّعات والذنب، لما استطاع ناتسكي سوبارو أن يلحق بمشاعره الحالية.

ذلك الوعد البسيط والواثق بالغد منح سوبارو أملًا بأنَّها تقبَّلت كلماته، وأنَّهما سيلتقيان وجهًا لوجه في اليوم التالي.

وقد فهم سوبارو، من نبرة صوتها وتعبيرات وجهها، أنَّها لم تبلغ جوابًا بعد، لكنه أدرك أيضًا أنَّ عليه ألَّا يُجبرها على الحديث.

 

ساد الصمت قليلًا، وغرقت تاريتا في التفكير.

الفرار ليس أمرًا مشينًا. بل إنَّه وسيلةٌ لاكتساب القوة أحيانًا.

وكان قد سُمِع من فلوب أيضًا أنَّهما ترعرعا في ظروف بائسة.

 

 

لكن هناك أيضًا مَن يُقْدم على المواجهة بدل الهرب، ويقدر على تخطِّي المِحن.

ذلك الوعد البسيط والواثق بالغد منح سوبارو أملًا بأنَّها تقبَّلت كلماته، وأنَّهما سيلتقيان وجهًا لوجه في اليوم التالي.

 

الفرار ليس أمرًا مشينًا. بل إنَّه وسيلةٌ لاكتساب القوة أحيانًا.

وسوبارو كان يأمل أن تكون تاريتا من أولئك.

 

 

 

سوبارو: «――――»

إيبل: «من عادة الأسرة الإمبراطورية الفولاكية أن تنام وعينها مفتوحة. وأنا لستُ استثناءً لهذه القاعدة.»

 

؟؟؟: «أهكذا…»

ولدى عودته إلى العربة، استقبله سكونها الهادئ، يلفُّه ظلامها الدافئ.

 

 

 

انقسم الجزء الداخلي من العربة بستار بسيط، فاصِلًا بين أماكن نوم الرجال والنساء في المقدِّمة والمؤخِّرة. وقد خُصِّصت الجهة الأمامية للرجال، والخلفية للنساء، لكن المجموعة التي كانت نائمة حاليًّا بدت هادئة على نحو مفاجئ.

فقد آمن بأنَّ كلَّ لقاء جميل، وكلَّ سعادةٍ نالها، كانت بفضل إميليا―― الفتاة التي حاولت إنقاذه حين تعرَّض للضرب في زقاقٍ من الأزقة.

 

سوبارو: «أنا ممتعض لأنَّ إيبل ولويس لا يشاركان في النظام، لكن…»

إيبل، وميديوم، ولويس كانوا الثلاثة الذين يستريحون في تلك اللحظة، ومقدار السكون الذي كانت تنام فيه كلٌّ من ميديوم ولويس، أما إيبل فخارج هذا القياس، بدا في نظر سوبارو مفاجئًا إلى حدٍّ ما.

استمع آل إلى تذمُّر سوبارو وأطلق شكوى معقولة.

 

ميديوم: «المكان الذي كنت فيه أنا وأخي كان مكانًا سيئًا للغاية.»

وعندما سألهم ذات مرَّة عن عادات نومهم، مع علمه بأنَّ ذلك ليس من آداب الحديث، أجابته ميديوم بابتسامة مرِحة:

على أيِّ حال، تنفَّس إيبل زفرةً صغيرة تجاه ميديوم، التي استعملت في ندائه أسلوبًا غير محترم تمامًا كالذي يستخدمه آل، وهو ما كان كفيلًا بإغضاب صاحب الجلالة الإمبراطور.

«إن شخرتَ بصوتٍ عالٍ، سيعرف الناس مكانك!»

لكن الحقيقة أنَّ كلَّ ذلك لم يكن سوى ذرائعٍ للهروب من المسؤولية والشعور بالذنب.

 

 

ولم يدرك سوبارو آنذاك أنَّها أشارت إلى أسفارها السابقة كمتجوِّلة تبيع البضائع، أو إلى أيَّامها في المنشأة التي قيل إنَّها كانت ذات ظروف سيئة.

 

 

 

كانت مهارةً اكتُسبت بدافع الحاجة.

ميديوم: «أوِهِيهي~.»

 

 

ومن هذه الزاوية، ربَّما كان هذا هو السبب ذاته في نوم إيبل بهدوء.

 

 

 

سوبارو: «… وجهك يبدو بغيضًا حتى وأنت نائم. لعلِّي أرسم شيئًا عليه.»

تاريتا: «لكِن، إن رحلتُ، فَـ… قوتُنا سوف…»

 

وقد خرجت تاريتا في هذه الرحلة غارقةً في هذه المشاعر. فميزيلدا، الزعيمة السابقة، قد أقسمت على دعم إيبل في مسعاه لاستعادة العرش.

؟؟؟: «――ما بالك تحدِّق فيَّ بهذه الوقاحة؟»

آل: «”قائد خبير” يبدو كأنَّه نقيض ما أُوصَف به، أليس كذلك؟ لا يمكنني تحمُّل مسؤولية حياة الآخرين، فأنا أتهرَّب من ذلك عمدًا.»

 

 

سوبارو: «――هـك.»

تاريتا: «――――»

 

ولو لم يكن فلوب وميديوم معهم، لكانت مسيرة سوبارو والبقيَّة داخل الإمبراطورية أشدَّ كآبةً بكثير.

في منتصف المساحة المخصَّصة داخل العربة، كان إيبل مستلقيًا نائمًا. وما إن تطلَّع سوبارو إلى وجهه أثناء نومه، حتى صُدم بذلك الصوت المفاجئ. وكاد يطلق صرخة غريزية، لكنه تمكَّن من كتمها، قائلًا بدلًا من ذلك:

سوبارو: «لا نستطيعُ أن نكون سوى “ذواتنا”…»

سوبارو: «أأنت مستيقظ؟… بما أننا نتناوب على الحراسة، كنتُ آمل أن تحظى ببعض الراحة على الأقل.»

 

 

 

إيبل: «من عادة الأسرة الإمبراطورية الفولاكية أن تنام وعينها مفتوحة. وأنا لستُ استثناءً لهذه القاعدة.»

 

 

على أيِّ حال، تنفَّس إيبل زفرةً صغيرة تجاه ميديوم، التي استعملت في ندائه أسلوبًا غير محترم تمامًا كالذي يستخدمه آل، وهو ما كان كفيلًا بإغضاب صاحب الجلالة الإمبراطور.

سوبارو: «تنام بعينٍ مفتوحة؟… هذا ليس فيلمًا! أنت جاد؟»

فقد دفعت سوبارو للإفصاح عن ظروفه الشخصية―― عن عالمه الأصلي؛ ومع أنَّه تعمَّد تخفيف وطأة التفاصيل المظلمة والثقيلة في حياته، فكيف أثَّر ذلك في تاريتا؟

 

كما هو الحال في كل مجال، فثمَّة جهودٌ عظيمة لأسلافٍ سبقوا في تطوير الفنون.

أبيل: «ولمَ أقول نكتة سخيفة لك؟»

ثم جلست ميديوم القرفصاء وهي تبتسم بخجل، ووضعت لويس في حجرها، وراحت تمشِّط شعرها من الخلف بأصابعها.

 

 

ارتبك تنفُّس سوبارو إثر رد إيبل، بينما ظلَّ هذا الأخير غير مبالٍ، مغمض العين اليمنى، فاتحًا اليسرى، تمامًا كما ادَّعى.

 

 

 

ضوء عينيه القاتمتين أثبت أنَّ كلماته السابقة لم تكن كذبًا ولا مبالغة.

 

 

وكأنَّه كان خاسرًا مُرًّا في دور خصمٍ نسويٍّ عنيد. تلك الاستراتيجية العسكرية الحديدية، ناتسومي شوارتز، كانت أشدَّ صلابةً وأرقَّ مرونة.

ثمَّة فيلم قديم تحدَّث عن قاتلٍ محترف له عادة النوم بعينٍ مفتوحة، وقد بدا أنَّ ذلك سلوكٌ يصعب تحقيقه وفقًا لتركيبة الدماغ البشري، لكن رؤية إيبل يؤديه دون تكلُّف أمامه جعلت سوبارو يدرك أنَّ الأمر ليس مستحيلًا.

 

 

وسوبارو كان يأمل أن تكون تاريتا من أولئك.

لكن الإدراك لا يعني الاقتناع.

 

 

تألَّق شعرُ ميديوم الذهبي الجميل تحت وهج النار المتوهِّجة الحمراء. ولويس، الجالسة أمامها، تمتلك شعرًا بنفس اللون. كانتا على قدرٍ من القرب جعل مَن يراهما يظنُّهما أختين.

سوبارو: «لمَ لا تنام بشكلٍ طبيعي؟ أتظنُّ أننا سنطعنك وأنت نائم؟»

 

تاريتا: «عليَّ أن أجد الجواب في هذه الرحلة. لا، بل يجب أن أعزم أمري بثبات.»

إيبل: «إن وُجد احتمال ولو ضئيل، فهو يظلُّ احتمالًا. لا يجوز أن تزهق حياتك بسبب غفلة.»

 

 

 

سوبارو: «غفلة…!»

 

 

ميديوم: «أوِهِيهي~.»

ارتجف صوت سوبارو وهو يردُّ بتلك الكلمة، مشيرًا نحو النافذة.

 

 

 

ما كان يُرى من نافذة العربة لا يتعدَّى نور النار المشتعلة على بُعدٍ ليس ببعيد. عندها وقف آل وتاريتا يحرسان المعسكر، يتفقدان الأرجاء تحسُّبًا لأي خطرٍ يلوح في الأفق.

كان جوهر تلك الكلمات يشبه إلى حدٍّ بعيد ما حاول سوبارو التعبير عنه.

 

«إن شخرتَ بصوتٍ عالٍ، سيعرف الناس مكانك!»

طبعًا، لأجل سلامتهما أيضًا، ولكن――

سوبارو: «حتى لو هربتِ…»

 

فبالنسبة له، استخدام أدوات التجميل والتنكر بزيِّ النساء لم يكن أمرًا جللًا.

سوبارو: «――لمصلحة مَن تظنُّ أنهم يفعلون كلَّ هذا؟»

تاريتا: «ناتسومي… أراكَ غدًا.»

 

سوبارو: «هذا ليس صحيحًا…»

إيبل: «――――»

 

 

 

سوبارو: «بعد كلِّ هذا الوقت… ما زلتَ غير قادرٍ على إغماض عينيك أمامنا؟»

تاريتا: «مضايقات ذات طابع…؟»

 

 

عندها تهاوى قناع ناتسومي شواراز، ليظهر ناتسكي سوبارو بملامحه المشوهة من الغضب.

؟؟؟: «أهكذا…»

 

على الأقل، ما قاله استوفى شروط تحفيز سوبارو، ولذا استنتج أن المشكلة تكمن في آل نفسه، الذي لم يتأثر به.

في المقابل، لم تهتزُّ ملامح إيبل الواضحة الصارمة. وكما فعل في الماضي، راح يرمش بعينيه اليمنى واليسرى بالتناوب، وعدد رمشاته كان أقلَّ ما يمكن، وهي نفس الدوافع التي تمنعه من إغلاق عينيه كلتيهما أثناء النوم.

 

 

إيبل: «من عادة الأسرة الإمبراطورية الفولاكية أن تنام وعينها مفتوحة. وأنا لستُ استثناءً لهذه القاعدة.»

حين خاطرا بحياتيهما معًا في طقس دم الحياة بقرية الشودراك، وعند تسللهما إلى غوارال متنكرَين كراقصات، وحتى خلال الرحلة في العربة إلى وجهتهما، لم يكن ثمة فرق يُذكَر.

 

 

لكن، وعلى الرغم من أنَّه لم يُجب على كلمات سوبارو، فقد طرح إيبل سؤالًا على ميديوم.

سوبارو يتفهّم أولئك الذين يعيشون في حالة تأهب، حين يكون الخطأ غير مسموح.

 

لكن، ألم يكن حريًّا بإيبل أن يخفف من حِدته حين يتواجد في مكانٍ ليس من المؤكد أنه معادٍ؟

 

 

لكن الإدراك لا يعني الاقتناع.

وتحت نظرة سوبارو المرفوعة حاجبها، أغلق إيبل عينًا واحدة فقط―― نعم، واحدة فقط.

 

 

 

أغلق عينًا واحدة، شبك ذراعيه، أسند ظهره إلى المقعد، وأطلق زفرة صغيرة.

سوبارو: «وهذه أيضًا صفات جميلة فيكِ، ميديوم سان.»

 

إيبل: «لا تفكِّر حتى في تشويه طريقتي في العيش. الزمْ حدودك.»

إيبل: «لا تفكِّر حتى في تشويه طريقتي في العيش. الزمْ حدودك.»

 

 

 

سوبارو: «――――»

 

 

تاريتا: «――――»

إيبل: «مدينة الشياطين باتت قريبة. قم بدورك. لا أرغب بأكثر من ذلك، ولن أسمح.»

؟؟؟: «――يا صاح، جاء وقت تبديل النوبة.»

 

 

عند هذا الردِّ المنفصل عن الواقع، نقر سوبارو لسانه بضيق.

آل: «كفى كفى، سيكون من الفظيع أن يُعدَم أحدنا لأننا جعلنا إيبل تشان يعمل في نوبة الحراسة الليلية بعد أن يستعيد عرشه!»

 

وقد فهم سوبارو، من نبرة صوتها وتعبيرات وجهها، أنَّها لم تبلغ جوابًا بعد، لكنه أدرك أيضًا أنَّ عليه ألَّا يُجبرها على الحديث.

كان قد ظنَّ في وقتٍ ما أنَّ بإمكانه إحداث تقدُّم معه… لكن لا فائدة.

 

 

 

سوبارو: «أوه، حسنًا… حسنًا! سأشخر بأعلى صوتٍ أستطيعه!»

 

 

 

قالها بصوتٍ مرتفع من الغيظ، لكن إيبل لم يرد بشيء.

 

 

 

وبوجهٍ عبوس، جلس سوبارو في أبعد نقطة ممكنة عن إيبل، رخى ملابسه، واستلقى بحذر كي لا يُفسد شعره المستعار.

 

 

 

فكَّر في البقاء مستيقظًا نكايةً بإيبلد لكنُّه لم يكن متأكدًا إنْ كان لذلك معنى، أو إن كان النوم أو الاستيقاظ هو الخيار الأفضل؛ وعليه، غامت وعيه وتلاشت أفكاره.

 

 

إيبل: «――وأنا لستُ استثناءً.»

واصلت العربة سيرها محمَّلةً بهمومٍ ومشاكلَ وقيمِ علاقاتٍ مضطربة.

ردًّا على سؤال سوبارو، التفت إيبل إليه ببطء، وتفحَّصه وهو جالسٌ قرب النار.

 

 

―― وكان الوصول إلى مدينة الشياطين كيوس فليم على بُعد خطواتٍ قليلة.

سوبارو: «وإلا، حتى لو عاد إلى العرش بمساعدتنا، فسرعان ما ستندلع ثورة أخرى، وسيفقد رأسه حينها.»

 

في المقابل، لم تهتزُّ ملامح إيبل الواضحة الصارمة. وكما فعل في الماضي، راح يرمش بعينيه اليمنى واليسرى بالتناوب، وعدد رمشاته كان أقلَّ ما يمكن، وهي نفس الدوافع التي تمنعه من إغلاق عينيه كلتيهما أثناء النوم.

 

وربما، تمنت أن يُخبرها بأنَّ عدم الثقة بالنفس ليس له مكانٌ أمام شخصٍ مثل سوبارو، يرتدي ملابس النساء بكلِّ فخرٍ ودون خجل.

////

كانت عينا إيبل، وقد انعكست فيهما نسائم الليل، صافية كبرودة السماء.

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

 

ولدى عودته إلى العربة، استقبله سكونها الهادئ، يلفُّه ظلامها الدافئ.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط