35 - ليلةٌ للحديث.
ميديوم: «المكان الذي كنت فيه أنا وأخي كان مكانًا سيئًا للغاية.»
سوبارو: «هذا ليس صحيحًا…»
سوبارو: «――أنتَ من النوع الذي لا يطيق رؤية أحدٍ يخرج صفر اليدين، أليس كذلك؟»
كان هذا ما قالته ميديوم بنبرتها المعتادة، وهم ملتفُّون حول نار المخيَّم في الليل. كانت ميديوم دائمًا مشرقة ومبتهجة، ولم تُعنَ يومًا بخفض صوتها. وما خرج من فمها تلك الليلة، كان حديثًا عن دار الأيتام التي نشأت فيها هي وفلوب سابقًا.
إيبل: «مع المنصب تأتي المسؤولية. فإنِ ارتدى المرء عباءةً أثقل من أن يحملها، وسُحق تحتها، فلا يُعدُّ سوى أحمق. أما الخُلُق والكبرياء فلا يُصقلان إلَّا بالوعي الذاتي المستمر.»
وكان قد سُمِع من فلوب أيضًا أنَّهما ترعرعا في ظروف بائسة.
في منتصف المساحة المخصَّصة داخل العربة، كان إيبل مستلقيًا نائمًا. وما إن تطلَّع سوبارو إلى وجهه أثناء نومه، حتى صُدم بذلك الصوت المفاجئ. وكاد يطلق صرخة غريزية، لكنه تمكَّن من كتمها، قائلًا بدلًا من ذلك:
نشأ الأخوان تحت الضرب اليومي، في منشأةٍ تؤوي الأطفال اليتامى. وقد صرَّح فلوب أنَّهما كانا يحملان حقدًا على هذا العالم الذي يُمعن فيه الكبار التعساء ضربًا بالأطفال التعساء، وأنهما أقسما على الانتقام منه.
سوبارو: «إن كنتَ تتحدث عن الأحقاد، فلا أظن أنني قادر على تحديد عدد الرؤوس التي يجدر بي أن أقدِّمها مقابل ذلك.»
طبعًا، لأجل سلامتهما أيضًا، ولكن――
ميديوم: «لا أفهم كلَّ ما يقوله أخي، لأنَّ كلامه صعب جدًّا بالنسبة لي. لكن عندما أراه يمشي بتلك الخطوات العريضة وصدره مرفوع، أرغب بمساعدته.»
سوبارو: «لذا، رجاءً، ابذل جهدك يا آل.»
سوبارو: «حتى لو كان انتقامًا من العالم؟»
ولدهشة الجميع، لم يُعِد إيبل نفسه سريعًا إلى العربة لينال قسطًا من الراحة بعد العشاء، بل بقي هناك صامتًا. ومع ذلك، لم يبدو أنَّه كان يُنصت إلى الأحاديث الجانبية، ولا إلى كلمات سوبارو التي كانت تهكميةً ساخرة.
سوبارو: «حتى لو هربتِ…»
ميديوم: «نعم، نعم! مع أنني لا أعلم كيف سيفعل ذلك.»
ثم جلست ميديوم القرفصاء وهي تبتسم بخجل، ووضعت لويس في حجرها، وراحت تمشِّط شعرها من الخلف بأصابعها.
لويس، المتكوِّرة في حجرها، كانت سعيدةً أيضًا، وكأنَّها انجرفت في بهجة ميديوم.
وكان السبب في حديثها عن دار الأيتام، في المقام الأول، هو مهارتها في التعامل مع الأطفال.
سوبارو: «حتى لو كان انتقامًا من العالم؟»
إيبل: «… لقد أثقلتُ الحديث. سأترك الباقي لكم.»
لقد دُهِش سوبارو من أنَّ ميديوم، التي تُعطي انطباعًا بأنها تقوم بكلِّ شيءٍ بنوعٍ من الخشونة، إن جاز له القول، كانت تعتني بلويس بهذا القدر من اللطف.
؟؟؟: «――ما بالك تحدِّق فيَّ بهذه الوقاحة؟»
فسألها عن سبب ألفتها مع الأطفال، فقادهم الحديث إلى النقطة السابقة.
ميديوم: «لأنَّه كان في المنشأة أطفالٌ آخرون غيري وغير أخي، كما تعلم. بعضهم كانوا أصغر منِّي، ولم يكن الأمر مُمتعًا كثيرًا، فأردتُ على الأقل أن أترك لهم شعرهم ينمو.»
――لا يمكنُك أن تكون شخصًا آخر.
؟؟؟: «――يا صاح، جاء وقت تبديل النوبة.»
سوبارو: «إذًا لهذا السبب أنتِ بارعةٌ في التعامل مع الصغار. هذا منطقي، فأنتِ بارعةٌ حقًّا في رعاية الآخرين.»
تاريتا: «عليَّ أن أجد الجواب في هذه الرحلة. لا، بل يجب أن أعزم أمري بثبات.»
ميديوم: «أوهِيهي، أتعتقد ذلك؟ حسنًا، إن كان الأمر كذلك، فأنا سعيدةٌ لأنني استطعتُ المساعدة.»
تألَّق شعرُ ميديوم الذهبي الجميل تحت وهج النار المتوهِّجة الحمراء. ولويس، الجالسة أمامها، تمتلك شعرًا بنفس اللون. كانتا على قدرٍ من القرب جعل مَن يراهما يظنُّهما أختين.
مثل فراشةٍ تنبثق بعد كثيرٍ من الإحباطات، والانكسارات، ولحظاتٍ صغيرة من الفخر بالنفس.
؟؟؟: «――يا صاح، جاء وقت تبديل النوبة.»
ولو أُضيفت فلورا إلى المشهد، وتُرك فلوب جانبًا، لصحَّ أن يُقال إنهنَّ ثلاث أخواتٍ جميلات.
سوبارو: «… ما كان ينبغي لي أن أفكِّر في تحميلك أنتِ وفلوب سان مثل هذا العبء.»
فُوجئت ميديوم، واتسعت عيناها الكبيرتان لأقصى حد، وسقط فمها مفتوحًا. يبدو أنَّها لم تُصدِّق أنَّ إيبل بادر بالكلام معها، أو حتى أنَّه كان يُنصت.
الهروب ليس خطأ، ما دام المرء لم يستعد بعدُ للقتال.
ميديوم: «――؟ ناتسومي تشان، هل قلتَ شيئًا؟»
سوبارو: «لا، لا شيء. فقط… أشعر فعلًا أنَّكِ ساعدتِني كثيرًا، ميديوم سان.»
ولدهشة الجميع، لم يُعِد إيبل نفسه سريعًا إلى العربة لينال قسطًا من الراحة بعد العشاء، بل بقي هناك صامتًا. ومع ذلك، لم يبدو أنَّه كان يُنصت إلى الأحاديث الجانبية، ولا إلى كلمات سوبارو التي كانت تهكميةً ساخرة.
وبغضِّ النظر عن العلاقة غير اللائقة بين الشقيقين أوكونيل ولويس، فإنَّ ما قاله قد يبدو كأنه قيل تحت ذريعةٍ واهية، لكنَّه كان يعنيه بحق.
ساد الصمت قليلًا، وغرقت تاريتا في التفكير.
فقد مثَّلت ميديوم وفلوب دعمًا عظيمًا في رحلتهم داخل الإمبراطورية، سواء من الناحية العسكرية أو النفسية.
سوبارو: «――أشعر ببعض الارتياح فقط لأنَّ الأمر لم يكن مجرَّدَ عذر.»
تاريتا: «لِـ-لِمَ تبدو متفاجئًا هكذا…؟»
ولو لم يكن فلوب وميديوم معهم، لكانت مسيرة سوبارو والبقيَّة داخل الإمبراطورية أشدَّ كآبةً بكثير.
إيبل: «سيُعالَج الأمر بما يليق. سواءٌ قمتُ بذلك بنفسي أم لا.»
سوبارو: «أنا شخصٌ دقيقٌ بعض الشيء، فإذا أردتُ أن أفعل شيئًا… أرغب أن أُتقنه دون أن أشعر بالحرج منه.»
سوبارو: «من هذه الناحية، ألا ينبغي لك أن تكون أكثر امتنانًا؟»
ردًّا على سؤال سوبارو، التفت إيبل إليه ببطء، وتفحَّصه وهو جالسٌ قرب النار.
سوبارو: «أوه، هذا ليس مضحكًا――»
؟؟؟: «――――»
نادته تاريتا بصوت خافت، بينما كان يسلم نوبة الحراسة لآل ويهمُّ بالعودة إلى العربة.
قال ذلك وهو يُضيِّق عينيه، محاولًا أن يستدرَّ ردًّا من إيبل، الجالس قُرب نار المخيَّم.
ولدهشة الجميع، لم يُعِد إيبل نفسه سريعًا إلى العربة لينال قسطًا من الراحة بعد العشاء، بل بقي هناك صامتًا. ومع ذلك، لم يبدو أنَّه كان يُنصت إلى الأحاديث الجانبية، ولا إلى كلمات سوبارو التي كانت تهكميةً ساخرة.
سوبارو: «――أجل، أراكِ غدًا.»
إيبل: «ميديوم، من أين أنتِ وأخوكِ؟»
قالها بصوتٍ مرتفع من الغيظ، لكن إيبل لم يرد بشيء.
سوبارو: «هذه فرصتك لتتجاوز نقاط ضعفك… الأمر نفسه ينطبق على الفلفل الحار.»
ميديوم: «هاه؟»
وربما، تمنت أن يُخبرها بأنَّ عدم الثقة بالنفس ليس له مكانٌ أمام شخصٍ مثل سوبارو، يرتدي ملابس النساء بكلِّ فخرٍ ودون خجل.
لكن، وعلى الرغم من أنَّه لم يُجب على كلمات سوبارو، فقد طرح إيبل سؤالًا على ميديوم.
لم تخوضا بعدُ معركة واحدة معًا، لكن سوبارو آمن بأنَّه ما دامتا تستمرَّان في القتال، فلا بدَّ أن تنتصرا يومًا ما.
وكان مضمون السؤال متعلِّقًا بالحديث الذي جرى تَوًّا.
كلُّ ما تمناه… أن يكون موجودًا حين تأتي اللحظة التي ترغب فيها بأن تبوح.
فُوجئت ميديوم، واتسعت عيناها الكبيرتان لأقصى حد، وسقط فمها مفتوحًا. يبدو أنَّها لم تُصدِّق أنَّ إيبل بادر بالكلام معها، أو حتى أنَّه كان يُنصت.
ميديوم: «إيبل تشان، أتعرف اسمي؟»
كلماته لم تترك مجالًا للفهم المشترك أو التعاطف. لذا، فالمعنى الحقيقي لكلامه لم يصل إلى سوبارو إلَّا جزئيًا، إن وصل أصلًا.
ويبدو أنَّ هذه لم تكن وحدها أسباب دهشتها.
فقد تخلَّت تاريتا عن النقوش البيضاء التي غطت جسدها، وارتدت زيًّا أقرب للمدنيِّين، ومع قوامها الطويل والمتناسق، بدت كأنَّها امرأة فاتنة في زيٍّ رجولي.
على أيِّ حال، تنفَّس إيبل زفرةً صغيرة تجاه ميديوم، التي استعملت في ندائه أسلوبًا غير محترم تمامًا كالذي يستخدمه آل، وهو ما كان كفيلًا بإغضاب صاحب الجلالة الإمبراطور.
نشأ الأخوان تحت الضرب اليومي، في منشأةٍ تؤوي الأطفال اليتامى. وقد صرَّح فلوب أنَّهما كانا يحملان حقدًا على هذا العالم الذي يُمعن فيه الكبار التعساء ضربًا بالأطفال التعساء، وأنهما أقسما على الانتقام منه.
إيبل: «تذكُّر الأسماء أمرٌ تافه. فكفِّي عن هذا الإعجاب السخيف. أجيبي على سؤالي. من أين أنتما، أنتِ وفلوب؟ ومَن كان رئيس المنشأة التي نشأتما فيها؟»
――رغم أنَّ تلك الذكرى لم تعد موجودة في عقل إميليا الآن.
ميديوم: «الرئيس؟ تقصد مدير الدار؟ لا أذكر اسمه، لكنني وأخي كنَّا في بلدةٍ صغيرة تُدعى آفيريك.»
وعندما سألهم ذات مرَّة عن عادات نومهم، مع علمه بأنَّ ذلك ليس من آداب الحديث، أجابته ميديوم بابتسامة مرِحة:
فكَّر في البقاء مستيقظًا نكايةً بإيبلد لكنُّه لم يكن متأكدًا إنْ كان لذلك معنى، أو إن كان النوم أو الاستيقاظ هو الخيار الأفضل؛ وعليه، غامت وعيه وتلاشت أفكاره.
إيبل: «آفيريك… تلك بلدةٌ في الغرب. سأُبقيها في ذاكرتي.»
ميديوم: «――؟ ستتذكَّرها؟ ولماذا؟»
إيبل: «سيُعالَج الأمر بما يليق. سواءٌ قمتُ بذلك بنفسي أم لا.»
ويبدو أنَّ هذه لم تكن وحدها أسباب دهشتها.
كان جواب إيبل موجزًا، غير أنَّ مقصده لم يكن واضحًا بالنسبة لميديوم.
ظهرت علامة استفهام على وجه ميديوم، وبدا أنَّ ملامحها توحي وكأنَّ رأسها امتلأ فجأة بعشرات الأسئلة. وإيبل، بطبعه البعيد عن اللطف، لم يُبْدِ أيَّ نية لتبديد ذلك الغموض.
نشأ الأخوان تحت الضرب اليومي، في منشأةٍ تؤوي الأطفال اليتامى. وقد صرَّح فلوب أنَّهما كانا يحملان حقدًا على هذا العالم الذي يُمعن فيه الكبار التعساء ضربًا بالأطفال التعساء، وأنهما أقسما على الانتقام منه.
ورغم أنَّه كان هذا مجرى الحديث، فقد أفضت له تاريتا بأعمق أفكارها. وضعها، مخاوفها، والمسؤولية التي تحملها على كتفيها الهزيلتين، كانت كلُّها جلية.
أما سوبارو، فعلى الرغم من أنه لم يفهم الصورة كاملة، فقد قال:
سوبارو: «أتُراك تريد الاستماع إلى آراء الناس الصريحة وتطبيقها مباشرةً في سياسة الدولة؟»
إيبل: «لستُ بتلك الدرجة من النُبل. لقد أخبرتكَ من قبل―― إنَّه أمرٌ يتعلَّق بالعقوبة أو المكافأة، لا غير.»
ميديوم: «――؟ ستتذكَّرها؟ ولماذا؟»
فمَن حقَّق إنجازًا نال الجزاء، ومَن أساء التصرُّف نال العقاب.
لقد دُهِش سوبارو من أنَّ ميديوم، التي تُعطي انطباعًا بأنها تقوم بكلِّ شيءٍ بنوعٍ من الخشونة، إن جاز له القول، كانت تعتني بلويس بهذا القدر من اللطف.
ذلك هو المبدأ الذي يؤمن به إيبل بصفته حاكمًا، ويبدو أنَّه لا يتزحزح عنه قيد أنملة.
وتحت نظرة سوبارو المرفوعة حاجبها، أغلق إيبل عينًا واحدة فقط―― نعم، واحدة فقط.
ولو استرجع سوبارو شعائر “دم الحياة” في قرية الشودراك، حينها لَتذكَّر كيف أنَّ إيبل توسَّل إليه وهو على شفير الموت، ليُخبره برغبته. خلف ذلك التوسُّل كانت ترقد نفس القناعة. وتلك هي――
سوبارو: «لذا، رجاءً، ابذل جهدك يا آل.»
سوبارو: «――أنتَ من النوع الذي لا يطيق رؤية أحدٍ يخرج صفر اليدين، أليس كذلك؟»
ردَّت تاريتا بصوت خافت، بينما صرخ آل محتجًّا مدافعًا عن نفسه. وبعد أن قارن بينهما بنظره، نهض سوبارو وهو ينفض الغبار عن حاشية ثوبه ومؤخِّرته، وهمس لآل:
إيبل: «كثيرون يُقذَفون في هذا العالم مجرَّدين من كلِّ شيء. وما يُمسكون به بأيديهم، وما يرحلون به في النهاية، هو حياتهم. لا ينبغي أن يُنتزَع من أحد ما كسبه.»
وربما―― تمنت تاريتا أن يقول لها سوبارو في تلك اللحظة: «تماسكي.»، لتدفع نفسها إلى اتخاذ قرارٍ لم تستطع اتخاذه.
قالها بصوتٍ مرتفع من الغيظ، لكن إيبل لم يرد بشيء.
سوبارو: «من الغريب أن أسمع هذا من فم إمبراطور وُلد وفي فمه ملعقةٌ من ذهب.»
كانت حكايةً قد سمع مثلها من قبل، ومع ذلك، كانت حكايةً لم يسبق له أن أفصح بها لأحد.
كما هو الحال في كل مجال، فثمَّة جهودٌ عظيمة لأسلافٍ سبقوا في تطوير الفنون.
فالناس في غالبيتهم يولدون محرومين، ولا خيار لهم سوى الصراع الدائم، يتحمَّلون قصورهم وعجزهم. وهم يعلمون أنَّ هذه هي طبيعة الحياة، ولكن يصعب عليهم تقبُّل ذلك حين يصدر عن مَن وُلد ميسَّرًا.
سوبارو: «تعلم… مجرد قدرتي على الهروب، كانت بمثابة الخلاص.»
فمَن حقَّق إنجازًا نال الجزاء، ومَن أساء التصرُّف نال العقاب.
غير أنَّ إيبل لم يُعر سوبارو اهتمامًا، ولا نظر إليه على أنَّه يسخر.
حينها، يبدأ ظلٌّ أسود غامض بالزحف من خلفه، يلفُّ ذراعيه حول كتفيه بمودةٍ مزيَّفة، ويلاحقه بإلحاحٍ خانق.
ساد الصمت قليلًا، وغرقت تاريتا في التفكير.
إيبل: «――وأنا لستُ استثناءً.»
سوبارو: «――؟ ماذا تقصد؟»
إيبل: «مع المنصب تأتي المسؤولية. فإنِ ارتدى المرء عباءةً أثقل من أن يحملها، وسُحق تحتها، فلا يُعدُّ سوى أحمق. أما الخُلُق والكبرياء فلا يُصقلان إلَّا بالوعي الذاتي المستمر.»
لقد فرَّ سوبارو من التوقُّعات التي أُلقيت فوقه، ومن الذنبِ الذي شعر به حين أخفق في تحقيقها.
ردًّا على سؤال سوبارو، التفت إيبل إليه ببطء، وتفحَّصه وهو جالسٌ قرب النار.
ويبدو أنَّ هذه لم تكن وحدها أسباب دهشتها.
أنعم النظر في شعره الأسود وملابسه القاتمة، وكأنَّه يُقيِّمه بعينٍ فاحصة.
تاريتا: «لطالما نشأتُ مختبئة خلف أختي. الجميع يعرف مَن تكون أختي؛ لذا لم يشكُّ أحدٌ في أنَّها ستصبح الزعيمة يومًا ما. ولا أنا كذلك.»
إيبل: «الهويَّات الزائفة والمُصطنعة لا بدَّ أن تُكشَف في النهاية. تبدو ماهرًا في التنكُّر، ولكن إن انكشف أمرك، فإصلاح الأمر لن يكون سهلًا.»
نشأ الأخوان تحت الضرب اليومي، في منشأةٍ تؤوي الأطفال اليتامى. وقد صرَّح فلوب أنَّهما كانا يحملان حقدًا على هذا العالم الذي يُمعن فيه الكبار التعساء ضربًا بالأطفال التعساء، وأنهما أقسما على الانتقام منه.
في البداية، نوى سوبارو أن يوقفها إن بدأت تتحدث عمَّا لا ترغب في الإفصاح عنه، كردٍّ على اعترافه. فقد سألته عن مصدر خبرته في التزيُّن وتنكر النساء، فحدَّثها عن نفسه، إذ إن تلك كانت مشاكله الخاصة، ولم يكن ينوي فرض ذلك عليها.
سوبارو: «――――»
وبصراحة، لولا لقاؤه بإميليا، لَما ظنَّ أنَّه كان سيحصل على فرصةٍ لتغيير مجرى حياته.
إيبل: «ما دمتَ تُحقِّق النتائج، فلن أتدخَّل في شؤونك. لكن لا تظننَّ أنني أتغاضى عن اتخاذ صورةٍ زائفة كداعمٍ أساسي. فحينها، سينهار الأساس برمَّته.»
كانت عينا إيبل، وقد انعكست فيهما نسائم الليل، صافية كبرودة السماء.
في المقابل، لم تهتزُّ ملامح إيبل الواضحة الصارمة. وكما فعل في الماضي، راح يرمش بعينيه اليمنى واليسرى بالتناوب، وعدد رمشاته كان أقلَّ ما يمكن، وهي نفس الدوافع التي تمنعه من إغلاق عينيه كلتيهما أثناء النوم.
كلماته لم تترك مجالًا للفهم المشترك أو التعاطف. لذا، فالمعنى الحقيقي لكلامه لم يصل إلى سوبارو إلَّا جزئيًا، إن وصل أصلًا.
ومع ذلك، فإنَّه سيستمر في التذمُّر من سلوك إيبل فيما بعد. فسببُ غطرسة إيبل واستبداده هو أن لا أحد قط تجرَّأ على مجابهته بالكلام.
ولم يبقَ في صدر سوبارو سوى ألمٌ لاذع، ناجم عن كلماتٍ مهينةٍ وجَّهت سهمها إلى أعماق قلبه دون رحمة.
واصلت العربة سيرها محمَّلةً بهمومٍ ومشاكلَ وقيمِ علاقاتٍ مضطربة.
إيبل: «… لقد أثقلتُ الحديث. سأترك الباقي لكم.»
سوبارو: «――أنتَ من النوع الذي لا يطيق رؤية أحدٍ يخرج صفر اليدين، أليس كذلك؟»
فسألها عن سبب ألفتها مع الأطفال، فقادهم الحديث إلى النقطة السابقة.
قال ذلك، ثم وقف ومضى إلى العربة.
وأُغلِق بابها الثقيل خلفه بصوتٍ مكتوم. ولم يبقَ حول النار سوى سوبارو، وميديوم، ولويس التي لم تُدرك شيئًا ممَّا جرى.
تاريتا: «لطالما نشأتُ مختبئة خلف أختي. الجميع يعرف مَن تكون أختي؛ لذا لم يشكُّ أحدٌ في أنَّها ستصبح الزعيمة يومًا ما. ولا أنا كذلك.»
سوبارو: «… ما بال هذا الرجل؟»
مرَّ الزمن ببطء، فيما كان يُحدّق في لهيب النار المتراقص.
قالها وهو يُمسك بفمه، وملامحه تعكس مرارةً حادَّة.
وكأنَّه كان خاسرًا مُرًّا في دور خصمٍ نسويٍّ عنيد. تلك الاستراتيجية العسكرية الحديدية، ناتسومي شوارتز، كانت أشدَّ صلابةً وأرقَّ مرونة.
وبغضِّ النظر عن العلاقة غير اللائقة بين الشقيقين أوكونيل ولويس، فإنَّ ما قاله قد يبدو كأنه قيل تحت ذريعةٍ واهية، لكنَّه كان يعنيه بحق.
ذلك ما كان دومًا ما يتمناه سوبارو―― قلبٌ لا يلين، صورة المرأة الأقوى التي تسكنه.
ميديوم: «ناتسومي تشان، هل أنتِ بخير؟»
لامست يدُ ميديوم رأسَ سوبارو المثقل بالصراعات بلطفٍ وحنان.
كان هذا ما قالته ميديوم بنبرتها المعتادة، وهم ملتفُّون حول نار المخيَّم في الليل. كانت ميديوم دائمًا مشرقة ومبتهجة، ولم تُعنَ يومًا بخفض صوتها. وما خرج من فمها تلك الليلة، كان حديثًا عن دار الأيتام التي نشأت فيها هي وفلوب سابقًا.
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
كانت قد انتقلت بخفة وجلست بجانبه على عقبيها دون أن تُلامس الأرض، يداها مناسبتان لطول قامتها، كبيرتان بما يكفي لتُحيط برأسه بسهولة.
عقدة النقص تجاه الأخت الكبرى المتفوقة… شعورٌ ظلَّ يؤلم ريم لسنوات.
كفُّها العريض احتضن قلبَ سوبارو المرهق بلُطفٍ ودفء.
سوبارو: «نعم، أنا بخير. أقصد، ذلك الرجل كان مواربًا في كلامه… هل فهمتِ ما قصده، ميديوم سان؟»
سوبارو: «لمَ لا تنام بشكلٍ طبيعي؟ أتظنُّ أننا سنطعنك وأنت نائم؟»
فسألها عن سبب ألفتها مع الأطفال، فقادهم الحديث إلى النقطة السابقة.
ميديوم: «هممم، لا إطلاقًا! لكن بدا أنَّ ناتسومي تشان كانت تتألم؛ لذا كان هذا أقلَّ ما أستطيع فعله.»
ظهرت علامة استفهام على وجه ميديوم، وبدا أنَّ ملامحها توحي وكأنَّ رأسها امتلأ فجأة بعشرات الأسئلة. وإيبل، بطبعه البعيد عن اللطف، لم يُبْدِ أيَّ نية لتبديد ذلك الغموض.
قالها وهو يُمسك بفمه، وملامحه تعكس مرارةً حادَّة.
سوبارو: «هذا ليس صحيحًا…»
لم تخوضا بعدُ معركة واحدة معًا، لكن سوبارو آمن بأنَّه ما دامتا تستمرَّان في القتال، فلا بدَّ أن تنتصرا يومًا ما.
ميديوم: «لا بأس، لا بأس، أعلم ذلك! أنا مُكلَّفة بأن أستغلَّ جسدي الكبير لأبذل جهدي، وأترك الأمور الصعبة لأخي الكبير وللجميع.»
في منتصف المساحة المخصَّصة داخل العربة، كان إيبل مستلقيًا نائمًا. وما إن تطلَّع سوبارو إلى وجهه أثناء نومه، حتى صُدم بذلك الصوت المفاجئ. وكاد يطلق صرخة غريزية، لكنه تمكَّن من كتمها، قائلًا بدلًا من ذلك:
ابتسمت ميديوم بابتسامةٍ عذبة وهي تواصل تربيتَها على رأس سوبارو، ووجهها خالٍ تمامًا من أيِّ زيف.
فبالنسبة له، استخدام أدوات التجميل والتنكر بزيِّ النساء لم يكن أمرًا جللًا.
رغم إدراكها لنقاط ضعفها، لم تسمح لها بأن تُحبطها، وكانت تنعم بروحٍ مشرقة―― تلك الروح التي كانت سمةً مشتركة بين مَن يُعجب بهم سوبارو.
سوبارو: «لا، هذا خطأ كبير. أنا أريد لتاريتا سان أن تكون معنا، بشخصها وقوَّتها على حدٍّ سواء. لكنَّ هذا سيكون أنانيًّا منِّي، أليس كذلك؟»
سوبارو: «أنتِ ناضجة حقًّا، ميديوم سان.»
تاريتا: «هاه؟»
ميديوم: «لم يقل لي أحدٌ هذا من قبل! رغم أني سمعتُ أشياء مثل: أني أختٌ كبيرة جيدة، أو أنني آكل كثيرًا من دون مشاكل.»
إيبل، وميديوم، ولويس كانوا الثلاثة الذين يستريحون في تلك اللحظة، ومقدار السكون الذي كانت تنام فيه كلٌّ من ميديوم ولويس، أما إيبل فخارج هذا القياس، بدا في نظر سوبارو مفاجئًا إلى حدٍّ ما.
سوبارو: «هذا أمر لستُ بارعًا فيه.»
سوبارو: «وهذه أيضًا صفات جميلة فيكِ، ميديوم سان.»
فقد دفعت سوبارو للإفصاح عن ظروفه الشخصية―― عن عالمه الأصلي؛ ومع أنَّه تعمَّد تخفيف وطأة التفاصيل المظلمة والثقيلة في حياته، فكيف أثَّر ذلك في تاريتا؟
ميديوم: «أوِهِيهي~.»
تاريتا: «――――»
أمام عجزه عن التعبير عن امتنانه وإعجابه رغم كثرة كلماته، شعر سوبارو بالإحباط. غير أنَّ ميديوم، بابتسامتها المرحة، استقبلت كلماته المجاملة وكأنها أثمن ما قيل لها.
لم تخوضا بعدُ معركة واحدة معًا، لكن سوبارو آمن بأنَّه ما دامتا تستمرَّان في القتال، فلا بدَّ أن تنتصرا يومًا ما.
لويس، المتكوِّرة في حجرها، كانت سعيدةً أيضًا، وكأنَّها انجرفت في بهجة ميديوم.
تاريتا: «――――»
ميديوم: «――؟ ناتسومي تشان، هل قلتَ شيئًا؟»
كان المشهد سلميًّا إلى درجةٍ جعلت سوبارو يشعر وكأنَّه انفصل مؤقَّتًا عن كلِّ معاناته وهمومه.
سوبارو: «لمَ لا تنام بشكلٍ طبيعي؟ أتظنُّ أننا سنطعنك وأنت نائم؟»
كان ذلك الوقت هادئًا لدرجة أنَّه صوَّره في مخيِّلته وكأنَّه وُجد في عالمٍ آخر، بعيدًا عن كلِّ توتُّر.
تاريتا: «――――»
سوبارو: «أوه، حسنًا… حسنًا! سأشخر بأعلى صوتٍ أستطيعه!»
△▼△▼△▼△
آل: «”قائد خبير” يبدو كأنَّه نقيض ما أُوصَف به، أليس كذلك؟ لا يمكنني تحمُّل مسؤولية حياة الآخرين، فأنا أتهرَّب من ذلك عمدًا.»
مرَّ الزمن ببطء، فيما كان يُحدّق في لهيب النار المتراقص.
ميديوم: «أوِهِيهي~.»
سوبارو: «――――»
كان العالم هادئًا تمامًا، لا يُسمع فيه سوى فرقعة قطع الحطب المُشتعلة.
كره سوبارو مثل هذه اللحظات الخالية. ففيها، إن ترك نفسه للشرود، اجتاحه شعورٌ ثقيلٌ بالعجز، وإحساسٌ ملحٌّ بأنه يُهدر حياته بلا معنى.
سوبارو: «لا، هذا خطأ كبير. أنا أريد لتاريتا سان أن تكون معنا، بشخصها وقوَّتها على حدٍّ سواء. لكنَّ هذا سيكون أنانيًّا منِّي، أليس كذلك؟»
كان يتساءل ما إذا كان من المسموح له أن يقضي وقته متسكِّعًا هكذا، غارقًا في السكون.
حينها، يبدأ ظلٌّ أسود غامض بالزحف من خلفه، يلفُّ ذراعيه حول كتفيه بمودةٍ مزيَّفة، ويلاحقه بإلحاحٍ خانق.
ردَّت تاريتا بصوت خافت، بينما صرخ آل محتجًّا مدافعًا عن نفسه. وبعد أن قارن بينهما بنظره، نهض سوبارو وهو ينفض الغبار عن حاشية ثوبه ومؤخِّرته، وهمس لآل:
لم يكن ممكنًا صدُّ ذاك الكابوس، حتى لو أغلق أذنيه وأغمض عينيه―― ولكي يهرب منه، جرَّب ناتسكي سوبارو كلَّ وسيلةٍ ممكنة.
سوبارو: «هذا أمر لستُ بارعًا فيه.»
وفي بعض الأحيان، يُشيد الناس بدهائه وتعدُّد مهاراته.
لكن الحقيقة أنَّ كلَّ ذلك لم يكن سوى ذرائعٍ للهروب من المسؤولية والشعور بالذنب.
اتَّسعت عيناها، وبدت ملامح الندم جليَّة فيها. كما في المرَّة الأولى حين تحدَّثت عن الخطأ، ها هي الآن تُبدي أسفًا واضحًا لما أفشتْه أمام سوبارو.
فناتسكي سوبارو لم يكن سوى مجسَّمٍ من الورق المعجون―― نتيجة سلسلةٍ من الأعذار والتبريرات.
كانت حكايةً قد سمع مثلها من قبل، ومع ذلك، كانت حكايةً لم يسبق له أن أفصح بها لأحد.
غير أنَّها حين تولَّت حراسة الليل، خلعت سترتها ورفعت أكمامها، مما منحها هيئةً أكثر وحشية من كونها ذكيَّة.
سوبارو: «――أشعر ببعض الارتياح فقط لأنَّ الأمر لم يكن مجرَّدَ عذر.»
ولم يدرك سوبارو آنذاك أنَّها أشارت إلى أسفارها السابقة كمتجوِّلة تبيع البضائع، أو إلى أيَّامها في المنشأة التي قيل إنَّها كانت ذات ظروف سيئة.
؟؟؟: «أهكذا…»
الهروب ليس خطأ، ما دام المرء لم يستعد بعدُ للقتال.
بعد أن أنصتت لحديث سوبارو، أومأت تاريتا برأسها.
على الجانب الآخر من لهيب النار المتراقص، انعكس الضوء الأحمر على وجه تاريتا وهي راكعة على الأرض. انسجم وهج النار المتراقص بانسياب مع لون بشرتها الأسمر.
آل: «نعم، سأترك ذلك لك. كما ترى من تعاملاتي مع الأميرة، فأنا من النوع الذي يؤمن بسياسة “دَع الأمور تجري”.»
لامست يدُ ميديوم رأسَ سوبارو المثقل بالصراعات بلطفٍ وحنان.
وللحديث عن الانسجام، فإن ملابسها التي تُخفي هويتها كشودراكية كانت كذلك أيضًا.
فقد تخلَّت تاريتا عن النقوش البيضاء التي غطت جسدها، وارتدت زيًّا أقرب للمدنيِّين، ومع قوامها الطويل والمتناسق، بدت كأنَّها امرأة فاتنة في زيٍّ رجولي.
غير أنَّها حين تولَّت حراسة الليل، خلعت سترتها ورفعت أكمامها، مما منحها هيئةً أكثر وحشية من كونها ذكيَّة.
أنصتت تاريتا لحديث سوبارو، والاضطراب في عينيها يزداد، وتردُّدها يحتدم.
فُوجئت ميديوم، واتسعت عيناها الكبيرتان لأقصى حد، وسقط فمها مفتوحًا. يبدو أنَّها لم تُصدِّق أنَّ إيبل بادر بالكلام معها، أو حتى أنَّه كان يُنصت.
تاريتا: «――――»
كفُّها العريض احتضن قلبَ سوبارو المرهق بلُطفٍ ودفء.
ساد الصمت قليلًا، وغرقت تاريتا في التفكير.
كان صوتها بالكاد يُسمع، كأنَّه غرق في فرقعة ألسنة اللهب. أو ربما كانت مشاعرها متأججةً إلى حدٍّ أكبر من حين سردت قصَّتها الأولى عن عجزها.
فقد دفعت سوبارو للإفصاح عن ظروفه الشخصية―― عن عالمه الأصلي؛ ومع أنَّه تعمَّد تخفيف وطأة التفاصيل المظلمة والثقيلة في حياته، فكيف أثَّر ذلك في تاريتا؟
كلُّ ذلك بدأ حين رأت تاريتا سوبارو ينظِّف أظافره، فسألته: «من أين تعلمتَ التزيُّن؟»
لوَّح آل بيده بخفة، كأنَّه يرمي مهمة إقناع سوبارو من كاهله، فزفر سوبارو متنهِّدًا إزاء تهاونه، ثم التفت من جديد نحو تاريتا التي كانت تحدِّق في النار شاردة.
تاريتا: «ناتسومي… أراكَ غدًا.»
فبالنسبة له، استخدام أدوات التجميل والتنكر بزيِّ النساء لم يكن أمرًا جللًا.
سوبارو: «هاه؟»
فُوجئت ميديوم، واتسعت عيناها الكبيرتان لأقصى حد، وسقط فمها مفتوحًا. يبدو أنَّها لم تُصدِّق أنَّ إيبل بادر بالكلام معها، أو حتى أنَّه كان يُنصت.
إذ إن سنوات مراهقته في المرحلة المتوسطة كانت مضطربة، وقد خاض تلك التجربة كتحدٍّ وتسلية، ليُحدث بها انقلابًا مثيرًا في حياته الثانوية القادمة.
أعاد عليها سؤاله، فخرج من فمها “آه” صغيرة.
سوبارو: «أنا شخصٌ دقيقٌ بعض الشيء، فإذا أردتُ أن أفعل شيئًا… أرغب أن أُتقنه دون أن أشعر بالحرج منه.»
ولو استرجع سوبارو شعائر “دم الحياة” في قرية الشودراك، حينها لَتذكَّر كيف أنَّ إيبل توسَّل إليه وهو على شفير الموت، ليُخبره برغبته. خلف ذلك التوسُّل كانت ترقد نفس القناعة. وتلك هي――
ثم جلست ميديوم القرفصاء وهي تبتسم بخجل، ووضعت لويس في حجرها، وراحت تمشِّط شعرها من الخلف بأصابعها.
كما هو الحال في كل مجال، فثمَّة جهودٌ عظيمة لأسلافٍ سبقوا في تطوير الفنون.
غير أنَّها حين تولَّت حراسة الليل، خلعت سترتها ورفعت أكمامها، مما منحها هيئةً أكثر وحشية من كونها ذكيَّة.
وقد انتهت حياة سوبارو الثانوية نتيجة رغبته في إثبات أنَّه لا يخجل من تلك التجربة. ومنذ ذلك الحين، أقسم ألَّا يتنكَّر بزيِّ امرأة مجددًا، لكن ها هو ذا.
وفي بعض الأحيان، يُشيد الناس بدهائه وتعدُّد مهاراته.
لا أحد يعلم ما الشيء الذي سيُجدي نفعًا في الحياة حتى تنقضي―― وفي حالة سوبارو، الذي لا يموت حتى حين يموت، فإن هذه المقولة تنطبق عليه بامتياز.
لم تخوضا بعدُ معركة واحدة معًا، لكن سوبارو آمن بأنَّه ما دامتا تستمرَّان في القتال، فلا بدَّ أن تنتصرا يومًا ما.
سوبارو: «أوه، هذا ليس مضحكًا――»
تاريتا: «… أحسد ناتسومي على شجاعته.»
مثل فراشةٍ تنبثق بعد كثيرٍ من الإحباطات، والانكسارات، ولحظاتٍ صغيرة من الفخر بالنفس.
سوبارو: «مـ-مــــاذا؟»
تاريتا: «لِـ-لِمَ تبدو متفاجئًا هكذا…؟»
وهو الذي خَبِرَ المعاناة وتشرَّبها، لم يكن بوسعه أن يفرض على تاريتا ما لا يقبله لنفسه.
سوبارو: «آه، لا، لم يسبق لأحدٍ أن قال لي شيئًا كهذا…»
سوبارو: «ربما تطلب تاريتا سان منك نصيحةً تخصُّ الحياة… إن فعلت، فأرشدها كقائد خبير.»
تاريتا: «――――»
كانت تلك صدمةً حقيقيةً بالنسبة له، وقد أربكت تاريتا.
كان صوتها بالكاد يُسمع، كأنَّه غرق في فرقعة ألسنة اللهب. أو ربما كانت مشاعرها متأججةً إلى حدٍّ أكبر من حين سردت قصَّتها الأولى عن عجزها.
ومع ذلك، لم تتبدد الصدمة في داخل سوبارو، حتى وهو يضغط على صدره المزيَّف. فعلى المستوى الموضوعي، لم يشعر بأن وضعه يستحق الغبطة أو الحسد.
ربما كان ذلك من وجهة نظره الذاتية، لكنه مذ وطئت قدمُه هذا العالم الآخر―― بل وحتى قبل ذلك، كانت حياته سلسلة من الإخفاقات وخيبات الأمل.
سوبارو: «――هـك.»
لا يمكنُ لأيٍّ منَّا أن يكون أحدًا غير نفسه.
وبصراحة، لولا لقاؤه بإميليا، لَما ظنَّ أنَّه كان سيحصل على فرصةٍ لتغيير مجرى حياته.
إيبل، وميديوم، ولويس كانوا الثلاثة الذين يستريحون في تلك اللحظة، ومقدار السكون الذي كانت تنام فيه كلٌّ من ميديوم ولويس، أما إيبل فخارج هذا القياس، بدا في نظر سوبارو مفاجئًا إلى حدٍّ ما.
ميديوم: «أوهِيهي، أتعتقد ذلك؟ حسنًا، إن كان الأمر كذلك، فأنا سعيدةٌ لأنني استطعتُ المساعدة.»
فقد آمن بأنَّ كلَّ لقاء جميل، وكلَّ سعادةٍ نالها، كانت بفضل إميليا―― الفتاة التي حاولت إنقاذه حين تعرَّض للضرب في زقاقٍ من الأزقة.
تاريتا: «لطالما نشأتُ مختبئة خلف أختي. الجميع يعرف مَن تكون أختي؛ لذا لم يشكُّ أحدٌ في أنَّها ستصبح الزعيمة يومًا ما. ولا أنا كذلك.»
ملامحُ الذهول التي ارتسمت على وجه تاريتا دلَّت على أنَّها لم تكن تتوقَّع سماع مثل تلك الكلمات.
――رغم أنَّ تلك الذكرى لم تعد موجودة في عقل إميليا الآن.
تاريتا: «لطالما نشأتُ مختبئة خلف أختي. الجميع يعرف مَن تكون أختي؛ لذا لم يشكُّ أحدٌ في أنَّها ستصبح الزعيمة يومًا ما. ولا أنا كذلك.»
ولو أُضيفت فلورا إلى المشهد، وتُرك فلوب جانبًا، لصحَّ أن يُقال إنهنَّ ثلاث أخواتٍ جميلات.
حين خاطرا بحياتيهما معًا في طقس دم الحياة بقرية الشودراك، وعند تسللهما إلى غوارال متنكرَين كراقصات، وحتى خلال الرحلة في العربة إلى وجهتهما، لم يكن ثمة فرق يُذكَر.
سوبارو: «تاريتا سان…»
سوبارو: «هذا ليس صحيحًا…»
ثم بدأت تاريتا، بترددٍ خافت، بالكلام عن نفسها.
سوبارو: «من الغريب أن أسمع هذا من فم إمبراطور وُلد وفي فمه ملعقةٌ من ذهب.»
كان المشهد سلميًّا إلى درجةٍ جعلت سوبارو يشعر وكأنَّه انفصل مؤقَّتًا عن كلِّ معاناته وهمومه.
في البداية، نوى سوبارو أن يوقفها إن بدأت تتحدث عمَّا لا ترغب في الإفصاح عنه، كردٍّ على اعترافه. فقد سألته عن مصدر خبرته في التزيُّن وتنكر النساء، فحدَّثها عن نفسه، إذ إن تلك كانت مشاكله الخاصة، ولم يكن ينوي فرض ذلك عليها.
سوبارو: «سأترك الأمر بين يديك. وإذا شعرتِ بأن نكات آل السمجة أو مضايقاته ذات الطابع الجنسي لا تُطاق، فرجاءً أخبريني فورًا.»
غير أنَّه حين لمح دموعًا في عيني تاريتا، وصوتًا مرتجفًا، وملامحَ منخفضةً حزينة، تراجع.
سوبارو: «بالطبع، هذا يقلقني. لكنني سأبذل كلَّ ما أستطيع.»
لقد كانت تتكلَّم لأنَّها أرادت ذلك، وهذا ما شعر به سوبارو.
فالناس في غالبيتهم يولدون محرومين، ولا خيار لهم سوى الصراع الدائم، يتحمَّلون قصورهم وعجزهم. وهم يعلمون أنَّ هذه هي طبيعة الحياة، ولكن يصعب عليهم تقبُّل ذلك حين يصدر عن مَن وُلد ميسَّرًا.
تاريتا: «أنا وأختي بيننا ثلاث سنوات فرق. لكن السبب الذي يجعلني أشعر بأنَّ أختي “أكبر بكثير”، ليس هذه السنوات الثلاث. أليس كذلك؟»
وفي بعض الأحيان، يُشيد الناس بدهائه وتعدُّد مهاراته.
سوبارو: «――――»
إيبل: «ما دمتَ تُحقِّق النتائج، فلن أتدخَّل في شؤونك. لكن لا تظننَّ أنني أتغاضى عن اتخاذ صورةٍ زائفة كداعمٍ أساسي. فحينها، سينهار الأساس برمَّته.»
تاريتا: «ما كانت أختي تقدر عليه حين بلغت العاشرة، لم أستطع أنا فعله حين بلغتُ السنَّ نفسه. لم يكن فرقًا في العمر، بل فرقًا في شيءٍ آخر… لا أعلم ما هو.»
فقد مثَّلت ميديوم وفلوب دعمًا عظيمًا في رحلتهم داخل الإمبراطورية، سواء من الناحية العسكرية أو النفسية.
كلُّ كلمةٍ نطقت بها تاريتا، اخترقت قلب سوبارو.
كانت حكايةً قد سمع مثلها من قبل، ومع ذلك، كانت حكايةً لم يسبق له أن أفصح بها لأحد.
سوبارو: «لأنِّي سأكون بذلك أطلب منكِ أن تُخدِّري مشاعركِ… كي أستطيع أنا أن أعيش.»
عقدة النقص تجاه الأخت الكبرى المتفوقة… شعورٌ ظلَّ يؤلم ريم لسنوات.
عقدة النقص تجاه الشخص الذي تتوق لتكون مثله… شعورٌ ظلَّ يعذب سوبارو.
فقد مثَّلت ميديوم وفلوب دعمًا عظيمًا في رحلتهم داخل الإمبراطورية، سواء من الناحية العسكرية أو النفسية.
لا فرق إن كان هذا “الآخر” قريبًا بالدم، أو مجرد شخصٍ محبوب. لا فرق كم تمنَّيتِ أن تكوني مثله، أو كم حسدتهِ، أو كم نقشْتِ صورته في أعماق قلبك.
تاريتا: «لماذا جعلتني أختي الزعيمة؟ لا أرى نفسي أصلح لذلك.»
سوبارو: «أتُراك تريد الاستماع إلى آراء الناس الصريحة وتطبيقها مباشرةً في سياسة الدولة؟»
؟؟؟: «――فهو في النهاية، ابنُ ذلك الرجل.»
ظهرت علامة استفهام على وجه ميديوم، وبدا أنَّ ملامحها توحي وكأنَّ رأسها امتلأ فجأة بعشرات الأسئلة. وإيبل، بطبعه البعيد عن اللطف، لم يُبْدِ أيَّ نية لتبديد ذلك الغموض.
خيبة الأمل في النفس. الشعور بالذنب حيال آمال أحد الأحبَّة.
وقد خرجت تاريتا في هذه الرحلة غارقةً في هذه المشاعر. فميزيلدا، الزعيمة السابقة، قد أقسمت على دعم إيبل في مسعاه لاستعادة العرش.
سوبارو: «أوه، هذا ليس مضحكًا――»
وربما كانت هذه الرحلة أيضًا وسيلةً لتاريتا كي تنظر في ذاتها، وتعيد اكتشافها، بل لعلها كانت محاولةً للهرب من عبء التوقعات التي أُلقيت فوق كتفيها.
تاريتا: «عليَّ أن أجد الجواب في هذه الرحلة. لا، بل يجب أن أعزم أمري بثبات.»
استمع آل إلى تذمُّر سوبارو وأطلق شكوى معقولة.
سوبارو: «عزمٌ… هل هو العزم على تولِّي الزعامة؟»
كان المشهد سلميًّا إلى درجةٍ جعلت سوبارو يشعر وكأنَّه انفصل مؤقَّتًا عن كلِّ معاناته وهمومه.
وقد خرجت تاريتا في هذه الرحلة غارقةً في هذه المشاعر. فميزيلدا، الزعيمة السابقة، قد أقسمت على دعم إيبل في مسعاه لاستعادة العرش.
تاريتا: «――――»
ذلك ما كان دومًا ما يتمناه سوبارو―― قلبٌ لا يلين، صورة المرأة الأقوى التي تسكنه.
أجابته تاريتا بهزَّةٍ خافتةٍ من ذقنها الرفيع.
لن يكون مناسبًا القول بأنَّها قد وجدت الجواب، لكن يمكن القول إنَّها استعدَّت لقبول مصيرٍ محتوم―― مصيرُ الزعامة الذي أوكلته إليها ميزيلدا. كان ذلك واضحًا لسوبارو.
سوبارو: «أأنت مستيقظ؟… بما أننا نتناوب على الحراسة، كنتُ آمل أن تحظى ببعض الراحة على الأقل.»
إيبل: «مدينة الشياطين باتت قريبة. قم بدورك. لا أرغب بأكثر من ذلك، ولن أسمح.»
لقد آمنت تاريتا أنَّ تولِّي الزعامة أمرٌ لا مفرَّ منه.
كره سوبارو مثل هذه اللحظات الخالية. ففيها، إن ترك نفسه للشرود، اجتاحه شعورٌ ثقيلٌ بالعجز، وإحساسٌ ملحٌّ بأنه يُهدر حياته بلا معنى.
وآمنت أنَّه لا يحق لها رفضه، بل إنَّه واجبُ الأخت التي كُلِّفت به من قِبل أختها الكبرى، وأنَّه عليها أن تقود الجيل القادم من العشيرة――
ميديوم: «أوِهِيهي~.»
سوبارو: «حتى لو هربتِ…»
ميديوم: «――؟ ناتسومي تشان، هل قلتَ شيئًا؟»
―― وكان الوصول إلى مدينة الشياطين كيوس فليم على بُعد خطواتٍ قليلة.
تاريتا: «هاه؟»
لكن، ألم يكن حريًّا بإيبل أن يخفف من حِدته حين يتواجد في مكانٍ ليس من المؤكد أنه معادٍ؟
سوبارو: «حتى لو هربتِ، أظنُّ أنَّه لا بأس. لن ألومك على ذلك.»
ساد الصمت قليلًا، وغرقت تاريتا في التفكير.
ملامحُ الذهول التي ارتسمت على وجه تاريتا دلَّت على أنَّها لم تكن تتوقَّع سماع مثل تلك الكلمات.
تاريتا: «لِـ-لِمَ تبدو متفاجئًا هكذا…؟»
ورغم أنَّه كان هذا مجرى الحديث، فقد أفضت له تاريتا بأعمق أفكارها. وضعها، مخاوفها، والمسؤولية التي تحملها على كتفيها الهزيلتين، كانت كلُّها جلية.
سوبارو: «آه، لا، لم يسبق لأحدٍ أن قال لي شيئًا كهذا…»
وقد رأى سوبارو بوضوح مدى مسؤوليتها الزائدة وميلها إلى جلد الذات، وكفاحها للتعامل مع كل ذلك.
وربما―― تمنت تاريتا أن يقول لها سوبارو في تلك اللحظة: «تماسكي.»، لتدفع نفسها إلى اتخاذ قرارٍ لم تستطع اتخاذه.
وربما، تمنت أن يُخبرها بأنَّ عدم الثقة بالنفس ليس له مكانٌ أمام شخصٍ مثل سوبارو، يرتدي ملابس النساء بكلِّ فخرٍ ودون خجل.
ثم بدأت تاريتا، بترددٍ خافت، بالكلام عن نفسها.
في منتصف المساحة المخصَّصة داخل العربة، كان إيبل مستلقيًا نائمًا. وما إن تطلَّع سوبارو إلى وجهه أثناء نومه، حتى صُدم بذلك الصوت المفاجئ. وكاد يطلق صرخة غريزية، لكنه تمكَّن من كتمها، قائلًا بدلًا من ذلك:
لكنَّ ما قاله سوبارو قد خالف توقُّعاتها تمامًا.
آل: «هل أنا وحدي مَن لا يتأثر بكلامك هذا…؟»
ومع ذلك، فإنَّه سيستمر في التذمُّر من سلوك إيبل فيما بعد. فسببُ غطرسة إيبل واستبداده هو أن لا أحد قط تجرَّأ على مجابهته بالكلام.
سوبارو: «إن لم تستطيعي الاحتمال، وإن شعرتِ أنَّ ثمَّة مَن هو أصلح منكِ، فلن نلومكِ إن قرَّرتِ مغادرة العربة. على الأقل، أنا لن أفعل.»
غير أنَّه حين لمح دموعًا في عيني تاريتا، وصوتًا مرتجفًا، وملامحَ منخفضةً حزينة، تراجع.
تاريتا: «لكِن، إن رحلتُ، فَـ… قوتُنا سوف…»
سوبارو: «――أجل، أراكِ غدًا.»
سوبارو: «بالطبع، هذا يقلقني. لكنني سأبذل كلَّ ما أستطيع.»
لم يكن ممكنًا صدُّ ذاك الكابوس، حتى لو أغلق أذنيه وأغمض عينيه―― ولكي يهرب منه، جرَّب ناتسكي سوبارو كلَّ وسيلةٍ ممكنة.
تاريتا: «――――»
عقدة النقص تجاه الشخص الذي تتوق لتكون مثله… شعورٌ ظلَّ يعذب سوبارو.
سخر سوبارو من نفسه في قرارة صدره، لكَم كانت كلماته تلك أنانية، وإن لم يظهر ذلك على وجهه.
ولو سمع إيبل هذا الحديث، فلن يرضيه الأمر. إذ كما قالت تاريتا، هي عنصرٌ عسكريٌّ ثمين في فصيلٍ يعاني من ضعف في قوَّته.
سوبارو: «حتى لو كان انتقامًا من العالم؟»
كان ذلك الوقت هادئًا لدرجة أنَّه صوَّره في مخيِّلته وكأنَّه وُجد في عالمٍ آخر، بعيدًا عن كلِّ توتُّر.
وهذا ينطبق على الفصيل ككل، وكذلك على هذه المجموعة الصغيرة التي تشاركه الرحلة.
آل: «”قائد خبير” يبدو كأنَّه نقيض ما أُوصَف به، أليس كذلك؟ لا يمكنني تحمُّل مسؤولية حياة الآخرين، فأنا أتهرَّب من ذلك عمدًا.»
لويس، المتكوِّرة في حجرها، كانت سعيدةً أيضًا، وكأنَّها انجرفت في بهجة ميديوم.
لكنه مع ذلك، كان يتساءل: أليس من المقبول السماح بالرحيل؟
سوبارو: «――لمصلحة مَن تظنُّ أنهم يفعلون كلَّ هذا؟»
تاريتا: «أنت تقول إنِّي لستُ ضرورية…»
سوبارو: «لا، هذا خطأ كبير. أنا أريد لتاريتا سان أن تكون معنا، بشخصها وقوَّتها على حدٍّ سواء. لكنَّ هذا سيكون أنانيًّا منِّي، أليس كذلك؟»
؟؟؟: «――فهو في النهاية، ابنُ ذلك الرجل.»
تاريتا: «أناني…؟»
لا فرق إن كان هذا “الآخر” قريبًا بالدم، أو مجرد شخصٍ محبوب. لا فرق كم تمنَّيتِ أن تكوني مثله، أو كم حسدتهِ، أو كم نقشْتِ صورته في أعماق قلبك.
كان العالم هادئًا تمامًا، لا يُسمع فيه سوى فرقعة قطع الحطب المُشتعلة.
سوبارو: «لأنِّي سأكون بذلك أطلب منكِ أن تُخدِّري مشاعركِ… كي أستطيع أنا أن أعيش.»
في البداية، نوى سوبارو أن يوقفها إن بدأت تتحدث عمَّا لا ترغب في الإفصاح عنه، كردٍّ على اعترافه. فقد سألته عن مصدر خبرته في التزيُّن وتنكر النساء، فحدَّثها عن نفسه، إذ إن تلك كانت مشاكله الخاصة، ولم يكن ينوي فرض ذلك عليها.
وهو الذي خَبِرَ المعاناة وتشرَّبها، لم يكن بوسعه أن يفرض على تاريتا ما لا يقبله لنفسه.
سوبارو، الذي أُتيحت له الفرصة ليغادر ذلك المكان المظلم الذي كان حبيسًا فيه، لم يتردد في قول ذلك لتاريتا، التي تكبره سنًّا وربَّما خبرةً، وكأنَّه يحدِّث أختًا كبرى أو مرشدًا قد سبقه في طريق الألم.
أجابته تاريتا بهزَّةٍ خافتةٍ من ذقنها الرفيع.
――لا يمكنُك أن تكون شخصًا آخر.
وقد رأى سوبارو بوضوح مدى مسؤوليتها الزائدة وميلها إلى جلد الذات، وكفاحها للتعامل مع كل ذلك.
لا فرق إن كان هذا “الآخر” قريبًا بالدم، أو مجرد شخصٍ محبوب. لا فرق كم تمنَّيتِ أن تكوني مثله، أو كم حسدتهِ، أو كم نقشْتِ صورته في أعماق قلبك.
ميديوم: «لا أفهم كلَّ ما يقوله أخي، لأنَّ كلامه صعب جدًّا بالنسبة لي. لكن عندما أراه يمشي بتلك الخطوات العريضة وصدره مرفوع، أرغب بمساعدته.»
ولو أُضيفت فلورا إلى المشهد، وتُرك فلوب جانبًا، لصحَّ أن يُقال إنهنَّ ثلاث أخواتٍ جميلات.
لا يمكنُ لأيٍّ منَّا أن يكون أحدًا غير نفسه.
سوبارو: «… وجهك يبدو بغيضًا حتى وأنت نائم. لعلِّي أرسم شيئًا عليه.»
فقد آمن بأنَّ كلَّ لقاء جميل، وكلَّ سعادةٍ نالها، كانت بفضل إميليا―― الفتاة التي حاولت إنقاذه حين تعرَّض للضرب في زقاقٍ من الأزقة.
سوبارو: «لا نستطيعُ أن نكون سوى “ذواتنا”…»
سوبارو: «حتى لو هربتِ…»
ميديوم: «إيبل تشان، أتعرف اسمي؟»
ما كان في استطاعته أن يكون سوى نفسه. لكن، كان عليه على الأقل أن يصبح شخصًا يُحبُّه، ويرتاح إليه، ويثق فيه.
ردَّت تاريتا بصوت خافت، بينما صرخ آل محتجًّا مدافعًا عن نفسه. وبعد أن قارن بينهما بنظره، نهض سوبارو وهو ينفض الغبار عن حاشية ثوبه ومؤخِّرته، وهمس لآل:
مثل فراشةٍ تنبثق بعد كثيرٍ من الإحباطات، والانكسارات، ولحظاتٍ صغيرة من الفخر بالنفس.
سوبارو: «لا نستطيعُ أن نكون سوى “ذواتنا”…»
سوبارو: «… الأمرُ مزعج، أليس كذلك؟»
همس سوبارو بتلك الكلمات، بصوتٍ خافتٍ لم تستطع تاريتا أن تسمعه.
سوبارو: «بعد كلِّ هذا الوقت… ما زلتَ غير قادرٍ على إغماض عينيك أمامنا؟»
وما كان يتذكَّره وهو يتكلم، هو تلك الصورة المثلى التي رسمها له إيبل قبل ساعات، حين جلسا حول النار ذاتها. لقد تساءل: ما الذي يتمسَّك به مَن لا يملكون شيئًا؟ بماذا يعيشون؟
كان جوهر تلك الكلمات يشبه إلى حدٍّ بعيد ما حاول سوبارو التعبير عنه.
تاريتا: «أنا وأختي بيننا ثلاث سنوات فرق. لكن السبب الذي يجعلني أشعر بأنَّ أختي “أكبر بكثير”، ليس هذه السنوات الثلاث. أليس كذلك؟»
تاريتا: «――――»
تاريتا: «مضايقات ذات طابع…؟»
أنصتت تاريتا لحديث سوبارو، والاضطراب في عينيها يزداد، وتردُّدها يحتدم.
حين خاطرا بحياتيهما معًا في طقس دم الحياة بقرية الشودراك، وعند تسللهما إلى غوارال متنكرَين كراقصات، وحتى خلال الرحلة في العربة إلى وجهتهما، لم يكن ثمة فرق يُذكَر.
ثم جلست ميديوم القرفصاء وهي تبتسم بخجل، ووضعت لويس في حجرها، وراحت تمشِّط شعرها من الخلف بأصابعها.
وكان من حقِّها وحدها أن تقرِّر إلى أيِّ طريقٍ سيأخذها هذا التردُّد، وأدرك سوبارو أن عليه احترام القرار الذي ستتخذه.
سوبارو: «――――»
لقد فرَّ سوبارو من التوقُّعات التي أُلقيت فوقه، ومن الذنبِ الذي شعر به حين أخفق في تحقيقها.
وبوجهٍ عبوس، جلس سوبارو في أبعد نقطة ممكنة عن إيبل، رخى ملابسه، واستلقى بحذر كي لا يُفسد شعره المستعار.
بل لقد راوده الشكُّ أن استدعاءه إلى هذا العالم الآخر، لم يكن سوى استجابةٍ لرغبةٍ دفينةٍ في داخله… رغبةٍ في الهرب.
كان ذلك الوقت هادئًا لدرجة أنَّه صوَّره في مخيِّلته وكأنَّه وُجد في عالمٍ آخر، بعيدًا عن كلِّ توتُّر.
ولهذا السبب… لم يستطع حتى أن يودِّع والدَيه الحقيقيَّين، والديه في العالم الذي أتى منه――
سوبارو: «――أنتَ من النوع الذي لا يطيق رؤية أحدٍ يخرج صفر اليدين، أليس كذلك؟»
سوبارو: «تعلم… مجرد قدرتي على الهروب، كانت بمثابة الخلاص.»
على أقل تقدير، لو بقي حبيس غرفته، تائهًا دومًا بين التوقُّعات والذنب، لما استطاع ناتسكي سوبارو أن يلحق بمشاعره الحالية.
على أقل تقدير، لو بقي حبيس غرفته، تائهًا دومًا بين التوقُّعات والذنب، لما استطاع ناتسكي سوبارو أن يلحق بمشاعره الحالية.
لكان لا يزال هو نفسه، سوبارو العاجز عن تجاوز ذاته، المنشغل بهمومه، ولا فرصة له لأن يُجهد قلبه من أجل الآخرين، أو أن يفعل شيئًا لأجلهم، أو أن يقدِّم لهم شيئًا.
تاريتا: «لطالما نشأتُ مختبئة خلف أختي. الجميع يعرف مَن تكون أختي؛ لذا لم يشكُّ أحدٌ في أنَّها ستصبح الزعيمة يومًا ما. ولا أنا كذلك.»
الهروب ليس خطأ، ما دام المرء لم يستعد بعدُ للقتال.
أما سوبارو، فعلى الرغم من أنه لم يفهم الصورة كاملة، فقد قال:
ولدهشة الجميع، لم يُعِد إيبل نفسه سريعًا إلى العربة لينال قسطًا من الراحة بعد العشاء، بل بقي هناك صامتًا. ومع ذلك، لم يبدو أنَّه كان يُنصت إلى الأحاديث الجانبية، ولا إلى كلمات سوبارو التي كانت تهكميةً ساخرة.
ينبغي أن يكون هذا عالمًا يمكن فيه لكلِّ شخص أن يختار عدم القتال.
عقدة النقص تجاه الشخص الذي تتوق لتكون مثله… شعورٌ ظلَّ يعذب سوبارو.
تاريتا: «الثقة والعزم…»
ساد الصمت قليلًا، وغرقت تاريتا في التفكير.
سوبارو: «هاه؟»
فُوجئت ميديوم، واتسعت عيناها الكبيرتان لأقصى حد، وسقط فمها مفتوحًا. يبدو أنَّها لم تُصدِّق أنَّ إيبل بادر بالكلام معها، أو حتى أنَّه كان يُنصت.
تاريتا: «أفتقر إلى الثقة والعزم. لكن هذا ليس كل شيء…»
ميديوم: «هممم، لا إطلاقًا! لكن بدا أنَّ ناتسومي تشان كانت تتألم؛ لذا كان هذا أقلَّ ما أستطيع فعله.»
كلمات سوبارو، المنبثقة من تجربته الشخصية، بلغت أُذنَي تاريتا، فتمتمت بها، وشفتاها ترتجفان.
كان صوتها بالكاد يُسمع، كأنَّه غرق في فرقعة ألسنة اللهب. أو ربما كانت مشاعرها متأججةً إلى حدٍّ أكبر من حين سردت قصَّتها الأولى عن عجزها.
تاريتا: «――――»
طالما ظلَّ فارًّا من العدالة بلا سلطة حقيقية، فكان لا بد من تقويم شخصيَّته قدر الإمكان.
تاريتا: «إن ارتكبتُ خطأً كبيرًا… كيف سأُكفِّر عنه؟»
سوبارو: «أخطأتِ… والتكفير… تاريتا سان؟»
أما سوبارو، فعلى الرغم من أنه لم يفهم الصورة كاملة، فقد قال:
تاريتا: «――――»
أعاد عليها سؤاله، فخرج من فمها “آه” صغيرة.
في منتصف المساحة المخصَّصة داخل العربة، كان إيبل مستلقيًا نائمًا. وما إن تطلَّع سوبارو إلى وجهه أثناء نومه، حتى صُدم بذلك الصوت المفاجئ. وكاد يطلق صرخة غريزية، لكنه تمكَّن من كتمها، قائلًا بدلًا من ذلك:
اتَّسعت عيناها، وبدت ملامح الندم جليَّة فيها. كما في المرَّة الأولى حين تحدَّثت عن الخطأ، ها هي الآن تُبدي أسفًا واضحًا لما أفشتْه أمام سوبارو.
تاريتا: «――――»
بدت وكأنها تحمل في أعماقها الكثير من الذنب تجاه ذلك الخطأ الكبير.
إيبل: «――وأنا لستُ استثناءً.»
إيبل: «كثيرون يُقذَفون في هذا العالم مجرَّدين من كلِّ شيء. وما يُمسكون به بأيديهم، وما يرحلون به في النهاية، هو حياتهم. لا ينبغي أن يُنتزَع من أحد ما كسبه.»
لم يكن الشعور بالعجز أمام تفوُّق أختها فقط، بل يبدو أن وجود أختها نفسها كان سببًا يمنعها من اتخاذ
قرارها بنفسها.
تاريتا: «ناتسومي… أراكَ غدًا.»
تاريتا: «ما قلته… كان غريبًا… أرجوك، انسَه.»
وفي النهاية، لم تجد إلَّا أن تختم باعترافٍ ضمنيٍّ بأنَّ قصَّتها التي لم تُروَ… لا يمكن روايتها بعد.
فقد تخلَّت تاريتا عن النقوش البيضاء التي غطت جسدها، وارتدت زيًّا أقرب للمدنيِّين، ومع قوامها الطويل والمتناسق، بدت كأنَّها امرأة فاتنة في زيٍّ رجولي.
وقد فهم سوبارو، من نبرة صوتها وتعبيرات وجهها، أنَّها لم تبلغ جوابًا بعد، لكنه أدرك أيضًا أنَّ عليه ألَّا يُجبرها على الحديث.
كلُّ ما تمناه… أن يكون موجودًا حين تأتي اللحظة التي ترغب فيها بأن تبوح.
؟؟؟: «――――»
وربما، تمنت أن يُخبرها بأنَّ عدم الثقة بالنفس ليس له مكانٌ أمام شخصٍ مثل سوبارو، يرتدي ملابس النساء بكلِّ فخرٍ ودون خجل.
؟؟؟: «――يا صاح، جاء وقت تبديل النوبة.»
تاريتا: «أناني…؟»
ولو سمع إيبل هذا الحديث، فلن يرضيه الأمر. إذ كما قالت تاريتا، هي عنصرٌ عسكريٌّ ثمين في فصيلٍ يعاني من ضعف في قوَّته.
وما إن أنهى سوبارو حديثه، حتى ارتفع صوت من جهة العربة.
كان آل، يلوِّي عنقه الضخم وهو يتقدَّم ببطء نحو النار. لقد حان وقت تبديل المناوبة الليلية، والتي كان من المفترض أن تتغيَّر كل ثلاث ساعات.
قرارها بنفسها.
سوبارو: «أنا ممتعض لأنَّ إيبل ولويس لا يشاركان في النظام، لكن…»
إذ إن سنوات مراهقته في المرحلة المتوسطة كانت مضطربة، وقد خاض تلك التجربة كتحدٍّ وتسلية، ليُحدث بها انقلابًا مثيرًا في حياته الثانوية القادمة.
آل: «كفى كفى، سيكون من الفظيع أن يُعدَم أحدنا لأننا جعلنا إيبل تشان يعمل في نوبة الحراسة الليلية بعد أن يستعيد عرشه!»
△▼△▼△▼△
ابتسمت ميديوم بابتسامةٍ عذبة وهي تواصل تربيتَها على رأس سوبارو، ووجهها خالٍ تمامًا من أيِّ زيف.
لكن، ألم يكن حريًّا بإيبل أن يخفف من حِدته حين يتواجد في مكانٍ ليس من المؤكد أنه معادٍ؟
سوبارو: «إن كنتَ تتحدث عن الأحقاد، فلا أظن أنني قادر على تحديد عدد الرؤوس التي يجدر بي أن أقدِّمها مقابل ذلك.»
ما كان في استطاعته أن يكون سوى نفسه. لكن، كان عليه على الأقل أن يصبح شخصًا يُحبُّه، ويرتاح إليه، ويثق فيه.
وقد رأى سوبارو بوضوح مدى مسؤوليتها الزائدة وميلها إلى جلد الذات، وكفاحها للتعامل مع كل ذلك.
آل: «طالما أنك واعٍ لذلك، فرجاءً اضبط نفسك. وجودك بقربي وأنت بهذا الحال يوتِّر أعصابي.»
استمع آل إلى تذمُّر سوبارو وأطلق شكوى معقولة.
على الأقل، ما قاله استوفى شروط تحفيز سوبارو، ولذا استنتج أن المشكلة تكمن في آل نفسه، الذي لم يتأثر به.
ومع ذلك، فإنَّه سيستمر في التذمُّر من سلوك إيبل فيما بعد. فسببُ غطرسة إيبل واستبداده هو أن لا أحد قط تجرَّأ على مجابهته بالكلام.
كان المشهد سلميًّا إلى درجةٍ جعلت سوبارو يشعر وكأنَّه انفصل مؤقَّتًا عن كلِّ معاناته وهمومه.
سوبارو: «… وجهك يبدو بغيضًا حتى وأنت نائم. لعلِّي أرسم شيئًا عليه.»
طالما ظلَّ فارًّا من العدالة بلا سلطة حقيقية، فكان لا بد من تقويم شخصيَّته قدر الإمكان.
كانت تلك صدمةً حقيقيةً بالنسبة له، وقد أربكت تاريتا.
سوبارو: «وإلا، حتى لو عاد إلى العرش بمساعدتنا، فسرعان ما ستندلع ثورة أخرى، وسيفقد رأسه حينها.»
ميديوم: «أوهِيهي، أتعتقد ذلك؟ حسنًا، إن كان الأمر كذلك، فأنا سعيدةٌ لأنني استطعتُ المساعدة.»
آل: «نعم، سأترك ذلك لك. كما ترى من تعاملاتي مع الأميرة، فأنا من النوع الذي يؤمن بسياسة “دَع الأمور تجري”.»
كان جوهر تلك الكلمات يشبه إلى حدٍّ بعيد ما حاول سوبارو التعبير عنه.
سوبارو: «وهذه أيضًا صفات جميلة فيكِ، ميديوم سان.»
لوَّح آل بيده بخفة، كأنَّه يرمي مهمة إقناع سوبارو من كاهله، فزفر سوبارو متنهِّدًا إزاء تهاونه، ثم التفت من جديد نحو تاريتا التي كانت تحدِّق في النار شاردة.
ساد الصمت قليلًا، وغرقت تاريتا في التفكير.
سوبارو: «سأترك الأمر بين يديك. وإذا شعرتِ بأن نكات آل السمجة أو مضايقاته ذات الطابع الجنسي لا تُطاق، فرجاءً أخبريني فورًا.»
تاريتا: «مضايقات ذات طابع…؟»
سوبارو: «أوه، حسنًا… حسنًا! سأشخر بأعلى صوتٍ أستطيعه!»
آل: «لن أتصرف معها كما أتصرف مع الأميرة! فالأمر يتعلَّق بالمسافة، ومستوى القرب، وظروف الزمان والمكان!»
سوبارو: «――أجل، أراكِ غدًا.»
قرارها بنفسها.
سوبارو: «هذا أمر لستُ بارعًا فيه.»
لا أحد يعلم ما الشيء الذي سيُجدي نفعًا في الحياة حتى تنقضي―― وفي حالة سوبارو، الذي لا يموت حتى حين يموت، فإن هذه المقولة تنطبق عليه بامتياز.
ردَّت تاريتا بصوت خافت، بينما صرخ آل محتجًّا مدافعًا عن نفسه. وبعد أن قارن بينهما بنظره، نهض سوبارو وهو ينفض الغبار عن حاشية ثوبه ومؤخِّرته، وهمس لآل:
فقد دفعت سوبارو للإفصاح عن ظروفه الشخصية―― عن عالمه الأصلي؛ ومع أنَّه تعمَّد تخفيف وطأة التفاصيل المظلمة والثقيلة في حياته، فكيف أثَّر ذلك في تاريتا؟
سوبارو: «ربما تطلب تاريتا سان منك نصيحةً تخصُّ الحياة… إن فعلت، فأرشدها كقائد خبير.»
وقد خرجت تاريتا في هذه الرحلة غارقةً في هذه المشاعر. فميزيلدا، الزعيمة السابقة، قد أقسمت على دعم إيبل في مسعاه لاستعادة العرش.
آل: «”قائد خبير” يبدو كأنَّه نقيض ما أُوصَف به، أليس كذلك؟ لا يمكنني تحمُّل مسؤولية حياة الآخرين، فأنا أتهرَّب من ذلك عمدًا.»
سوبارو: «آه، لا، لم يسبق لأحدٍ أن قال لي شيئًا كهذا…»
سوبارو: «هذه فرصتك لتتجاوز نقاط ضعفك… الأمر نفسه ينطبق على الفلفل الحار.»
؟؟؟: «أهكذا…»
إميليا وبياتريس، اللتان لم تكن لهما ميول للفلفل الحار أيضًا، كانتا تحاولان بجهدٍ التغلُّب على نفورهما منه بطرق شتَّى، دون أن تخسرا روح التحدي الجريء.
لم تخوضا بعدُ معركة واحدة معًا، لكن سوبارو آمن بأنَّه ما دامتا تستمرَّان في القتال، فلا بدَّ أن تنتصرا يومًا ما.
ومع ذلك، فإنَّه سيستمر في التذمُّر من سلوك إيبل فيما بعد. فسببُ غطرسة إيبل واستبداده هو أن لا أحد قط تجرَّأ على مجابهته بالكلام.
ولدى عودته إلى العربة، استقبله سكونها الهادئ، يلفُّه ظلامها الدافئ.
سوبارو: «لذا، رجاءً، ابذل جهدك يا آل.»
آل: «هل أنا وحدي مَن لا يتأثر بكلامك هذا…؟»
عندها تهاوى قناع ناتسومي شواراز، ليظهر ناتسكي سوبارو بملامحه المشوهة من الغضب.
على الأقل، ما قاله استوفى شروط تحفيز سوبارو، ولذا استنتج أن المشكلة تكمن في آل نفسه، الذي لم يتأثر به.
سوبارو: «――أنتَ من النوع الذي لا يطيق رؤية أحدٍ يخرج صفر اليدين، أليس كذلك؟»
تاريتا: «ناتسومي… أراكَ غدًا.»
ذلك الوعد البسيط والواثق بالغد منح سوبارو أملًا بأنَّها تقبَّلت كلماته، وأنَّهما سيلتقيان وجهًا لوجه في اليوم التالي.
سوبارو: «――أجل، أراكِ غدًا.»
حينها، يبدأ ظلٌّ أسود غامض بالزحف من خلفه، يلفُّ ذراعيه حول كتفيه بمودةٍ مزيَّفة، ويلاحقه بإلحاحٍ خانق.
نادته تاريتا بصوت خافت، بينما كان يسلم نوبة الحراسة لآل ويهمُّ بالعودة إلى العربة.
وفي النهاية، لم تجد إلَّا أن تختم باعترافٍ ضمنيٍّ بأنَّ قصَّتها التي لم تُروَ… لا يمكن روايتها بعد.
على الجانب الآخر من لهيب النار المتراقص، انعكس الضوء الأحمر على وجه تاريتا وهي راكعة على الأرض. انسجم وهج النار المتراقص بانسياب مع لون بشرتها الأسمر.
ذلك الوعد البسيط والواثق بالغد منح سوبارو أملًا بأنَّها تقبَّلت كلماته، وأنَّهما سيلتقيان وجهًا لوجه في اليوم التالي.
ظهرت علامة استفهام على وجه ميديوم، وبدا أنَّ ملامحها توحي وكأنَّ رأسها امتلأ فجأة بعشرات الأسئلة. وإيبل، بطبعه البعيد عن اللطف، لم يُبْدِ أيَّ نية لتبديد ذلك الغموض.
الفرار ليس أمرًا مشينًا. بل إنَّه وسيلةٌ لاكتساب القوة أحيانًا.
لكن هناك أيضًا مَن يُقْدم على المواجهة بدل الهرب، ويقدر على تخطِّي المِحن.
ردَّت تاريتا بصوت خافت، بينما صرخ آل محتجًّا مدافعًا عن نفسه. وبعد أن قارن بينهما بنظره، نهض سوبارو وهو ينفض الغبار عن حاشية ثوبه ومؤخِّرته، وهمس لآل:
وسوبارو كان يأمل أن تكون تاريتا من أولئك.
أما سوبارو، فعلى الرغم من أنه لم يفهم الصورة كاملة، فقد قال:
سوبارو: «――――»
ولدى عودته إلى العربة، استقبله سكونها الهادئ، يلفُّه ظلامها الدافئ.
على أقل تقدير، لو بقي حبيس غرفته، تائهًا دومًا بين التوقُّعات والذنب، لما استطاع ناتسكي سوبارو أن يلحق بمشاعره الحالية.
انقسم الجزء الداخلي من العربة بستار بسيط، فاصِلًا بين أماكن نوم الرجال والنساء في المقدِّمة والمؤخِّرة. وقد خُصِّصت الجهة الأمامية للرجال، والخلفية للنساء، لكن المجموعة التي كانت نائمة حاليًّا بدت هادئة على نحو مفاجئ.
إيبل: «لستُ بتلك الدرجة من النُبل. لقد أخبرتكَ من قبل―― إنَّه أمرٌ يتعلَّق بالعقوبة أو المكافأة، لا غير.»
وقد خرجت تاريتا في هذه الرحلة غارقةً في هذه المشاعر. فميزيلدا، الزعيمة السابقة، قد أقسمت على دعم إيبل في مسعاه لاستعادة العرش.
إيبل، وميديوم، ولويس كانوا الثلاثة الذين يستريحون في تلك اللحظة، ومقدار السكون الذي كانت تنام فيه كلٌّ من ميديوم ولويس، أما إيبل فخارج هذا القياس، بدا في نظر سوبارو مفاجئًا إلى حدٍّ ما.
إذ إن سنوات مراهقته في المرحلة المتوسطة كانت مضطربة، وقد خاض تلك التجربة كتحدٍّ وتسلية، ليُحدث بها انقلابًا مثيرًا في حياته الثانوية القادمة.
وعندما سألهم ذات مرَّة عن عادات نومهم، مع علمه بأنَّ ذلك ليس من آداب الحديث، أجابته ميديوم بابتسامة مرِحة:
الهروب ليس خطأ، ما دام المرء لم يستعد بعدُ للقتال.
«إن شخرتَ بصوتٍ عالٍ، سيعرف الناس مكانك!»
لامست يدُ ميديوم رأسَ سوبارو المثقل بالصراعات بلطفٍ وحنان.
ولم يدرك سوبارو آنذاك أنَّها أشارت إلى أسفارها السابقة كمتجوِّلة تبيع البضائع، أو إلى أيَّامها في المنشأة التي قيل إنَّها كانت ذات ظروف سيئة.
ميديوم: «لا أفهم كلَّ ما يقوله أخي، لأنَّ كلامه صعب جدًّا بالنسبة لي. لكن عندما أراه يمشي بتلك الخطوات العريضة وصدره مرفوع، أرغب بمساعدته.»
فقد تخلَّت تاريتا عن النقوش البيضاء التي غطت جسدها، وارتدت زيًّا أقرب للمدنيِّين، ومع قوامها الطويل والمتناسق، بدت كأنَّها امرأة فاتنة في زيٍّ رجولي.
كانت مهارةً اكتُسبت بدافع الحاجة.
سوبارو: «إذًا لهذا السبب أنتِ بارعةٌ في التعامل مع الصغار. هذا منطقي، فأنتِ بارعةٌ حقًّا في رعاية الآخرين.»
قال ذلك، ثم وقف ومضى إلى العربة.
ومن هذه الزاوية، ربَّما كان هذا هو السبب ذاته في نوم إيبل بهدوء.
إيبل: «من عادة الأسرة الإمبراطورية الفولاكية أن تنام وعينها مفتوحة. وأنا لستُ استثناءً لهذه القاعدة.»
في المقابل، لم تهتزُّ ملامح إيبل الواضحة الصارمة. وكما فعل في الماضي، راح يرمش بعينيه اليمنى واليسرى بالتناوب، وعدد رمشاته كان أقلَّ ما يمكن، وهي نفس الدوافع التي تمنعه من إغلاق عينيه كلتيهما أثناء النوم.
سوبارو: «… وجهك يبدو بغيضًا حتى وأنت نائم. لعلِّي أرسم شيئًا عليه.»
سوبارو: «――――»
بعد أن أنصتت لحديث سوبارو، أومأت تاريتا برأسها.
؟؟؟: «――ما بالك تحدِّق فيَّ بهذه الوقاحة؟»
سوبارو: «――هـك.»
في منتصف المساحة المخصَّصة داخل العربة، كان إيبل مستلقيًا نائمًا. وما إن تطلَّع سوبارو إلى وجهه أثناء نومه، حتى صُدم بذلك الصوت المفاجئ. وكاد يطلق صرخة غريزية، لكنه تمكَّن من كتمها، قائلًا بدلًا من ذلك:
سوبارو، الذي أُتيحت له الفرصة ليغادر ذلك المكان المظلم الذي كان حبيسًا فيه، لم يتردد في قول ذلك لتاريتا، التي تكبره سنًّا وربَّما خبرةً، وكأنَّه يحدِّث أختًا كبرى أو مرشدًا قد سبقه في طريق الألم.
سوبارو: «أأنت مستيقظ؟… بما أننا نتناوب على الحراسة، كنتُ آمل أن تحظى ببعض الراحة على الأقل.»
فسألها عن سبب ألفتها مع الأطفال، فقادهم الحديث إلى النقطة السابقة.
إيبل: «من عادة الأسرة الإمبراطورية الفولاكية أن تنام وعينها مفتوحة. وأنا لستُ استثناءً لهذه القاعدة.»
قالها بصوتٍ مرتفع من الغيظ، لكن إيبل لم يرد بشيء.
ومع ذلك، فإنَّه سيستمر في التذمُّر من سلوك إيبل فيما بعد. فسببُ غطرسة إيبل واستبداده هو أن لا أحد قط تجرَّأ على مجابهته بالكلام.
سوبارو: «تنام بعينٍ مفتوحة؟… هذا ليس فيلمًا! أنت جاد؟»
أبيل: «ولمَ أقول نكتة سخيفة لك؟»
لم يكن الشعور بالعجز أمام تفوُّق أختها فقط، بل يبدو أن وجود أختها نفسها كان سببًا يمنعها من اتخاذ
ارتبك تنفُّس سوبارو إثر رد إيبل، بينما ظلَّ هذا الأخير غير مبالٍ، مغمض العين اليمنى، فاتحًا اليسرى، تمامًا كما ادَّعى.
«إن شخرتَ بصوتٍ عالٍ، سيعرف الناس مكانك!»
سوبارو: «… ما بال هذا الرجل؟»
ضوء عينيه القاتمتين أثبت أنَّ كلماته السابقة لم تكن كذبًا ولا مبالغة.
بعد أن أنصتت لحديث سوبارو، أومأت تاريتا برأسها.
فسألها عن سبب ألفتها مع الأطفال، فقادهم الحديث إلى النقطة السابقة.
ثمَّة فيلم قديم تحدَّث عن قاتلٍ محترف له عادة النوم بعينٍ مفتوحة، وقد بدا أنَّ ذلك سلوكٌ يصعب تحقيقه وفقًا لتركيبة الدماغ البشري، لكن رؤية إيبل يؤديه دون تكلُّف أمامه جعلت سوبارو يدرك أنَّ الأمر ليس مستحيلًا.
لكن الإدراك لا يعني الاقتناع.
سوبارو: «لمَ لا تنام بشكلٍ طبيعي؟ أتظنُّ أننا سنطعنك وأنت نائم؟»
وفي النهاية، لم تجد إلَّا أن تختم باعترافٍ ضمنيٍّ بأنَّ قصَّتها التي لم تُروَ… لا يمكن روايتها بعد.
أنصتت تاريتا لحديث سوبارو، والاضطراب في عينيها يزداد، وتردُّدها يحتدم.
إيبل: «إن وُجد احتمال ولو ضئيل، فهو يظلُّ احتمالًا. لا يجوز أن تزهق حياتك بسبب غفلة.»
سوبارو: «غفلة…!»
ارتجف صوت سوبارو وهو يردُّ بتلك الكلمة، مشيرًا نحو النافذة.
ما كان يُرى من نافذة العربة لا يتعدَّى نور النار المشتعلة على بُعدٍ ليس ببعيد. عندها وقف آل وتاريتا يحرسان المعسكر، يتفقدان الأرجاء تحسُّبًا لأي خطرٍ يلوح في الأفق.
طبعًا، لأجل سلامتهما أيضًا، ولكن――
وسوبارو كان يأمل أن تكون تاريتا من أولئك.
سوبارو: «――لمصلحة مَن تظنُّ أنهم يفعلون كلَّ هذا؟»
سوبارو: «بعد كلِّ هذا الوقت… ما زلتَ غير قادرٍ على إغماض عينيك أمامنا؟»
إميليا وبياتريس، اللتان لم تكن لهما ميول للفلفل الحار أيضًا، كانتا تحاولان بجهدٍ التغلُّب على نفورهما منه بطرق شتَّى، دون أن تخسرا روح التحدي الجريء.
إيبل: «――――»
كان ذلك الوقت هادئًا لدرجة أنَّه صوَّره في مخيِّلته وكأنَّه وُجد في عالمٍ آخر، بعيدًا عن كلِّ توتُّر.
سوبارو: «بعد كلِّ هذا الوقت… ما زلتَ غير قادرٍ على إغماض عينيك أمامنا؟»
ينبغي أن يكون هذا عالمًا يمكن فيه لكلِّ شخص أن يختار عدم القتال.
في المقابل، لم تهتزُّ ملامح إيبل الواضحة الصارمة. وكما فعل في الماضي، راح يرمش بعينيه اليمنى واليسرى بالتناوب، وعدد رمشاته كان أقلَّ ما يمكن، وهي نفس الدوافع التي تمنعه من إغلاق عينيه كلتيهما أثناء النوم.
عندها تهاوى قناع ناتسومي شواراز، ليظهر ناتسكي سوبارو بملامحه المشوهة من الغضب.
سوبارو: «سأترك الأمر بين يديك. وإذا شعرتِ بأن نكات آل السمجة أو مضايقاته ذات الطابع الجنسي لا تُطاق، فرجاءً أخبريني فورًا.»
لكان لا يزال هو نفسه، سوبارو العاجز عن تجاوز ذاته، المنشغل بهمومه، ولا فرصة له لأن يُجهد قلبه من أجل الآخرين، أو أن يفعل شيئًا لأجلهم، أو أن يقدِّم لهم شيئًا.
في المقابل، لم تهتزُّ ملامح إيبل الواضحة الصارمة. وكما فعل في الماضي، راح يرمش بعينيه اليمنى واليسرى بالتناوب، وعدد رمشاته كان أقلَّ ما يمكن، وهي نفس الدوافع التي تمنعه من إغلاق عينيه كلتيهما أثناء النوم.
سوبارو: «لا نستطيعُ أن نكون سوى “ذواتنا”…»
عقدة النقص تجاه الشخص الذي تتوق لتكون مثله… شعورٌ ظلَّ يعذب سوبارو.
حين خاطرا بحياتيهما معًا في طقس دم الحياة بقرية الشودراك، وعند تسللهما إلى غوارال متنكرَين كراقصات، وحتى خلال الرحلة في العربة إلى وجهتهما، لم يكن ثمة فرق يُذكَر.
ذلك هو المبدأ الذي يؤمن به إيبل بصفته حاكمًا، ويبدو أنَّه لا يتزحزح عنه قيد أنملة.
عندها تهاوى قناع ناتسومي شواراز، ليظهر ناتسكي سوبارو بملامحه المشوهة من الغضب.
سوبارو يتفهّم أولئك الذين يعيشون في حالة تأهب، حين يكون الخطأ غير مسموح.
لكن، ألم يكن حريًّا بإيبل أن يخفف من حِدته حين يتواجد في مكانٍ ليس من المؤكد أنه معادٍ؟
تاريتا: «ما قلته… كان غريبًا… أرجوك، انسَه.»
وتحت نظرة سوبارو المرفوعة حاجبها، أغلق إيبل عينًا واحدة فقط―― نعم، واحدة فقط.
تاريتا: «أنا وأختي بيننا ثلاث سنوات فرق. لكن السبب الذي يجعلني أشعر بأنَّ أختي “أكبر بكثير”، ليس هذه السنوات الثلاث. أليس كذلك؟»
أغلق عينًا واحدة، شبك ذراعيه، أسند ظهره إلى المقعد، وأطلق زفرة صغيرة.
إيبل: «لا تفكِّر حتى في تشويه طريقتي في العيش. الزمْ حدودك.»
سوبارو: «――――»
وقد رأى سوبارو بوضوح مدى مسؤوليتها الزائدة وميلها إلى جلد الذات، وكفاحها للتعامل مع كل ذلك.
إيبل: «مدينة الشياطين باتت قريبة. قم بدورك. لا أرغب بأكثر من ذلك، ولن أسمح.»
تاريتا: «ناتسومي… أراكَ غدًا.»
عند هذا الردِّ المنفصل عن الواقع، نقر سوبارو لسانه بضيق.
سوبارو: «نعم، أنا بخير. أقصد، ذلك الرجل كان مواربًا في كلامه… هل فهمتِ ما قصده، ميديوم سان؟»
كان قد ظنَّ في وقتٍ ما أنَّ بإمكانه إحداث تقدُّم معه… لكن لا فائدة.
كلُّ ما تمناه… أن يكون موجودًا حين تأتي اللحظة التي ترغب فيها بأن تبوح.
إيبل: «… لقد أثقلتُ الحديث. سأترك الباقي لكم.»
سوبارو: «أوه، حسنًا… حسنًا! سأشخر بأعلى صوتٍ أستطيعه!»
إيبل: «لا تفكِّر حتى في تشويه طريقتي في العيش. الزمْ حدودك.»
تاريتا: «إن ارتكبتُ خطأً كبيرًا… كيف سأُكفِّر عنه؟»
قالها بصوتٍ مرتفع من الغيظ، لكن إيبل لم يرد بشيء.
وبوجهٍ عبوس، جلس سوبارو في أبعد نقطة ممكنة عن إيبل، رخى ملابسه، واستلقى بحذر كي لا يُفسد شعره المستعار.
سوبارو: «――――»
فكَّر في البقاء مستيقظًا نكايةً بإيبلد لكنُّه لم يكن متأكدًا إنْ كان لذلك معنى، أو إن كان النوم أو الاستيقاظ هو الخيار الأفضل؛ وعليه، غامت وعيه وتلاشت أفكاره.
عقدة النقص تجاه الأخت الكبرى المتفوقة… شعورٌ ظلَّ يؤلم ريم لسنوات.
واصلت العربة سيرها محمَّلةً بهمومٍ ومشاكلَ وقيمِ علاقاتٍ مضطربة.
ميديوم: «لا أفهم كلَّ ما يقوله أخي، لأنَّ كلامه صعب جدًّا بالنسبة لي. لكن عندما أراه يمشي بتلك الخطوات العريضة وصدره مرفوع، أرغب بمساعدته.»
―― وكان الوصول إلى مدينة الشياطين كيوس فليم على بُعد خطواتٍ قليلة.
نادته تاريتا بصوت خافت، بينما كان يسلم نوبة الحراسة لآل ويهمُّ بالعودة إلى العربة.
سوبارو: «أنتِ ناضجة حقًّا، ميديوم سان.»
////
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
غير أنَّ إيبل لم يُعر سوبارو اهتمامًا، ولا نظر إليه على أنَّه يسخر.
نشأ الأخوان تحت الضرب اليومي، في منشأةٍ تؤوي الأطفال اليتامى. وقد صرَّح فلوب أنَّهما كانا يحملان حقدًا على هذا العالم الذي يُمعن فيه الكبار التعساء ضربًا بالأطفال التعساء، وأنهما أقسما على الانتقام منه.
