37 - سيد قلعة اللازورد القرمزي.
—— شامخة في قلب مدينة الشياطين كيوس فليم، ارتفعت قلعة اللازورد القرمزي.
بدت المدينة ككعكة زفاف عشوائية لا رابط بين أجزائها، وكأن الفوضى رُسمت فوق الفوضى——
وسنسميه فينسنت تمييزًا له عن إيبل، وهو هو بعينه.
عوارض وسقالات من مواد وأنماط متنافرة شُدَّت معًا، وفي وسطها القلعة التي تتناوب ألوانها المتلألئة بين الأحمر القاني والأزرق اللامع، فريدة في شكلها بين معالم مدينة الشياطين. مدينة لا يمكن فهمها إلا بذوقٍ فني خاص.
جسدها الممشوق الطويل التفَّ بكيمونو زاهٍ ذي زخارف زهرية، وشعرها الذي يتدرَّج من الأبيض إلى البرتقالي عند الأطراف رُبط بعناية وأناقة. وتزيَّن شعرها كانزاشي مصوغة من عظام وقرون حيوانات، ومعها حُلِيُّ شعرٍ أخرى من أنيابٍ وحراشف تُبهج عينَ كل ناظر. غير أنَّها تبقى مجرَّد زينة، جمالًا تصنعه الأيدي. ولكي يُستعرض سحرها حقًّا، لا بدَّ من الشخص المعروض، ومن نقاء جوهره الداخلي. وفي هذا المقام، رفعةُ مَن ترتدي الكيمونو أمرٌ لا يورث شكًّا.
في الأصل، يُشير لفظ “للازورد” إلى اللون الأزرق، لذا فإن اقترانه بـ “القرمزي” يبدو متناقضًا. لكن نظرة واحدة إلى واجهة قلعة اللازورد القرمزي كفيلة بإقناع أيِّ ناظر أنَّ الوصف دقيق.
؟؟؟: «جنرال الدرجة الأولى يورنا… أليس هذا السلوك نوعًا من قلة الاحترام؟ ما الذي تفكرين فيه؟»
تمتم لنفسه، وقد شحب وجهه. كانوا قد أُخبروا مسبقًا عن وجود شخص يشبه إيبل ويتصرف مثله. والمفاجأة بدقة التوقيت والمكان لم تترك له مجالًا للشك. إنه أحد الجنرالات التسعة السماويين، النسخة البديلة لجسد الإمبراطور فينسنت فولاكيا——
فالحجر المستخدم بوفرة في أساس القلعة وهياكلها كان، كما يوحي الاسم، من اللازورد الخالص.
ذلك الجَوهَر يشعُّ بلمعان أزرق عميق، تتخلَّله دوَّامات قرمزية كقطرة دم تتساقط ببطء في الماء، حتى إنَّ هذا اللازورد الأزرق البديهي كان، بين حينٍ وآخر، يكتسي بوهجٍ أحمر يشبه دم الحياة.
قلعة من الفوضى، تتلوَّن باستمرار، رافضة أن تستقر على لونٍ واحد.
تلك هي قلعة اللازورد القرمزي في مدينة الشياطين، مقر سيدتها يورنا ميشيغوري.
ولقطع هذا المنحى السيئ للأحداث، تنحنح سوبارو قائلًا «أحم» استعدادًا لكلمة يوبِّخهم بها،
وبينما كان آل يسحب ميديوم إلى الخلف، أومأ سوبارو بجانبِه بوجهٍ جاد. لقد وجد نفسه في مواجهة خصمٍ غير متوقَّع—— بل أسوأ اصطدام يمكن تخيُّله. ومع مجريات الأحداث، كان من حسن الحظ أنَّ إيبل لم يكن برفقتهم في هذه اللحظة.
سوبارو: «————»
بعد أن استُدعي إلى الطابق الأعلى، حيث سيلتقي قريبًا بيورنا، كان ظهر سوبارو مبلَّلًا بعرقٍ بارد.
سبب ذلك أنَّ عينيه وقعتا على مجموعة أشخاص ينتظرون يورنا في القاعة ذاتها—— وفي تلك المجموعة، كان ثمة وجهٌ ما كان ينبغي أن يكون هناك.
كافما: «كل شيء!»
كان جالسًا بكل ثقة، يحيط به ثلاثة رجال يبدون كحرسٍ شخصي، مظهر مألوف ذو شعر أسود ونظرة شرسة—— وبعبارة أخرى، كان ذاك وجه شخص كان من المفترض أن ينتظره في النزل: إيبل.
لم يعلم سوبارو إن كان جادًّا في موافقته، لكن آل لم يُبدِ اعتراضًا على رفض اقتراحه. أفكار آل كانت تُرفض كثيرًا، لا لأنَّها سيئة بالضرورة، بل لأنَّه كان يطرحها أسرع مما يستطيع سوبارو التفكير بها، مما يمنحه وقتًا لتقييم الموقف بهدوء.
لكن من المستحيل أن يكونوا قد التقوا به هنا. ولهذا السبب تحديدًا جاء سوبارو ورفاقه إلى قلعة اللازورد القرمزي كمبعوثين من دونه.
بعبارة أخرى، وجوده هنا، رغم أنَّه مستحيل، يعني——
سوبارو: «——إنه مزيَّف، متنكرٌ بزي الإمبراطور.»
سوبارو: «————»
تمتم لنفسه، وقد شحب وجهه.
كانوا قد أُخبروا مسبقًا عن وجود شخص يشبه إيبل ويتصرف مثله. والمفاجأة بدقة التوقيت والمكان لم تترك له مجالًا للشك.
إنه أحد الجنرالات التسعة السماويين، النسخة البديلة لجسد الإمبراطور فينسنت فولاكيا——
سوبارو: «ردُّ فعل رائع يا آل.» آل: «أجل، حتى أنا أرغب في أن أربِّت على كتفي إعجابًا بردَّة فعلي الأسطورية… لكن ذلك الرجل كان مفاجئًا أكثر من اللزوم، أليس كذلك؟»
ميديوم: «إيه؟ إيبل تشين؟ ما الذي تفعله هنا… مغه.»
آل: «هووه، كل شيء بخير يا ميديوم تشان. آل تشين موجود هنا.»
يورنا: «سيكون ذلك مشكلة. وقتي في اليوم محدود، وإن فاتكم اليوم، فلا أعلم متى ستكون هناك فرصة أخرى.»
خلف سوبارو الذي جمده الذهول، وقع مشهد محفوف بالخطر.
إذ ما إن رأت ميديوم وجهًا مألوفًا وسط الحشد حتى اقتربت منه بود، لكن آل أسرع بتغطية فمها وجذبها إلى الخلف.
ورغم أنَّها كانت أطول قامةً منه، فإنها أطاعت بصمت، ولو أنَّ الدهشة ارتسمت على وجهها من ردة فعل الرجل ذو الذراع الواحدة.
لم يعلم سوبارو إن كان جادًّا في موافقته، لكن آل لم يُبدِ اعتراضًا على رفض اقتراحه. أفكار آل كانت تُرفض كثيرًا، لا لأنَّها سيئة بالضرورة، بل لأنَّه كان يطرحها أسرع مما يستطيع سوبارو التفكير بها، مما يمنحه وقتًا لتقييم الموقف بهدوء.
كانت لحظة حرجة، لكن حركة ميديوم أُحبِطت.
ربما كان الكيمونو الأنيق غير المتوقع، وزينة الشعر البديعة، هما ما أطلق في ذهنه ذلك التشبيه. لكن، قبل كل شيء، كان السبب الحقيقي هو الشخص الذي جاءت به الفتاة برفقتها——
قالت يورنا كلماتها بنبرة متراخية، فما كان من الرجل الذي قدَّم نفسه باسم كافما إلا أن استشاط غضبًا. حدَّق بها وهو يشير بيده نحو سوبارو ورفاقه الذين كانوا يشاهدون الموقف في صمت:
؟؟؟: «——؟»
رجل ذو شعر قصير منتصب، تتدلَّى منه خصلات طويلة كضفائر؛ بدا في العمر مقاربًا لفيـنسنت، وربما أكبر قليلًا. ارتدي عباءة بلون الرمال فوق درع خفيف أسود، ووجهه وبنيته يوحيان بحدة كالسلك المشدود. عيناه الثاقبتان تحدِّقان في يورنا كأنهما تتهمانها.
لكن ذلك التبادل المقتضب بدا وكأنه أثار بعض الريبة لدى الطرف الآخر. فإلى جانب الرجل الذي يحمل وجه إيبل، كان هناك آخر بشعرٍ أخضر مصفر، يبدو أنَّه حارسه الشخصي، قد رمقهم بنظرة حادَّة. ومع ذلك——
لكن ذلك التبادل المقتضب بدا وكأنه أثار بعض الريبة لدى الطرف الآخر.
فإلى جانب الرجل الذي يحمل وجه إيبل، كان هناك آخر بشعرٍ أخضر مصفر، يبدو أنَّه حارسه الشخصي، قد رمقهم بنظرة حادَّة. ومع ذلك——
كافما: «لا تُبقِيهم هنا! الفتيات أيضًا على الأرجح يشعرن بالحرج!»
سوبارو: «ردُّ فعل رائع يا آل.»
آل: «أجل، حتى أنا أرغب في أن أربِّت على كتفي إعجابًا بردَّة فعلي الأسطورية… لكن ذلك الرجل كان مفاجئًا أكثر من اللزوم، أليس كذلك؟»
لم تُتح لهما فرصة التفكير، إذ أعلنت الفتاة المرشدة أنَّ وقتهما قد نفد.
سوبارو: «… نعم، أتفق معك.»
فينسنت: «يورنا ميشيغوري… ما الذي تفكرين فيه؟»
فتنتها باهرة وهي تُحرِّك قوامها الرشيق بحلاوةٍ واطمئنان. ولمساتُها الرصينة، وإيماءاتها التي تراعي عينَ المتلقِّي، على الرغم من الخمول الذي يخيِّم قليلًا على الأجواء، بدت ومضاتٍ من الحل الأمثل لفن اجتذاب النظر. وزاد من أثر خطوها المتهادي ذي الإيقاع الخاص تلك الذُّيولُ الثعلبية التي بدت أكبر من جسدها النحيل—— تسعةُ أذنابٍ وبرى. ومع كون شعرها مرفوعًا في عُقدة، وازدحامه بالكانزاشي، وبين حُلِيِّه آذانٌ حيوانيةٌ منتصبة، تسلَّل إلى ذهنه، كعبق الخمر، أنَّها ثعلبية فاتنة في كيمونو.
وبينما كان آل يسحب ميديوم إلى الخلف، أومأ سوبارو بجانبِه بوجهٍ جاد.
لقد وجد نفسه في مواجهة خصمٍ غير متوقَّع—— بل أسوأ اصطدام يمكن تخيُّله. ومع مجريات الأحداث، كان من حسن الحظ أنَّ إيبل لم يكن برفقتهم في هذه اللحظة.
من دون أن يعلِّق على وقاحتها في الإيماءة والدخان، عقد فينسنت حاجبيه استياءً. ثم شبك ذراعيه النحيلتين، وهو يربِّت بأصابعه على مرفقيه، وقال بعد تفكير: فينسنت: «أكان حشدك الجيوش ضدِّي بين الحين والآخر هو دعوتك؟ إن كان الأمر كذلك، فالرد واضح.»
من دون أن يعلِّق على وقاحتها في الإيماءة والدخان، عقد فينسنت حاجبيه استياءً. ثم شبك ذراعيه النحيلتين، وهو يربِّت بأصابعه على مرفقيه، وقال بعد تفكير: فينسنت: «أكان حشدك الجيوش ضدِّي بين الحين والآخر هو دعوتك؟ إن كان الأمر كذلك، فالرد واضح.»
فلو كان حاضرًا، لاندلع الصدام الحاسم لتحديد مَن هو الإمبراطور الحقيقي لفولاكيا.
في الأصل، يُشير لفظ “للازورد” إلى اللون الأزرق، لذا فإن اقترانه بـ “القرمزي” يبدو متناقضًا. لكن نظرة واحدة إلى واجهة قلعة اللازورد القرمزي كفيلة بإقناع أيِّ ناظر أنَّ الوصف دقيق.
سوبارو: «ربما يكون ذلك خيارًا أيضًا….»
ألقى بنظره نحو الحرس الثلاثة المرافقين للرجل الذي يرتدي ملامح إيبل، وقد بدأت وساوس الإغراء تداعب فكره.
صحيح أنَّ عدد الجنود المتوارين داخل المدينة وخارجها غير معلوم، لكن لا يبدو أنَّ لهذا المزيف سوى هؤلاء الثلاثة هنا—— ذلك الذي كان في العاصمة محاطًا بعشرات الآلاف من جنود الإمبراطورية، يقف الآن أمامهم في فرصة مثالية لفضح زيفه.
كافما: «لماذا تريدين من الأساس وجود آخرين هنا! هذا قصرُك، لكنه في الوقت نفسه أرضٌ تابعة للإمبراطورية… هل نسيتِ تلك الحقيقة؟!»
سوبارو: «——لا، الحكم ما زال مبكرًا.»
—— شامخة في قلب مدينة الشياطين كيوس فليم، ارتفعت قلعة اللازورد القرمزي.
إن صدَّقوا كلام إيبل، فإن عرش الإمبراطور لم يكن أبدًا مهدَ سلام.
إيبل نفسه لم يكن يغلق عينيه معًا في العلن قط، دائم الحذر من يدٍ قد تمتد لاغتياله وهو نائم. فإذا كانت هذه طبيعة الإمبراطور الحقيقي، فحتى ذلك الإمبراطور المزيَّف لن يُقدِم على الظهور أمام العامة دون حماية جدِّية.
بمعنى آخر، إما أنَّ الحرس الثلاثة الذين اصطحبهم يملكون قوَّة باهرة، أو أنَّه أعدَّ تدابير أخرى خفيَّة.
آل: «أتريد أن نجرِّب حظَّنا ونرى النتيجة؟»
سوبارو: «لو كان بوسعنا أن نعيد الكرة من جديد، لكان ذلك خيارًا ممكنًا… لكن ما يخيفني أكثر هو تطوُّر لا نستطيع الرجوع منه. لذا، أرجوك، لا تقدم على أي تصرُّف طائش.»
آل: «أجل، أجل.»
لم يعلم سوبارو إن كان جادًّا في موافقته، لكن آل لم يُبدِ اعتراضًا على رفض اقتراحه.
أفكار آل كانت تُرفض كثيرًا، لا لأنَّها سيئة بالضرورة، بل لأنَّه كان يطرحها أسرع مما يستطيع سوبارو التفكير بها، مما يمنحه وقتًا لتقييم الموقف بهدوء.
خلف سوبارو الذي جمده الذهول، وقع مشهد محفوف بالخطر. إذ ما إن رأت ميديوم وجهًا مألوفًا وسط الحشد حتى اقتربت منه بود، لكن آل أسرع بتغطية فمها وجذبها إلى الخلف. ورغم أنَّها كانت أطول قامةً منه، فإنها أطاعت بصمت، ولو أنَّ الدهشة ارتسمت على وجهها من ردة فعل الرجل ذو الذراع الواحدة.
هذا قلَّل من التشتت في مجرى أفكاره، وأتاح له التفرغ لاختيار الخيارات الأجدر بالتنفيذ.
على الأقل، كان ينبغي إيجاد وسيلة لتجاوز الموقف دون استفزاز الإمبراطور المزيَّف ورفاقه، ومعرفة الغاية الحقيقية من زيارتهم.
لماذا اختار الظهور في كيوس فليم في هذا التوقيت بالذات؟
ثمَّ إنَّ المشهد، وإن كان الواقع مغايرًا، يوحي وكأنَّ الإمبراطور نفسه قد جاء.
آل: «أتريد أن نجرِّب حظَّنا ونرى النتيجة؟» سوبارو: «لو كان بوسعنا أن نعيد الكرة من جديد، لكان ذلك خيارًا ممكنًا… لكن ما يخيفني أكثر هو تطوُّر لا نستطيع الرجوع منه. لذا، أرجوك، لا تقدم على أي تصرُّف طائش.» آل: «أجل، أجل.»
يورنا: «آه، إن صدق ظني بأن مشاعري قد بلغتكم، فصدري يخفق من الحماسة. أرجو أن تغفروا لي.»
ميديوم: «مم~! ممفهن~!»
وسنسميه فينسنت تمييزًا له عن إيبل، وهو هو بعينه.
وفي خضم أفكاره، أطلقت ميديوم، التي ما زال آل يغطي فمها، أنينًا مكتومًا.
ميديوم: «كما تعلمان… ما زلت لا أفهم تمامًا، لكن… هل ذلك الإيبل تشين شخص مختلف عن إيبل تشين الذي نعرفه؟» آل: «أوه، بلى. لستِ مخطئة. فالحقيقي يفترض أن يكون جالسًا في النزل بالمدينة، ينتظرنا حتى نعود، أليس كذلك؟ لهذا نحن في ورطة…» ميديوم: «ألن يكون هذا سيئًا؟ بسبب خطة ناتسومي؟» سوبارو: «أنا؟ ماذا فعلتُ… آه.»
كانت قد أُجبرت على التراجع دون تفسير، وفوق ذلك أُطبق فمها؛ لذا كان من الطبيعي أن تبدو مستاءة.
أفلتها آل وهو يكرر معتذرًا: «آسف، آسف.»
سوبارو: «————»
ميديوم: «بففهاا… كان ذلك صعبًا!»
آل: «آسف، لم أنتبه. ليس الأمر أنَّني فعلت ذلك عن قصد لمجرَّد أنَّ خدود ميديوم تشان ناعمة هكذا.»
سوبارو: «كلَّما واصلت الكلام، زادت اتهامات المضايقة ذات الإيحاءات.»
ميديوم: «لا أفهم تمامًا… لكن الأهم!»
سوبارو: «… ما الغرض من قدومهم أصلًا؟»
يورنا: «هممم؟»
اعتذار آل قوبل بنظرة جامدة من سوبارو، فيما ميديوم، وقد التقطت أنفاسها بكل ما أوتيت من قوة، أشارت إليهما بكلتا يديها.
تراجعا خطوة إلى الخلف من حدَّة حركتها، ثم——
كافما: «لا تُبقِيهم هنا! الفتيات أيضًا على الأرجح يشعرن بالحرج!»
ميديوم: «كما تعلمان… ما زلت لا أفهم تمامًا، لكن… هل ذلك الإيبل تشين شخص مختلف عن إيبل تشين الذي نعرفه؟»
آل: «أوه، بلى. لستِ مخطئة. فالحقيقي يفترض أن يكون جالسًا في النزل بالمدينة، ينتظرنا حتى نعود، أليس كذلك؟ لهذا نحن في ورطة…»
ميديوم: «ألن يكون هذا سيئًا؟ بسبب خطة ناتسومي؟»
سوبارو: «أنا؟ ماذا فعلتُ… آه.»
سوبارو: «——لا، الحكم ما زال مبكرًا.»
ورغم أنَّها لم تدرك التفاصيل، فقد فهمت جوهر المشكلة، وأشارت مباشرة إلى صُلب المسألة. عبوس سوبارو حين وجد نفسه موضع الإشارة تحوَّل فورًا إلى استيعابٍ تام لقلقها.
يورنا: «آه، إن صدق ظني بأن مشاعري قد بلغتكم، فصدري يخفق من الحماسة. أرجو أن تغفروا لي.»
كانت ملاحظتها، وما تعتزم فعله، واضحة.
وكان ينبغي على سوبارو وآل أن يدركا الأمر قبل أن تنطق به.
لكن، بطبيعة الحال، لن يكون هناك وقت للتحرُّك بعد أن تشرق الحقيقة في أذهانهما. ومع ذلك، كان يجدر بهما أن يكونا قد أعدَّا خطة لمواجهة الموقف——
سوبارو: «آمم… هل نحن نعكِّر صفو شيء ما؟ إن كان الأمر كذلك، سنعود في يوم آخر…»
جمال ساحر لامع، وإمبراطور ذو هيئة مهيبة تجمع بين الوقار والعظمة في توليفة تكاد تكون سحرية… أيُّ حدثٍ سيخلِّده التاريخ من هذا اللقاء في ذلك اليوم؟ هل سيمهِّد هذا اللقاء للحب، أم سيقود إلى سفك الدماء؟ ذلك ما ستحدِّده اللحظات المقبلة.
الفتاة ذات القرنين: «——لقد وصلت يورنا ميشيغوري ساما.»
وما إن عادت، حتى انحنت برأسها الكبير ذي القرنين أمام سوبارو، والإمبراطور المزيَّف، ورفاقهما. ثم، وقد فتحت الباب في صدر القاعة، قالت: «تفضلوا بالدخول.»
لم تُتح لهما فرصة التفكير، إذ أعلنت الفتاة المرشدة أنَّ وقتهما قد نفد.
وما إن عادت، حتى انحنت برأسها الكبير ذي القرنين أمام سوبارو، والإمبراطور المزيَّف، ورفاقهما. ثم، وقد فتحت الباب في صدر القاعة، قالت: «تفضلوا بالدخول.»
؟؟؟: «جنرال الدرجة الأولى يورنا… أليس هذا السلوك نوعًا من قلة الاحترام؟ ما الذي تفكرين فيه؟»
وفي تلك اللحظة، خطا إلى الداخل شخص ببطء، وما إن وقعت عينا سوبارو عليه، حتى تمكَّن من صياغة انطباعه عن الفتاة ذات القرنين.
فقد شبَّهها بكامورو—— المتدرِّبات الصغيرات في أحياء اللهو اليابانية القديمة، اللواتي يتعلمن آداب السلوك وفنون الغناء والرقص، ويقمن بخدمة المومسات الأكبر منهن في تلك المناطق الزاخرة بالبذخ والترف.
فينسنت: «أجيبي. ما الذي تفكرين فيه؟»
آل: «أتريد أن نجرِّب حظَّنا ونرى النتيجة؟» سوبارو: «لو كان بوسعنا أن نعيد الكرة من جديد، لكان ذلك خيارًا ممكنًا… لكن ما يخيفني أكثر هو تطوُّر لا نستطيع الرجوع منه. لذا، أرجوك، لا تقدم على أي تصرُّف طائش.» آل: «أجل، أجل.»
ربما كان الكيمونو الأنيق غير المتوقع، وزينة الشعر البديعة، هما ما أطلق في ذهنه ذلك التشبيه.
لكن، قبل كل شيء، كان السبب الحقيقي هو الشخص الذي جاءت به الفتاة برفقتها——
سوبارو: «————»
والسبب في أنَّه استطاع استخدام لفظ كامورو لوصفها، يعود تحديدًا إلى ذلك الشخص الذي دخل الآن.
نسي سوبارو أن يتنفَّس، واتَّسعت عيناه على اتساعهما، كردَّة فعل غريزية؛ فقد أسكره حضور إنسانٍ بالغ الجمال إلى حد يطغى على الوعي.
سوبارو: «——لا، الحكم ما زال مبكرًا.»
يورنا: «——اليوم لدينا الكثير من الضيوف، أليس كذلك؟»
يورنا: «مرحبًا بكم في قصري، لقد قطعتم شوطًا طويلًا.»
قالت تلك الكلمات امرأة طويلة القامة، وهي تضيق عينيها الزرقاوين اللوزيَّتين.
كافما: «لماذا تريدين من الأساس وجود آخرين هنا! هذا قصرُك، لكنه في الوقت نفسه أرضٌ تابعة للإمبراطورية… هل نسيتِ تلك الحقيقة؟!»
عن الشغف في عينيها وكلماتها تجاه فينسنت.
ميديوم: «مم~! ممفهن~!»
جسدها الممشوق الطويل التفَّ بكيمونو زاهٍ ذي زخارف زهرية، وشعرها الذي يتدرَّج من الأبيض إلى البرتقالي عند الأطراف رُبط بعناية وأناقة.
وتزيَّن شعرها كانزاشي مصوغة من عظام وقرون حيوانات، ومعها حُلِيُّ شعرٍ أخرى من أنيابٍ وحراشف تُبهج عينَ كل ناظر.
غير أنَّها تبقى مجرَّد زينة، جمالًا تصنعه الأيدي.
ولكي يُستعرض سحرها حقًّا، لا بدَّ من الشخص المعروض، ومن نقاء جوهره الداخلي.
وفي هذا المقام، رفعةُ مَن ترتدي الكيمونو أمرٌ لا يورث شكًّا.
سوبارو: «هاه!؟ نحن؟!»
يورنا: «————»
فتنتها باهرة وهي تُحرِّك قوامها الرشيق بحلاوةٍ واطمئنان.
ولمساتُها الرصينة، وإيماءاتها التي تراعي عينَ المتلقِّي، على الرغم من الخمول الذي يخيِّم قليلًا على الأجواء، بدت ومضاتٍ من الحل الأمثل لفن اجتذاب النظر.
وزاد من أثر خطوها المتهادي ذي الإيقاع الخاص تلك الذُّيولُ الثعلبية التي بدت أكبر من جسدها النحيل—— تسعةُ أذنابٍ وبرى.
ومع كون شعرها مرفوعًا في عُقدة، وازدحامه بالكانزاشي، وبين حُلِيِّه آذانٌ حيوانيةٌ منتصبة، تسلَّل إلى ذهنه، كعبق الخمر، أنَّها ثعلبية فاتنة في كيمونو.
ولقطع هذا المنحى السيئ للأحداث، تنحنح سوبارو قائلًا «أحم» استعدادًا لكلمة يوبِّخهم بها،
يورنا: «مرحبًا بكم في قصري، لقد قطعتم شوطًا طويلًا.»
سوبارو: «… ما الغرض من قدومهم أصلًا؟»
ثم جلست في صدر القاعة على المقعد العلوي، ومدَّت ساقيها الطويلتين المرنتين، وأسندت جسدها إلى مِسند الذراع. مدت يدها، فتلقَّفت الفتاةُ الكامورو التي رافقتها كيِسِرو مطليًّا بالذهب بين أناملها الشاحبة.
أضرمت السيِّدة الجميلة طرفَ الغليون، وابتسمت ابتسامةً آسرة، فيما ملأت رئتَيها بالدخان الأرجواني الصاعد.
جلست في موضع الشرف، تنظر من علٍ إلى ضيفها—— إمبراطور فولاكيا الجالس أدناه.
سوبارو: «——إنه مزيَّف، متنكرٌ بزي الإمبراطور.»
يورنا: «————»
ارتجفت كتفا سوبارو بدهشة حين وُجِّه غضب كافما إليهم. فضَّل لو تُرك وشأنه بعيدًا عن دائرة الانتباه، لكن ذلك كان أملًا بعيد المنال. ومع ذلك، حين يُسألك أحد، فهناك دائمًا مجال لاستغلال الموقف.
سوبارو: «… ما الغرض من قدومهم أصلًا؟»
مهابتُها وزينتُها، وطريقةُ كلامها، وكيف ترتدي الكيمونو كاشفةً كتفيها النحيلين، مع حضور الكامورو إلى جانبها، كلُّ ذلك أيقظ في ذهن سوبارو لفظتي “غانيـة” و”محظيَّة”.
وبالطبع، لم يطأ سوبارو ماخورًا قط، ولم يرَ مومسًا بعينه؛ إنما هي معارف استقاها من دراما تاريخية وأعمال تتناول عصورًا سالفة، ولم يخطر له غيرها.
——لا، القول إنَّ الألفاظ خانته مبالغة.
فهنا، لا ريب أنَّ ثمَّة كلمةً أخرى أصدق وصفًا لها: أجل، هي جميلة، وأجل، تتصرَّف كما تتصرَّف الغواني؛ غير أنَّ ذلك كلُّه يجيء بعد مرتبتها بوصفها السابعةَ بين الجنرالات التسعة السماويين——
يورنا: «————»
وفي تلك اللحظة، خطا إلى الداخل شخص ببطء، وما إن وقعت عينا سوبارو عليه، حتى تمكَّن من صياغة انطباعه عن الفتاة ذات القرنين. فقد شبَّهها بكامورو—— المتدرِّبات الصغيرات في أحياء اللهو اليابانية القديمة، اللواتي يتعلمن آداب السلوك وفنون الغناء والرقص، ويقمن بخدمة المومسات الأكبر منهن في تلك المناطق الزاخرة بالبذخ والترف.
؟؟؟: «——يورنا ميشيغوري.»
يورنا: «————»
المرأةُ الفاتنة التي أطلت، يورنا ميشيغوري—— نُوديت باسمها، فحوَّلت نظرها إلى الرجل الذي نطق به.
على أرضية الخشب، ارتكزت الأعين على زرقتي عيني يورنا، وكان هناك الإمبراطور المزيَّف——
كافما: «أنا كافما إيرولوكس. أُمرت بمرافقة صاحب السمو. كنت أعتزم الاكتفاء بدور الحارس… لكن أسلوبك مقزِّز.»
وسنسميه فينسنت تمييزًا له عن إيبل، وهو هو بعينه.
—— شامخة في قلب مدينة الشياطين كيوس فليم، ارتفعت قلعة اللازورد القرمزي.
سوبارو: «طبعًا… الصوت نفسه.»
وبينما كان سوبارو ورفاقه منشغلين بالقلق من غموض الموقف، واصل وفد الإمبراطور حوارهم. وبدلًا من فينسنت، الذي التزم الصمت، كان صاحب الشعر الأصفر المائل إلى الأخضر –ويبدو حارسًا شخصيًا لفيـنسنت– هو مَن جعل حاجبي يورنا يرتفعان.
فينسنت: «أجيبي. ما الذي تفكرين فيه؟»
لم تصدر سوى بضع كلمات قليلة، لكن الصوت كان حقًا صوت إيبل.
يبدو أن الشبه لم يكن في المظهر فحسب، بل في الصوت أيضًا. غير أنَّه ما دام المظهر منسوخًا، فالتشابه في الصوت أمر طبيعي، ولهذا لم يكن ثمَّة ما يدعو للدهشة.
بل إنَّ ما أذهل سوبارو حقًا هو مشهد فينسنت ويورنا يتقابلان وجهًا لوجه.
كانا يتبادلان النظرات في صمت، وصورتهما تفيض بهاءً كلوحة فنية.
يورنا: «——اليوم لدينا الكثير من الضيوف، أليس كذلك؟»
جمال ساحر لامع، وإمبراطور ذو هيئة مهيبة تجمع بين الوقار والعظمة في توليفة تكاد تكون سحرية… أيُّ حدثٍ سيخلِّده التاريخ من هذا اللقاء في ذلك اليوم؟
هل سيمهِّد هذا اللقاء للحب، أم سيقود إلى سفك الدماء؟ ذلك ما ستحدِّده اللحظات المقبلة.
من دون أن يعلِّق على وقاحتها في الإيماءة والدخان، عقد فينسنت حاجبيه استياءً. ثم شبك ذراعيه النحيلتين، وهو يربِّت بأصابعه على مرفقيه، وقال بعد تفكير: فينسنت: «أكان حشدك الجيوش ضدِّي بين الحين والآخر هو دعوتك؟ إن كان الأمر كذلك، فالرد واضح.»
سوبارو: «… ما الغرض من قدومهم أصلًا؟»
رجل ذو شعر قصير منتصب، تتدلَّى منه خصلات طويلة كضفائر؛ بدا في العمر مقاربًا لفيـنسنت، وربما أكبر قليلًا. ارتدي عباءة بلون الرمال فوق درع خفيف أسود، ووجهه وبنيته يوحيان بحدة كالسلك المشدود. عيناه الثاقبتان تحدِّقان في يورنا كأنهما تتهمانها.
لم يكن هدف وفد فينسنت من القدوم إلى مدينة الشياطين واضحًا بعد.
كان ردُّ الفعل على لقائهم بيورنا هو ما يتصدَّر الأولوية، لكن بالنسبة لغرض الزيارة—— ما الذي يدفعه للقدوم إلى إحدى الجنرالات التسعة السماويين التي ما فتئت تتمرَّد؟
إن كان يلعب دور الإمبراطور الحقيقي، فلا بد أن لديه ما يمنحه الشرعية. ولكن، لِمَ قد ترحِّب يورنا بالإمبراطور، وهي على خلاف معه، وتستقبله في القصر؟
ولو قال أحدهم إنَّ مكانتها لا تسمح لها بالرفض، لكان هذا كل ما في الأمر.
يورنا: «يا للعجب، يا صاحب السمو، لقد مرَّ زمن طويل.»
وبينما كان سوبارو غارقًا في أفكاره، ابتسمت يورنا أمامه، وعيناها تميلان إلى الأسفل عند الأطراف، وهي تضع الكيِسِرو في فمها. ثم أطلقت نفسًا من دخان أرجواني، وأغمضت عينًا واحدة بوقاحة، وقالت:
يورنا: «يشرفني أن أرى طلعتكم البهية. مهما دعوتكم إلى مدينة الشياطين، لم تجيبوا يومًا.»
كانت لحظة حرجة، لكن حركة ميديوم أُحبِطت.
يورنا: «بالطبع لم أنسَ. أنا أنتمي لصاحب السمو.»
فينسنت: «دعوة، تقولين؟.»
ميديوم: «مم~! ممفهن~!»
من دون أن يعلِّق على وقاحتها في الإيماءة والدخان، عقد فينسنت حاجبيه استياءً.
ثم شبك ذراعيه النحيلتين، وهو يربِّت بأصابعه على مرفقيه، وقال بعد تفكير:
فينسنت: «أكان حشدك الجيوش ضدِّي بين الحين والآخر هو دعوتك؟ إن كان الأمر كذلك، فالرد واضح.»
بدت المدينة ككعكة زفاف عشوائية لا رابط بين أجزائها، وكأن الفوضى رُسمت فوق الفوضى——
يورنا: «نعم، تمامًا. هذا صحيح، لكن رأسي ما زال على عنقي. وفوق ذلك، يبدو أنك لا تصحب معك ذلك الفتى المزعج اليوم.»
فينسنت: «————»
على الأقل، كان ينبغي إيجاد وسيلة لتجاوز الموقف دون استفزاز الإمبراطور المزيَّف ورفاقه، ومعرفة الغاية الحقيقية من زيارتهم. لماذا اختار الظهور في كيوس فليم في هذا التوقيت بالذات؟ ثمَّ إنَّ المشهد، وإن كان الواقع مغايرًا، يوحي وكأنَّ الإمبراطور نفسه قد جاء.
فينسنت: «————»
يورنا: «————»
بمعنى آخر، إما أنَّ الحرس الثلاثة الذين اصطحبهم يملكون قوَّة باهرة، أو أنَّه أعدَّ تدابير أخرى خفيَّة.
يورنا: «آه، إن صدق ظني بأن مشاعري قد بلغتكم، فصدري يخفق من الحماسة. أرجو أن تغفروا لي.»
هذا قلَّل من التشتت في مجرى أفكاره، وأتاح له التفرغ لاختيار الخيارات الأجدر بالتنفيذ.
ثم تنحنحت يورنا وضحكت بخفوت. لكن صوتها المليء بالإغراء وابتسامتها لم ينجحا في زعزعة تعبير فينسنت.
كماله في أداء دور الإمبراطور المزيَّف كان مبهرًا، ومع ذلك، فقد كان سوبارو قلقًا من نبرة يورنا——
عن الشغف في عينيها وكلماتها تجاه فينسنت.
لم يكن تبادلهما سوى كلمات قليلة، لكن في عينَي سوبارو، الاثنين——
لم تُتح لهما فرصة التفكير، إذ أعلنت الفتاة المرشدة أنَّ وقتهما قد نفد.
آل: «لا أصدِّق… هل تلك الفتاة خططت للتمرُّد فقط لتجذب انتباه إيبل تشان؟»
ارتجفت كتفا سوبارو بدهشة حين وُجِّه غضب كافما إليهم. فضَّل لو تُرك وشأنه بعيدًا عن دائرة الانتباه، لكن ذلك كان أملًا بعيد المنال. ومع ذلك، حين يُسألك أحد، فهناك دائمًا مجال لاستغلال الموقف.
سوبارو: «… أتمنى حقًا أنك مخطئ.»
جسدها الممشوق الطويل التفَّ بكيمونو زاهٍ ذي زخارف زهرية، وشعرها الذي يتدرَّج من الأبيض إلى البرتقالي عند الأطراف رُبط بعناية وأناقة. وتزيَّن شعرها كانزاشي مصوغة من عظام وقرون حيوانات، ومعها حُلِيُّ شعرٍ أخرى من أنيابٍ وحراشف تُبهج عينَ كل ناظر. غير أنَّها تبقى مجرَّد زينة، جمالًا تصنعه الأيدي. ولكي يُستعرض سحرها حقًّا، لا بدَّ من الشخص المعروض، ومن نقاء جوهره الداخلي. وفي هذا المقام، رفعةُ مَن ترتدي الكيمونو أمرٌ لا يورث شكًّا.
سوبارو: «هاه!؟ نحن؟!»
بدا أن آل قد وصل إلى نفس الاستنتاج الذي وصل إليه سوبارو، فأحدثت كلماته صوت اصطكاك أضراس الأخير.
كان يفضِّل لو أن أحد أعظم محاربي الإمبراطورية لم يكن ممَن يحرِّكون الجيوش بدافع ضغينة شخصية، كما كان من الصعب أن يتصور وجود أحدٍ يضمر مشاعر ود تجاه إيبل، بينما الأخير لا يراه حتى إنسانًا.
ذلك كان السبب الرئيس في شدِّ سوبارو لوجنتيه، لكن كان هناك ما هو أهم—— الدافع الذي حملهم على طلب مقابلة يورنا منذ البداية.
ثم تنحنحت يورنا وضحكت بخفوت. لكن صوتها المليء بالإغراء وابتسامتها لم ينجحا في زعزعة تعبير فينسنت. كماله في أداء دور الإمبراطور المزيَّف كان مبهرًا، ومع ذلك، فقد كان سوبارو قلقًا من نبرة يورنا——
لقد كانت محاولة لجذب انتباهها تحت شعار: “إيبل يثير غيظي”، على افتراض أن ذلك لن يؤثر في أي شخص موالٍ لإيبل.
فإن صدقت الهواجس المزعجة لدى سوبارو والبقية، فالأمر لن يكون مُسليًا ليورنا على الإطلاق.
ومع ذلك، فقد أدخلت مجموعته إلى القصر، بل وجعلتهم يجلسون إلى جانب وفد فينسنت نفسه.
ورغم أنَّها لم تدرك التفاصيل، فقد فهمت جوهر المشكلة، وأشارت مباشرة إلى صُلب المسألة. عبوس سوبارو حين وجد نفسه موضع الإشارة تحوَّل فورًا إلى استيعابٍ تام لقلقها.
؟؟؟: «جنرال الدرجة الأولى يورنا… أليس هذا السلوك نوعًا من قلة الاحترام؟ ما الذي تفكرين فيه؟»
يورنا: «هممم؟»
وبينما كان سوبارو ورفاقه منشغلين بالقلق من غموض الموقف، واصل وفد الإمبراطور حوارهم.
وبدلًا من فينسنت، الذي التزم الصمت، كان صاحب الشعر الأصفر المائل إلى الأخضر –ويبدو حارسًا شخصيًا لفيـنسنت– هو مَن جعل حاجبي يورنا يرتفعان.
من دون أن يعلِّق على وقاحتها في الإيماءة والدخان، عقد فينسنت حاجبيه استياءً. ثم شبك ذراعيه النحيلتين، وهو يربِّت بأصابعه على مرفقيه، وقال بعد تفكير: فينسنت: «أكان حشدك الجيوش ضدِّي بين الحين والآخر هو دعوتك؟ إن كان الأمر كذلك، فالرد واضح.»
رجل ذو شعر قصير منتصب، تتدلَّى منه خصلات طويلة كضفائر؛ بدا في العمر مقاربًا لفيـنسنت، وربما أكبر قليلًا.
ارتدي عباءة بلون الرمال فوق درع خفيف أسود، ووجهه وبنيته يوحيان بحدة كالسلك المشدود. عيناه الثاقبتان تحدِّقان في يورنا كأنهما تتهمانها.
يورنا: «وأنت… يا مَن مع صاحب السمو، أنت…؟»
كافما: «أنا كافما إيرولوكس. أُمرت بمرافقة صاحب السمو. كنت أعتزم الاكتفاء بدور الحارس… لكن أسلوبك مقزِّز.»
يورنا: «أسلوبي، تقول؟ ماذا تقصد بذلك؟»
كانت لحظة حرجة، لكن حركة ميديوم أُحبِطت.
كافما: «كل شيء!»
يورنا: «————»
قالت يورنا كلماتها بنبرة متراخية، فما كان من الرجل الذي قدَّم نفسه باسم كافما إلا أن استشاط غضبًا.
حدَّق بها وهو يشير بيده نحو سوبارو ورفاقه الذين كانوا يشاهدون الموقف في صمت:
كافما: «لماذا تريدين من الأساس وجود آخرين هنا! هذا قصرُك، لكنه في الوقت نفسه أرضٌ تابعة للإمبراطورية… هل نسيتِ تلك الحقيقة؟!»
سوبارو: «نعم، نعم، هذا صحيح.»
يورنا: «بالطبع لم أنسَ. أنا أنتمي لصاحب السمو.»
؟؟؟: «——يورنا ميشيغوري.»
كافما: «لست أتحدث عن ذلك! أنتم هناك، أنتم!»
سوبارو: «هاه!؟ نحن؟!»
يورنا: «وأنت… يا مَن مع صاحب السمو، أنت…؟»
قلعة من الفوضى، تتلوَّن باستمرار، رافضة أن تستقر على لونٍ واحد. تلك هي قلعة اللازورد القرمزي في مدينة الشياطين، مقر سيدتها يورنا ميشيغوري.
ارتجفت كتفا سوبارو بدهشة حين وُجِّه غضب كافما إليهم. فضَّل لو تُرك وشأنه بعيدًا عن دائرة الانتباه، لكن ذلك كان أملًا بعيد المنال.
ومع ذلك، حين يُسألك أحد، فهناك دائمًا مجال لاستغلال الموقف.
سوبارو: «آمم… هل نحن نعكِّر صفو شيء ما؟ إن كان الأمر كذلك، سنعود في يوم آخر…»
يورنا: «سيكون ذلك مشكلة. وقتي في اليوم محدود، وإن فاتكم اليوم، فلا أعلم متى ستكون هناك فرصة أخرى.»
كافما: «لا تُبقِيهم هنا! الفتيات أيضًا على الأرجح يشعرن بالحرج!»
بضحكة صغيرة ونبرة واثقة، أشارت يورنا إلى سوبارو ورفاقه بذقنها. وللمرة الأولى، وجَّه فينسنت وعيه نحو مجموعة سوبارو، لا بد أنه رأى أن وراء تبادل الكلمات السابق سببًا يتجاوز نزوة يورنا.
ربما كان الكيمونو الأنيق غير المتوقع، وزينة الشعر البديعة، هما ما أطلق في ذهنه ذلك التشبيه. لكن، قبل كل شيء، كان السبب الحقيقي هو الشخص الذي جاءت به الفتاة برفقتها——
سوبارو: «نعم، نعم، هذا صحيح.»
فتنتها باهرة وهي تُحرِّك قوامها الرشيق بحلاوةٍ واطمئنان. ولمساتُها الرصينة، وإيماءاتها التي تراعي عينَ المتلقِّي، على الرغم من الخمول الذي يخيِّم قليلًا على الأجواء، بدت ومضاتٍ من الحل الأمثل لفن اجتذاب النظر. وزاد من أثر خطوها المتهادي ذي الإيقاع الخاص تلك الذُّيولُ الثعلبية التي بدت أكبر من جسدها النحيل—— تسعةُ أذنابٍ وبرى. ومع كون شعرها مرفوعًا في عُقدة، وازدحامه بالكانزاشي، وبين حُلِيِّه آذانٌ حيوانيةٌ منتصبة، تسلَّل إلى ذهنه، كعبق الخمر، أنَّها ثعلبية فاتنة في كيمونو.
يورنا: «أسلوبي، تقول؟ ماذا تقصد بذلك؟»
لسبب ما، حاولت يورنا إبقاء مجموعة سوبارو في المكان، بينما بدا أن كافما يوافق سوبارو على موقفه.
وعلى الرغم من أن وجوده إلى جانب الإمبراطور المزيَّف يجعله عدوًا، فإن كلماته وتصرفاته كانت نزيهة إلى درجة جعلته يبدو الحليف الوحيد في هذا الموقف.
ولكن——
ارتجفت كتفا سوبارو بدهشة حين وُجِّه غضب كافما إليهم. فضَّل لو تُرك وشأنه بعيدًا عن دائرة الانتباه، لكن ذلك كان أملًا بعيد المنال. ومع ذلك، حين يُسألك أحد، فهناك دائمًا مجال لاستغلال الموقف.
فينسنت: «يورنا ميشيغوري… ما الذي تفكرين فيه؟»
يورنا: «وأنت… يا مَن مع صاحب السمو، أنت…؟»
ولقطع هذا المنحى السيئ للأحداث، تنحنح سوبارو قائلًا «أحم» استعدادًا لكلمة يوبِّخهم بها،
فجأة، كان من كسر حدة التوتر هو فينسنت فولاكيا—— الإمبراطور المزيَّف نفسه.
وما إن نطق، حتى تراجع كافما، الذي كان قد اشتد انفعاله، على الفور.
ومع أن الصوت والوجه مألوفان، شعر سوبارو بانقباض في أحشائه.
فحتى مع إدراكه أنه مزيَّف، فإن إحساس الرهبة كان حقيقيًا تمامًا.
بدا أن آل قد وصل إلى نفس الاستنتاج الذي وصل إليه سوبارو، فأحدثت كلماته صوت اصطكاك أضراس الأخير. كان يفضِّل لو أن أحد أعظم محاربي الإمبراطورية لم يكن ممَن يحرِّكون الجيوش بدافع ضغينة شخصية، كما كان من الصعب أن يتصور وجود أحدٍ يضمر مشاعر ود تجاه إيبل، بينما الأخير لا يراه حتى إنسانًا. ذلك كان السبب الرئيس في شدِّ سوبارو لوجنتيه، لكن كان هناك ما هو أهم—— الدافع الذي حملهم على طلب مقابلة يورنا منذ البداية.
ثم تنحنحت يورنا وضحكت بخفوت. لكن صوتها المليء بالإغراء وابتسامتها لم ينجحا في زعزعة تعبير فينسنت. كماله في أداء دور الإمبراطور المزيَّف كان مبهرًا، ومع ذلك، فقد كان سوبارو قلقًا من نبرة يورنا——
فينسنت: «أجيبي. ما الذي تفكرين فيه؟»
يورنا: «سيكون ذلك مشكلة. وقتي في اليوم محدود، وإن فاتكم اليوم، فلا أعلم متى ستكون هناك فرصة أخرى.»
وبعد أن أخرس خادمه والضيف غير المدعو معًا، عاد فينسنت ليسأل يورنا مجددًا.
في مواجهة السؤال وعلوِّ النبرة، أغمضت يورنا عينيها قليلًا.
رفعت الـ«كيسيرو» برفق إلى فمها، ودعت الدخان البنفسجي المتماوج إلى رئتيها، ثم أطلقته بنعومة، مانحةً جوابها زخمًا مبالغًا فيه.
ارتجَّت وجنتا كافما قليلًا من ضيقٍ جرَّاء إبقاء الإمبراطور منتظرًا مرة أخرى.
يورنا: «بالطبع، أنا دائمًا أفكِّر بصاحب السمو… بصاحب السمو إمبراطور فولاكيا.»
الفتاة ذات القرنين: «——لقد وصلت يورنا ميشيغوري ساما.»
فينسنت: «————»
؟؟؟: «——؟»
يورنا: «ههه، لا تمنحني تلك النظرات الباردة. لكني متأكدة أن صاحب السمو سيسعد أكثر لو أنك خفَّضت من قدر الضيوف هناك قليلًا، أليس كذلك؟»
وفي خضم أفكاره، أطلقت ميديوم، التي ما زال آل يغطي فمها، أنينًا مكتومًا.
سوبارو: «——لا، الحكم ما زال مبكرًا.»
بضحكة صغيرة ونبرة واثقة، أشارت يورنا إلى سوبارو ورفاقه بذقنها.
وللمرة الأولى، وجَّه فينسنت وعيه نحو مجموعة سوبارو، لا بد أنه رأى أن وراء تبادل الكلمات السابق سببًا يتجاوز نزوة يورنا.
سوبارو: «… نعم، أتفق معك.»
ولقطع هذا المنحى السيئ للأحداث، تنحنح سوبارو قائلًا «أحم» استعدادًا لكلمة يوبِّخهم بها،
والسبب في أنَّه استطاع استخدام لفظ كامورو لوصفها، يعود تحديدًا إلى ذلك الشخص الذي دخل الآن. نسي سوبارو أن يتنفَّس، واتَّسعت عيناه على اتساعهما، كردَّة فعل غريزية؛ فقد أسكره حضور إنسانٍ بالغ الجمال إلى حد يطغى على الوعي.
سوبارو: «أعتذر، لكن لديَّ اقتراح جديد. يبدو أننا في المكان الخطأ، وهناك أشياء من الأرجح أنه لا ينبغي لنا سماعها. نرغب بالتراجع والذهاب إلى…»
بضحكة صغيرة ونبرة واثقة، أشارت يورنا إلى سوبارو ورفاقه بذقنها. وللمرة الأولى، وجَّه فينسنت وعيه نحو مجموعة سوبارو، لا بد أنه رأى أن وراء تبادل الكلمات السابق سببًا يتجاوز نزوة يورنا.
يورنا: «عجبًا، يا له من قول مفعم بالخوف.»
قوطعت كلمات سوبارو فيما كان ينحني عند خصره محاولًا مغادرة المكان بأدب.
ولاحظ، للحظة وجيزة، عيني يورنا خلف سحابة الدخان البنفسجي، ولمع فيهما بريق طفولي؛ وهنا تمتم في نفسه «أوه» مدركًا أنه ارتكب هفوة.
يورنا: «مرحبًا بكم في قصري، لقد قطعتم شوطًا طويلًا.»
لو كان سيعود أدراجه، لكان عليه أن يحسم أمره منذ أن وقعت عيناه على وجوه الواقفين أمامه.
لقد أساء التقدير، وانتهى به الأمر إلى الندم—— لأن…
يورنا: «سمعت من تانزا… جئتم إلى هنا لتغويني كي أصبح عدوة لصاحب السمو الإمبراطور الجليل، أليس كذلك؟»
وفي تلك اللحظة، خطا إلى الداخل شخص ببطء، وما إن وقعت عينا سوبارو عليه، حتى تمكَّن من صياغة انطباعه عن الفتاة ذات القرنين. فقد شبَّهها بكامورو—— المتدرِّبات الصغيرات في أحياء اللهو اليابانية القديمة، اللواتي يتعلمن آداب السلوك وفنون الغناء والرقص، ويقمن بخدمة المومسات الأكبر منهن في تلك المناطق الزاخرة بالبذخ والترف.
وهكذا، أعلنت صراحةً عن كامل نواياهم.
سوبارو: «أعتذر، لكن لديَّ اقتراح جديد. يبدو أننا في المكان الخطأ، وهناك أشياء من الأرجح أنه لا ينبغي لنا سماعها. نرغب بالتراجع والذهاب إلى…»
لو كان سيعود أدراجه، لكان عليه أن يحسم أمره منذ أن وقعت عيناه على وجوه الواقفين أمامه. لقد أساء التقدير، وانتهى به الأمر إلى الندم—— لأن…
