Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ري زيرو: بدء الحياة في عالم أخر من الصفر 38

38 - مكافأة أُعِدَّت على مدى ثمانية أعوام.
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

38 - مكافأة أُعِدَّت على مدى ثمانية أعوام.

—— “إيبل يثير غيظي”.

سوبارو: «يبدو وكأنك محتال عبر الهاتف يتحدث هكذا…»

 

كلماتها، التي لم يكن يُتصوَّر أن تكون إلا استفزازًا، جعلت عِرقًا يبرز في جبين كافما.

كان سوبارو قد اعتبر هذا الشعار خطة مناسبة لاجتذاب المتألقة يورنا ميشيغوري وكسب ودَّها.
فزيكر، ذلك الرجل النبيل رفيع الخُلق، قد وصمها بأنها صاحبة نزعة إلى التدمير، وأنها أثارت العصيان مرة بعد مرة.
أما ذريعة سوبارو لطلب مقابلتها، فكانت أنَّ “شخصًا ذا نفوذ وقوة يرغب في محادثتها على انفراد، سعيًا للتمرُّد على الإمبراطور الحالي لمملكة فولاكيا”.

كانت كلمات آل مما لم يفهمه سوبارو إطلاقًا، لكن ما إن سمعها أولبارت حتى ارتفع حاجباه وصاح: «أوه!».

 

 

كان فريق سوبارو المكوَّن من ثلاثة أشخاص يزور قلعة اللازورد القرمزي حاملًا رسالة من ذلك الرجل القوي.
وفي الحقيقة، لم يتفوه بكذبة واحدة.

 

 

الشخص الوحيد الذي تدخَّل لوضع حد لهذه الشكوك كان فينسنت نفسه. أجاب أولبارت، عاقدًا ذراعيه: «أوه، نعم!» ردًا على سؤال الإمبراطور المزيَّف،

فـ “الإمبراطور الحالي لفولاكيا” لم يكن سوى ذلك الذي أطاح بإيبل، مغتصبًا اسمه ومكانته. وأما “الشخص القوي” الذي أراد لقاءها على انفراد، فلم يكن سوى الإمبراطور الحقيقي، صاحب الحق في الجلوس على العرش. لذا، لم يكن في كلامه أي خداع.

شعر سوبارو وكأنه بلغ حافة طاقته الذهنية؛ إذ بدا أنَّ أعضاء الجنرالات التسعة السماويين الذين كانوا يسعون وراءهم قد ظفر بهم العدو بالفعل، والأسوأ أنَّ هؤلاء من ذوي الرتب الرفيعة.

 

في اللحظة التي اشتد فيها السوط، ارتطم آل بسوبارو من الخلف ارتطامًا عنيفًا، إذ يبدو أنه تمكن من القفز خارج القلعة مثلما فعل سوبارو وميديوم.

غاية سوبارو كانت إيصال رسالة إيبل إليها مهما كان الثمن، وإن استدعى الأمر، فسوف يختلق الأكاذيب التي تلزم لتحقيق هذا الهدف.

سوبارو: «هذا بالضبط ما تقوم عليه خطة ناتسومي شفارتز…!»

 

حين تُبسَّط كلماتها بهذه الصورة، لا يبقى أي غموض في نواياها مهما بدت عسيرة الفهم. حتى فينسنت أوضح أن اللعبة قد بدأت——

سوبارو: «هذا بالضبط ما تقوم عليه خطة ناتسومي شفارتز…!»

 

 

 

في النهاية، نال استحسان آل وميديوم على ما أبداه من دهاء. غير أنَّ——

كانت المعضلة أنَّ الأمور لا تزداد سوءًا في المستقبل فحسب، بل إنَّ الوضع القائم أمامهم تدهور بوتيرة متسارعة. حتى لو كان الأمر مقتصرًا على كافما وحده، لكان فوق طاقتهم، فكيف وقد انضم إليهم الآن أولبارت من بين الجنرالات التسعة السماويين؟

 

يورنا: «كوه.»

كافما: «—— تقول إنكم تتمردون على جلالته؟»

 

 

 

مع انكشاف ما قيل ليورنا، خيَّم على القاعة جو أكثر جمودًا.
كافما إيرولوكس، حارس فينسنت الشخصي، والذي أبدى أوضح انفعالاته منذ حين، أخذ يفيض بعداء يكاد يُحسب بردًا متجمِّدًا.

 

 

 

ومن نظراته الحادَّة، أدرك سوبارو أنَّ الخروج من هنا بسلام لم يعد ممكنًا.
—— “الماكر يغرق في مكائده”، عبارة لم يشعر بصدقها كما شعر به الآن.

 

 

وبمجرد أن أشار العجوز إلى ذلك، استدار إليه كافما قائلًا: «لكن…»

سوبارو: «لكن… أليست مسألة التوقيت وانعدام التنسيق خطأ إيبل أصلًا…؟»

 

 

وفي اللحظة الأخيرة، نسي حتى الحفاظ على مظهره، وركل الأرض بكل قوته. وبذلك لحق بميديوم، ليقفز معها عبر الفتحة——

كافما: «أطبق فمك—— جنرال الدرجة الأولى يورنا.»

 

 

ميديوم: «لننطلق، ناتسومي تشان! واحرص ألَّا تعضَّ لسانك!»

أخرسه كافما، وهو يلعن إيبل على جرِّه إلى هذا الموقف العبثي. ثم وجَّه نظره الفولاذي نحو يورنا:

 

 

آل: «ناتسومي تشان ما زالت تتكلم بلسان امرأة في هذا الموقف، لكنني لم أتدخَّل من فراغ. لا، لم أفكِّر مليًا، ولكن… أيها العجوز! أنا هو، أجل أجل!»

كافما: «هل سمحتِ عن علم لجلالته وهؤلاء بالدخول في الوقت نفسه؟»

نعم، وكأنه يتمسَّك بموقع لا ينبغي له التراجع عنه، بقطعة لا يجوز التخلي عنها. ريم، التي تنتظر عودته في غوارال، وإيبل، الغائب عنهم، وآل وميديوم، المترقِّبان خلفه، جميعهم قد أوكلوا إليه هذا القرار.

 

بمعنى آخر—— إنَّ تعاون يورنا ميشيغوري لن يُنال بعد الآن. وكان هذا بمثابة إغلاق الطريق إلى نصرٍ هش في الظلام. لذا——

يورنا: «————»

ذلك البريق، الذي كان على وشك أن يفقد الاهتمام بمجموعتهم، لم يكن من التقلب بحيث يستعيد رأيًا سبق أن تخلَّى عنه. فما يُطرح جانبًا هنا لن يُلتقط مجددًا أبدًا.

 

 

كافما: «أجيبي!»

 

 

آل: «آه، صحيح—— كانت الآنسة الصغيرة أراكيا معي أيضًا.»

ارتفع صوته، لكن غضبه لم يكن موجَّهًا إلى سوبارو ورفاقه القلقين، بل إلى يورنا نفسها، على خلفية خلقها لهذا التوتر.
ولم يكن السبب أنَّ اللوم يقع عليها، بل لأنَّهم ببساطة لم يروا في سوبارو ورفيقيه أي تهديد يُذكر.

 

 

سوبارو: «… تلك عينان مزعجتان بحق.»

بل إنَّ الحزم المتأجج الذي انبعث من كافما، وقد نهض بثبات، منح سوبارو إحساسًا بأنَّه يضاهي في قوته وخطورته أراكيا التي واجهها في قاعة المدينة بمدينة غوارال.

انقطع نفس سوبارو تحت وطأة الضربة، وشعر بوعيه يتشقق، وكأن كل شيء قد تحطَّم بعد أن تلقَّى ضربة الجنرال السماوي… غير أنَّ——

 

إنه واحد من بين الثلاثة الذين جاء بهم فينسنت كحرسٍ مرافقين—— هيئة صغيرة جالسة متربعة على أرضية خشبية، غير كافما.

وعلى أقل تقدير، لم يكن ثمة شك في أنه قوي بما يكفي ليُوكَل بمرافقة الإمبراطور شخصيًا.
ومن وجهة نظره، كان من الطبيعي أن يُحكَم على سوبارو، فضلًا عن آل وميديوم، بأنهم لا يستحقون الحذر منهم.

في اللحظة ذاتها، اعترضهما الشيخ، وكأنَّه انبثق من العدم، لتخترق كفِّه صدريهما مباشرة.

 

 

آل: «نحن المعنيِّون بالأمر، ومع ذلك يجري استبعادنا؟ أهو أمر جيِّد… أم سيِّئ؟»

وعلى غرابته، وجد سوبارو نفسه متفقًا مع كافما بعد أن التقط مغزى تبادلهما. فشخصية يورنا كانت، بلا مواربة، الأسوأ في نظره هو نفسه. ورغم أنِّهم تهيؤوا مسبقًا لقدر من المكر واللؤم بحكم سمعتها، فقد فاقت الحقيقة توقُّعاتهم.

 

يورنا: «أولًا، هؤلاء الضيوف لم يتراجعوا عن كلماتهم. وثانيًا… الثلاثة قد يشكِّلون خطرًا على حياة صاحب السمو. ما رأيك؟»

شارك سوبارو الشعور نفسه حيال تذمُّر آل الباهت، فيما استمر الحوار المشحون دون أن يكون له أو لرفيقيه نصيب فيه. فقد تابع كافما استجواب يورنا، التي وضعت مبسم غليونها بين شفتيها ونفثت سحابة من دخان بنفسجي.

 

 

سوبارو: «فلن تقرئي الرسالة… فهمت.»

ثم أمالت رأسها وهي تقول: «أتساءل…»، وهزَّت معها حُلِيَّ شعرها الزاهية.

 

 

في النهاية، نال استحسان آل وميديوم على ما أبداه من دهاء. غير أنَّ——

يورنا: «وما قصدك بـ “عن علم”؟»
كافما: «يا لكِ من وقحة…! لقد كررتُ على جلالته مرارًا أنِّك ما زلتِ خطِرة.»
يورنا: «تُقر بما هو بديهي. بعد كل الفوضى التي أثرتها… أوَ لعلَّك تجهل ما فعلته؟»

كافما: «كيف تجرؤ، أيها الوقح——!!»

 

 

كافما: «——هك.»

كافما: «السيد أولبارت، لقد اعتلى صاحب السمو العرش قبل ثمانية أعوام…»

 

وبعد سؤال سوبارو ذاك، رمقت يورنا الفراغ بنظرة هادئة، ثم قلبت الكيسيرو رأسًا على عقب لتسقط الرماد في جرة أعدَّتها لها الكامورو المرافقة.

كلماتها، التي لم يكن يُتصوَّر أن تكون إلا استفزازًا، جعلت عِرقًا يبرز في جبين كافما.

 

 

في اللحظة ذاتها، اعترضهما الشيخ، وكأنَّه انبثق من العدم، لتخترق كفِّه صدريهما مباشرة.

وعلى غرابته، وجد سوبارو نفسه متفقًا مع كافما بعد أن التقط مغزى تبادلهما. فشخصية يورنا كانت، بلا مواربة، الأسوأ في نظره هو نفسه. ورغم أنِّهم تهيؤوا مسبقًا لقدر من المكر واللؤم بحكم سمعتها، فقد فاقت الحقيقة توقُّعاتهم.

ابتسم العجوز، كاشفًا عن أسنان بيضاء جميلة، ناصعة على نحو يثير الإعجاب بالنسبة لسنِّه. غير أنَّ سوبارو لم يكن في مزاج يسمح له بالضحك—— فقد واجهوا فينسنت، الإمبراطور المزيَّف، أثناء سعيهم لاستمالة يورنا إلى صفهم، وفي النهاية تبيَّن أنَّه جلب معه أولبارت أيضًا.

 

فينسنت: «——أنت.»

ومع ذلك، بدا أنَّها لا تعتزم ببساطة تسليم سوبارو ورفاقه، الذين كانوا واضحين في تمرُّدهم، إلى فينسنت ورجاله الزائرين.
كان الجو متوترًا على نحوٍ يبعد كل البعد عن مشهد يُقدَّم فيه الخونة إلى الإمبراطور.

 

 

كافما: «إن من واجب التابع المخلص أن يرفع عن صاحبه المتاعب، أيها السيد أولبارت!»

وقبل كل شيء——

يورنا: «وما قصدك بـ “عن علم”؟» كافما: «يا لكِ من وقحة…! لقد كررتُ على جلالته مرارًا أنِّك ما زلتِ خطِرة.» يورنا: «تُقر بما هو بديهي. بعد كل الفوضى التي أثرتها… أوَ لعلَّك تجهل ما فعلته؟»

 

فينسنت: «دعك من ذلك، وتابع. قبل ثمانية أعوام، ماذا جرى؟»

فينسنت: «——وكالعادة، ذوقكِ منفر.»

 

 

 

وبصرف النظر عن نوايا يورنا، أطلق فينسنت كلماته الباردة.

سوبارو: «هذا بالضبط ما تقوم عليه خطة ناتسومي شفارتز…!»

 

آل: «ربما لا تعرفني جيدًا، وآخر مرة رأيتني فيها لم أكن أضع خوذتي. لكنني كنت بلا ذراع، وتبادلنا بعض الكلام.»

وعند سماعها، رفعت يورنا حاجبيها المصقولين قليلًا:
يورنا: «ألا يروقك، يا جلالة الإمبراطور؟»
فينسنت: «سخافة. إن اختلَّ الميزان لصالح طرف واحد، فالأمر أشبه بأن يطارد الأرنبُ الكلبَ. لم أبلغ من السأم من الإمبراطورية حدَّ جعل القسوة الخالصة وسيلة للتسلية.»

 

 

 

كانت نبرته متجردة من الانفعال، لكنها مشبعة بهيبة واضحة.
تلقَّت كلماته بهدوء، وفي الفجوات بين خصلات شعرها المربوط، ارتعشت أذنا الثعلب لديها. لم يتمكن سوبارو من قراءة أي شعور على ملامحها.

سوبارو: «أشواك وإبر… وعرض سيرك غريب فوقها!؟»

 

ميديوم: «أجل!»

والأمر ذاته انطبق على فينسنت.

كافما: «ماذا…!»

 

 

سوبارو: «————»

 

 

فينسنت: «——أولبارت، أتعرِف ذلك الرجل؟»

أي عاصفة يا تُرى تتململ في صدره وهو يواجه المتمرِّدين وجهًا لوجه؟
كان فهم أفكار الإمبراطور المزيَّف أصعب حتى من تخمين ما يدور في ذهن الحقيقي، ولا سيما مع علمه أن هذا الذي أمامه مُنتحل للعرش.

 

 

 

لابد أن هذا المزيف يضمر كرهًا لإيبل، كونه قد نفاه، لكن——

 

 

 

سوبارو: «ليس غبيًّا لدرجة أن يُظهر ذلك…»

مع انكشاف ما قيل ليورنا، خيَّم على القاعة جو أكثر جمودًا. كافما إيرولوكس، حارس فينسنت الشخصي، والذي أبدى أوضح انفعالاته منذ حين، أخذ يفيض بعداء يكاد يُحسب بردًا متجمِّدًا.

 

 

فينسنت: «——أنت.»

سيف الداو للرجل ذو الذراع الواحدة، وزوج السيوف الرشيقة، مزَّقا الأشواك بضراوة، مبدِّدَين الكتلة الكثيفة التي حجبت الرؤية وأغلقت الطريق، قبل أن ينطلق الثلاثة خارج الأدغال الخانقة.

 

فينسنت: «إن كان لديك ما تقوله، فقله الآن.»

سوبارو: «——هك!»

وبينما يُحكم ذراعه حول خصر ميديوم النحيل، أطلق السوط بقوة، ممتدًا لا في الفراغ، بل نحو أحد الدعامات الخشبية الهائلة التي تتشابك كشبكة عنكبوتية في أرجاء مدينة الشياطين… وصولًا إلى أحد الجدران الخارجية لـ قلعة اللازورد القرمزي.

 

 

شهق سوبارو وقد اخترقت عيناه السوداوان عمق روحه. وفي لحظة، حُرِّم عليه حتى أن يحيد بنظره، فثبت بغير استعداد في مواجهة أعتى خصومه.

فينسنت: «أولبارت، التزم الصمت—— يمكنك أن تتابع، أيها المهرِّج.»

 

فينسنت: «لا تستفزِّيني، أيتها المرأة. حتى أنتِ، رغم تمردكِ عليَّ، تدركين مقاصدي.»

كان وجهه نسخة طبق الأصل من الحقيقي، وإن ظلَّت طريقة نسخها مجهولة.
كلاهما، الأصلي والمزيَّف، امتلكا عينين سوداويين حادَّتين تحاولان التوغُّل في كل بادرة تصدر عنك، مما جعل أحشاء سوبارو تنقبض——

 

 

 

فينسنت: «إن كان لديك ما تقوله، فقله الآن.»

أجسادهم تتأرجح حول الدعامة الخشبية خارج القلعة، متخذة منها محورًا، فيما صرخ كتفه، ومرفقه، ومعصمه، بل وذراعه اليمنى كلها… قبل أن تتحول صرخات الألم الجسدي إلى صرخات حقيقية.

 

ميديوم: «هاه! تَلَقَّ هذا!»

سوبارو: «… تلك عينان مزعجتان بحق.»

وبسبب التصادم في الهواء، وجد الثلاثة أنفسهم متشبثين ببعضهم، يعلقون جميعًا على ذراع سوبارو اليمنى وحدها، بما يقارب مئة وخمسين كيلوجرامًا من الوزن.

 

أولبارت: «مع أنَّك قلت وقتها إنك لا تريد شيئًا.»

كافما: «ماذا…!»

وقبل أن تنفجر مشاعر الفرح فيهم، رفع فينسنت إصبعًا واحدًا وتكلَّم.

 

لكن وجود إيبل أصلًا إلى جانب سوبارو ورفاقه جعل هذا الأخير يشكُّ في احتمال أن يكون هو الإمبراطور المزيَّف. وإن صحَّ ذلك، فسوف يجدون أنفسهم في مأزق خانق لا مهرب منه… ولهذا كان يأمل ألَّا يكون الأمر كذلك.

سوبارو: «آه! لا، لا، لا! لم أقصدها بذلك المعنى! خرجت من فمي بلا قصد!»

 

 

آل: «سيكون نصرًا ساحقًا لي إن حصلتُ عليه منك، لكن يلزمني الكثير من الجرأة لأطلب ذلك. لذا…»

في أسوأ لحظة ممكنة، تزامن استجواب الإمبراطور المزيَّف مع تسلُّل نفحة من ضيق الصدر إلى الكلمات.
تجمَّد كافما في مكانه وقد ارتسمت على وجهه صدمة خالصة، بعد أن وجَّه سوبارو شتيمة مباشرة للإمبراطور. ثم لوَّح بيده على عجل، بينما أغمض فينسنت عينًا واحدة ولاذ بالصمت.

أشواك خضراء داكنة، كأفاعٍ تتلوى، اندفعت نحوه، كتلة جارفة تحجب بصره تمامًا. كروم من الشوك، يحمل كل منها إبرًا بسماكة ذراعي سوبارو، كانت سلاحًا قاتلًا يعصر فريسته حتى آخر قطرة حياة.

 

 

كان من الواضح أنَّه فوجئ، لكن في الوقت ذاته، أخذ يحدِّق في سوبارو كما لو كان يقيِّمه.
كانت تلك النظرة من ذات النوع الذي رآه من إيبل الحقيقي في غابة بودهايم، وفي قرية الشُودرَاك، وفي قاعة المدينة بمدينة غوارال.

لكن كافما لم يكن الوحيد الذي تجمَّدت وجنتاه. فعند سماع الاسم، شدَّ سوبارو على أسنانه وشعر بالانقباض ذاته.

 

 

سوبارو: «أمَّا الآن، فنحن…»

بطبيعة الحال، كان ذلك يرجع جزئيًا إلى مهارة ميديوم الفطرية… غير أنَّ الأمر لم يقف عند هذا الحد——

 

 

خلفه، كان آل وميديوم يراقبان الموقف بحبس أنفاس. لا بدَّ أنَّ تلك الجملة الصادمة التي تفوَّه بها قد وضعت عليهما ضغطًا هائلًا.
الجو في القاعة كان باردًا ومشدودًا، وأي زلَّة إضافية كانت كفيلة بتمزيقه إلى شظايا.

سوبارو: «أراكيا، وتشيشا، والآن أولبارت أيضًا…»

 

أولبارت: «أنت ذلك الرجل! أنت الذي استعاد الجزيرة مع أراكيا! والآن وقد ذكرت ذلك، تبدو شبيهًا به فعلًا. كاككككك! لا أصدق أنك ما زلت على قيد الحياة!»

والحق أنَّ الوضع برمَّته كان خانقًا منذ البداية.
فلا يورنا، ولا كافما، من النوع الذي يمكن لسوبارو ورفاقه أن ينافسوه في قوَّة أو دهاء.
ألم يكن من الحكمة، إذًا، أن يتراجعوا عن موقفهم أمام يورنا، ويؤكدوا أنَّ وصمهم بالمتمرِّدين أمر لا أساس له، ثم ينحنوا وينسحبوا؟ حتى لو بدا المشهد باهتًا؟

 

 

يورنا: «————»

وفي هذا الخاطر، حاول سوبارو أن يرخِّي جانبي فمه، مكوِّنًا ابتسامة وديَّة.

 

 

سوبارو: «هذا بالضبط ما تقوم عليه خطة ناتسومي شفارتز…!»

——عندها، انتبه إلى نظرة يورنا التي انصبَّت عليه بلا أن تحرُّك ساكنًا.

 

 

 

يورنا: «————»

 

 

 

كانت تحدِّق فيه صامتة، وهي تمتصَّ نَفَسًا من غليونها.
كانت نظرة غامضة، لا هي باللامبالية، ولا بالمهتمة. مائعة كدخانها البنفسجي المتصاعد، شبحٌ يتلاشى ما إن تحاول القبض عليه.

 

 

وكان ذلك طبيعيًا. فخلافًا لإيبل، الذي جُرِّد من سلطته الحقيقية كإمبراطور إمبراطورية فولاكيا الشاسعة، كان هذا الإمبراطور المزيَّف أمامه هو مَن يمسك فعلًا بزمام هذه السلطة كسلاحٍ في يده. ولو لم يرفع فينسنت يده ليوقف كافما بعد تلك الزلَّة السابقة، لكان الأخير قد انفجر غضبًا، وانتهى عمر سوبارو هناك. لكن ذلك لم يحدث، ولن يسمح فينسنت بحدوثه.

ظنَّ أنَّه سيكون ضربًا من الحماقة أن يحاول الاتكال على هذه النظرة.
ومع ذلك، ساوره إحساس قوي بأنَّه أمام نقطة تحوُّل.

 

 

 

ذلك البريق، الذي كان على وشك أن يفقد الاهتمام بمجموعتهم، لم يكن من التقلب بحيث يستعيد رأيًا سبق أن تخلَّى عنه. فما يُطرح جانبًا هنا لن يُلتقط مجددًا أبدًا.

كان المتكلم رجلًا مسنًا متغضِّن الملامح، شعره أبيض، وحاجباه طويلان. لقد صاغ بعناية هالةً من التبرُّم، سواء في نبرة صوته أو في مضمون حديثه. وكان حضوره لافتًا إلى حد يصعب معه فهم كيف لم يُلحَظ من قبل.

 

لم يكن الأمر مقامَ مجازفة فحسب، بل——

بمعنى آخر—— إنَّ تعاون يورنا ميشيغوري لن يُنال بعد الآن.
وكان هذا بمثابة إغلاق الطريق إلى نصرٍ هش في الظلام. لذا——

أولبارت: «إذًا، لسبب ما، أصبحت عدوًّا لصاحب السمو. ربما كان يجدر بي أن أكلمك في وقت أبكر لأرفع من سمعة صاحب السمو. لقد أخطأت، لقد أخطأت.»

 

أولبارت: «أوه؟ أتعرِفني؟ أنا مشهور نوعًا ما، كما تعلم.»

فينسنت: «——أجبني جيِّدًا. ماذا كنت ستقول؟»

 

 

فينسنت: «همف.»

سوبارو: «حسنًا، أمم——»

كافما: «—— تقول إنكم تتمردون على جلالته؟»

 

بل إنَّ آل تقدَّم خطوتين حتى صار بمحاذاة سوبارو،

عند سؤال فينسنت، استغرق سوبارو قلبةً كاملة قبل أن يرفع بصره.
إلى جانب الإمبراطور المزيَّف، ضيَّق كافما عينيه موجِّهًا انتباهه نحو سوبارو. وخلفه، تصاعد توتر آل وميديوم، فيما يورنا ما تزال تحتفظ بنفس البنفسجي في صدرها.

وأثناء قوله ذلك، أدار آل رأسه نحو سوبارو. وما إن فهم سوبارو ما المطلوب منه، حتى أخرج ظرفًا من جيبه. كان هدفهم منذ البداية هو إيصال رسالة إيبل.

 

لقد كانت مقامرة عالية المخاطر، وقرار آل بالإقدام عليها كان صائبًا——

وبينما كان يلتقط تلك التغيُّرات بطرف عينه، وجَّه سوبارو نظره إلى فينسنت، وأعلن بصوت ثابت:

——عندها، انتبه إلى نظرة يورنا التي انصبَّت عليه بلا أن تحرُّك ساكنًا.

 

 

سوبارو: «كما قالت السيدة يورنا… نحن نعلن الحرب عليك.»

 

 

وفيما يصرخ بأعلى صوته باحثًا عن أي مخرج من هذا المأزق، مرت على ذهنه وجوه إميليا، وبياتريس، وريم واحدة تلو الأخرى——

نعم، وكأنه يتمسَّك بموقع لا ينبغي له التراجع عنه، بقطعة لا يجوز التخلي عنها.
ريم، التي تنتظر عودته في غوارال، وإيبل، الغائب عنهم، وآل وميديوم، المترقِّبان خلفه، جميعهم قد أوكلوا إليه هذا القرار.

سوبارو: «——إذا خرجنا من القلعة!»

 

 

كيلا يسيء ناتسكي سوبارو فهم مغزى هذا الموقف وثقله… وكيلا يفرِّط فيه——

 

 

آل: «إنهم عشيرة قفص الحشرات! يهاجمون بالحشرات التي يربونها داخل أجسادهم!»

فينسنت: «————»

 

 

يورنا: «————»

اهتزَّ بريقٌ خافت في عيني فينسنت الداكنتين عند سماعه ذلك الإعلان العدائي.
لكن حِدَّة بصر سوبارو لم تستطع أن تفكَّ شيفرة أيِّ شعور كان وراءه؛ أكان فرحًا، أم غضبًا، أم حزنًا، أم لذَّة؟
كل ما شعر به هو الجفاف السريع الذي اجتاح لسانه، وقد أيقظته الحماسة التي أثارتها كلماته في نفسه.

 

 

 

وكان ذلك طبيعيًا.
فخلافًا لإيبل، الذي جُرِّد من سلطته الحقيقية كإمبراطور إمبراطورية فولاكيا الشاسعة، كان هذا الإمبراطور المزيَّف أمامه هو مَن يمسك فعلًا بزمام هذه السلطة كسلاحٍ في يده.
ولو لم يرفع فينسنت يده ليوقف كافما بعد تلك الزلَّة السابقة، لكان الأخير قد انفجر غضبًا، وانتهى عمر سوبارو هناك.
لكن ذلك لم يحدث، ولن يسمح فينسنت بحدوثه.

كافما: «يا صاحب السمو! أصدر أمرًا لي! أولئك الأشخاص…»

 

ومع ذلك، بدا أنَّها لا تعتزم ببساطة تسليم سوبارو ورفاقه، الذين كانوا واضحين في تمرُّدهم، إلى فينسنت ورجاله الزائرين. كان الجو متوترًا على نحوٍ يبعد كل البعد عن مشهد يُقدَّم فيه الخونة إلى الإمبراطور.

يورنا: «كوه…»

آل: «——أيها العجوز، أتذكرني؟»

 

 

ومن مقعدها العالي، ألقت يورنا نظرة من علٍ على المواجهة بين سوبارو وفينسنت، وانسلَّ من حلقها صوتٌ خافت.
ابتسامة جانبية تسرَّبت من فمها مع نفث دخانٍ بنفسجي، وارتجفت كتفاها طربًا.
على ما يبدو، كان إعلان سوبارو المهدِّد لحياته قد بدَّد بعضًا من مللها، ولو قليلًا.

 

 

 

فينسنت: «ما الذي يضحككِ، يورنا ميشيغوري؟»

 

 

 

يورنا: «أولًا، هؤلاء الضيوف لم يتراجعوا عن كلماتهم. وثانيًا… الثلاثة قد يشكِّلون خطرًا على حياة صاحب السمو. ما رأيك؟»

——وبصوت ارتطام مروع، تحطم سقف الإسطبلات في القلعة، وسقط الثلاثة وسط أكوام التبن، متشابكين فوقها.

 

 

فينسنت: «لا تستفزِّيني، أيتها المرأة. حتى أنتِ، رغم تمردكِ عليَّ، تدركين مقاصدي.»

 

 

 

لم يتغيَّر وجه فينسنت وهو يواجه نظرة يورنا المستفزة.
ثم عاد مرة أخرى، وغرس عينيه الداكنتين في سوبارو، ذاك الذي أعلن عداوته له.

التقت عيناهما السوداوان، والتهم التوتر القاعة كما لو كانت ألسنة لهب جهنمية.

 

فـ “الإمبراطور الحالي لفولاكيا” لم يكن سوى ذلك الذي أطاح بإيبل، مغتصبًا اسمه ومكانته. وأما “الشخص القوي” الذي أراد لقاءها على انفراد، فلم يكن سوى الإمبراطور الحقيقي، صاحب الحق في الجلوس على العرش. لذا، لم يكن في كلامه أي خداع.

فينسنت: «هذه أرض الذئب السيفي. وفقط مَن يملك الجرأة ليصوِّب إلى رأسي، يمكن أن يُدعى بحق مواطنًا في هذه الإمبراطورية.»

 

 

هكذا أعلن، وأمام ناظريه مباشرة، إعلان حرب أوضح وأجرأ من أي مرة سابقة.

سوبارو: «… يا لك من رقيق.»

 

 

ومع ذلك، استطاع آل أن يحمي سوبارو من هذا السيل الجارف.

فينسنت: «همف.»

تبادل آل وأولبارت أطراف الحديث، الأول بنبرة متهاونة، والآخر بابتسامة عريضة.

 

أطلقت يورنا انطباعها ذاك، الذي بدا نافرًا كشوكة في عين، وهي تراقب مبارزة النظرات بين سوبارو وفينسنت. وبالمقابل، ازداد الغضب ارتسامًا على ملامح كافما.

بشخير قصير، أزاح فينسنت سخرية سوبارو جانبًا وضحك باقتضاب.
لقد كان سلوكه، حتى في طريقة رده، نسخة مطابقة للأصل.
ولو كان إيبل هنا، لقال الشيء نفسه تمامًا.

 

 

 

لكن وجود إيبل أصلًا إلى جانب سوبارو ورفاقه جعل هذا الأخير يشكُّ في احتمال أن يكون هو الإمبراطور المزيَّف.
وإن صحَّ ذلك، فسوف يجدون أنفسهم في مأزق خانق لا مهرب منه… ولهذا كان يأمل ألَّا يكون الأمر كذلك.

 

 

 

فينسنت: «لكن قيمة رأسي ليست رخيصة لدرجة أن أقدِّمه لك بهذه السهولة.»

وأثناء التفاتهم إليه، أغلق الإمبراطور المزيَّف عينيه السوداوين، اللتين كانتا كظلمة مطبقة، وقال:

 

يورنا: «كوه…»

سوبارو: «——إذًا، ما الذي تنوي فعله بنا؟»

 

 

 

فينسنت: «هنا يكمن الإشكال.»

 

 

 

كان هذا إقرارًا منه بجرأتهم في مجابهة الإمبراطور علنًا، وبأنهم استطاعوا التغلب على كافما الذي كان على حافة الانفجار.
لكن ما تلا ذلك أوضح أن البرودة في نظرة فينسنت نحو خصومه لم تتغيَّر.
فحتى لو قدَّر شجاعتهم، لم يكن هناك سبب ليتساهل مع مَن يريدون المساس به.

 

 

سوبارو: «————»

التقت عيناهما السوداوان، والتهم التوتر القاعة كما لو كانت ألسنة لهب جهنمية.

فينسنت: «——أجبني جيِّدًا. ماذا كنت ستقول؟»

 

تبادل آل وأولبارت أطراف الحديث، الأول بنبرة متهاونة، والآخر بابتسامة عريضة.

يورنا: «آه، ما أشنعني من امرأة… رؤية الرجال يتقاتلون بسببي تجعلني أشعر بالإثارة.»

وبعد سؤال سوبارو ذاك، رمقت يورنا الفراغ بنظرة هادئة، ثم قلبت الكيسيرو رأسًا على عقب لتسقط الرماد في جرة أعدَّتها لها الكامورو المرافقة.

 

 

كافما: «وكأن الأمر لا يعنيك… ثم إن هناك نساءً أكثر من الرجال في الجهة الأخرى، فقولك “رجال” ليس دقيقًا.»

 

 

 

يورنا: «كوه.»

 

 

سوبارو: «آااااه——!»

أطلقت يورنا انطباعها ذاك، الذي بدا نافرًا كشوكة في عين، وهي تراقب مبارزة النظرات بين سوبارو وفينسنت.
وبالمقابل، ازداد الغضب ارتسامًا على ملامح كافما.

وفي هذا الخاطر، حاول سوبارو أن يرخِّي جانبي فمه، مكوِّنًا ابتسامة وديَّة.

 

 

كافما: «يا صاحب السمو! أصدر أمرًا لي! أولئك الأشخاص…»

 

 

 

؟؟؟: «——كافما، لقد فعلت ذلك الشيء… أحدثت بعض الضجيج منذ مدة.»

 

 

 

ضاق كافما ذرعًا بجمود الموقف، وحاول أن يرفع الأمر مباشرة إلى فينسنت، لكن مَن قاطعه لم يكن فينسنت، ولا حتى يورنا، بل شخص آخر.

وقبل أن يحسم قراره بالكامل، نادى سوبارو باسمَي رفيقيه. إذ إن ما سيجري وما يتوجَّب فعله كان يحتاج لتعاونهما معًا، وكان من الطبيعي أن يأخذ موافقتهما قبل الإقدام على أي خطوة.

 

وأثناء قوله ذلك، أدار آل رأسه نحو سوبارو. وما إن فهم سوبارو ما المطلوب منه، حتى أخرج ظرفًا من جيبه. كان هدفهم منذ البداية هو إيصال رسالة إيبل.

سوبارو: «آه…»

 

 

 

انفلت زفيرٌ من فم سوبارو من تلقاء نفسه، وهو يلتفت نحو مصدر الصوت.
لقد كان صوتًا بعيدًا تمامًا عن دائرة وعيه، حتى أن مجرد صدوره كان كفيلًا بإرباكه.

 

 

لم يكن بوسع أحد أن يرتِّب كل تلك الظروف المريعة عمدًا، حتى لو خطَّط لذلك——

إنه واحد من بين الثلاثة الذين جاء بهم فينسنت كحرسٍ مرافقين—— هيئة صغيرة جالسة متربعة على أرضية خشبية، غير كافما.

نعم، وكأنه يتمسَّك بموقع لا ينبغي له التراجع عنه، بقطعة لا يجوز التخلي عنها. ريم، التي تنتظر عودته في غوارال، وإيبل، الغائب عنهم، وآل وميديوم، المترقِّبان خلفه، جميعهم قد أوكلوا إليه هذا القرار.

 

قفزا معًا إلى السماء الزرقاء، متشابكي الأجساد… وإحساس الارتفاع الذي صنعته القفزة تلاشى في طرفة عين، ليُستبدل بسقوط حر بعد ثانية واحدة.

؟؟؟: «تعلم، معظم الأمور تنجح حين يترك المرء التفكير لصاحب السمو بدلًا منا. إن واصلنا الثرثرة فسوف نصبح عقبة حقًا.»

كافما: «أجيبي!»

 

—— لا، لقد كان في مرمى البصر، لكن خارج نطاق الوعي.

كان المتكلم رجلًا مسنًا متغضِّن الملامح، شعره أبيض، وحاجباه طويلان.
لقد صاغ بعناية هالةً من التبرُّم، سواء في نبرة صوته أو في مضمون حديثه. وكان حضوره لافتًا إلى حد يصعب معه فهم كيف لم يُلحَظ من قبل.

لابد أن هذا المزيف يضمر كرهًا لإيبل، كونه قد نفاه، لكن——

 

 

—— لا، لقد كان في مرمى البصر، لكن خارج نطاق الوعي.

 

 

شارك سوبارو الشعور نفسه حيال تذمُّر آل الباهت، فيما استمر الحوار المشحون دون أن يكون له أو لرفيقيه نصيب فيه. فقد تابع كافما استجواب يورنا، التي وضعت مبسم غليونها بين شفتيها ونفثت سحابة من دخان بنفسجي.

 

 

وربما يكون ذلك هو المعنى الحقيقي لأن يكون المرء “خارج الأنظار”.

أولبارت: «لا يعجبني هذا اللقب، كما تعلم. “العجوز الشرس” يبدو فظيعًا. هل أبدو لك فعلًا بهذه الوحشية؟ حسنًا، لو سألني أحدهم مباشرة، لما استطعت أن أقول إنني كذلك… لما استطعت قولها، كاككككك!»

 

 

وبمجرد أن أشار العجوز إلى ذلك، استدار إليه كافما قائلًا: «لكن…»

 

 

 

كافما: «إن من واجب التابع المخلص أن يرفع عن صاحبه المتاعب، أيها السيد أولبارت!»

 

 

كانت كلمات آل مما لم يفهمه سوبارو إطلاقًا، لكن ما إن سمعها أولبارت حتى ارتفع حاجباه وصاح: «أوه!».

أولبارت: «حين تصف نفسك بالتابع المخلص، ألا يبدو الأمر كتمهيد لتصفية شخص بتهمة السعي وراء مصلحته الخاصة؟ لا أحب فكرة قطع رأس شاب واعد.»

 

 

 

كافما: «غـه… هـك.»

كافما: «غـه… هـك.»

 

 

حرَّك العجوز –الذي يُدعى أولبارت– رأسه بكسل وهو يعبث بأذنه.
وتوتَّرت وجنتا كافما، مما جعل المرء يتساءل أي ضغط كان قد شعر به من تلك الإيماءة البسيطة.

أولبارت: «يا له من مظهر غريب عندك، يا فتى. وحتى لو كنت عجوزًا، فلن أقدر على نسيان شخص بمثل هذه الهيئة. هل نعرف بعضنا حقًا؟»

لكن كافما لم يكن الوحيد الذي تجمَّدت وجنتاه.
فعند سماع الاسم، شدَّ سوبارو على أسنانه وشعر بالانقباض ذاته.

 

 

وبذلك، ضغطوا على أرضية الخشب الصلبة بقدميهم لاكتساب السرعة والزخم.

سوبارو: «السيد… أولبارت…»

 

 

 

أولبارت: «أوه؟ أتعرِفني؟ أنا مشهور نوعًا ما، كما تعلم.»

 

 

 

سوبارو: «… ما دمت تدرك أنك شخصية مشهورة، فليس هناك شك في ذلك.»

 

 

 

ارتعشت شفتاه وهو يلفظ الاسم الذي تفاعل معه أولبارت.
وإذا كان قد أبدى تلك الاستجابة عند رؤية صدمة سوبارو، فلا ريب في الأمر.
ففي قاعة مدينة غوارال، ثم أثناء رحلتهم إلى مدينة الشياطين، كان قد سمع باسم أولبارت.

 

 

وربما يكون ذلك هو المعنى الحقيقي لأن يكون المرء “خارج الأنظار”.

من هذه النقطة فصاعدًا، كان حتميًا أن يصبح الجنرالات التسعة السماويين جزءًا من خطته للسيطرة على الإمبراطورية.
إحداهم كانت يورنا، والآخر——

سوبارو: «——هك!»

 

 

سوبارو: «العجوز الشرس… أولبارت دنكلكن!»

 

 

سوبارو: «أوه…»

أولبارت: «لا يعجبني هذا اللقب، كما تعلم. “العجوز الشرس” يبدو فظيعًا. هل أبدو لك فعلًا بهذه الوحشية؟ حسنًا، لو سألني أحدهم مباشرة، لما استطعت أن أقول إنني كذلك… لما استطعت قولها، كاككككك!»

 

 

خيِّل سوبارو أنَّه يسمع صوتًا صامتًا يجمِّد هواء القاعة. كان إقدام آل على المطالبة بمكافأة لقاء ما أنجزه قبل ثمانية أعوام، مستغلًا وجود شاهد على أفعاله، مقامرةً تستحق الرهان.

ابتسم العجوز، كاشفًا عن أسنان بيضاء جميلة، ناصعة على نحو يثير الإعجاب بالنسبة لسنِّه.
غير أنَّ سوبارو لم يكن في مزاج يسمح له بالضحك—— فقد واجهوا فينسنت، الإمبراطور المزيَّف، أثناء سعيهم لاستمالة يورنا إلى صفهم، وفي النهاية تبيَّن أنَّه جلب معه أولبارت أيضًا.

كان هدفه أن يعلِّق السوط هناك، ليجعله نقطة ارتكاز يفرّ بها من نطاق القلعة—— وهي أفضل خطة استطاع ابتكارها وسط فوضى القاعة.

 

آل: «كما قلت لك يا أخي، أنا معك في الخدمة.»

وهذا يعني أنَّ أولبارت بدوره صار، في هذه اللحظة، عضوًا في الفصيل الآخر.

وبينما تلاحقهم الصرخات، اندفع الثلاثة في الهواء كتلةً واحدة متشابكة، تتبع مسارًا مقوّسًا بفعل ارتداد السوط من الدعامة.

 

 

سوبارو: «أراكيا، وتشيشا، والآن أولبارت أيضًا…»

 

 

فينسنت: «لقد مضى أكثر من ثمانية أعوام، لكن حادثة جزيرة المصارعين كانت مزعجة بحق.»

شعر سوبارو وكأنه بلغ حافة طاقته الذهنية؛ إذ بدا أنَّ أعضاء الجنرالات التسعة السماويين الذين كانوا يسعون وراءهم قد ظفر بهم العدو بالفعل، والأسوأ أنَّ هؤلاء من ذوي الرتب الرفيعة.

 

 

 

كانت المعضلة أنَّ الأمور لا تزداد سوءًا في المستقبل فحسب، بل إنَّ الوضع القائم أمامهم تدهور بوتيرة متسارعة.
حتى لو كان الأمر مقتصرًا على كافما وحده، لكان فوق طاقتهم، فكيف وقد انضم إليهم الآن أولبارت من بين الجنرالات التسعة السماويين؟

 

 

 

لم يكن بوسع أحد أن يرتِّب كل تلك الظروف المريعة عمدًا، حتى لو خطَّط لذلك——

 

 

شهق سوبارو وقد اخترقت عيناه السوداوان عمق روحه. وفي لحظة، حُرِّم عليه حتى أن يحيد بنظره، فثبت بغير استعداد في مواجهة أعتى خصومه.

آل: «——أيها العجوز، أتذكرني؟»

سوبارو: «إن سلَّمتك الرسالة، متى يمكنني أن أتوقَّع ردًّا من السيدة يورنا؟»

 

 

أولبارت: «ماذا تقول؟»

 

 

سوبارو: «——إذًا ستقرئينها بعد مغادرتنا القلعة، أليس كذلك؟»

انحدرت قطرات العرق من جبين سوبارو، سالت على وجنتيه، ثم تناثرت من طرف ذقنه.
وفي خضم ذلك التوتر، جاء صوت غير متوقَّع جعل أولبارت يرفع حاجبيه. كان آل، الذي ناداه من خلف سوبارو.

فينسنت: «رسالة؟»

 

 

مال آل بجسده إلى الأمام، واتسعت عينا سوبارو دهشةً من تلك الحركة.

عند سؤال فينسنت، استغرق سوبارو قلبةً كاملة قبل أن يرفع بصره. إلى جانب الإمبراطور المزيَّف، ضيَّق كافما عينيه موجِّهًا انتباهه نحو سوبارو. وخلفه، تصاعد توتر آل وميديوم، فيما يورنا ما تزال تحتفظ بنفس البنفسجي في صدرها.

 

 

سوبارو: «آل؟ ما الذي… تفعله فجأة، بينما كل حركة نقوم بها تُراقب وتُحاسب الآن؟»

 

 

 

آل: «ناتسومي تشان ما زالت تتكلم بلسان امرأة في هذا الموقف، لكنني لم أتدخَّل من فراغ. لا، لم أفكِّر مليًا، ولكن… أيها العجوز! أنا هو، أجل أجل!»

 

 

سوبارو: «يبدو وكأنك محتال عبر الهاتف يتحدث هكذا…»

 

 

فينسنت: «——أجبني جيِّدًا. ماذا كنت ستقول؟»

لم يكن من الحكمة أن يتصور أحد أن مجرد كونه عجوزًا قد يمكِّنه من إنجاح حيلة كهذه.
بل إنَّ أولبارت، في استجابة لنداء آل، مال بدوره إلى الأمام وهو يغمغم: «همم؟»

 

 

 

أولبارت: «يا له من مظهر غريب عندك، يا فتى. وحتى لو كنت عجوزًا، فلن أقدر على نسيان شخص بمثل هذه الهيئة. هل نعرف بعضنا حقًا؟»

 

 

ضربة لم تترك أي فرصة لردِّ فعل، وكأفعى تبتلع جرذًا، التهمت الأشواك جسده بلا جهد يُذكر.

آل: «ربما لا تعرفني جيدًا، وآخر مرة رأيتني فيها لم أكن أضع خوذتي. لكنني كنت بلا ذراع، وتبادلنا بعض الكلام.»

من هذه النقطة فصاعدًا، كان حتميًا أن يصبح الجنرالات التسعة السماويين جزءًا من خطته للسيطرة على الإمبراطورية. إحداهم كانت يورنا، والآخر——

 

 

أولبارت: «أأنت ذلك الأعزل الذي حادثني في…؟»

سوبارو: «آااااه——!»

 

 

آل: «آه، صحيح—— كانت الآنسة الصغيرة أراكيا معي أيضًا.»

أولبارت: «مع أنَّك قلت وقتها إنك لا تريد شيئًا.»

 

يورنا: «————»

خفض آل صوته قليلًا وهو يذكر اسم أراكيا، تلك الفتاة المهيبة التي سبَّبت من المتاعب لسوبارو ورفاقه ما لا يُستهان به، وكانت، شأن أولبارت، عضوًا في الجنرالات التسعة السماويين.

 

 

أولبارت: «أأنت ذلك الأعزل الذي حادثني في…؟»

كانت كلمات آل مما لم يفهمه سوبارو إطلاقًا، لكن ما إن سمعها أولبارت حتى ارتفع حاجباه وصاح: «أوه!».

 

 

ميديوم: «——سأبذل جهدي!»

أولبارت: «أنت ذلك الرجل! أنت الذي استعاد الجزيرة مع أراكيا! والآن وقد ذكرت ذلك، تبدو شبيهًا به فعلًا. كاككككك! لا أصدق أنك ما زلت على قيد الحياة!»

 

 

 

آل: «أوه، أنا حي، أنا حي. بطريقة ما، عادت نجومي إلى المدار.»

 

 

 

أولبارت: «إذًا، لسبب ما، أصبحت عدوًّا لصاحب السمو. ربما كان يجدر بي أن أكلمك في وقت أبكر لأرفع من سمعة صاحب السمو. لقد أخطأت، لقد أخطأت.»

ارتفع صوته، لكن غضبه لم يكن موجَّهًا إلى سوبارو ورفاقه القلقين، بل إلى يورنا نفسها، على خلفية خلقها لهذا التوتر. ولم يكن السبب أنَّ اللوم يقع عليها، بل لأنَّهم ببساطة لم يروا في سوبارو ورفيقيه أي تهديد يُذكر.

 

 

تبادل آل وأولبارت أطراف الحديث، الأول بنبرة متهاونة، والآخر بابتسامة عريضة.

لم يستطع سوبارو أن يتيقَّن ما إذا كان البريق في عينيها الزرقاوين صادقًا أم ساذجًا، إذ لم يكن يعرفها جيِّدًا. لكن، لم يعد أمامه خيار آخر.

 

 

لمَّا كان سوبارو يجهل طبيعة العلاقة بين الرجلين، لم يسعه إلا أن يحدِّق فيهم شاردًا. أمَّا ما إذا كان الوضع يتحسَّن أم يزداد سوءًا، فقد بات حتى ذلك أمرًا عصيَّ الحكم.

فينسنت: «رسالة؟»

 

 

فينسنت: «——أولبارت، أتعرِف ذلك الرجل؟»

فينسنت: «همف.»

 

 

الشخص الوحيد الذي تدخَّل لوضع حد لهذه الشكوك كان فينسنت نفسه.
أجاب أولبارت، عاقدًا ذراعيه: «أوه، نعم!» ردًا على سؤال الإمبراطور المزيَّف،

 

 

ومن مقعدها العالي، ألقت يورنا نظرة من علٍ على المواجهة بين سوبارو وفينسنت، وانسلَّ من حلقها صوتٌ خافت. ابتسامة جانبية تسرَّبت من فمها مع نفث دخانٍ بنفسجي، وارتجفت كتفاها طربًا. على ما يبدو، كان إعلان سوبارو المهدِّد لحياته قد بدَّد بعضًا من مللها، ولو قليلًا.

أولبارت: «قبل سنتين أو ثلاث من اعتلائك العرش، وقعت تمرُّدات في كل مكان، أليس كذلك؟»

 

 

 

كافما: «السيد أولبارت، لقد اعتلى صاحب السمو العرش قبل ثمانية أعوام…»

لم يكن بوسع أحد أن يرتِّب كل تلك الظروف المريعة عمدًا، حتى لو خطَّط لذلك——

 

بمعنى آخر، كان لا بد لهم من اتخاذ اختصار كبير. ولهذا——

أولبارت: «هاه؟ كنتُ أظنها قبل ثلاث سنوات تقريبًا. اللعنة، لقد مرَّ نحو عشر سنوات، ومع ذلك يبدو الأمر لي قريب العهد… يبدو أنني خلطت الأمور.»

——عندها، انتبه إلى نظرة يورنا التي انصبَّت عليه بلا أن تحرُّك ساكنًا.

 

وعلى غرابته، وجد سوبارو نفسه متفقًا مع كافما بعد أن التقط مغزى تبادلهما. فشخصية يورنا كانت، بلا مواربة، الأسوأ في نظره هو نفسه. ورغم أنِّهم تهيؤوا مسبقًا لقدر من المكر واللؤم بحكم سمعتها، فقد فاقت الحقيقة توقُّعاتهم.

فينسنت: «دعك من ذلك، وتابع. قبل ثمانية أعوام، ماذا جرى؟»

 

 

فينسنت: «لا تستفزِّيني، أيتها المرأة. حتى أنتِ، رغم تمردكِ عليَّ، تدركين مقاصدي.»

وبعد أن شرد أولبارت في الحديث، أعاده فينسنت إلى صلب الموضوع. وامتثالًا لتلك الإشارة، أشار أولبارت إلى آل قائلًا: «إذًا…»

كافما: «يا صاحب السمو! أصدر أمرًا لي! أولئك الأشخاص…»

 

التفت سوبارو إليهما، فالتقت أنظارهما، ثم أومأ آل وميديوم لبعضهما البعض.

أولبارت: «وقع حينها تمرُّد في جزيرة المصارعين… والذي أوقفه كان هذا الرجل ذو الخوذة، ومعه أراكيا.»

 

 

وقبل كل شيء——

فينسنت: «هوه.»

 

 

 

وللمرة الأولى بعد سماع القصة من أولبارت، تحوَّل اهتمام فينسنت نحو آل.
كان من الصعب تحديد ما إذا كان ذلك مؤشر خير أو شر، لكن على الأقل لم يؤدِّ تدخُّل آل الفجِّ إلى عقابه فورًا.

انحدرت قطرات العرق من جبين سوبارو، سالت على وجنتيه، ثم تناثرت من طرف ذقنه. وفي خضم ذلك التوتر، جاء صوت غير متوقَّع جعل أولبارت يرفع حاجبيه. كان آل، الذي ناداه من خلف سوبارو.

 

 

بل إنَّ آل تقدَّم خطوتين حتى صار بمحاذاة سوبارو،

سوبارو: «——هك!»

 

 

آل: «صاحب السمو الإمبراطور المهيب، وكما يبدو أن العجوز أولبارت هناك يعلم… في الواقع، قبل ثمانية أعوام، كنتُ في خدمة صاحب السمو، ولم أتلقَّ مكافأتي بعد.»

وفي اللحظة التي تلقت فيها تلك الكلمات، قفز جسد ميديوم بكامله دون أي مبالغة، وتضاعفت سرعتها. وشَعرها الطويل يتطاير خلفها، وهي تلوِّح بسيفيها التوأمين، تمزِّق بعنف الأشواك التي انطلقت نحوهم بمسارات ملتوية وغريبة.

 

 

أولبارت: «مع أنَّك قلت وقتها إنك لا تريد شيئًا.»

 

 

التقت عيناهما السوداوان، والتهم التوتر القاعة كما لو كانت ألسنة لهب جهنمية.

فينسنت: «أولبارت، التزم الصمت—— يمكنك أن تتابع، أيها المهرِّج.»

وفيما يصرخ بأعلى صوته باحثًا عن أي مخرج من هذا المأزق، مرت على ذهنه وجوه إميليا، وبياتريس، وريم واحدة تلو الأخرى——

 

لكن كافما لم يكن الوحيد الذي تجمَّدت وجنتاه. فعند سماع الاسم، شدَّ سوبارو على أسنانه وشعر بالانقباض ذاته.

آل: «——كنتُ آمل أن أنال مكافأتي اليوم.»

 

 

 

خيِّل سوبارو أنَّه يسمع صوتًا صامتًا يجمِّد هواء القاعة.
كان إقدام آل على المطالبة بمكافأة لقاء ما أنجزه قبل ثمانية أعوام، مستغلًا وجود شاهد على أفعاله، مقامرةً تستحق الرهان.

خلف مجموعة سوبارو التي وضعت نفسها في حالة تأهُّب، كانت يورنا –التي كان من المفترض أن تكون ضمن مدى الأشواك– تحتضن مساعدتها الصغيرة بين ذراعيها، وتنفث دخانًا أرجوانيًا، محافظةً على نفس الوضع الذي كانت عليه عند استلامها الرسالة.

 

—— “إيبل يثير غيظي”.

ذلك الإمبراطور المزيَّف الذي لم يبادر إلى إعدامهم فور سماعه إعلان سوبارو الحرب—— فينسنت كان يملك من الأسباب والعزم ما يجعله يتصرَّف كإمبراطور فولاكيا بحق.
وإذا كانت كلمات إيبل صادقة، فمما يؤمن به هذا الرجل مبدأ “الثواب والعقاب الحاسمَين”.

 

 

 

إذًا——

وبفضل ذلك، بلغت ميديوم نافذة القاعة، وبضربة واحدة من سيفها حطَّمت الدرابزين الخشبي، ثم أطاحت بالجدار بقفزةٍ مديدة.

 

 

فينسنت: «وماذا تطلب؟ رأسي؟»

وقبل أن تنفجر مشاعر الفرح فيهم، رفع فينسنت إصبعًا واحدًا وتكلَّم.

 

 

آل: «سيكون نصرًا ساحقًا لي إن حصلتُ عليه منك، لكن يلزمني الكثير من الجرأة لأطلب ذلك. لذا…»

آل: «ربما لا تعرفني جيدًا، وآخر مرة رأيتني فيها لم أكن أضع خوذتي. لكنني كنت بلا ذراع، وتبادلنا بعض الكلام.»

 

 

وأثناء قوله ذلك، أدار آل رأسه نحو سوبارو.
وما إن فهم سوبارو ما المطلوب منه، حتى أخرج ظرفًا من جيبه.
كان هدفهم منذ البداية هو إيصال رسالة إيبل.

ذلك الإمبراطور المزيَّف الذي لم يبادر إلى إعدامهم فور سماعه إعلان سوبارو الحرب—— فينسنت كان يملك من الأسباب والعزم ما يجعله يتصرَّف كإمبراطور فولاكيا بحق. وإذا كانت كلمات إيبل صادقة، فمما يؤمن به هذا الرجل مبدأ “الثواب والعقاب الحاسمَين”.

 

 

سوبارو: «غايتنا أن نسلِّم هذه الرسالة إلى السيدة يورنا. فإذا رغبتَ في مكافأة رفيقي على خدماته، فالرجاء أن تسمح بذلك.»

كانت نبرته متجردة من الانفعال، لكنها مشبعة بهيبة واضحة. تلقَّت كلماته بهدوء، وفي الفجوات بين خصلات شعرها المربوط، ارتعشت أذنا الثعلب لديها. لم يتمكن سوبارو من قراءة أي شعور على ملامحها.

 

 

فينسنت: «رسالة؟»

 

 

أجسادهم تتأرجح حول الدعامة الخشبية خارج القلعة، متخذة منها محورًا، فيما صرخ كتفه، ومرفقه، ومعصمه، بل وذراعه اليمنى كلها… قبل أن تتحول صرخات الألم الجسدي إلى صرخات حقيقية.

سوبارو: «رسالة حب من سيِّدنا… إلى السيدة يورنا.»

 

 

 

تردَّد سوبارو قليلًا في تسميته سيِّدنا، لكنه أخرج لسانه في داخله وأكمل كلامه.
وحين سمعت يورنا، الجالسة على رأس القاعة، عبارة “رسالة حب”، ضحكت بخفَّة ثم تنحنحت قائلة «كوهُهُ.». بدا أنَّ الأمر أثار اهتمامها. أمَّا ردُّ فعل فينسنت، فلم يكن سلبيًّا أيضًا.

 

 

كافما: «أجيبي!»

وبينما كان يضيِّق عينيه السوداوين، راح فينسنت يفكِّر لثوانٍ قليلة فقط.

 

 

 

فينسنت: «لقد مضى أكثر من ثمانية أعوام، لكن حادثة جزيرة المصارعين كانت مزعجة بحق.»

 

 

 

سوبارو: «أوه…»

أولبارت: «آسف، ولكن لديَّ عملٌ عليّ إنجازه كذلك، أتفهم ذلك؟»

 

ميديوم: «——سأبذل جهدي!»

فينسنت: «يحقُّ لك نيل مكافأتك إن أردتَ ذلك. يمكنك تسليم الرسالة إلى يورنا ميشيغوري.»

كيلا يسيء ناتسكي سوبارو فهم مغزى هذا الموقف وثقله… وكيلا يفرِّط فيه——

 

شهق سوبارو وقد اخترقت عيناه السوداوان عمق روحه. وفي لحظة، حُرِّم عليه حتى أن يحيد بنظره، فثبت بغير استعداد في مواجهة أعتى خصومه.

وأومأ برأسه باتجاه يورنا، مشيرًا إليها.
استغرق الأمر لحظة قبل أن يستوعب سوبارو مغزى كلمات فينسنت، لكن حين أدرك أن هذا يعني أن آل قد كسب رهانه، تبادل النظرات مع رفاقه.

 

لقد كانت مقامرة عالية المخاطر، وقرار آل بالإقدام عليها كان صائبًا——

سوبارو: «آه! لا، لا، لا! لم أقصدها بذلك المعنى! خرجت من فمي بلا قصد!»

 

 

فينسنت: «——لكن.»

 

 

 

سوبارو: «هاه؟»

سوبارو: «————»

 

 

وقبل أن تنفجر مشاعر الفرح فيهم، رفع فينسنت إصبعًا واحدًا وتكلَّم.

 

وأثناء التفاتهم إليه، أغلق الإمبراطور المزيَّف عينيه السوداوين، اللتين كانتا كظلمة مطبقة، وقال:

 

 

سوبارو: «فلن تقرئي الرسالة… فهمت.»

فينسنت: «الشيء الوحيد الذي سأسمح لك به، هو أن تسلِّمها رسالتك. وتدرك معنى ذلك، أليس كذلك؟»

كافما: «أتظن أنني سأدعكم تهربون؟»

 

سوبارو: «——إذًا، ما الذي تنوي فعله بنا؟»

تلقَّت آذانهم تلك الكلمات، فتوسَّعت عينا سوبارو، والتفت بسرعة وهو يجزُّ على أسنانه، مثبتًا نظره على يورنا التي كانت تتابع المشهد بابتسامة جانبية.

 

 

ثم أمالت رأسها وهي تقول: «أتساءل…»، وهزَّت معها حُلِيَّ شعرها الزاهية.

كان هدف مجموعة سوبارو أن يسلِّموها الرسالة ويحصلوا منها على رد.

آل: «أجل!»

 

سوبارو: «العجوز الشرس… أولبارت دنكلكن!»

سوبارو: «إن سلَّمتك الرسالة، متى يمكنني أن أتوقَّع ردًّا من السيدة يورنا؟»

 

 

أولبارت: «قبل سنتين أو ثلاث من اعتلائك العرش، وقعت تمرُّدات في كل مكان، أليس كذلك؟»

يورنا: «نعم، أفهم…»

 

 

آل: «نحن المعنيِّون بالأمر، ومع ذلك يجري استبعادنا؟ أهو أمر جيِّد… أم سيِّئ؟»

وبعد سؤال سوبارو ذاك، رمقت يورنا الفراغ بنظرة هادئة، ثم قلبت الكيسيرو رأسًا على عقب لتسقط الرماد في جرة أعدَّتها لها الكامورو المرافقة.

وأثناء التفاتهم إليه، أغلق الإمبراطور المزيَّف عينيه السوداوين، اللتين كانتا كظلمة مطبقة، وقال:

 

 

يورنا: «أنا امرأة في النهاية… ولا أحب أن يُراني أحد وأنا أفتح رسالة حب حال استلامها. لهذا… سأقرأها بعناية وأردُّ على الضيوف بعد أن يغادروا القلعة.»

 

 

سوبارو: «——جلالة الإمبراطور، يؤسفني أن أخبرك… أننا مضطرون لأخذ عرشك.»

سوبارو: «——إذًا ستقرئينها بعد مغادرتنا القلعة، أليس كذلك؟»

سوبارو: «كـ… غه!»

 

 

يورنا: «بوصفـي سيدة مدينة الشياطين، لا أنطق بالكذب أمام حاشيتي.»

 

 

 

لم يستطع سوبارو أن يتيقَّن ما إذا كان البريق في عينيها الزرقاوين صادقًا أم ساذجًا، إذ لم يكن يعرفها جيِّدًا. لكن، لم يعد أمامه خيار آخر.

ولو لم يضع آل نصله في مسار تلك الإبرة في اللحظة الأخيرة، لكان سوبارو قد لقي حتفه.

 

 

فعلى سبيل المثال، لو أنه غيَّر مكافأة آل، طالبًا أن تكون الخروج الآمن من القلعة بدلًا من تسليم الرسالة، لربما وافق فينسنت على ذلك أيضًا.
لكن، شأنها شأن الخطة السابقة، كان ذلك سينهي أي احتمال للتحالف مع يورنا. أي أن——

سوبارو: «آااااه——!»

 

 

سوبارو: «آل، ميديوم سان.»

يورنا: «نعم، أفهم…»

 

سوبارو: «إن سلَّمتك الرسالة، متى يمكنني أن أتوقَّع ردًّا من السيدة يورنا؟»

وقبل أن يحسم قراره بالكامل، نادى سوبارو باسمَي رفيقيه.
إذ إن ما سيجري وما يتوجَّب فعله كان يحتاج لتعاونهما معًا، وكان من الطبيعي أن يأخذ موافقتهما قبل الإقدام على أي خطوة.

 

 

لم يكن من الحكمة أن يتصور أحد أن مجرد كونه عجوزًا قد يمكِّنه من إنجاح حيلة كهذه. بل إنَّ أولبارت، في استجابة لنداء آل، مال بدوره إلى الأمام وهو يغمغم: «همم؟»

التفت سوبارو إليهما، فالتقت أنظارهما، ثم أومأ آل وميديوم لبعضهما البعض.

 

 

أولبارت: «آسف، ولكن لديَّ عملٌ عليّ إنجازه كذلك، أتفهم ذلك؟»

آل: «كما قلت لك يا أخي، أنا معك في الخدمة.»

أولبارت: «حين تصف نفسك بالتابع المخلص، ألا يبدو الأمر كتمهيد لتصفية شخص بتهمة السعي وراء مصلحته الخاصة؟ لا أحب فكرة قطع رأس شاب واعد.»

 

 

ميديوم: «وأنا أيضًا، أخي أوصاني أن أعتني بك! قال لي: اعتني بـ”ناتسومي تشان” من أجلي!»

فينسنت: «——وكالعادة، ذوقكِ منفر.»

 

يورنا: «أنا امرأة في النهاية… ولا أحب أن يُراني أحد وأنا أفتح رسالة حب حال استلامها. لهذا… سأقرأها بعناية وأردُّ على الضيوف بعد أن يغادروا القلعة.»

أمال آل رأسه قليلًا، بينما صاحت ميديوم بكلمات مفعمة بالقوة.
وبتشجيع من إجابتهما، ردَّ سوبارو بإيماءة حازمة.

 

 

 

ثم بدأ سوبارو يخطو ببطء نحو مقدمة القاعة—— نحو يورنا المتكئة على مسند كرسي الشرف، تنفث دخان الكيسيرو بهدوء.
ومع اقتراب فتنتها الساحرة، قدَّم لها سوبارو الرسالة وسط عبيرٍ عطِر يتسلَّل في الجو.

كان من الواضح أنَّه فوجئ، لكن في الوقت ذاته، أخذ يحدِّق في سوبارو كما لو كان يقيِّمه. كانت تلك النظرة من ذات النوع الذي رآه من إيبل الحقيقي في غابة بودهايم، وفي قرية الشُودرَاك، وفي قاعة المدينة بمدينة غوارال.

 

كان من الواضح أنَّه فوجئ، لكن في الوقت ذاته، أخذ يحدِّق في سوبارو كما لو كان يقيِّمه. كانت تلك النظرة من ذات النوع الذي رآه من إيبل الحقيقي في غابة بودهايم، وفي قرية الشُودرَاك، وفي قاعة المدينة بمدينة غوارال.

سوبارو: «تفضَّلي، رسالة من سيدنا.»

 

 

 

يورنا: «شكرًا على جهدك… لكن ما ينتظركم من الآن فصاعدًا سيكون أصعب بكثير.»

 

 

حرَّك العجوز –الذي يُدعى أولبارت– رأسه بكسل وهو يعبث بأذنه. وتوتَّرت وجنتا كافما، مما جعل المرء يتساءل أي ضغط كان قد شعر به من تلك الإيماءة البسيطة.

سوبارو: «أجل… أنا على علم بذلك.»

خفض آل صوته قليلًا وهو يذكر اسم أراكيا، تلك الفتاة المهيبة التي سبَّبت من المتاعب لسوبارو ورفاقه ما لا يُستهان به، وكانت، شأن أولبارت، عضوًا في الجنرالات التسعة السماويين.

 

لكن، بعد خطوة واحدة فقط، خدش شيء بحجم إبهام أنف سوبارو من الأمام. ومع ومضة في مجال رؤيته، بدا له ذلك الشيء أقرب إلى قطعة عظم بيضاء منه إلى شوكة نباتية. لم تكن طلقة تحذيرية… بل كانت ضربة قاتلة تستهدف صدغه مباشرة.

تناولت الرسالة بأصابعها الرقيقة، وابتسامة على وجهها، لكن كلماتها كانت لعنة على مستقبل سوبارو ورفاقه.
غير أن سوبارو ردَّ عليها بوقار، ثم استدار. وبعدها——

وفي اللحظة الأخيرة، نسي حتى الحفاظ على مظهره، وركل الأرض بكل قوته. وبذلك لحق بميديوم، ليقفز معها عبر الفتحة——

 

انقطع نفس سوبارو تحت وطأة الضربة، وشعر بوعيه يتشقق، وكأن كل شيء قد تحطَّم بعد أن تلقَّى ضربة الجنرال السماوي… غير أنَّ——

سوبارو: «——جلالة الإمبراطور، يؤسفني أن أخبرك… أننا مضطرون لأخذ عرشك.»

أولبارت: «حين تصف نفسك بالتابع المخلص، ألا يبدو الأمر كتمهيد لتصفية شخص بتهمة السعي وراء مصلحته الخاصة؟ لا أحب فكرة قطع رأس شاب واعد.»

 

يورنا: «وما قصدك بـ “عن علم”؟» كافما: «يا لكِ من وقحة…! لقد كررتُ على جلالته مرارًا أنِّك ما زلتِ خطِرة.» يورنا: «تُقر بما هو بديهي. بعد كل الفوضى التي أثرتها… أوَ لعلَّك تجهل ما فعلته؟»

هكذا أعلن، وأمام ناظريه مباشرة، إعلان حرب أوضح وأجرأ من أي مرة سابقة.

يورنا: «بوصفـي سيدة مدينة الشياطين، لا أنطق بالكذب أمام حاشيتي.»

 

يورنا: «آه، ما أشنعني من امرأة… رؤية الرجال يتقاتلون بسببي تجعلني أشعر بالإثارة.»

△▼△▼△▼△

أولبارت: «قبل سنتين أو ثلاث من اعتلائك العرش، وقعت تمرُّدات في كل مكان، أليس كذلك؟»

 

سوبارو: «العجوز الشرس… أولبارت دنكلكن!»

ما حدث في اللحظة التالية كان دراميًا بكل معنى الكلمة.

كان المتكلم رجلًا مسنًا متغضِّن الملامح، شعره أبيض، وحاجباه طويلان. لقد صاغ بعناية هالةً من التبرُّم، سواء في نبرة صوته أو في مضمون حديثه. وكان حضوره لافتًا إلى حد يصعب معه فهم كيف لم يُلحَظ من قبل.

 

 

كافما: «كيف تجرؤ، أيها الوقح——!!»

فينسنت: «همف.»

 

 

فور إعلانهم الحرب، اتسعت عينا كافما إلى أقصاهما.
إثر تصريح سوبارو، في قمة الوقاحة والاستخفاف، أراد كافما إيرولوكس أن يثبت ولاءه للإمبراطور بقوته الشخصية.

 

 

 

——وفي اللحظة التالية، تمزَّقت ثياب كافما بينما امتدَّت ذراعاه، وانطلقت أشواك لا تُحصى نحو سوبارو.

 

 

الشخص الوحيد الذي تدخَّل لوضع حد لهذه الشكوك كان فينسنت نفسه. أجاب أولبارت، عاقدًا ذراعيه: «أوه، نعم!» ردًا على سؤال الإمبراطور المزيَّف،

أشواك خضراء داكنة، كأفاعٍ تتلوى، اندفعت نحوه، كتلة جارفة تحجب بصره تمامًا.
كروم من الشوك، يحمل كل منها إبرًا بسماكة ذراعي سوبارو، كانت سلاحًا قاتلًا يعصر فريسته حتى آخر قطرة حياة.

 

 

 

ضربة لم تترك أي فرصة لردِّ فعل، وكأفعى تبتلع جرذًا، التهمت الأشواك جسده بلا جهد يُذكر.

 

 

كان فريق سوبارو المكوَّن من ثلاثة أشخاص يزور قلعة اللازورد القرمزي حاملًا رسالة من ذلك الرجل القوي. وفي الحقيقة، لم يتفوه بكذبة واحدة.

آل: «——أحسنت القول يا أخي.»

 

 

 

اخترقت الأشواك جسده بالكامل، واستعد سوبارو للألم المبرِّح الذي سيعصف به.
لكن، بدلًا من الألم، باغته شعور بالشدِّ إلى الخلف، فسقط على مؤخرته.
كان أمامه آل، الذي وصلت كلماته من جانبه، واقفًا متصدِّيًا للأشواك بسيفه العريض.

سوبارو: «حسنًا، أمم——»

 

كافما: «—— تقول إنكم تتمردون على جلالته؟»

وبسوبارو خلفه، استل آل النصل السميك وصدَّ هجوم العدو.
وعلى الرغم من أنه لم يتمكَّن من صدِّها جميعًا، إلا أن كتفه وجانبه فقط هما ما تلطَّخ بالدماء.

آل: «أجل!»

ومع ذلك، استطاع آل أن يحمي سوبارو من هذا السيل الجارف.

 

 

 

سوبارو: «ماذا عن ميديوم سان!»

 

 

 

ميديوم: «واااه! كان ذلك قريبًا جدًا! لو لم أفعل ما قاله آل تشين، لكنت متُّ!»

وقبل أن تنفجر مشاعر الفرح فيهم، رفع فينسنت إصبعًا واحدًا وتكلَّم.

 

فينسنت: «هوه.»

التفت سوبارو سريعًا، فوجد ميديوم إلى جانبه، تصرخ بصوت عالٍ، ممسكة بسيفيها التوأمين.
وبلمحة، رآها تهوي بهما صعودًا وهبوطًا، تقطع، أو تصد، أو تدوس على بعض الأشواك القادمة من كل اتجاه.

 

 

وبعد سؤال سوبارو ذاك، رمقت يورنا الفراغ بنظرة هادئة، ثم قلبت الكيسيرو رأسًا على عقب لتسقط الرماد في جرة أعدَّتها لها الكامورو المرافقة.

تنفَّس سوبارو الصعداء لثقته بمهارتها ولأنها ما زالت بخير. لكن ذلك الشعور كان مبكرًا جدًا… فهذه لم تكن سوى الموجة الأولى——

حرَّك العجوز –الذي يُدعى أولبارت– رأسه بكسل وهو يعبث بأذنه. وتوتَّرت وجنتا كافما، مما جعل المرء يتساءل أي ضغط كان قد شعر به من تلك الإيماءة البسيطة.

 

 

يورنا: «يا له من عرض سحري مبالغ فيه.»

كافما: «هل سمحتِ عن علم لجلالته وهؤلاء بالدخول في الوقت نفسه؟»

 

 

سوبارو: «——هك.»

 

 

سوبارو: «كـ… غه!»

خلف مجموعة سوبارو التي وضعت نفسها في حالة تأهُّب، كانت يورنا –التي كان من المفترض أن تكون ضمن مدى الأشواك– تحتضن مساعدتها الصغيرة بين ذراعيها، وتنفث دخانًا أرجوانيًا، محافظةً على نفس الوضع الذي كانت عليه عند استلامها الرسالة.

 

 

 

كان هناك ما يوحي بأن الأشواك كانت تغلق عليها من كل اتجاه، لكنها انحرفت وكأن قوة خفية رسمت حولها دائرة من الفراغ، تلتف وتنعطف بطريقة غير طبيعية لتجنُّب لمسها.
لم يكن بالإمكان الجزم إن كان كافما هو مَن وجَّهها عمدًا، أو أن يورنا هي التي تدخلت——

ذلك البريق، الذي كان على وشك أن يفقد الاهتمام بمجموعتهم، لم يكن من التقلب بحيث يستعيد رأيًا سبق أن تخلَّى عنه. فما يُطرح جانبًا هنا لن يُلتقط مجددًا أبدًا.

 

 

سوبارو: «أعتذر على الإزعاج… سنترك الأمر لكِ.»

وفي اللحظة التي تلقت فيها تلك الكلمات، قفز جسد ميديوم بكامله دون أي مبالغة، وتضاعفت سرعتها. وشَعرها الطويل يتطاير خلفها، وهي تلوِّح بسيفيها التوأمين، تمزِّق بعنف الأشواك التي انطلقت نحوهم بمسارات ملتوية وغريبة.

 

 

يورنا: «رحلة آمنة إلى دياركم. وإن فشلتم في مغادرة القلعة…»

 

 

 

سوبارو: «فلن تقرئي الرسالة… فهمت.»

 

 

 

حين تُبسَّط كلماتها بهذه الصورة، لا يبقى أي غموض في نواياها مهما بدت عسيرة الفهم. حتى فينسنت أوضح أن اللعبة قد بدأت——

 

 

آل: «صاحب السمو الإمبراطور المهيب، وكما يبدو أن العجوز أولبارت هناك يعلم… في الواقع، قبل ثمانية أعوام، كنتُ في خدمة صاحب السمو، ولم أتلقَّ مكافأتي بعد.»

سوبارو: «اللعبة مستمرة حتى نخرج من القلعة—— آل، ميديوم سان!»

 

 

أولبارت: «أأنت ذلك الأعزل الذي حادثني في…؟»

آل: «أجل!»

 

 

 

ميديوم: «تمام!»

اخترقت الأشواك جسده بالكامل، واستعد سوبارو للألم المبرِّح الذي سيعصف به. لكن، بدلًا من الألم، باغته شعور بالشدِّ إلى الخلف، فسقط على مؤخرته. كان أمامه آل، الذي وصلت كلماته من جانبه، واقفًا متصدِّيًا للأشواك بسيفه العريض.

 

وبصرف النظر عن نوايا يورنا، أطلق فينسنت كلماته الباردة.

سوبارو: «إلى اليمين!!»

تبادل آل وأولبارت أطراف الحديث، الأول بنبرة متهاونة، والآخر بابتسامة عريضة.

 

وعلى غرابته، وجد سوبارو نفسه متفقًا مع كافما بعد أن التقط مغزى تبادلهما. فشخصية يورنا كانت، بلا مواربة، الأسوأ في نظره هو نفسه. ورغم أنِّهم تهيؤوا مسبقًا لقدر من المكر واللؤم بحكم سمعتها، فقد فاقت الحقيقة توقُّعاتهم.

وفور تلك الإجابات الحاسمة، صاح سوبارو بأعلى صوته.
سمع رفيقاه النداء وفهما قراره في نفس اللحظة، فانطلقت ثلاث شفرات تقطع الهواء.

 

 

كافما: «أجيبي!»

سيف الداو للرجل ذو الذراع الواحدة، وزوج السيوف الرشيقة، مزَّقا الأشواك بضراوة، مبدِّدَين الكتلة الكثيفة التي حجبت الرؤية وأغلقت الطريق، قبل أن ينطلق الثلاثة خارج الأدغال الخانقة.

فينسنت: «هذه أرض الذئب السيفي. وفقط مَن يملك الجرأة ليصوِّب إلى رأسي، يمكن أن يُدعى بحق مواطنًا في هذه الإمبراطورية.»

 

خلف مجموعة سوبارو التي وضعت نفسها في حالة تأهُّب، كانت يورنا –التي كان من المفترض أن تكون ضمن مدى الأشواك– تحتضن مساعدتها الصغيرة بين ذراعيها، وتنفث دخانًا أرجوانيًا، محافظةً على نفس الوضع الذي كانت عليه عند استلامها الرسالة.

وبذلك، ضغطوا على أرضية الخشب الصلبة بقدميهم لاكتساب السرعة والزخم.

 

 

 

كافما: «أتظن أنني سأدعكم تهربون؟»

 

 

في اللحظة التي اشتد فيها السوط، ارتطم آل بسوبارو من الخلف ارتطامًا عنيفًا، إذ يبدو أنه تمكن من القفز خارج القلعة مثلما فعل سوبارو وميديوم.

لكن، بعد خطوة واحدة فقط، خدش شيء بحجم إبهام أنف سوبارو من الأمام.
ومع ومضة في مجال رؤيته، بدا له ذلك الشيء أقرب إلى قطعة عظم بيضاء منه إلى شوكة نباتية.
لم تكن طلقة تحذيرية… بل كانت ضربة قاتلة تستهدف صدغه مباشرة.

وفي اللحظة التي تلقت فيها تلك الكلمات، قفز جسد ميديوم بكامله دون أي مبالغة، وتضاعفت سرعتها. وشَعرها الطويل يتطاير خلفها، وهي تلوِّح بسيفيها التوأمين، تمزِّق بعنف الأشواك التي انطلقت نحوهم بمسارات ملتوية وغريبة.

 

 

ولو لم يضع آل نصله في مسار تلك الإبرة في اللحظة الأخيرة، لكان سوبارو قد لقي حتفه.

والأمر ذاته انطبق على فينسنت.

 

سوبارو: «آل؟ ما الذي… تفعله فجأة، بينما كل حركة نقوم بها تُراقب وتُحاسب الآن؟»

سوبارو: «أشواك وإبر… وعرض سيرك غريب فوقها!؟»

تبادل آل وأولبارت أطراف الحديث، الأول بنبرة متهاونة، والآخر بابتسامة عريضة.

 

 

آل: «إنهم عشيرة قفص الحشرات! يهاجمون بالحشرات التي يربونها داخل أجسادهم!»

ارتعشت شفتاه وهو يلفظ الاسم الذي تفاعل معه أولبارت. وإذا كان قد أبدى تلك الاستجابة عند رؤية صدمة سوبارو، فلا ريب في الأمر. ففي قاعة مدينة غوارال، ثم أثناء رحلتهم إلى مدينة الشياطين، كان قد سمع باسم أولبارت.

 

 

سوبارو: «أليس هذه عشيرة أبورامي من أنمي ناروتو!»

والحق أنَّ الوضع برمَّته كان خانقًا منذ البداية. فلا يورنا، ولا كافما، من النوع الذي يمكن لسوبارو ورفاقه أن ينافسوه في قوَّة أو دهاء. ألم يكن من الحكمة، إذًا، أن يتراجعوا عن موقفهم أمام يورنا، ويؤكدوا أنَّ وصمهم بالمتمرِّدين أمر لا أساس له، ثم ينحنوا وينسحبوا؟ حتى لو بدا المشهد باهتًا؟

 

بشخير قصير، أزاح فينسنت سخرية سوبارو جانبًا وضحك باقتضاب. لقد كان سلوكه، حتى في طريقة رده، نسخة مطابقة للأصل. ولو كان إيبل هنا، لقال الشيء نفسه تمامًا.

وأثناء هذا الجدال التافه وسط الخطر، كان سوبارو يحافظ على وضع منخفض، متقدِّمًا للأمام بينما آل وميديوم يسندان ظهره.
لم يكن هدفهم بوابة القاعة، إذ حتى لو اتجهوا إليها، لاضطروا إلى إعادة نفس الطريق الطويل نزولًا عبر برج القلعة… ولا يمكنهم الصمود كل تلك المدة أمام هجمات كافما.

آل: «سيكون نصرًا ساحقًا لي إن حصلتُ عليه منك، لكن يلزمني الكثير من الجرأة لأطلب ذلك. لذا…»

 

 

بمعنى آخر، كان لا بد لهم من اتخاذ اختصار كبير. ولهذا——

يورنا: «————»

 

 

سوبارو: «ميديوم سان!»

 

 

أخرسه كافما، وهو يلعن إيبل على جرِّه إلى هذا الموقف العبثي. ثم وجَّه نظره الفولاذي نحو يورنا:

ميديوم: «أجل!»

 

 

كافما: «وكأن الأمر لا يعنيك… ثم إن هناك نساءً أكثر من الرجال في الجهة الأخرى، فقولك “رجال” ليس دقيقًا.»

سوبارو: «ابذلي جهدك!»

 

 

 

ميديوم: «——سأبذل جهدي!»

 

 

 

وفي اللحظة التي تلقت فيها تلك الكلمات، قفز جسد ميديوم بكامله دون أي مبالغة، وتضاعفت سرعتها.
وشَعرها الطويل يتطاير خلفها، وهي تلوِّح بسيفيها التوأمين، تمزِّق بعنف الأشواك التي انطلقت نحوهم بمسارات ملتوية وغريبة.

 

 

سوبارو: «حسنًا، أمم——»

بطبيعة الحال، كان ذلك يرجع جزئيًا إلى مهارة ميديوم الفطرية… غير أنَّ الأمر لم يقف عند هذا الحد——

وقبل أن يحسم قراره بالكامل، نادى سوبارو باسمَي رفيقيه. إذ إن ما سيجري وما يتوجَّب فعله كان يحتاج لتعاونهما معًا، وكان من الطبيعي أن يأخذ موافقتهما قبل الإقدام على أي خطوة.

 

سوبارو: «——هك!»

آل: «اليُمنى! الركبةُ اليُمنى! مؤخرةُ العنق! الخصرُ المثير!»

أولبارت: «ماذا تقول؟»

 

 

ميديوم: «هاه! تَلَقَّ هذا!»

 

 

 

كانت صيحات آل المدوية تُنبِّه ميديوم إلى مواضع الخطر القادمة، فتستجيب على الفور، وتصدُّ الأشواك قبل أن تبلغها بلحظة واحدة.
وتساءل سوبارو عن مدى قوة بصره، غير أنَّ براعته العالية في النجاة، التي أظهرها سابقًا في مواجهة أراكيا، لم تكن حكرًا على حمايته لنفسه، بل شملت أيضًا حماية الآخرين.

في اللحظة ذاتها، اعترضهما الشيخ، وكأنَّه انبثق من العدم، لتخترق كفِّه صدريهما مباشرة.

 

 

وبفضل ذلك، بلغت ميديوم نافذة القاعة، وبضربة واحدة من سيفها حطَّمت الدرابزين الخشبي، ثم أطاحت بالجدار بقفزةٍ مديدة.

 

 

سوبارو: «فلن تقرئي الرسالة… فهمت.»

وانكشفت أمام أنظارهم قاعة البرج، وهي تعلو أكثر من ثلاثين مترًا عن الأرض، ممتدة نحو زرقة سماء مدينة الشياطين الواسعة، فيما لفح وجوههم نسيمٌ عاصف.

فعلى سبيل المثال، لو أنه غيَّر مكافأة آل، طالبًا أن تكون الخروج الآمن من القلعة بدلًا من تسليم الرسالة، لربما وافق فينسنت على ذلك أيضًا. لكن، شأنها شأن الخطة السابقة، كان ذلك سينهي أي احتمال للتحالف مع يورنا. أي أن——

 

كانت المعضلة أنَّ الأمور لا تزداد سوءًا في المستقبل فحسب، بل إنَّ الوضع القائم أمامهم تدهور بوتيرة متسارعة. حتى لو كان الأمر مقتصرًا على كافما وحده، لكان فوق طاقتهم، فكيف وقد انضم إليهم الآن أولبارت من بين الجنرالات التسعة السماويين؟

لم يكن الأمر مقامَ مجازفة فحسب، بل——

سوبارو: «ميديوم سان!»

 

كان سوبارو قد اعتبر هذا الشعار خطة مناسبة لاجتذاب المتألقة يورنا ميشيغوري وكسب ودَّها. فزيكر، ذلك الرجل النبيل رفيع الخُلق، قد وصمها بأنها صاحبة نزعة إلى التدمير، وأنها أثارت العصيان مرة بعد مرة. أما ذريعة سوبارو لطلب مقابلتها، فكانت أنَّ “شخصًا ذا نفوذ وقوة يرغب في محادثتها على انفراد، سعيًا للتمرُّد على الإمبراطور الحالي لمملكة فولاكيا”.

سوبارو: «——إذا خرجنا من القلعة!»

وبينما كان يضيِّق عينيه السوداوين، راح فينسنت يفكِّر لثوانٍ قليلة فقط.

 

 

وضعت يورنا يدها على الرسالة.
فبما أنَّهم قد قبلوا هذه الشروط، فإنَّ جماعة فينسنت ستكفُّ عن أي فعل آخر… وربما لم يُصرَّح بمثل هذا العهد صراحةً، لكن لم يبقَ أمامهم إلا الوثوق بهذا الاحتمال ليُكملوا الطريق——

فينسنت: «لقد مضى أكثر من ثمانية أعوام، لكن حادثة جزيرة المصارعين كانت مزعجة بحق.»

 

آل: «سيكون نصرًا ساحقًا لي إن حصلتُ عليه منك، لكن يلزمني الكثير من الجرأة لأطلب ذلك. لذا…»

ميديوم: «——ناتسومي تشان!»

أجسادهم تتأرجح حول الدعامة الخشبية خارج القلعة، متخذة منها محورًا، فيما صرخ كتفه، ومرفقه، ومعصمه، بل وذراعه اليمنى كلها… قبل أن تتحول صرخات الألم الجسدي إلى صرخات حقيقية.

 

أولبارت: «ماذا تقول؟»

نادته ميديوم، التي فتحت الجدار، فأسرع سوبارو نحوها بكل ما أوتي من عزم.
كان ممتنًا لأنه لم يرتدِ تنورةً بطيش في مثل هذا الموقف، إذ لو كان سبب هلاكه هو “التنكر في زيَّ فتاة”، لما استطاع مواجهة إرث أولئك الذين سبقوه في هذا الدرب.

ولم يكد يستوعب ما يجري، حتى اختفى الثقل من على ذراعه اليمنى—— أو بالأحرى، لم يختفِ الحمل، بل انكسرت الدعامة التي كان السوط معقودًا بها.

 

وقبل كل شيء——

وفي اللحظة الأخيرة، نسي حتى الحفاظ على مظهره، وركل الأرض بكل قوته.
وبذلك لحق بميديوم، ليقفز معها عبر الفتحة——

 

 

 

أولبارت: «آسف، ولكن لديَّ عملٌ عليّ إنجازه كذلك، أتفهم ذلك؟»

——وفي اللحظة التالية، تمزَّقت ثياب كافما بينما امتدَّت ذراعاه، وانطلقت أشواك لا تُحصى نحو سوبارو.

 

 

سوبارو: «كـ… غه!»

 

 

 

في اللحظة ذاتها، اعترضهما الشيخ، وكأنَّه انبثق من العدم، لتخترق كفِّه صدريهما مباشرة.

فينسنت: «رسالة؟»

 

 

انقطع نفس سوبارو تحت وطأة الضربة، وشعر بوعيه يتشقق، وكأن كل شيء قد تحطَّم بعد أن تلقَّى ضربة الجنرال السماوي… غير أنَّ——

 

 

 

ميديوم: «ناتسومي تشان! لم يُصبك مكروه!»

 

 

 

سوبارو: «ماذا؟!»

 

 

وبفضل ذلك، بلغت ميديوم نافذة القاعة، وبضربة واحدة من سيفها حطَّمت الدرابزين الخشبي، ثم أطاحت بالجدار بقفزةٍ مديدة.

أعاد صوتها الصارخ وعيه في اللحظة الأخيرة.
نظر على عجل إلى صدره، فلم يجد أثرًا لأي إصابة من يد أولبارت المخترقة… لا دم، ولا حتى إشارة إلى أنَّ قلبه قد انتُزع دون نزيف.

سوبارو: «كـ… غه!»

 

 

ميديوم: «لننطلق، ناتسومي تشان! واحرص ألَّا تعضَّ لسانك!»

 

 

 

وبينما لا يزال سوبارو في حيرته، قبضت ميديوم على ياقة ثيابه، وبخطوة واسعة قفزت عبر الجدار المحطَّم، وألقت بنفسها من قلعة اللازورد القرمزي دون تردُّد.

 

 

 

قفزا معًا إلى السماء الزرقاء، متشابكي الأجساد… وإحساس الارتفاع الذي صنعته القفزة تلاشى في طرفة عين، ليُستبدل بسقوط حر بعد ثانية واحدة.

 

 

 

سوبارو: «آآآااه——!»

فينسنت: «همف.»

 

 

بصرخة حادة عالية النبرة، ضمَّ سوبارو ميديوم إليه بقوة، ثم مدَّ يده متحسسًا خصره.
وعلى الفور، التقط الإحساس المألوف الذي انطبع في كفِّه، فأخرج سلاحه—— سوطًا، وهو لا يزال في منتصف الهواء.

أولبارت: «وقع حينها تمرُّد في جزيرة المصارعين… والذي أوقفه كان هذا الرجل ذو الخوذة، ومعه أراكيا.»

 

 

فلو أنه قفز بلا أي استعداد، لكان الأمر محضَ انتحار.
ورغم أن التدابير التي اتخذت لرفع احتمال نجاتهم لم تكن كثيرة، فإنَّ استفزاز يورنا، وإعلانهم الحرب على فينسنت، والمواجهة الضارية مع كافما وأولبارت، كلها لم تكن سوى سلسلة من المقامرات.

 

 

سوبارو: «غايتنا أن نسلِّم هذه الرسالة إلى السيدة يورنا. فإذا رغبتَ في مكافأة رفيقي على خدماته، فالرجاء أن تسمح بذلك.»

لقد التقط كل ما أتيح له حتى الآن، ولم يبقَ أمامه سوى أن يلتقط آخر خيط متاح——

 

 

سوبارو: «آل؟ ما الذي… تفعله فجأة، بينما كل حركة نقوم بها تُراقب وتُحاسب الآن؟»

سوبارو: «لا تخطــــئ!!»

تنفَّس سوبارو الصعداء لثقته بمهارتها ولأنها ما زالت بخير. لكن ذلك الشعور كان مبكرًا جدًا… فهذه لم تكن سوى الموجة الأولى——

 

 

وبينما يُحكم ذراعه حول خصر ميديوم النحيل، أطلق السوط بقوة، ممتدًا لا في الفراغ، بل نحو أحد الدعامات الخشبية الهائلة التي تتشابك كشبكة عنكبوتية في أرجاء مدينة الشياطين… وصولًا إلى أحد الجدران الخارجية لـ قلعة اللازورد القرمزي.

 

 

 

كان هدفه أن يعلِّق السوط هناك، ليجعله نقطة ارتكاز يفرّ بها من نطاق القلعة—— وهي أفضل خطة استطاع ابتكارها وسط فوضى القاعة.

التفت سوبارو إليهما، فالتقت أنظارهما، ثم أومأ آل وميديوم لبعضهما البعض.

 

سوبارو: «… تلك عينان مزعجتان بحق.»

سوبارو: «——هك!»

 

 

 

شعر بشد قوي على ذراعه، فلفّ السوط حول معصمه بكل ما أوتي من قوة، متوقعًا أن يظل جسده ثابتًا حتى لو خانته قبضة يده. وفي أسوأ الأحوال، ستتحطم عظام معصمه تحت الضغط. ثم——

آل: «أوه، أنا حي، أنا حي. بطريقة ما، عادت نجومي إلى المدار.»

 

 

سوبارو: «آل… غيااهك!»
آل: «عذرًا!»

 

 

وبينما تلاحقهم الصرخات، اندفع الثلاثة في الهواء كتلةً واحدة متشابكة، تتبع مسارًا مقوّسًا بفعل ارتداد السوط من الدعامة.

في اللحظة التي اشتد فيها السوط، ارتطم آل بسوبارو من الخلف ارتطامًا عنيفًا، إذ يبدو أنه تمكن من القفز خارج القلعة مثلما فعل سوبارو وميديوم.

فينسنت: «همف.»

 

ورغم أن الموقف كان أفضل قليلًا من القفز من برج القلعة مباشرة، فإن سوبارو وآل، وهما مجردان من أي قدرات خاصة، لن ينجوا من السقوط من علو يتجاوز العشرين مترًا.

 

آل: «سيكون نصرًا ساحقًا لي إن حصلتُ عليه منك، لكن يلزمني الكثير من الجرأة لأطلب ذلك. لذا…»

 

 

وبسبب التصادم في الهواء، وجد الثلاثة أنفسهم متشبثين ببعضهم، يعلقون جميعًا على ذراع سوبارو اليمنى وحدها، بما يقارب مئة وخمسين كيلوجرامًا من الوزن.

وللمرة الأولى بعد سماع القصة من أولبارت، تحوَّل اهتمام فينسنت نحو آل. كان من الصعب تحديد ما إذا كان ذلك مؤشر خير أو شر، لكن على الأقل لم يؤدِّ تدخُّل آل الفجِّ إلى عقابه فورًا.

 

 

سوبارو: «غـ… غواااااااه——!»

كافما: «ماذا…!»

 

وضعت يورنا يدها على الرسالة. فبما أنَّهم قد قبلوا هذه الشروط، فإنَّ جماعة فينسنت ستكفُّ عن أي فعل آخر… وربما لم يُصرَّح بمثل هذا العهد صراحةً، لكن لم يبقَ أمامهم إلا الوثوق بهذا الاحتمال ليُكملوا الطريق——

أجسادهم تتأرجح حول الدعامة الخشبية خارج القلعة، متخذة منها محورًا، فيما صرخ كتفه، ومرفقه، ومعصمه، بل وذراعه اليمنى كلها… قبل أن تتحول صرخات الألم الجسدي إلى صرخات حقيقية.

 

 

أولبارت: «مع أنَّك قلت وقتها إنك لا تريد شيئًا.»

وكان الخيار الأمثل هو انتظار أن تهدأ قوة الارتداد، ثم صعودهم واحدًا تلو الآخر عبر السوط للعودة إلى الدعامة. لكن سوبارو وهو يعض على أضراسه، قارن الزمن اللازم لذلك مع الزمن الذي قد يستغرقه ذراعه حتى يتعفن——

سوبارو: «رسالة حب من سيِّدنا… إلى السيدة يورنا.»

 

كلماتها، التي لم يكن يُتصوَّر أن تكون إلا استفزازًا، جعلت عِرقًا يبرز في جبين كافما.

آل وميديوم: «——آه.»

سوبارو: «كما قالت السيدة يورنا… نحن نعلن الحرب عليك.»

 

 

وقبل أن يتمكن من بذل قوته القصوى، تداخل صوتاهما.

 

ولم يكد يستوعب ما يجري، حتى اختفى الثقل من على ذراعه اليمنى—— أو بالأحرى، لم يختفِ الحمل، بل انكسرت الدعامة التي كان السوط معقودًا بها.

سوبارو: «آااااه——!»

 

 

لقد قطعتها الأشواك المنطلقة من جدران القلعة المهدَّمة، وهي تتقدم بكتلة هائلة وضراوة عاتية.

 

 

 

سوبارو: «آااااه——!»

لكن وجود إيبل أصلًا إلى جانب سوبارو ورفاقه جعل هذا الأخير يشكُّ في احتمال أن يكون هو الإمبراطور المزيَّف. وإن صحَّ ذلك، فسوف يجدون أنفسهم في مأزق خانق لا مهرب منه… ولهذا كان يأمل ألَّا يكون الأمر كذلك.

 

أولبارت: «يا له من مظهر غريب عندك، يا فتى. وحتى لو كنت عجوزًا، فلن أقدر على نسيان شخص بمثل هذه الهيئة. هل نعرف بعضنا حقًا؟»

وبينما تلاحقهم الصرخات، اندفع الثلاثة في الهواء كتلةً واحدة متشابكة، تتبع مسارًا مقوّسًا بفعل ارتداد السوط من الدعامة.

سوبارو: «اللعبة مستمرة حتى نخرج من القلعة—— آل، ميديوم سان!»

 

كانت تحدِّق فيه صامتة، وهي تمتصَّ نَفَسًا من غليونها. كانت نظرة غامضة، لا هي باللامبالية، ولا بالمهتمة. مائعة كدخانها البنفسجي المتصاعد، شبحٌ يتلاشى ما إن تحاول القبض عليه.

ورغم أن الموقف كان أفضل قليلًا من القفز من برج القلعة مباشرة، فإن سوبارو وآل، وهما مجردان من أي قدرات خاصة، لن ينجوا من السقوط من علو يتجاوز العشرين مترًا.

 

 

فعلى سبيل المثال، لو أنه غيَّر مكافأة آل، طالبًا أن تكون الخروج الآمن من القلعة بدلًا من تسليم الرسالة، لربما وافق فينسنت على ذلك أيضًا. لكن، شأنها شأن الخطة السابقة، كان ذلك سينهي أي احتمال للتحالف مع يورنا. أي أن——

وفيما يصرخ بأعلى صوته باحثًا عن أي مخرج من هذا المأزق، مرت على ذهنه وجوه إميليا، وبياتريس، وريم واحدة تلو الأخرى——

بمعنى آخر—— إنَّ تعاون يورنا ميشيغوري لن يُنال بعد الآن. وكان هذا بمثابة إغلاق الطريق إلى نصرٍ هش في الظلام. لذا——

 

 

الجميع: «————»

 

 

وفي اللحظة التي تلقت فيها تلك الكلمات، قفز جسد ميديوم بكامله دون أي مبالغة، وتضاعفت سرعتها. وشَعرها الطويل يتطاير خلفها، وهي تلوِّح بسيفيها التوأمين، تمزِّق بعنف الأشواك التي انطلقت نحوهم بمسارات ملتوية وغريبة.

——وبصوت ارتطام مروع، تحطم سقف الإسطبلات في القلعة، وسقط الثلاثة وسط أكوام التبن، متشابكين فوقها.

فينسنت: «همف.»

 

الشخص الوحيد الذي تدخَّل لوضع حد لهذه الشكوك كان فينسنت نفسه. أجاب أولبارت، عاقدًا ذراعيه: «أوه، نعم!» ردًا على سؤال الإمبراطور المزيَّف،

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط