78 - لقاء متفجّر.
تتنفس بعمق وهي تركض كأنها تطير، تبذل قصارى جهدها كي لا تهتز رأس الفتاة التي تحتضنها بين ذراعيها.
إيميليا: [هل تعني أن سوبارو――]
إنها حاكمة مدينة الشياطين، كايوسفلايم، وعضو في «التسعة الجنرالات الإلهيين»، أقوى الضباط العسكريين في الإمبراطورية.
لقد وصلت قافلة من العربات إلى الجهة الجنوبية من المدينة، وما إن التقطت إيميليا بأذنها أن عدداً كبيراً منهم قد قدم من مدينة الشياطين «كاوسفلايم»، حتى رقص شعرها الفضي من فرط الترقب للقاء المنتظر منذ زمن طويل.
كان صوت امرأة، صرير حذائها العالي يتردّد وهي تصعد السلالم بتمهّل. قبل قليل، قال أوتو إنّ إميليا وآبِل ويورنا يمتلكون حضوراً لا يمكن تجاهله، لكن صاحبة هذا الصوت أيضاً كانت تغلّفها هيبة تخالف ذلك الانطباع.
إيميليا: [سنلتقي قريباً جداً بسوبارو، وبياتريس…!]
آبِل قال ببساطة إنه لا حاجة لتدخله.
الفتاة التي كانت بين ذراعيها، وقد أغمضت جفونها غارقة في النوم―― كانت بياتريس.
ولإيقاظ هذه الفتاة، التي ظلت نائمة لوقت طويل لتفادي استنزاف ماناها، كان لا بدّ حتماً أن تلتقي بسوبارو، الذي ارتبطت معه بعقد، حتى تستمد منه إمدادها من المانا.
أبيل: [إن كان بوسعك أن تسمّي هذا “بلا أذى”.]
غير أنّ إميليا لم تكن الوحيدة التي جمدت، بل كل من سمع صوتها، وفي تلك اللحظة، استحوذ صوت بياتريس على انتباه الجميع في الغرفة.
وسوبارو نفسه كان بحاجة إلى أن تتلقى بياتريس ماناه، وإلا وقع في مأزق، ولهذا كان مصيرهما متشابكاً على نحو لا ينفصم.
إيميليا: [هل تعني أن سوبارو――]
ذلك الرابط الذي بدا عادةً كعلاقة يملؤها الود الدافئ، يداً بيد، قد انقلب الآن إلى مصدر خطر جسيم بعدما قُذف سوبارو بعيداً داخل الإمبراطورية وانفصل عنهما.
ميديوم: […أبيل-تشين، شخصيتك فظيعة!]
وبتجهمٍ، انحنى زيكر بعمق أمام الرجل―― أمام أبيل بسبب الدمار الذي لحق بالمدينة.
كان لا بدّ من أن يلتئم شملهما بأسرع وقت ممكن.
وفوق كل ذلك――،
إيميليا: [――سوبارو.]
هي نفسها كانت تريد أن تطمئن على سلامة سوبارو في أسرع وقت، ولو بقدر ثانية واحدة.
بياتريس: [طبيعيٌّ، على ما أظن. فهو شريك بيتي، في الحقيقة!]
لم تشعر من قبل بمثل هذا القلق المضطرب منذ أن أخلّ باك بالعقد من طرف واحد واختفى بمحض إرادته―― بل وأكثر من ذلك.
فباك ربما استطاع أن يكون بخير بمفرده، لكن سوبارو لم يكن كذلك.
إيميليا: [نعم، بينهما علاقة تعاقدية. ولهذا…]
شخص مثل سوبارو، لا بد أن يكون هناك من يفهمه ويقف إلى جانبه.
ومع ذلك، من الصعب تخيل أن أبيل وجماعته، الذين هدفهم التمرد على الإمبراطور في العاصمة الإمبراطورية، سيتحركون ضدهم بحجة أنهم خالفوا مرسوم الإمبراطورية.
إيميليا: [آه، أعتذر!]
فتحت عينيها، وسلكت طريقاً مختصراً إلى مبنى دار المدينة.
شفاهها القرمزية المرتسمة انفرجت مرتعشة.
تاريتا: [رأيي كرأي أختي. لكن هذا القرار ليس لأجل أنها قالت ذلك، فأنا أحمي لويس لأسباب تخصني. إذ إنني أدين لها بالعرفان.]
ورغم أنه كان يفترض أن تدخل من البوابة وتصعد السلالم إلى الأعلى، إلا أن استعجالها كان أكبر من ذلك؛ فأقامت عموداً من الجليد، ثم وقفت فوق التشكيل الجليدي الصاعد من الأرض. وبحملها بياتريس بين ذراعيها، ارتفعت دفعة واحدة إلى قمة المبنى.
ورغم أنه كان يفترض أن تدخل من البوابة وتصعد السلالم إلى الأعلى، إلا أن استعجالها كان أكبر من ذلك؛ فأقامت عموداً من الجليد، ثم وقفت فوق التشكيل الجليدي الصاعد من الأرض. وبحملها بياتريس بين ذراعيها، ارتفعت دفعة واحدة إلى قمة المبنى.
أثار الأمر فزع الحراس وأهالي المدينة، لكنها لم تستطع كبح نفسها.
إيميليا: [فلنعد من البداية مرة أخرى. ――أنا إميلي، وأنت أبيل، أليس كذلك؟ صديق سوبارو… لا، رفيقه.]
والآن، أخيراً――،
فلم يعد هناك سبب لأن يبقى الارتباك على ما هو عليه.
في تلك اللحظة، حركت المرأة التي كانت تتابع بصمت شفتيها أخيراً.
إيميليا: [سوبارو!]
???: [هاه، إيميلي؟]
شفاهها القرمزية المرتسمة انفرجت مرتعشة.
إيميليا: [آه، غارفيل…]
حين وصل المصعد الجليدي إلى ارتفاع الطابق العلوي، قفزت إيميليا منه إلى المبنى.
وعندما حطّت ونظرت أمامها، وجدت أن عدداً غير قليل من الناس قد اجتمعوا بالفعل في دار المدينة، وكان الجميع متفاجئاً من ظهورها المفاجئ.
وسط ذلك كله، كانت ميزيلدا، الفتاة ذات الساق الاصطناعية ذات الحضور البصري البارز، والتي جمعت حولها شعب الشودراك، هي من تقبّل ظهور إيميليا بهدوء وارتياح.
ضغطت بطرف ساقها الخشبية على الأرض، ثم وجهت نظرة إلى العمود الجليدي خلف إيميليا، وقالت:
من بين ذراعي إميليا، خرج صوت بياتريس مفعماً بالقوة.
ميزيلدا: [أنتِ تستعملين السحر بطريقة مريحة جداً. كم أنتما مختلفتان عنا.]
إيميليا: [هممم، كنت في عجلة كبيييرة حقاً، لذا… آه، أعتذر لإخافتكم! سأبطل السحر حالاً!]
لكن حكاية ميديوم كانت على الأرجح صحيحة، إذ لم يُكذبها أحد. ورغم صعوبة تصديق ذلك، يبدو أن أمراً غامضاً قد وقع فتقلّص جسد أحدهم.
عند انبهار ميزيلدا، سارعت إيميليا إلى إذابة الجليد وإعادته إلى مانا.
في المملكة، كان من الشائع استخدام السحر في شتى الأمور، لكن في الإمبراطورية بدا أن مستخدمي السحر قلّة. وبالنظر إلى كثرة الراغبين في القتال هناك، بدا الأمر غريباً.
سعل ثم تنحنح كما لو كان يريد تهدئة مشاعره،
لم يكن هذا وقتاً مناسباً لذلك، لكن نظره انصرف إلى ميديوم وامرأة طويلة أخرى. المرأة السمراء البشرة ذات الزيّ الرجولي، لا بد أنها كانت تاريتا، موضوع النقاش.
ميزيلدا: [في الغالب، إذا ضربتهم قبل أن يستخدموا سحرهم، تكون نهايتهم.]
أوتو: [إنه أمر مزعج، لكن إن كان الأمر كذلك، فمن المفهوم أنه لم يتصرف بتهوّر.]
إيميليا: [أعرف ذلك. لكن هذا صحيح فقط إن كنتِ قريبة، لا بعيدة.]
ميزيلدا: [وحين يكونون بعيدين، يأتي دور قوسي. لكن تاريتا أبرع مني بالقوس.]
فإلى جانب الفتاة التي بادرت بالكلام، لم يستطع أوتو أن يتخلّص من إحساسٍ بأن الفتاة الأخرى، التي لم تنطق بكلمة ذات معنى، مألوفةٌ له بطريقة ما.
كان رد الرجل حاداً وجافاً، لكن إميليا لم ترتبك بل التفتت إلى زيكر. وبمواجهة سؤالها، اعتدل زيكر في وقفته قائلاً: [نعم].
ابتسمت ميزيلدا، فردّت عليها إيميليا بابتسامة مماثلة، كأنها تقول: “صحيح”.
سألت بترا بصوت جاد، فيه شيء من الحزم.
ميزيلدا: [بالطبع، إن عارضت الزعيمة فسأتراجع.]
كان الاسم “تاريتا”، الذي تكرر على مسامعها، لا بد أن يكون اسم أخت ميزيلدا الصغرى. تلك التي يبدو أنها فخرها واعتزازها، والتي كانت مع المجموعة التي غادرت غوارال متجهة إلى مدينة الشياطين في الجنوب الشرقي――،
وهكذا، تبادلت الفتاة الكئيبة وإميليا الكلمات على هذا النحو.
إيميليا: [――! صحيح. لقد عاد من ذهبوا جنوباً، أليس كذلك؟]
أوتو: [أتظنّون أنّ بوسعكم كسبهم؟ لا بدّ أن أقول إنّ هذا تسرّع.]
لحظة واحدة تاه ذهنها في مكان آخر، لكنها تذكرت أن هذا هو السبب الذي جعلها تسارع باستخدام سحرها إلى هنا من الأساس.
وضمّت بياتريس أكثر إلى صدرها، ثم جالت ببصرها في قاعة الطابق العلوي.
وفي الحقيقة، كان محقاً. فحتى وإن خشي أوتو أن يؤدي قتلها إلى ضياع الاحتمال، فمن الصعب الاعتقاد أنّ أخذها أسيرة سيسبب أي مشكلات.
اتسعت عينا إميليا حين تفوّهت بياتريس بنبرة هادئة ولكن صارمة.
وجود أشخاص بملابس سفر غير معتادة بين الجمع كان دليلاً على أن القافلة التي وصلت إلى المدينة المحصّنة بالعربات والخيول قد حضرت إلى هنا.
وسط هذا كله――،
مستغربة من رد فعلهما، خاطبتهما إميليا من غير ألقاب شرف، غير أنّ أحداً لم يُكمل كلماتها. ولم يعد ثمة حاجة لذلك.
إيميليا: [سوبارو، هل أنت هنا! لقد جئنا جميعاً لاصطحابك! أوتو وبييترا-سان… السيدة بييترا ستأتي قريباً!]
جالت بعينيها في الحشد، تبحث عن ذلك الفتى الأسود الشعر المنتظر.
رفع زيكر حاجبيه الكثّين، وحدّق في الفتاة من رأسها حتى قدميها،
كان من المفترض أن يكون معهم شخص آخر، هاينكل، لكنه غاب عن المشهد، وذلك تفصيل ثانوي.
فما إن سمعت في المنزل الذي كانوا يقيمون فيه أن عربة قد وصلت، حتى حملت بياتريس بين ذراعيها وأسرعت إلى دار المدينة قبل أوتو وبييترا.
ميديوم: [سوبارو-تشين يشبهني تماماً! ربما أصغر قليلاً؟ على أية حال، لقد جعلوه صغيراً جداً! لكنني سمعت أنّ سوبارو-تشين ويورنا-تشان هزما الجد معاً، لذا سوبارو-تشين مذهل!]
وهما أيضاً كانا يسابقان الخطى ليصلا إلى دار المدينة للقاء سوبارو.
ربما منحها أسلوب آبِل القاسي انطباعاً أنّه قد تخلّى عن لويس. غير أنّ الحقيقة لم تكن كذلك.
وهي تعلم أن كليهما يحمل المشاعر نفسها، لكنها رغم ذلك سبقتهم وهي تلهث، مدركةً أنها تتصرّف بغير إنصاف. ومع ذلك، لم تستطع منع نفسها من الرغبة في رؤية سوبارو بأسرع ما يمكن.
لويس: [أو…؟]
وكانت بياتريس كذلك، لكن إيميليا كان لها سببها الخاص كي ترى سوبارو――،
غير أنّه كان يقف أمام أشخاص يرفعون راياتٍ تحمل صورة ذئبٍ مثقوب بالسيوف، فاعتبر أنّه لا يليق أن يُظهر موقفاً ضعيفاً كهذا، فشدّد ملامحه وأبقاها صارمة.
ميزيلدا: [وحين يكونون بعيدين، يأتي دور قوسي. لكن تاريتا أبرع مني بالقوس.]
إيميليا: [――هـك، سوبارو!]
تتنفس بعمق وهي تركض كأنها تطير، تبذل قصارى جهدها كي لا تهتز رأس الفتاة التي تحتضنها بين ذراعيها.
وهكذا، تبادلت الفتاة الكئيبة وإميليا الكلمات على هذا النحو.
فجأة، لُمس كتفها من الخلف، فارتدّت كأنها صُفعت.
في المملكة، كان من الشائع استخدام السحر في شتى الأمور، لكن في الإمبراطورية بدا أن مستخدمي السحر قلّة. وبالنظر إلى كثرة الراغبين في القتال هناك، بدا الأمر غريباً.
وقد كان الأمر مفاجئاً حتى للشخص الذي لمسها، إذ اتسعت عيناه بدهشة. ومع ذلك، لم يكن من رأت أمامها سوبارو.
وبلا توقف، كانت على وشك أن تطعنها بلسانها الحاد، لكنها كفّت فجأة. وأمعنت النظر ثانيةً في يورنا.
مستغربة من رد فعلهما، خاطبتهما إميليا من غير ألقاب شرف، غير أنّ أحداً لم يُكمل كلماتها. ولم يعد ثمة حاجة لذلك.
???: [إيميلي…]
بياتريس: [أجيبي، في الحقيقة! لا، لا تفعلي شيئاً غير ضروري، على ما أظن!]
شفاهها القرمزية المرتسمة انفرجت مرتعشة.
إيميليا: [فريدريكا… لقد سبقتِني. أ-أوه.]
كان الموقف محرجاً بعض الشيء، ولم تعرف إيميليا أي تعبير ترسم على وجهها.
وبالطبع، كانت فريدريكا أيضاً قلقة على سوبارو، فليس غريباً أن تصل إلى دار المدينة قبلها.
لقد كان سوبارو يتصرّف مع لويس. ――ومن المؤكد أنّه لم يكن لأنه لم يعرف من تكون. فلا بدّ أنّ سوبارو قد خمّن سريعاً هوية لويس الحقيقية.
؟؟؟: [――――]
إيميليا: [إذاً… هل تحدثتِ إلى سوبارو؟ أنظري، أريد أن أصطحب بياتريس لرؤيته. وأنا أيضاً أريد أن أتحدث معه، لكن بياتريس أولاً…]
أوتو: [إميلي، هذا…]
فريدريكا: [――. ثمة ما يجب أن أخبركِ به.]
إيميليا: [سوبارو، هل أنت هنا! لقد جئنا جميعاً لاصطحابك! أوتو وبييترا-سان… السيدة بييترا ستأتي قريباً!]
إيميليا: [هاه؟]
خفضت فريدريكا طرفي عينيها الخضراوين الجميلتين، وتحدثت بنبرة حزينة إلى إيميليا، التي كانت تتكلم وهي تتصبب عرقاً كمن يبحث عن أعذار.
ولم تفهم إيميليا سبب هذا الموقف من فريدريكا.
إيميليا: [آه، غارفيل…]
لذا، ورغم أنّه لم يرَ بوضوح من كان الفاعل――
وحين نظرت، رأت أنه ليس فريدريكا وحدها، بل كان غارفيل أيضاً قد سبقها إلى دار المدينة. وعندما تصل بييترا والآخرون بعد قليل، سيكون كل رفاق إيميليا الذين جاؤوا إلى غوارال موجودين هنا.
جميعهم ليستقبلوا سوبارو الذي طال فراقه.
يورنا: [――آه، هكذا إذن. إذا كان هذا الطفل وذاك مرتبطين بعمق، فأرى منطق ذلك.]
أو هكذا كانت تأمل إيميليا، لكن――،
إنها حاكمة مدينة الشياطين، كايوسفلايم، وعضو في «التسعة الجنرالات الإلهيين»، أقوى الضباط العسكريين في الإمبراطورية.
فريدريكا: [للأسف، لقد اختفى سوبارو-ساما مجدداً، في مدينة الشياطين «كاوسفلايم»… لم يكن سوبارو-ساما بين العائدين عبر العربة.]
ورغم أنّ مضمون الكلام لم يكن مبهجاً تماماً، فإنّ مديح ميديوم المباشر كان موسيقى للأذن. بل إنّ إميليا وبيترا وبياتريس وجدن أنفسهن في مزاج حسن بعد سماع الثناء على سوبارو.
وبذلك، نقلت فريدريكا بمرارة ذلك الخبر المفجع.
فإن كان إزهاق روح لويس سيعيد الضحايا الذين سلبتهم سلطتها إلى ما كانوا عليه، فلن تكون هناك مشكلة.
△▼△▼△▼△
وعند الصوت، قفزت الطفلة الصغيرة التي كانت قد أمالت رأسها، وقد فوجئت، وبطبيعة الحال تفاجأ أوتو والبقية من رد فعل بياتريس.
؟؟؟: [ماذا تعنين بأن الأخ الأكبر و ريم-تشان قد أُخِذا بعيداً⁉]
اتسعت عينا الفتاة الكبيرتان المدورتان وهي تصرخ وتضرب الأرض بقدميها بخطى صغيرة متسارعة.
وإن كان كشف حقيقة أن بياتريس روحاً ليس في مصلحة أوتو والبقية، الذين دخلوا الإمبراطورية بهويات مزيفة، إلا أن الاثنين كانا على الأرجح قد أدركا ذلك بالفعل.
كانت فتاة شقراء بشَعرٍ ذهبي مصفوف على هيئة ضفائر وروابط وعُقَد غريبة. بدت في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من عمرها، وكانت تحدّق في البالغين من حولها بوجه يملؤه الذهول.
وجودها إلى جانبهم سيكون مكسباً عظيماً يقلب موازين هذه الإمبراطورية الواسعة.
في القاعة الفسيحة بأعلى طابق من دار بلدية مدينة الحصن غوارال، اجتمع أولئك الذين أُسنِدت إليهم أدوار مختلفة في خضم الاضطرابات التي تشهدها هذه المدينة، أو بالأحرى، هذه الإمبراطورية.
زيكر: [هذا هو من يتولى زمام قيادتنا، أبيل-دونو. أما أنا، فلم أوكل بالمدينة إلا تحت توجيهه.]
وفي وسط ذلك الاضطراب، شعر أوتو سوين برغبة في أن يمسك رأسه بيديه بسبب أنهم انجرّوا إلى هذه الفوضى بطريقة ما.
؟؟؟: [ماذا تعنين بأن الأخ الأكبر و ريم-تشان قد أُخِذا بعيداً⁉]
غير أنّه كان يقف أمام أشخاص يرفعون راياتٍ تحمل صورة ذئبٍ مثقوب بالسيوف، فاعتبر أنّه لا يليق أن يُظهر موقفاً ضعيفاً كهذا، فشدّد ملامحه وأبقاها صارمة.
من بين ذراعي إميليا، خرج صوت بياتريس مفعماً بالقوة.
الفتاة غريبة الشعر: [لقد عدتُ لأجد المدينة فوضى، والجدران مهدّمة أيضاً، إنّه كارثة! وفوق ذلك، الأخ الأكبر و ريم-تشان غير موجودين، أنا مذهولة وأشعر بالدوار!]
مع آبِل وميديام والآخرين، كان أل أيضاً أحد من توجهوا مع سوبارو إلى كايوسفلايم. وفي طريق العودة، التقى بريسيلا، ويبدو أنهما دخلا معاً الآن.
زِكر نظر إلى يورنا بتفكير، آبِل بتأمل، وبريسيلا باحتقار.
؟؟؟: [آه، أُو!]
وبينما قالت ذلك، أخذت مقلتا الفتاة ورأسها تدوران وهي تضرب الأرض بغضب، وإلى جانبها كانت فتاة أخرى في العمر نفسه تقريباً، ذات شعرٍ أشقر، بدأت تتأوه محاولةً أن تسايرها.
إيميليا: [آه، غارفيل…]
متقلّبة وقوية، بريسيلا تحمل حضوراً يصعب التنبؤ بجهته.
ارتسمت على وجوه الكبار ملامح الحيرة والارتباك أمام احتجاج الفتاتين.
مدى صدق كلمات أبيل لم يكن معلوماً، ولا إلى أي درجة قد بالغ في تصوير الوقائع. لكن أوتو كان واثقاً أن الأمر ليس مجرد خدعة بلا معنى.
كان الموقف يتطلب أن يتقدّم شخص ما ليتولى زمام الأمر، غير أنّ أوتو كان يتساءل إن كان عليه التدخل، بينما كان شعورٌ غامض من القلق يثقل صدره ويمنعه من الحركة.
تلك المدينة الإمبراطورية العظيمة دمّرها جنون الطمع، رئيس خطيئة من طائفة الساحرة.
أوتو: […أمـم، هل سبق ورأيت هذه الفتاة المتأوّهة في مكان ما؟]
حاميةً لويس خلفها ومواجهةً غارفيل، نادت ميديام على آبِل.
فإلى جانب الفتاة التي بادرت بالكلام، لم يستطع أوتو أن يتخلّص من إحساسٍ بأن الفتاة الأخرى، التي لم تنطق بكلمة ذات معنى، مألوفةٌ له بطريقة ما.
وعلى الرغم من أنّ أوتو عادةً ما كان حذراً كي لا ينسى الأشخاص الذين تبادل معهم الحديث، إلّا أنّ ذاكرته كانت مشوشة في أوقات الإفراط في الشرب. ومنذ أن بدأ العمل مع معسكر إميليا، حرص على تجنّب السكر الذي يُفقده ذاكرته، لكنه تساءل ما إذا كانت هذه طفلة صادفها في إحدى تلك الحالات.
بمعنى آخر، فإن كلمات ميديوم عن أخيها لم تكن بعيدة عن الحقيقة.
الفتاة غريبة الشعر: [هيه، كيف حال الأخ الأكبر و ريم-تشان؟ هل يعرف أحد…]
إيميليا: [――! صحيح. لقد عاد من ذهبوا جنوباً، أليس كذلك؟]
زيكر: [――قبل أن أمضي أبعد من ذلك، هل لي أن أوضّح شيئاً يا آنسة؟]
نعم، كان أوتو قد تعرّف على هذه الفتاة. شعور ديجا فو لم يكن من المفترض أن يظهر في الإمبراطورية، المكان الذي يزوره لأول مرة.
رفعت إميليا بصرها نحو صاحب الصوت―― الرجل ذي الشعر الأسود والقناع الأوني الذي كان قد تبادل للتو كلمات مع زيكر وميديوم.
الفتاة غريبة الشعر: [همم؟ ما الأمر يا زيكر-تشين؟]
كانت يورنا ستدافع عن لويس، وقد أعلنت نيتها صراحة.
وبينما كان أوتو غارقاً في أفكاره، تقدّم زيكر، ممثل المدينة، نحو الفتاة.
فتحت عينيها، وسلكت طريقاً مختصراً إلى مبنى دار المدينة.
لقد تبادل أوتو معه الأحاديث مراراً، وكان يعتبره شريكاً جديراً بالثقة. مجرّد كونه شخصاً يمكن التواصل معه داخل الإمبراطورية جعله بمثابة كنز نادر.
؟؟؟: [――――]
بترا: [أم، هل يمكننا أن نعود قليلاً إلى الوراء؟]
رفع زيكر حاجبيه الكثّين، وحدّق في الفتاة من رأسها حتى قدميها،
آبِل: [ماذا تريدينني أن أقول؟ التعامل مع هذا شأنك.]
زيكر: [إن لم يكن إدراكي مخطئاً، فهذه الفتاة هي الآنسة ميديوم، أليس كذلك؟]
لقد وصلت قافلة من العربات إلى الجهة الجنوبية من المدينة، وما إن التقطت إيميليا بأذنها أن عدداً كبيراً منهم قد قدم من مدينة الشياطين «كاوسفلايم»، حتى رقص شعرها الفضي من فرط الترقب للقاء المنتظر منذ زمن طويل.
ميديوم: [هاه؟ بالطبع، ما المشكلة؟ يمكنك أن تعرف من النظرة.]
لويس: [أو!]
وهكذا، خرج تصريح كفيل بإشعال انفجار جديد مغاير للتوتر القائم بالفعل، قيل ببساطة.
كانت الفتاة واقفةً ويداها على خاصرتها، وصدرها منتفخ فخراً―― كانت تُدعى ميديوم، وبجوارها، أخذت الفتاة التي لم يتذكرها أوتو نفس الوضعية مقلّدةً لها.
لقد كانت هناك فتاة أخرى، متكئة بجوارها كما لو كانتا شقيقتين. حدّقت بياتريس إليها، ولم تكن قد سمعت باسمها حتى الآن.
وعند هذه الكلمات، بدا على زيكر الارتباك وهو ينظر إلى الفتاة بجانب ميديوم.
أوتو: [للحظة، اجتاحني هذا الخوف، لكن مما سمعته من ميزيلدا-سان وزكر-سان، لا أظن أنّ هذا مقلق كثيراً.]
ثم――،
زيكر: [――أبيل-دونو، ما هذا…]
أبيل: [إنه بفعل تقنية أولبارت دنكلكن. سبب ردّها غير المناسب عائد إلى تعليمها الأصلي، لا إلى حالتها هذه.]
تتنفس بعمق وهي تركض كأنها تطير، تبذل قصارى جهدها كي لا تهتز رأس الفتاة التي تحتضنها بين ذراعيها.
زيكر: [أفهم. تقنية الجنرال من الدرجة الأولى أولبارت… يسرّني كثيراً أنك لم تتعرضي للأذى.]
إيميليا: [بياتريس!]
أبيل: [إن كان بوسعك أن تسمّي هذا “بلا أذى”.]
وبعد سماع التفسير، وضع زيكر يده بلطف على ذقنه وقد بدا وكأنّه يفكر ملياً. أمّا أبيل، فبعد أن أوضح الأمر لزيكر، عقد ذراعيه بهدوء وحدّق بميديوم.
أبيل: [مَن بقوا في الخلف مذهولون. لكونك قد تقلصت، أعني.]
――في اللحظة التي صدرت فيها كلمات بياتريس، عمّت أجواء متفجرة الغرفة.
ميديوم: [أنا؟ …آه! فهمت! آسفة، آسفة جميعاً! لقد اعتدت أن أكون صغيرة، والآن أنا ضئيلة! مع سوبارو-تشين!]
برفعة يدٍ صغيرة، شرحت ميديوم وضعها. وحتى بعد سماع ذلك، لم يستطع أوتو أن يستوعب الأمر مطلقاً، لكنّ المجموعة الإمبراطورية الأصلية بدت مقتنعة إلى حد ما.
غارفيل: [أنا المذهل لن أرحمك حتى لو كنتِ امرأة!]
أما الطرف الآخر، وبينما هم في حيرة وغير قادرين على إنكار جهلهم، فقد وجدوا أن هناك في كلامها شيئاً لا يمكن لأوتو ورفاقه تجاهله.
بمعنى آخر، فإن كلمات ميديوم عن أخيها لم تكن بعيدة عن الحقيقة.
وما إن سمعت إيميليا ذلك حتى ضمّت شفتيها،
؟؟؟: [――سوبارو]
لويس: [آاو…]
وفي اللحظة نفسها، انطلق همس خافت، على الأرجح بالمعنى نفسه.
لويس: [أو!]
كانت الفتاة شاحبة الوجه بجانب ميديوم هي التي أضفت نغمة على ذلك الصوت، نغمة مغايرة بوضوح للتأوهات السابقة. والتي نطقت الصوت المتوافق مع ما قالتها الفتاة كانت،
إميليا: [أأنتِ قلقة على سوبارو أيضاً؟]
أبيل: [زيكر.]
زيكر: [――أبيل-دونو، ما هذا…]
نعم، كانت إميليا هي من أشاحت بحاجبيها نحو الفتاة.
لويس: [أو!]
كان الأمر واضحاً حتى لو لم يُصرَّح به.
إميليا، وهي تحتضن بياتريس النائمة بين ذراعيها، كانت من أكثر من شعر بخيبة الأمل حين سمعت أن سوبارو لم يكن ضمن المجموعة العائدة من مدينة الشياطين.
بل لأنّ صوت اصطدام جسم صلب بالأرض دوّى في القاعة الواسعة.
ومقارنةً بها وببترَا، فإن وصف مشاعر أوتو بخيبة أمل سيكون مبالغة. لكن السبب لم يكن إحساساً بأن اللقاء مجدداً سيكون عسيراً للغاية.
إميليا: [إذن فأنت رفيق. لقد ناداك أبيل، فهل تكون أنت الشخص الذي تحدّث عنه زيكر-سان قبل قليل؟]
إميليا: [هذا لا يصح، فلنهدأ جميعاً! الشجار هكذا――]
وعلى أي حال――،
وبذلك، نقلت فريدريكا بمرارة ذلك الخبر المفجع.
لويس: [أو، آاو.]
وجودها إلى جانبهم سيكون مكسباً عظيماً يقلب موازين هذه الإمبراطورية الواسعة.
إميليا: [لا، لا أظن أنّ الأمر خطؤك. أنا حزينة جداً جداً لأن سوبارو ليس هنا، لكن ليس هذا وقت الاستسلام. لقد مرّ سوبارو بما هو أصعب بكثير.]
لويس: [أو…]
ومن سياق الحديث، كان واضحاً أنّ أخاها هو ذلك التاجر الذي اختُطِف مع ريم. وكانت ميزيلدا قد قالت إنه رجل لطيف وودود ذو جاذبية خاصة بالنساء.
لذا، ورغم أنّه لم يرَ بوضوح من كان الفاعل――
إميليا: [أأنت قلقة عليّ؟ شكراً لك. أعلم أنك مررت بالكثير أيضاً.]
وهكذا، تبادلت الفتاة الكئيبة وإميليا الكلمات على هذا النحو.
يورنا: [بلى، صحيح. لكن كلمة “فظيع” لا تفي بالغرض.]
وعلى الرغم من أنّ أوتو عادةً ما كان حذراً كي لا ينسى الأشخاص الذين تبادل معهم الحديث، إلّا أنّ ذاكرته كانت مشوشة في أوقات الإفراط في الشرب. ومنذ أن بدأ العمل مع معسكر إميليا، حرص على تجنّب السكر الذي يُفقده ذاكرته، لكنه تساءل ما إذا كانت هذه طفلة صادفها في إحدى تلك الحالات.
لم تكن الكلمات المتساقطة من فم الفتاة ذات معنى واضح، لكن إميليا كانت تحدّق في عينيها وتتبادل معها الكلمات كما لو أنها تفهم ما ترمي إليه.
غارفيل: [وفوق ذلك، إنها الشَّرَه؟ أليست هي التي تحتلّ صدارة قائمة الأوغاد الذين تاقَت أنفسنا العجيبة للانقضاض عليهم؟ أهذا هو نهج الإمبراطورية؟]
وهذا بحد ذاته كان دليلاً على عزيمة إميليا المكسورة القلب، وكان تبادلاً شعر أوتو بالارتياح لرؤيته. غير أنّ――،
يورنا: [لقد سمعت باسمك في الطريق. والآن، وأنت أمامي، تبدو وسيماً كما قالت ميديوم وتاريتا.]
زِكر، الذي كان قد بدأ يتحدث بصرامة، رمش بعينيه أمام رد يورنا.
أبيل: [――لم أتوقع أبداً أن رفاق ناتسكي سوبارو سيأتون إلى هنا لزيارتي.]
سألت بترا بصوت جاد، فيه شيء من الحزم.
كان صوتاً اجتاح القاعة كريحٍ باردة يابسة.
كان من المفترض أن يكون معهم شخص آخر، هاينكل، لكنه غاب عن المشهد، وذلك تفصيل ثانوي.
أو هكذا كانت تأمل إيميليا، لكن――،
رفعت إميليا بصرها نحو صاحب الصوت―― الرجل ذي الشعر الأسود والقناع الأوني الذي كان قد تبادل للتو كلمات مع زيكر وميديوم.
فريدريكا: [ساما!]
يتبعها وهي تمشي بلا عجل، خادمها شولت بحركاته المتواضعة، وأل بمظهره الغريب الذي لا يُنسى.
ضيّقت إميليا عينيها البنفسجيتين عند رؤية الرجل ذي الشعر الداكن والقناع الأوني يغطي وجهه.
لقد وصل صدى مقاومة ميديوم اليائسة، وهي تصرخ باحثةً بيأس عن الكلمات، إلى مسامعه ومعه شيء غريب لا يمكن تجاهله.
إميليا: [أأنت صديق سوبارو أيضاً؟]
كان صوتاً اجتاح القاعة كريحٍ باردة يابسة.
بأي وسيلة حدثت هذه الظاهرة؟
أبيل: [ليس لي أصدقاء. وهو لا يعتبرني كذلك أيضاً. علاقتنا أننا نسير معاً نحو غايةٍ واحدة.]
وكان هذا سؤالاً كبيراً لا يمكن لأوتو والبقية التغاضي عنه. فمجرد الاجتماع بسوبارو، الذي أُرسل إلى الإمبراطورية، كان أمراً بالغ الصعوبة، فكيف إذا تقلّص جسده أيضاً.
إميليا: [إذن فأنت رفيق. لقد ناداك أبيل، فهل تكون أنت الشخص الذي تحدّث عنه زيكر-سان قبل قليل؟]
كان رد الرجل حاداً وجافاً، لكن إميليا لم ترتبك بل التفتت إلى زيكر. وبمواجهة سؤالها، اعتدل زيكر في وقفته قائلاً: [نعم].
غارفيل: [لا بدّ أنكِ تمزحين. رئيسة أساقفة خطيئة؟ ما الذي تظنين نفسكِ فاعلة؟]
زيكر: [هذا هو من يتولى زمام قيادتنا، أبيل-دونو. أما أنا، فلم أوكل بالمدينة إلا تحت توجيهه.]
وبالطبع كان سوبارو سيثور لو سمع هذا، غير أنّ إيجادهم له كان بحد ذاته ضرراً يمكن احتماله.
ولأن هذا الحدث كان بعيداً كل البعد عن الواقع، فقد راودهم القلق حول إمكانيّة عكسه، وإن أمكن، فما إن كانت ستبقى له تبعات. وفي أسوأ الأحوال، قد يعود سوبارو إلى مملكة لوغونيكا كفارس لإميليا بينما يظل صغيراً.
أبيل: [وبالمناسبة، فإن آثار الخراب كانت كثيرة.]
هاجمت ميديوم والفتاة أبيل من كلا الجانبين وهو واقف وذراعاه معقودتان. وبّخهما بكلمة قصيرة بينما كانتا تتشبثان به، تشدّان أكمامه وتطعنان خاصرته.
زيكر: […لذلك، أشعر بخجلٍ شديد.]
بياتريس: [――إنها الشَّرَه، في الحقيقة.]
آبِل: [إن وُجد ما ينفع فسأفكّر كيف أستعمله. أنتم المخطئون بشدة حين تظنون أنّ الجميع سينحاز إلى جانبكم.]
وبتجهمٍ، انحنى زيكر بعمق أمام الرجل―― أمام أبيل بسبب الدمار الذي لحق بالمدينة.
فباك ربما استطاع أن يكون بخير بمفرده، لكن سوبارو لم يكن كذلك.
لم يكن وجه زيكر المليء بالمرارة يعكس استياءً من توبيخٍ جائر، بل ندامة على عجزه عن أداء عمله.
إميليا: [أعتذر عن ذلك، لكن…]
غير أنهم لم يملكوا ترف التفكير في ذلك الموقف المؤثر.
أما أوتو، الذي شهد المشهد بعينيه، فقد كان يعتقد أن زيكر وبقية سكان المدينة بذلوا قصارى جهدهم لمنع تدميرها بالكامل، غير أنّ――،
ميزيلدا: [――أقول هذا: سوبارو ورِم هما صديقان لنا. وبما أنّهما مَن أحضرا لويس، فهما الوحيدان المخوّلان بتقرير مصيرها.]
ميديوم: [أبيل-تشين، لا تقل كلمات جارحة هكذا! لقد حاول الجميع جهدهم!]
وبكلمات إميليا، التي وصلت إلى الاستنتاج ذاته، أظهرت بيترا أخيراً تعبيراً عن الارتياح.
أبيل: [ومع ذلك، ألا يملؤك الغضب أيضاً، وقد أُخذ أخوك منك؟]
ميديوم: [الأخ الأكبر بذل جهده حتى أُخذ! لو لم يُؤخذ الأخ الأكبر، لكنا في ورطة عظيمة! هذا هو أخي! حتى مأخوذاً، يبقى رائعاً!]
كان رد الرجل حاداً وجافاً، لكن إميليا لم ترتبك بل التفتت إلى زيكر. وبمواجهة سؤالها، اعتدل زيكر في وقفته قائلاً: [نعم].
كانت ميديوم هي من ردّت بحماسة على كلمات أبيل.
ومن سياق الحديث، كان واضحاً أنّ أخاها هو ذلك التاجر الذي اختُطِف مع ريم. وكانت ميزيلدا قد قالت إنه رجل لطيف وودود ذو جاذبية خاصة بالنساء.
لكن――
إميليا: [بريسيلا! الجميع متوتّرون جداً الآن! لا تقولي أشياء غريبة.]
وبحسب ما رواه كونا وهولي أيضاً، فإن أسر ذلك الرجل مع ريم كان السبب الحاسم الذي دفع العدو، أحد أعضاء «التسعة الجنرالات الإلهيين»، إلى سحب التنانين الطائرة.
لكن حكاية ميديوم كانت على الأرجح صحيحة، إذ لم يُكذبها أحد. ورغم صعوبة تصديق ذلك، يبدو أن أمراً غامضاً قد وقع فتقلّص جسد أحدهم.
بمعنى آخر، فإن كلمات ميديوم عن أخيها لم تكن بعيدة عن الحقيقة.
كان صوت امرأة، صرير حذائها العالي يتردّد وهي تصعد السلالم بتمهّل. قبل قليل، قال أوتو إنّ إميليا وآبِل ويورنا يمتلكون حضوراً لا يمكن تجاهله، لكن صاحبة هذا الصوت أيضاً كانت تغلّفها هيبة تخالف ذلك الانطباع.
أوتو: [لا ينبغي لي… ربما أنا أتجاوز حدودي أيضاً.]
أما أبيل، الذي عاد لتوه من مدينة الشياطين، فلم يكن لديه سبيل لمعرفة تفاصيل هذا الوضع――،
فريدريكا: [ساما!]
ذلك التقرير بدا وكأنه خلاصة أبيل في هذه المحادثة.
أبيل: [زيكر.]
ما كانت تحدّق فيه بعينيها المرتجفتين لم يكن ميديوم.
زيكر: [سيدي.]
زيكر: […لذلك، أشعر بخجلٍ شديد.]
أبيل: [تجاهل ما قلته آنفاً. فمنذ البداية، كنتَ تواجه ماديلين إيشكارت ومجموعة من التنانين الطائرة. أنت تستحق التقدير على عملك في وضعٍ كان قد يستدعي إخلاء المدينة.]
عند انبهار ميزيلدا، سارعت إيميليا إلى إذابة الجليد وإعادته إلى مانا.
كان الموقف يتطلب أن يتقدّم شخص ما ليتولى زمام الأمر، غير أنّ أوتو كان يتساءل إن كان عليه التدخل، بينما كان شعورٌ غامض من القلق يثقل صدره ويمنعه من الحركة.
زيكر: [――! إنه لشرف.]
ارتجفت عينا ميديام عند سماعها أنّ الأمر غير ضروري.
لم تكن هذه الكلمات التي نُطقت بلا تردد نتيجة لتأثره بحديث ميديوم، بل كانت كلمات أُعِدّت سلفاً لتُقال لزيكر. فمنذ البداية، لم تكن لدى أبيل نيّة في تحميله مسؤولية الخراب الذي لحق بغوارال.
ميديوم: […أبيل-تشين، شخصيتك فظيعة!]
غير أنهم لم يملكوا ترف التفكير في ذلك الموقف المؤثر.
△▼△▼△▼△
لويس: [أو!]
ميديام: [آبِل-تشين! قل شيئاً!]
أبيل: [كفى.]
هاجمت ميديوم والفتاة أبيل من كلا الجانبين وهو واقف وذراعاه معقودتان. وبّخهما بكلمة قصيرة بينما كانتا تتشبثان به، تشدّان أكمامه وتطعنان خاصرته.
إميليا: [أأنت صديق سوبارو أيضاً؟]
ومن هناك، كان بالإمكان تكوين فكرة عامة عن طبيعة علاقتهم――،
؟؟؟: [――إذن؟ متى سنمضي قُدماً في هذا؟]
في تلك اللحظة، حركت المرأة التي كانت تتابع بصمت شفتيها أخيراً.
غارفيل: [――أدرك ما تفكر فيه يا أوتو-أخي. لكن هذا لا يعني أنّ علينا ترك هذه الصغيرة طليقة.]
كانت امرأة فائقة الجمال بأذنين ثعلبيتين، حضورها غريب لا ينسجم مع المكان، وشخصيتها بالغة البهاء―― شخص، لمجرّد وجوده، لا يسعك إلّا أن تعيه؛ مثل إميليا، التي كانت جمالها نادراً، وأبيل، بقناع الأوني الغريب اللافت للأنظار.
أما أبيل، الذي عاد لتوه من مدينة الشياطين، فلم يكن لديه سبيل لمعرفة تفاصيل هذا الوضع――،
كان الأمر واضحاً حتى لو لم يُصرَّح به.
ولأن هذا الحدث كان بعيداً كل البعد عن الواقع، فقد راودهم القلق حول إمكانيّة عكسه، وإن أمكن، فما إن كانت ستبقى له تبعات. وفي أسوأ الأحوال، قد يعود سوبارو إلى مملكة لوغونيكا كفارس لإميليا بينما يظل صغيراً.
فهي السبب الذي جعل أبيل وميديوم يغادران المدينة المسوّرة نحو مدينة الشياطين، كايوسفلايم.
ميزيلدا: [أنتِ تستعملين السحر بطريقة مريحة جداً. كم أنتما مختلفتان عنا.]
؟؟؟: [الجنرال من الدرجة الأولى يورنا ميشيغوري.]
من الذي همس بهذه الكلمات؟
ربما كان أحد الموجودين في القاعة هو من نطق بالاسم. لكن بما أن أحداً لم يصحح ذلك، فقد كان واضحاً أنه صحيح.
لكن ماذا لو لم يُستعاد الضحايا؟ ربما كان سوبارو حذراً من أنه إن تصرّفوا بطيش، فقد يضيع إلى الأبد السبيل لإعادة الضحايا إلى حالهم الطبيعي.
――يورنا ميشيغوري.
وعند هذه الكلمات، بدا على زيكر الارتباك وهو ينظر إلى الفتاة بجانب ميديوم.
إنها حاكمة مدينة الشياطين، كايوسفلايم، وعضو في «التسعة الجنرالات الإلهيين»، أقوى الضباط العسكريين في الإمبراطورية.
وجودها إلى جانبهم سيكون مكسباً عظيماً يقلب موازين هذه الإمبراطورية الواسعة.
ومع ذلك، من الصعب تخيل أن أبيل وجماعته، الذين هدفهم التمرد على الإمبراطور في العاصمة الإمبراطورية، سيتحركون ضدهم بحجة أنهم خالفوا مرسوم الإمبراطورية.
فالرحلة التي اختفى فيها سوبارو كان الغرض الأصلي منها استقطابها.
زيكر: [الجنرال من الدرجة الأولى يورنا، بادئ ذي بدء، أود أن أشكرك على زيارتك. أنا زيكر عثمان، جنرال من الدرجة الثانية في الإمبراطورية الفولّاخية.]
برفعة يدٍ صغيرة، شرحت ميديوم وضعها. وحتى بعد سماع ذلك، لم يستطع أوتو أن يستوعب الأمر مطلقاً، لكنّ المجموعة الإمبراطورية الأصلية بدت مقتنعة إلى حد ما.
يورنا: [لقد سمعت باسمك في الطريق. والآن، وأنت أمامي، تبدو وسيماً كما قالت ميديوم وتاريتا.]
في المملكة، كان من الشائع استخدام السحر في شتى الأمور، لكن في الإمبراطورية بدا أن مستخدمي السحر قلّة. وبالنظر إلى كثرة الراغبين في القتال هناك، بدا الأمر غريباً.
زيكر: [الآنسة ميديوم والآنسة تاريتا؟]
زِكر، الذي كان قد بدأ يتحدث بصرامة، رمش بعينيه أمام رد يورنا.
لم يكن وجه زيكر المليء بالمرارة يعكس استياءً من توبيخٍ جائر، بل ندامة على عجزه عن أداء عمله.
أما أبيل، الذي عاد لتوه من مدينة الشياطين، فلم يكن لديه سبيل لمعرفة تفاصيل هذا الوضع――،
لم يكن هذا وقتاً مناسباً لذلك، لكن نظره انصرف إلى ميديوم وامرأة طويلة أخرى. المرأة السمراء البشرة ذات الزيّ الرجولي، لا بد أنها كانت تاريتا، موضوع النقاش.
إيميليا: [أنا أؤمن بسوبارو، وأؤمن أنه سيفعل كل ما بوسعه إلى أن نصل إليه ونأخذه. مهما كانت الصعوبات.]
تجاوبت الاثنتان مع نظرة زِكر بابتسامة وإيماءة. وزِكر، المعروف بلقب “مُغوي النساء” لسلوكه اللطيف الرجولي، ربما شعر بالحرج، لكنه بدا سعيداً للغاية.
ورغم أنه كان يفترض أن تدخل من البوابة وتصعد السلالم إلى الأعلى، إلا أن استعجالها كان أكبر من ذلك؛ فأقامت عموداً من الجليد، ثم وقفت فوق التشكيل الجليدي الصاعد من الأرض. وبحملها بياتريس بين ذراعيها، ارتفعت دفعة واحدة إلى قمة المبنى.
سعل ثم تنحنح كما لو كان يريد تهدئة مشاعره،
وكانت بياتريس كذلك، لكن إيميليا كان لها سببها الخاص كي ترى سوبارو――،
زِكر: [إذن، هل ستكون الجنرال من الدرجة الأولى يورنا على استعداد للقتال إلى جانب أبيل-دونو؟]
أبيل: [تجاهل ما قلته آنفاً. فمنذ البداية، كنتَ تواجه ماديلين إيشكارت ومجموعة من التنانين الطائرة. أنت تستحق التقدير على عملك في وضعٍ كان قد يستدعي إخلاء المدينة.]
يورنا: [يمكنك أن تفكر بذلك. لديّ أجندتي الخاصة، لكن مصالحنا… متوافقة مع مصالح أبيل.]
ومقصود كلمات ميزيلدا ونظرتها، تلك المرأة المرتدية السواد رسمياً، التي أُنيط بها القرار. تاريتا، الزعيمة الجديدة للشودرَك، سُئلت من أختها الكبرى: «ما الذي سنفعله؟».
أبيل: [إذن، الأمر محسوم. لا مشكلة في العهد مع يورنا ميشيغوري.]
كانت يورنا ترتدي كيمونو فاخراً وتحمل بيدها كيسيرو ذهبياً. ورغم أن سمعتها السابقة أعطت انطباعاً بأنها امرأة مقلقة، فإن سلوكها كان هادئاً ورزيناً.
وقد سمع فريق أوتو أن كايوسفليم قد تعرضت لدمار شديد.
ولهذا وصلت قافلة ضخمة من العربات إلى غوارال، وكان عليهم استيعاب هذا العدد الكبير من الناس دفعة واحدة.
وفي خضم كل الدمار الذي لحق بمدينة الشياطين――،
حينها التقط أوتو اللحظة بغير حذر.
؟؟؟: [――سوبارو أُرسل إلى مكان ما.]
بمعنى آخر، فإن كلمات ميديوم عن أخيها لم تكن بعيدة عن الحقيقة.
؟؟؟: [――――]
ميديوم: [ذلك لم يكن… ل-لويس-تشان، ربما كانت فتاة أخرى…]
كانت إيميليا، بصوتها الذي يشبه رنين الجرس الفضي، هي من اقتحم المحادثة.
ومن زاوية أخرى للحديث، انصرف بصر أبيل من خلف قناع الأوني نحو إيميليا. ومع أن نظرته كانت غير مرحّبة، لم ترتجف إيميليا.
ميديوم: [أبيل-تشين، لا تقل كلمات جارحة هكذا! لقد حاول الجميع جهدهم!]
كانت تحمل بياتريس بين ذراعيها، وبجانبها بترا وفريدريكا تقفان بهدوء، بينما ارتسمت على وجه غارفيل نظرة صارمة. ولعل أوتو كان قد ساهم قليلاً في ذلك أيضاً.
وبالفعل، قد تُعتبر كلمات إيميليا ضوضاء بالنسبة لهم.
لكن كان لهم ظروفهم الخاصة. وسيكون من المزعج أن تمضي المحادثة متجاهلةً إياهم، وهم الذين عبروا الحدود مسرعين للوصول إلى هنا.
إيميليا: [فلنعد من البداية مرة أخرى. ――أنا إميلي، وأنت أبيل، أليس كذلك؟ صديق سوبارو… لا، رفيقه.]
وإن كان كشف حقيقة أن بياتريس روحاً ليس في مصلحة أوتو والبقية، الذين دخلوا الإمبراطورية بهويات مزيفة، إلا أن الاثنين كانا على الأرجح قد أدركا ذلك بالفعل.
أبيل: [――. نعم.]
إميليا: [أكثر خطراً من التغاضي عن رئيسة خطيئة――]
إيميليا: [لقد ذهب سوبارو معك إلى مدينة أخرى… حسناً، إلى مدينة يورنا-سان، ثم وقع أمر فظيع وافترقتما. أليس كذلك؟]
يورنا: [بلى، صحيح. لكن كلمة “فظيع” لا تفي بالغرض.]
وبالفعل، توقف أبيل لحظة ثم سألها: “ما الذي يجعلك واثقة إلى هذا الحد؟”.
هزّ كل من أبيل ويورنا رأسيهما لتأكيد قول إيميليا، مما رفع حاجبيها الجميلين وهي تتحقق من صحة الوصف. وبعد أن تلقت ردودهما، خصوصاً كلمات يورنا، تقبّلتها بقلب منفتح وقالت: “هذا صحيح”.
أوتو: [ذلك أمر، لكن لا شك أنّ هنالك مخاوف أخرى أهم…]
ومن وجهة نظر المعنيين، قد تكون كلمات شخص خارجي سطحية جارحة، ولهذا كانت إيميليا حذرة في اختيار كلماتها وهي تدرك أن كلامها يندرج في هذا الصنف.
ميديوم: [ذلك لم يكن… ل-لويس-تشان، ربما كانت فتاة أخرى…]
حين وصل المصعد الجليدي إلى ارتفاع الطابق العلوي، قفزت إيميليا منه إلى المبنى.
إيميليا: [لم تتمكنوا من تحديد المكان الذي اختُطف إليه سوبارو بعد أن انفصل عن المجموعة. ومع أن الجميع بحث عنه، لم تجدوه، وهناك الكثير من الناس بلا مأوى. لذا، عدتم إلى هذه المدينة على هذه الحال، وها نحن نناقش الأمر هنا… أليس كذلك؟]
فقد اعترف أوتو على الفور، وهو الذي تعرّف بشكل مبهم على مظهر الفتاة―― لويس، وكذلك أعضاء الفريق الذين يؤمنون بأنّ بياتريس لا تكذب، بذلك كحقيقة.
ميديوم: [م-مَهلاً! هذا ليس صحيحاً! لويس-تشان ليست فتاة سيئة!]
أبيل: [لا شيء يستدعي التصحيح. لكن كانت مأساة بهذا الحجم. ومع ضخامة ما حدث، يصعب تصديق أن المفقود ما زال بخير――]
سعل ثم تنحنح كما لو كان يريد تهدئة مشاعره،
إيميليا: [――سوبارو بخير. هذا مؤكد.]
إيميليا: [――! صحيح. لقد عاد من ذهبوا جنوباً، أليس كذلك؟]
فقد اعترف أوتو على الفور، وهو الذي تعرّف بشكل مبهم على مظهر الفتاة―― لويس، وكذلك أعضاء الفريق الذين يؤمنون بأنّ بياتريس لا تكذب، بذلك كحقيقة.
قاطعت إيميليا أبيل بصوت منخفض لكنه قوي.
هزّ كل من أبيل ويورنا رأسيهما لتأكيد قول إيميليا، مما رفع حاجبيها الجميلين وهي تتحقق من صحة الوصف. وبعد أن تلقت ردودهما، خصوصاً كلمات يورنا، تقبّلتها بقلب منفتح وقالت: “هذا صحيح”.
ذلك اليقين في صوتها جعل عيني أبيل السوداوين تضيقان من خلف قناع الأوني. عيناه، اللتان حملتا تفكيراً عميقاً، كانتا تبحثان عن أساس لكلامها.
وبينما أرواح بياتريس وغارفيل، إلى جانب يورنا والشودرَك، قد تأهّبت للقتال، حاولت إميليا أن توقف النزاع بعينين محطمتين ألماً.
وبالفعل، توقف أبيل لحظة ثم سألها: “ما الذي يجعلك واثقة إلى هذا الحد؟”.
تجاوبت الاثنتان مع نظرة زِكر بابتسامة وإيماءة. وزِكر، المعروف بلقب “مُغوي النساء” لسلوكه اللطيف الرجولي، ربما شعر بالحرج، لكنه بدا سعيداً للغاية.
أبيل: [أنت لا تعرفين تفاصيل ما جرى داخل مدينة الشياطين. في مثل تلك الظروف، حيث خطأ واحد قد يودي بحياته ――كيف يمكنك أن تكوني واثقة من أنه سينجو؟]
لكن حكاية ميديوم كانت على الأرجح صحيحة، إذ لم يُكذبها أحد. ورغم صعوبة تصديق ذلك، يبدو أن أمراً غامضاً قد وقع فتقلّص جسد أحدهم.
ذلك التقرير بدا وكأنه خلاصة أبيل في هذه المحادثة.
إيميليا: [――――]
ميزيلدا كانت ممثلة الشودرَك، وسيتبعها سائر الشودرَكيين. لا، بالأحرى سيتبعون الزعيمة التي عادت إلى المدينة.
حتى الآن، لم يسمع أوتو والبقية سوى خبر دمار كايوسفليم، وإشاعة بأنه ناجم عن كارثة لا تُصدّق.
إميليا: [إذن فأنت رفيق. لقد ناداك أبيل، فهل تكون أنت الشخص الذي تحدّث عنه زيكر-سان قبل قليل؟]
مدى صدق كلمات أبيل لم يكن معلوماً، ولا إلى أي درجة قد بالغ في تصوير الوقائع. لكن أوتو كان واثقاً أن الأمر ليس مجرد خدعة بلا معنى.
إيميليا: [――سوبارو بخير. هذا مؤكد.]
وفي الوقت نفسه، كان هناك خلل طفيف في طريقة حديثه.
نبرة أبيل كانت باردة، لكنه كان يسعى لمعرفة المزيد عنهم. ――لا، كان الأمر أشبه بمحاولة معرفة المزيد عن سوبارو عبر أوتو والبقية.
وسط ذلك كله، كانت ميزيلدا، الفتاة ذات الساق الاصطناعية ذات الحضور البصري البارز، والتي جمعت حولها شعب الشودراك، هي من تقبّل ظهور إيميليا بهدوء وارتياح.
كان يبدو وكأنه يظن أن سوبارو يخفي عنه شيئاً. وإذا كان ذلك يتعلق بمكانته داخل المملكة، فلا يمكنهم التفريط بالمعلومة بسهولة.
أوتو: [إميلي، هذا…]
برفعة يدٍ صغيرة، شرحت ميديوم وضعها. وحتى بعد سماع ذلك، لم يستطع أوتو أن يستوعب الأمر مطلقاً، لكنّ المجموعة الإمبراطورية الأصلية بدت مقتنعة إلى حد ما.
إيميليا: [أنا أؤمن بسوبارو، وأؤمن أنه سيفعل كل ما بوسعه إلى أن نصل إليه ونأخذه. مهما كانت الصعوبات.]
زيكر: […لذلك، أشعر بخجلٍ شديد.]
ميديوم: [م-مَهلاً! هذا ليس صحيحاً! لويس-تشان ليست فتاة سيئة!]
حاول أوتو أن يسيطر على مجرى الحديث خشية أن تُطرح أسئلة موجهة، لكن إيميليا سبقت بالإجابة. ومع ذلك، كان كلامها مجرد إعلان ثقة قائم على المثالية، بلا أساس ملموس.
أبيل: [ومع ذلك، ألا يملؤك الغضب أيضاً، وقد أُخذ أخوك منك؟]
حالياً، كان من المؤسف أنّهم لم يستطيعوا الاجتماع بسوبارو، لكن بفضل بياتريس، باتوا متيقنين من نجاته.
لم يكن هذا ما خشيه أوتو، ولا ما أراده أبيل. ومن ثم، وبطبيعة الحال، خاب أمله وخفّض نظره.
بأي وسيلة حدثت هذه الظاهرة؟
بياتريس: [طبيعيٌّ، على ما أظن. فهو شريك بيتي، في الحقيقة!]
أبيل: [هذا كله مجرد تمني دون أي دليل مقنع. مؤسف أن يكون هذا منطقك.]
بياتريس: [إن كنتَ تحتاج إلى تأكيد أن سوبارو ما زال حيّاً، فبيتي تملكه، في الواقع.]
إيميليا: [حقاً؟ أظن أن من الرائع والمهم أن يثق الناس بي. أشعر بالأمان حين أستطيع أن أثق بشخص ما، وأكتسب القوة عندما يثق بي أحد. هل أنت مختلف؟]
وبالطبع كان سوبارو سيثور لو سمع هذا، غير أنّ إيجادهم له كان بحد ذاته ضرراً يمكن احتماله.
أوتو: [――――]
أبيل: [في النهاية، المشاعر لا تتجاوز كونها مشاعر. ولا يمكن أن تكون عاملاً حاسماً يتخطى ذلك.]
لقد وصل صدى مقاومة ميديوم اليائسة، وهي تصرخ باحثةً بيأس عن الكلمات، إلى مسامعه ومعه شيء غريب لا يمكن تجاهله.
كان الموقف محرجاً بعض الشيء، ولم تعرف إيميليا أي تعبير ترسم على وجهها.
ارتجفت عينا إيميليا من جواب أبيل، فأمال رأسه وهزّه وأغلق إحدى عينيه.
وفاته أوتو أن يتدخل، لكنه أدرك بما فيه الكفاية أن الاثنين مثل الماء والزيت. أي أن هذا هو الفرق بين إيميليا، التي تؤمن بقيمة القلب، وأبيل، الذي لا يؤمن بها.
وحين نظرت، رأت أنه ليس فريدريكا وحدها، بل كان غارفيل أيضاً قد سبقها إلى دار المدينة. وعندما تصل بييترا والآخرون بعد قليل، سيكون كل رفاق إيميليا الذين جاؤوا إلى غوارال موجودين هنا.
وكان هذا الشرخ أقرب إلى اختلاف في النظرة إلى الحياة، ومن غير المحتمل أن يُردم بسهولة.
فتحت بياتريس، التي كانت في حضنها، عينيها اللتين تحملان نمطاً مميزاً. اتسعت عينا إيميليا فوراً ونادت عليها، لتسارع فريدريكا بإضافة اللقب الشرفي.
ولذلك――،
بترا: [قبل قليل، قالت ميديوم-تشان إنها صارت صغيرة. هل هذا صحيح؟]
أبيل: [――لا أحد يستطيع أن يجزم بما إذا كان ناتسُكي سوبارو حياً أم ميتاً. مجرد أنه نجا دوماً من الموت بأعجوبة، لا يعني أنه سينجو هذه المرة أيضاً.]
إيميليا: [إذاً… هل تحدثتِ إلى سوبارو؟ أنظري، أريد أن أصطحب بياتريس لرؤيته. وأنا أيضاً أريد أن أتحدث معه، لكن بياتريس أولاً…]
ذلك التقرير بدا وكأنه خلاصة أبيل في هذه المحادثة.
إميليا: [هذا لا يصح، فلنهدأ جميعاً! الشجار هكذا――]
نعم، كانت إميليا هي من أشاحت بحاجبيها نحو الفتاة.
وما إن سمعت إيميليا ذلك حتى ضمّت شفتيها،
كانت الفتاة شاحبة الوجه بجانب ميديوم هي التي أضفت نغمة على ذلك الصوت، نغمة مغايرة بوضوح للتأوهات السابقة. والتي نطقت الصوت المتوافق مع ما قالتها الفتاة كانت،
إيميليا: [هل تعني أن سوبارو――]
رفعت بصرها سريعاً نحو أبيل وكانت على وشك أن تقول شيئاً.
لكن فتاة ما اعتدلت في جلستها أسرع منها. كانت تلك الفتاة الصغيرة بين ذراعي إيميليا، والتي كانت مغمضة العينين.
ميديوم: [أبيل-تشين، لا تقل كلمات جارحة هكذا! لقد حاول الجميع جهدهم!]
وسط هذا كله――،
بياتريس: [إن كنتَ تحتاج إلى تأكيد أن سوبارو ما زال حيّاً، فبيتي تملكه، في الواقع.]
أبيل: [――. نعم.]
إيميليا: [بياتريس!]
فريدريكا: [ساما!]
فتحت بياتريس، التي كانت في حضنها، عينيها اللتين تحملان نمطاً مميزاً. اتسعت عينا إيميليا فوراً ونادت عليها، لتسارع فريدريكا بإضافة اللقب الشرفي.
ميديوم: [الأخ الأكبر بذل جهده حتى أُخذ! لو لم يُؤخذ الأخ الأكبر، لكنا في ورطة عظيمة! هذا هو أخي! حتى مأخوذاً، يبقى رائعاً!]
سواء كان ذلك كافياً للتمويه أم لا، فقد أثارت كلمات بياتريس انتباه أبيل والآخرين الذين لم يكونوا على دراية بما يجري.
فما إن سمعت في المنزل الذي كانوا يقيمون فيه أن عربة قد وصلت، حتى حملت بياتريس بين ذراعيها وأسرعت إلى دار المدينة قبل أوتو وبييترا.
أبيل: [ولماذا أنتِ واثقة من حياة ناتسُكي سوبارو أو موته؟]
شخص مثل سوبارو، لا بد أن يكون هناك من يفهمه ويقف إلى جانبه.
بياتريس: [الأمر بسيط، أظن. لأن بيتي وسوبارو مرتبطان بالروح، في الواقع.]
هي نفسها كانت تريد أن تطمئن على سلامة سوبارو في أسرع وقت، ولو بقدر ثانية واحدة.
يورنا: [――آه، هكذا إذن. إذا كان هذا الطفل وذاك مرتبطين بعمق، فأرى منطق ذلك.]
نعم، كان أوتو قد تعرّف على هذه الفتاة. شعور ديجا فو لم يكن من المفترض أن يظهر في الإمبراطورية، المكان الذي يزوره لأول مرة.
إيميليا: [نعم، بينهما علاقة تعاقدية. ولهذا…]
؟؟؟: [――سوبارو أُرسل إلى مكان ما.]
أبيل: [ولماذا أنتِ واثقة من حياة ناتسُكي سوبارو أو موته؟]
أبيل: [ولهذا هذه الفتاة في حالتها الواهنة؟ هذا منطقي.]
إميليا، وهي تحتضن بياتريس النائمة بين ذراعيها، كانت من أكثر من شعر بخيبة الأمل حين سمعت أن سوبارو لم يكن ضمن المجموعة العائدة من مدينة الشياطين.
رغم غياب شرح مفصّل، استطاع أبيل ويورنا أن يستوعبا الوضع.
ومن غير أن تدري بترا بمشاعره، هزّت ميديوم رأسها بخفة وقالت: [هذا صحيح.]
وهما أيضاً كانا يسابقان الخطى ليصلا إلى دار المدينة للقاء سوبارو.
وإن كان كشف حقيقة أن بياتريس روحاً ليس في مصلحة أوتو والبقية، الذين دخلوا الإمبراطورية بهويات مزيفة، إلا أن الاثنين كانا على الأرجح قد أدركا ذلك بالفعل.
ولهذا وصلت قافلة ضخمة من العربات إلى غوارال، وكان عليهم استيعاب هذا العدد الكبير من الناس دفعة واحدة.
ومع ذلك، من الصعب تخيل أن أبيل وجماعته، الذين هدفهم التمرد على الإمبراطور في العاصمة الإمبراطورية، سيتحركون ضدهم بحجة أنهم خالفوا مرسوم الإمبراطورية.
أوتو: [إن كنتم مقتنعين، فقد فهمتم. بعيداً عن راحة ناتسُكي-سان ومكانه، لدينا وسيلة لتأكيد ما إذا كان حياً أو ميتاً. وبما أن بياتريس-ساما تقول ذلك، يمكننا أن نوقن أنه أينما كان… فإن ناتسُكي-سان حيّ في المكان الذي أُرسل إليه.]
وبيده على ذقنه، وهو يوشك أن يوازن الخيارات، التفت أوتو عرضاً إلى الكلمات التي تفوّه بها غارفيل.
يورنا: [――أه، حقاً؟ لعل تانزا ستكون أفضل حالاً إذن.]
إيميليا: [حقاً؟ أظن أن من الرائع والمهم أن يثق الناس بي. أشعر بالأمان حين أستطيع أن أثق بشخص ما، وأكتسب القوة عندما يثق بي أحد. هل أنت مختلف؟]
ميزيلدا: [أنتِ تستعملين السحر بطريقة مريحة جداً. كم أنتما مختلفتان عنا.]
انخفض حاجبا يورنا قليلاً عند كلمات أوتو الإضافية.
وبتجهمٍ، انحنى زيكر بعمق أمام الرجل―― أمام أبيل بسبب الدمار الذي لحق بالمدينة.
حينها التقط أوتو اللحظة بغير حذر.
تمتمت بهذه الكلمات، والتي بدت كأنها اسم شخص. شخصٌ فقد حياته كما يُفهم من أسلوبها. ――يبدو أن هذا أيضاً كان على صلة بدمار مدينة الشياطين.
غير أن الخوض في هذا كان يتطلب الاستعداد للغوص في عالم يورنا.
بترا: [أم، هل يمكننا أن نعود قليلاً إلى الوراء؟]
إميليا: [نعم، سوبارو مذهل!]
إيميليا: [بترا-تشان.]
فريدريكا: [ساما!]
ما كانت تحدّق فيه بعينيها المرتجفتين لم يكن ميديوم.
فجأة، ومن دون أن تدع الصمت اللحظي يفوت، رفعت بترا يدها وطلبت حق الكلام؛ فنادت عليها إيميليا بغير اكتراث، لتتداركها فريدريكا على الفور.
مع آبِل وميديام والآخرين، كان أل أيضاً أحد من توجهوا مع سوبارو إلى كايوسفلايم. وفي طريق العودة، التقى بريسيلا، ويبدو أنهما دخلا معاً الآن.
وقفت بترا مزهوة إلى جانبها، وجذبت أنظار مجموعة من البالغين الغرباء عنها.
???: [إيميلي…]
أثار الأمر فزع الحراس وأهالي المدينة، لكنها لم تستطع كبح نفسها.
بترا: [قبل قليل، قالت ميديوم-تشان إنها صارت صغيرة. هل هذا صحيح؟]
يورنا: [بلى، صحيح. لكن كلمة “فظيع” لا تفي بالغرض.]
إيميليا: [――سوبارو.]
ميديوم: [آه، نعم، هذا صحيح! كنتُ طويلة حقاً! بطول ذلك الفتى الأشقر هناك تقريباً… أوم، لا، بل بطول تلك المرأة!]
لم يكن أوتو ورفاقه يعرفون طبيعة العلاقة بين الأختين، لكن بدا أنّ ميزيلدا قد تقبّلت بسعادة تأكيد تاريتا.
غارفيل: [أولاً، ليه استثنيتِ ذاتي المذهلة؟]
فريدريكا: [أعلم قصدك. ومع ذلك، لستُ سعيدة كثيراً بما يقال عن طولي، أيضاً.]
كان لا بدّ من أن يلتئم شملهما بأسرع وقت ممكن.
تاريتا: [رأيي كرأي أختي. لكن هذا القرار ليس لأجل أنها قالت ذلك، فأنا أحمي لويس لأسباب تخصني. إذ إنني أدين لها بالعرفان.]
فور أن أشارت إليها ميديوم، أجابها كل من غارفيل وفريدريكا بدورهما.
ميزيلدا: [في الغالب، إذا ضربتهم قبل أن يستخدموا سحرهم، تكون نهايتهم.]
لكن حكاية ميديوم كانت على الأرجح صحيحة، إذ لم يُكذبها أحد. ورغم صعوبة تصديق ذلك، يبدو أن أمراً غامضاً قد وقع فتقلّص جسد أحدهم.
وعلى الفور بعد أن سألت بصوت مرتجف، ارتفع صوت بياتريس فيما تغيّرت ملامحها.
وربما كان ذلك يعني――
بترا: [هل تقلّص جسد سوبارو أيضاً؟]
سألت بترا بصوت جاد، فيه شيء من الحزم.
كان رد الرجل حاداً وجافاً، لكن إميليا لم ترتبك بل التفتت إلى زيكر. وبمواجهة سؤالها، اعتدل زيكر في وقفته قائلاً: [نعم].
وكان هذا سؤالاً كبيراً لا يمكن لأوتو والبقية التغاضي عنه. فمجرد الاجتماع بسوبارو، الذي أُرسل إلى الإمبراطورية، كان أمراً بالغ الصعوبة، فكيف إذا تقلّص جسده أيضاً.
ومن زاوية أخرى للحديث، انصرف بصر أبيل من خلف قناع الأوني نحو إيميليا. ومع أن نظرته كانت غير مرحّبة، لم ترتجف إيميليا.
وبينما شعر أوتو كأنه يصلي بأن يكون قد سمع خطأ، كان في داخله مقتنعاً أن صلاته لم تُستجب ولن تُستجاب يوماً.
???: [إيميلي…]
ومن غير أن تدري بترا بمشاعره، هزّت ميديوم رأسها بخفة وقالت: [هذا صحيح.]
ميديوم: [سوبارو-تشين يشبهني تماماً! ربما أصغر قليلاً؟ على أية حال، لقد جعلوه صغيراً جداً! لكنني سمعت أنّ سوبارو-تشين ويورنا-تشان هزما الجد معاً، لذا سوبارو-تشين مذهل!]
ومن غير أن تدري بترا بمشاعره، هزّت ميديوم رأسها بخفة وقالت: [هذا صحيح.]
وقد مدّت ميديوم ذراعيها لتحمي لويس، حاجبةً إياها عن نظر غارفيل.
إميليا: [نعم، سوبارو مذهل!]
حالياً، كان من المؤسف أنّهم لم يستطيعوا الاجتماع بسوبارو، لكن بفضل بياتريس، باتوا متيقنين من نجاته.
بيترا: [نعم، ميديوم-تشان محقّة.]
أوتو: [لا ينبغي لي… ربما أنا أتجاوز حدودي أيضاً.]
ومباشرةً، ضيّق غارفيل بؤبؤي عينيه الخضراوين وحدّق بلويس.
بياتريس: [طبيعيٌّ، على ما أظن. فهو شريك بيتي، في الحقيقة!]
أبيل: [وبالمناسبة، فإن آثار الخراب كانت كثيرة.]
آبِل: [إن وُجد ما ينفع فسأفكّر كيف أستعمله. أنتم المخطئون بشدة حين تظنون أنّ الجميع سينحاز إلى جانبكم.]
ورغم أنّ مضمون الكلام لم يكن مبهجاً تماماً، فإنّ مديح ميديوم المباشر كان موسيقى للأذن. بل إنّ إميليا وبيترا وبياتريس وجدن أنفسهن في مزاج حسن بعد سماع الثناء على سوبارو.
نعم، كان أوتو قد تعرّف على هذه الفتاة. شعور ديجا فو لم يكن من المفترض أن يظهر في الإمبراطورية، المكان الذي يزوره لأول مرة.
أما غارفيل وفريدريكا وأوتو فلم يشعروا بالسوء. لم يشعروا بذلك، غير أنّ هذا المديح كان مصحوباً بمعلومة غير مرحّب بها، وهو ما جعل القلق يتسلّل إلى أوتو.
فهي السبب الذي جعل أبيل وميديوم يغادران المدينة المسوّرة نحو مدينة الشياطين، كايوسفلايم.
أوتو: [إن كان ناتسكي-سان قد صُغِّر أيضاً… فهل صار طفلاً؟ لم يكتفِ بالتنكر في هيئة امرأة، بل ها هو يتحول إلى طفل… مُعَادٌ إلى الطفولة؟ يا له من شخص لا يهدأ…]
لقد وصلت قافلة من العربات إلى الجهة الجنوبية من المدينة، وما إن التقطت إيميليا بأذنها أن عدداً كبيراً منهم قد قدم من مدينة الشياطين «كاوسفلايم»، حتى رقص شعرها الفضي من فرط الترقب للقاء المنتظر منذ زمن طويل.
أوتو: [――مع ناتسكي-سان؟]
فريدريكا: [حقّاً، إنّ الإلحاح على سوبارو-ساما لكونه ذا شريكة أمر مؤسف، لكن… لكنني قلقة، لا أستطيع السماح له باللقاء مع كليند.]
أوتو: [ذلك أمر، لكن لا شك أنّ هنالك مخاوف أخرى أهم…]
نعم، كان أوتو قد تعرّف على هذه الفتاة. شعور ديجا فو لم يكن من المفترض أن يظهر في الإمبراطورية، المكان الذي يزوره لأول مرة.
بأي وسيلة حدثت هذه الظاهرة؟
وقد مدّت ميديوم ذراعيها لتحمي لويس، حاجبةً إياها عن نظر غارفيل.
ولأن هذا الحدث كان بعيداً كل البعد عن الواقع، فقد راودهم القلق حول إمكانيّة عكسه، وإن أمكن، فما إن كانت ستبقى له تبعات. وفي أسوأ الأحوال، قد يعود سوبارو إلى مملكة لوغونيكا كفارس لإميليا بينما يظل صغيراً.
ولأن هذا الحدث كان بعيداً كل البعد عن الواقع، فقد راودهم القلق حول إمكانيّة عكسه، وإن أمكن، فما إن كانت ستبقى له تبعات. وفي أسوأ الأحوال، قد يعود سوبارو إلى مملكة لوغونيكا كفارس لإميليا بينما يظل صغيراً.
أوتو: [حسناً، من حيث القدرة، ليس هناك فرق كبير على أي حال.]
وبالطبع كان سوبارو سيثور لو سمع هذا، غير أنّ إيجادهم له كان بحد ذاته ضرراً يمكن احتماله.
فإن استطاع أن ينمو مجدداً بشكل طبيعي بعد ذلك، فلن تكون هناك مشكلات كبيرة في علاقته بإميليا، نصف الإلف. فهي قادرة على الانتظار حتى يكبر.
وحين نظرت، رأت أنه ليس فريدريكا وحدها، بل كان غارفيل أيضاً قد سبقها إلى دار المدينة. وعندما تصل بييترا والآخرون بعد قليل، سيكون كل رفاق إيميليا الذين جاؤوا إلى غوارال موجودين هنا.
أوتو: [لا ينبغي لي… ربما أنا أتجاوز حدودي أيضاً.]
ولهذا وصلت قافلة ضخمة من العربات إلى غوارال، وكان عليهم استيعاب هذا العدد الكبير من الناس دفعة واحدة.
لقد بدا أنّ ترتيب الأولويات في القلق قد اضطرب.
حالياً، كان من المؤسف أنّهم لم يستطيعوا الاجتماع بسوبارو، لكن بفضل بياتريس، باتوا متيقنين من نجاته.
والآن، مع زكر والآخرين―― لا، إن كان الممثل هو إيبيل، فعليهم أن يقرروا ما إذا كانوا يريدون الاستمرار في هذا المسار من التعاون معهم أم لا.
أبيل: [إذن، الأمر محسوم. لا مشكلة في العهد مع يورنا ميشيغوري.]
غارفيل: [――بياتريس-ساما؟ لمَ تبدين شاردة هكذا؟]
إيميليا: [آه، أعتذر!]
أوتو: [――؟]
إيميليا: [هاه؟]
وبيده على ذقنه، وهو يوشك أن يوازن الخيارات، التفت أوتو عرضاً إلى الكلمات التي تفوّه بها غارفيل.
أوتو: [سمعت أنّ جراح مدينة غاركلَا المحصّنة لم تلتئم بعد.]
تتنفس بعمق وهي تركض كأنها تطير، تبذل قصارى جهدها كي لا تهتز رأس الفتاة التي تحتضنها بين ذراعيها.
لقد وجّه غارفيل نظره إلى بياتريس في ذراعي إميليا. كانت قد استيقظت، غير أنّها رغبت في تفادي الإجهاد، فبقيت بين ذراعي إميليا. وكان مزاجها الجيد من المديح السابق لسوبارو قصير العمر، إذ سرعان ما اتسعت عيناها.
ومن سياق الحديث، كان واضحاً أنّ أخاها هو ذلك التاجر الذي اختُطِف مع ريم. وكانت ميزيلدا قد قالت إنه رجل لطيف وودود ذو جاذبية خاصة بالنساء.
△▼△▼△▼△
ما كانت تحدّق فيه بعينيها المرتجفتين لم يكن ميديوم.
لقد كانت هناك فتاة أخرى، متكئة بجوارها كما لو كانتا شقيقتين. حدّقت بياتريس إليها، ولم تكن قد سمعت باسمها حتى الآن.
جالت بعينيها في الحشد، تبحث عن ذلك الفتى الأسود الشعر المنتظر.
بياتريس: [لماذا أنتِ هنا، على ما أظن.]
وعلى أي حال――،
لويس: [أو…؟]
وبحسب ما رواه كونا وهولي أيضاً، فإن أسر ذلك الرجل مع ريم كان السبب الحاسم الذي دفع العدو، أحد أعضاء «التسعة الجنرالات الإلهيين»، إلى سحب التنانين الطائرة.
بياتريس: [طبيعيٌّ، على ما أظن. فهو شريك بيتي، في الحقيقة!]
بياتريس: [أجيبي، في الحقيقة! لا، لا تفعلي شيئاً غير ضروري، على ما أظن!]
وكان هذا سؤالاً كبيراً لا يمكن لأوتو والبقية التغاضي عنه. فمجرد الاجتماع بسوبارو، الذي أُرسل إلى الإمبراطورية، كان أمراً بالغ الصعوبة، فكيف إذا تقلّص جسده أيضاً.
وعلى الفور بعد أن سألت بصوت مرتجف، ارتفع صوت بياتريس فيما تغيّرت ملامحها.
إيميليا: [سوبارو، هل أنت هنا! لقد جئنا جميعاً لاصطحابك! أوتو وبييترا-سان… السيدة بييترا ستأتي قريباً!]
وعند الصوت، قفزت الطفلة الصغيرة التي كانت قد أمالت رأسها، وقد فوجئت، وبطبيعة الحال تفاجأ أوتو والبقية من رد فعل بياتريس.
أوتو: [بـ… بياتريس-ساما، ما الأمر؟ لقد صرختِ فجأة في وجه تلك الطفلة…]
حالياً، كان من المؤسف أنّهم لم يستطيعوا الاجتماع بسوبارو، لكن بفضل بياتريس، باتوا متيقنين من نجاته.
بياتريس: [الصراخ هو الفعل المعقول، في الحقيقة! أوتو! ألم تدرك ذلك، على ما أظن؟]
من الذي همس بهذه الكلمات؟
أوتو: [أنا؟ ماذا… آه.]
كانت الفتاة شاحبة الوجه بجانب ميديوم هي التي أضفت نغمة على ذلك الصوت، نغمة مغايرة بوضوح للتأوهات السابقة. والتي نطقت الصوت المتوافق مع ما قالتها الفتاة كانت،
وأمام هذا التوبيخ، برز شيء في ذهن أوتو المذهول.
بياتريس: [――إنها الشَّرَه، في الحقيقة.]
مع آبِل وميديام والآخرين، كان أل أيضاً أحد من توجهوا مع سوبارو إلى كايوسفلايم. وفي طريق العودة، التقى بريسيلا، ويبدو أنهما دخلا معاً الآن.
في البداية، حين رآها، كان إحساساً مبهماً يلحّ عليه منذ البداية، غير أنّه صار أوضح فأوضح بسبب موقف بياتريس.
زيكر: [الجنرال من الدرجة الأولى يورنا، بادئ ذي بدء، أود أن أشكرك على زيارتك. أنا زيكر عثمان، جنرال من الدرجة الثانية في الإمبراطورية الفولّاخية.]
نعم، كان أوتو قد تعرّف على هذه الفتاة. شعور ديجا فو لم يكن من المفترض أن يظهر في الإمبراطورية، المكان الذي يزوره لأول مرة.
وهذا بحد ذاته كان دليلاً على عزيمة إميليا المكسورة القلب، وكان تبادلاً شعر أوتو بالارتياح لرؤيته. غير أنّ――،
أوتو: [لا يُصدَّق، إنّها…]
ظل أوتو يحدّق بالفتاة، إذ طفت على ذهنه إمكانية صادمة.
أما غارفيل وفريدريكا وأوتو فلم يشعروا بالسوء. لم يشعروا بذلك، غير أنّ هذا المديح كان مصحوباً بمعلومة غير مرحّب بها، وهو ما جعل القلق يتسلّل إلى أوتو.
إنّ الاحتمال الذي خيّم في الأجواء كان شيئاً يقطن في زاوية من ذاكرة أوتو الضبابية. ففي ذلك الوقت، كان جرح ساق أوتو مفتوحاً، وكان يتأرجح بين وعيٍ وإغماء من الألم وفقدان الدم.
لذا، ورغم أنّه لم يرَ بوضوح من كان الفاعل――
إميليا: [بياتريس، أوتو-كون، ما الأمر؟ كلاكما تنظران إلى تلك الفتاة…]
مستغربة من رد فعلهما، خاطبتهما إميليا من غير ألقاب شرف، غير أنّ أحداً لم يُكمل كلماتها. ولم يعد ثمة حاجة لذلك.
فلم يعد هناك سبب لأن يبقى الارتباك على ما هو عليه.
بريسيلا: [أتيت بعد أن سمعت بعودة آبِل والبقية، لكن لم أكن أتوقع أجواء كهذه سريعاً. حتى لو كانت المدينة مدمّرة هكذا، يبدو أنّ الكلب الجائع لا يختار أين ينبح.]
بياتريس: [――إنها الشَّرَه، في الحقيقة.]
ميديوم: [الأخ الأكبر بذل جهده حتى أُخذ! لو لم يُؤخذ الأخ الأكبر، لكنا في ورطة عظيمة! هذا هو أخي! حتى مأخوذاً، يبقى رائعاً!]
أبيل: [زيكر.]
إميليا: [إه…]
كانت رغبتها في حماية الفتاة خلفها جديرة بالثناء، لكن من المستبعد جداً أن تتمكن من إيقاف غضب غارفيل. ففي المقام الأول――
△▼△▼△▼△
اتسعت عينا إميليا حين تفوّهت بياتريس بنبرة هادئة ولكن صارمة.
إيميليا: [بياتريس!]
غير أنّ إميليا لم تكن الوحيدة التي جمدت، بل كل من سمع صوتها، وفي تلك اللحظة، استحوذ صوت بياتريس على انتباه الجميع في الغرفة.
تبادلت إميليا حديثاً عجيباً مع بريسيلا وهي تدخل، ثم اعتذرت.
وعليه، فقد سمع الجميع هوية هذه الفتاة الصغيرة.
سواء كان ذلك كافياً للتمويه أم لا، فقد أثارت كلمات بياتريس انتباه أبيل والآخرين الذين لم يكونوا على دراية بما يجري.
بياتريس: [تلك الفتاة هي، رئيسة أساقفة الخطيئة للشَّرَه… فتاة تُدعى لويس آرنيب، على ما أظن.]
△▼△▼△▼△
――في اللحظة التي صدرت فيها كلمات بياتريس، عمّت أجواء متفجرة الغرفة.
وبينما قالت ذلك، أخذت مقلتا الفتاة ورأسها تدوران وهي تضرب الأرض بغضب، وإلى جانبها كانت فتاة أخرى في العمر نفسه تقريباً، ذات شعرٍ أشقر، بدأت تتأوه محاولةً أن تسايرها.
آبِل: [ماذا تريدينني أن أقول؟ التعامل مع هذا شأنك.]
غارفيل: [لا بدّ أنكِ تمزحين. رئيسة أساقفة خطيئة؟ ما الذي تظنين نفسكِ فاعلة؟]
لم يكن هذا ما خشيه أوتو، ولا ما أراده أبيل. ومن ثم، وبطبيعة الحال، خاب أمله وخفّض نظره.
يورنا: [لقد سمعت باسمك في الطريق. والآن، وأنت أمامي، تبدو وسيماً كما قالت ميديوم وتاريتا.]
وليس غريباً أن ينتشر الصدمة والرعب والحيرة مع صدى كلمات بياتريس.
إميليا: [بريسيلا! الجميع متوتّرون جداً الآن! لا تقولي أشياء غريبة.]
فهذا ما قالته الطفلة الصغيرة. وعادةً، لم يكن أيّ بالغ عاقل ليقبل أمراً كهذا من دون تردّد. غير أنّ الأمر كان مختلفاً بالنسبة لأوتو والبقية.
حتى الآن، لم يسمع أوتو والبقية سوى خبر دمار كايوسفليم، وإشاعة بأنه ناجم عن كارثة لا تُصدّق.
فقد اعترف أوتو على الفور، وهو الذي تعرّف بشكل مبهم على مظهر الفتاة―― لويس، وكذلك أعضاء الفريق الذين يؤمنون بأنّ بياتريس لا تكذب، بذلك كحقيقة.
وبناءً عليه، تقدم غارفيل، وهو يطرقع مفاصله ويكشف عن أنيابه.
ومباشرةً، ضيّق غارفيل بؤبؤي عينيه الخضراوين وحدّق بلويس.
غارفيل: [وفوق ذلك، إنها الشَّرَه؟ أليست هي التي تحتلّ صدارة قائمة الأوغاد الذين تاقَت أنفسنا العجيبة للانقضاض عليهم؟ أهذا هو نهج الإمبراطورية؟]
بترا: [أم، هل يمكننا أن نعود قليلاً إلى الوراء؟]
ميديوم: [م-مَهلاً! هذا ليس صحيحاً! لويس-تشان ليست فتاة سيئة!]
فجأة، أدارت ميديام رأسها وهمست، وهي تنظر إلى المرأة الواقفـة أمامها. عيناها الزرقاوان تحدّقان في كيسيرو وحيد سقط عند قدمي يورنا.
وقد مدّت ميديوم ذراعيها لتحمي لويس، حاجبةً إياها عن نظر غارفيل.
آبِل: [ماذا تريدينني أن أقول؟ التعامل مع هذا شأنك.]
كانت رغبتها في حماية الفتاة خلفها جديرة بالثناء، لكن من المستبعد جداً أن تتمكن من إيقاف غضب غارفيل. ففي المقام الأول――
أبيل: [إن كان بوسعك أن تسمّي هذا “بلا أذى”.]
أوتو: [تقولين إنها ليست فتاة سيئة، لكن هل أنتِ جادّة؟ فقط لتعلمي، كلتا ساقَيّ قد نُهشتا على يديها بآلام مبرحة. لا زلت أحمل ندوباً فاقعة، هل أعرضها عليكِ؟]
ميديوم: [ذلك لم يكن… ل-لويس-تشان، ربما كانت فتاة أخرى…]
أوتو: [آسف، لكنها عرّفت بنفسها بوضوح. وكان هناك ضحايا غيري… بلا شك، عدد لا يُحصى منهم. بعضهم أصدقاؤنا، وأصدقاء حلفائنا.]
فريدريكا: [ساما!]
ميديوم: [ولـ… لكن، لكن لكن…!]
إميليا: [لا، لا أظن أنّ الأمر خطؤك. أنا حزينة جداً جداً لأن سوبارو ليس هنا، لكن ليس هذا وقت الاستسلام. لقد مرّ سوبارو بما هو أصعب بكثير.]
بعينين دامعتين، حاولت ميديوم يائسة أن تبحث عن كلمات للدفاع.
لم يكن أوتو ورفاقه يعرفون طبيعة العلاقة بين الأختين، لكن بدا أنّ ميزيلدا قد تقبّلت بسعادة تأكيد تاريتا.
غير أنّه، سواء أكان عقلها طفولياً كهيئتها، أم كان مظهرها وحده هو الذي صَغُر، فقد عقد أوتو عزمه على إنهاء هذه المرافعة العقيمة.
وبيده على ذقنه، وهو يوشك أن يوازن الخيارات، التفت أوتو عرضاً إلى الكلمات التي تفوّه بها غارفيل.
ففي كل الأحوال، لم يكن ممكناً لأيّ أحد في العالم أن يدافع عن رئيسة أساقفة خطيئة.
أوتو: [حسناً، من حيث القدرة، ليس هناك فرق كبير على أي حال.]
أبيل: [وبالمناسبة، فإن آثار الخراب كانت كثيرة.]
إنّ رؤساء الأساقفة وعبدة الساحرة كانوا رجساً بهذا القدر.
ولذلك، لم تتمكن إميليا، المماثلة في هيئتها لساحرة الحسد التي كانت سبب كل شيء، من الإفلات من السخرية بسبب حلمها المستحيل.
ميديوم: [ربما كانت لويس-تشان هكذا من قبل… لكن لويس-تشان مختلفة الآن!]
ثم أطلقت بريسيلا زفرة مع «آه».
أوتو: [――――]
غارفيل: [مختلفة عن قبل؟ على أي أساس تقولين هذا؟]
فريدريكا: [ساما!]
ميديوم: [لأنها! كانت صديقة للأخ الأكبر، سوبارو-تشين، ورِم-تشان! لقد كنت معها طوال هذا الوقت… ولم ترتكب شيئاً سيئاً واحداً! لم تفعل!]
لويس: [أو، آاو.]
أوتو: [――مع ناتسكي-سان؟]
لم يكن أوتو ورفاقه يعرفون طبيعة العلاقة بين الأختين، لكن بدا أنّ ميزيلدا قد تقبّلت بسعادة تأكيد تاريتا.
وما إن سمعت إيميليا ذلك حتى ضمّت شفتيها،
لقد وصل صدى مقاومة ميديوم اليائسة، وهي تصرخ باحثةً بيأس عن الكلمات، إلى مسامعه ومعه شيء غريب لا يمكن تجاهله.
وفي خضم كل الدمار الذي لحق بمدينة الشياطين――،
لقد كان سوبارو يتصرّف مع لويس. ――ومن المؤكد أنّه لم يكن لأنه لم يعرف من تكون. فلا بدّ أنّ سوبارو قد خمّن سريعاً هوية لويس الحقيقية.
ومباشرةً، ضيّق غارفيل بؤبؤي عينيه الخضراوين وحدّق بلويس.
جميعهم ليستقبلوا سوبارو الذي طال فراقه.
بيترا: [أوتو-سان، لا يمكن أن يكون سوبارو قد فقد ذاكرته أو شيئاً من هذا القبيل، أليس كذلك؟]
أوتو: [للحظة، اجتاحني هذا الخوف، لكن مما سمعته من ميزيلدا-سان وزكر-سان، لا أظن أنّ هذا مقلق كثيراً.]
بياتريس: [أجيبي، في الحقيقة! لا، لا تفعلي شيئاً غير ضروري، على ما أظن!]
وبهذا أجاب أوتو على قلق بيترا، مطمئناً نفسه بالأدلة المطروحة.
زيكر: [الجنرال من الدرجة الأولى يورنا، بادئ ذي بدء، أود أن أشكرك على زيارتك. أنا زيكر عثمان، جنرال من الدرجة الثانية في الإمبراطورية الفولّاخية.]
فإن صحّ أنه عمل مع رئيسة أساقفة الشره، لويس، الموجودة هنا؛ فإنّ احتمال سلب ذاكرة سوبارو كان مخيفاً بلا شك.
وهكذا، تبادلت الفتاة الكئيبة وإميليا الكلمات على هذا النحو.
وبما أنه يتذكّر سوبارو، فالأرجح أنه لا قلق من أن يكون قد فُقد “اسمه”، لكن مسألة ما إن كانت “ذاكرته” قد سُلبت فهي أمر يخصّ أعراض سوبارو الشخصية.
لكن――
سألت بترا بصوت جاد، فيه شيء من الحزم.
إميليا: [――إنّ القصص عن سوبارو التي سمعناها في هذه المدينة لا تزال عن السوبارو الذي نعرفه. لذا لا داعي للقلق بشأن ذلك، بيترا-تشان… بيترا-ساما.]
بيترا: [شكراً لكِ، إيميلي.]
وبكلمات إميليا، التي وصلت إلى الاستنتاج ذاته، أظهرت بيترا أخيراً تعبيراً عن الارتياح.
ورغم أنّ هذا كان سبباً كافياً للقول إنّ ذاكرة سوبارو لم تُؤكل، فإنه لم يكن أساساً لاتخاذ قرار حول كيفية التعامل مع لويس الموجودة هنا الآن.
وطبعاً، لا يمكن إنكار التساؤل عن سبب عدم فعل سوبارو شيئاً بشأن لويس من أي نوع، لكن――
غارفيل: [لا بدّ أنكِ تمزحين. رئيسة أساقفة خطيئة؟ ما الذي تظنين نفسكِ فاعلة؟]
وفي خضم كل الدمار الذي لحق بمدينة الشياطين――،
أوتو: [بما أنّه ناتسكي-سان، فالأرجح أنّ الأمر لم يكن سعياً وراء صديقة صغيرة المنظر أو شيئاً كهذا. ――هل من الممكن أنّه كان قلقاً بشأن متطلبات إبطال السلطة؟]
فريدريكا: [لقد تحدثنا عن هذا من قبل. حتى لو هزمنا رئيسة أساقفة الشره، ليس لدينا أي دليل قاطع على أن كل ما فُقد سيعود.]
――في اللحظة التي صدرت فيها كلمات بياتريس، عمّت أجواء متفجرة الغرفة.
أوتو: [إنه أمر مزعج، لكن إن كان الأمر كذلك، فمن المفهوم أنه لم يتصرف بتهوّر.]
كانت رغبتها في حماية الفتاة خلفها جديرة بالثناء، لكن من المستبعد جداً أن تتمكن من إيقاف غضب غارفيل. ففي المقام الأول――
كما قال غارفيل، فإن سحق رئيسة أساقفة الشره كان أمنية ملحّة لهم، وكذلك لمرشحات العرش، بل وللعالم بأسره، وكان من العسير التخلّي عنها.
غير أنّ ذلك لم يكن بدافع الرغبة البسيطة في الانتقام؛ إنما كان هدفهم الأساسي هو استعادة ما دمّره الشره.
غارفيل: [――بياتريس-ساما؟ لمَ تبدين شاردة هكذا؟]
فإن كان إزهاق روح لويس سيعيد الضحايا الذين سلبتهم سلطتها إلى ما كانوا عليه، فلن تكون هناك مشكلة.
إذن، في مثل هذه الأوقات، كان غارفيل، الذي اعتاد اتخاذ القرارات السريعة، جديراً بالاعتماد عليه.
لكن ماذا لو لم يُستعاد الضحايا؟ ربما كان سوبارو حذراً من أنه إن تصرّفوا بطيش، فقد يضيع إلى الأبد السبيل لإعادة الضحايا إلى حالهم الطبيعي.
إنّ الاحتمال الذي خيّم في الأجواء كان شيئاً يقطن في زاوية من ذاكرة أوتو الضبابية. ففي ذلك الوقت، كان جرح ساق أوتو مفتوحاً، وكان يتأرجح بين وعيٍ وإغماء من الألم وفقدان الدم.
غارفيل: [――أدرك ما تفكر فيه يا أوتو-أخي. لكن هذا لا يعني أنّ علينا ترك هذه الصغيرة طليقة.]
إميليا: [أعتذر عن ذلك، لكن…]
وبرغم استيعابه لأفكار أوتو، أعلن غارفيل بغطرسة ذلك.
وقفت بترا مزهوة إلى جانبها، وجذبت أنظار مجموعة من البالغين الغرباء عنها.
وفي الحقيقة، كان محقاً. فحتى وإن خشي أوتو أن يؤدي قتلها إلى ضياع الاحتمال، فمن الصعب الاعتقاد أنّ أخذها أسيرة سيسبب أي مشكلات.
بل على العكس، كان الخطر في ترك رئيسة أساقفة الخطيئة وحدها أكبر بكثير.
إذن، في مثل هذه الأوقات، كان غارفيل، الذي اعتاد اتخاذ القرارات السريعة، جديراً بالاعتماد عليه.
لم تكن هذه الكلمات التي نُطقت بلا تردد نتيجة لتأثره بحديث ميديوم، بل كانت كلمات أُعِدّت سلفاً لتُقال لزيكر. فمنذ البداية، لم تكن لدى أبيل نيّة في تحميله مسؤولية الخراب الذي لحق بغوارال.
تلك المدينة الإمبراطورية العظيمة دمّرها جنون الطمع، رئيس خطيئة من طائفة الساحرة.
شيئاً فشيئاً، أخذ غارفيل يضيّق الفجوة ليتمكن من تثبيت رئيسة الخطايا الخطيرة. وعند اقتراب غارفيل، انكمشت لويس بجسدها الصغير مطلقة صوتاً خافتاً: «أووه».
ميديام: [آبِل-تشين! قل شيئاً!]
ومن غير أن تدري بترا بمشاعره، هزّت ميديوم رأسها بخفة وقالت: [هذا صحيح.]
إميليا، وهي تحتضن بياتريس النائمة بين ذراعيها، كانت من أكثر من شعر بخيبة الأمل حين سمعت أن سوبارو لم يكن ضمن المجموعة العائدة من مدينة الشياطين.
حاميةً لويس خلفها ومواجهةً غارفيل، نادت ميديام على آبِل.
△▼△▼△▼△
آبِل، الذي لم يتدخل طوال مجريات الأمر، وجّه انتباهه إلى نداء ميديام.
كانت تحمل بياتريس بين ذراعيها، وبجانبها بترا وفريدريكا تقفان بهدوء، بينما ارتسمت على وجه غارفيل نظرة صارمة. ولعل أوتو كان قد ساهم قليلاً في ذلك أيضاً.
آبِل: [ماذا تريدينني أن أقول؟ التعامل مع هذا شأنك.]
أوتو: [――――]
وعند الصوت، قفزت الطفلة الصغيرة التي كانت قد أمالت رأسها، وقد فوجئت، وبطبيعة الحال تفاجأ أوتو والبقية من رد فعل بياتريس.
ميديام: [لكنني… لا أستطيع إقناعهم جيداً!]
في تلك اللحظة، حركت المرأة التي كانت تتابع بصمت شفتيها أخيراً.
أبيل: [أنت لا تعرفين تفاصيل ما جرى داخل مدينة الشياطين. في مثل تلك الظروف، حيث خطأ واحد قد يودي بحياته ――كيف يمكنك أن تكوني واثقة من أنه سينجو؟]
آبِل: [لا تُلقِي عليّ مسؤولية عجزك. فالأمر غير ضروري على أي حال.]
ميديام: [آبِل-تشين! قل شيئاً!]
ارتجفت عينا ميديام عند سماعها أنّ الأمر غير ضروري.
وهما أيضاً كانا يسابقان الخطى ليصلا إلى دار المدينة للقاء سوبارو.
ربما منحها أسلوب آبِل القاسي انطباعاً أنّه قد تخلّى عن لويس. غير أنّ الحقيقة لم تكن كذلك.
آبِل قال ببساطة إنه لا حاجة لتدخله.
زِكر نظر إلى يورنا بتفكير، آبِل بتأمل، وبريسيلا باحتقار.
لم يكن وجه زيكر المليء بالمرارة يعكس استياءً من توبيخٍ جائر، بل ندامة على عجزه عن أداء عمله.
غارفيل: [أنا المذهل لن أرحمك حتى لو كنتِ امرأة!]
؟؟؟: [رائع. فإلا، قد تستخدم جمالي عذراً لفشلك.]
أمام غارفيل الذي توقّف، تقدّمت يورنا بخطواتها لتقف بينهما بهدوء.
كانت يورنا تعبث به في يديها، قطعة فاخرة لا تبدو رخيصة.
إميليا: [لا، لا أظن أنّ الأمر خطؤك. أنا حزينة جداً جداً لأن سوبارو ليس هنا، لكن ليس هذا وقت الاستسلام. لقد مرّ سوبارو بما هو أصعب بكثير.]
كانت أطول من الأصل، وزادت طولها أحذية سميكة، فتطلّعت إلى غارفيل من علٍ، وفي يدها كيسيرو. أعاد غارفيل النظر إليها مباشرة، كاشفاً عن أنيابه بعنف.
إميليا: [أأنت صديق سوبارو أيضاً؟]
وربما كان ذلك يعني――
كانت يورنا ستدافع عن لويس، وقد أعلنت نيتها صراحة.
الفتاة غريبة الشعر: [همم؟ ما الأمر يا زيكر-تشين؟]
إذ إنها قدمت أصلاً إلى غوارال من مدينة الشياطين برفقة لويس، فكان معروفاً أنها لا تنوي القضاء عليها، ومع ذلك فالأمر بحد ذاته كان صعب التصديق.
الفتاة غريبة الشعر: [همم؟ ما الأمر يا زيكر-تشين؟]
وبيده على ذقنه، وهو يوشك أن يوازن الخيارات، التفت أوتو عرضاً إلى الكلمات التي تفوّه بها غارفيل.
أوتو: [أكرّر، إنها رئيسة خطيئة. أما تقولين إنّ فظائع طائفة الساحرة مجهولة في إمبراطورية فولاتشيا؟]
يورنا: [نحن نعرف أفعال أولئك الأوغاد، ونعرف قذارتهم. وبالطبع، نعرف خبث من يلقّبون أنفسهم برؤساء الخطايا.]
زيكر: [الآنسة ميديوم والآنسة تاريتا؟]
أوتو: [سمعت أنّ جراح مدينة غاركلَا المحصّنة لم تلتئم بعد.]
جالت بعينيها في الحشد، تبحث عن ذلك الفتى الأسود الشعر المنتظر.
فريدريكا: [حقّاً، إنّ الإلحاح على سوبارو-ساما لكونه ذا شريكة أمر مؤسف، لكن… لكنني قلقة، لا أستطيع السماح له باللقاء مع كليند.]
تلك المدينة الإمبراطورية العظيمة دمّرها جنون الطمع، رئيس خطيئة من طائفة الساحرة.
كان رد الرجل حاداً وجافاً، لكن إميليا لم ترتبك بل التفتت إلى زيكر. وبمواجهة سؤالها، اعتدل زيكر في وقفته قائلاً: [نعم].
المذنب، الطمع، هُزم في بريستيلا، لكن كان من المعروف لدى العالم أجمع أنّه لم يكن هناك خيار أمام فوضى الطائفة، بما في ذلك الإمبراطورية.
تجاوبت الاثنتان مع نظرة زِكر بابتسامة وإيماءة. وزِكر، المعروف بلقب “مُغوي النساء” لسلوكه اللطيف الرجولي، ربما شعر بالحرج، لكنه بدا سعيداً للغاية.
ومع ذلك، فقد تُركت لويس طليقة.
كان رد الرجل حاداً وجافاً، لكن إميليا لم ترتبك بل التفتت إلى زيكر. وبمواجهة سؤالها، اعتدل زيكر في وقفته قائلاً: [نعم].
أوتو: [أتظنّون أنّ بوسعكم كسبهم؟ لا بدّ أن أقول إنّ هذا تسرّع.]
آبِل: [إن وُجد ما ينفع فسأفكّر كيف أستعمله. أنتم المخطئون بشدة حين تظنون أنّ الجميع سينحاز إلى جانبكم.]
أوتو: [――――]
تجاهل آبِل سؤال أوتو، وأشار باستخفاف إلى خطأهم.
كان الاسم “تاريتا”، الذي تكرر على مسامعها، لا بد أن يكون اسم أخت ميزيلدا الصغرى. تلك التي يبدو أنها فخرها واعتزازها، والتي كانت مع المجموعة التي غادرت غوارال متجهة إلى مدينة الشياطين في الجنوب الشرقي――،
وكما قال، كان رد فعل المجتمعين في الطابق العلوي من قاعة المدينة متبايناً. فمنهم من بدا عليه الاشمئزاز والعداء عند سماع أنّ لويس رئيسة خطيئة، لكن آخرين، مثل ميديام ويورنا، أظهروا تردداً في القضاء عليها.
لقد وصلت قافلة من العربات إلى الجهة الجنوبية من المدينة، وما إن التقطت إيميليا بأذنها أن عدداً كبيراً منهم قد قدم من مدينة الشياطين «كاوسفلايم»، حتى رقص شعرها الفضي من فرط الترقب للقاء المنتظر منذ زمن طويل.
ولا سيما――
لم يكن هذا وقتاً مناسباً لذلك، لكن نظره انصرف إلى ميديوم وامرأة طويلة أخرى. المرأة السمراء البشرة ذات الزيّ الرجولي، لا بد أنها كانت تاريتا، موضوع النقاش.
إيميليا: [――سوبارو بخير. هذا مؤكد.]
ميزيلدا: [――أقول هذا: سوبارو ورِم هما صديقان لنا. وبما أنّهما مَن أحضرا لويس، فهما الوحيدان المخوّلان بتقرير مصيرها.]
لم يكن هذا وقتاً مناسباً لذلك، لكن نظره انصرف إلى ميديوم وامرأة طويلة أخرى. المرأة السمراء البشرة ذات الزيّ الرجولي، لا بد أنها كانت تاريتا، موضوع النقاش.
فريدريكا: [ميزيلدا-ساما…]
نظرت بريسيلا إلى يورنا بعينيها الحمراوين، ولم تُخفِ امتعاضها.
ميزيلدا: [بالطبع، إن عارضت الزعيمة فسأتراجع.]
لقد كانت هناك فتاة أخرى، متكئة بجوارها كما لو كانتا شقيقتين. حدّقت بياتريس إليها، ولم تكن قد سمعت باسمها حتى الآن.
وفاته أوتو أن يتدخل، لكنه أدرك بما فيه الكفاية أن الاثنين مثل الماء والزيت. أي أن هذا هو الفرق بين إيميليا، التي تؤمن بقيمة القلب، وأبيل، الذي لا يؤمن بها.
بعينين مشعتين بالتصميم، وبنظرة ثاقبة، وقفت ميزيلدا إلى جانب حماية لويس. فريدريكا، التي سنحت لها فرص عديدة لتبادل الحديث معها في قاعة المدينة، شهقت تحت تلك النظرة القوية.
وبحسب ما رواه كونا وهولي أيضاً، فإن أسر ذلك الرجل مع ريم كان السبب الحاسم الذي دفع العدو، أحد أعضاء «التسعة الجنرالات الإلهيين»، إلى سحب التنانين الطائرة.
ميزيلدا كانت ممثلة الشودرَك، وسيتبعها سائر الشودرَكيين. لا، بالأحرى سيتبعون الزعيمة التي عادت إلى المدينة.
فريدريكا: [حقّاً، إنّ الإلحاح على سوبارو-ساما لكونه ذا شريكة أمر مؤسف، لكن… لكنني قلقة، لا أستطيع السماح له باللقاء مع كليند.]
ومقصود كلمات ميزيلدا ونظرتها، تلك المرأة المرتدية السواد رسمياً، التي أُنيط بها القرار. تاريتا، الزعيمة الجديدة للشودرَك، سُئلت من أختها الكبرى: «ما الذي سنفعله؟».
إيميليا: [هل تعني أن سوبارو――]
تاريتا: [رأيي كرأي أختي. لكن هذا القرار ليس لأجل أنها قالت ذلك، فأنا أحمي لويس لأسباب تخصني. إذ إنني أدين لها بالعرفان.]
ميزيلدا: [هاه، فهمت.]
مستغربة من رد فعلهما، خاطبتهما إميليا من غير ألقاب شرف، غير أنّ أحداً لم يُكمل كلماتها. ولم يعد ثمة حاجة لذلك.
ميديوم: [م-مَهلاً! هذا ليس صحيحاً! لويس-تشان ليست فتاة سيئة!]
عند جواب تاريتا الصريح، ارتخت شفتا ميزيلدا وأومأت.
لم يكن أوتو ورفاقه يعرفون طبيعة العلاقة بين الأختين، لكن بدا أنّ ميزيلدا قد تقبّلت بسعادة تأكيد تاريتا.
فريدريكا: [ساما!]
غير أنهم لم يملكوا ترف التفكير في ذلك الموقف المؤثر.
وبحسب ما رواه كونا وهولي أيضاً، فإن أسر ذلك الرجل مع ريم كان السبب الحاسم الذي دفع العدو، أحد أعضاء «التسعة الجنرالات الإلهيين»، إلى سحب التنانين الطائرة.
بياتريس: [رئيسة خطيئة، وفوق ذلك مثل الشره؛ لا يمكن التغاضي عن هذا، في الواقع. ألن تُهدّئوا رؤوسكم، أظن؟]
ميديوم: [م-مَهلاً! هذا ليس صحيحاً! لويس-تشان ليست فتاة سيئة!]
غارفيل: [――أدرك ما تفكر فيه يا أوتو-أخي. لكن هذا لا يعني أنّ علينا ترك هذه الصغيرة طليقة.]
من بين ذراعي إميليا، خرج صوت بياتريس مفعماً بالقوة.
لقد وصلت إلى هذا الحد بكبح إرهاقها، لكن في الطوارئ لزمها إظهار قدراتها. شأنها شأن سوبارو، عدم التردّد في مثل هذه المواقف عادة سيئة عند بياتريس.
غير أنّ إميليا لم تكن الوحيدة التي جمدت، بل كل من سمع صوتها، وفي تلك اللحظة، استحوذ صوت بياتريس على انتباه الجميع في الغرفة.
إميليا: [هذا لا يصح، فلنهدأ جميعاً! الشجار هكذا――]
وبينما أرواح بياتريس وغارفيل، إلى جانب يورنا والشودرَك، قد تأهّبت للقتال، حاولت إميليا أن توقف النزاع بعينين محطمتين ألماً.
الفتاة غريبة الشعر: [همم؟ ما الأمر يا زيكر-تشين؟]
ففي الواقع، إن اقتضى الأمر وقف النزاع بالقوة، فإميليا هي الأكفأ على ذلك.
الفتاة غريبة الشعر: [هيه، كيف حال الأخ الأكبر و ريم-تشان؟ هل يعرف أحد…]
فلو استخدمت ماناها الهائلة لتجميد غوارال، لسعى أوتو وقتها لتأمين لويس. وفي أسوأ الأحوال، سيقطعون علاقتهم بالجميع في غوارال.
وقد سمع فريق أوتو أن كايوسفليم قد تعرضت لدمار شديد.
إميليا: [أكثر خطراً من التغاضي عن رئيسة خطيئة――]
أوتو: [ذلك أمر، لكن لا شك أنّ هنالك مخاوف أخرى أهم…]
حينها التقط أوتو اللحظة بغير حذر.
والآن، أخيراً――،
؟؟؟: [――ما بكم أيها السوقة، أما اكتفيتم قتالاً بعد؟ إنه اندفاع حار، أليس كذلك؟]
أوتو: [――――]
ميزيلدا: [في الغالب، إذا ضربتهم قبل أن يستخدموا سحرهم، تكون نهايتهم.]
مع آبِل وميديام والآخرين، كان أل أيضاً أحد من توجهوا مع سوبارو إلى كايوسفلايم. وفي طريق العودة، التقى بريسيلا، ويبدو أنهما دخلا معاً الآن.
فجأةً، دوّى صوت قوي جديد، مزلزلاً أجواء القاعة الكبرى في دار البلدية.
بريسيلا: [هراء. لو لم آتِ، لجعلتِ الثلج يهطل مجدداً. دعيني أخبرك، أياً كان البرد الذي تخلقينه، فلن أتوقف عن كشف كتفيّ. ومع ذلك، أجل، الجو بارد.]
كان صوت امرأة، صرير حذائها العالي يتردّد وهي تصعد السلالم بتمهّل. قبل قليل، قال أوتو إنّ إميليا وآبِل ويورنا يمتلكون حضوراً لا يمكن تجاهله، لكن صاحبة هذا الصوت أيضاً كانت تغلّفها هيبة تخالف ذلك الانطباع.
ذلك التقرير بدا وكأنه خلاصة أبيل في هذه المحادثة.
فريدريكا: [لقد تحدثنا عن هذا من قبل. حتى لو هزمنا رئيسة أساقفة الشره، ليس لدينا أي دليل قاطع على أن كل ما فُقد سيعود.]
ومع تمايل ذيل فستانها القرمزي، ظهرت امرأة فاتنة بخطوات متأنية.
△▼△▼△▼△
بشرة بيضاء وشعر برتقالي، تتزيّن بجرأة بزينة كثيرة، غير أنّ بريق تلك الجواهر قد خبا أمام جمالها الطبيعي―― بريسيلا بارييل.
في مدينة غوارال الحصينة، ظهرت أخيراً صاحبة الصوت المؤثّر الأخير.
يتبعها وهي تمشي بلا عجل، خادمها شولت بحركاته المتواضعة، وأل بمظهره الغريب الذي لا يُنسى.
ورغم أنّ هذا كان سبباً كافياً للقول إنّ ذاكرة سوبارو لم تُؤكل، فإنه لم يكن أساساً لاتخاذ قرار حول كيفية التعامل مع لويس الموجودة هنا الآن.
أوتو: [آسف، لكنها عرّفت بنفسها بوضوح. وكان هناك ضحايا غيري… بلا شك، عدد لا يُحصى منهم. بعضهم أصدقاؤنا، وأصدقاء حلفائنا.]
مع آبِل وميديام والآخرين، كان أل أيضاً أحد من توجهوا مع سوبارو إلى كايوسفلايم. وفي طريق العودة، التقى بريسيلا، ويبدو أنهما دخلا معاً الآن.
بيترا: [نعم، ميديوم-تشان محقّة.]
وهما أيضاً كانا يسابقان الخطى ليصلا إلى دار المدينة للقاء سوبارو.
كان من المفترض أن يكون معهم شخص آخر، هاينكل، لكنه غاب عن المشهد، وذلك تفصيل ثانوي.
كانت فتاة شقراء بشَعرٍ ذهبي مصفوف على هيئة ضفائر وروابط وعُقَد غريبة. بدت في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من عمرها، وكانت تحدّق في البالغين من حولها بوجه يملؤه الذهول.
إنها حاكمة مدينة الشياطين، كايوسفلايم، وعضو في «التسعة الجنرالات الإلهيين»، أقوى الضباط العسكريين في الإمبراطورية.
الأهم، في نظر أوتو، أنّ عنصراً انضم بدا وكأنه سيزيد الأجواء المتوترة سوءاً.
وفاته أوتو أن يتدخل، لكنه أدرك بما فيه الكفاية أن الاثنين مثل الماء والزيت. أي أن هذا هو الفرق بين إيميليا، التي تؤمن بقيمة القلب، وأبيل، الذي لا يؤمن بها.
زيكر: [――قبل أن أمضي أبعد من ذلك، هل لي أن أوضّح شيئاً يا آنسة؟]
متقلّبة وقوية، بريسيلا تحمل حضوراً يصعب التنبؤ بجهته.
ورغم أنه كان يفترض أن تدخل من البوابة وتصعد السلالم إلى الأعلى، إلا أن استعجالها كان أكبر من ذلك؛ فأقامت عموداً من الجليد، ثم وقفت فوق التشكيل الجليدي الصاعد من الأرض. وبحملها بياتريس بين ذراعيها، ارتفعت دفعة واحدة إلى قمة المبنى.
أبيل: [تجاهل ما قلته آنفاً. فمنذ البداية، كنتَ تواجه ماديلين إيشكارت ومجموعة من التنانين الطائرة. أنت تستحق التقدير على عملك في وضعٍ كان قد يستدعي إخلاء المدينة.]
بل بدا الأمر وكأنه سيكون أهون لو حُسِمت كعدو.
فإن كان إزهاق روح لويس سيعيد الضحايا الذين سلبتهم سلطتها إلى ما كانوا عليه، فلن تكون هناك مشكلة.
بريسيلا: [أتيت بعد أن سمعت بعودة آبِل والبقية، لكن لم أكن أتوقع أجواء كهذه سريعاً. حتى لو كانت المدينة مدمّرة هكذا، يبدو أنّ الكلب الجائع لا يختار أين ينبح.]
إيميليا: [――سوبارو بخير. هذا مؤكد.]
ولم تفهم إيميليا سبب هذا الموقف من فريدريكا.
إميليا: [بريسيلا! الجميع متوتّرون جداً الآن! لا تقولي أشياء غريبة.]
△▼△▼△▼△
بريسيلا: [هراء. لو لم آتِ، لجعلتِ الثلج يهطل مجدداً. دعيني أخبرك، أياً كان البرد الذي تخلقينه، فلن أتوقف عن كشف كتفيّ. ومع ذلك، أجل، الجو بارد.]
إميليا: [أعتذر عن ذلك، لكن…]
بل على العكس، كان الخطر في ترك رئيسة أساقفة الخطيئة وحدها أكبر بكثير.
لويس: [أو!]
تبادلت إميليا حديثاً عجيباً مع بريسيلا وهي تدخل، ثم اعتذرت.
رغم غياب شرح مفصّل، استطاع أبيل ويورنا أن يستوعبا الوضع.
؟؟؟: [رائع. فإلا، قد تستخدم جمالي عذراً لفشلك.]
لكنّ سبب خفوت نبرة جملتها الأخيرة لم يكن شعورها بالذنب.
آبِل: [إن وُجد ما ينفع فسأفكّر كيف أستعمله. أنتم المخطئون بشدة حين تظنون أنّ الجميع سينحاز إلى جانبكم.]
بل لأنّ صوت اصطدام جسم صلب بالأرض دوّى في القاعة الواسعة.
ولذلك، لم تتمكن إميليا، المماثلة في هيئتها لساحرة الحسد التي كانت سبب كل شيء، من الإفلات من السخرية بسبب حلمها المستحيل.
أوتو: [إنه أمر مزعج، لكن إن كان الأمر كذلك، فمن المفهوم أنه لم يتصرف بتهوّر.]
ميديام: [――يورنا-تشان؟]
ربما منحها أسلوب آبِل القاسي انطباعاً أنّه قد تخلّى عن لويس. غير أنّ الحقيقة لم تكن كذلك.
فجأة، أدارت ميديام رأسها وهمست، وهي تنظر إلى المرأة الواقفـة أمامها. عيناها الزرقاوان تحدّقان في كيسيرو وحيد سقط عند قدمي يورنا.
ميزيلدا: [بالطبع، إن عارضت الزعيمة فسأتراجع.]
كانت يورنا تعبث به في يديها، قطعة فاخرة لا تبدو رخيصة.
بريسيلا: [هراء. لو لم آتِ، لجعلتِ الثلج يهطل مجدداً. دعيني أخبرك، أياً كان البرد الذي تخلقينه، فلن أتوقف عن كشف كتفيّ. ومع ذلك، أجل، الجو بارد.]
لويس: [أووه…]
بريسيلا: [ماذا، أنتِ؟ لِمَ تتصرفين هكذا تجاهي… لا.]
بتأوّه، التقطت لويس، محور النقاش، الكيسيرو الساقط. غير أنّ يورنا لم تأخذه منها حين قدّمته.
أبيل: [أنت لا تعرفين تفاصيل ما جرى داخل مدينة الشياطين. في مثل تلك الظروف، حيث خطأ واحد قد يودي بحياته ――كيف يمكنك أن تكوني واثقة من أنه سينجو؟]
بل كان بصر يورنا كلّه مسمّراً على بريسيلا؛ الحضور الذي دخل للتوّ القاعة.
محدّقة في بريسيلا، اتسعت عينا يورنا.
يورنا، التي اعتادت أن تبدو هادئة لا تتزعزع، أصابها الذهول.
شفاهها القرمزية المرتسمة انفرجت مرتعشة.
يورنا: [بر… بريسكا…؟]
ضغطت بطرف ساقها الخشبية على الأرض، ثم وجهت نظرة إلى العمود الجليدي خلف إيميليا، وقالت:
نادتها بذلك. ――اسم مختلف، غير مألوف.
في القاعة الفسيحة بأعلى طابق من دار بلدية مدينة الحصن غوارال، اجتمع أولئك الذين أُسنِدت إليهم أدوار مختلفة في خضم الاضطرابات التي تشهدها هذه المدينة، أو بالأحرى، هذه الإمبراطورية.
متجمّدة في صدمة، خاطبت يورنا ذات العينين المتسعتين بريسيلا باسم مشابه لكنه مختلف. ثلاثة أشخاص ممن حضروا استجابوا لذلك الاسم.
لم تكن الكلمات المتساقطة من فم الفتاة ذات معنى واضح، لكن إميليا كانت تحدّق في عينيها وتتبادل معها الكلمات كما لو أنها تفهم ما ترمي إليه.
أبيل: [ولهذا هذه الفتاة في حالتها الواهنة؟ هذا منطقي.]
أحدهم زِكر، والثاني آبِل، أما الثالث فكان بلا شك بريسيلا.
وسط هذا كله――،
زِكر نظر إلى يورنا بتفكير، آبِل بتأمل، وبريسيلا باحتقار.
تتنفس بعمق وهي تركض كأنها تطير، تبذل قصارى جهدها كي لا تهتز رأس الفتاة التي تحتضنها بين ذراعيها.
بريسيلا: [ماذا، أنتِ؟ لِمَ تتصرفين هكذا تجاهي… لا.]
نظرت بريسيلا إلى يورنا بعينيها الحمراوين، ولم تُخفِ امتعاضها.
وبلا توقف، كانت على وشك أن تطعنها بلسانها الحاد، لكنها كفّت فجأة. وأمعنت النظر ثانيةً في يورنا.
برفعة يدٍ صغيرة، شرحت ميديوم وضعها. وحتى بعد سماع ذلك، لم يستطع أوتو أن يستوعب الأمر مطلقاً، لكنّ المجموعة الإمبراطورية الأصلية بدت مقتنعة إلى حد ما.
العينان الزرقاوان ليورنا والعينان القانيتان لبريسيلا تلاقتا، ومرّت لحظة صمت.
ارتجفت عينا إيميليا من جواب أبيل، فأمال رأسه وهزّه وأغلق إحدى عينيه.
ثم أطلقت بريسيلا زفرة مع «آه».
غير أنّ إميليا لم تكن الوحيدة التي جمدت، بل كل من سمع صوتها، وفي تلك اللحظة، استحوذ صوت بياتريس على انتباه الجميع في الغرفة.
وسط هذا كله――،
بريسيلا: [――إن فكّرت بالأمر، فأنتِ حقاً… أمي العزيزة، أليس كذلك؟]
ميديام: [――يورنا-تشان؟]
نعم، كانت إميليا هي من أشاحت بحاجبيها نحو الفتاة.
وهكذا، خرج تصريح كفيل بإشعال انفجار جديد مغاير للتوتر القائم بالفعل، قيل ببساطة.
آبِل، الذي لم يتدخل طوال مجريات الأمر، وجّه انتباهه إلى نداء ميديام.
