86 - الحصون الخمسة.
――كان “ذو العين العملاقة” إيزمايل محاربًا شجاعًا من قبيلة السيكلوب، وأملًا يتشبث به أفراد عشيرته.
لكن الأزمان لم تنتظره حتى ينضج، فانغمس في حياة راكدة مريحة.
في وسط وجهه الشجاع، كانت عين زرقاء كبيرة تحدق بثبات نحو المستقبل دون تردد.
وكما يوحي الاسم، فإن قبيلة السيكلوب هي قوم لا يملكون سوى عين واحدة. وإذا ما أُخذ بعين الاعتبار أن معظم الأجناس تولد بزوج من العيون، فإن العين الواحدة لا تُعدّ ميزة في معركة البقاء.
لكن الأمر لم يكن تساهلًا عشوائيًّا، بل كانت تلك الكلمات القليلة التي سمعها قبل لحظات هي ما أوقفه.
ومع ذلك، فإن فأسه المصقول بدقة كان يواصل استهداف أرواح الأعداء، ومع كل خطوة، كانت الأرواح تُزهق، وكان الإحباط يتفاقم في قلب “ذو العين العملاقة”.
فهل كانت قبيلة السيكلوب إذن قبيلة مسكينة تفتقر إلى مقومات البقاء؟
――على الإطلاق، يمكن نفي ذلك تمامًا.
ورغم أن هذا الرجل نصب فخاً ناجحاً أحاط بإيزمايل ورفاقه، إلا أنه كان أزرق.
فلأفراد قبيلة السيكلوب، الذين لا يملكون سوى عين واحدة، كان لتلك العين خصائص فريدة تعوّض عن ضعف احتمال نجاتهم عند فقدانها.
في الأساس، وصول الثوار إلى العاصمة الإمبراطورية بهذه الصورة، وبدء هذه المعركة، تجاوزا ما تصوّره تود حين بدأت الحرب بالتصعيد.
صوتٌ فيه بعض الغباء، خالٍ من الجدية، بلغ مسامع “العين العملاقة”.
فبفضل قدرتهم البصرية التي تتفوق على باقي الأجناس في مدى الرؤية، ومع أن الأمر يختلف من فرد إلى آخر، إلا أن منهم من يرى تراكيز المانا أو الحرارة، أو يتمتع بقدرة خارقة على رصد الحركات.
وقبيلة “عين الشر” هي قوم آخرون ممن يتمتعون بعيون ذات خصائص خاصة، لكن بخلافهم، حيث يولد أفرادهم بأجساد ضعيفة غالبًا مقابل قواهم الفريدة، فإن السيكلوب يتمتعون بقوة بدنية أيضًا.
وبصفته كافما إيرولوكس، رأى بعينيه حجم إنجازات الإمبراطور العظيمة.
وفي اللحظة التالية، أصابته قذيفة من مدفع الحجر السحري، ومحت “العين العملاقة” تماماً.
وبهذا، يمكن القول إن “العين” كانت في بعض الجوانب سلاحًا يفوق غيره من القدرات في ساحات القتال.
ولا حاجة للقول إن معظم المعلومات التي يدركها الإنسان يوميًا مصدرها البصر، ويتضاعف هذا الأمر في أرض المعركة حيث ترتبط الرؤية مباشرة بالبقاء.
كان هناك خطة لمنعهم من الاقتراب من الأسوار، وخطة لقتل من ينجو من ذلك، وخطة لمن يعجزون عن قتله، وخطة للهروب.
وبصفته من قبيلة قفص الحشرات النادرة والمكروهة، عاش في العالم الذي أنشأه الإمبراطور.
ولذلك، يمكن اعتبار قبيلة السيكلوب نوعًا متفوقًا مؤهلًا لإنتاج محاربين مميزين.
فحتى الجنود الذين واجههم أثناء تقدمه نحو العاصمة الإمبراطورية، والذين كانوا يحملون الرماح، قد أبدوا مقاومة أشد. خاب ظن إيزمايل في أن الجنود المكلفين بالدفاع عن العاصمة كانوا على هذه الحال.
لكن الأمر لم يكن تساهلًا عشوائيًّا، بل كانت تلك الكلمات القليلة التي سمعها قبل لحظات هي ما أوقفه.
وعودة إلى موضوعنا، لنتحدث عن “ذو العين العملاقة” إيزمايل.
فقد اندلعت شرارة التمرد في الشرق، وسرعان ما انتشرت نيرانها في سائر أنحاء فولاكيا، فاستدعت إيزمايل، الذي حُرم من خوض المعارك، إلى ساحة القتال.
كان يلوّح بفأسه الذي يفوقه طولًا في ساحة المعركة بصورة مهيبة――ولو وُجد في عصر يعج بالحروب في إمبراطورية فولاكيا، لكان اسمه قد ذاع ليس فقط في قبيلته، بل في أنحاء البلاد كلها.
في الحادية والعشرين من عمره، كان إيزمايل محاربًا يلوح بفأس قتالي عملاق بجسده المدرب جيدًا. وكما ذُكر سابقًا، فإن العين الزرقاء الوحيدة التي تتوسط وجهه أصبحت مصدر رهبة وإعجاب داخل قبيلته، ومصدر خوف للأجناس الأخرى.
وبحسب معايير الجمال لدى السيكلوب، كانت هناك تقييمات متعددة لشكل العين وحجمها ولونها وبريقها، وقد تميزت عين إيزمايل في كل تلك الفئات بجدارة.
ومع ذلك، فإن فأسه المصقول بدقة كان يواصل استهداف أرواح الأعداء، ومع كل خطوة، كانت الأرواح تُزهق، وكان الإحباط يتفاقم في قلب “ذو العين العملاقة”.
وبعينه الزرقاء الجميلة والضخمة، كان متوقعًا له منذ ولادته أن يسلك طريقًا غير اعتيادي، وقد أُطلق عليه لقب “ذو العين العملاقة” منذ صغره، ومنذ ذلك الحين نما صبيًا، فشابًا، فمحاربًا محاطًا بآمال عشيرته.
وبحركة حازمة، مسح كافما على جذعه الذي أطاح بالقنطور، ثم عادت أضلاعه إلى صدره المغتوح.
كان يلوّح بفأسه الذي يفوقه طولًا في ساحة المعركة بصورة مهيبة――ولو وُجد في عصر يعج بالحروب في إمبراطورية فولاكيا، لكان اسمه قد ذاع ليس فقط في قبيلته، بل في أنحاء البلاد كلها.
فقد اندلعت شرارة التمرد في الشرق، وسرعان ما انتشرت نيرانها في سائر أنحاء فولاكيا، فاستدعت إيزمايل، الذي حُرم من خوض المعارك، إلى ساحة القتال.
لكن الأزمان لم تنتظره حتى ينضج، فانغمس في حياة راكدة مريحة.
وهكذا، قدم نفسه، فانطلقت ستة أجنحة شفافة من ظهره، ممزقةً العباءة التي كان يرتديها من الداخل. كان ذلك استعدادًا للحرب―― أو بالأحرى، كان ذلك بمثابة تقديم رسمي.
كثيرون لعنوا حظ إيزمايل العاثر. لكن، لم يكن القدر قد تخلى عنه بعد.
فقد اندلعت شرارة التمرد في الشرق، وسرعان ما انتشرت نيرانها في سائر أنحاء فولاكيا، فاستدعت إيزمايل، الذي حُرم من خوض المعارك، إلى ساحة القتال.
――اجتاحت الأشواك الأرجوانية كالعاصفة، حاصدةً جيشاً عظيماً من شعب القنطور، أولئك الذين يملكون نصفاً علوياً بشرياً ونصفاً سفلياً خيلياً، كانوا يحاولون التقدم فسُحقوا تحتها.
كافما: [لقد أسأتُم حظًا باختياركم الحصن الذي أتولى حمايته.]
إيزمايل: [ما دمت أُمنح فرصة للقتال――]
فسوف أُحقق نتائج لا يستطيع أحد تقليدها بفأسي هذا.
كان كافما مستعدًا أن يصمد حتى النهاية، مهما طالت المعركة، وهو المكلّف بحماية أسوار العاصمة الإمبراطورية.
كان ذلك فخر إيزمايل، والمستقبل الموعود الذي آمنت به عشيرته بلا تردد. ففي الإمبراطورية، بلغ ذروة المجد العسكري من يُطلق عليهم “الجنرالات الإلهيون التسعة”، ولو أُتيحت له الفرصة ذاتها التي أُتيحت لهم، لكان قد أذهلهم جميعًا.
كافما: [――――]
ولهذا، حين صرخ “ذو العين العملاقة” بأن الإمبراطور يجب أن يُهزم، لم يُعارضه أحد من قبيلته، بل وساعدوا بنشاط في البحث عن الطفل ذو الشعر الأسود.
أطلق تود تنهيدة وهو يرى قبيلة السيكلوب تتناثر أشلاؤهم في السماء إثر القذائف.
ومثلما انتشرت علامات التمرد في أنحاء الإمبراطورية، كذلك انتشرت أنباء وجود ولي العهد ذو الشعر الأسود――فلم يكن المهم إن كان حقيقيًّا أم لا، بل كان وجود منشور يحمل مطالبة مشروعة كافيًا.
――شعب الإمبراطورية يجب أن يكون قويًا.
――على الإطلاق، يمكن نفي ذلك تمامًا.
وباختصار، أصبح وجود فتى أسود الشعر شرطًا أساسيًا للانضمام إلى الثورة الكبرى التي بدأت في إمبراطورية فولاكيا، ومن فشل في إدراك تلك الفرصة كان يُقوّض عدالة القضية التي انضم إليها.
―― لا، لم تكن معجزة.
أما أولئك الذين راقبوا بصمت ما يحدث، مكتفين بالمشاهدة من الخارج، فقد خالفوا مبادئ الإمبراطورية.
――شعب الإمبراطورية يجب أن يكون قويًا.
؟؟؟: [――أحرقوهم دفعة واحدة.]
تمكن بعض المحاربين الشجعان من تجنب الأشواك، واقتربوا أكثر من السور، ولوّحوا برماحهم ثم رموها.
كانت هذه عقيدة انتشرت في كافة أرجاء الإمبراطورية، حتى بين من لا صلة لهم بعاصمتها. ومن لم يفهم هذا المبدأ، لم يكن مؤهلًا للمشاركة في هذه الثورة، ولا لحياة الإمبراطورية بعدها.
وعندما يُحقق إيزمايل طموحه، فسوف يقتلعهم جميعًا ويؤسس أمة أقوى.
إيزمايل: [――――]
كان يلوّح بفأسه الذي يفوقه طولًا في ساحة المعركة بصورة مهيبة――ولو وُجد في عصر يعج بالحروب في إمبراطورية فولاكيا، لكان اسمه قد ذاع ليس فقط في قبيلته، بل في أنحاء البلاد كلها.
ولهذا الغرض――،
ومثلما انتشرت علامات التمرد في أنحاء الإمبراطورية، كذلك انتشرت أنباء وجود ولي العهد ذو الشعر الأسود――فلم يكن المهم إن كان حقيقيًّا أم لا، بل كان وجود منشور يحمل مطالبة مشروعة كافيًا.
إيزمايل: [――أنا من سيتربع على عرش إمبراطورية فولاكيا!]
تمكن بعض المحاربين الشجعان من تجنب الأشواك، واقتربوا أكثر من السور، ولوّحوا برماحهم ثم رموها.
ثم، دافعًا بأطراف قدميه على قاعدة الجدار الحجري العملاق، صعد جسد إيزمايل نحو السماء.
وكما يوحي الاسم، فإن قبيلة السيكلوب هي قوم لا يملكون سوى عين واحدة. وإذا ما أُخذ بعين الاعتبار أن معظم الأجناس تولد بزوج من العيون، فإن العين الواحدة لا تُعدّ ميزة في معركة البقاء.
جدار ربما كان يُعتقد أنه عصيّ على التسلق من الخارج، ومن الداخل محكم الإغلاق ضد أي عداء، تجاوز عليه بسهولة، وزرع قدميه فوقه.
؟؟؟: [اختفِ.]
أن يضع المجرمين على السور، ثم يحرقهم مع إيزمايل والآخرين دفعة واحدة، فذلك الرجل هو من نفذ تلك الخطة الوحشية.
ولدى رؤيتهم لإيزمايل وقد حط فوق السور، أصيب الجنود الذين شهروا أقواسهم بالارتباك، وحاولوا سحب سيوفهم، لكنهم كانوا بطيئين للغاية.
إيزمايل: [ما هذا المشهد المُخزِي من جنود الإمبراطورية!]
وبينما يستوعب ما رأته عيناه للتو، نظر إيزمايل حوله في أعلى السور.
قبض على مقبض الفأس المعلّق على ظهره، وانتفخت عضلات ذراعه اليمنى، ثم لمع وهج خاطف.
شقت النصل الضخم الهواء دون صوت، فمُحي الجزء العلوي من أجساد خمسة جنود دفعة واحدة. ثم تداعت النصف السفلي من أجسادهم، وتدفقت كميات كبيرة من الدماء، وصرخ الجنود المحيطون بهم.
إيزمايل: [――آه.]
أدركت أذنا إيزمايل أن أولئك الجنود امتلأوا بالحذر الشديد مع قدر يسير من الخوف،
الجندي: [أجبَروني على ارتدائه! ارتداء هذا، وحمل القوس والقتال! إذا فعلت ذلك…]
وفي اللحظة التي همّ فيها بإنزال الفأس ليمزق خصمه، توقف ذراعه تمامًا قبل أن يبلغ جمجمته. توقف النصل قريبًا من جلده، وزفر الرجل “هاه” براحة.
إيزمايل: [حقًا مثيرون للشفقة.]
لكن الأزمان لم تنتظره حتى ينضج، فانغمس في حياة راكدة مريحة.
فبدلًا من أن يكونوا محاربين متأهبين ومتوترين، بدا أنهم استسلموا للجبن، وهذا أمر محبط للغاية. رمش بعينه الزرقاء مرة واحدة، وبدّل المشهد الذي يراه.
الجندي: [لا تقتلني! لا أريد، لا أريد أن أموت!]
في تلك اللحظة، اختفت الألوان الزاهية من العالم النابض بالألوان، وامتلأت رؤيته بألوان داكنة. ――لا، لم تكن داكنة فقط. ظهرت أضواء حمراء وصفراء وزرقاء من بين العتمة. تلك الأضواء تمثل المشاعر التي تحملها الكائنات الحية، وقدرة رؤية هذه المشاعر كألوان كانت السمة الخاصة لعين إيزمايل.
فبفضل قدرتهم البصرية التي تتفوق على باقي الأجناس في مدى الرؤية، ومع أن الأمر يختلف من فرد إلى آخر، إلا أن منهم من يرى تراكيز المانا أو الحرارة، أو يتمتع بقدرة خارقة على رصد الحركات.
كانت هجمة قبيلة السيكلوب قد ترافقت مع هجمات أخرى، لكن من فوّت تلك الفرصة من الآخرين، كان تود يشعر برغبة في مهاجمتهم الآن. وبالإضافة إلى ذلك، في الحصون الموزعة على شكل نجمة التي تحيط بالمدينة، عند أربع نقاط أخرى غير التي كان تود مسؤولاً عنها، كان الأوصياء هناك قد بدأوا هجماتهم أيضاً.
وبفضل قوة عينه، كان يستطيع التنبؤ بما إذا كان للعدو رغبة في القتال، أو ما المهارات التي يتقنها، وتاريخه كمحارب.
؟؟؟: [م-مهلًا! ت-توقف…!]
ومن خلال رؤيته التي كشفت عن تلك الألوان، اختار إيزمايل خصومه.
كانت خلايا جسده تصرخ مطالبة بضربة بأقصى ما يمكنه، ضربة تفوق تلك التي وجهها لمعاركه السابقة فوق السور، إذ لا سبيل للفوز دونها.
خمسة وحوش، متساوية في القوة، وقفت عند حصون جدار حماية العاصمة الإمبراطورية لوبوغانا. ومع وجود وحش واحد عند كل حصن من الحصون الخمسة، فهل كان لدى الثوار، الذين لا يملكون سوى العزيمة والطموح، سبيلٌ لتجاوزهم؟
وتحديدًا――،
وبصوتٍ امتزج بالغضب والأسى، عبّر عن خيبة أمله.
إيزمايل: [اختفوا أيها الجبناء!]
اجعل طليعة العدو تصعد السور، وأبقهم هناك باستخدام حلفاء لا يُهم موتهم. ثم، استعمل قوة نارية هائلة لتحرق كل من على الجانب الآخر―― كانت خطة بسيطة حقاً.
تقدّم، ولوّح بفأسه نحو من تلألأت هالاتهم باللون الأزرق، أولئك الذين فارقت عقولهم ساحة القتال، وسعوا فقط إلى النجاة.
وباختصار، أصبح وجود فتى أسود الشعر شرطًا أساسيًا للانضمام إلى الثورة الكبرى التي بدأت في إمبراطورية فولاكيا، ومن فشل في إدراك تلك الفرصة كان يُقوّض عدالة القضية التي انضم إليها.
كان يُطيح بمن أدبروا، ويكسر سيقان من فروا، ويدك وجوه من توسلوا للنجاة، وسادت ساحة السور فوضى من الموت والدماء.
وكلما استمر في ثورته، ورأى تزايد الأضواء الزرقاء، ازدادت خيبته.
اندفع نحو جسد المرأة النحيل العائم في السماء――
وما إن قال ذلك، حتى حلّقت أراكيّا فوقه، وجسدها بأكمله محاطٌ برياحٍ عاتية.
إيزمايل: [ما الذي يجري؟ هذه هي العاصمة الإمبراطورية، أراضي جلالته إمبراطور فولاكيا!]
مدّ كلتا يديه إلى الأمام، وتراجع على أردافه، وهو يهز رأسه بتوسل.
مشيرًا بفأسه إلى داخل السور، صرخ بغضب من فوقه.
――على الإطلاق، يمكن نفي ذلك تمامًا.
ومن بعيد، كانت تُرى في قلب إمبراطورية فولاكيا، رمز الأمة القوية التي لم يتمكن أحد من هزيمتها، القصر الكريستالي، والذي يُعد أجمل قصر في العالم، وكان بمقدوره الوصول إليه خلال دقائق معدودة.
كان ينوي اقتحام القصر الكريستالي، وهزيمة الجنود المتحصنين فيه، وقطع رأس الإمبراطور الجالس على العرش.
كان يلوّح بفأسه الذي يفوقه طولًا في ساحة المعركة بصورة مهيبة――ولو وُجد في عصر يعج بالحروب في إمبراطورية فولاكيا، لكان اسمه قد ذاع ليس فقط في قبيلته، بل في أنحاء البلاد كلها.
وبحركة حازمة، مسح كافما على جذعه الذي أطاح بالقنطور، ثم عادت أضلاعه إلى صدره المغتوح.
هذا ما أراده إيزمايل. لكن ذلك كان――،
إيزمايل: [ليس شرفًا رخيصًا يُنال بترهيب جنودٍ جبناء كهؤلاء!]
ولهذا، حين صرخ “ذو العين العملاقة” بأن الإمبراطور يجب أن يُهزم، لم يُعارضه أحد من قبيلته، بل وساعدوا بنشاط في البحث عن الطفل ذو الشعر الأسود.
وبصوتٍ امتزج بالغضب والأسى، عبّر عن خيبة أمله.
إيزمايل: [لست جنديًّا؟ ماذا تقصد؟ أنت ترتدي زي الجنود الآن.]
اندفع نحو جسد المرأة النحيل العائم في السماء――
ومع ذلك، فإن فأسه المصقول بدقة كان يواصل استهداف أرواح الأعداء، ومع كل خطوة، كانت الأرواح تُزهق، وكان الإحباط يتفاقم في قلب “ذو العين العملاقة”.
؟؟؟: [لا يمكن لرجل بعين واحدة أن يكون قوياً.]
ومع مواصلة إيزمايل لتقدمه، تبعه مقاتلو قبيلة السيكلوب واحدًا تلو الآخر، وراحوا بدورهم يُطيحون بالجنود الفارين، يصرعونهم، ويُنهون حياتهم.
الجندي: [لا تقتلني! لا أريد، لا أريد أن أموت!]
كان يتمنى أن يشعر بالفخر. كان يتمنى أن يُظهر وجود قبيلته للعالم.
؟؟؟: [――أحرقوهم دفعة واحدة.]
وبينما كان ينظر إلى جثث قبيلة السيكلوب المتناثرة وآثار القذائف التي حفرت في الأرض، رفع قبضته نحو السماء، مشيراً إلى المدفعيين على السور أن لا حاجة للمطاردة.
إيزمايل: [لكن، هذا لن يتحقق طالما أن خصمنا أنتم…]
من ذا الذي يجرؤ على منافسة عظمة رجل سعى لتغيير أحوال الإمبراطورية، ولا يزال يغيرها حتى اللحظة؟
؟؟؟: [م-مهلًا! ت-توقف…!]
لا شك أن معظمهم قد ابتُلع بالنار دون أن يفهم حتى ما الذي حدث. وربما فهموا، فأطال الإدراك معاناتهم.
وبينما كان إيزمايل يُحدق بحزن، انهار الرجل الذي كان يُطارده أمامه.
إيزمايل: [ليس شرفًا رخيصًا يُنال بترهيب جنودٍ جبناء كهؤلاء!]
ركض هاربًا من المحاربين، ثم سقط أمام أكثر من يُخشى الاقتراب منه، فرأى نظرة سخرية على وجه إيزمايل، وصرخ بـ”آه!” بصوت مرتجف.
وباختصار، أصبح وجود فتى أسود الشعر شرطًا أساسيًا للانضمام إلى الثورة الكبرى التي بدأت في إمبراطورية فولاكيا، ومن فشل في إدراك تلك الفرصة كان يُقوّض عدالة القضية التي انضم إليها.
مدّ كلتا يديه إلى الأمام، وتراجع على أردافه، وهو يهز رأسه بتوسل.
فبأي حقّ، تُرفع السيوف في وجه فينسنت فولاكيا؟
مدّ كلتا يديه إلى الأمام، وتراجع على أردافه، وهو يهز رأسه بتوسل.
الجندي: [لا تقتلني! لا أريد، لا أريد أن أموت!]
إيزمايل: [لقد طفح الكيل.]
إيزمايل: [――. كفى. لا تعِش في هذا الذل أكثر من ذلك.]
ومع ذلك، فإن فأسه المصقول بدقة كان يواصل استهداف أرواح الأعداء، ومع كل خطوة، كانت الأرواح تُزهق، وكان الإحباط يتفاقم في قلب “ذو العين العملاقة”.
الجندي: [آه، آاااه!]
الجندي: [لا تقتلني! لا أريد، لا أريد أن أموت!]
لكن نتائجها كانت فورية.
إيزمايل: [لقد طفح الكيل.]
وتشوّه وجه إيزمايل عند رؤية هذا الجندي البائس. وحين لم يعد قادرًا على سماع المزيد، رفع فأسه عاليًا.
وبريق باهت لمع على نصله الملطخ بالدماء، وملأ اليأس عيني الجندي،
بصفته “جنرالاً”، شهد عن قرب عهد الإمبراطور فينسنت فولاكيا.
إيزمايل: [إن كنت محاربًا، فسأمنحك على الأقل نهاية تليق بك――]
كم من الأرواح يجب أن تُزهق حتى يتراجع ذوو القرار عن حمل السلاح؟
الجندي: [أ-أنت مخطئ! لست محاربًا! لست جنديًا!]
أما أولئك الذين راقبوا بصمت ما يحدث، مكتفين بالمشاهدة من الخارج، فقد خالفوا مبادئ الإمبراطورية.
غير أن ما رآه حينها، صدمه―― كان أزرق اللون.
إيزمايل: [ماذا؟]
وفي اللحظة التي همّ فيها بإنزال الفأس ليمزق خصمه، توقف ذراعه تمامًا قبل أن يبلغ جمجمته. توقف النصل قريبًا من جلده، وزفر الرجل “هاه” براحة.
كافما: [الجنرال من الدرجة الثانية في إمبراطورية فولاكيا، كافما إيرولوكس.]
لكن الأمر لم يكن تساهلًا عشوائيًّا، بل كانت تلك الكلمات القليلة التي سمعها قبل لحظات هي ما أوقفه.
وبصفته كافما إيرولوكس، رأى بعينيه حجم إنجازات الإمبراطور العظيمة.
إيزمايل: [لست جنديًّا؟ ماذا تقصد؟ أنت ترتدي زي الجنود الآن.]
كانت هجمة قبيلة السيكلوب قد ترافقت مع هجمات أخرى، لكن من فوّت تلك الفرصة من الآخرين، كان تود يشعر برغبة في مهاجمتهم الآن. وبالإضافة إلى ذلك، في الحصون الموزعة على شكل نجمة التي تحيط بالمدينة، عند أربع نقاط أخرى غير التي كان تود مسؤولاً عنها، كان الأوصياء هناك قد بدأوا هجماتهم أيضاً.
الجندي: [أجبَروني على ارتدائه! ارتداء هذا، وحمل القوس والقتال! إذا فعلت ذلك…]
لكن الرماح ورجالها الشجعان تفادوا متابعة الأشواك.
إيزمايل: [إذا فعلت ذلك؟]
إيزمايل: [لا يمكنني أن أتركك حياً――!!]
الجندي: [سيعفون عني! سيُطلقون سراحي، وسأخرج من السجن…]
إيزمايل: [――――]
ألقى نظرة على وجه الرجل اليائس. لم يبدُ على ملامحه الباهتة والباردة ما يدل على الكذب.
من المعتاد أن يظهر على وجه الكاذب المرتجف قدرٌ من الارتباك، إذ يسعى للمكر والخداع. غير أن عين إيزمايل الثاقبة، التي لا تغفل عن أدق التفاصيل، لم تلحظ أي أثر للخداع.
إيزمايل: [لا يُعقل.]
منذ البداية، لم يكن كافما بارعًا في التهاون. ولم يكن جيدًا كذلك في الترفق أو التلاعب.
وبينما يستوعب ما رأته عيناه للتو، نظر إيزمايل حوله في أعلى السور.
وبصفته كافما إيرولوكس، رأى بعينيه حجم إنجازات الإمبراطور العظيمة.
كان جنود الإمبراطورية قد سقطوا في فوضى عارمة فوق السور، بعدما طاردتهم قبيلة السيكلوب الذين تسلقوا الجدار―― جبنهم بلغ حداً دفعه لأن يغمض عينه غيظاً، ومع ذلك، فإن مقاومة هؤلاء، مهما بلغت، لن تكون كافية أبداً.
فحتى الجنود الذين واجههم أثناء تقدمه نحو العاصمة الإمبراطورية، والذين كانوا يحملون الرماح، قد أبدوا مقاومة أشد. خاب ظن إيزمايل في أن الجنود المكلفين بالدفاع عن العاصمة كانوا على هذه الحال.
وبمجرد أن نطقت الكلمة، ملأ الضوء الأبيض مجال رؤيته، وابتلع عالم إيزمايل بالكامل.
ترى، هل لم يكونوا جنوداً نظاميين، بل مجرد مجرمين جُهّزوا بالسلاح؟
كانت خلايا جسده تصرخ مطالبة بضربة بأقصى ما يمكنه، ضربة تفوق تلك التي وجهها لمعاركه السابقة فوق السور، إذ لا سبيل للفوز دونها.
صوتٌ فيه بعض الغباء، خالٍ من الجدية، بلغ مسامع “العين العملاقة”.
وإن كان الأمر كذلك، فما الغرض من ذلك――.
وتحديدًا――،
إيزمايل: [――――]
وبينما يتأمل الأمر، خطرت لإيزمايل فجأة فكرة.
؟؟؟: [أتفق معك، لا ينبغي أن أتركك حياً. وأيضاً، لطالما فكرت بشيء منذ مدة…]
إن كانت ظنونه صحيحة، فإن من يقاتلون الآن فوق السور ليسوا سوى مقاتلي قبيلة السيكلوب، والمجرمين الذين يواجهونهم في المعركة.
فبفضل قدرتهم البصرية التي تتفوق على باقي الأجناس في مدى الرؤية، ومع أن الأمر يختلف من فرد إلى آخر، إلا أن منهم من يرى تراكيز المانا أو الحرارة، أو يتمتع بقدرة خارقة على رصد الحركات.
بمعنى آخر――،
فعيون قبيلة السيكلوب يمكنها إفراز كميات كبيرة من الدموع في لحظة، مملوءة بـ――
هذا ما أراده إيزمايل. لكن ذلك كان――،
؟؟؟: [――أحرقوهم دفعة واحدة.]
لم يكن سخطًا يمكن أن يُوجّه إلى أحد بعينه، وإن وُجّه، فسيُوجّه إلى العالم بأسره. وبينما كان على هذه الحال، رفع تود رأسه نحو السماء المثقلة برائحة الموت، وركل الأرض السوداء المتفحمة أسفل قدميه.
فبدلًا من أن يكونوا محاربين متأهبين ومتوترين، بدا أنهم استسلموا للجبن، وهذا أمر محبط للغاية. رمش بعينه الزرقاء مرة واحدة، وبدّل المشهد الذي يراه.
فجأة، اخترق صوته الهادئ أذني إيزمايل وسط سماء تضج بالصراخ والغضب.
كان لصوته حضورٌ غريب، إذ لم يكن من المفترض أن يُسمع، لكن وقعَه على الجسد جعله في غاية التأهب. ظاهرة نادرة في ساحة المعركة، حينما يتجلى نفوذ الكائن القوي حتى في صوته.
صوتٌ فيه بعض الغباء، خالٍ من الجدية، بلغ مسامع “العين العملاقة”.
كافما: […لكنني وصلت في الوقت المناسب. طالما أنا هنا، فلن تتجاوزوا حماية العاصمة الإمبراطورية.]
وبحركة حازمة، مسح كافما على جذعه الذي أطاح بالقنطور، ثم عادت أضلاعه إلى صدره المغتوح.
إيزمايل: [――――]
غير أن――
اتسعت عينه الوحيدة الضخمة، ورفع بصره نحو سماء العاصمة الإمبراطورية.
قالها، ثم بسط ذراعيه اللتين أطلقتا الأشواك، لتمتدان بعرض ساحة المعركة، وتنهالا على محاربي شعب القنطور الذين سقطوا، بضربة قاضية.
داخل أسوار المدينة المحمية بجدران صلبة، كانت امرأة ذات بشرة بُنية تطفو في السماء، وساقاها قد تحوّلتا إلى نار.
حفّز إيزمايل غدده الدمعية، لكنه لم يفتح عينيه مجدداً.
وبصفته كافما إيرولوكس، رأى بعينيه حجم إنجازات الإمبراطور العظيمة.
وكانت تغطي إحدى عينيها بعصابة، بينما تتجه بالعين الأخرى، الحمراء كالدم، نحوه――
إيزمايل: [آااااااه――!!]
فبفضل قدرتهم البصرية التي تتفوق على باقي الأجناس في مدى الرؤية، ومع أن الأمر يختلف من فرد إلى آخر، إلا أن منهم من يرى تراكيز المانا أو الحرارة، أو يتمتع بقدرة خارقة على رصد الحركات.
وما إن رآها، حتى أطلق صرخة حرب، وقفز من على السور.
إيزمايل: [لقد طفح الكيل.]
رافعاً فأسه الحربية الضخمة، اندفع نحو المرأة في السماء بضربة هائلة، لدرجة أن مجرد خدش بها كان كفيلاً بإيلام الجسد كله.
وبتلقائية انسجمت مع نداء غريزته والعالم الذي تراه عينه الوحيدة، وثب إيزمايل مهاجماً.
كانت خلايا جسده تصرخ مطالبة بضربة بأقصى ما يمكنه، ضربة تفوق تلك التي وجهها لمعاركه السابقة فوق السور، إذ لا سبيل للفوز دونها.
كان لصوته حضورٌ غريب، إذ لم يكن من المفترض أن يُسمع، لكن وقعَه على الجسد جعله في غاية التأهب. ظاهرة نادرة في ساحة المعركة، حينما يتجلى نفوذ الكائن القوي حتى في صوته.
اندفع نحو جسد المرأة النحيل العائم في السماء――
صدر صوت عظام تتألم تحت ضغط شديد، وانفجر صدر كافما المغطى بدروع خفيفة من الداخل. انفتحت أضلاعه البيضاء كأجنحة نحو الخارج، مشيرةً بأطرافها الحادة للأسفل وهي ترتجف.
؟؟؟: [――أحرقوهم دفعة واحدة.]
؟؟؟: [اختفِ.]
لكن الأزمان لم تنتظره حتى ينضج، فانغمس في حياة راكدة مريحة.
وبمجرد أن نطقت الكلمة، ملأ الضوء الأبيض مجال رؤيته، وابتلع عالم إيزمايل بالكامل.
ولهذا الغرض――،
تود: [على أي حال، لو كنت أنا، حتى لو طُلب مني، كنت سأرفض رفضاً قاطعاً. ومع ذلك…]
△▼△▼△▼△
غارفيل: [――غارفيل.]
؟؟؟: [كـ…أه…هَاه…كهـ]
الجندي: [أجبَروني على ارتدائه! ارتداء هذا، وحمل القوس والقتال! إذا فعلت ذلك…]
كان يسعل ويتلوى من الاحتراق الذي يعم جسده، ثم نهض جالساً.
كان حلقه يحترق، وما إن رفع يده إلى عنقه بسرعة، حتى بدأت جلده المتفحمة وأصابعه المتفككة بالتساقط. وما إن رأى حاله، حتى أدرك أن نجاته كانت معجزة.
إيزمايل: [لقد طفح الكيل.]
―― لا، لم تكن معجزة.
ألقى نظرة على وجه الرجل اليائس. لم يبدُ على ملامحه الباهتة والباردة ما يدل على الكذب.
فقد استعمل فأسه كدرع لحماية نفسه من ألسنة اللهب القادمة. وقد نجح في ذلك فقط لأن الحرارة كانت خارقة تكاد تلتهم كل شيء.
لكن، كان إيزمايل يدرك أنه، على الأرجح، الناجي الوحيد بصعوبة بالغة.
إيزمايل: [――――]
أما أولئك الذين راقبوا بصمت ما يحدث، مكتفين بالمشاهدة من الخارج، فقد خالفوا مبادئ الإمبراطورية.
حين أجبر جفنه المرتجف على الانفتاح ونظر إلى الأعلى، رأى أسوار العاصمة الإمبراطورية تتوهج بلون أحمر ناري، ورأى مقاتلي قبيلة السيكلوب الشرسين، والمجرمين المشاركين في القتال، قد تحولوا جميعاً إلى رماد.
وبتلقائية انسجمت مع نداء غريزته والعالم الذي تراه عينه الوحيدة، وثب إيزمايل مهاجماً.
لا شك أن معظمهم قد ابتُلع بالنار دون أن يفهم حتى ما الذي حدث. وربما فهموا، فأطال الإدراك معاناتهم.
الجندي: [أ-أنت مخطئ! لست محاربًا! لست جنديًا!]
أن يموت ويظل الناجي الوحيد، فهذه نهاية قاسية.
لكن، الأشد قسوة من كل شيء――
؟؟؟: [――ما هذا، لا زال هناك من نجا؟ حظك جيد… أم سيئ؟ إنك شخص شرير فعلاً.]
تقدّم، ولوّح بفأسه نحو من تلألأت هالاتهم باللون الأزرق، أولئك الذين فارقت عقولهم ساحة القتال، وسعوا فقط إلى النجاة.
وسط رائحة الأشجار المحترقة ولحم البشر المتفحم، وعلى الأرض المغطاة بالرماد، ظهر رجل واحد.
كان يحمل فأساً على كتفه، وأمال رأسه وهو ينظر إلى إيزمايل في الحقل المحروق. وعندما نظر إيزمايل في عينيه الجافتين الباردتين المرعبتين، انتابه شعور فوري.
أن يضع المجرمين على السور، ثم يحرقهم مع إيزمايل والآخرين دفعة واحدة، فذلك الرجل هو من نفذ تلك الخطة الوحشية.
تود: [على أي حال، لو كنت أنا، حتى لو طُلب مني، كنت سأرفض رفضاً قاطعاً. ومع ذلك…]
إيزمايل: [أ-أنتَ… الجميع…!]
؟؟؟: [――؟ لا تكن سخيفاً، لست أنا من أحرقهم. ما كنت لأفعل شيئاً فظيعاً كهذا. لقد فعلها وحش يمكنه فعل ذلك. إن أردت أن تحقد، فاحقد عليه.]
لكن الأمر لم يكن تساهلًا عشوائيًّا، بل كانت تلك الكلمات القليلة التي سمعها قبل لحظات هي ما أوقفه.
انحبس نفس إيزمايل وهو يسمع نبرة صوت الرجل، لا ساخرة ولا هازئة، بل كأنه يصدق ما يقول من أعماق قلبه. ثم غيّر مجال رؤيته في عينه الوحيدة سريعاً، مركزاً بصره لاختراق هذا الرجل.
قوة أرجل الخيول اندفعت إلى أجسامهم العلوية، وأصبحت رماحهم في قوتها لا تقل عن مدافع حجر السحر. وعلى عكس مدافع حجر السحر التي تتطلب ثروة لاقتناء كمية كافية منها، فإن شعب القنطور طالما امتلكوا رماحاً ومسافةً للركض، فإنهم قادرون على إحداث دمارٍ هائل.
غير أن ما رآه حينها، صدمه―― كان أزرق اللون.
الجندي: [أ-أنت مخطئ! لست محاربًا! لست جنديًا!]
كان هناك خطة لمنعهم من الاقتراب من الأسوار، وخطة لقتل من ينجو من ذلك، وخطة لمن يعجزون عن قتله، وخطة للهروب.
من يملك روح القتال يسطع باللون الأحمر، ومن يحمل التوتر والقلق يكون أصفر، أما من يهرب من المعركة هلعاً وخوفاً، فيبدو أزرق اللون.
ورغم أن هذا الرجل نصب فخاً ناجحاً أحاط بإيزمايل ورفاقه، إلا أنه كان أزرق.
؟؟؟: [اختفِ.]
هذا الرجل لم يكن محارباً. ولا جباناً. بل شيئاً أكثر رعباً.
إيزمايل: [لا يمكنني أن أتركك حياً――!!]
مشيرًا بفأسه إلى داخل السور، صرخ بغضب من فوقه.
وبتلقائية انسجمت مع نداء غريزته والعالم الذي تراه عينه الوحيدة، وثب إيزمايل مهاجماً.
لكن الرماح ورجالها الشجعان تفادوا متابعة الأشواك.
إيزمايل: [――آه.]
كانت ألسنة اللهب قد أحرقت أعضاءه الداخلية، وقد فقد ذراعه اليسرى بالكامل حتى الكتف. وكان جسده مثقلاً بالجراح، فتأخر تحركه كثيراً عن حالته المثالية. ومع ذلك، فإن الفأس الكبير المشوه بجانبه كان كافياً لقتل خصمه.
الجندي: [لا تقتلني! لا أريد، لا أريد أن أموت!]
بكل ما تبقى فيه، رفع فأسه الحربي وضرب باتجاه الرجل، يسمع صرير ذراعه المحترقة، وتشقق لحمه.
أدركت أذنا إيزمايل أن أولئك الجنود امتلأوا بالحذر الشديد مع قدر يسير من الخوف،
أن يموت ويظل الناجي الوحيد، فهذه نهاية قاسية.
؟؟؟: [أتفق معك، لا ينبغي أن أتركك حياً. وأيضاً، لطالما فكرت بشيء منذ مدة…]
وبحركة حازمة، مسح كافما على جذعه الذي أطاح بالقنطور، ثم عادت أضلاعه إلى صدره المغتوح.
إيزمايل: [――هك!؟]
إيزمايل: [――――]
؟؟؟: [لا يمكن لرجل بعين واحدة أن يكون قوياً.]
ومن خلال رؤيته التي كشفت عن تلك الألوان، اختار إيزمايل خصومه.
فسوف أُحقق نتائج لا يستطيع أحد تقليدها بفأسي هذا.
أمام عين إيزمايل المندفعة نحوه، ألقى الرجل عبوة صغيرة من خصره. انفتحت العبوة في الهواء، وانسكب منها مسحوق أسود.
وكلما استمر في ثورته، ورأى تزايد الأضواء الزرقاء، ازدادت خيبته.
ولذا، لم يستدعِ كافما المزيد من الأشواك، بل استدعى “حشرة” أخرى كانت بداخله.
كان نوعاً من التوابل، لا مهرب منه إن استُخدم كستارٍ دخاني. لم يكن بوسعه طرده بذراعه اليمنى التي تمسك الفأس، ولا الحديث عن يسراه المبتورة، ونتيجة لذلك، غشي المسحوق عينه الوحيدة.
أما أولئك الذين راقبوا بصمت ما يحدث، مكتفين بالمشاهدة من الخارج، فقد خالفوا مبادئ الإمبراطورية.
أطلق زمجرة “غه”، وانقطعت ضربته، وتراجع طائراً إلى الخلف.
جدار ربما كان يُعتقد أنه عصيّ على التسلق من الخارج، ومن الداخل محكم الإغلاق ضد أي عداء، تجاوز عليه بسهولة، وزرع قدميه فوقه.
تود: [في أغلب الأحيان، يكون الواثقون هم أول من يقتحم صفوف العدو.]
رغم أن أفراد قبيلة السيكلوب يملكون حاسة بصر ممتازة، فقد استُغل ضعفهم بدقة. غير أن لا ينبغي الاستهانة بهم. إذ إن استهداف العين أمرٌ شائع، وقد أعدّوا له وسائل مضادة.
إيزمايل: [آااااااه――!!]
فعيون قبيلة السيكلوب يمكنها إفراز كميات كبيرة من الدموع في لحظة، مملوءة بـ――
إيزمايل: [――آه.]
إيزمايل: [ما هذا المشهد المُخزِي من جنود الإمبراطورية!]
حفّز إيزمايل غدده الدمعية، لكنه لم يفتح عينيه مجدداً.
وفي اللحظة التالية، أصابته قذيفة من مدفع الحجر السحري، ومحت “العين العملاقة” تماماً.
كان لصوته حضورٌ غريب، إذ لم يكن من المفترض أن يُسمع، لكن وقعَه على الجسد جعله في غاية التأهب. ظاهرة نادرة في ساحة المعركة، حينما يتجلى نفوذ الكائن القوي حتى في صوته.
△▼△▼△▼△
――السيف المجنّح الهائل شق السماء، وتمزق بنصلته شعوب الأسلحة، أولئك الذين يستخدمون جزءاً من أجسادهم كأسلحة، حتى تفتّتوا إرباً.
اندفع نحو جسد المرأة النحيل العائم في السماء――
أطلق تود تنهيدة وهو يرى قبيلة السيكلوب تتناثر أشلاؤهم في السماء إثر القذائف.
لقد أنهاهم دون عناء، بعد أن نصب لهم الفخ بدقة، غير أنه لو حاول مواجهتهم بإنصاف من البداية، لما كان متأكداً من قدرته على الفوز. هذا هو مستوى خصمه.
تود: [التأمين أمر لا بد منه.]
وبينما كان ينظر إلى جثث قبيلة السيكلوب المتناثرة وآثار القذائف التي حفرت في الأرض، رفع قبضته نحو السماء، مشيراً إلى المدفعيين على السور أن لا حاجة للمطاردة.
؟؟؟: [أتفق معك، لا ينبغي أن أتركك حياً. وأيضاً، لطالما فكرت بشيء منذ مدة…]
اجعل طليعة العدو تصعد السور، وأبقهم هناك باستخدام حلفاء لا يُهم موتهم. ثم، استعمل قوة نارية هائلة لتحرق كل من على الجانب الآخر―― كانت خطة بسيطة حقاً.
فسوف أُحقق نتائج لا يستطيع أحد تقليدها بفأسي هذا.
لكن نتائجها كانت فورية.
ولذلك، يمكن اعتبار قبيلة السيكلوب نوعًا متفوقًا مؤهلًا لإنتاج محاربين مميزين.
كافما: [الجنرال من الدرجة الثانية في إمبراطورية فولاكيا، كافما إيرولوكس.]
تود: [في أغلب الأحيان، يكون الواثقون هم أول من يقتحم صفوف العدو.]
وبعينه الزرقاء الجميلة والضخمة، كان متوقعًا له منذ ولادته أن يسلك طريقًا غير اعتيادي، وقد أُطلق عليه لقب “ذو العين العملاقة” منذ صغره، ومنذ ذلك الحين نما صبيًا، فشابًا، فمحاربًا محاطًا بآمال عشيرته.
في المعارك الكبرى كهذه، عادة ما يكون المتقدمون في الطليعة إما من الباحثين عن المجد، أو ممن يدركون جيداً أهمية المبادرة في الحرب.
فعلى سبيل المثال، إن سدد العدو طعنة أولى ناجحة، فسيصبح الأمر أكثر تعقيداً لاحقاً. ومن كلتا الناحيتين، كان لا بد من إيقاف الطليعة. [1]
لكن الرماح ورجالها الشجعان تفادوا متابعة الأشواك.
تود: [حسناً، سحقنا الهجمة الأولى للعدو، لكن كيف سيتصرفون بعد ذلك؟]
فرغم أنهم قد هزموا قبيلة السيكلوب ذات النشاط الأكبر، إلا أن هناك من لا يزال يطمح لقتل جلالة الإمبراطور. فهذه الحرب أشبه بعرض للقبائل المحاربة التي تجمعت من أنحاء الإمبراطورية كافة.
كافما: [لقد أسأتُم حظًا باختياركم الحصن الذي أتولى حمايته.]
فرغم أنهم قد هزموا قبيلة السيكلوب ذات النشاط الأكبر، إلا أن هناك من لا يزال يطمح لقتل جلالة الإمبراطور. فهذه الحرب أشبه بعرض للقبائل المحاربة التي تجمعت من أنحاء الإمبراطورية كافة.
وبالإضافة إلى قبيلة السيكلوب، كان يستعد لمواجهة عدد لا يحصى من الناس، يختلفون في عدد الأطراف والعيون، وفي حجم الأجساد، وفي لون الجلد والدم، وحتى في اللغة، حتى أن التفكير في طريقة للتعامل معهم كان مرهقاً بحد ذاته.
―― لا، لم تكن معجزة.
غير أن――
ألقى نظرة على وجه الرجل اليائس. لم يبدُ على ملامحه الباهتة والباردة ما يدل على الكذب.
تود: [مهما جمعتَ من قبائل غريبة، لا أظن أن لها أثراً كبيراً. فالمهم في النهاية…]
صوتٌ فيه بعض الغباء، خالٍ من الجدية، بلغ مسامع “العين العملاقة”.
وما إن قال ذلك، حتى حلّقت أراكيّا فوقه، وجسدها بأكمله محاطٌ برياحٍ عاتية.
وتحديدًا――،
ولذا، لم يستدعِ كافما المزيد من الأشواك، بل استدعى “حشرة” أخرى كانت بداخله.
كانت هجمة قبيلة السيكلوب قد ترافقت مع هجمات أخرى، لكن من فوّت تلك الفرصة من الآخرين، كان تود يشعر برغبة في مهاجمتهم الآن. وبالإضافة إلى ذلك، في الحصون الموزعة على شكل نجمة التي تحيط بالمدينة، عند أربع نقاط أخرى غير التي كان تود مسؤولاً عنها، كان الأوصياء هناك قد بدأوا هجماتهم أيضاً.
―― لا، لم تكن معجزة.
لقد أنهاهم دون عناء، بعد أن نصب لهم الفخ بدقة، غير أنه لو حاول مواجهتهم بإنصاف من البداية، لما كان متأكداً من قدرته على الفوز. هذا هو مستوى خصمه.
――اجتاحت الأشواك الأرجوانية كالعاصفة، حاصدةً جيشاً عظيماً من شعب القنطور، أولئك الذين يملكون نصفاً علوياً بشرياً ونصفاً سفلياً خيلياً، كانوا يحاولون التقدم فسُحقوا تحتها.
كافما: [لن أسمح لأمثالكم بالوصول إلى حضرة صاحب الجلالة الإمبراطور.]
――السيف المجنّح الهائل شق السماء، وتمزق بنصلته شعوب الأسلحة، أولئك الذين يستخدمون جزءاً من أجسادهم كأسلحة، حتى تفتّتوا إرباً.
كافما: [――هك!]
――قبضات تماثيل الغولم الحجرية التي انبثقت من الأرض، أطاحت بالشعب المجنح الذين امتلكوا أجنحة لا تقدر على الطيران.
كان يُطيح بمن أدبروا، ويكسر سيقان من فروا، ويدك وجوه من توسلوا للنجاة، وسادت ساحة السور فوضى من الموت والدماء.
――جماعة من الشواذ الذين أتقنوا فن القتل، ارتكبوا مذبحة في حق شعب التوهج، أولئك الذين نُقش حجر لامع في جباههم.
لكن الأزمان لم تنتظره حتى ينضج، فانغمس في حياة راكدة مريحة.
إيزمايل: [――أنا من سيتربع على عرش إمبراطورية فولاكيا!]
تود: [إن كان الأمر يتعلّق بوحوش، فإن كفتنا ستكون متعادلة.]
في تلك اللحظة، اختفت الألوان الزاهية من العالم النابض بالألوان، وامتلأت رؤيته بألوان داكنة. ――لا، لم تكن داكنة فقط. ظهرت أضواء حمراء وصفراء وزرقاء من بين العتمة. تلك الأضواء تمثل المشاعر التي تحملها الكائنات الحية، وقدرة رؤية هذه المشاعر كألوان كانت السمة الخاصة لعين إيزمايل.
إيزمايل: [――هك!؟]
――التحموا مع الطبيعة، وأحالوا قبيلة السيكلوب إلى رماد بنيران قرمزية متقدة، كما لو كانوا يتنفسون فحسب.
أطلق زمجرة “غه”، وانقطعت ضربته، وتراجع طائراً إلى الخلف.
خمسة وحوش، متساوية في القوة، وقفت عند حصون جدار حماية العاصمة الإمبراطورية لوبوغانا. ومع وجود وحش واحد عند كل حصن من الحصون الخمسة، فهل كان لدى الثوار، الذين لا يملكون سوى العزيمة والطموح، سبيلٌ لتجاوزهم؟
وقبيلة “عين الشر” هي قوم آخرون ممن يتمتعون بعيون ذات خصائص خاصة، لكن بخلافهم، حيث يولد أفرادهم بأجساد ضعيفة غالبًا مقابل قواهم الفريدة، فإن السيكلوب يتمتعون بقوة بدنية أيضًا.
تود: [على أي حال، لو كنت أنا، حتى لو طُلب مني، كنت سأرفض رفضاً قاطعاً. ومع ذلك…]
وبصوتٍ امتزج بالغضب والأسى، عبّر عن خيبة أمله.
كان هناك خطة لمنعهم من الاقتراب من الأسوار، وخطة لقتل من ينجو من ذلك، وخطة لمن يعجزون عن قتله، وخطة للهروب.
؟؟؟: [――للأسف، أنتم تسبحون في أعماق لا طاقة لكم بها! لن أسمح لكم بالتقدم خطوةً واحدة بعد الآن!!]
ولدى رؤيتهم لإيزمايل وقد حط فوق السور، أصيب الجنود الذين شهروا أقواسهم بالارتباك، وحاولوا سحب سيوفهم، لكنهم كانوا بطيئين للغاية.
وكان من الأفضل ألا يصل الأمر إلى تلك الخطة الأخيرة، ولكن مجريات المعركة يصعب التنبؤ بها.
إيزمايل: [――――]
في الأساس، وصول الثوار إلى العاصمة الإمبراطورية بهذه الصورة، وبدء هذه المعركة، تجاوزا ما تصوّره تود حين بدأت الحرب بالتصعيد.
غير أن――
تود: [ولهذا السبب، رغم أنني عدتُ إلى العاصمة، لم أتمكن من لقاء كاتيا… إلى متى ستمنعني من لقائها قبل أن ترضى؟]
وتشوّه وجه إيزمايل عند رؤية هذا الجندي البائس. وحين لم يعد قادرًا على سماع المزيد، رفع فأسه عاليًا.
إيزمايل: [إذا فعلت ذلك؟]
لم يكن سخطًا يمكن أن يُوجّه إلى أحد بعينه، وإن وُجّه، فسيُوجّه إلى العالم بأسره. وبينما كان على هذه الحال، رفع تود رأسه نحو السماء المثقلة برائحة الموت، وركل الأرض السوداء المتفحمة أسفل قدميه.
――اجتاحت الأشواك الأرجوانية كالعاصفة، حاصدةً جيشاً عظيماً من شعب القنطور، أولئك الذين يملكون نصفاً علوياً بشرياً ونصفاً سفلياً خيلياً، كانوا يحاولون التقدم فسُحقوا تحتها.
المزيد، والمزيد، والمزيد من الناس سيموتون.
△▼△▼△▼△
كافما: [أيها الثوار الأوغاد، تدوسون بتهور على السلام الذي جلبه صاحب السمو بفضل قدرته.]
كم من الأرواح يجب أن تُزهق حتى يتراجع ذوو القرار عن حمل السلاح؟
تود: [كفى، أيتها الوحوش المتعطشة للحرب.]
ولدى رؤيتهم لإيزمايل وقد حط فوق السور، أصيب الجنود الذين شهروا أقواسهم بالارتباك، وحاولوا سحب سيوفهم، لكنهم كانوا بطيئين للغاية.
△▼△▼△▼△
وبينما كان إيزمايل يُحدق بحزن، انهار الرجل الذي كان يُطارده أمامه.
؟؟؟: [――للأسف، أنتم تسبحون في أعماق لا طاقة لكم بها! لن أسمح لكم بالتقدم خطوةً واحدة بعد الآن!!]
إيزمايل: [――――]
واقفاً في هيئة مهيبة فوق السور، بسط ذراعيه على اتساعهما وأطلق تموجات عبر كامل جسده.
وتحديدًا――،
فورًا بعد ذلك، بدأ جسد الجنرال من الدرجة الثانية كافما إيرولوكس ينبض، وأُطلقت الأشواك الأرجوانية من ذراعيه بقوة هائلة، متجهةً نحو مجموعة القنطور الذين كانوا يركضون بسرعة عبر الأراضي الزراعية――نُسفَت أقدامهم، وثُقبت صدورهم، ودُفنوا في الأرض الصلبة.
تمكن بعض المحاربين الشجعان من تجنب الأشواك، واقتربوا أكثر من السور، ولوّحوا برماحهم ثم رموها.
قوة أرجل الخيول اندفعت إلى أجسامهم العلوية، وأصبحت رماحهم في قوتها لا تقل عن مدافع حجر السحر. وعلى عكس مدافع حجر السحر التي تتطلب ثروة لاقتناء كمية كافية منها، فإن شعب القنطور طالما امتلكوا رماحاً ومسافةً للركض، فإنهم قادرون على إحداث دمارٍ هائل.
إيزمايل: [ليس شرفًا رخيصًا يُنال بترهيب جنودٍ جبناء كهؤلاء!]
وكان السور يحيط بالعاصمة الإمبراطورية، منقوشًا عليه نعمة الحماية من الأرض، فلا ينهار بسهولة، ولكن لو ضُرب بمئات الرماح ذات تلك القوة، فقد ينفذ بعض الضرر.
كان يتمنى أن يشعر بالفخر. كان يتمنى أن يُظهر وجود قبيلته للعالم.
إيزمايل: [اختفوا أيها الجبناء!]
غير أن――
تود: [على أي حال، لو كنت أنا، حتى لو طُلب مني، كنت سأرفض رفضاً قاطعاً. ومع ذلك…]
المزيد، والمزيد، والمزيد من الناس سيموتون.
كافما: [لقد أسأتُم حظًا باختياركم الحصن الذي أتولى حمايته.]
قالها، ثم بسط ذراعيه اللتين أطلقتا الأشواك، لتمتدان بعرض ساحة المعركة، وتنهالا على محاربي شعب القنطور الذين سقطوا، بضربة قاضية.
كان ينوي اقتحام القصر الكريستالي، وهزيمة الجنود المتحصنين فيه، وقطع رأس الإمبراطور الجالس على العرش.
لكن الرماح ورجالها الشجعان تفادوا متابعة الأشواك.
ألقى نظرة على وجه الرجل اليائس. لم يبدُ على ملامحه الباهتة والباردة ما يدل على الكذب.
ولذا، لم يستدعِ كافما المزيد من الأشواك، بل استدعى “حشرة” أخرى كانت بداخله.
إيزمايل: [――――]
إن كانت ظنونه صحيحة، فإن من يقاتلون الآن فوق السور ليسوا سوى مقاتلي قبيلة السيكلوب، والمجرمين الذين يواجهونهم في المعركة.
كافما: [――هك!]
صدر صوت عظام تتألم تحت ضغط شديد، وانفجر صدر كافما المغطى بدروع خفيفة من الداخل. انفتحت أضلاعه البيضاء كأجنحة نحو الخارج، مشيرةً بأطرافها الحادة للأسفل وهي ترتجف.
فبأي حقّ، تُرفع السيوف في وجه فينسنت فولاكيا؟
اندفع المحاربون الشجعان من شعب القنطور نحو الأمام، مستعدين لما قد يخرج من بين تلك الأضلاع المفتوحة.
لكن، حتى وإن استعدوا، فلا فائدة.
لكن نتائجها كانت فورية.
وما إن قال ذلك، حتى حلّقت أراكيّا فوقه، وجسدها بأكمله محاطٌ برياحٍ عاتية.
――فورًا بعد ذلك، ارتد جسد كافما بكامله بعنف، وأدى الارتداد إلى سحب قامته الطويلة إلى الوراء. كعباه اللذان كانا مغروسين بقوة في الأرض، جرّا عبر السور، فيما كان كافما يواجه الألم الشديد بصبر.
وبريق باهت لمع على نصله الملطخ بالدماء، وملأ اليأس عيني الجندي،
وتحته، الفراغ الذي كانت أضلاعه تصوّب نحوه، اجتاح كل من كان من القنطور في طريقهم، وأبادهم عن بكرة أبيهم.
لكن، الأشد قسوة من كل شيء――
ومثل الأشواك، كانت هذه “حشرة” جديدة مناسبة لمواجهة الأعداء بأعداد كبيرة―― وقد كان خائفاً أن يدخل في طور الشرنقة مرة أخرى في لحظة حاسمة كهذه.
لكن، حتى وإن استعدوا، فلا فائدة.
؟؟؟: [――واو، يبدو أنك تملك عزيمة عظيمة، ما أقدر أقول إني أكرهها.]
كافما: […لكنني وصلت في الوقت المناسب. طالما أنا هنا، فلن تتجاوزوا حماية العاصمة الإمبراطورية.]
وعودة إلى موضوعنا، لنتحدث عن “ذو العين العملاقة” إيزمايل.
وبحركة حازمة، مسح كافما على جذعه الذي أطاح بالقنطور، ثم عادت أضلاعه إلى صدره المغتوح.
وكان السور يحيط بالعاصمة الإمبراطورية، منقوشًا عليه نعمة الحماية من الأرض، فلا ينهار بسهولة، ولكن لو ضُرب بمئات الرماح ذات تلك القوة، فقد ينفذ بعض الضرر.
――السيف المجنّح الهائل شق السماء، وتمزق بنصلته شعوب الأسلحة، أولئك الذين يستخدمون جزءاً من أجسادهم كأسلحة، حتى تفتّتوا إرباً.
كانت “الحشرة” الجديدة قوية، لكن أضرارها الارتدادية كانت جسيمة كذلك. كانت سيفاً ذا حدين، يسلب الجسد والروح، ولا يجب استخدامها بتكرار.
كان حلقه يحترق، وما إن رفع يده إلى عنقه بسرعة، حتى بدأت جلده المتفحمة وأصابعه المتفككة بالتساقط. وما إن رأى حاله، حتى أدرك أن نجاته كانت معجزة.
الجندي: [أ-أنت مخطئ! لست محاربًا! لست جنديًا!]
ومع ذلك، إن استدعى الأمر، فإن لها قيمة تُستحق المغامرة.
إيزمايل: [ماذا؟]
منذ البداية، لم يكن كافما بارعًا في التهاون. ولم يكن جيدًا كذلك في الترفق أو التلاعب.
كافما: [أيها الثوار الأوغاد، تدوسون بتهور على السلام الذي جلبه صاحب السمو بفضل قدرته.]
لكن، كان إيزمايل يدرك أنه، على الأرجح، الناجي الوحيد بصعوبة بالغة.
بصفته “جنرالاً”، شهد عن قرب عهد الإمبراطور فينسنت فولاكيا.
ولدى رؤيتهم لإيزمايل وقد حط فوق السور، أصيب الجنود الذين شهروا أقواسهم بالارتباك، وحاولوا سحب سيوفهم، لكنهم كانوا بطيئين للغاية.
لكن، كان إيزمايل يدرك أنه، على الأرجح، الناجي الوحيد بصعوبة بالغة.
وبصفته من قبيلة قفص الحشرات النادرة والمكروهة، عاش في العالم الذي أنشأه الإمبراطور.
بكل ما تبقى فيه، رفع فأسه الحربي وضرب باتجاه الرجل، يسمع صرير ذراعه المحترقة، وتشقق لحمه.
وبينما كان ينظر إلى جثث قبيلة السيكلوب المتناثرة وآثار القذائف التي حفرت في الأرض، رفع قبضته نحو السماء، مشيراً إلى المدفعيين على السور أن لا حاجة للمطاردة.
وبصفته كافما إيرولوكس، رأى بعينيه حجم إنجازات الإمبراطور العظيمة.
تود: [على أي حال، لو كنت أنا، حتى لو طُلب مني، كنت سأرفض رفضاً قاطعاً. ومع ذلك…]
فبأي حقّ، تُرفع السيوف في وجه فينسنت فولاكيا؟
وكما يوحي الاسم، فإن قبيلة السيكلوب هي قوم لا يملكون سوى عين واحدة. وإذا ما أُخذ بعين الاعتبار أن معظم الأجناس تولد بزوج من العيون، فإن العين الواحدة لا تُعدّ ميزة في معركة البقاء.
من ذا الذي يجرؤ على منافسة عظمة رجل سعى لتغيير أحوال الإمبراطورية، ولا يزال يغيرها حتى اللحظة؟
إيزمايل: [――――]
لذلك――
كافما: [لن أسمح لأمثالكم بالوصول إلى حضرة صاحب الجلالة الإمبراطور.]
وعندما يُحقق إيزمايل طموحه، فسوف يقتلعهم جميعًا ويؤسس أمة أقوى.
؟؟؟: [――واو، يبدو أنك تملك عزيمة عظيمة، ما أقدر أقول إني أكرهها.]
فبفضل قدرتهم البصرية التي تتفوق على باقي الأجناس في مدى الرؤية، ومع أن الأمر يختلف من فرد إلى آخر، إلا أن منهم من يرى تراكيز المانا أو الحرارة، أو يتمتع بقدرة خارقة على رصد الحركات.
متجنباً الأشواك والقصف الأبيض، انطلق شخص من الأراضي الزراعية وقفز إلى أعلى السور. ناظرًا إلى خصمه الأقصر منه، ضيّق كافما عينيه المشقوقتين.
حفّز إيزمايل غدده الدمعية، لكنه لم يفتح عينيه مجدداً.
إيزمايل: [حقًا مثيرون للشفقة.]
كان وافدًا جديدًا، وامتلك المهارة الكافية ليصل إلى موقع لم يبلغه رجال القنطور الشجعان. ――ببساطة، خصمٌ لا يُستهان به.
كانت “الحشرة” الجديدة قوية، لكن أضرارها الارتدادية كانت جسيمة كذلك. كانت سيفاً ذا حدين، يسلب الجسد والروح، ولا يجب استخدامها بتكرار.
منذ البداية، لم يكن كافما بارعًا في التهاون. ولم يكن جيدًا كذلك في الترفق أو التلاعب.
وبالإضافة إلى قبيلة السيكلوب، كان يستعد لمواجهة عدد لا يحصى من الناس، يختلفون في عدد الأطراف والعيون، وفي حجم الأجساد، وفي لون الجلد والدم، وحتى في اللغة، حتى أن التفكير في طريقة للتعامل معهم كان مرهقاً بحد ذاته.
في تلك اللحظة، اختفت الألوان الزاهية من العالم النابض بالألوان، وامتلأت رؤيته بألوان داكنة. ――لا، لم تكن داكنة فقط. ظهرت أضواء حمراء وصفراء وزرقاء من بين العتمة. تلك الأضواء تمثل المشاعر التي تحملها الكائنات الحية، وقدرة رؤية هذه المشاعر كألوان كانت السمة الخاصة لعين إيزمايل.
ومع ذلك، حدد كافما أن هذا الخصم لا يُمكن التعامل معه بقدرٍ بسيط من الجدية.
كان يتمنى أن يشعر بالفخر. كان يتمنى أن يُظهر وجود قبيلته للعالم.
ولهذا الغرض――،
كافما: [الجنرال من الدرجة الثانية في إمبراطورية فولاكيا، كافما إيرولوكس.]
هذا الرجل لم يكن محارباً. ولا جباناً. بل شيئاً أكثر رعباً.
إيزمايل: [――――]
وهكذا، قدم نفسه، فانطلقت ستة أجنحة شفافة من ظهره، ممزقةً العباءة التي كان يرتديها من الداخل. كان ذلك استعدادًا للحرب―― أو بالأحرى، كان ذلك بمثابة تقديم رسمي.
――السيف المجنّح الهائل شق السماء، وتمزق بنصلته شعوب الأسلحة، أولئك الذين يستخدمون جزءاً من أجسادهم كأسلحة، حتى تفتّتوا إرباً.
فمن اللائق للمحارب أن يذكر اسمه عند مواجهة محارب آخر. بالطبع، في ساحة المعركة، هناك من لا يتبعون هذا التقليد――
لقد أنهاهم دون عناء، بعد أن نصب لهم الفخ بدقة، غير أنه لو حاول مواجهتهم بإنصاف من البداية، لما كان متأكداً من قدرته على الفوز. هذا هو مستوى خصمه.
بكل ما تبقى فيه، رفع فأسه الحربي وضرب باتجاه الرجل، يسمع صرير ذراعه المحترقة، وتشقق لحمه.
غارفيل: [――غارفيل.]
كان يلوّح بفأسه الذي يفوقه طولًا في ساحة المعركة بصورة مهيبة――ولو وُجد في عصر يعج بالحروب في إمبراطورية فولاكيا، لكان اسمه قد ذاع ليس فقط في قبيلته، بل في أنحاء البلاد كلها.
الجندي: [آه، آاااه!]
كافما: [――――]
في الحادية والعشرين من عمره، كان إيزمايل محاربًا يلوح بفأس قتالي عملاق بجسده المدرب جيدًا. وكما ذُكر سابقًا، فإن العين الزرقاء الوحيدة التي تتوسط وجهه أصبحت مصدر رهبة وإعجاب داخل قبيلته، ومصدر خوف للأجناس الأخرى.
غارفيل: [أنا الشخص الرائع “النمر المتألق” غارفيل تينزل. ――بالحقيقة، قيل لي ما أقول اسمي، بس أحياناً ما يكون لي خيار.]
ثم، بابتسامة شرسة على وجهه―― جمع غارفيل القفازين الجميلين في ذراعيه أمام صدره، فصدر صوت لطيف أشبه بصوت آلة موسيقية.
المزيد، والمزيد، والمزيد من الناس سيموتون.
وقبيلة “عين الشر” هي قوم آخرون ممن يتمتعون بعيون ذات خصائص خاصة، لكن بخلافهم، حيث يولد أفرادهم بأجساد ضعيفة غالبًا مقابل قواهم الفريدة، فإن السيكلوب يتمتعون بقوة بدنية أيضًا.
كان كافما مستعدًا أن يصمد حتى النهاية، مهما طالت المعركة، وهو المكلّف بحماية أسوار العاصمة الإمبراطورية.
――السيف المجنّح الهائل شق السماء، وتمزق بنصلته شعوب الأسلحة، أولئك الذين يستخدمون جزءاً من أجسادهم كأسلحة، حتى تفتّتوا إرباً.
وبهذا، يمكن القول إن “العين” كانت في بعض الجوانب سلاحًا يفوق غيره من القدرات في ساحات القتال.
――وفي اليوم الأول من الحرب، في هذا اللقاء المصيري، لم يُخطئ أقوى رجل بين جنرالات الدرجة الثانية في الإمبراطورية تقديره.
ولهذا، حين صرخ “ذو العين العملاقة” بأن الإمبراطور يجب أن يُهزم، لم يُعارضه أحد من قبيلته، بل وساعدوا بنشاط في البحث عن الطفل ذو الشعر الأسود.
تقدّم، ولوّح بفأسه نحو من تلألأت هالاتهم باللون الأزرق، أولئك الذين فارقت عقولهم ساحة القتال، وسعوا فقط إلى النجاة.
