87 - المعركة الحاسمة عند الحصن.
الحصار الذي فرضه جيش المتمردين على العاصمة الإمبراطورية لوبوغانا، بقصد هزيمة الإمبراطور فينسنت فولاكيا، والذي كان يُفترض أنّ المتمردين قد اجتمعوا من شتى أنحاء البلاد متعاونين في جبهة موحدة―― لم يكن ما جرى في الواقع.
غارفيل: [――هك، آه، أوه.]
فقد كان هنالك بالفعل عدد هائل من المتمردين الذين تجمعوا حول العاصمة الإمبراطورية لوبوغانا.
سرعة تسلّل الكروم الشائكة ذات الأشواك التي لا تُحصى أوحت بوحشٍ مفترسٍ ينقضّ على فريسته. أي إنّها كانت أسرع ضربة لحصد روح خصمه.
من كل أرجاء الإمبراطورية، اجتمعوا ليحاصروا لوبوغانا، قلب إمبراطورية فولاكيا، وأعدّوا قوةً فاقت في عددها أضعاف الجنود الإمبراطوريين الذين تحويهم العاصمة.
غارفيل: [أوه؟]
وفي معظم الأحيان، تُحسم المعارك بالأعداد.
غارفيل: [سأسحقك سحقاًاا――!!]
غير أنّ صدر كافما انفتح فجأة، وأجنحته على ظهره خفقت بقوّة لترفعه عن الأرض. ومن خلف أضلعه البارزة، لمح غارفيل “حشرة” ذهبيّة.
فكلما اتسع نطاق المعركة، صار هذا القانون أكثر حسماً، وبناءً عليه كان يمكن القول إن قوات المتمردين، التي نجحت في حشد ما يزيد على ضعف عدد الجنود، قد حصلت على أفضلية ساحقة في هجومهم على العاصمة الإمبراطورية.
أوبيليك: [بمنطقك هذا، فجميع من يتقاسمون دوري… جميع مراقبي النجوم الذين يُصغون إلى “الوصايا”، ليسوا سوى قشور؟]
وبالتأكيد، فإن جميع المتمردين سيأتون لقطع رأس فينسنت، الجالس على العرش. ولهذه الغاية، سترسل كل قبيلة أقوى محاربيها محاولةً إعلان سطوتها.
غير أنّ――
ضُربت ضربة، لكن القتال لم يتوقّف.
؟؟؟: [―― ذلك إن استطاعت القوات المجمَّعة أن تعمل كوحدة متماسكة.]
ولبرهةٍ، بقي متوجّساً من الموجة الصادمة التي أبادت القنطور، فلم يكشف صدره، بل قطع تحكّمه بالكروم المتفرّعة من ذراعيه، وبدأت أجنحته على ظهره بالطنين.
في أعمق موضع من العاصمة الإمبراطورية لوبوغانا، جالساً على العرش في قاعة العرش بقصر الكريستال، ضيّق فينسنت عينيه السوداوين وهو يتلقى تقارير الهجوم الشامل الذي بدأه المتمردون.
هكذا كان أوتو قد قال لغارفيل قبل أن يقفز إلى ساحة القتال.
كانت العاصمة محاصَرة من قبل قوات المتمردين، ومُهاجمة بفارقٍ ساحق في القوة العددية. ورغم كونه في مأزق لم يشهده تاريخ الإمبراطورية من قبل، لم يبدُ على ملامحه الشيطانية الباردة أي أثر خوفٍ أو تسرع.
أوبيليك: [بالطبع، أنا مدرك لهذا. لكن، يا صاحب السعادة… لا، أنتم حذرون للغاية. حتى اللحظة الأخيرة، افترضت أن حياتي لا يمكن أن تُنتزع.]
وكان ذلك راجعاً بدرجة كبيرة إلى العامل التحليلي الذي ذكره بنفسه قبل قليل.
كافما: [――أُقرّ بقصور بصيرتي.]
فينسنت: [غاية المتمردين المجتمعين قد تكون واحدة حول رأسي، لكن ليس ثمة مجال للتسوية في الوسائل التي يستعملونها لتحقيق ذلك. فمنذ البداية، كل منهم سعى ليقف في المقدمة متى ما بدأت الأحداث.]
؟؟؟: [وكلما اشتد حرصهم على ألّا يُهزموا، ازداد صعوبة قبولهم بفكرة التنسيق مع غيرهم. هذا يذكرني، بوضوح، بأيام مراسم اختيار الإمبراطور.]
مسح الدم عن فمه بيده ونهض واقفاً.
فانتفخت بشرته البنيّة الداكنة الموشومة من الداخل، وفوراً انطلقت منها أشواك هائلة العدد، لتملأ مجال رؤية غارفيل كلّه وهو مندفعٌ صوبها.
فينسنت: [――――]
أوتو: [لذا، تأكّد أن تحفظ هذا الأمر في قلبك.]
؟؟؟: [لتحديد الإمبراطور التالي، ذلك الطقس الدموي حيث يتنافس إخوة العائلة الإمبراطورية الفولاكية على العرش… حتى في تلك المناسبة، أُقصي من رفض البدائل من على الرقعة. وأهم من ذلك…]
وبذلك، قطع بيرستيتز، الذي كان واقفاً بجانب العرش، كلامه وتوقف لحظةً وهو يراكم كلماته. كانت عيناه الضيقتان مثل الخيط لا تكشفان شيئاً من مشاعره، غير أنّ المرء كان يستطيع أن يلمح ما يشعر به على نحوٍ عام.
وواضعاً يده على فمه، نطق أوبيليك بجرأة بما وُبخ عليه للتو.
بلا مبالغة، كان ضغطها أشبه بغابةٍ بأكملها تنهال عليه.
إذ إن بيرستيتز كان بدوره أحد الذين خاضوا حمام الدم في مراسم الاختيار الإمبراطوري.
وباحتساب قوة “الحشرات”، كانت تلك هي قوة المقاتل المعروف باسم كافما إيرولوكس.
بيرستيتز: [في ذلك الحين، كان هناك حذر من شخصية سعادة بارثروي الذي شكّل أكبر فصيل، وكما هو متوقع، جرى التخلص منه سريعاً، مع ذلك.]
كافما: [――غه.]
قال فينسنت لأوبيليك الذي مال برأسه، مشيحاً بانتباهه نحو المعركة في الخارج جراء الاهتزاز. عندها أغمض أوبيليك إحدى عينيه، وأسند فينسنت ذقنه إلى يده،
وبغض النظر عن خواطر فينسنت الداخلية، مسّ بيرستيتز شاربه أسفل أنفه وهو ينطق خاتمة كلماته المجمَّعة.
كافما: [تعالَ، غارفيل تينزل!!]
وكانت طريقته في الحديث كأنما الأمر لا يعنيه، وذلك بدا خالياً من الإخلاص.
فينسنت: [أتجرؤ على قول ذلك؟ أليس أنت ولاميا من تخلّص من ذلك الأخ الأكبر؟]
كافما: [――هاه، ما هذا!?]
وبغض النظر عن خواطر فينسنت الداخلية، مسّ بيرستيتز شاربه أسفل أنفه وهو ينطق خاتمة كلماته المجمَّعة.
بيرستيتز: [وإن كان أمراً معيباً، فقد تبعتُ حكم صاحبة السعادة لاميا. ثم إنني لم أستطع أن أنفذ إلى نوايا سعادة بارثروي الحقيقية، لذا فما زلت إلى اليوم أعيش في عار.]
الهجوم العنيف للنمر الذهبي، مكشراً عن أنيابه وهو ينقض، اخترق أمواج الأشواك البنفسجية التي ملأت رؤيته من الجهة المقابلة مباشرة، وتكوّن صدع في الحصن عند أحد أطراف النجم.
فينسنت: [نوايا الأخ الأكبر بارثروي، همم.]
بيرستيتز: [بالفعل. لقد كان مؤامرة حيكت من قِبَل سعادتكم وسعادته بارثروي.]
△▼△▼△▼△
أجاب بيرستيتز وهو يسحب ذقنه إلى الوراء بعمق، دون أن يتغير شيء في ملامحه.
وبالنظر إلى ما وقع حينها، لربما كان متوقعاً أن يحمل حقداً، غير أنّه كان رجلاً متحرراً من تلك العواطف البشرية التافهة. بل وكان رشيداً بما يكفي ليعلم أنّه لا جدوى من قول أي شيء لڤينسنت.
――لقد جمع إمبراطور الإمبراطورية المقدسة فولاكيا “وحوشاً” لا يمكن لأي بطل أن يحلم بمجابهتها.
ذلك الفعل كان من صنع فينسنت فولاكيا―― لا، بل كان ثمرة أعمال ڤينسنت أبيلوكس، قبل أن يصير إمبراطوراً،
أجاب بيرستيتز وهو يسحب ذقنه إلى الوراء بعمق، دون أن يتغير شيء في ملامحه.
؟؟؟: [وبما أنّ صاحب السعادة الحقيقي خارج الأسوار في هذا الوقت، فإن مشاعر صاحب السعادة رئيس الوزراء، الذي يضلّ طريقه في وجه الهجوم، هي أمر أستطيع أن أفهَمه تماماً~.]
وبينما فكّر إن كان سيسأله عن معنى كلماته، خطا خطوةً للأمام، فإذا بركبته تخونه ويسقط على ركبته. ومع “آه؟”، خرج نفسٌ متقطّع، وعيناه تدمعان دمويّتين وهو قابضٌ صدره.
ومن الطبيعي أنه، وقد وُلِد في قبيلة قفص الحشرات، لم يكن يتردد أو يشعر بالذنب في استعارة قوة “الحشرات” واستخدام قدراتها كما لو كانت قوته الخاصة.
بيرستيتز: [――――]
وحين لم يبقَ إلا أمتار قليلة――
؟؟؟: [همم~؟ إنكما تنظران إليّ بصرامة… هل قلتُ ما لا ينبغي؟]
غارفيل: […آسف؟]
الرجل الرقيق الذي هز كتفيه بلا مبالاة في مواجهة فينسنت وبيرستيتز، أرفع شخصيتين في الإمبراطورية، كان كائناً شاذاً سُمح له بدخول قصر الكريستال بغض النظر عن رتبته―― إنّه قارئ النجوم، أوبيليك.
أوتو: [إن اكتشفوا من نحن ومن أين جئنا، قد يؤدّي ذلك إلى أزمةٍ دبلوماسيّة خطيرة. لذا، رجاءً لا تدع نفسك تُستفَز، ولا تَهذُ بكلماتٍ لا لزوم لها.]
وليس أنّ أوبيليك اقتحم المحادثة فجأة، فقد كان موجوداً منذ البداية حين بدأ فينسنت وبيرستيتز حديثهما، إلا أنّه لم يتدخل.
في وضع قتالي مهيب، حاول كافما أن يستدعي “الحشرات” الشائكة الدائرة في جسده، لكن دوياً هائلاً انفجر قريباً منه―― عيناه اتسعتا من أثر الاصطدام العنيف الذي بدا وكأنه انفجار.
ومع ذلك――
فينسنت: [غاية المتمردين المجتمعين قد تكون واحدة حول رأسي، لكن ليس ثمة مجال للتسوية في الوسائل التي يستعملونها لتحقيق ذلك. فمنذ البداية، كل منهم سعى ليقف في المقدمة متى ما بدأت الأحداث.]
فينسنت: [حتى في غياب الآخرين، فليس من اللائق التحدث بهذا الاسترخاء.]
غارفيل: [――آه.]
أوبيليك: [آه~, لم يكن من اللازم أن أزيدها بلقب “الحقيقي”، أليس كذلك؟ لا عجب أنّ صاحب السعادة الإمبراطور وصاحب السعادة رئيس الوزراء قد استشاطا غضباً. غير أنّه إن لم أُخرجها بين حين وآخر، فقد تنفلت منّي فجأة. ―ـ ألا تشفقون على الجنود الذين يخاطرون بأرواحهم حتى هذه اللحظة لحماية العاصمة الإمبراطورية؟]
فينسنت: [――――]
كافما: [――――]
أوبيليك: [أفهم. غير أنه مهما بلغ تعطش مواطني الإمبراطورية للدماء، فلن يقتحموا العاصمة دون فرصة للنصر. أليس لهذا السبب تدفع كل قبيلة بأبطالها؟]
أوبيليك: [فلو كُشف مصادفة أنّ صاحب السعادة الإمبراطور فينسنت، الذي يسعى الجميع لحمايته بجهدٍ عظيم، ليس سوى مزيّف…]
كافما: [تعالَ، غارفيل تينزل!!]
وواضعاً يده على فمه، نطق أوبيليك بجرأة بما وُبخ عليه للتو.
فينسنت: [――――]
لقد جعلته قدراته ورقة لا يُستهان بها، غير أنّ سلوكه لم يخلُ من خفة مهرج. لكن، لم يكن واجب المهرج إذناً لإطلاق النكات فحسب.
وقف أوبيليك في حرج وملامحه مترددة، لكنه لم يبدُ في مأزق. فسواء أكان قارئ نجوم أم لا، فقد كان يفهم الأمر جيداً.
غارفيل: [ماذا تقصد――]
حتى ولو كانت قدراته كقارئ نجوم فائقة،
بيرستيتز: [أدرك أنّه ليس من مكاني أن أخرج من وراء الستار وقد اختار الجنرالات البارزون ساحات قتالهم بالفعل، غير أنّ الجلوس مكتوف اليدين لا يُحتمل.]
فينسنت: [وقاحتك المتكررة لن تُغتفر. وإن تحقق كل ما مضى، سأقطع رأسك بنفسي.]
؟؟؟: [لتحديد الإمبراطور التالي، ذلك الطقس الدموي حيث يتنافس إخوة العائلة الإمبراطورية الفولاكية على العرش… حتى في تلك المناسبة، أُقصي من رفض البدائل من على الرقعة. وأهم من ذلك…]
كافما: [غاية الحشرات التي تسري في جسدك ليست إيذاءك، بل تحويل جسدك إلى مرتعٍ لها. ――قد تشفي الجرح، لكنك لا تشفي التحوّل.]
أوبيليك: [بالطبع، أنا مدرك لهذا. لكن، يا صاحب السعادة… لا، أنتم حذرون للغاية. حتى اللحظة الأخيرة، افترضت أن حياتي لا يمكن أن تُنتزع.]
الحصار الذي فرضه جيش المتمردين على العاصمة الإمبراطورية لوبوغانا، بقصد هزيمة الإمبراطور فينسنت فولاكيا، والذي كان يُفترض أنّ المتمردين قد اجتمعوا من شتى أنحاء البلاد متعاونين في جبهة موحدة―― لم يكن ما جرى في الواقع.
حتى تحت بريق النظرة الحادة من على العرش، قابل أوبيليك نظره بابتسامة. ثم تابع قائلاً: [بل وأكثر من ذلك،] محولاً نظره نحو بيرستيتز،
غير أنّ هذا الإدراك لم يجلب راحة.
أوبيليك: [إنني أخشى صاحب السعادة رئيس الوزراء أكثر. إذ يبدو أنّ بداخله جحيماً يخفيه.]
وبالتأكيد، فإن جميع المتمردين سيأتون لقطع رأس فينسنت، الجالس على العرش. ولهذه الغاية، سترسل كل قبيلة أقوى محاربيها محاولةً إعلان سطوتها.
بيرستيتز: [ليس من عادة قارئ النجوم أن يخشى شخصاً مثلي. ألا تسأل النجوم إن كان مثلي جديراً بخوفك؟]
ورغم أنه رُشِّح للترقية إلى رتبة الجنرالات التسعة الإلهيين، فقد رفض ذلك لأجل معتقداته وفلسفته الخاصة، إلا أنّ قدراته قد اعترف بها الإمبراطور فينسنت على أنها تضاهي قدرات الجنرالات من الدرجة الأولى.
عاد غارفيل إلى وعيه من أثر إحساس القتل، ليلتقط صوته.
أوبيليك: [أعتذر، صاحب السعادة رئيس الوزراء. النجوم تنظر إلى هذا العالم من علياء السماء، ولا تُرى إلا حين تفرض لمعانها.]
كافما: [لولا الظروف، لَوَدِدتُ أن أحظى بحديثٍ صريحٍ معك.]
فالأشخاص التافهون لا ينعكسون في المستقبل الذي يراه قارئو النجوم.
أجاب بيرستيتز وهو يسحب ذقنه إلى الوراء بعمق، دون أن يتغير شيء في ملامحه.
وسواء أكان ذلك قناعاً أم حقيقة، فلم يكن من الممكن قراءة مقاصده من خلال حديث أوبيليك وتصرفاته. غير أنّ هراء وقت السلم شيء، وكلمات أوبيليك لا يمكن تجاهلها متى أدّى دوره كقارئ نجوم.
كافما: [――أُقرّ بقصور بصيرتي.]
لقد مضت تسع سنوات منذ أن خدم أوبيليك إمبراطورية فولاكيا كقارئ نجوم―― ولعلّه يمكن القول إن منجزاته كلها كانت تمهيداً لهذه اللحظة بالذات.
وحين يفشل المرء في تلبية توقعات فينسنت، فلا يكون بطلاً، بل أدنى من وحش.
أوبيليك: [――أووه.]
فانتفخت بشرته البنيّة الداكنة الموشومة من الداخل، وفوراً انطلقت منها أشواك هائلة العدد، لتملأ مجال رؤية غارفيل كلّه وهو مندفعٌ صوبها.
كافما: [――أُقرّ بقصور بصيرتي.]
فجأةً، دوّى هدير هائل من السماء البعيدة في قاعة العرش التي خيّم عليها الصمت.
وفي حالة غارفيل، ما دامت قدماه على أرضٍ صلبة، فهي أرض.
اهتزّت الأرض قليلاً تحت أقدامهم، وأمكن الإحساس بجوّ معركة ضارية حتى في أعماق قصر الكريستال. ومع ذلك، فالظاهرة التي تسببت في ذلك الهدير كانت في الأغلب من جانب العاصمة الإمبراطورية.
؟؟؟: [وكلما اشتد حرصهم على ألّا يُهزموا، ازداد صعوبة قبولهم بفكرة التنسيق مع غيرهم. هذا يذكرني، بوضوح، بأيام مراسم اختيار الإمبراطور.]
أوبيليك: [مع أنّ المتمردين الذين يحاصرون العاصمة الإمبراطورية يفترض أن يفوقوا عددنا…]
وبتعبير لا يناقض ذلك الانطباع، وضع أوبيليك يده على صدره وقال:
فينسنت: [في النهاية، هم مجرد خليط فوضوي من الناس… لا، ليسوا حتى كتلة متماسكة، بل زمرة من الأشقياء قد يجرّ بعضهم بعضاً إلى الهلاك أحياناً. وذلك ليس في مستوى منافسة قطيع ذئاب السيوف المحكومين بقانون الحديد والدم.]
أوتو: [――تأكد أن تُبرح ذاك الخصم ضرباً حتى لا تبقى لقدميه قدرة على الوقوف!]
أوبيليك: [أفهم. غير أنه مهما بلغ تعطش مواطني الإمبراطورية للدماء، فلن يقتحموا العاصمة دون فرصة للنصر. أليس لهذا السبب تدفع كل قبيلة بأبطالها؟]
فينسنت: [أوقد نسيت ما قلته أمامي للتو؟]
قال فينسنت لأوبيليك الذي مال برأسه، مشيحاً بانتباهه نحو المعركة في الخارج جراء الاهتزاز. عندها أغمض أوبيليك إحدى عينيه، وأسند فينسنت ذقنه إلى يده،
مدفوعاً بغريزة البقاء، تخلّى عن جسد كافما وقفز جانباً. وكان قراره صائباً. فالمكان الذي شغله قبل لحظةٍ سُوّي بالأرض بخطّ ناريّ أطلقته الحشرة الذهبيّة، إذ اجتثّت أعلى السور كلّه. ومع تطاير شعر جسده القصير، شعر غارفيل بقشعريرةٍ تجتاح عموده الفقري.
فينسنت: [إن كان هناك ضوء باهر للنجوم فوق الأرض، فقد قلتَ إنك ستلحظه. وفي تلك الحال، لن يكون غريباً أن نجماً متلألئاً يستطيع قلب مجريات هذه الحرب قد سمح لك أن تشهده مسبقاً.]
وللحظة، ظن كافما أن المتمردين قد أخرجوا سلاحاً لاختراق المتراس، لكنه سرعان ما أدرك خطأه.
أوبيليك: [آه~.]
فينسنت: [فهل وقع ذلك؟ أيها قارئ النجوم.]
فينسنت: [في النهاية، هم مجرد خليط فوضوي من الناس… لا، ليسوا حتى كتلة متماسكة، بل زمرة من الأشقياء قد يجرّ بعضهم بعضاً إلى الهلاك أحياناً. وذلك ليس في مستوى منافسة قطيع ذئاب السيوف المحكومين بقانون الحديد والدم.]
ضيّق فينسنت عينيه السوداوين وهو يطرح سؤاله بهدوء. ضحك أوبيليك على السؤال وهو يحك وجنته بإصبعه، ثم قال:
؟؟؟: [لتحديد الإمبراطور التالي، ذلك الطقس الدموي حيث يتنافس إخوة العائلة الإمبراطورية الفولاكية على العرش… حتى في تلك المناسبة، أُقصي من رفض البدائل من على الرقعة. وأهم من ذلك…]
أوبيليك: [للأسف، لم أسمع شيئاً من هذا القبيل.]
اهتزّت الأرض قليلاً تحت أقدامهم، وأمكن الإحساس بجوّ معركة ضارية حتى في أعماق قصر الكريستال. ومع ذلك، فالظاهرة التي تسببت في ذلك الهدير كانت في الأغلب من جانب العاصمة الإمبراطورية.
بيرستيتز: [وفي هذه الحالة، فهذا يوافق دورك أنت أيضاً، أليس الأمر كذلك؟]
وبتلك العبارة أنهى بيرستيتز ابتسامة أوبيليك المتكلَّفة.
أوبيليك: [فلو كُشف مصادفة أنّ صاحب السعادة الإمبراطور فينسنت، الذي يسعى الجميع لحمايته بجهدٍ عظيم، ليس سوى مزيّف…]
وقف أوبيليك في حرج وملامحه مترددة، لكنه لم يبدُ في مأزق. فسواء أكان قارئ نجوم أم لا، فقد كان يفهم الأمر جيداً.
ضيّق فينسنت عينيه السوداوين وهو يطرح سؤاله بهدوء. ضحك أوبيليك على السؤال وهو يحك وجنته بإصبعه، ثم قال:
ومن الطبيعي أنه، وقد وُلِد في قبيلة قفص الحشرات، لم يكن يتردد أو يشعر بالذنب في استعارة قوة “الحشرات” واستخدام قدراتها كما لو كانت قوته الخاصة.
وبالتأكيد، فإن جميع المتمردين سيأتون لقطع رأس فينسنت، الجالس على العرش. ولهذه الغاية، سترسل كل قبيلة أقوى محاربيها محاولةً إعلان سطوتها.
توالت الصدمات وصرخات الألم، وتبادل الاثنان لكمات عنيفة موجّهة إلى الأعضاء الحيويّة.
فينسنت: [غاية المتمردين المجتمعين قد تكون واحدة حول رأسي، لكن ليس ثمة مجال للتسوية في الوسائل التي يستعملونها لتحقيق ذلك. فمنذ البداية، كل منهم سعى ليقف في المقدمة متى ما بدأت الأحداث.]
غير أنّ تلك الفكرة كانت مضللة منذ بدايتها لأنها تأسست على وهمٍ شائع.
بيرستيتز: [مع ذلك، سيكون من الصعب توقّع أن يلتزم جميع المتمرّدين بالانضباط.]
وكان لا مفر من أن يقع ذلك. ―ـ أما كانوا ليتساءلون ما هم “التسعة الجنرالات الإلهيين”؟
غارفيل وكافما: [――هك.]
فينسنت: [لقد كانوا يُعِدّون أنفسهم للفشل منذ البدء، إذ يقيسون أبطال كل قبيلة على مقاييس تافهة كهذه. فمن الأساس، ما المعايير الأخرى التي يظنون أنها استُخدمت لاختيار الجنرالات من الدرجة الأولى، التسعة الجنرالات الإلهيين؟]
وبصفته مقاتلاً من فولاكيا، كان شخصية استثنائية سُمِح لها بالوقوف على القمة.
أوتو: [لذا، عليك أن تتذكر شيئاً واحداً جيداً.]
لقد جمع فينسنت فولاكيا أقوى الكائنات في الإمبراطورية الفولاكية.
حرّك كافما قدميه مرّة ومرّتين وثلاثاً وهو يتراجع طائراً ليعادل تغيّر الأرض تحته، والرجل من قبيلة “قفص الحشرات” واجه الأمر بتراجعٍ متّزن. في تلك الأثناء، وبينما تسبّبت الأشواك بخلخلة دقّة هجماته، تقدّم غارفيل للأمام وجراحٌ دامية تخدش خدّيه وكتفيه من الأشواك التي لم يتمكّن من صدّها.
أما الأبطال غير الرسميين في أنحاء الإمبراطورية فلم يكن لهم أن يقارنوهم. ولو كان هناك عملاق نائم من هذا الصنف، لما غاب عن عين فينسنت.
غير أنّ――
وكانت طريقته في الحديث كأنما الأمر لا يعنيه، وذلك بدا خالياً من الإخلاص.
ومهما كلّف الأمر، فقد أبقاهم إلى جواره، ومنحهم المكانة التي تناسب قدراتهم اتقاءً للمستقبل.
وحين يفشل المرء في تلبية توقعات فينسنت، فلا يكون بطلاً، بل أدنى من وحش.
فمن وجهة نظره، لم يكن ليخطر بباله أنّ شخصاً من مملكةٍ أخرى، وخصوصاً المملكة، يتورّط في حدثٍ عظيم كهذا في الإمبراطورية.
――لقد جمع إمبراطور الإمبراطورية المقدسة فولاكيا “وحوشاً” لا يمكن لأي بطل أن يحلم بمجابهتها.
ولما تلقّى ذلك الصمت، أومأ أوبيليك قائلاً: “كما توقعت”،
لوبوغانا، العاصمة الإمبراطورية العصية على الاقتحام، كانت محصّنة بأسوار نجمية الشكل لم تسمح قط للغرباء بانتهاكها منذ تأسيس الإمبراطورية. وعلى رؤوس النجمة الخمس، عند حصونها، كانت تلك “الوحوش” تنتظر أي غازٍ.
فالمسافة القريبة للغاية تصبّ في مصلحة غارفيل. فبعد أن أوقف ضربته العكسيّة، أدار جسده كلّه ليطلق قبضته اليسرى باندفاعة كاملة، ثمّ وجّه نطحة برأسه إلى خصمه الذي حاول صدّها.
تلك الكائنات المتفوقة والمتعالية جميعها كانت لتسحق بلا رحمة الأبطال المتغطرسين الذين اجتمعوا. وعند مشاهدة هذا المشهد من الدمار، حتى أشدهم تهوّراً كان سيدرك.
حتى ولو كانت قدراته كقارئ نجوم فائقة،
أنهم كانوا قد صرفوا أبصارهم عن الحقيقة، وألقوها نحو حلم يُسمّى الجنون.
أنهم كانوا قد صرفوا أبصارهم عن الحقيقة، وألقوها نحو حلم يُسمّى الجنون.
بيرستيتز: [مع ذلك، سيكون من الصعب توقّع أن يلتزم جميع المتمرّدين بالانضباط.]
أوتو: [――تأكد أن تُبرح ذاك الخصم ضرباً حتى لا تبقى لقدميه قدرة على الوقوف!]
فينسنت: [يبدو كذلك. وفي تلك الحال، ما الذي سنفعله؟]
وللحظة، ظن كافما أن المتمردين قد أخرجوا سلاحاً لاختراق المتراس، لكنه سرعان ما أدرك خطأه.
بلا مبالغة، كان ضغطها أشبه بغابةٍ بأكملها تنهال عليه.
بيرستيتز: [أدرك أنّه ليس من مكاني أن أخرج من وراء الستار وقد اختار الجنرالات البارزون ساحات قتالهم بالفعل، غير أنّ الجلوس مكتوف اليدين لا يُحتمل.]
أوبيليك: [يا إلهي، يا له من حماس دموي… حليفنا، رئيس الوزراء، يبدو متعطشاً للدماء.]
أوبيليك: [――أووه.]
وسواء أكان ذلك قناعاً أم حقيقة، فلم يكن من الممكن قراءة مقاصده من خلال حديث أوبيليك وتصرفاته. غير أنّ هراء وقت السلم شيء، وكلمات أوبيليك لا يمكن تجاهلها متى أدّى دوره كقارئ نجوم.
انحنى بيرستيتز عند خصره مُلقياً التحية على فينسنت، بينما غرس فيه أوبيليك تلك الكلمات. لكن رئيس الوزراء العجوز تلقّى ذلك التنبيه ببرود، وقال:
بيرستيتز: [في النهاية، أنا أيضاً رجل من فولاكيا.]
فينسنت: [غاية المتمردين المجتمعين قد تكون واحدة حول رأسي، لكن ليس ثمة مجال للتسوية في الوسائل التي يستعملونها لتحقيق ذلك. فمنذ البداية، كل منهم سعى ليقف في المقدمة متى ما بدأت الأحداث.]
أوبيليك: [――نعم. أنا، على الأقل، لن أكذب. لم تُنزل أي وصية جديدة. وفي الأصل، ما لم يُستكمل تنفيذ الوصية السابقة، فلن تُنزَل وصية جديدة، غير أنّ…]
وبعد أن ترك هذه الكلمات من دون أن يُظهر حتى ابتسامة، غادر بيرستيتز قاعة الاستقبال. ولم يوقفه فينسنت، بل تابع ظهر المحارب العجوز بصمت وهو يغادر.
ومع إغلاق الباب ورحيل بيرستيتز، رفع أوبيليك كتفيه متسائلاً: “هل الأمر مقبول؟”،
أوبيليك: [للأسف، لم أسمع شيئاً من هذا القبيل.]
أوبيليك: [كما قال بنفسه، ما من شيء يستطيع رئيس الوزراء فعله لتغيير الوضع العسكري الحالي. وأنا أيضاً أرى ذلك، لكن…]
أجاب بيرستيتز وهو يسحب ذقنه إلى الوراء بعمق، دون أن يتغير شيء في ملامحه.
فينسنت: [خلافاً لتوقّعاتي، تحمّل الأمر بصبر. لطالما كان رجلاً يكبح نفسه في سبيل مبادئه. ولو عبّرت بأسلوبك، أودّ أن أتجنّب انفجاراً.]
أوبيليك: [… آه، هذا حقاً يجرح مشاعري.]
أوبيليك: [أفهم… بالمناسبة، هل رئيس الوزراء على علم؟]
أوبيليك: [كنت أشك في ذلك، لذا تجنبت أن أكون مفرط التهوّر في كلماتي… لكن إن كان عليّ أن أفرح أم أحزن لكون شكوكي قد صدقت، فمشاعري تجاه الأمر معقّدة.]
وبتعبير لا يناقض ذلك الانطباع، وضع أوبيليك يده على صدره وقال:
وقد شبك إبهامه بحافة ردائه عند صدره، وهو يلوّح بأصابعه الأخرى، طرح أوبيليك ذلك السؤال. وفهم فينسنت مغزى السؤال غير الودود، فأغلق إحدى عينيه.
ولما تلقّى ذلك الصمت، أومأ أوبيليك قائلاً: “كما توقعت”،
غارفيل: […آسف؟]
أوبيليك: [كنت أشك في ذلك، لذا تجنبت أن أكون مفرط التهوّر في كلماتي… لكن إن كان عليّ أن أفرح أم أحزن لكون شكوكي قد صدقت، فمشاعري تجاه الأمر معقّدة.]
رفرفت أجنحته بسرعةٍ عجزت العين عن تتبّعها، وفي الوقت ذاته، ظهر كافما وقد قفز من السور ووقف إلى جانب غارفيل. لم يكن الأمر سرعةً فحسب، بل تنويعاً في السرعة.
فينسنت: [الحزن؟ وهل تستطيع حتى أن تدرك مثل هذه المشاعر البشرية؟]
أوبيليك: [يا لها من كلمات جارحة. إنك تجعلني أبدو كأنني لستُ بشراً، وهذا يؤلمني كثيراً. بالمقارنة مع الأول والثاني، ألا ترى أنني أكثر عقلانية بكثير؟]
فينسنت: [إن استشهدتَ بسيسيلوس، فلا يكاد يملك حظاً في معظم الأمور. أما اراكيا فهي فتاة تعيش بمنطق الوحش أكثر من منطق الإنسان، لكنها تُدار متى استقرت على سيّد. غير أنّ…]
أوبيليك: [إنني أخشى صاحب السعادة رئيس الوزراء أكثر. إذ يبدو أنّ بداخله جحيماً يخفيه.]
قطع كلماته عند هذا الحد، وحدّق فينسنت بعينيه السوداوين في أوبيليك. لم تهتز هيبة أوبيليك أمام النظرة القاسية الموجّهة إليه، إذ كان تجاهل حياته الخاصة هو نمط عيشه.
فينسنت: [أنت مجرد قشرة على هيئة رجل، مصنوعة من لحم بشري.]
وبذراعين مكسوّتين بقفّازات فضّية لامعة، انقضّ أمام عدوّه بسرعة البرق ليبلغ خصماً قد حوّل جماعةً من رجال القنطور إلى مسحوقٍ مريع.
وعندما أُسقط بكرومٍ متشابكة كغابة مترامية أطلقها شخصٌ واحد، غيّر غارفيل أسلوبه.
أوبيليك: [… آه، هذا حقاً يجرح مشاعري.]
بهيئة وحش مفترس مكبَّر، ذاك المحارب المجنون، وجسده بأسره ملتفٌّ بنيران متأججة، كان واقفاً.
وعلى كلمات فينسنت، خفض أوبيليك حاجبيه بابتسامة مصطنعة على وجهه.
وقد جعله ذلك يبدو كمن يعبّر عن حزن أو مرارة. محاكاة زائفة للمشاعر، كأن أحداً لقّنه كيف يفعلها؛ على الأقل عينا فينسنت رأت الأمر كذلك.
وبتعبير لا يناقض ذلك الانطباع، وضع أوبيليك يده على صدره وقال:
وكان لا مفر من أن يقع ذلك. ―ـ أما كانوا ليتساءلون ما هم “التسعة الجنرالات الإلهيين”؟
أوبيليك: [بمنطقك هذا، فجميع من يتقاسمون دوري… جميع مراقبي النجوم الذين يُصغون إلى “الوصايا”، ليسوا سوى قشور؟]
فينسنت: [――سكان الإمبراطورية جميعهم في كفّ يدي، تقول؟]
كافما: [إذن سأقطع عميقاً!]
فينسنت: [لا أعرف مراقبي نجوم سوى نفسك. ولا رغبة لي في الإجابة عليك.]
عاد غارفيل إلى وعيه من أثر إحساس القتل، ليلتقط صوته.
فانتفخت بشرته البنيّة الداكنة الموشومة من الداخل، وفوراً انطلقت منها أشواك هائلة العدد، لتملأ مجال رؤية غارفيل كلّه وهو مندفعٌ صوبها.
أوبيليك: [ها أنت تعود مجدداً، لا داعي لأن تكذب هكذا. لا أظن أنك تثق بي إلى ذلك الحد. وبالطبع، كنت أتوقع أنك ستتعقّب وتُعذّب كل مراقب للنجوم في البلاد.]
بيرستيتز: [في النهاية، أنا أيضاً رجل من فولاكيا.]
فينسنت: [――――]
حتى تحت بريق النظرة الحادة من على العرش، قابل أوبيليك نظره بابتسامة. ثم تابع قائلاً: [بل وأكثر من ذلك،] محولاً نظره نحو بيرستيتز،
أوبيليك: [أعتذر، صاحب السعادة رئيس الوزراء. النجوم تنظر إلى هذا العالم من علياء السماء، ولا تُرى إلا حين تفرض لمعانها.]
أوبيليك: [أنا واثق تماماً بأنك لم تبنِ حكمك على مراقبي النجوم بالاعتماد عليّ وحدي.]
أمام سؤال أوبيليك الماكر، لم يتغير تعبير فينسنت قيد أنملة.
لم يُصرّح إن كان ما قاله الآخر حقيقة أم باطلاً. كل ما كان مقتنعاً به أنّ كل مراقب نجوم قد أُعطي وصية، دون استثناء، مصاب باضطراب عقلي.
وبتلك العبارة أنهى بيرستيتز ابتسامة أوبيليك المتكلَّفة.
؟؟؟: [حتى في قتالٍ فردي، لن يَعكّر صفوَ تقنيّتي الباهرة شيء!]
ولم يكن ينوي أن يوضح كيف توصّل إلى ذلك الاستنتاج.
أجاب بيرستيتز وهو يسحب ذقنه إلى الوراء بعمق، دون أن يتغير شيء في ملامحه.
فينسنت: [وإلا، فكيف لك أن ترتكب فعلاً وحشياً كهذا، أن تُدمّر عينك الشريرة بيدك فقط لتثبت هويتك؟]
غارفيل: [آسف، لكن لم أُبح سوى باسمي. لكن يمكنني أن أسمح لنفسي بالكشف عن شيءٍ واحد. عن “كورولوكيا ذو الوجهين”.]
أوبيليك: [آه~، لقد كان الأمر مؤلماً للغاية. ولم تكن مشاعر الفقد طبيعية أيضاً. لكن بفضله أصبحتَ مستعداً للاستماع إليّ، أليس كذلك؟]
كافما: [لم أكن أعلم بوجود محاربٍ شجاع مثلك. إنّي أخجل من جهلي.]
وأثناء حديثه، سحب أوبيليك يده على صدره إلى الخلف، كاشفاً عن جلده العاري. وفي منتصف صدره النحيل مباشرة، كانت علامة حرق كبيرة قد حفرت بألم.
حتى تحت بريق النظرة الحادة من على العرش، قابل أوبيليك نظره بابتسامة. ثم تابع قائلاً: [بل وأكثر من ذلك،] محولاً نظره نحو بيرستيتز،
في الماضي، استخدم أوبيليك قضيباً محمياً ليحرق العين الشريرة في ذلك الموضع حتى تفحّمت، ولم يترك سوى تلك الندبة.
عضّ على أسنانه وهو متمسك بخيط حياته الرفيع، وتوقف عن الاعتماد على رأسه.
وحين يفشل المرء في تلبية توقعات فينسنت، فلا يكون بطلاً، بل أدنى من وحش.
لقد دمّر جوهر وجوده نفسه كأحد أفراد قبيلة العين الشريرة. ــ فعل ارتكبه فقط ليثبت أنّه لا يُشكل خطراً، ولولا أنّه أُوقف، لربما حطّم أطرافه أيضاً.
ومنذ ذلك الحين――
وفوق كل هذا، فقد وُلِد كافما إيرولوكس عبقرياً بين قبيلة قفص الحشرات.
فينسنت: [لا أطالبك بجواب صادق. فقط، أجب بحذر.]
بيرستيتز: [ليس من عادة قارئ النجوم أن يخشى شخصاً مثلي. ألا تسأل النجوم إن كان مثلي جديراً بخوفك؟]
أوبيليك: [أمرك مطاع.]
فينسنت: [لا همسة من وصية جديدة في أذنيك. هذا مؤكد بلا ريب.]
فينسنت: [――――]
أوبيليك: [――نعم. أنا، على الأقل، لن أكذب. لم تُنزل أي وصية جديدة. وفي الأصل، ما لم يُستكمل تنفيذ الوصية السابقة، فلن تُنزَل وصية جديدة، غير أنّ…]
غارفيل: [لن تفلت!!]
أوتو: [إذا اكتشفوا هويتنا ومِن أين جئنا، فقد يقود ذلك إلى حادث دبلوماسي صعب للغاية. لذلك، أرجوك تجنّب أن تستفزهم، أو أن تتفوه بكلمات غير ضرورية.]
هزّ رأسه بخفّة يميناً ويساراً، مبتسماً.
وبابتسامة لا تشبه الفرح ولا التذلّل، ابتسامة لا تمتّ للبشرية بصلة، تابع قائلاً:
أوبيليك: [اللوحة التي أعددتها لن تتشوش بأي تدخّل من السماء. ――فجميع سكان الإمبراطورية تقريباً يقيمون في كفّ يدك.]
غارفيل: [غووو…]
فينسنت: [――――]
أوبيليك: [هل هناك ما يقلقك؟]
أوبيليك: [أنا واثق تماماً بأنك لم تبنِ حكمك على مراقبي النجوم بالاعتماد عليّ وحدي.]
وبذلك، قطع بيرستيتز، الذي كان واقفاً بجانب العرش، كلامه وتوقف لحظةً وهو يراكم كلماته. كانت عيناه الضيقتان مثل الخيط لا تكشفان شيئاً من مشاعره، غير أنّ المرء كان يستطيع أن يلمح ما يشعر به على نحوٍ عام.
وإذ لم تُعطِ كلماته الجازمة الأثر المنشود، بدا أوبيليك متحيّراً. وعلى سؤاله، هزّ فينسنت رأسه نافياً: “لا”.
كافما: [يؤلمني أن أُنهِي الأمر معك بهذه الطريقة.]
لم يعتقد فينسنت أنّ كلام أوبيليك آنفاً كان كذباً. فهو رجل يقدّر همسات النجوم الغامضة أكثر من ولائه للإمبراطور، لكن خلوّه من الأنانية كان حقيقياً.
مع أنّ الكروم مهما خرجت عن المألوف تبقى كرومًا، فقد توقّع لقوّتها قدراً محدّداً من خلال حجمها وأشواكها. بيد أنّ قوّتها الفعليّة فاقت تقديره، وتباطأت سرعة اندفاعه.
ولذلك، لم يكن أوبيليك نفسه غالباً يخفي مقصداً خفياً في إعلانه.
في مواجهته، جهّز “كافما إيرولوكس” ذراعيه ليصدّ ذلك الصوت الشجاع.
غير أنّ――
غارفيل: [ما دمتُ لستُ طائراً!]
لقد زرعت إحدى الحشرات بيضة عبر تلك الأنابيب في جرحٍ خلّفته الأشواك، ففقست في جسد غارفيل، وصارت تزحف بداخله.
فينسنت: [――سكان الإمبراطورية جميعهم في كفّ يدي، تقول؟]
غارفيل: [ما دمتُ لستُ طائراً!]
تلك الكلمات المزخرفة التي تُركت عمداً دون تصريح، زرعت قلقاً في قلب الرجل الذي يؤدي دور الإمبراطور.
بيرستيتز: [بالفعل. لقد كان مؤامرة حيكت من قِبَل سعادتكم وسعادته بارثروي.]
△▼△▼△▼△
――ثمّ إنّ ذلك القلق على العرش تبيّن أنّه في محلّه.
كافما: [――غارفيل تينزل.]
أوتو: [إذا انجرفتَ في تبادل كلام――]
؟؟؟: [أوووووووووووووه――!!]
ومما لا شك فيه، أنه كان تجسيداً للقلق الذي ساور الإمبراطور على العرش――
عند أحد حصون السور النجميّ، ارتفع صُراخٌ حربيّ، وانقضَّ نمرٌ هائج.
غارفيل وكافما: [――هك.]
أوتو: [ومع أنّي أقول هذا، فأنا لا أتوقّع منك صبراً طويلاً. ولستُ آمرك أن تجادل كما يفعل التاجر. لذا――]
وبذراعين مكسوّتين بقفّازات فضّية لامعة، انقضّ أمام عدوّه بسرعة البرق ليبلغ خصماً قد حوّل جماعةً من رجال القنطور إلى مسحوقٍ مريع.
أوبيليك: [يا لها من كلمات جارحة. إنك تجعلني أبدو كأنني لستُ بشراً، وهذا يؤلمني كثيراً. بالمقارنة مع الأول والثاني، ألا ترى أنني أكثر عقلانية بكثير؟]
خطوة، خطوتان، وإذا بـ”غارفيل تينزل” يندفع أماماً في غمضة عين.
ابتساماً عريضاً، رفع كافما ذراعيه الاثنتين فوق رأسه، واندفع للأمام.
أوتو: [إن اكتشفوا من نحن ومن أين جئنا، قد يؤدّي ذلك إلى أزمةٍ دبلوماسيّة خطيرة. لذا، رجاءً لا تدع نفسك تُستفَز، ولا تَهذُ بكلماتٍ لا لزوم لها.]
إلا أنّ――
؟؟؟: [صحيح أنّي أُتقن قتال الكثيرين دفعةً واحدة، لكن――]
غارفيل: [――هك.]
أوبيليك: [بمنطقك هذا، فجميع من يتقاسمون دوري… جميع مراقبي النجوم الذين يُصغون إلى “الوصايا”، ليسوا سوى قشور؟]
؟؟؟: [حتى في قتالٍ فردي، لن يَعكّر صفوَ تقنيّتي الباهرة شيء!]
هزّ رأسه بخفّة يميناً ويساراً، مبتسماً.
وللحظة، ظن كافما أن المتمردين قد أخرجوا سلاحاً لاختراق المتراس، لكنه سرعان ما أدرك خطأه.
في مواجهته، جهّز “كافما إيرولوكس” ذراعيه ليصدّ ذلك الصوت الشجاع.
لقد مضت تسع سنوات منذ أن خدم أوبيليك إمبراطورية فولاكيا كقارئ نجوم―― ولعلّه يمكن القول إن منجزاته كلها كانت تمهيداً لهذه اللحظة بالذات.
عاد غارفيل إلى وعيه من أثر إحساس القتل، ليلتقط صوته.
فانتفخت بشرته البنيّة الداكنة الموشومة من الداخل، وفوراً انطلقت منها أشواك هائلة العدد، لتملأ مجال رؤية غارفيل كلّه وهو مندفعٌ صوبها.
قاطع وعيه القسري بالتفافٍ عكسيّ، وزأر.
وأثناء حديثه، سحب أوبيليك يده على صدره إلى الخلف، كاشفاً عن جلده العاري. وفي منتصف صدره النحيل مباشرة، كانت علامة حرق كبيرة قد حفرت بألم.
سرعة تسلّل الكروم الشائكة ذات الأشواك التي لا تُحصى أوحت بوحشٍ مفترسٍ ينقضّ على فريسته. أي إنّها كانت أسرع ضربة لحصد روح خصمه.
غارفيل: [وقاحة――!!]
غارفيل: [غااغ…]
أوتو: [اسمع، غارفيل، تذكر هذا جيداً.]
فوق السور، كان الجدار الضخم لحماية العاصمة الإمبراطورية عريضاً بما يكفي للوقوف، لكن قياساً بساحة معركة مفتوحة، بدا تقييد الحركة كأنّه خنق.
ومع امتداد الكروم الشائكة جانباً وهجومها كالموج العاتي، مغلقةً كل سبل الفرار، فضّل غارفيل ألّا يناور بل رفع قفّازيه واقتحم تلك الأشواك.
هكذا كان أوتو قد قال لغارفيل قبل أن يقفز إلى ساحة القتال.
أوتو: [اسمع، غارفيل، تذكر هذا جيداً.]
مُعوّلاً على قوّة ساقيه وقفّازيه، اندفع في خطٍّ مستقيم وسط عاصفة الكروم――
أوتو: [اسمع يا غارفيل، تذكّر هذا جيّداً.]
كافما: [عزيمتك مدهشة، لكن قرارك كان خاطئاً.]
في اللحظة التي تمتم فيها كافما، اصطدم غارفيل بأوائل الكروم الهادرة، وفي اللحظة التالية، صرّ أسنانه على أثر صدمةٍ فاقت قدرة قفّازيه على التحمّل.
كافما: [ماذا!?]
غارفيل: [――غه.]
غارفيل: [آسف، لكن لم أُبح سوى باسمي. لكن يمكنني أن أسمح لنفسي بالكشف عن شيءٍ واحد. عن “كورولوكيا ذو الوجهين”.]
△▼△▼△▼△
مع أنّ الكروم مهما خرجت عن المألوف تبقى كرومًا، فقد توقّع لقوّتها قدراً محدّداً من خلال حجمها وأشواكها. بيد أنّ قوّتها الفعليّة فاقت تقديره، وتباطأت سرعة اندفاعه.
لقد كان بحاجة إلى ذلك العدو.
بلا مبالغة، كان ضغطها أشبه بغابةٍ بأكملها تنهال عليه.
كافما: [――هاه، ما هذا!?]
غارفيل: [هه، لا ألومك إن لم تعرف. كنتُ أقلق أكثر لو كنتَ تعرف.]
وعندما أُسقط بكرومٍ متشابكة كغابة مترامية أطلقها شخصٌ واحد، غيّر غارفيل أسلوبه.
مُعوّلاً على قوّة ساقيه وقفّازيه، اندفع في خطٍّ مستقيم وسط عاصفة الكروم――
غارفيل: [إذن، جَرِّب هذا!!]
أما الأبطال غير الرسميين في أنحاء الإمبراطورية فلم يكن لهم أن يقارنوهم. ولو كان هناك عملاق نائم من هذا الصنف، لما غاب عن عين فينسنت.
كافما: [ماذا!?]
ركض غارفيل فوق السور مثيراً غباراً كثيفاً، وظهر كافما ينزف من ظهره مع تمزّق جناحٍ تلو الآخر. وبدا أنّه على وشك――
أوتو: [إن جرفك تبادلُ الكلمات――]
وعاضّاً على أسنانه حتى أصدرت صريراً، هَوَى غارفيل بقدمه بقوّة بعد أن ضربه موج الكروم العاتي. فانتقل الأثر من باطن حذائه إلى الجدار تحته، فأمال موطئ قدم كافما على الجانب الآخر، ما جعل “الجنرال” المذهول يفقد توازنه.
وقد شبك إبهامه بحافة ردائه عند صدره، وهو يلوّح بأصابعه الأخرى، طرح أوبيليك ذلك السؤال. وفهم فينسنت مغزى السؤال غير الودود، فأغلق إحدى عينيه.
لكي ينفذ ما أمره به أخوه الأكبر، كان يحتاج إلى عدو.
وذاك من أثر “بركة الأرواح الأرضية” التي يملكها غارفيل. إذ تمكّنه البركة من تلقّي قوّة الأرض والتأثير عليها بالمقابل، لكن مدى ذلك يختلف وفق فهم حاملها.
وفي حالة غارفيل، ما دامت قدماه على أرضٍ صلبة، فهي أرض.
فينسنت: [أنت مجرد قشرة على هيئة رجل، مصنوعة من لحم بشري.]
△▼△▼△▼△
غارفيل: [ما دمتُ لستُ طائراً!]
وفوق كل هذا، فقد وُلِد كافما إيرولوكس عبقرياً بين قبيلة قفص الحشرات.
لم يعتقد فينسنت أنّ كلام أوبيليك آنفاً كان كذباً. فهو رجل يقدّر همسات النجوم الغامضة أكثر من ولائه للإمبراطور، لكن خلوّه من الأنانية كان حقيقياً.
أما في السفن التنينيّة المحمولة على ظهور التنانين الطائرة الشهيرة في الإمبراطورية، فالأمر مختلف. وإلّا، فغارفيل واثق أنّها الأرض.
بيرستيتز: [وإن كان أمراً معيباً، فقد تبعتُ حكم صاحبة السعادة لاميا. ثم إنني لم أستطع أن أنفذ إلى نوايا سعادة بارثروي الحقيقية، لذا فما زلت إلى اليوم أعيش في عار.]
حرّك كافما قدميه مرّة ومرّتين وثلاثاً وهو يتراجع طائراً ليعادل تغيّر الأرض تحته، والرجل من قبيلة “قفص الحشرات” واجه الأمر بتراجعٍ متّزن. في تلك الأثناء، وبينما تسبّبت الأشواك بخلخلة دقّة هجماته، تقدّم غارفيل للأمام وجراحٌ دامية تخدش خدّيه وكتفيه من الأشواك التي لم يتمكّن من صدّها.
تناثر الدم القانٍ وقطع الألم جسده، غير أنّ المسافة بينهما أخذت تضيق شيئاً فشيئاً.
وحين لم يبقَ إلا أمتار قليلة――
؟؟؟: [وكلما اشتد حرصهم على ألّا يُهزموا، ازداد صعوبة قبولهم بفكرة التنسيق مع غيرهم. هذا يذكرني، بوضوح، بأيام مراسم اختيار الإمبراطور.]
أجاب بيرستيتز وهو يسحب ذقنه إلى الوراء بعمق، دون أن يتغير شيء في ملامحه.
كافما: [إذن سأقطع عميقاً!]
تاركاً هجومه الشوكيّ متوسط المدى، استأنف كافما هجومه.
فينسنت: [أتجرؤ على قول ذلك؟ أليس أنت ولاميا من تخلّص من ذلك الأخ الأكبر؟]
ولبرهةٍ، بقي متوجّساً من الموجة الصادمة التي أبادت القنطور، فلم يكشف صدره، بل قطع تحكّمه بالكروم المتفرّعة من ذراعيه، وبدأت أجنحته على ظهره بالطنين.
خطوة، خطوتان، وإذا بـ”غارفيل تينزل” يندفع أماماً في غمضة عين.
رفرفت أجنحته بسرعةٍ عجزت العين عن تتبّعها، وفي الوقت ذاته، ظهر كافما وقد قفز من السور ووقف إلى جانب غارفيل. لم يكن الأمر سرعةً فحسب، بل تنويعاً في السرعة.
كافما: [――؟ ماذا تعني؟]
أوبيليك: [يا لها من كلمات جارحة. إنك تجعلني أبدو كأنني لستُ بشراً، وهذا يؤلمني كثيراً. بالمقارنة مع الأول والثاني، ألا ترى أنني أكثر عقلانية بكثير؟]
وبهذه الطريقة، تسلّل إلى نقطة خلف وعي غارفيل.
وأثناء حديثه، سحب أوبيليك يده على صدره إلى الخلف، كاشفاً عن جلده العاري. وفي منتصف صدره النحيل مباشرة، كانت علامة حرق كبيرة قد حفرت بألم.
وبهذه الطريقة، تسلّل إلى نقطة خلف وعي غارفيل.
غير أنّ――
وبغض النظر عن خواطر فينسنت الداخلية، مسّ بيرستيتز شاربه أسفل أنفه وهو ينطق خاتمة كلماته المجمَّعة.
غارفيل: [لن أسمح لك!]
غارفيل: [سأسحقك سحقاًاا――!!]
قاطع وعيه القسري بالتفافٍ عكسيّ، وزأر.
أوبيليك: [للأسف، لم أسمع شيئاً من هذا القبيل.]
ومع زئيره، انطلقت لطمة عكسيّة ارتطمت بوجه كافما الذي ظهر إلى جانبه. فرفع كافما ذراعيه دفاعاً――وكانتا مكسوّتين بدرعٍ أسود صلب.
أما الأبطال غير الرسميين في أنحاء الإمبراطورية فلم يكن لهم أن يقارنوهم. ولو كان هناك عملاق نائم من هذا الصنف، لما غاب عن عين فينسنت.
وكقفّازي غارفيل، كان ذلك حماية لنفسه. لكن بالأشواك، والأجنحة، والأضلاع، والآن الدروع السوداء، صار لديه أربع قدرات. كم “حشرة” يخبّئ في جسده؟
وقد شبك إبهامه بحافة ردائه عند صدره، وهو يلوّح بأصابعه الأخرى، طرح أوبيليك ذلك السؤال. وفهم فينسنت مغزى السؤال غير الودود، فأغلق إحدى عينيه.
كافما: [ش――!]
ضُربت ضربة، لكن القتال لم يتوقّف.
توالت الصدمات وصرخات الألم، وتبادل الاثنان لكمات عنيفة موجّهة إلى الأعضاء الحيويّة.
فينسنت: [غاية المتمردين المجتمعين قد تكون واحدة حول رأسي، لكن ليس ثمة مجال للتسوية في الوسائل التي يستعملونها لتحقيق ذلك. فمنذ البداية، كل منهم سعى ليقف في المقدمة متى ما بدأت الأحداث.]
فالمسافة القريبة للغاية تصبّ في مصلحة غارفيل. فبعد أن أوقف ضربته العكسيّة، أدار جسده كلّه ليطلق قبضته اليسرى باندفاعة كاملة، ثمّ وجّه نطحة برأسه إلى خصمه الذي حاول صدّها.
فينسنت: [إن كان هناك ضوء باهر للنجوم فوق الأرض، فقد قلتَ إنك ستلحظه. وفي تلك الحال، لن يكون غريباً أن نجماً متلألئاً يستطيع قلب مجريات هذه الحرب قد سمح لك أن تشهده مسبقاً.]
توالت الصدمات وصرخات الألم، وتبادل الاثنان لكمات عنيفة موجّهة إلى الأعضاء الحيويّة.
ولما تلقّى ذلك الصمت، أومأ أوبيليك قائلاً: “كما توقعت”،
أوتو: [لذا، تأكّد أن تحفظ هذا الأمر في قلبك.]
غارفيل وكافما: [――هك.]
قفّازات ضد دروعٍ سوداء، يتبادلان اللكمات بأذرعٍ مقوّاة. ومع ذلك، لم يَخْطئ غارفيل في اعتزازه، فالمسافة القريبة لصالحه، ولا مجال أن يُغلب فيها.
أوبيليك: [مع أنّ المتمردين الذين يحاصرون العاصمة الإمبراطورية يفترض أن يفوقوا عددنا…]
غارفيل: [غااااه، آآآآآآه!!]
عند أحد حصون السور النجميّ، ارتفع صُراخٌ حربيّ، وانقضَّ نمرٌ هائج.
اهتزّت الأرض قليلاً تحت أقدامهم، وأمكن الإحساس بجوّ معركة ضارية حتى في أعماق قصر الكريستال. ومع ذلك، فالظاهرة التي تسببت في ذلك الهدير كانت في الأغلب من جانب العاصمة الإمبراطورية.
فاستدار وأمسك القبضة القادمة، ثمّ ردّها بلكمةٍ اخترقت صدر خصمه وضلوعه. ثمّ ارتفعت قبضته الأخرى من أسفل لتصيب فكّه المتدلّي، قبل أن يرفع ركبته فيضرب بطنه المنثنيّ. ومع صرخة ألم، رفرف كافما بأجنحته وقفز بعيداً.
غارفيل: [لن تفلت!!]
――لقد جمع إمبراطور الإمبراطورية المقدسة فولاكيا “وحوشاً” لا يمكن لأي بطل أن يحلم بمجابهتها.
كافما: [――غه.]
بيرستيتز: [أدرك أنّه ليس من مكاني أن أخرج من وراء الستار وقد اختار الجنرالات البارزون ساحات قتالهم بالفعل، غير أنّ الجلوس مكتوف اليدين لا يُحتمل.]
وبينما هو في الهواء، أمسك غارفيل ساقيه وألقاه بعنفٍ على السور. ضغط جسده أرضاً واندفع مزمجراً لينتزع أجنحته من ظهره.
بهيئة وحش مفترس مكبَّر، ذاك المحارب المجنون، وجسده بأسره ملتفٌّ بنيران متأججة، كان واقفاً.
أوبيليك: [… آه، هذا حقاً يجرح مشاعري.]
ركض غارفيل فوق السور مثيراً غباراً كثيفاً، وظهر كافما ينزف من ظهره مع تمزّق جناحٍ تلو الآخر. وبدا أنّه على وشك――
غير أنّ صدر كافما انفتح فجأة، وأجنحته على ظهره خفقت بقوّة لترفعه عن الأرض. ومن خلف أضلعه البارزة، لمح غارفيل “حشرة” ذهبيّة.
أوبيليك: [――أووه.]
غارفيل: [――――]
فينسنت: [غاية المتمردين المجتمعين قد تكون واحدة حول رأسي، لكن ليس ثمة مجال للتسوية في الوسائل التي يستعملونها لتحقيق ذلك. فمنذ البداية، كل منهم سعى ليقف في المقدمة متى ما بدأت الأحداث.]
مدفوعاً بغريزة البقاء، تخلّى عن جسد كافما وقفز جانباً. وكان قراره صائباً. فالمكان الذي شغله قبل لحظةٍ سُوّي بالأرض بخطّ ناريّ أطلقته الحشرة الذهبيّة، إذ اجتثّت أعلى السور كلّه. ومع تطاير شعر جسده القصير، شعر غارفيل بقشعريرةٍ تجتاح عموده الفقري.
كافما: [――أُقرّ بقصور بصيرتي.]
غارفيل: [أوه؟]
أوتو: [لذا، تأكّد أن تحفظ هذا الأمر في قلبك.]
عاد غارفيل إلى وعيه من أثر إحساس القتل، ليلتقط صوته.
بيرستيتز: [وفي هذه الحالة، فهذا يوافق دورك أنت أيضاً، أليس الأمر كذلك؟]
فرأى كافما راكعاً على الجدار، يلمس أجنحته الممزّقة، ونظرات الإعجاب والتقدير في عينيه.
اشتدّ أنينه واحمرّ بصره. ولم يحتمل كافما مشهد عذابه، فتقدّم بخطواتٍ حزينة.
مسح الدم عن فمه بيده ونهض واقفاً.
وليس أنّ أوبيليك اقتحم المحادثة فجأة، فقد كان موجوداً منذ البداية حين بدأ فينسنت وبيرستيتز حديثهما، إلا أنّه لم يتدخل.
كافما: [لم أكن أعلم بوجود محاربٍ شجاع مثلك. إنّي أخجل من جهلي.]
ومع ذلك――
غارفيل: [هه، لا ألومك إن لم تعرف. كنتُ أقلق أكثر لو كنتَ تعرف.]
؟؟؟: [همم~؟ إنكما تنظران إليّ بصرامة… هل قلتُ ما لا ينبغي؟]
كافما: [――؟ ماذا تعني؟]
رفرفت أجنحته بسرعةٍ عجزت العين عن تتبّعها، وفي الوقت ذاته، ظهر كافما وقد قفز من السور ووقف إلى جانب غارفيل. لم يكن الأمر سرعةً فحسب، بل تنويعاً في السرعة.
رفع كافما حاجباً فارسياً متسائلاً عن حقيقة كلامه.
فمن وجهة نظره، لم يكن ليخطر بباله أنّ شخصاً من مملكةٍ أخرى، وخصوصاً المملكة، يتورّط في حدثٍ عظيم كهذا في الإمبراطورية.
كافما: [لم أكن أعلم بوجود محاربٍ شجاع مثلك. إنّي أخجل من جهلي.]
أوتو: [إن اكتشفوا من نحن ومن أين جئنا، قد يؤدّي ذلك إلى أزمةٍ دبلوماسيّة خطيرة. لذا، رجاءً لا تدع نفسك تُستفَز، ولا تَهذُ بكلماتٍ لا لزوم لها.]
لقد كان بحاجة إلى ذلك العدو.
هكذا كان أوتو قد قال لغارفيل قبل أن يقفز إلى ساحة القتال.
مُعوّلاً على قوّة ساقيه وقفّازيه، اندفع في خطٍّ مستقيم وسط عاصفة الكروم――
لقد مضت تسع سنوات منذ أن خدم أوبيليك إمبراطورية فولاكيا كقارئ نجوم―― ولعلّه يمكن القول إن منجزاته كلها كانت تمهيداً لهذه اللحظة بالذات.
لقد عرّف كافما نفسه، وعرّف غارفيل بنفسه بدوره، لكن إن باح بأكثر من ذلك، قد يتمكّن كافما الذكيّ من استنتاج الحقيقة كلّها.
ولا سبيل لأن تتحوّل هذه الفتنة في الإمبراطورية إلى حربٍ عظمى تشمل المملكة.
كافما: [سحر شفاء، إذن فأنت أيضاً مُداوٍ. إنّ تعدّد مواهبك أمرٌ يُثير الاهتمام. غير أنّ.]
رفرفت أجنحته بسرعةٍ عجزت العين عن تتبّعها، وفي الوقت ذاته، ظهر كافما وقد قفز من السور ووقف إلى جانب غارفيل. لم يكن الأمر سرعةً فحسب، بل تنويعاً في السرعة.
غارفيل: [آسف، لكن لم أُبح سوى باسمي. لكن يمكنني أن أسمح لنفسي بالكشف عن شيءٍ واحد. عن “كورولوكيا ذو الوجهين”.]
△▼△▼△▼△
كافما: [――. لا شكّ عندي أنّك رجل عظيم المهارة، سواء كتمت لسانك أم لا. لذا فأنا أيضاً آسف.]
غارفيل: […آسف؟]
هزّ كافما رأسه وخفض صوته، فعبس غارفيل؛ إذ لم يكن في كلامه كذب، بل صدقٌ ممتزج بالأسى، لا استفزاز فيه.
لكن الأسى لم يكن عائداً إلى كافما نفسه――
كافما: [لولا الظروف، لَوَدِدتُ أن أحظى بحديثٍ صريحٍ معك.]
انحنى بيرستيتز عند خصره مُلقياً التحية على فينسنت، بينما غرس فيه أوبيليك تلك الكلمات. لكن رئيس الوزراء العجوز تلقّى ذلك التنبيه ببرود، وقال:
؟؟؟: [وبما أنّ صاحب السعادة الحقيقي خارج الأسوار في هذا الوقت، فإن مشاعر صاحب السعادة رئيس الوزراء، الذي يضلّ طريقه في وجه الهجوم، هي أمر أستطيع أن أفهَمه تماماً~.]
غارفيل: [ماذا تقصد――]
أوبيليك: [――أووه.]
وبينما فكّر إن كان سيسأله عن معنى كلماته، خطا خطوةً للأمام، فإذا بركبته تخونه ويسقط على ركبته. ومع “آه؟”، خرج نفسٌ متقطّع، وعيناه تدمعان دمويّتين وهو قابضٌ صدره.
وقد جعله ذلك يبدو كمن يعبّر عن حزن أو مرارة. محاكاة زائفة للمشاعر، كأن أحداً لقّنه كيف يفعلها؛ على الأقل عينا فينسنت رأت الأمر كذلك.
كان قلبه يخفق بعنفٍ خطير. ――وأدرك أنّ ما يسمعه ليس سوى أجراس الإنذار من غريزته المذعورة تستصرخه للبقاء.
في وضع قتالي مهيب، حاول كافما أن يستدعي “الحشرات” الشائكة الدائرة في جسده، لكن دوياً هائلاً انفجر قريباً منه―― عيناه اتسعتا من أثر الاصطدام العنيف الذي بدا وكأنه انفجار.
وبذلك، قطع بيرستيتز، الذي كان واقفاً بجانب العرش، كلامه وتوقف لحظةً وهو يراكم كلماته. كانت عيناه الضيقتان مثل الخيط لا تكشفان شيئاً من مشاعره، غير أنّ المرء كان يستطيع أن يلمح ما يشعر به على نحوٍ عام.
――هناك ما يزحف داخله.
غارفيل: [غااغ…]
أجاب بيرستيتز وهو يسحب ذقنه إلى الوراء بعمق، دون أن يتغير شيء في ملامحه.
رفرفت أجنحته بسرعةٍ عجزت العين عن تتبّعها، وفي الوقت ذاته، ظهر كافما وقد قفز من السور ووقف إلى جانب غارفيل. لم يكن الأمر سرعةً فحسب، بل تنويعاً في السرعة.
كافما: [لو كنتَ ستقاتلني عن قرب، لكان الأجدر ألا تدع نفسك تُصاب.]
تلك الكلمات المزخرفة التي تُركت عمداً دون تصريح، زرعت قلقاً في قلب الرجل الذي يؤدي دور الإمبراطور.
مدّ كافما يده إلى غارفيل المرتجف، والدموع المُرّة تنساب من وجهه. وعلى أطراف أصابعه المنحنية أنبوبٌ يحمل “حشرة” بيضاء متلوّية.
بيرستيتز: [ليس من عادة قارئ النجوم أن يخشى شخصاً مثلي. ألا تسأل النجوم إن كان مثلي جديراً بخوفك؟]
وذاك من أثر “بركة الأرواح الأرضية” التي يملكها غارفيل. إذ تمكّنه البركة من تلقّي قوّة الأرض والتأثير عليها بالمقابل، لكن مدى ذلك يختلف وفق فهم حاملها.
لقد زرعت إحدى الحشرات بيضة عبر تلك الأنابيب في جرحٍ خلّفته الأشواك، ففقست في جسد غارفيل، وصارت تزحف بداخله.
بيرستيتز: [في ذلك الحين، كان هناك حذر من شخصية سعادة بارثروي الذي شكّل أكبر فصيل، وكما هو متوقع، جرى التخلص منه سريعاً، مع ذلك.]
غارفيل: [غووو…]
وما إن أدرك هذا، حتى طوّق نفسه بيديه وأطلق سحر الشفاء خاصّته.
فينسنت: [أتجرؤ على قول ذلك؟ أليس أنت ولاميا من تخلّص من ذلك الأخ الأكبر؟]
إذ إن بيرستيتز كان بدوره أحد الذين خاضوا حمام الدم في مراسم الاختيار الإمبراطوري.
غطّت أمواج الشفاء العنيفة جسده بنورٍ باهت، مجبرةً جروحه على الاندمال. وإذ رأى كافما ذلك، ارتفع حاجباه دهشة.
وهناك، أمام ناظريه وهـو يستدير ببطء متوهجاً بلهيب متمايل، كان عدو مخيف يواجهه.
كافما: [سحر شفاء، إذن فأنت أيضاً مُداوٍ. إنّ تعدّد مواهبك أمرٌ يُثير الاهتمام. غير أنّ.]
وليس أنّ أوبيليك اقتحم المحادثة فجأة، فقد كان موجوداً منذ البداية حين بدأ فينسنت وبيرستيتز حديثهما، إلا أنّه لم يتدخل.
غارفيل: [――هك، آه، أوه.]
كافما: [غاية الحشرات التي تسري في جسدك ليست إيذاءك، بل تحويل جسدك إلى مرتعٍ لها. ――قد تشفي الجرح، لكنك لا تشفي التحوّل.]
وفي حالة غارفيل، ما دامت قدماه على أرضٍ صلبة، فهي أرض.
كان تصريحه القاسي صائباً، إذ أثبتته العلّة المستعصية.
△▼△▼△▼△
فاستدار وأمسك القبضة القادمة، ثمّ ردّها بلكمةٍ اخترقت صدر خصمه وضلوعه. ثمّ ارتفعت قبضته الأخرى من أسفل لتصيب فكّه المتدلّي، قبل أن يرفع ركبته فيضرب بطنه المنثنيّ. ومع صرخة ألم، رفرف كافما بأجنحته وقفز بعيداً.
لهث غارفيل ألماً ولعن نتيجة محاولته صدّ الحشرات بضغط صدره، إذ حاصر بنفسه طريق هروبها.
كافما: [تعالَ، غارفيل تينزل!!]
تلك الكائنات المتفوقة والمتعالية جميعها كانت لتسحق بلا رحمة الأبطال المتغطرسين الذين اجتمعوا. وعند مشاهدة هذا المشهد من الدمار، حتى أشدهم تهوّراً كان سيدرك.
اشتدّ أنينه واحمرّ بصره. ولم يحتمل كافما مشهد عذابه، فتقدّم بخطواتٍ حزينة.
تناثر الدم القانٍ وقطع الألم جسده، غير أنّ المسافة بينهما أخذت تضيق شيئاً فشيئاً.
عضّ على أسنانه وهو متمسك بخيط حياته الرفيع، وتوقف عن الاعتماد على رأسه.
كافما: [مهارتك وبأسك، أنا “كافما إيرولوكس” سأحفظهما في قلبي. ――نم بشجاعة.]
وبذراعين مكسوّتين بقفّازات فضّية لامعة، انقضّ أمام عدوّه بسرعة البرق ليبلغ خصماً قد حوّل جماعةً من رجال القنطور إلى مسحوقٍ مريع.
وعاد ساعده الأيمن ليُكسى بدرعٍ أسود، ثمّ هَوَى بقبضته على غارفيل العاجز. فحطّم جمجمته، وتناثر الدم، وتهاوى جسده عنيفاً.
والسبب هو――
تدحرج وتدحرج وتدحرج، ثم ارتطم بحافّة السور وسقط، وقد اجتاحه شعورٌ بالهواء الخانق والفراغ.
فينسنت: [أنت مجرد قشرة على هيئة رجل، مصنوعة من لحم بشري.]
غارفيل: [――آه.]
فكلما اتسع نطاق المعركة، صار هذا القانون أكثر حسماً، وبناءً عليه كان يمكن القول إن قوات المتمردين، التي نجحت في حشد ما يزيد على ضعف عدد الجنود، قد حصلت على أفضلية ساحقة في هجومهم على العاصمة الإمبراطورية.
خرجت صرخة موتٍ واهنة من حلقه، وجسده الواهن سقط بلا حماية تحت أسوار المدينة.
غير أنّ――
فينسنت: [نوايا الأخ الأكبر بارثروي، همم.]
△▼△▼△▼△
أوتو: [اسمع يا غارفيل، تذكّر هذا جيّداً.]
أوبيليك: [أفهم. غير أنه مهما بلغ تعطش مواطني الإمبراطورية للدماء، فلن يقتحموا العاصمة دون فرصة للنصر. أليس لهذا السبب تدفع كل قبيلة بأبطالها؟]
سرعة تسلّل الكروم الشائكة ذات الأشواك التي لا تُحصى أوحت بوحشٍ مفترسٍ ينقضّ على فريسته. أي إنّها كانت أسرع ضربة لحصد روح خصمه.
أوتو: [إن اكتشفوا من نحن ومن أين جئنا، قد يؤدّي ذلك إلى أزمةٍ دبلوماسيّة خطيرة. لذا، رجاءً لا تدع نفسك تُستفَز، ولا تَهذُ بكلماتٍ لا لزوم لها.]
والسبب هو――
أوتو: [ومع أنّي أقول هذا، فأنا لا أتوقّع منك صبراً طويلاً. ولستُ آمرك أن تجادل كما يفعل التاجر. لذا――]
كان تصريحه القاسي صائباً، إذ أثبتته العلّة المستعصية.
ابتساماً عريضاً، رفع كافما ذراعيه الاثنتين فوق رأسه، واندفع للأمام.
أوتو: [لذا، تأكّد أن تحفظ هذا الأمر في قلبك.]
أوتو: [إن جرفك تبادلُ الكلمات――]
في الماضي، استخدم أوبيليك قضيباً محمياً ليحرق العين الشريرة في ذلك الموضع حتى تفحّمت، ولم يترك سوى تلك الندبة.
△▼△▼△▼△
△▼△▼△▼△
――في المعركة ضد قبيلة قفص الحشرات، كان من المستحيل على كثيرين أن يتفادوا الموت من اللحظة الأولى لرؤيتهم.
كافما: [――――]
فـ”الحشرات” التي زرعوها في أجسادهم قد تطورت ونمت إلى ما يتجاوز حدود خيال البشر، ويمكن القول إن قدراتها كانت لا متناهية التنوع.
وفوق ذلك، إذا انسجموا مع “الحشرات” التي تنمو في أجسادهم، وسرّعوا من تطور مهاراتهم أكثر فأكثر، فإن قبيلة قفص الحشرات لم تُخرج مقاتلين اثنين متشابهين على الإطلاق.
وفوق كل هذا، فقد وُلِد كافما إيرولوكس عبقرياً بين قبيلة قفص الحشرات.
فرأى كافما راكعاً على الجدار، يلمس أجنحته الممزّقة، ونظرات الإعجاب والتقدير في عينيه.
ورغم أنه رُشِّح للترقية إلى رتبة الجنرالات التسعة الإلهيين، فقد رفض ذلك لأجل معتقداته وفلسفته الخاصة، إلا أنّ قدراته قد اعترف بها الإمبراطور فينسنت على أنها تضاهي قدرات الجنرالات من الدرجة الأولى.
لقد مضت تسع سنوات منذ أن خدم أوبيليك إمبراطورية فولاكيا كقارئ نجوم―― ولعلّه يمكن القول إن منجزاته كلها كانت تمهيداً لهذه اللحظة بالذات.
وبصفته مقاتلاً من فولاكيا، كان شخصية استثنائية سُمِح لها بالوقوف على القمة.
ومن الطبيعي أنه، وقد وُلِد في قبيلة قفص الحشرات، لم يكن يتردد أو يشعر بالذنب في استعارة قوة “الحشرات” واستخدام قدراتها كما لو كانت قوته الخاصة.
كان كافما، الذي لا يتوقع شيئاً سوى النصر، ويطلب القضاء على أكبر عدد ممكن من الأعداء، لا يملك ترف إضاعة الوقت في القتال مع محارب واحد فقط.
فطبيعي أنه رأس مشقوق. لا يمكن الاتكال عليه. ما كان مطلوباً هو غريزة البقاء، اتباعها، تحريك الجسد قسراً، ومن ثم.
وباحتساب قوة “الحشرات”، كانت تلك هي قوة المقاتل المعروف باسم كافما إيرولوكس.
ولم يكن ينوي أن يوضح كيف توصّل إلى ذلك الاستنتاج.
ومع ذلك――
لقد دمّر جوهر وجوده نفسه كأحد أفراد قبيلة العين الشريرة. ــ فعل ارتكبه فقط ليثبت أنّه لا يُشكل خطراً، ولولا أنّه أُوقف، لربما حطّم أطرافه أيضاً.
كافما: [لستُ خالياً من أفكاري الخاصة.]
غارفيل: [وقاحة――!!]
كان كافما، الذي لا يتوقع شيئاً سوى النصر، ويطلب القضاء على أكبر عدد ممكن من الأعداء، لا يملك ترف إضاعة الوقت في القتال مع محارب واحد فقط.
لذلك، وباستخدام حركة ماكرة لإسقاط خصمه بأسرع ما يمكن، هزمه.
كافما: [――――]
أوبيليك: [اللوحة التي أعددتها لن تتشوش بأي تدخّل من السماء. ――فجميع سكان الإمبراطورية تقريباً يقيمون في كفّ يدك.]
فينسنت: [――――]
إن طقس إدخال “الحشرات” إلى الجسد كان حصيلة إعداد متقن، حتى عند قبيلة قفص الحشرات.
بلا مبالغة، كان ضغطها أشبه بغابةٍ بأكملها تنهال عليه.
فمنذ كانوا رُضّعاً، تُعدّل أجسادهم استعداداً لإدخال “الحشرات” في المستقبل، لكن الطقس كان محرماً حتى بلوغهم سن الثانية عشرة. أي أنّ الأمر كان يتطلب اثني عشر عاماً على الأقل من التحضير قبل أن يمكن إدخال “حشرة” في الجسد.
أوبيليك: [أفهم… بالمناسبة، هل رئيس الوزراء على علم؟]
وإذا ما تخطّي هذا الشرط وزُرِعت الحشرة قبل أوانها، فلن يتحمل الجسد.
ومن ثم――
فينسنت: [إن استشهدتَ بسيسيلوس، فلا يكاد يملك حظاً في معظم الأمور. أما اراكيا فهي فتاة تعيش بمنطق الوحش أكثر من منطق الإنسان، لكنها تُدار متى استقرت على سيّد. غير أنّ…]
أوبيليك: [بمنطقك هذا، فجميع من يتقاسمون دوري… جميع مراقبي النجوم الذين يُصغون إلى “الوصايا”، ليسوا سوى قشور؟]
كافما: [يؤلمني أن أُنهِي الأمر معك بهذه الطريقة.]
غارفيل: [غووو…]
مُعبّراً عن أسفه، أغمض كافما عينيه ورفع صلاة صامتة لخصمه المهزوم. لكن لم يطل به الغرق في المشاعر، فسرعان ما استدار مجدداً ونظر إلى ما وراء المتراس.
كان قلبه يخفق بعنفٍ خطير. ――وأدرك أنّ ما يسمعه ليس سوى أجراس الإنذار من غريزته المذعورة تستصرخه للبقاء.
وما إن أدرك هذا، حتى طوّق نفسه بيديه وأطلق سحر الشفاء خاصّته.
صحيح أنه صدّ الهجوم الأول لشعب القنطور، لكن المجموعة الثانية كانت ستشنّ هجومها عليه. ومهما اندفعوا نحوه، فلن يكون الأمر ذا بال. في كل مرة، سيتصدى لهم جميعاً―― كان ذلك ما خطر له في تلك اللحظة بالذات.
ولبرهةٍ، بقي متوجّساً من الموجة الصادمة التي أبادت القنطور، فلم يكشف صدره، بل قطع تحكّمه بالكروم المتفرّعة من ذراعيه، وبدأت أجنحته على ظهره بالطنين.
كافما: [――هاه، ما هذا!?]
غارفيل: [لن تفلت!!]
△▼△▼△▼△
في وضع قتالي مهيب، حاول كافما أن يستدعي “الحشرات” الشائكة الدائرة في جسده، لكن دوياً هائلاً انفجر قريباً منه―― عيناه اتسعتا من أثر الاصطدام العنيف الذي بدا وكأنه انفجار.
وللحظة، ظن كافما أن المتمردين قد أخرجوا سلاحاً لاختراق المتراس، لكنه سرعان ما أدرك خطأه.
وحين يفشل المرء في تلبية توقعات فينسنت، فلا يكون بطلاً، بل أدنى من وحش.
غير أنّ هذا الإدراك لم يجلب راحة.
فينسنت: [――――]
والسبب هو――
فينسنت: [لا أعرف مراقبي نجوم سوى نفسك. ولا رغبة لي في الإجابة عليك.]
وواضعاً يده على فمه، نطق أوبيليك بجرأة بما وُبخ عليه للتو.
كافما: [――غارفيل تينزل.]
غارفيل: […آسف؟]
في مرمى بصره المرتجف، كان غارفيل واقفاً وقد تسلّق من جديد المتاريس المنهارة.
ومع إغلاق الباب ورحيل بيرستيتز، رفع أوبيليك كتفيه متسائلاً: “هل الأمر مقبول؟”،
بهيئة وحش مفترس مكبَّر، ذاك المحارب المجنون، وجسده بأسره ملتفٌّ بنيران متأججة، كان واقفاً.
△▼△▼△▼△
لقد كان سقوطه في حقل مفتوح نعمة مقنّعة.
فلو أنه سقط فوق المتاريس، لما استطاع أن يحشد القوة للوقوف من جديد. لكن بسقوطه على الأرض، كان التراب نفسه في صف غارفيل.
وعاضّاً على أسنانه حتى أصدرت صريراً، هَوَى غارفيل بقدمه بقوّة بعد أن ضربه موج الكروم العاتي. فانتقل الأثر من باطن حذائه إلى الجدار تحته، فأمال موطئ قدم كافما على الجانب الآخر، ما جعل “الجنرال” المذهول يفقد توازنه.
ومع ذلك، فقد كانت الأضرار في جسده بالغة، إذ شُق رأسه، وكان الإحساس بجسده يُحرَّك من الداخل يستدعي الموت ليتسلّل إلى حياته مع كل ثانية تمر.
فالمسافة القريبة للغاية تصبّ في مصلحة غارفيل. فبعد أن أوقف ضربته العكسيّة، أدار جسده كلّه ليطلق قبضته اليسرى باندفاعة كاملة، ثمّ وجّه نطحة برأسه إلى خصمه الذي حاول صدّها.
إن الرأس المشقوق يمكن ترميمه بسحر الشفاء. غير أن “حشرة” كانت تمنع تفعيله. وبما أن “الحشرة” لم تكن تهاجم فعلياً، لم يكن سحر الشفاء قادراً على طردها أيضاً. وفوق ذلك، لم يكن هناك وقت لاستخدام سحر الشفاء أصلاً، ومع تدخّل “الحشرة”، ظل رأسه مشقوقاً، والدم كان… الدم كان… الدم كان…
وفوق ذلك، إذا انسجموا مع “الحشرات” التي تنمو في أجسادهم، وسرّعوا من تطور مهاراتهم أكثر فأكثر، فإن قبيلة قفص الحشرات لم تُخرج مقاتلين اثنين متشابهين على الإطلاق.
وقد شبك إبهامه بحافة ردائه عند صدره، وهو يلوّح بأصابعه الأخرى، طرح أوبيليك ذلك السؤال. وفهم فينسنت مغزى السؤال غير الودود، فأغلق إحدى عينيه.
غارفيل: [غاه، أوغه.]
لكي ينفذ ما أمره به أخوه الأكبر، كان يحتاج إلى عدو.
عضّ على أسنانه وهو متمسك بخيط حياته الرفيع، وتوقف عن الاعتماد على رأسه.
فطبيعي أنه رأس مشقوق. لا يمكن الاتكال عليه. ما كان مطلوباً هو غريزة البقاء، اتباعها، تحريك الجسد قسراً، ومن ثم.
إلا أنّ――
ومن ثم، مدفع الحجر السحري الذي كان مُعَدّاً على الجدار لاعتراض العدو القادم من خارج الأسوار، ابتلع الحجر السحري المحمّل داخله وسحقه في أحشائه.
كافما: [――――]
وعلى كلمات فينسنت، خفض أوبيليك حاجبيه بابتسامة مصطنعة على وجهه.
وفوراً، تدفق المانا المخزَّن في الحجر داخل غارفيل، فأحرق “الحشرة”. وما إن احترقت “الحشرة”، لم يبقَ مع غارفيل سوى ندوب هائلة.
كان كافما، الذي لا يتوقع شيئاً سوى النصر، ويطلب القضاء على أكبر عدد ممكن من الأعداء، لا يملك ترف إضاعة الوقت في القتال مع محارب واحد فقط.
هزّ رأسه بخفّة يميناً ويساراً، مبتسماً.
――لا، لم يبقَ سوى الجراح، والعدو.
فمنذ كانوا رُضّعاً، تُعدّل أجسادهم استعداداً لإدخال “الحشرات” في المستقبل، لكن الطقس كان محرماً حتى بلوغهم سن الثانية عشرة. أي أنّ الأمر كان يتطلب اثني عشر عاماً على الأقل من التحضير قبل أن يمكن إدخال “حشرة” في الجسد.
أوتو: [اسمع، غارفيل، تذكر هذا جيداً.]
فالأشخاص التافهون لا ينعكسون في المستقبل الذي يراه قارئو النجوم.
مدفوعاً بغريزة البقاء، تخلّى عن جسد كافما وقفز جانباً. وكان قراره صائباً. فالمكان الذي شغله قبل لحظةٍ سُوّي بالأرض بخطّ ناريّ أطلقته الحشرة الذهبيّة، إذ اجتثّت أعلى السور كلّه. ومع تطاير شعر جسده القصير، شعر غارفيل بقشعريرةٍ تجتاح عموده الفقري.
أوتو: [إذا اكتشفوا هويتنا ومِن أين جئنا، فقد يقود ذلك إلى حادث دبلوماسي صعب للغاية. لذلك، أرجوك تجنّب أن تستفزهم، أو أن تتفوه بكلمات غير ضرورية.]
فينسنت: [――――]
أوتو: [مع ذلك، وبما أنّ الأمر يتعلق بك، فأنا لا أتوقع منك أن تتحلى بالكثير من الصبر. لستُ أطلب منك أن تدخل في سجال بالأخذ والرد كما يفعل التجار. لذا――]
أوبيليك: [――نعم. أنا، على الأقل، لن أكذب. لم تُنزل أي وصية جديدة. وفي الأصل، ما لم يُستكمل تنفيذ الوصية السابقة، فلن تُنزَل وصية جديدة، غير أنّ…]
أوتو: [لذا، عليك أن تتذكر شيئاً واحداً جيداً.]
أوتو: [إذا انجرفتَ في تبادل كلام――]
؟؟؟: [حتى في قتالٍ فردي، لن يَعكّر صفوَ تقنيّتي الباهرة شيء!]
قطع كلماته عند هذا الحد، وحدّق فينسنت بعينيه السوداوين في أوبيليك. لم تهتز هيبة أوبيليك أمام النظرة القاسية الموجّهة إليه، إذ كان تجاهل حياته الخاصة هو نمط عيشه.
غارفيل: [إذا، أنا انجرفت…]
بكلمات متلعثمة، ومع خفوت عقله بفعل التحول الوحشي الغريزي لترميم جراحه الخطيرة، ظلّ ما يتردّد في دماغه بلا انقطاع هو كلمات رجل يشبه الأخ الأكبر، ذاك الذي يمكن الاعتماد عليه في كل موقف.
بيرستيتز: [وفي هذه الحالة، فهذا يوافق دورك أنت أيضاً، أليس الأمر كذلك؟]
وكان لا مفر من أن يقع ذلك. ―ـ أما كانوا ليتساءلون ما هم “التسعة الجنرالات الإلهيين”؟
وهناك، أمام ناظريه وهـو يستدير ببطء متوهجاً بلهيب متمايل، كان عدو مخيف يواجهه.
عند أحد حصون السور النجميّ، ارتفع صُراخٌ حربيّ، وانقضَّ نمرٌ هائج.
لقد كان بحاجة إلى ذلك العدو.
أوبيليك: [بالطبع، أنا مدرك لهذا. لكن، يا صاحب السعادة… لا، أنتم حذرون للغاية. حتى اللحظة الأخيرة، افترضت أن حياتي لا يمكن أن تُنتزع.]
لكي ينفذ ما أمره به أخوه الأكبر، كان يحتاج إلى عدو.
خطوة، خطوتان، وإذا بـ”غارفيل تينزل” يندفع أماماً في غمضة عين.
فقد قالها له. ――أوتو سووين قالها لغارفيل.
أوبيليك: [فلو كُشف مصادفة أنّ صاحب السعادة الإمبراطور فينسنت، الذي يسعى الجميع لحمايته بجهدٍ عظيم، ليس سوى مزيّف…]
وفوق ذلك، إذا انسجموا مع “الحشرات” التي تنمو في أجسادهم، وسرّعوا من تطور مهاراتهم أكثر فأكثر، فإن قبيلة قفص الحشرات لم تُخرج مقاتلين اثنين متشابهين على الإطلاق.
أوتو: [――تأكد أن تُبرح ذاك الخصم ضرباً حتى لا تبقى لقدميه قدرة على الوقوف!]
لقد جعلته قدراته ورقة لا يُستهان بها، غير أنّ سلوكه لم يخلُ من خفة مهرج. لكن، لم يكن واجب المهرج إذناً لإطلاق النكات فحسب.
غارفيل: [سأسحقك سحقاًاا――!!]
――لقد كان ارتداد ذلك الصدع، نقشاً يُسطِّر سقوط السماوات التي لا تُقهَر في تاريخ الإمبراطورية.
ارتفع زئير الوحش من جديد، وغارفيل وقد تحوّل تماماً إلى وحش هائج، اندفع وسحق وهو يعبر الاسوار. وعند رؤية ذلك الاستعراض للقوة، انفتحت عينا كافما وابتسم.
وإذا ما تخطّي هذا الشرط وزُرِعت الحشرة قبل أوانها، فلن يتحمل الجسد.
قطع كلماته عند هذا الحد، وحدّق فينسنت بعينيه السوداوين في أوبيليك. لم تهتز هيبة أوبيليك أمام النظرة القاسية الموجّهة إليه، إذ كان تجاهل حياته الخاصة هو نمط عيشه.
ابتساماً عريضاً، رفع كافما ذراعيه الاثنتين فوق رأسه، واندفع للأمام.
――هناك ما يزحف داخله.
كافما: [تعالَ، غارفيل تينزل!!]
غارفيل: [آآآرهااااااااا――!!]
أمام سؤال أوبيليك الماكر، لم يتغير تعبير فينسنت قيد أنملة.
غارفيل: [إذن، جَرِّب هذا!!]
الهجوم العنيف للنمر الذهبي، مكشراً عن أنيابه وهو ينقض، اخترق أمواج الأشواك البنفسجية التي ملأت رؤيته من الجهة المقابلة مباشرة، وتكوّن صدع في الحصن عند أحد أطراف النجم.
وقد جعله ذلك يبدو كمن يعبّر عن حزن أو مرارة. محاكاة زائفة للمشاعر، كأن أحداً لقّنه كيف يفعلها؛ على الأقل عينا فينسنت رأت الأمر كذلك.
ومما لا شك فيه، أنه كان تجسيداً للقلق الذي ساور الإمبراطور على العرش――
كافما: [ش――!]
وهناك، أمام ناظريه وهـو يستدير ببطء متوهجاً بلهيب متمايل، كان عدو مخيف يواجهه.
كافما: [――――]
عضّ على أسنانه وهو متمسك بخيط حياته الرفيع، وتوقف عن الاعتماد على رأسه.
――لقد كان ارتداد ذلك الصدع، نقشاً يُسطِّر سقوط السماوات التي لا تُقهَر في تاريخ الإمبراطورية.
وإذ لم تُعطِ كلماته الجازمة الأثر المنشود، بدا أوبيليك متحيّراً. وعلى سؤاله، هزّ فينسنت رأسه نافياً: “لا”.
