92 - إحياء الروابط القديمة.
――كان الهواء يصرخ، والعالم يتباطأ شيئًا فشيئًا.
لم تُفاجأ إميليا مثل الآخرين عندما سمعت رد ماديلين المفعم بالحيوية حتى بعد أن أصابتها مباشرة كتلة جليدية أكبر من بيت. كان الأمر مشابهاً لما واجهتها به في غوارال قبل أيام.
لقد سيطر لهيب على ساحة المعركة. ――لا، لم تكن ساحة المعركة هي التي سادها اللهيب، بل الإمبراطورية كلها.
إميليا: [الآن لن تستطيعي…]
لقد اجتاح اللهيب أرجاء الإمبراطورية، وابتلعت الأرض فوضى غير مسبوقة.
فبعد أن تلقوا ضربة على رؤوسهم وخسروا قوتهم القتالية، بدا أنّ المجموعة الأولى توشك على الانهيار، لكنهم اندمجوا بالمجموعة الثانية التي جاءت متأخرة، وصاروا يحاولون استعادة قوتهم القتالية.
كثيرون رفعوا أصواتهم، وشهروا أسلحتهم، وأعلنوا مبادئهم، وأشعلوا حماسهم.
وقد طُيّر بعيداً بالقوة نفسها المحاربون نصف السلاح الذين فشلوا في الانسحاب. كانت قوة التنين الجسدية الخام مذهلة، أكثر حتى من قوة إميليا الكبيرة.
انتشر ذلك إلى الخارج، فأصبح أعظم، أوسع، أسرع، أقوى، وأشد التهابًا.
تود: [لا يُعقل… أكان تأخرهم جزءاً من الخطة؟]
ذلك اللهيب كان قد توهج طويلًا في قلوب وعقول مواطني فولاكيا عبر سنين عديدة.
لكنها، في الحقيقة، لم تستطع أن تحدد العامل الحاسم الذي يوجهها إلى أيّ حصن يجب أن تندفع.
إنه لهيب حُشر بلا نهاية في صندوق، محروم من فرصة الانفلات. ومع ذلك، ظل اللهيب المحبوس يزداد قوة على مرّ الوقت، حتى انفجر أخيرًا حين وجد الفرصة.
والحرارة المنبعثة من النصل كانت كافية لجعل الهواء يتماوج، إنه سيف اليانغ، السيف الذي لا يُسمح إلا لإمبراطور فولاكيا أن يحمله―― وبلا وعي، حدّقت يورنا فيه بإعجاب.
ما بدأ على هذا النحو، في حد ذاته، لم يكن مما يُنفى أو يُستنكر.
حيث يعيش كثير من الناس، تتعدد طرق التفكير. وفوق ذلك، تختلف طرق التفكير بين الدول، وتتجذر سبل العيش المختلفة في أنواع مغايرة من التربة والماء والهواء.
وبما أنّ الأمر كان لقاءً بين أم وابنتها، فقد اعتقدت أنّ لديهما الكثير ليتبادلاه من حديث.
ومهما بالغ المرء في التدخل، فلن يُصغي أحد لشكاواه.
إميليا، الفتاة التي واجهت النظرة الذهبية للتنين، لم تكترث لذلك البريق الحاد.
ومن ثمّ، فإن الحديث عن الحق والباطل في مثل هذا الموضع أمر في غير محله.
لكن بريسيلا لم تلتقِ نظراتها، وأشارت بسيفها نحو أراكيّا، وقالت:
وربما لم تكن مشاعرها المختلطة تجاه الإمبراطورية ببعيدة عن ذلك.
في مكان تتشابك فيه أمور كثيرة، إن كان هناك ما يمكن قوله، فهو واحد فقط:
ولذلك قررت إميليا.
ماديلين: [تفتقرين إلى المهارة.]
إنه سيكون――
بريسيلا: [أتسعين إلى حسم رسمي لـ”مراسم اختيار الإمبراطور”؟ هذا حسن.]
???: [――إنني أكرهه حقًّا.]
الأراضي الزراعية والمروج، والامتداد الأخضر المحيط بالعاصمة الإمبراطورية لوپوغانا، غطتها نُثار الثلج الأبيض، مشهد لم يكن ليُتصوّر في إمبراطورية عُرفت بمناخها الدافئ.
أدركوا أنّ أجسادهم قد أصابها الخدر، ولم تعد تتحرك كما أرادوا.
???: [ما هذا…؟]
؟؟؟: [ما الأمر يا أماه؟ حتى بعد أن متَّ مرة، أما زلتِ عاجزة عن التخلي عن طفلك؟]
كان ذلك صوت أحد مقاتلي الـمسلحين المنهارين أرضًا، الذي صاح مرتبكًا أمام الثلج الذي يراه لأول مرة.
آبِل: [إنها أسوار على شكل نجمة. من هذه الحصون الخمسة يمكن السيطرة على ساحة المعركة في العمق وعلى البعد. وبالمقابل، إن استولينا على هذه النقاط، استطعنا أن نقلل قوة الخصم كثيرًا. ولأجل ذلك…]
لقد وُلدوا بأجزاء من أجسادهم من معدن، أعادوا تشكيلها إلى أسلحة للقتال في ساحة الحرب. تحدّوا العاصمة الإمبراطورية، فحطمتهم قوة عاتية.
إميليا: [هياااه!]
وبينما أعادوا تنظيم صفوفهم ليستعدوا لمواجهة العدو مجددًا مع من بقي قادرًا على القتال، بدا المشهد الأبيض ببطء.
إلا أنه بعدما فقدت المجموعة الأولى أصحاب القوة ووهنت عزيمتها، وانطفأ تهورهم، فقد اختفى المزعجون الذين لا قدرة لهم على الإصغاء.
تملكهم الذهول للحظة، ثم أعادوا أنظارهم سريعًا إلى ساحة القتال.
بريسيلا: [وأليس في الاجتماع نفسه قلتُ إني لن أفعل ما يأمرني به آベル؟]
ولم يكن مستغربًا لو استغل العدو تلك اللحظة ليقضي عليهم. لكنّ العدو لم يعد ينظر إلى الـ الـمسلحين كتهديد، ولم يستغل الفرصة.
لقد جمعوا ذلّهم، وصبّوا غضبهم في سيوفهم ورماحهم وفؤوسهم ليحطموا أعداءهم صونًا لكرامة قومهم، لكن حينها――
وبينما كان آبل يضع استراتيجياته في المعسكر، وكانت مجموعة إميليا تجري عبر ساحة المعركة، كانت بريسيلا وآل أيضاً قد خطوا إلى ميادين قتال أخرى.
أدركوا أنّ أجسادهم قد أصابها الخدر، ولم تعد تتحرك كما أرادوا.
مع أنّ من دور آبِل أن يضع الاستراتيجية الرابحة، لم تستطع إميليا أن تقبل هذا النهج. لذا خرجت للقتال، في سبيل السيطرة على الحصون الضرورية عند زوايا النجمة.
بدأت المعارك على حصون الأسوار النجمية التي تُحيط بالعاصمة الإمبراطورية، وتغيّرت طبيعة الحرب.
مرة أخرى، إن إمبراطورية فولاكيا بلاد ظلّ مناخها دافئًا على مدار العام.
فوجئت يورنا بتلك الهيئة غير المتوقعة والكلمات التي تلتها، وزفرت تنهيدة طويلة.
وبطبيعة الحال، إن كان موطن المرء في أعالي الجبال، أو على الحدود مع الدول المجاورة، أو قريبًا من الشلّال العظيم، فقد يخوض تجربة مناخ مختلف، لكن هذا لم يكن حال الـ الـمسلحين.
مادلين: [أودّ أن ألتقي…]
ومع ذلك، لا لوم عليهم.
ذلك اللهيب كان قد توهج طويلًا في قلوب وعقول مواطني فولاكيا عبر سنين عديدة.
من ذا الذي كان ليتنبّه؟
من ذا الذي كان ليتخيل أنه حتى في منتصف النهار، في ساحة قتال تتسلل إليها أشعة الشمس والسماء الزرقاء، يمكن لجسد أنهكه العرق أن يبرد دفعة واحدة، وأن تهبّ ريح جليدية تجعل الدم يتجمد في العروق!
ولم يكن مستغربًا لو استغل العدو تلك اللحظة ليقضي عليهم. لكنّ العدو لم يعد ينظر إلى الـ الـمسلحين كتهديد، ولم يستغل الفرصة.
???: [يا جميعًا! ابتعدوا من هنا! سأبذل قصارى جهدي حقًّا!]
وإلى مادلين المذهولة، اندفعت نصلا الجليد في يدي إميليا.
وبينما أجبروا أجسادهم المخدّرة على الحركة، دوّى صوت هزّ الـ الـمسلحين المذهولين.
يورنا: [――مع ذلك، لكان هذا أيضاً حال القصة لو أنّ صاحب الجلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا لم يُطَح به من عرشه.]
في الهواء البارد، الذي يصعّب حتى القبض على السلاح، تقدمت عبر المرج بخطوات واسعة، وشَعرها الفضي يتطاير في الهواء.
برجلها المرفوعة، ركلت حافة السيف المجنح الطائر. جعل الاصطدام عظام جسدها كلّها تئن، لكنها عضّت على أسنانها وتحمّلت من دون تردد. وبكل قوتها دفعته بعيداً فوق رؤوس المحاربين ونفسها، ليطير نحو الخلف.
فتاة فاتنة البشرة، بعينين أرجوانيتين، وملامح وجه متناسقة على نحو مهيب، تقدمت شامخة، وكأن المشهد من حولها حق ثابت لها.
وفي إعجابهم بالمشهد، أدرك الـ الـمسلحين. ――لقد فهموا مَن جلب عليهم هذا.
إميليا: [هياااه!]
وفي الهواء البارد، المصبوغ بالبياض من أنفاسها المتصاعدة، أخذ جسدها يسخن شيئاً فشيئاً وهو يشع بروحها القتالية المتقدة.
???: [――أأنتِ مجددًا؟]
استمر ذهول الـ الـمسلحين المرتجفين.
وكان ذلك برهاناً لا لبس فيه على العلاقة الخاصة التي جمعت بريسيلا بأراكيّا.
فبينما تقدمت الفتاة ذات الشعر الفضي، ناداها صوت من أعلى―― مادلين إشارت، الجسد الصغير الواقف فوق سور المدينة، ذات القرنين الأسودين على رأسها، من سلالة التنانين.
بيترا: [لا تقلقي يا إيميلي. اتركيه لي.]
لقد كانت “الوحش” التي تتربع في مقام التاسعة بين الجنرالات التسعة المقدسين، والتي حطمت صفوف الـ الـمسلحين بضربة واحدة.
إميليا: [أوهييياا!!]
تنظر بازدراء إلى الأسفل، تمسك في يدها سيف الجناح الطائر، سلاحًا أثقل من قوامها الصغير، لكنها تتقنه إتقان السيّد الماهر.
حتى في إمبراطورية غاصة بقبائل أنصاف البشر، كانت سلالة التنانين نادرة ومرهوبة لدرجة أنّ مجرد مواجهتها كفيل بأن يُرغم ضعيف النفس على الارتعاد والسجود.
قفزت وهي تتدحرج، وصفعت وجنتيها ونظرت أمامها.
غير أنّ――
ترددت سلسلة من الارتطامات والطرقات، واندفع سيل من قطع الجليد نحو ماديلين وهي تجري على الأسوار.
وهذا هو――،
???: [نعم! إنها أنا ثانية، مادلين! مستخدمة الفنون الروحية العابرة، إميليا!]
بينما كانت إميليا على وشك الانطلاق، عرض أوتو مساعدتها.
بياتريس: [إنه أمر مزعج، لكن بيتي تطلب منك أن تحلّي محلها، في الحقيقة. بعد بيتي، الشخص التالي القادر على بذل قصارى جهده من أجل سوبارو هي إميليا، على ما أظن.]
إميليا، الفتاة التي واجهت النظرة الذهبية للتنين، لم تكترث لذلك البريق الحاد.
ذلك التبادل الخالي من الخوف، كان كافيًا ليفهم الـ الـمسلحين. لقد أدركوا الفارق بين المسرح الذي يقفون فيه، وبين ذاك الذي تقف عليه إميليا ومادلين، والفارق في علوّ وجهات النظر.
لكن، لو لم تكن قد عرفت الحقيقة ولم تُدعَ كإحدى الأركان التسعة الذين يحكمون مدينة الشياطين، فأي جانبٍ كانت ستختار؟
الـمسلحين: [――――]
بريسيلا، التي كانت تملك جواباً لكل كلمة، ردّت بلا رحمة، فلم تجد يورنا ما تقوله أمام موقفها. بيد أن بريسيلا أطلقت شخيراً ساخراً: “همف”، واختفت الابتسامة عن محياها.
شعروا بخيبة أمل وإحباط من حقيقة الموقف، لكن ما لبث أن فاض بداخلهم إحساس بالبهجة.
ما بدأ على هذا النحو، في حد ذاته، لم يكن مما يُنفى أو يُستنكر.
إنه ترقب للمعركة التي ستتجلى أمام أعينهم، معركة تتجاوز فهم البشر.
أي بمعنى――
لقد حان أوانها. معركة الطبقات العُليا، التي لا تُنال بمجرد أن يولد المرء قويًّا.
ارتجاف المحارب وقع، بغضّ النظر عن دمائهم التي تبرد مع هبوط الحرارة.
حتى أمام يورنا، كان وجهها، المنفصل بعض الشيء عن العالم، لا يتزعزع، لكن ما إن رأت بريسيلا حتى انهار قناعها.
ولم تكن يورنا الوحيدة التي تعرفت إلى أراكيّا من الوهلة الأولى كحامية لهذا الحصن.
ثم――
مادلين: [أنتِ فتاة مزعجة بحق. لم تستطيعي هزيمة هذا التنين في معركتنا الأخيرة――]
وما إن سمعت إجابة أراكيّا، حتى أغلقت بريسيلا مروحتها في يدها. وضعتها بين نهديها، ثم رفعت يدها الفارغة نحو السماء، واستلت سيفها القرمزي الثمين من العدم.
انتشر ذلك إلى الخارج، فأصبح أعظم، أوسع، أسرع، أقوى، وأشد التهابًا.
وجه مادلين، الذي يمكن وصفه حتى بالبراءة، تبدل إلى جدية شرسة.
كان ذلك محبطًا لإميليا، إذ لم يكن بوسعها سوى القتال، لكنها تعلمت أنّ تقسيم الأدوار أمر بالغ الأهمية، فتركت الأمر لكلّ حسب اختصاصه.
يورنا: [أعتذر إذ لستُ في أفضل حال، لكنني سأكون ندّك.]
رافعة سيف الجناح الطائر بيدها، صبّت التنينة الغاضبة كل قوتها في ذراعيها النحيلتين، غير عابئة بالبرد القارس الذي أقعد الـ الـمسلحين.
إميليا: [هيااا!!]
ومن ثمّ، فإن الحديث عن الحق والباطل في مثل هذا الموضع أمر في غير محله.
لقد أدركوا بفطرتهم: اللحظة التي يُشهر فيها ذلك السيف، ستبدأ معركة سيخلّدها التاريخ.
إميليا: [إذن فالذين يهاجمون أولًا سيكونون في خطر! لا يمكنكم فعل ذلك أبدًا!]
أغمضت عينيها بقوة، ووضعت يدها اليسرى فوق يدها اليمنى المستقرة على صدرها. وقبل أن تبدأ المعركة، كانت بياتريس، التي شعرت بالأسف لعدم تمكنها من المشاركة في القتال، قد أمسكت بيدها وقالت:
إميليا: [――هيا!]
إذ دون التزام نسق متساوٍ، ودون اهتمام ببعضهم، كانت قوات المتمردين الطائشة قد اندفعت. وبعد التجربة المؤلمة التي تلقاها الفريق الأول، بدت المعركة على وشك أن تنتهي بانتصار ساحق للجيش النظامي.
――وفي اللحظة التالية، هبطت كتلة جليدية بحجم قلعة على الأرض أمام إميليا مباشرة، وابتلعت شظاياها المدوية هيئة مادلين على الأسوار.
ضيقت بؤبؤي عينيها الذهبيتين وهي تتابع تفتت الجليد إلى شظايا ثم إلى جسيمات ثم إلى مانا.
△▼△▼△▼△
لقد جمعوا ذلّهم، وصبّوا غضبهم في سيوفهم ورماحهم وفؤوسهم ليحطموا أعداءهم صونًا لكرامة قومهم، لكن حينها――
ارتطمت كتلة الجليد الضخمة بالأسوار، وفكّرت إميليا في سريرتها: “جيّد”.
لكن ذلك لم يكن حتى خداعاً لماديلين كما هو متوقع، إذ صدّتها بسلاحها المرفوع بإزعاج، محطمةً الكتلة وجاعلة الهجوم بلا جدوى.
ومن ثمّ، فإن الحديث عن الحق والباطل في مثل هذا الموضع أمر في غير محله.
لقد بدأت معركة المتمردين الذين يطوقون العاصمة الإمبراطورية ضد الجيش النظامي المدافع عنها، مما جعل رأس إميليا يموج بالارتباك.
وبعد لحظة، تحولت نظرتها القرمزية نحو أراكيّا في الأعلى.
فلنقدّم كل ما بوسعنا، ولنقلل ما أمكن من أعداد القتلى.
وبغليونها في يدها، حدّقت يورنا ميشيغوري إلى ساحة المعركة وأطلقت كلماتٍ مغلّفة بدخان بنفسجي.
ذلك هو المبدأ الذي قررته إميليا، والذي قبله رفاقها دون معارضة، رغم معرفتهم بصعوبته.
ومع ذلك، حين وصلت إميليا ورفاقها إلى وجهتهم، كان المتمردون الذين سبقوهم قد بدأوا القتال بالفعل.
حيث يعيش كثير من الناس، تتعدد طرق التفكير. وفوق ذلك، تختلف طرق التفكير بين الدول، وتتجذر سبل العيش المختلفة في أنواع مغايرة من التربة والماء والهواء.
???: [من منظور العاصمة الإمبراطورية، جميعهم متمردون سواءً، لكن لكل قبيلة أجندتها الخاصة. لم تكن معركة بدأت بنظام، مع اصطفاف جميع القبائل. يمكن فهم ذلك بلا عناء.]
نادَت إميليا المتمرّدين المحيطين بها وهي تطلق عاصفة من الجليد في الهواء.
أراكيّا: [――هـ!]
قال آبِل كلمات جارحة لإميليا المتعجلة، لكنهم، وقد دخلوا المعركة من المدينة المحصنة، اتخذوا مواقعهم وانخرطوا في القتال ولو بتأخر.
لكنها، في الحقيقة، لم تستطع أن تحدد العامل الحاسم الذي يوجهها إلى أيّ حصن يجب أن تندفع.
إميليا: [حتى من دون بريسيلا، لستُ وحدي!]
ومن بين إميليا ورفاقها، كان طرفا المواجهة الرئيسيان هما هي وغارفيل؛ فبياتريس وبيترا لا يمكنهما القتال، وأوتو وفريدريكا لكلٍّ منهما دور آخر.
لقد اجتاح اللهيب أرجاء الإمبراطورية، وابتلعت الأرض فوضى غير مسبوقة.
كان ذلك محبطًا لإميليا، إذ لم يكن بوسعها سوى القتال، لكنها تعلمت أنّ تقسيم الأدوار أمر بالغ الأهمية، فتركت الأمر لكلّ حسب اختصاصه.
△▼△▼△▼△
آبِل: [لوپوغانا، العاصمة الإمبراطورية، محاطة بأسوار على شكل نجمة. إنها مدينة عصية على الغزو، سهلة الدفاع. السبيل الوحيد لفتحها هو السيطرة على الحصون الخمسة.]
إميليا: [الحصون الخمسة؟]
وبينما تلفظت يورنا بهذه الكلمات، راحت تُدوّر الأرض من حولها بلفّ غليونها، راسمةً دوامة. تلك هي تقنية “زواج الأرواح” التي تُعطي بها يورنا الأشياء الجامدة روحاً تُسيّرها كما تشاء.
آبِل: [إنها أسوار على شكل نجمة. من هذه الحصون الخمسة يمكن السيطرة على ساحة المعركة في العمق وعلى البعد. وبالمقابل، إن استولينا على هذه النقاط، استطعنا أن نقلل قوة الخصم كثيرًا. ولأجل ذلك…]
إميليا: [لأجل ذلك؟]
ثم――
آبِل: [من المتمردين الذين يهاجمون أولًا، سنحدد توزيع قوات العدو. إن تمكنوا من تقليص قوة الخصم، ولو قليلًا، فهذا سيكون كافيًا.]
لكن، لو لم تكن قد عرفت الحقيقة ولم تُدعَ كإحدى الأركان التسعة الذين يحكمون مدينة الشياطين، فأي جانبٍ كانت ستختار؟
إميليا: [إذن فالذين يهاجمون أولًا سيكونون في خطر! لا يمكنكم فعل ذلك أبدًا!]
لقد كانت “الوحش” التي تتربع في مقام التاسعة بين الجنرالات التسعة المقدسين، والتي حطمت صفوف الـ الـمسلحين بضربة واحدة.
مع أنّ من دور آبِل أن يضع الاستراتيجية الرابحة، لم تستطع إميليا أن تقبل هذا النهج. لذا خرجت للقتال، في سبيل السيطرة على الحصون الضرورية عند زوايا النجمة.
إميليا: [أوهييياا!!]
لكنها، في الحقيقة، لم تستطع أن تحدد العامل الحاسم الذي يوجهها إلى أيّ حصن يجب أن تندفع.
الإعصار المميت الذي يحصد كل ما في طريقه اقترب من إميليا، ممزقاً بلا رحمة كل شيء. ولذلك ركضت إميليا لتمنع الأذى عن المحاربين نصف السلاح البطيئي الحركة.
أوتو: [إيميلي، سأخبركِ إلى أين تذهبين. ――لدي خطة.]
إميليا: [أيها الجميع، انسحبوا! المعركة بيني وبين ماديلين خطيرة على كل من حولنا!]
بينما كانت إميليا على وشك الانطلاق، عرض أوتو مساعدتها.
إميليا: [عليّ أنا أيضاً أن أبذل جهداً كبييراً.]
إميليا لم تكن متأكدة مما تقول لأوتو، إذ بدا لها متهوراً للغاية حتى إنها لم تعرف كيف تخاطبه.
كان المحاربون نصف السلاح متجمعين، يبدون وكأنهم يبحثون عن فرصة للانخراط بطيش، لكنهم كانوا يرتجفون من البرد، وكثير منهم فقد أسلحته.
بيترا: [لا تقلقي يا إيميلي. اتركيه لي.]
وعلى هذا الحصن، حصن أراكيّا، كان أشدّ صدٍّ لهجوم الثوار صخباً وبهرجة.
???: [من منظور العاصمة الإمبراطورية، جميعهم متمردون سواءً، لكن لكل قبيلة أجندتها الخاصة. لم تكن معركة بدأت بنظام، مع اصطفاف جميع القبائل. يمكن فهم ذلك بلا عناء.]
وبما أنّ بيترا قالت ذلك، استطاعت إميليا أن تصدّقها، وتمكنت من المضي في طريقها.
وإلى مادلين المذهولة، اندفعت نصلا الجليد في يدي إميليا.
غارفيل: [إيميلي! أنا العبقري موجود هنا! لنفجّر ثغرة جديدة!]
ولم يكن مستغربًا لو استغل العدو تلك اللحظة ليقضي عليهم. لكنّ العدو لم يعد ينظر إلى الـ الـمسلحين كتهديد، ولم يستغل الفرصة.
وكانت رشاقتها تبهر الأعين أيضاً، لكن هدف إميليا لم يكن إصابة. كان هجوماً مقصوداً ليتفادى، وغايته شراء الوقت.
وبعد أن تبادلوا عهداً بالتوفيق مع غارفيل المتحمس ومع بعضهم البعض، تفرّقوا جميعاً في طريقهم نحو الحصون المكلّفين بها.
ارتطمت كتلة الجليد الضخمة بالأسوار، وفكّرت إميليا في سريرتها: “جيّد”.
الجميع كان يسارع ليؤدي دوره.
فريدريكا: [إيميلي… لا، إيميليا-ساما، سأجري أنا أيضاً لأؤدي دوري. رجاءً كوني بخير، ولا تتهوري كثيراً من أجل سوبارو-ساما!]
وبينما أعادوا تنظيم صفوفهم ليستعدوا لمواجهة العدو مجددًا مع من بقي قادرًا على القتال، بدا المشهد الأبيض ببطء.
يورنا: [ماذا…]
كانت فريدريكا، التي تجري بجانبها، قد تحولت إلى وحش وانطلقت عبر ساحة المعركة بسرعة عمياء.
الجميع كان يسارع ليؤدي دوره.
وبطبيعة الحال، إن كان موطن المرء في أعالي الجبال، أو على الحدود مع الدول المجاورة، أو قريبًا من الشلّال العظيم، فقد يخوض تجربة مناخ مختلف، لكن هذا لم يكن حال الـ الـمسلحين.
إميليا: [عليّ أنا أيضاً أن أبذل جهداً كبييراً.]
وبما أنّ بيترا قالت ذلك، استطاعت إميليا أن تصدّقها، وتمكنت من المضي في طريقها.
ولم يكن مستغربًا لو استغل العدو تلك اللحظة ليقضي عليهم. لكنّ العدو لم يعد ينظر إلى الـ الـمسلحين كتهديد، ولم يستغل الفرصة.
وبعزم قوي في قلبها، وصلت إميليا إلى الحصن لتفعل ما ينبغي فعله.
أغمضت عينيها بقوة، ووضعت يدها اليسرى فوق يدها اليمنى المستقرة على صدرها. وقبل أن تبدأ المعركة، كانت بياتريس، التي شعرت بالأسف لعدم تمكنها من المشاركة في القتال، قد أمسكت بيدها وقالت:
ولم تكن يورنا الوحيدة التي تعرفت إلى أراكيّا من الوهلة الأولى كحامية لهذا الحصن.
بياتريس: [إنه أمر مزعج، لكن بيتي تطلب منك أن تحلّي محلها، في الحقيقة. بعد بيتي، الشخص التالي القادر على بذل قصارى جهده من أجل سوبارو هي إميليا، على ما أظن.]
إميليا: [نعم، أريد أن أؤمن بذلك حقاً.]
وبعزم قوي في قلبها، وصلت إميليا إلى الحصن لتفعل ما ينبغي فعله.
سواء كان ذلك بسبب ثقة بياتريس، أو بسبب تعاون الجميع، كان جسد إميليا وعقلها في حالة جيدة على نحو مدهش.
من خلال هجوم إميليا الرتيب الذي فضّل الكم على الكيف، انطلق السيف المجنح الطائر لماديلين، شاقاً طريقه عبر الشظايا الجليدية.
لهيب متصاعد غطّى السماء، وفي سبيل تحويل الحقل المحترق أصلاً إلى أرض محروقة، هطل ذاك الحر الهائل.
لقد هدأ قلبها المضطرب وعقلها المربك، وأصبحت في غاية الهدوء.
إميليا لم تكن متأكدة مما تقول لأوتو، إذ بدا لها متهوراً للغاية حتى إنها لم تعرف كيف تخاطبه.
بهذا الهدوء، وازنت إميليا بين دورها وما ترغب في فعله.
لقد اجتاح اللهيب أرجاء الإمبراطورية، وابتلعت الأرض فوضى غير مسبوقة.
دور إميليا كان أن تهزم ماديلين، الحارسة عند حصنها.
أراكيّا: [سأستعيد الأميرة بقوتي الخاصة!! ――هكذا قيل لي.]
أما ما أرادت إميليا فعله فهو أن تمنع موت أكبر عدد ممكن من الناس.
ماديلين وإياها ستتقاتلان من هذه اللحظة. من أجل أن يُجنّب الكثيرون الموت.
ومع ذلك، إن وجد خصم ما يزال يرفع جسداً وعقلاً قويين ليقاتل――
إميليا: [――――]
كانت فولاكيا بلداً دافئاً، ولذلك فإن الكثيرين لم يكونوا يحبون البرد، كما أخبرتها بيترا الدؤوبة في دراستها. أما أوتو، المحب للحيوانات، فقد أخبرها أن التنانين الطائرة في السماء أيضاً لا تحب البرد.
شعروا بخيبة أمل وإحباط من حقيقة الموقف، لكن ما لبث أن فاض بداخلهم إحساس بالبهجة.
فتحت عينيها، وركّزت على بوابتها العميقة في جسدها، مطلقةً كل المانا المتراكم دفعة واحدة، لتُسقط حرارة محيطها بسرعة هائلة.
وبينما تلفظت يورنا بهذه الكلمات، راحت تُدوّر الأرض من حولها بلفّ غليونها، راسمةً دوامة. تلك هي تقنية “زواج الأرواح” التي تُعطي بها يورنا الأشياء الجامدة روحاً تُسيّرها كما تشاء.
كانت فولاكيا بلداً دافئاً، ولذلك فإن الكثيرين لم يكونوا يحبون البرد، كما أخبرتها بيترا الدؤوبة في دراستها. أما أوتو، المحب للحيوانات، فقد أخبرها أن التنانين الطائرة في السماء أيضاً لا تحب البرد.
كان ذلك محبطًا لإميليا، إذ لم يكن بوسعها سوى القتال، لكنها تعلمت أنّ تقسيم الأدوار أمر بالغ الأهمية، فتركت الأمر لكلّ حسب اختصاصه.
ثم، حين يبرد الجو، يرغب الناس في الانكماش على أنفسهم، كما قالت الشقيقان غارفيل وفريدريكا.
وبهدوء أطبقت يورنا عينيها إلى الأمام، متخليةً عن ذلك الاحتمال المستحيل.
وبكل هذا، ومع تجاربها الخاصة، أدركت إميليا.
وبما أنّ الأمر كان لقاءً بين أم وابنتها، فقد اعتقدت أنّ لديهما الكثير ليتبادلاه من حديث.
وفي الواقع، حتى معركة أُطلق عليها بحماسة “المعركة الحاسمة للعاصمة الإمبراطورية”، كانت لتؤول إلى ذبح جميع الثوار لو تُركت دون ضبط، فيما أصحاب الأرواح المتقدة بالقتال سيغدون خاضعين خلال عام واحد.
ذلك هو――
مادلين: [أودّ أن ألتقي…]
إميليا: [حين يصبح الجو بااااارد جداً، يعجز الناس عن اتخاذ وضعية القتال.]
حصى جليدية―― لكنها لم تكن جميلة كالأسافين، بل كانت عاصفة جليدية.
يورنا: [أطفالي الأحبّة، وشعب الإمبراطورية التي أحبّها صاحب الجلالة.]
مرة، في قصر روزوال، القصر الذي سبق أن احترق، غُطّي المكان بأكمله بالثلج حين واجه باك، قبل أن يغفو، مشكلة في إطلاق ماناه.
انتشرت المشكلة إلى قرية آرلام المجاورة وتسببت في بلبلة كبيرة، لكنها ظلت ذكرى غريبة بالنسبة لإميليا، التي لم تشعر بالبرد قط في حياتها.
وفي الواقع، فقد صدق حكم تود، وبعد أن أُبيدت قبيلة السيكلوبس التي تقدمت بشجاعة، صار هجوم المتمردين، وقد هالهم وجود أراكيّا، في حالة مزرية، وكانت المعركة قد حُسمت فعلياً.
من ذا الذي كان ليتنبّه؟
وقد استُفيد من التجربة والمعرفة التي اكتسبتها حينها.
لكنها، في الحقيقة، لم تستطع أن تحدد العامل الحاسم الذي يوجهها إلى أيّ حصن يجب أن تندفع.
إميليا: [أعلم أنني لا أستطيع بسهولة أن أغيّر آراء الجميع أو مشاعرهم بشأن هذه المعركة. أتمنى لو استطعت التحدث معهم وفهمهم أكثر، لكن لا وقت لدي.]
رنّ صوت حاد في الهواء، وفي اللحظة التالية، انقسمت الكتلة الجليدية الضخمة نصفين عمودياً.
ولذلك قررت إميليا.
الإعصار المميت الذي يحصد كل ما في طريقه اقترب من إميليا، ممزقاً بلا رحمة كل شيء. ولذلك ركضت إميليا لتمنع الأذى عن المحاربين نصف السلاح البطيئي الحركة.
ستستعمل القوة―― لا، ستُخضع الجميع بالبرودة.
من خلال هجوم إميليا الرتيب الذي فضّل الكم على الكيف، انطلق السيف المجنح الطائر لماديلين، شاقاً طريقه عبر الشظايا الجليدية.
كانت ماديلين قد سحبت سيفها المجنح من الأرض، وحدّقت بعدم ارتياح في إميليا التي ما زالت متقدة، ثم نظرت حولها.
ستتخدر أصابعهم، ولن يستطيعوا التقاط أسلحتهم، وسترتجف ركبهم، ولن تتوقف أسنانهم عن الصرير، وستضطرب نظراتهم، وأنفاسهم البيضاء ستصدمهم.
وإذا أدركوا ذلك، فلن يعودوا قادرين حتى على التفكير بالقتال.
بريسيلا: [ها هو قادم.]
ومع ذلك، إن وجد خصم ما يزال يرفع جسداً وعقلاً قويين ليقاتل――
وهذا هو――،
لقد أدركوا بفطرتهم: اللحظة التي يُشهر فيها ذلك السيف، ستبدأ معركة سيخلّدها التاريخ.
إميليا: [――سأكون خصمك!]
شهقت كل من أراكيّا ويورنا، واتسعت أعينهما. رفعت يورنا حاجبيها دهشة من ظهور صوت ما كان ينبغي أن يُسمع.
ماديلين: [كفّي عن العبث ولا تتمادَيْ في الغروررررررر!!]
ماديلين: [――هك، لا تستهيني بهذا التنين، أيتها النصف شيطان!]
انتشر ذلك إلى الخارج، فأصبح أعظم، أوسع، أسرع، أقوى، وأشد التهابًا.
غطّى صراخ ماديلين المجلجل صوت عزيمة إميليا، إذ سقطت كتل جليدية على الأسوار.
حينها أيضاً، بدأ القتال بالطريقة نفسها، كتل جليدية تنهال على خصمها.
لم تُفاجأ إميليا مثل الآخرين عندما سمعت رد ماديلين المفعم بالحيوية حتى بعد أن أصابتها مباشرة كتلة جليدية أكبر من بيت. كان الأمر مشابهاً لما واجهتها به في غوارال قبل أيام.
شعروا بخيبة أمل وإحباط من حقيقة الموقف، لكن ما لبث أن فاض بداخلهم إحساس بالبهجة.
حينها أيضاً، بدأ القتال بالطريقة نفسها، كتل جليدية تنهال على خصمها.
ماديلين: [تفتقرين إلى المهارة.]
فبينما تقدمت الفتاة ذات الشعر الفضي، ناداها صوت من أعلى―― مادلين إشارت، الجسد الصغير الواقف فوق سور المدينة، ذات القرنين الأسودين على رأسها، من سلالة التنانين.
لا بد من وجود استعدادات لمواجهة أراكيّا، وكذلك حراس الحصون الآخرين.
رنّ صوت حاد في الهواء، وفي اللحظة التالية، انقسمت الكتلة الجليدية الضخمة نصفين عمودياً.
وخرجت من خلف شظايا الجليد المتناثرة ماديلين النشيطة، وهي ترفع سيفها المجنّح الطائر فوق رأسها.
???: [يا جميعًا! ابتعدوا من هنا! سأبذل قصارى جهدي حقًّا!]
ضيقت بؤبؤي عينيها الذهبيتين وهي تتابع تفتت الجليد إلى شظايا ثم إلى جسيمات ثم إلى مانا.
حينها أيضاً، بدأ القتال بالطريقة نفسها، كتل جليدية تنهال على خصمها.
ماديلين: [حتى بعد تجربة بتلك البشاعة، لم تغيّري رأيكِ، أيتها النصف شيطان…]
بريسيلا: [لسوء الحظ، الفتاة التي حملت ذلك الاسم قد ماتت. وإن كنتِ معنيةً بها، فسيكون من اللائق أن تزوري قبرها. اسمي هو بريسيلا بارييل. فاحرصي ألّا تخطئي.]
إميليا: [تجربة بتلك البشاعة… تلك الأخيرة كانت مفاجئة، لكنني أظن أنني وبريسيلا كنا على وشك الفوز في تلك المعركة. لا يجب أن تكذبي.]
أراكيّا: [سأستعيد الأميرة بقوتي الخاصة!! ――هكذا قيل لي.]
ماديلين: [――هك، لا تستهيني بهذا التنين، أيتها النصف شيطان!]
ثنت ماديلين ركبتيها، تستعد للقفز من فوق الأسوار، والغضب يشتعل في عينيها بسبب رد إميليا. وقد اتسعت عينا إميليا عند ذلك الفعل، وبعد أن حدّقت في محيطها،
إميليا: [هياااه!]
???: [نعم! إنها أنا ثانية، مادلين! مستخدمة الفنون الروحية العابرة، إميليا!]
أدارت ذراعيها وأنزلت كتلة جليدية على ماديلين، كما فعلت من قبل.
وخرجت من خلف شظايا الجليد المتناثرة ماديلين النشيطة، وهي ترفع سيفها المجنّح الطائر فوق رأسها.
لهيب متصاعد غطّى السماء، وفي سبيل تحويل الحقل المحترق أصلاً إلى أرض محروقة، هطل ذاك الحر الهائل.
لكن ذلك لم يكن حتى خداعاً لماديلين كما هو متوقع، إذ صدّتها بسلاحها المرفوع بإزعاج، محطمةً الكتلة وجاعلة الهجوم بلا جدوى.
ستستعمل القوة―― لا، ستُخضع الجميع بالبرودة.
غير أنّ――
يورنا: [أعتذر إذ لستُ في أفضل حال، لكنني سأكون ندّك.]
ماديلين: [أتظنين أن هذا التنين سيُتعب نفسه بحفظ أسماء البشر؟ أعني تلك المرأة القرمزية.]
إميليا: [هيااه! هيااااه! لا يزال هناك المزيد! خذي هذه!]
ماديلين: [ماذا―]
ماديلين: [هل تظنين أن الأمر قد انتهى؟]
بهذا الهدوء، وازنت إميليا بين دورها وما ترغب في فعله.
كتلة تلو الأخرى، خلقت إميليا جليداً في السماء وأسقطته مراراً على ماديلين فوق الأسوار.
كانت فولاكيا بلداً دافئاً، ولذلك فإن الكثيرين لم يكونوا يحبون البرد، كما أخبرتها بيترا الدؤوبة في دراستها. أما أوتو، المحب للحيوانات، فقد أخبرها أن التنانين الطائرة في السماء أيضاً لا تحب البرد.
ولأن السرعة كانت أولويتها على القوة، كان حجم الجليد أصغر بكثير من البداية، في حجم قبضة اليد على الأكثر.
إميليا: [حتى يورنا لم تُخبرني بما تحدثتا عنه…]
ومع ذلك، لو أصاب الرأس لسبّب ألماً عظيماً بلا شك. وقد كانت يدا إميليا تُنتجان عشرة، عشرين، خمسين، بل مئة منها، تمطر فوق الأسوار.
أدارت ذراعيها وأنزلت كتلة جليدية على ماديلين، كما فعلت من قبل.
حصى جليدية―― لكنها لم تكن جميلة كالأسافين، بل كانت عاصفة جليدية.
كانت أراكيّا واحدة من أقوى الجنرالات الإلهيين، وقد وُكلت يورنا لتكون خصمتها لأن الجميع كان يعلم أنّ لا أحد غير يورنا يستطيع مجاراتها.
بريسيلا: [لسوء الحظ، الفتاة التي حملت ذلك الاسم قد ماتت. وإن كنتِ معنيةً بها، فسيكون من اللائق أن تزوري قبرها. اسمي هو بريسيلا بارييل. فاحرصي ألّا تخطئي.]
ماديلين: [توقفي! لا تتمادَي――!]
إميليا: [الحصون الخمسة؟]
ضد ذلك الطوفان من العاصفة الجليدية المسلطة عليها، قاتلت ماديلين بجنون.
أراكيّا: [سأستعيد الأميرة. ――سأقتل سموه… فالأميرة هي الإمبراطور الحقيقي.]
صعب تخيل أن أراكيّا ستُهزم، لكن تود لم يعتقد أنّ خصماً قادراً على الحساب إلى هذا الحد سيأتي من دون خطط جاهزة لاقتحام العاصمة الإمبراطورية.
وبكل جسدها، الذي لم يتأثر بالبرد، استخدمت سيفها المجنح الطائر لا كرمح يُقذف، بل كسيف يهوي، تضرب به كتل الجليد المتساقطة.
ترددت سلسلة من الارتطامات والطرقات، واندفع سيل من قطع الجليد نحو ماديلين وهي تجري على الأسوار.
وعند نظرة بريسيلا الجانبية وهي تتهيأ بسيف اليانغ، توتر جسد يورنا بأسره، هي الأخرى دخلت في وضعية القتال. وبعد أن اتخذت تلك الهيئة، التفتت نحو ابنتها بعينين استفهاميتين.
كانت تتفادى، وتقفز، وتدور، بخطوات راقصة أو لاعبة جمباز، وهي تتفادى القصف الجليدي.
أراكيّا: [سأستعيد الأميرة. ――سأقتل سموه… فالأميرة هي الإمبراطور الحقيقي.]
وكانت رشاقتها تبهر الأعين أيضاً، لكن هدف إميليا لم يكن إصابة. كان هجوماً مقصوداً ليتفادى، وغايته شراء الوقت.
وإذ تجرّأ هو نفسه على إشعال تلك الشرارة الصغيرة، فإنّ تلك العقول التي تراخت في أزمنة السلم كان لا بد من شدّها. وهو أمر ربما كان الإمبراطور ليتولاه بنفسه، غير أنّه لم يكن ليقوم به بالتخلي عن عرشه.
أي بمعنى――
فتحت عينيها، وركّزت على بوابتها العميقة في جسدها، مطلقةً كل المانا المتراكم دفعة واحدة، لتُسقط حرارة محيطها بسرعة هائلة.
ماديلين: [حتى بعد تجربة بتلك البشاعة، لم تغيّري رأيكِ، أيتها النصف شيطان…]
إميليا: [أيها الجميع، انسحبوا! المعركة بيني وبين ماديلين خطيرة على كل من حولنا!]
وهي تفكر في اليوم الذي ستلتقي فيه “باك” بعد أن يستيقظ أخيراً من الحجر السحري المعلَّق حول عنقها، رغبت إميليا في أن تطلب منهما بعض النصائح.
نادَت إميليا المتمرّدين المحيطين بها وهي تطلق عاصفة من الجليد في الهواء.
إميليا: [حين يصبح الجو بااااارد جداً، يعجز الناس عن اتخاذ وضعية القتال.]
كان المحاربون نصف السلاح متجمعين، يبدون وكأنهم يبحثون عن فرصة للانخراط بطيش، لكنهم كانوا يرتجفون من البرد، وكثير منهم فقد أسلحته.
صعب تخيل أن أراكيّا ستُهزم، لكن تود لم يعتقد أنّ خصماً قادراً على الحساب إلى هذا الحد سيأتي من دون خطط جاهزة لاقتحام العاصمة الإمبراطورية.
وصارت صعوبة تحريك أطرافهم شديدة للغاية بسبب ما فعلته إميليا، لكنها كانت تأمل أن يبذلوا جهدهم ليحركوا تلك الأطراف وينسحبوا مع رفاقهم.
ثم――
إميليا: [――هك، أوه، انتظري، لا!]
???: [――إنني أكرهه حقًّا.]
من خلال هجوم إميليا الرتيب الذي فضّل الكم على الكيف، انطلق السيف المجنح الطائر لماديلين، شاقاً طريقه عبر الشظايا الجليدية.
إميليا: [الحصون الخمسة؟]
تفادت إميليا بسرعة السيف المجنح الطائر، الذي عوى بغضب وهو يشق الريح، لكن حين عاد ليطوف ساحة المعركة بعويله، عاد بدقة مرعبة.
ثم، حين يبرد الجو، يرغب الناس في الانكماش على أنفسهم، كما قالت الشقيقان غارفيل وفريدريكا.
؟؟؟: [――يورنا.]
الإعصار المميت الذي يحصد كل ما في طريقه اقترب من إميليا، ممزقاً بلا رحمة كل شيء. ولذلك ركضت إميليا لتمنع الأذى عن المحاربين نصف السلاح البطيئي الحركة.
وفوق ذلك، فقد بدأ جنود الجيش النظامي، الذين كان دورهم يجب أن يقتصر على مطاردة الناجين، يقضون وقتاً في تتبع تحركات المتمردين، ولو لم يكن قتالاً صعباً.
ماديلين: [إذن لم يتبقَّ غيرك؟ ماذا عن تلك المرأة؟]
إميليا: [أوهييياا!!]
تدخّلت إميليا أمام المحاربين العاجزين عن تفادي الإعصار القاتل القادم.
لكن ذلك لم يكن حتى خداعاً لماديلين كما هو متوقع، إذ صدّتها بسلاحها المرفوع بإزعاج، محطمةً الكتلة وجاعلة الهجوم بلا جدوى.
تفادت إميليا بسرعة السيف المجنح الطائر، الذي عوى بغضب وهو يشق الريح، لكن حين عاد ليطوف ساحة المعركة بعويله، عاد بدقة مرعبة.
برجلها المرفوعة، ركلت حافة السيف المجنح الطائر. جعل الاصطدام عظام جسدها كلّها تئن، لكنها عضّت على أسنانها وتحمّلت من دون تردد. وبكل قوتها دفعته بعيداً فوق رؤوس المحاربين ونفسها، ليطير نحو الخلف.
حتى في إمبراطورية غاصة بقبائل أنصاف البشر، كانت سلالة التنانين نادرة ومرهوبة لدرجة أنّ مجرد مواجهتها كفيل بأن يُرغم ضعيف النفس على الارتعاد والسجود.
كانت فولاكيا بلداً دافئاً، ولذلك فإن الكثيرين لم يكونوا يحبون البرد، كما أخبرتها بيترا الدؤوبة في دراستها. أما أوتو، المحب للحيوانات، فقد أخبرها أن التنانين الطائرة في السماء أيضاً لا تحب البرد.
إميليا: [الآن لن تستطيعي…]
حتى في مواجهة أراكيّا كخصم في القتال، كان الأرجح أن تكون المجموعة الحقيقية قد أعدّت التدابير اللازمة.
ماديلين: [هل تظنين أن الأمر قد انتهى؟]
إميليا: [――هك]
قبل أن يتسنى لها أن تشعر بالارتياح، جاءها صوت من خلفها.
ومن وراء شعرها الفضي المنساب، انعكس في عينيها البنفسجيتين مشهد ماديلين تمسك بالسيف المجنح الطائر الذي أرسلته بعيداً.
إميليا لم تكن متأكدة مما تقول لأوتو، إذ بدا لها متهوراً للغاية حتى إنها لم تعرف كيف تخاطبه.
ضربة هابطة، وإن تفادتها سيكون الجميع في خطر.
وهي تفكر في اليوم الذي ستلتقي فيه “باك” بعد أن يستيقظ أخيراً من الحجر السحري المعلَّق حول عنقها، رغبت إميليا في أن تطلب منهما بعض النصائح.
إميليا: [تقنيات ختم الجليد!!]
مادلين: [أودّ أن ألتقي…]
وبكل هذا، ومع تجاربها الخاصة، أدركت إميليا.
ولم يكن أمامها سوى تلقي الضربة، فشكّلت على الفور سيفاً جليدياً لمواجهة السيف المجنح الطائر.
فوجئت يورنا بتلك الهيئة غير المتوقعة والكلمات التي تلتها، وزفرت تنهيدة طويلة.
لكن لم يتحول الأمر إلى مبارزة متكافئة. ففي اللحظة التي التقت فيها السيوف، انكسر السيف الجليدي فجأة وتحطم. غير أنّ ذلك كان واحداً فقط. فبيدها الأخرى ظهر الثاني، ومن اليد التي فقدت السيف الأول وُلد الثالث؛ وحتى لو ظلّت تتحطم، فإن وابل سيوف إميليا الجليدية يظل ينفجر بلا توقف.
وبدورة واسعة، ظلت تضرب جانب السيف المجنح الطائر، تصده بالكاد، ثم تسقط.
يورنا: [――مع ذلك، لكان هذا أيضاً حال القصة لو أنّ صاحب الجلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا لم يُطَح به من عرشه.]
إميليا: [――كياااه!?]
وبعد لحظة، تحولت نظرتها القرمزية نحو أراكيّا في الأعلى.
السيف المجنح الطائر الذي هوى ارتطم بالأرض، وبعد لحظة ارتجّت الموجة الصادمة في جسد إميليا كله.
ماديلين: [كفّي عن العبث ولا تتمادَيْ في الغروررررررر!!]
تود: [――لا شك أن الضربة الأولى كانت فعّالة، ولكن…]
وقد طُيّر بعيداً بالقوة نفسها المحاربون نصف السلاح الذين فشلوا في الانسحاب. كانت قوة التنين الجسدية الخام مذهلة، أكثر حتى من قوة إميليا الكبيرة.
السيف المجنح الطائر الذي هوى ارتطم بالأرض، وبعد لحظة ارتجّت الموجة الصادمة في جسد إميليا كله.
وكأن صورة رجلها الحبيب، الذي حمل يوماً ذلك السيف القرمزي الثمين، عادت لتتراءى خلف جفنيها.
إميليا: [مع ذلك…]
بريسيلا: [حسناً. لا سبب بعينه لكوني ما أنا عليه. ثم إن ثمة شيئاً لم أخبرك به.]
قفزت وهي تتدحرج، وصفعت وجنتيها ونظرت أمامها.
كثيرون رفعوا أصواتهم، وشهروا أسلحتهم، وأعلنوا مبادئهم، وأشعلوا حماسهم.
كانت ماديلين قد سحبت سيفها المجنح من الأرض، وحدّقت بعدم ارتياح في إميليا التي ما زالت متقدة، ثم نظرت حولها.
أي بمعنى――
△▼△▼△▼△
ماديلين: [إذن لم يتبقَّ غيرك؟ ماذا عن تلك المرأة؟]
ومع ذلك، لو أصاب الرأس لسبّب ألماً عظيماً بلا شك. وقد كانت يدا إميليا تُنتجان عشرة، عشرين، خمسين، بل مئة منها، تمطر فوق الأسوار.
إميليا: [تلك المرأة؟ … آه، تقصدين بريسيلا؟]
ماديلين: [أتظنين أن هذا التنين سيُتعب نفسه بحفظ أسماء البشر؟ أعني تلك المرأة القرمزية.]
إميليا: [تلك هي بريسيلا. أما أنا فإيميلي. بريسيلا لديها شخص تريد لقاءه.]
ضيقت بؤبؤي عينيها الذهبيتين وهي تتابع تفتت الجليد إلى شظايا ثم إلى جسيمات ثم إلى مانا.
وبينما كان آبل يضع استراتيجياته في المعسكر، وكانت مجموعة إميليا تجري عبر ساحة المعركة، كانت بريسيلا وآل أيضاً قد خطوا إلى ميادين قتال أخرى.
ضربة هابطة، وإن تفادتها سيكون الجميع في خطر.
ومع ذلك، وعلى خلاف فريق إميليا الذي أراد استعادة سوبارو وريم، وفريق آベル الذي سعى، بطريقة أو بأخرى، إلى الإطاحة بالإمبراطور، كان من العسير استيعاب هدف بريسيلا.
لقد وُلدوا بأجزاء من أجسادهم من معدن، أعادوا تشكيلها إلى أسلحة للقتال في ساحة الحرب. تحدّوا العاصمة الإمبراطورية، فحطمتهم قوة عاتية.
وعندما سُئلت، لم تُجب إجابة واضحة قط.
إميليا: [حتى يورنا لم تُخبرني بما تحدثتا عنه…]
لقد كانت “الوحش” التي تتربع في مقام التاسعة بين الجنرالات التسعة المقدسين، والتي حطمت صفوف الـ الـمسلحين بضربة واحدة.
وبما أنّ الأمر كان لقاءً بين أم وابنتها، فقد اعتقدت أنّ لديهما الكثير ليتبادلاه من حديث.
إميليا: [――هك، أوه، انتظري، لا!]
وهي تفكر في اليوم الذي ستلتقي فيه “باك” بعد أن يستيقظ أخيراً من الحجر السحري المعلَّق حول عنقها، رغبت إميليا في أن تطلب منهما بعض النصائح.
تدخّلت إميليا أمام المحاربين العاجزين عن تفادي الإعصار القاتل القادم.
وبالطبع، كانت ترغب أيضاً في أن تُنصت ببساطة إلى الحكاية المبهجة لبريسيلا.
مادلين: [أودّ أن ألتقي…]
وبالطبع، حتى لو اجتمع المهزومون، لم يكن لذلك أن يُحدث أثراً كبيراً في النتيجة، لكن القادمين اللاحقين جمعوا المجموعة التي كان يفترض أن تنهار معنوياتها، وقللوا من الخسائر إلى الحد الأدنى.
استمر ذهول الـ الـمسلحين المرتجفين.
إميليا: [آه، إنهما في مكان ما في ساحة المعركة على ما أظن. لقد قالت إنّه شأن يخصها، كما أنني أوليت فارسي الأولوية لكن… آه! أُه… ربما فارس السيّدة بيترا!]
يورنا: [أعتذر إذ لستُ في أفضل حال، لكنني سأكون ندّك.]
مادلين: [――]
يورنا: [――. كل هذه الترهات الأنانية… ورغم أني لم أكن من رباكِ، فلماذا نشأتِ على هذه الصورة؟]
وفي إمبراطورية فولاكيا، حيث كانت مضطرة إلى إخفاء موقعها الاجتماعي، سارعت إميليا إلى تصحيح نفسها، فيما كانت مادلين تحدّق بها بريبة.
ومهما يكن من أمر الشكوك، فإن إميليا لم تكن بارعة في الكذب. وكلما فكرت بأنّ محاولتها المبالغة ستزيد من احتمالية انكشافها، لم تجد بُداً من أن تهز كتفيها باستسلام.
تدخّلت إميليا أمام المحاربين العاجزين عن تفادي الإعصار القاتل القادم.
إميليا: [لا، لقد كان ذلك كذباً. نعم، سوبارو هو فارسي. أعتذر لخداعك.]
يورنا: [――. أليس آベル هو من قال إن هذا المكان سيُسلَّم إليّ؟]
???: [――إنني أكرهه حقًّا.]
مادلين: [من الأساس، حتى لو قلتِ ذلك، فهو ليس هنا أصلاً!]
إميليا: [أووه، حقاً…؟]
والحرارة المنبعثة من النصل كانت كافية لجعل الهواء يتماوج، إنه سيف اليانغ، السيف الذي لا يُسمح إلا لإمبراطور فولاكيا أن يحمله―― وبلا وعي، حدّقت يورنا فيه بإعجاب.
مادلين: [ما تفكر به فتاة صغيرة مثلك لا يعني شيئاً لهذا التنين. ――إنه لأمرٌ محبط للغاية أن تلك المرأة القرمزية ليست هنا، غير أنّ ذلك بحد ذاته مريح.]
وبعد أن تبادلوا عهداً بالتوفيق مع غارفيل المتحمس ومع بعضهم البعض، تفرّقوا جميعاً في طريقهم نحو الحصون المكلّفين بها.
وبهذه الكلمات، بدأ جسد مادلين يُطلق بخاراً رويداً رويداً.
وفي الهواء البارد، المصبوغ بالبياض من أنفاسها المتصاعدة، أخذ جسدها يسخن شيئاً فشيئاً وهو يشع بروحها القتالية المتقدة.
ومع انسكاب تلك الروح القتالية المحسوسة، أخرجت إميليا على الفور زوجاً من السيوف في يديها.
وبينما كان آبل يضع استراتيجياته في المعسكر، وكانت مجموعة إميليا تجري عبر ساحة المعركة، كانت بريسيلا وآل أيضاً قد خطوا إلى ميادين قتال أخرى.
تود: [لا يُعقل… أكان تأخرهم جزءاً من الخطة؟]
وقفت إميليا في حراسة يقظة، لتطلق مادلين ضحكة وحشية،
قفزت وهي تتدحرج، وصفعت وجنتيها ونظرت أمامها.
مادلين: [واحداً تلو الآخر، سيُباد كل من يتجرأ على السخرية من هذا التنين.]
الجميع كان يسارع ليؤدي دوره.
وبعيونها الذهبية المشتعلة، اندفعت إلى الأمام.
حتى في مواجهة أراكيّا كخصم في القتال، كان الأرجح أن تكون المجموعة الحقيقية قد أعدّت التدابير اللازمة.
وبخطوة واحدة فجّرت بها الأرض المغطاة بالصقيع، تلاشت المسافة بينهما في لحظة، رافعةً سيفها المجنّح فوق رأسها، فيما تهيأت إميليا للمواجهة.
وكان السبب بسيطاً جليّاً، فخصمها الذي ينبغي أن تصوّب إليه نظراتها كان أعلى من الأسوار، محلقاً بحرية في السماء فوق ساحة المعركة.
ثم――،
وفوق ذلك، فقد بدأ جنود الجيش النظامي، الذين كان دورهم يجب أن يقتصر على مطاردة الناجين، يقضون وقتاً في تتبع تحركات المتمردين، ولو لم يكن قتالاً صعباً.
الإعصار المميت الذي يحصد كل ما في طريقه اقترب من إميليا، ممزقاً بلا رحمة كل شيء. ولذلك ركضت إميليا لتمنع الأذى عن المحاربين نصف السلاح البطيئي الحركة.
إميليا: [حتى من دون بريسيلا، لستُ وحدي!]
تود: [لا يُعقل… أكان تأخرهم جزءاً من الخطة؟]
مادلين: [ماذا――]
ومن بين إميليا ورفاقها، كان طرفا المواجهة الرئيسيان هما هي وغارفيل؛ فبياتريس وبيترا لا يمكنهما القتال، وأوتو وفريدريكا لكلٍّ منهما دور آخر.
مادلين: [ماذا――]
هذا ما كانت مادلين على وشك أن تصرخ به.
ولم يكن مستغربًا لو استغل العدو تلك اللحظة ليقضي عليهم. لكنّ العدو لم يعد ينظر إلى الـ الـمسلحين كتهديد، ولم يستغل الفرصة.
غير أنّ هيئة غير متوقَّعة لم تسمح لها بإكمال عبارتها، إذ صدّت ضربة السيف المجنّح المرفوع. فتوسّعت عينا مادلين دهشة وهي تحدّق في الكيان الذي قفز على نصل سيفها.
إميليا: [تقنيات ختم الجليد!!]
لقد كان جسداً حجب الهجوم بمصادمته، جسداً جليدياً على هيئة ناتسكي سوبارو――،
غير أنّ هيئة غير متوقَّعة لم تسمح لها بإكمال عبارتها، إذ صدّت ضربة السيف المجنّح المرفوع. فتوسّعت عينا مادلين دهشة وهي تحدّق في الكيان الذي قفز على نصل سيفها.
مادلين: [مـ…!؟]
يورنا: [――مع ذلك، لكان هذا أيضاً حال القصة لو أنّ صاحب الجلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا لم يُطَح به من عرشه.]
إميليا: [هيااا!!]
وفوق ذلك، فقد بدأ جنود الجيش النظامي، الذين كان دورهم يجب أن يقتصر على مطاردة الناجين، يقضون وقتاً في تتبع تحركات المتمردين، ولو لم يكن قتالاً صعباً.
فقد كان فينسنت فولاكيا، الإمبراطور الحق، هو من حفظ السلام في هذه الإمبراطورية. أما المستقبل تحت حكم الإمبراطور الزائف الذي أطاح به، وإلى أين سيؤول، فقد غمره ظلام دامس.
وإلى مادلين المذهولة، اندفعت نصلا الجليد في يدي إميليا.
ماديلين: [――هك، لا تستهيني بهذا التنين، أيتها النصف شيطان!]
وهي تفكر في اليوم الذي ستلتقي فيه “باك” بعد أن يستيقظ أخيراً من الحجر السحري المعلَّق حول عنقها، رغبت إميليا في أن تطلب منهما بعض النصائح.
△▼△▼△▼△
إميليا: [تقنيات ختم الجليد!!]
إميليا: [مع ذلك…]
بدأت المعارك على حصون الأسوار النجمية التي تُحيط بالعاصمة الإمبراطورية، وتغيّرت طبيعة الحرب.
إميليا: [――هك، أوه، انتظري، لا!]
سؤال لطيف مغلّف بالقسوة، عنده شهقت أراكيّا وأومأت برأسها.
كان من شبه الهزل أن يُباد هذا العدد الكبير من الناس بقوة صغيرة، تكاد تكون قوة فرد واحد؛ أشبه بصورة مصغرة عن إمبراطورية فولاكيا، أرضٍ يُبجَّل فيها الأقوياء.
فلا يهم كم اجتمع من ضعفاء، كانت ضربة واحدة من قويّ كافية لانتزاع آمالهم بسهولة.
ثم، ملوّناً العالم بلون أحمر، صاحت أراكيّا.
يورنا: [لا وقت لدي لمثل هذه العواطف العقيمة. ――لي دور علي أن أؤديه.]
وفي الواقع، حتى معركة أُطلق عليها بحماسة “المعركة الحاسمة للعاصمة الإمبراطورية”، كانت لتؤول إلى ذبح جميع الثوار لو تُركت دون ضبط، فيما أصحاب الأرواح المتقدة بالقتال سيغدون خاضعين خلال عام واحد.
ولربما كان ذلك بمثابة اجتثاث للثوار، لكن من المشكوك فيه أن ذلك كان حقاً ما ينتظره الإمبراطور.
كانت تتفادى، وتقفز، وتدور، بخطوات راقصة أو لاعبة جمباز، وهي تتفادى القصف الجليدي.
ولذلك قررت إميليا.
غير أنّ――،
يورنا: [――مع ذلك، لكان هذا أيضاً حال القصة لو أنّ صاحب الجلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا لم يُطَح به من عرشه.]
وبغليونها في يدها، حدّقت يورنا ميشيغوري إلى ساحة المعركة وأطلقت كلماتٍ مغلّفة بدخان بنفسجي.
وهذا هو――،
لكن بريسيلا لم تلتقِ نظراتها، وأشارت بسيفها نحو أراكيّا، وقالت:
وإذ تجرّأ هو نفسه على إشعال تلك الشرارة الصغيرة، فإنّ تلك العقول التي تراخت في أزمنة السلم كان لا بد من شدّها. وهو أمر ربما كان الإمبراطور ليتولاه بنفسه، غير أنّه لم يكن ليقوم به بالتخلي عن عرشه.
لكن، لو لم تكن قد عرفت الحقيقة ولم تُدعَ كإحدى الأركان التسعة الذين يحكمون مدينة الشياطين، فأي جانبٍ كانت ستختار؟
ومن ثمّ، فإن الحديث عن الحق والباطل في مثل هذا الموضع أمر في غير محله.
يورنا: [لا وقت لدي لمثل هذه العواطف العقيمة. ――لي دور علي أن أؤديه.]
وبهدوء أطبقت يورنا عينيها إلى الأمام، متخليةً عن ذلك الاحتمال المستحيل.
ومع ذلك، فقد جاءت بريسيلا الحصيفة إلى هذا المكان لأنها تملك سبباً لمواجهة أراكيّا، بغضّ النظر عن اعتبارات القوة أو التكتيك.
وكان الأمر مزعجاً، وكأن أعيناً وآذاناً تصل لمسافات بعيدة، بل وأذرعاً بارعة، تتحرك تبعاً لعقل عدو شيطاني.
فقد كان فينسنت فولاكيا، الإمبراطور الحق، هو من حفظ السلام في هذه الإمبراطورية. أما المستقبل تحت حكم الإمبراطور الزائف الذي أطاح به، وإلى أين سيؤول، فقد غمره ظلام دامس.
وهذا ما آمنت به يورنا.
إنه سيكون――
يورنا: [أطفالي الأحبّة، وشعب الإمبراطورية التي أحبّها صاحب الجلالة.]
وبينما كان آبل يضع استراتيجياته في المعسكر، وكانت مجموعة إميليا تجري عبر ساحة المعركة، كانت بريسيلا وآل أيضاً قد خطوا إلى ميادين قتال أخرى.
مع أنّ من دور آبِل أن يضع الاستراتيجية الرابحة، لم تستطع إميليا أن تقبل هذا النهج. لذا خرجت للقتال، في سبيل السيطرة على الحصون الضرورية عند زوايا النجمة.
لقد فقد أطفالها الأحبّة مدينة الشياطين بحماقة، وما زالوا يقدّرونها رغم أنّها لم تُظهر القوة التي كان ينبغي أن تُظهرها.
ودليلاً على ذلك، كانت أراكيّا قد اضطربت بوضوح عند دخول بريسيلا.
مادلين: [――]
وشعب الإمبراطورية التي أحبّها رجل أحبّته يوماً، وما زالت تحبه حتى اللحظة بغير نقصان.
إميليا: [نعم، أريد أن أؤمن بذلك حقاً.]
△▼△▼△▼△
وفوق ذلك كله، كانت ترغب في أن تهب لأطفالها الذين تشاطرت معهم روحها، عالماً يليق بهم للعيش فيه.
وبالطبع، كان ذلك لما تملكه هي من قوة جبارة، وربما أيضاً لإظهار قوتها أمام من حولها.
وهذا هو――،
إميليا: [تجربة بتلك البشاعة… تلك الأخيرة كانت مفاجئة، لكنني أظن أنني وبريسيلا كنا على وشك الفوز في تلك المعركة. لا يجب أن تكذبي.]
شهقت كل من أراكيّا ويورنا، واتسعت أعينهما. رفعت يورنا حاجبيها دهشة من ظهور صوت ما كان ينبغي أن يُسمع.
يورنا: [――إني أُفضّل سلام إمبراطور حقيقي على مستقبل يُشيّده زائف.]
يورنا: [――. كل هذه الترهات الأنانية… ورغم أني لم أكن من رباكِ، فلماذا نشأتِ على هذه الصورة؟]
وبينما تلفظت يورنا بهذه الكلمات، راحت تُدوّر الأرض من حولها بلفّ غليونها، راسمةً دوامة. تلك هي تقنية “زواج الأرواح” التي تُعطي بها يورنا الأشياء الجامدة روحاً تُسيّرها كما تشاء.
وهي تقنية يستحيل على غيرها تقليدها بسبب سعة روحها―― إلا أنّ الأمر، بخلاف مدينة الشياطين حيث قضت زمناً طويلاً تُفرغ فيها أفكارها ومشاعرها، بدا بطيئاً في تربة العاصمة الإمبراطورية.
وفي الهواء البارد، المصبوغ بالبياض من أنفاسها المتصاعدة، أخذ جسدها يسخن شيئاً فشيئاً وهو يشع بروحها القتالية المتقدة.
وربما لم تكن مشاعرها المختلطة تجاه الإمبراطورية ببعيدة عن ذلك.
مادلين: [――]
يورنا: [أعتذر إذ لستُ في أفضل حال، لكنني سأكون ندّك.]
أمامها، رفعت يورنا بصرها إلى أعلى الأسوار، بل وما فوقها.
بهذا الهدوء، وازنت إميليا بين دورها وما ترغب في فعله.
لكن ذلك لم يكن حتى خداعاً لماديلين كما هو متوقع، إذ صدّتها بسلاحها المرفوع بإزعاج، محطمةً الكتلة وجاعلة الهجوم بلا جدوى.
وكان السبب بسيطاً جليّاً، فخصمها الذي ينبغي أن تصوّب إليه نظراتها كان أعلى من الأسوار، محلقاً بحرية في السماء فوق ساحة المعركة.
إنه سيكون――
وبتحويل ساقيها إلى لهب، أخفت “الآكلة الأرواح” الدمار المحتوى في جسدها الرشيق――.
لهيب متصاعد غطّى السماء، وفي سبيل تحويل الحقل المحترق أصلاً إلى أرض محروقة، هطل ذاك الحر الهائل.
؟؟؟: [――يورنا.]
فبينما تقدمت الفتاة ذات الشعر الفضي، ناداها صوت من أعلى―― مادلين إشارت، الجسد الصغير الواقف فوق سور المدينة، ذات القرنين الأسودين على رأسها، من سلالة التنانين.
يورنا: [الجنرال من الدرجة الأولى، أراكيّا. ما زلتِ تقاتلين ببهرجة كعادتك. حتى من بعيد، استطعت أن أتعرف عليك من النظرة الأولى.]
يورنا: [――. كل هذه الترهات الأنانية… ورغم أني لم أكن من رباكِ، فلماذا نشأتِ على هذه الصورة؟]
مادلين: [مـ…!؟]
ذو البشرة السمراء، كلبية الملامح، وفي يدها غصن شجرة، وعينها اليسرى مغطاة برقعة―― أراكيّا.
صعب تخيل أن أراكيّا ستُهزم، لكن تود لم يعتقد أنّ خصماً قادراً على الحساب إلى هذا الحد سيأتي من دون خطط جاهزة لاقتحام العاصمة الإمبراطورية.
رمقتها بنظرة حذرة، فيما كانت بشرتها تتقد بعداء ظاهر، في حين مسحت يورنا المكان بعينيها الضيقتين، متأملةً الأراضي الزراعية المحترقة.
وعلى هذا الحصن، حصن أراكيّا، كان أشدّ صدٍّ لهجوم الثوار صخباً وبهرجة.
وبالطبع، كان ذلك لما تملكه هي من قوة جبارة، وربما أيضاً لإظهار قوتها أمام من حولها.
غطّى صراخ ماديلين المجلجل صوت عزيمة إميليا، إذ سقطت كتل جليدية على الأسوار.
ولم تكن يورنا الوحيدة التي تعرفت إلى أراكيّا من الوهلة الأولى كحامية لهذا الحصن.
تود: [――لا شك أن الضربة الأولى كانت فعّالة، ولكن…]
حتى لو لم يكن العسكريون على دراية حقيقية بمن تكون أراكيّا، فقد كان يسيراً إدراك ما تتمتع به من قوة هائلة.
ذلك التبادل الخالي من الخوف، كان كافيًا ليفهم الـ الـمسلحين. لقد أدركوا الفارق بين المسرح الذي يقفون فيه، وبين ذاك الذي تقف عليه إميليا ومادلين، والفارق في علوّ وجهات النظر.
وعلى هذا الحصن، حصن أراكيّا، كان أشدّ صدٍّ لهجوم الثوار صخباً وبهرجة.
لكن، أكثر من مجرد نوايا أراكيّا ذاتها، كان ذلك――،
وبهذه الكلمات، بدأ جسد مادلين يُطلق بخاراً رويداً رويداً.
أراكيّا: [――هـ!]
؟؟؟: [هل دسّ أحدٌ هذه الفكرة في رأسك، يا أراكيّا؟]
وعندما سُئلت، لم تُجب إجابة واضحة قط.
ولذلك قررت إميليا.
أراكيّا: [――هـ!]
يورنا: [أنتِ…]
ومن خلفها، وهو يخطو على الحقل الأسود المحترق، دوّى صوت الوافد الجديد في أرجاء ساحة المعركة.
شهقت كل من أراكيّا ويورنا، واتسعت أعينهما. رفعت يورنا حاجبيها دهشة من ظهور صوت ما كان ينبغي أن يُسمع.
فبعد أن تلقوا ضربة على رؤوسهم وخسروا قوتهم القتالية، بدا أنّ المجموعة الأولى توشك على الانهيار، لكنهم اندمجوا بالمجموعة الثانية التي جاءت متأخرة، وصاروا يحاولون استعادة قوتهم القتالية.
ثمّ، وهو يسير إلى جوار يورنا بحيث لا تضطر لأن تلتفت،
بيترا: [لا تقلقي يا إيميلي. اتركيه لي.]
؟؟؟: [ما الأمر يا أماه؟ حتى بعد أن متَّ مرة، أما زلتِ عاجزة عن التخلي عن طفلك؟]
وبكل هذا، ومع تجاربها الخاصة، أدركت إميليا.
وهكذا، وبصوت انفتاح مروحة في يدها، أطلقت بريسيلا، ذات العينين القرمزيتين، ضحكةً قاسية
ثم، ملوّناً العالم بلون أحمر، صاحت أراكيّا.
ثم، ملوّناً العالم بلون أحمر، صاحت أراكيّا.
فوجئت يورنا بتلك الهيئة غير المتوقعة والكلمات التي تلتها، وزفرت تنهيدة طويلة.
إميليا: [لا، لقد كان ذلك كذباً. نعم، سوبارو هو فارسي. أعتذر لخداعك.]
يورنا: [بريسا، من الطبيعي أن تكوني غير قادرة على مسامحتي، ولكن…]
ومن ثمّ، فإن الحديث عن الحق والباطل في مثل هذا الموضع أمر في غير محله.
بريسيلا: [لسوء الحظ، الفتاة التي حملت ذلك الاسم قد ماتت. وإن كنتِ معنيةً بها، فسيكون من اللائق أن تزوري قبرها. اسمي هو بريسيلا بارييل. فاحرصي ألّا تخطئي.]
لقد أدركوا بفطرتهم: اللحظة التي يُشهر فيها ذلك السيف، ستبدأ معركة سيخلّدها التاريخ.
يورنا: [――. أليس آベル هو من قال إن هذا المكان سيُسلَّم إليّ؟]
سواء كان ذلك بسبب ثقة بياتريس، أو بسبب تعاون الجميع، كان جسد إميليا وعقلها في حالة جيدة على نحو مدهش.
وبينما أعادوا تنظيم صفوفهم ليستعدوا لمواجهة العدو مجددًا مع من بقي قادرًا على القتال، بدا المشهد الأبيض ببطء.
بريسيلا: [وأليس في الاجتماع نفسه قلتُ إني لن أفعل ما يأمرني به آベル؟]
غطّى صراخ ماديلين المجلجل صوت عزيمة إميليا، إذ سقطت كتل جليدية على الأسوار.
بريسيلا، التي كانت تملك جواباً لكل كلمة، ردّت بلا رحمة، فلم تجد يورنا ما تقوله أمام موقفها. بيد أن بريسيلا أطلقت شخيراً ساخراً: “همف”، واختفت الابتسامة عن محياها.
إميليا: [أعلم أنني لا أستطيع بسهولة أن أغيّر آراء الجميع أو مشاعرهم بشأن هذه المعركة. أتمنى لو استطعت التحدث معهم وفهمهم أكثر، لكن لا وقت لدي.]
وبعد لحظة، تحولت نظرتها القرمزية نحو أراكيّا في الأعلى.
صعب تخيل أن أراكيّا ستُهزم، لكن تود لم يعتقد أنّ خصماً قادراً على الحساب إلى هذا الحد سيأتي من دون خطط جاهزة لاقتحام العاصمة الإمبراطورية.
كانت أراكيّا واحدة من أقوى الجنرالات الإلهيين، وقد وُكلت يورنا لتكون خصمتها لأن الجميع كان يعلم أنّ لا أحد غير يورنا يستطيع مجاراتها.
ومع ذلك، فقد جاءت بريسيلا الحصيفة إلى هذا المكان لأنها تملك سبباً لمواجهة أراكيّا، بغضّ النظر عن اعتبارات القوة أو التكتيك.
ودليلاً على ذلك، كانت أراكيّا قد اضطربت بوضوح عند دخول بريسيلا.
حتى أمام يورنا، كان وجهها، المنفصل بعض الشيء عن العالم، لا يتزعزع، لكن ما إن رأت بريسيلا حتى انهار قناعها.
ارتجاف المحارب وقع، بغضّ النظر عن دمائهم التي تبرد مع هبوط الحرارة.
وكان ذلك برهاناً لا لبس فيه على العلاقة الخاصة التي جمعت بريسيلا بأراكيّا.
أراكيّا: [――هـ!]
بريسيلا: [أراكيّا، هل حسمتِ أمرك؟]
كان وجه بريسيلا مفعماً بالحكمة وهي تطرح السؤال، ونظرتها حادة كأنها على وشك قتل هدفها، غير أنّ الكلمات التي صاغتها شفاهها بدت لطيفة وحتّى رؤوفة.
لقد سيطر لهيب على ساحة المعركة. ――لا، لم تكن ساحة المعركة هي التي سادها اللهيب، بل الإمبراطورية كلها.
سؤال لطيف مغلّف بالقسوة، عنده شهقت أراكيّا وأومأت برأسها.
أراكيّا: [سأستعيد الأميرة. ――سأقتل سموه… فالأميرة هي الإمبراطور الحقيقي.]
رافعة سيف الجناح الطائر بيدها، صبّت التنينة الغاضبة كل قوتها في ذراعيها النحيلتين، غير عابئة بالبرد القارس الذي أقعد الـ الـمسلحين.
إميليا: [تقنيات ختم الجليد!!]
بريسيلا: [أتسعين إلى حسم رسمي لـ”مراسم اختيار الإمبراطور”؟ هذا حسن.]
إميليا: [حتى يورنا لم تُخبرني بما تحدثتا عنه…]
وما إن سمعت إجابة أراكيّا، حتى أغلقت بريسيلا مروحتها في يدها. وضعتها بين نهديها، ثم رفعت يدها الفارغة نحو السماء، واستلت سيفها القرمزي الثمين من العدم.
والحرارة المنبعثة من النصل كانت كافية لجعل الهواء يتماوج، إنه سيف اليانغ، السيف الذي لا يُسمح إلا لإمبراطور فولاكيا أن يحمله―― وبلا وعي، حدّقت يورنا فيه بإعجاب.
حتى لو لم يكن العسكريون على دراية حقيقية بمن تكون أراكيّا، فقد كان يسيراً إدراك ما تتمتع به من قوة هائلة.
وكأن صورة رجلها الحبيب، الذي حمل يوماً ذلك السيف القرمزي الثمين، عادت لتتراءى خلف جفنيها.
حتى في مواجهة أراكيّا كخصم في القتال، كان الأرجح أن تكون المجموعة الحقيقية قد أعدّت التدابير اللازمة.
بريسيلا: [ليس هذا وقت الإعجاب، يا عزيزتي الأم.]
يورنا: [――. كل هذه الترهات الأنانية… ورغم أني لم أكن من رباكِ، فلماذا نشأتِ على هذه الصورة؟]
تود: [أفهل كانت المجموعة الثانية هي الرهان الحقيقي، لا الطليعة المليئة بالحمقى؟]
يورنا: [――مع ذلك، لكان هذا أيضاً حال القصة لو أنّ صاحب الجلالة الإمبراطور فينسنت فولاكيا لم يُطَح به من عرشه.]
بريسيلا: [حسناً. لا سبب بعينه لكوني ما أنا عليه. ثم إن ثمة شيئاً لم أخبرك به.]
أما ما أرادت إميليا فعله فهو أن تمنع موت أكبر عدد ممكن من الناس.
وعند نظرة بريسيلا الجانبية وهي تتهيأ بسيف اليانغ، توتر جسد يورنا بأسره، هي الأخرى دخلت في وضعية القتال. وبعد أن اتخذت تلك الهيئة، التفتت نحو ابنتها بعينين استفهاميتين.
الأراضي الزراعية والمروج، والامتداد الأخضر المحيط بالعاصمة الإمبراطورية لوپوغانا، غطتها نُثار الثلج الأبيض، مشهد لم يكن ليُتصوّر في إمبراطورية عُرفت بمناخها الدافئ.
لكن بريسيلا لم تلتقِ نظراتها، وأشارت بسيفها نحو أراكيّا، وقالت:
لكن، لو لم تكن قد عرفت الحقيقة ولم تُدعَ كإحدى الأركان التسعة الذين يحكمون مدينة الشياطين، فأي جانبٍ كانت ستختار؟
بريسيلا: [إنها أختي بالتبني. يا عزيزتي الأم، بعد وفاتك، رُبِّيتُ معها وكأننا شقيقتان. والآن يبدو أن هدفها أن تضعني على العرش.]
وبهذه الكلمات، بدأ جسد مادلين يُطلق بخاراً رويداً رويداً.
يورنا: [ماذا…]
مع أنّ من دور آبِل أن يضع الاستراتيجية الرابحة، لم تستطع إميليا أن تقبل هذا النهج. لذا خرجت للقتال، في سبيل السيطرة على الحصون الضرورية عند زوايا النجمة.
بريسيلا: [ها هو قادم.]
وعندما سُئلت، لم تُجب إجابة واضحة قط.
اتسعت عينا يورنا من وقع الإفصاح، لكن الحكم القاسي جاء في الوقت نفسه تقريباً.
وبالطبع، كانت ترغب أيضاً في أن تُنصت ببساطة إلى الحكاية المبهجة لبريسيلا.
لهيب متصاعد غطّى السماء، وفي سبيل تحويل الحقل المحترق أصلاً إلى أرض محروقة، هطل ذاك الحر الهائل.
وبما أنّ الأمر كان لقاءً بين أم وابنتها، فقد اعتقدت أنّ لديهما الكثير ليتبادلاه من حديث.
ثم، ملوّناً العالم بلون أحمر، صاحت أراكيّا.
ومهما يكن من أمر الشكوك، فإن إميليا لم تكن بارعة في الكذب. وكلما فكرت بأنّ محاولتها المبالغة ستزيد من احتمالية انكشافها، لم تجد بُداً من أن تهز كتفيها باستسلام.
أراكيّا: [سأستعيد الأميرة بقوتي الخاصة!! ――هكذا قيل لي.]
△▼△▼△▼△
――وفي اللحظة التالية، هبطت كتلة جليدية بحجم قلعة على الأرض أمام إميليا مباشرة، وابتلعت شظاياها المدوية هيئة مادلين على الأسوار.
وبينما كان يتأمل من بعيد النيران التي أطلقتها أراكيّا وهي تكاد تُحرق العالم كله، شعر تود فانغ بأن أجواء ساحة المعركة بدأت تتغير مع اتجاه الريح.
أوتو: [إيميلي، سأخبركِ إلى أين تذهبين. ――لدي خطة.]
وقفت إميليا في حراسة يقظة، لتطلق مادلين ضحكة وحشية،
تود: [――لا شك أن الضربة الأولى كانت فعّالة، ولكن…]
وفي الواقع، حتى معركة أُطلق عليها بحماسة “المعركة الحاسمة للعاصمة الإمبراطورية”، كانت لتؤول إلى ذبح جميع الثوار لو تُركت دون ضبط، فيما أصحاب الأرواح المتقدة بالقتال سيغدون خاضعين خلال عام واحد.
فالقوة النارية الهائلة قد حطمت معنويات المتمردين المهاجمين، وكانت الطليعة دائماً تضم أشخاصاً معروفين بقدراتهم.
؟؟؟: [ما الأمر يا أماه؟ حتى بعد أن متَّ مرة، أما زلتِ عاجزة عن التخلي عن طفلك؟]
ولا سبيل لبقاء مجموعة محافظةً على معنوياتها وهي تُحرق بلا حول ولا قوة.
وعليه، كان قد خمّن أنّ من بين الحصون الخمسة التي تحمي المتاريس النجمية، فإن الحصن الذي فيه أراكيّا، والذي أُسنِد إليه، هو الأكثر أماناً، والمكان الذي سيضعف فيه هجوم العدو.
مفكراً أن هناك قائداً سريع البديهة في المجموعة الثانية، اقشعر بدن تود من تلك الإمكانية المرعبة.
وفي الواقع، فقد صدق حكم تود، وبعد أن أُبيدت قبيلة السيكلوبس التي تقدمت بشجاعة، صار هجوم المتمردين، وقد هالهم وجود أراكيّا، في حالة مزرية، وكانت المعركة قد حُسمت فعلياً.
وفوق ذلك، فقد بدأ جنود الجيش النظامي، الذين كان دورهم يجب أن يقتصر على مطاردة الناجين، يقضون وقتاً في تتبع تحركات المتمردين، ولو لم يكن قتالاً صعباً.
غير أن سبب تغير الأجواء كان انضمام مجموعة ثانية إلى المجموعة الأولى من المتمردين التي صُدّت.
ذلك التبادل الخالي من الخوف، كان كافيًا ليفهم الـ الـمسلحين. لقد أدركوا الفارق بين المسرح الذي يقفون فيه، وبين ذاك الذي تقف عليه إميليا ومادلين، والفارق في علوّ وجهات النظر.
فبعد أن تلقوا ضربة على رؤوسهم وخسروا قوتهم القتالية، بدا أنّ المجموعة الأولى توشك على الانهيار، لكنهم اندمجوا بالمجموعة الثانية التي جاءت متأخرة، وصاروا يحاولون استعادة قوتهم القتالية.
وبالطبع، حتى لو اجتمع المهزومون، لم يكن لذلك أن يُحدث أثراً كبيراً في النتيجة، لكن القادمين اللاحقين جمعوا المجموعة التي كان يفترض أن تنهار معنوياتها، وقللوا من الخسائر إلى الحد الأدنى.
مفكراً أن هناك قائداً سريع البديهة في المجموعة الثانية، اقشعر بدن تود من تلك الإمكانية المرعبة.
لقد فقد أطفالها الأحبّة مدينة الشياطين بحماقة، وما زالوا يقدّرونها رغم أنّها لم تُظهر القوة التي كان ينبغي أن تُظهرها.
تود: [لا يُعقل… أكان تأخرهم جزءاً من الخطة؟]
بدأت المعارك على حصون الأسوار النجمية التي تُحيط بالعاصمة الإمبراطورية، وتغيّرت طبيعة الحرب.
إذ دون التزام نسق متساوٍ، ودون اهتمام ببعضهم، كانت قوات المتمردين الطائشة قد اندفعت. وبعد التجربة المؤلمة التي تلقاها الفريق الأول، بدت المعركة على وشك أن تنتهي بانتصار ساحق للجيش النظامي.
مع أنّ من دور آبِل أن يضع الاستراتيجية الرابحة، لم تستطع إميليا أن تقبل هذا النهج. لذا خرجت للقتال، في سبيل السيطرة على الحصون الضرورية عند زوايا النجمة.
إلا أنه بعدما فقدت المجموعة الأولى أصحاب القوة ووهنت عزيمتها، وانطفأ تهورهم، فقد اختفى المزعجون الذين لا قدرة لهم على الإصغاء.
بينما كانت إميليا على وشك الانطلاق، عرض أوتو مساعدتها.
ضيقت بؤبؤي عينيها الذهبيتين وهي تتابع تفتت الجليد إلى شظايا ثم إلى جسيمات ثم إلى مانا.
وعندها، ومن أجل اقتناص نصر في المعركة التي خاضوها، لم يكن أمامهم سوى أن ينضموا إلى صفوف الفريق الآخر طمعاً في فرصة أفضل، ويؤدوا دورهم بجنون في سبيل الحصول على نصيب من الغنيمة.
تود: [أفهل كانت المجموعة الثانية هي الرهان الحقيقي، لا الطليعة المليئة بالحمقى؟]
وعليه، كان قد خمّن أنّ من بين الحصون الخمسة التي تحمي المتاريس النجمية، فإن الحصن الذي فيه أراكيّا، والذي أُسنِد إليه، هو الأكثر أماناً، والمكان الذي سيضعف فيه هجوم العدو.
وبغليونها في يدها، حدّقت يورنا ميشيغوري إلى ساحة المعركة وأطلقت كلماتٍ مغلّفة بدخان بنفسجي.
حتى في مواجهة أراكيّا كخصم في القتال، كان الأرجح أن تكون المجموعة الحقيقية قد أعدّت التدابير اللازمة.
غير أن تود اعتقد أنّ العدو الحقيقي المقلق في هذا النزاع شيء آخر.
صعب تخيل أن أراكيّا ستُهزم، لكن تود لم يعتقد أنّ خصماً قادراً على الحساب إلى هذا الحد سيأتي من دون خطط جاهزة لاقتحام العاصمة الإمبراطورية.
لا بد من وجود استعدادات لمواجهة أراكيّا، وكذلك حراس الحصون الآخرين.
لكن، أكثر من مجرد نوايا أراكيّا ذاتها، كان ذلك――،
وعندما سُئلت، لم تُجب إجابة واضحة قط.
وفوق ذلك، فقد بدأ جنود الجيش النظامي، الذين كان دورهم يجب أن يقتصر على مطاردة الناجين، يقضون وقتاً في تتبع تحركات المتمردين، ولو لم يكن قتالاً صعباً.
يورنا: [ماذا…]
وكان الأمر مزعجاً، وكأن أعيناً وآذاناً تصل لمسافات بعيدة، بل وأذرعاً بارعة، تتحرك تبعاً لعقل عدو شيطاني.
مادلين: [ما تفكر به فتاة صغيرة مثلك لا يعني شيئاً لهذا التنين. ――إنه لأمرٌ محبط للغاية أن تلك المرأة القرمزية ليست هنا، غير أنّ ذلك بحد ذاته مريح.]
وخرجت من خلف شظايا الجليد المتناثرة ماديلين النشيطة، وهي ترفع سيفها المجنّح الطائر فوق رأسها.
كان الأفضل أن يُترك الأعداء الأقوياء لأراكيّا والحراس.
وجه مادلين، الذي يمكن وصفه حتى بالبراءة، تبدل إلى جدية شرسة.
غير أن تود اعتقد أنّ العدو الحقيقي المقلق في هذا النزاع شيء آخر.
كانت ماديلين قد سحبت سيفها المجنح من الأرض، وحدّقت بعدم ارتياح في إميليا التي ما زالت متقدة، ثم نظرت حولها.
وعليه――
برجلها المرفوعة، ركلت حافة السيف المجنح الطائر. جعل الاصطدام عظام جسدها كلّها تئن، لكنها عضّت على أسنانها وتحمّلت من دون تردد. وبكل قوتها دفعته بعيداً فوق رؤوس المحاربين ونفسها، ليطير نحو الخلف.
تود: [――عليّ أن أتعامل مع ذلك الشخص الذي يدبّر الشر.]
