Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ري زيرو: بدء الحياة في عالم أخر من الصفر 93

93 - جيش الحجر.

93 - جيش الحجر.

اخترق سهمٌ الرأسَ الذي لا عيون فيه ولا آذان ولا أنف، فاندفع الغول الحجري ــ المصنوع من الصخر ــ بعيداً إلى الوراء.

 

 

 

غير أنّ الرأس، بما أنّه خالٍ من الملامح البشرية، لم يكن يُعَدُّ نقطةَ ضعفٍ قاتلة، ولذا لم تتوقف خطوات العدو المتقدِّم، سواء اخترق السهمُ رأسَه أو تحطّم جزءٌ منه.

 

 

فالحصن الثالث من الأسوار النجمية، الذي كانوا على وشك الاستيلاء عليه، تحرّك بنفسه.

???: [إن كان تحطيم الرأس لا يكفي… هولي!]

 

 

 

هولي: [حسناً~!]

هاينكل: [――――]

 

فالسيف بالنسبة له لم يكن سوى قيدٍ أثقل بكثير مما يبدو.

تقدّمت الغيلان الحجرية بخطوات متثاقلة وأذرعها ممدودة نحوهم.

يتناثر دمه وهو يحلّق، وفي دوران رؤيته، أبصر المشهد وقد تبدّل كلياً.

 

 

وقد أثار منظرها ــ على صِغَر حجمها المماثل للبشر ــ وهي تتحرك بحركات غير إنسانية، شعوراً بالقرف في النفوس. صبّت هولي ذلك النفور في أصابعها، وما إن شدّت وتر القوس القوي حتى دوّى صوتٌ كالرعد.

 

 

فلو كان هناك شخص واحد قوي حقاً، لما استطاع هاينكل أن يقود الهجوم على هذا النحو.

انطلقت ثلاثة سهام في آنٍ واحد، فأصابت جذع الغول الحجري، ولم تخترقه أو تضرب موضعاً حرجاً، لكنها هشّمت جسده إلى أشلاء وأوقفت حركته.

هولي: [حسناً~!]

 

 

إذ لو تحطّم الجسد بأسره إلى قطع، حتى الغول الحجري لن يعود قادراً على الحركة.

فلو كان هناك شخص واحد قوي حقاً، لما استطاع هاينكل أن يقود الهجوم على هذا النحو.

 

كونا: [انتظري، انتظري! لماذا سقطوا من سهم واحد!? القلب؟]

غير أنّ――

 

 

لم تفهم تماماً مشاعر هولي وهي تعبّر بذلك، لكن من منظور كونا، بدا هاينكل وكأنه يتمنّى الموت.

???: [بهذا القدر، لن نستطيع القضاء عليهم واحداً تلو الآخر!]

تاريتا: [هناك حيلة لإسقاطهم من ضربة واحدة. اهدفي إلى القلب. ――هكذا.]

 

وفوراً، وبالتناقض مع ذلك الصوت الرتيب، ارتجّت الأرض بدويٍّ هائل، وإذا بريحٍ عاصفة تعصف، وقبضة حجرية عملاقة تمسك بالهاينكل في وثبته، وتلقي به بعيداً.

رفعت كونا بصرها إلى السور الهدف، الحصن الثالث، الذي قيل لها إنّه ثغرة في تشكيل العدو، لكن حين بلغت المكان، أربكها عدد الجنود المنتشرين وطبيعتهم حتى شعرت باليأس.

؟؟؟: [لا تدعوا ذاك الأحمر الشعر يحصد المجد وحده! تقدّموا نحن أيضاً!]

 

لم يكن تماثيل الحجارة الواقفة فوق السور.

كان من المفترض أن يكون الحصن الثالث تحت حراسة “موغورو هاغاني”، أحد القادة التسعة العظام.

 

 

 

ولحسن الحظ، لم يكن موغورو نفسه ظاهراً على السور. أكان السبب أنهم لم يبلغوه بعد، أم أنّه موجود في موضعٍ آخر؟

 

 

 

في كلا الحالين――

هاينكل: [اللعنة عليكم جميعاً!]

 

 

هولي: [إنهم كالنمل المتزاحم حول صمغ الشجر~! لا أستطيع إسقاطهم على هذا النحو~!]

هاينكل: [اللعنة.]

 

 

كونا: [هذا ليس وقت تذمّرك! ارمِ، ارمِ، ارمِ! أطلقي أكبر عدد تستطيعينه!]

زمجرت سيفٌ هائل، فاجتاح الغيلان الحجرية وذرّاها بعيداً.

 

 

هولي: [آه حقاً~! كونا، إنكِ صارمة جداً~!]

هولي: [هيه! كونا! انظري إلى هناك~!]

 

 

صرخت بنبرة قريبة من العويل، وسحبت سهاماً من الجعبة على ظهر كونا، لتطلقها تباعاً من قوسها القوي. كان كل سهم يُسقط اثنين أو ثلاثة من الغيلان الحجرية، لكن ذلك لم يكن كافياً لمجاراة عددهم الهائل.

 

 

فكيف يمكن لإنسان أن يتحرر من تلك الأفكار كلها؟

―― إذ كانوا بالمئات، بل بالآلاف، عدداً يفوق الحصر.

 

 

 

كونا: [تبا… ماذا سنفعل…!]

كونا: [هذا ليس وقت تذمّرك! ارمِ، ارمِ، ارمِ! أطلقي أكبر عدد تستطيعينه!]

 

كونا: [تبا… ماذا سنفعل…!]

نقرت بلسانها وتراجعت مبتعدة عن العدو، وهي تلعن “آبِل” الذي كلّفها بهذه المهمة.

هولي: [إنهم كالنمل المتزاحم حول صمغ الشجر~! لا أستطيع إسقاطهم على هذا النحو~!]

 

بل كان هناك شخص واحد فقط، هو من أراد أن يُهدي إليه ما يصنع.

فمن خلال ما بلغها من شائعات، فإن “موغورو هاغاني” ينتمي إلى عِرق خاص من أنصاف البشر يُعرف بـ “قوم الفولاذ”. وعلى خلاف “أبناء السلاح” الذين كانت أجسادهم جزئياً من معدن، قيل إن أجساد قوم الفولاذ بأكملها مؤلّفة من معادن.

 

 

وفوراً، وبالتناقض مع ذلك الصوت الرتيب، ارتجّت الأرض بدويٍّ هائل، وإذا بريحٍ عاصفة تعصف، وقبضة حجرية عملاقة تمسك بالهاينكل في وثبته، وتلقي به بعيداً.

فهل كانت إذن هذه الجموع التي لا تُحصى من الغيلان الحجرية أيضاً من ذلك العِرق؟

كان لكل ما يناله من ذلك الشخص وحده قيمة.

 

 

هولي: [إنهم بلا حياة على الإطلاق~! حقاً يبدون كالدمى~!]

 

 

 

كونا: [وأنا أوافقك! ما سرّ هؤلاء بالضبط؟]

 

 

 

وبينما كانت تحافظ على مسافةٍ معقولة، حدّقت حولها في جموع الغيلان الحجرية. ولأنها بلا عيون، فقد بدا وكأنها لا تملك وعياً ذاتياً.

 

 

هولي: [هيه! كونا! انظري إلى هناك~!]

كانت تكتفي بتطويق كل من يقترب، لتفتك به بالضرب والتهشيم عبر أطرافها الصلبة وقوتها الوحشية. والذين لم يسعفهم الفرار، أدركتهم الأيادي الصخرية، فكان مصيرهم الموت البائس تحت وطأة العنف العددي الجارف.

وفي عيني هاينكل، بدت أشبه ما تكون بعيون كائن حي.

 

 

أما المتمرّدون الذين اقتحموا الحصن الثالث، فكانوا يُسحقون تحت أقدام تلك الجموع، وتُداس جثثهم حتى تتلاشى، فلا يبقى من رفاتهم ما يُذكَر إلا أثر تشكيلةٍ تهاوت. وكان ذلك المصير يقترب من كونا ورفاقها، ولم يكن أمراً يمكن أن يُستهان به.

 

 

وذاك السيف الذي كان يحصد جموع الغيلان المندفعة، كان بيد مبارزٍ أشقر الشعر محمرّ الرأس―― رجل لا تعرفه كونا إلا باعتباره تابعاً للمتغطرسة المتعالية “بريسيلا”: هاينكل.

فلو استمر الوضع على ما هو عليه، لداسهم سيل الأعداء الكاسح قبل أن يحظوا بأية فرصة.

 

 

ولحسن الحظ، لم يكن موغورو نفسه ظاهراً على السور. أكان السبب أنهم لم يبلغوه بعد، أم أنّه موجود في موضعٍ آخر؟

وقبل أن يحدث ذلك――

وذاك السيف الذي كان يحصد جموع الغيلان المندفعة، كان بيد مبارزٍ أشقر الشعر محمرّ الرأس―― رجل لا تعرفه كونا إلا باعتباره تابعاً للمتغطرسة المتعالية “بريسيلا”: هاينكل.

 

???: [كونا! هولي!]

كونا: [إن ساءت الأمور كثيراً، سنضطر إلى الانسحاب، لكن…]

 

 

مُبَدَّداً من رأسه حتى قدميه، طار في السماء بلا حولٍ ولا قوة.

هولي: [هيه! كونا! انظري إلى هناك~!]

 

 

 

كونا: [هاه؟]

 

 

وكان ذلك بلا ريب أحد “الألوهية التسعة”، الكائن الجبّار الذي قدّم نفسه باسم “موغورو هاغاني”.

وبينما تضطران إلى دوس العشب الذي صار ساحة معركة، وتطلقان سهامهما في أثناء التراجع، التفتت كونا إلى مصدر صوت هولي، فإذا بمشهدٍ مدهش يدخل بصرها.

هولي: [إنهم كالنمل المتزاحم حول صمغ الشجر~! لا أستطيع إسقاطهم على هذا النحو~!]

 

فقد أطاح بضربة جانبية على تماثيل الحجارة أمامه، ونظر نحو الأسوار المقبلة، فشدّ قوته في ساقيه وقفز إليها.

شخصية واقفة في وسط ساحة المعركة، ثم اندفع نحوها غول حجري وضرب بذراعيه الصخريتين عليها. بدا وكأن الضربة ستسقطها أرضاً وتتركها تلفظ أنفاسها وسط بركة دم――

 

 

تقدّمت الغيلان الحجرية بخطوات متثاقلة وأذرعها ممدودة نحوهم.

???: [――لا تعترض طريقي، أيها الغول الحجري!!]

هولي: [لنضع حداً لهذه اللعبة الدُميّة~!]

 

وبينما تصرخ بحدّة، هوت بهراوتها الثقيلة بكلتي يديها، فحطمت رأس الغول الحجري وصدره، وقلبت موازين لعبته ضده.

إنها ميزيلدا، التي عوى صوتها الغاضب، مشوِّهاً جمالها الوحشي.

 

 

وأما سائر ما يأتيه من غيره، فلم يكن سوى أثقال حجرية يجرّها وهو يسير.

وبينما تصرخ بحدّة، هوت بهراوتها الثقيلة بكلتي يديها، فحطمت رأس الغول الحجري وصدره، وقلبت موازين لعبته ضده.

 

 

 

―― ولم تكن وحدها التي اختارت مهاجمة الغيلان الحجرية بدلاً من الفرار منها.

لم يكن متصوراً أن تتعالى الأصوات خلف هاينكل الذي يقود الهجوم.

 

لكنه لم يكن يملك ترف الالتفات إلى هؤلاء المزيفين.

???: [ابتعدوا عن طريقي، اغربوا عن وجهي، ارحلوا أيها الأوغاد! أنتم عار الإمبراطورية، تجهلون سُلطة صاحب الجلالة الإمبراطور، فلا تجرؤوا على الوقوف في طريقي!]

رجل غليظ الملامح بعينٍ واحدة مغطّاة برقعة، اقتحم صفوف الغيلان كما فعلت ميزيلدا.

 

 

أُطلقت الضربة مع صرخة حشوية، ففصلت رقبة الغول الحجري عن جسده، ثم شطرت الرأس الطائر نصفين في الهواء. ولم يكتفِ بذلك، بل شقّ الجذع قُطرياً، وبتر الذراع من الكتف، ولما تأكد من توقّف الجسد عن الحركة، ركله أرضاً وتوجّه إلى التالي.

لكنه لم يكن يملك ترف الالتفات إلى هؤلاء المزيفين.

 

وفوراً، وبالتناقض مع ذلك الصوت الرتيب، ارتجّت الأرض بدويٍّ هائل، وإذا بريحٍ عاصفة تعصف، وقبضة حجرية عملاقة تمسك بالهاينكل في وثبته، وتلقي به بعيداً.

رجل غليظ الملامح بعينٍ واحدة مغطّاة برقعة، اقتحم صفوف الغيلان كما فعلت ميزيلدا.

وبينما كانت تحافظ على مسافةٍ معقولة، حدّقت حولها في جموع الغيلان الحجرية. ولأنها بلا عيون، فقد بدا وكأنها لا تملك وعياً ذاتياً.

 

وكون هاينكل استطاع شق طريقه، كان دليلاً على ذلك.

وكانت قوة هذين المهاجمين في القتال القريب كفيلة بإرباك قدرة الغيلان الحجرية على شنّ هجمات فعّالة.

 

 

أمام الثنائي العاجز، أطلقت تاريتا بسرعة ثلاثة سهام من قوسها. ومع اقتراب ثلاثة من التماثيل الحجرية من ظهر ميزيلدا في البعيد، اخترقت السهام أجسادهم من الظهر والرأس والفخذ، فأسقطتهم قتلى.

لكن ما أذهل كونا وهولي حقاً لم يكن أيّاً منهما.

تاريتا: [عدد السهام المتبقية قد قل كثيراً. ما دمنا نملك الفرصة، فلنجمع السهام الساقطة. من الأفضل ألا نصرف سهاماً كثيرة على خصم واحد.]

 

 

كونا وهولي: [――――]

 

 

صرخت تاريتا، مطلقةً سهماً واحداً على رأس تمثال حجري كان يعترض طريق ميزيلدا. وعند سماعها صوت أختها، لوّحت ميزيلدا بيدها بشدة، مظهرةً أنها فهمت الوضع.

زمجرت سيفٌ هائل، فاجتاح الغيلان الحجرية وذرّاها بعيداً.

فهل كانت إذن هذه الجموع التي لا تُحصى من الغيلان الحجرية أيضاً من ذلك العِرق؟

 

وبينما كانت كونا تقيّم الوضع، نظرت تاريتا إلى جعبتها على ظهرها،

كان ضرباً عنيفاً فوضوياً، بعيداً كل البعد عن الأناقة أو البراعة. غير أنّه كان أنسب أسلوب لمواجهة الغيلان التي لا بد من تحطيمها تماماً لشلّها.

لكنه لم يكن يملك ترف الالتفات إلى هؤلاء المزيفين.

 

ذلك الرجل، ذو الملامح التي بدت وكأنها فقدت روحها، انخرط في القتال فجأة من غير أن يشعر به أحد، وأخذ يقطع الغيلان الواحد تلو الآخر صامتاً، في مشهدٍ أقرب إلى كابوسٍ يزور المرء في ليلة نومٍ رديئة.

وذاك السيف الذي كان يحصد جموع الغيلان المندفعة، كان بيد مبارزٍ أشقر الشعر محمرّ الرأس―― رجل لا تعرفه كونا إلا باعتباره تابعاً للمتغطرسة المتعالية “بريسيلا”: هاينكل.

 

 

وقد أخفق في أداء ما وجب عليه أداؤه، في المكان الذي وجب أن يؤديه فيه، تاركاً لمن كان يريد نيل رضاه أن ينظف فوضاه، وفي النهاية، أصبح مديناً لشخص آخر أنقذه كي يواصل العيش.

ذلك الرجل، ذو الملامح التي بدت وكأنها فقدت روحها، انخرط في القتال فجأة من غير أن يشعر به أحد، وأخذ يقطع الغيلان الواحد تلو الآخر صامتاً، في مشهدٍ أقرب إلى كابوسٍ يزور المرء في ليلة نومٍ رديئة.

 

 

 

وإن كان ما يحدث في الظاهر يصبّ في مصلحتهم، إلا أن كونا وهولي لم تجدا نفسيهما قادرتين على تقبّله بالفرح. فقد دارت في نفسيهما هواجس سلبية.

 

 

 

وكان السبب جلياً―― إنه ملامح وجه هاينكل وهو يلوّح بسيفه.

 

 

 

هولي: [يبدو ممتلئاً بالألم~.]

 

 

 

وبعد أن رأت كونا ما رأت هولي، لم يسعها إلا أن توافقها.

وهذا وحده جعله يرتجف رعباً.

 

كيف يمكن للمرء أن يركز كلياً على السيف ولا شيء غيره؟

لم تفهم تماماً مشاعر هولي وهي تعبّر بذلك، لكن من منظور كونا، بدا هاينكل وكأنه يتمنّى الموت.

 

 

 

فقد يخرج المحاربون أحياناً إلى ساحة القتال بحثاً عن موضعٍ يلقَون فيه حتفهم. وحتى في “الشودراك”، كان بعض من شارفوا على نهاية أعمارهم يختارون اللحظة الأخيرة بأن يحملوا قوساً ويواجهوا الوحوش الكبرى في أعماق الغابة.

 

 

 

وربما لم يكن ذاك خياراً ستختاره كونا، لكنها كانت تفهم تلك الرغبة.

 

 

 

غير أنّ رغبة هاينكل بدت مختلفة؛ فهي لم تكن رغبة محاربٍ يبحث عن ميتةٍ مشرّفة، بل رغبة إنسان يتمنّى الموت ويخشاه في آنٍ واحد. صورة تقاتل الموت بضراوة بينما تغرق في رعبه، صورة تبعث على الشفقة، مهما بلغت قوّته في دعم الجبهة. حتى إن كونا تمنّت لو يسقط هاينكل ويموت سريعاً.

هاينكل: [――تبا.]

 

وبينما كانت كونا تقيّم الوضع، نظرت تاريتا إلى جعبتها على ظهرها،

كان رجلاً يلوّح بسيفٍ يلفّه الحزن إلى حدّ يجعل من حوله يظنّون أنّه غارق في بؤسٍ لا يُطاق.

 

 

 

???: [كونا! هولي!]

في نظر هاينكل الذي يلهث، وُلدت أضواء لا تُحصى على طول الأسوار الممتدة يميناً ويساراً.

 

 

بهذه الصرخة، تبدّل إيقاع المعركة من جديد، متجاهلاً تلك الصورة الذهنية التي استحوذت على كونا ورفيقتها.

وكان السبب جلياً―― إنه ملامح وجه هاينكل وهو يلوّح بسيفه.

 

 

التي نادتهما وتجاوزتهما كأنها تطير فوق العشب كانت “تاريتا”. تحمل جعبتها على ظهرها، وقد عادت لارتداء زيّ الشودراك التقليدي، حتى وصلت أمامهما.

نقرت بلسانها وتراجعت مبتعدة عن العدو، وهي تلعن “آبِل” الذي كلّفها بهذه المهمة.

 

 

تاريتا: [التوقف هنا خطر. هذا الطريق قد مهّدته الأخت وجمال.]

 

 

 

كونا: [أفهم ذلك من دون أن تقولي لي، يا زعيمة… لقد سرح ذهني قليلاً فقط.]

 

 

 

تاريتا: [هاينكل، أليس كذلك؟]

 

 

إن تمكن فوراً من الإمساك بالأسوار وطرد الأعداء فوق الجدار، فإن السيطرة على الحصن الثالث―― لكن، هل يكون ذلك إنجازاً حقاً إن لم يكن قد قتل قائداً للعدو؟

وبنظرةٍ متفحّصة، أصابت تاريتا كبد مشاعر كونا المرتبكة المثقلة بالكآبة.

 

 

كانت كرات بحجم قبضة اليد، متوهجة باللون الأخضر، تبدو للوهلة الأولى بريئة بلا خطر.

كانت تاريتا الأخت الصغرى لميزيلدا، وقد خلفتها كزعيمة لشعب الشودراك.

 

سابقاً، كانت خجولة مترددة، فتاة عُرفت بكونها أكثر جبناً من أن تكون حذرة.

تاريتا: [هناك حيلة لإسقاطهم من ضربة واحدة. اهدفي إلى القلب. ――هكذا.]

 

لكن ما أذهل كونا وهولي حقاً لم يكن أيّاً منهما.

غير أنّ شرط توليها منصب الزعامة، والتجربة التي عاشتها أثناء رحلتها إلى مدينة الفوضى “كيوس فليم”، كان لهما أثر بالغ، إذ أطفآ ذلك الجبن وغرسا في نفسها قوة رصينة.

 

 

 

ويبدو أنّ وضوح رأيها الآن قد رافق ذلك التحوّل.

مُبَدَّداً من رأسه حتى قدميه، طار في السماء بلا حولٍ ولا قوة.

 

 

هولي: [زعيمتي، ألا تجدينه مخيفاً~؟]

نقرت بلسانها وتراجعت مبتعدة عن العدو، وهي تلعن “آبِل” الذي كلّفها بهذه المهمة.

 

 

تاريتا: [أظن أنّ كلمة “مخيف” مباشرة جداً، ولكن… إن كان صحيحاً أنه يائس، وأنه سيصبح قوةً في حربنا، فلا اعتراض لديّ على القتال إلى جانبه.]

 

 

 

كونا: [إجابة رائعة. …لا بأس عندي كذلك.]

ماذا يريد أن يثبت عبر هذا السيف؟

 

 

مع أنّ بعض الأمور بقيت غامضة، لم يكن هناك حاجة لتوضيحها في هذه اللحظة.

تسجيل هذه النقاط من غير أن يُريها لمن ينبغي أن يريها، أي معنى له؟

 

وماذا يريد أن ينال؟

في الأصل، كانت تاريتا بارعة في تغيير نهجها أثناء الصيد، إن لم يكن في حياتها اليومية. والآن، بصفتها زعيمة، أصبحت قادرة على التكيف مع أي موقف بنجاح.

هولي: [تاريتا، ازدهارك يسعدنا أيضاً~.]

 

؟؟؟: [ليس هناك أحد غيرك يستطيع يحدّد مقدار ما أفسدت. ولهذا كنت أقول لك يا عجوز، إن كنت ستفعل――]

وبينما كانت كونا تقيّم الوضع، نظرت تاريتا إلى جعبتها على ظهرها،

 

 

هولي: [لنضع حداً لهذه اللعبة الدُميّة~!]

تاريتا: [عدد السهام المتبقية قد قل كثيراً. ما دمنا نملك الفرصة، فلنجمع السهام الساقطة. من الأفضل ألا نصرف سهاماً كثيرة على خصم واحد.]

خصوم بلا وجوه، لا يتحركون إلا بما لُقّنوا من حركات، إن كان هذا هو القتال، فإنه قادر على حصدهم مهما كثروا.

 

؟؟؟: [لا تدعوا ذاك الأحمر الشعر يحصد المجد وحده! تقدّموا نحن أيضاً!]

كونا: [نظرياً، نعم، ولكن…]

وكان ذلك بلا ريب أحد “الألوهية التسعة”، الكائن الجبّار الذي قدّم نفسه باسم “موغورو هاغاني”.

 

وبصفتها من شعب الشودراك، كانت كونا فخورة بالنقاء العالي الذي تتحلى به الأختان الزعيمتان.

هولي: [لا أستطيع إسقاطهم بسهم واحد~!]

 

 

؟؟؟: [آسف يا عجوز، لكن ذاتي المذهلة لا تملك أدنى فكرة عمّا تمرّ به.]

تاريتا: [هناك حيلة لإسقاطهم من ضربة واحدة. اهدفي إلى القلب. ――هكذا.]

ثم بدا أنّها تحدّق فيه بقسوة، فارتعب.

 

مغيّراً قبضته على السيف، باعد رجليه واتخذ وضعية قتالية.

أمام الثنائي العاجز، أطلقت تاريتا بسرعة ثلاثة سهام من قوسها. ومع اقتراب ثلاثة من التماثيل الحجرية من ظهر ميزيلدا في البعيد، اخترقت السهام أجسادهم من الظهر والرأس والفخذ، فأسقطتهم قتلى.

وكون هاينكل استطاع شق طريقه، كان دليلاً على ذلك.

 

هولي: [ينبغي أن تقولي هذا لميزيلدا~.]

كونا: [انتظري، انتظري! لماذا سقطوا من سهم واحد!? القلب؟]

هولي: [لا أستطيع إسقاطهم بسهم واحد~!]

 

وأطلق سيفه المعدّ عند خاصرته، فحطّم التماثيل التي اعترضت طريقه تحطيماً فظيعاً. لم يكن في ذلك ما يُضحك. لم يكن هناك شيء في الأمر كله يستحق الضحك.

هولي: [لكنهم تماثيل حجرية، لا أعرف أين قلوبهم~]

وكانت تلك الأفكار ساذجة ورخيصة للغاية، مثالية طفولية تثير في النفس رغبة في الضحك باستهزاء.

 

تاريتا: [أ-أحقاً؟ إن نظرتِ جيداً أظن أنكِ سترين مواضع ضعفهم، ولكن…]

 

 

 

تدلّى حاجبا تاريتا بتعبير مرتبك فيما كانت كونا وهولي تلحّان عليها.

 

 

فلو استمر الوضع على ما هو عليه، لداسهم سيل الأعداء الكاسح قبل أن يحظوا بأية فرصة.

يبدو أنها لم تفعل أكثر من مجرد “النظر جيداً”. كانت تاريتا بالفعل أخت ميزيلدا، رغم أن شخصيتها كانت على النقيض منها تماماً.

وكانت تلك الأفكار ساذجة ورخيصة للغاية، مثالية طفولية تثير في النفس رغبة في الضحك باستهزاء.

 

وبعد أن رأت كونا ما رأت هولي، لم يسعها إلا أن توافقها.

وبصفتها من شعب الشودراك، كانت كونا فخورة بالنقاء العالي الذي تتحلى به الأختان الزعيمتان.

 

 

 

كونا: [بما أنّ نصيحتك لم تنفع، فلنفعلها بطريقتنا. اجمعوا السهام، وإن لم تكفِ، استخدموا عصياً أو أي شيء آخر. ثم نسحق العدو حتى الموت.]

إن تمكن فوراً من الإمساك بالأسوار وطرد الأعداء فوق الجدار، فإن السيطرة على الحصن الثالث―― لكن، هل يكون ذلك إنجازاً حقاً إن لم يكن قد قتل قائداً للعدو؟

 

 

هولي: [لنضع حداً لهذه اللعبة الدُميّة~!]

بهذه الصرخة، تبدّل إيقاع المعركة من جديد، متجاهلاً تلك الصورة الذهنية التي استحوذت على كونا ورفيقتها.

 

 

تاريتا: [أظن أنّ هذه هي الروح المطلوبة. لكن، في وقت ما سيظهر القائد الإلهي الحقيقي. …كما حدث مع يورنا، فإن الجنرالات التسعة ليسوا عاديين أبداً. كونوا في غاية الحذر.]

 

 

 

هولي: [ينبغي أن تقولي هذا لميزيلدا~.]

لم يبقَ في وعيه إلا إدراك واحد: أنّه واجه تهديداً لا يملك حياله شيئاً.

 

؟؟؟: [――أنت، قتلتني، أكثر الجميع.]

وعند رأي تاريتا الجاد، أومأت كونا نحو ميزيلدا، التي كانت تعيث فساداً بالفعل في الصفوف الأمامية.

هاينكل: [اخرس أيها اللعين التافه!!]

 

هاينكل: [اللعنة الجحيمية.]

الزعيمة السابقة، ذات الساق الاصطناعية، كانت قد سلّمت منصبها لأختها، لكنها الآن تندفع بجسدها الرشيق في القتال. وإن ظهر القائد الإلهي من صفوف الأعداء، ستكون هي أول من يواجهه.

 

 

تدفّقت التماثيل الحجرية نحوه مباشرة.

ورغم فقدانها ساقاً، كانت ميزيلدا قادرة على الصمود أمام أي خصم جاد――،

 

 

وكأنّها جميعاً قد التقت بنظره دفعة واحدة.

تاريتا: [أختاه، أرجوك لا تتهوري! ستموتين إن كنتِ وحدك!]

لم يكن متصوراً أن تتعالى الأصوات خلف هاينكل الذي يقود الهجوم.

 

لم يبقَ في وعيه إلا إدراك واحد: أنّه واجه تهديداً لا يملك حياله شيئاً.

ميزيلدا: [――――]

مغيّراً قبضته على السيف، باعد رجليه واتخذ وضعية قتالية.

 

 

صرخت تاريتا، مطلقةً سهماً واحداً على رأس تمثال حجري كان يعترض طريق ميزيلدا. وعند سماعها صوت أختها، لوّحت ميزيلدا بيدها بشدة، مظهرةً أنها فهمت الوضع.

 

 

كان ضرباً عنيفاً فوضوياً، بعيداً كل البعد عن الأناقة أو البراعة. غير أنّه كان أنسب أسلوب لمواجهة الغيلان التي لا بد من تحطيمها تماماً لشلّها.

أثارت كلمات تاريتا دهشة كونا وأعجابها حقاً.

وقد أثار منظرها ــ على صِغَر حجمها المماثل للبشر ــ وهي تتحرك بحركات غير إنسانية، شعوراً بالقرف في النفوس. صبّت هولي ذلك النفور في أصابعها، وما إن شدّت وتر القوس القوي حتى دوّى صوتٌ كالرعد.

 

 

لقد توقفت تاريتا فعلاً عن الاختباء وراء ظهر أختها.

 

 

خصوم بلا وجوه، لا يتحركون إلا بما لُقّنوا من حركات، إن كان هذا هو القتال، فإنه قادر على حصدهم مهما كثروا.

كونا: [لم أرَ ما حدث في ذلك الوقت مع ماريولي، لكن…]

لم يبقَ في وعيه إلا إدراك واحد: أنّه واجه تهديداً لا يملك حياله شيئاً.

 

في نظر هاينكل الذي يلهث، وُلدت أضواء لا تُحصى على طول الأسوار الممتدة يميناً ويساراً.

هولي: [تاريتا، ازدهارك يسعدنا أيضاً~.]

وبعد أن رأت كونا ما رأت هولي، لم يسعها إلا أن توافقها.

 

 

تاريتا: [هل هذا حقاً وقت قول هذا الكلام!? أنتما الاثنتان، اذهبا للقتال!]

 

 

 

أطلقت هولي سهامها على التماثيل التي تحاصرهم، بينما هاجمتهم كونا بفأسها القصير وهي تعلق، فردّت عليها تاريتا بصوت حاد.

 

 

فكيف يمكن لإنسان أن يتحرر من تلك الأفكار كلها؟

فأومأت كونا وهولي لبعضهما، وأطاعتا دون تردد توجيه زعيمتهما الموثوقة.

على الأقل، حتى لو قليلاً――

 

لم يكن تماثيل الحجارة الواقفة فوق السور.

كان هناك “عهد قديم”، وعد تبادله إمبراطور فولاكيا السابق مع شعب الشودراك، وعدٌ أصبح بعيداً عن الحاضر، ما جعل كونا والباقين غير ملومين إن نسوه.

غير أنّ الرأس، بما أنّه خالٍ من الملامح البشرية، لم يكن يُعَدُّ نقطةَ ضعفٍ قاتلة، ولذا لم تتوقف خطوات العدو المتقدِّم، سواء اخترق السهمُ رأسَه أو تحطّم جزءٌ منه.

 

؟؟؟: [طِر.]

غير أن هذه المعركة جاءت لتفي بذلك الوعد، وهي الآن بالتأكيد معركة يجب على كونا وهولي، كشعب شودرَك، أن يحرزا فيها النصر الحاسم.

تقدّمت تماثيل الحجارة الموحشة في صمت، فشطرها بسيفه أمام عينيه، قاطعاً اثنين منها طولاً إلى نصفين.

 

لم يبقَ في وعيه إلا إدراك واحد: أنّه واجه تهديداً لا يملك حياله شيئاً.

تدفّقت التماثيل الحجرية نحوه مباشرة.

 

 

 

وبلا وجوه، لم يكن لديهم لا نية عداء، ولا رغبة في القتل. وأثناء تأرجح سيفه في وجوه هؤلاء الخصوم، وهو يلعن محرّكهم الخفيّ الذي اختار هذه الدمى بلا رحمة، كان هاينكل أسترِيا يحدق في ساحة القتال.

في الأصل، كانت تاريتا بارعة في تغيير نهجها أثناء الصيد، إن لم يكن في حياتها اليومية. والآن، بصفتها زعيمة، أصبحت قادرة على التكيف مع أي موقف بنجاح.

 

 

لأي سبب كان يلوّح بسيفه في أراضي الإمبراطورية الواسعة؟

فهل كانت إذن هذه الجموع التي لا تُحصى من الغيلان الحجرية أيضاً من ذلك العِرق؟

 

 

لأي سبب ظلّ يلوّح بسيفه بعد أن عرض كل هذا الخزي؟

 

 

لم تفهم تماماً مشاعر هولي وهي تعبّر بذلك، لكن من منظور كونا، بدا هاينكل وكأنه يتمنّى الموت.

لأي سبب، في أرض لا يتواجد فيها من ينبغي أن يشهد فائدته، كان هو هنا؟

كونا: [إن ساءت الأمور كثيراً، سنضطر إلى الانسحاب، لكن…]

 

 

هاينكل: [――تبا.]

وبينما تضطران إلى دوس العشب الذي صار ساحة معركة، وتطلقان سهامهما في أثناء التراجع، التفتت كونا إلى مصدر صوت هولي، فإذا بمشهدٍ مدهش يدخل بصرها.

 

 

وبضربة صاعدة من مرفقي تلك الأذرع الممتدة، تناثر الجزء العلوي من جسد خصمه بفعل أثر الضربة.

 

 

؟؟؟: [ليست لدي فكرة إن كنت قد فشلت، ولا حتى عن حجم ما أفسدت. لكن استمع، لو المسألة تجربة فشل، فذاتي المذهلة قد ذاقت ذلك أيضاً.]

كان خصومه تماثيل حجرية، ولا يكفي قطع رؤوسهم أو أطرافهم لإضعاف قوتهم القتالية. بل ما كان مطلوباً أكثر من براعة فنون السيف هو دفعهم إلى وضع يعجزون فيه عن الحركة، بهجوم أقرب إلى أسلوب القبائل الهمجية.

 

 

لم يكن ذلك وهماً من وهن وعيه، بل تغييراً فعلياً لا يمكن صرف النظر عنه――

مغيّراً قبضته على السيف، باعد رجليه واتخذ وضعية قتالية.

وكأنّها جميعاً قد التقت بنظره دفعة واحدة.

 

 

وأطلق سيفه المعدّ عند خاصرته، فحطّم التماثيل التي اعترضت طريقه تحطيماً فظيعاً. لم يكن في ذلك ما يُضحك. لم يكن هناك شيء في الأمر كله يستحق الضحك.

مثير للسخرية أنّه لا يزال متشبثاً بضوءٍ آفل قد يكون موجوداً أو لا يكون.

 

هولي: [آه حقاً~! كونا، إنكِ صارمة جداً~!]

لم يتذكر يوماً أن كان التلويح بالسيف ممتعاً.

لم تفهم تماماً مشاعر هولي وهي تعبّر بذلك، لكن من منظور كونا، بدا هاينكل وكأنه يتمنّى الموت.

 

 

فالسيف بالنسبة له لم يكن سوى قيدٍ أثقل بكثير مما يبدو.

فلو كان هناك شخص واحد قوي حقاً، لما استطاع هاينكل أن يقود الهجوم على هذا النحو.

 

 

هاينكل: [اللعنة.]

كونا: [وأنا أوافقك! ما سرّ هؤلاء بالضبط؟]

 

حقاً، في اللحظة التي أمسك فيها بجدار الحصن بتهور، اخترق صوته أذنيه.

وبينما يتفوه بالسباب، وجّه ضربة لخصم دخل في مدى سيفه.

الأفكار التي كانت تدور في رأسه قبل قليل: عن التخلّص من العوائق، وعن رغباته، وعن جبر فشله… كلها امّحت كأنها طُليت بالبياض.

 

وذاك السيف الذي كان يحصد جموع الغيلان المندفعة، كان بيد مبارزٍ أشقر الشعر محمرّ الرأس―― رجل لا تعرفه كونا إلا باعتباره تابعاً للمتغطرسة المتعالية “بريسيلا”: هاينكل.

لم يشغل رأسه سوى تساؤلات “لأي سبب؟”، وإزاحة كل تلك العوائق التي تحجب رؤيته، فظلّ يلوّح بسيفه. ظلّ يلوّح، ويضرب، ويكرر الضربات――.

؟؟؟: [ليس هناك أحد غيرك يستطيع يحدّد مقدار ما أفسدت. ولهذا كنت أقول لك يا عجوز، إن كنت ستفعل――]

 

غير أنّ شرط توليها منصب الزعامة، والتجربة التي عاشتها أثناء رحلتها إلى مدينة الفوضى “كيوس فليم”، كان لهما أثر بالغ، إذ أطفآ ذلك الجبن وغرسا في نفسها قوة رصينة.

هاينكل: [اللعنة الجحيمية.]

 

 

أفهذا هو السبب أنه لم يكن مبارزاً حقيقياً؟

“حرّر عقلك من كل الأفكار المعيقة”، هكذا كان يُلقَّن في تدريبه على السيف.

 

 

مثير للسخرية أنّه لا يزال متشبثاً بضوءٍ آفل قد يكون موجوداً أو لا يكون.

“قوِّ تركيزك، تخلّص من المعيقات، وصِرْ واحداً مع السيف.” ――ومهما كُرّر هذا عليه، لم يفهم يوماً ما الذي يُراد منه.

تدفّقت التماثيل الحجرية نحوه مباشرة.

 

 

هاينكل: [اللعنة الجحيمية.]

لم يتذكر يوماً أن كان التلويح بالسيف ممتعاً.

 

كان من المفترض أن يكون الحصن الثالث تحت حراسة “موغورو هاغاني”، أحد القادة التسعة العظام.

قيل له ألا يفكر، لكن إن حاول ذلك، صار يفكر في “عدم التفكير”، فلا يمكن لعقله أن يتحرر من العوائق أبداً.

 

 

 

كيف يمكن للمرء أن يركز كلياً على السيف ولا شيء غيره؟

???: [كونا! هولي!]

 

وكون هاينكل استطاع شق طريقه، كان دليلاً على ذلك.

فالإنسان ما دام حياً، سيجوع. وسيتنفس. وسيشعر بحكة في جسده، ويغلبه النعاس. همومه لا تنتهي، وعائلته حاضرة دوماً في ذهنه. قلق على الغد، وعلى ما بعد عشر ثوانٍ، لا ينقطع. إخفاقات الأمس وما قبله وما هو أقدم، تظلّ هاجساً أبدياً. أفكار تتراكم بلا نهاية.

غير أنّها لم تكن موجودة من قبل.

 

هاينكل: [اخرس أيها اللعين التافه!!]

فكيف يمكن لإنسان أن يتحرر من تلك الأفكار كلها؟

مثير للسخرية أنّه لا يزال متشبثاً بضوءٍ آفل قد يكون موجوداً أو لا يكون.

 

وربما لم يكن ذاك خياراً ستختاره كونا، لكنها كانت تفهم تلك الرغبة.

قطع الأفكار الطبيعية المولودة من كينونة البشر، ذلك أمر لا يُتصوَّر لإنسان. فهل يعني ذلك أنّ المبارز القادر على التحرر من الأفكار لم يكن بشراً حقاً؟

 

 

هاينكل: [أيها الأحمق اللعين… هه]

أفهذا هو السبب أنه لم يكن مبارزاً حقيقياً؟

على الجدار الذي كان خالياً، انبثقت فجأة تلك الكرات المتلألئة.

 

 

هاينكل: [اللعنة عليكم جميعاً!]

تاريتا: [هناك حيلة لإسقاطهم من ضربة واحدة. اهدفي إلى القلب. ――هكذا.]

 

هاينكل: [اللعنة الجحيمية.]

ذلك السيل اللامتناهي من الشتائم، لم يفلح مهما أفرغ منه في أن يمحو ما يثقل عقله.

ثم اندفع آخر من جانبه مستغلاً وسع ضربته، فحطّم وجهه بمقبض الغمد، واستل سيفه العزيز “أستريا” ليطعن به خصمه قاضياً عليه.

 

“حرّر عقلك من كل الأفكار المعيقة”، هكذا كان يُلقَّن في تدريبه على السيف.

وكأنما ليجرفه دفعةً واحدة، أخذ هاينكل يلوّح بسيفه بتهوّر، محوّلاً التماثيل الحجرية التي تعترض طريقه إلى كومة من الحصى.

في رأسه، اختلطت ألفاظه السوقية بصوت آخر لشخصٍ ثانٍ. كان صوتاً فتيّاً، لا يزال طريّاً، وقد سمعه حين كان ثملاً على منصة المراقبة.

 

 

فأي قيمة كان في هذه الأفعال؟

 

 

وبصفتها من شعب الشودراك، كانت كونا فخورة بالنقاء العالي الذي تتحلى به الأختان الزعيمتان.

وقد أخفق في أداء ما وجب عليه أداؤه، في المكان الذي وجب أن يؤديه فيه، تاركاً لمن كان يريد نيل رضاه أن ينظف فوضاه، وفي النهاية، أصبح مديناً لشخص آخر أنقذه كي يواصل العيش.

التي نادتهما وتجاوزتهما كأنها تطير فوق العشب كانت “تاريتا”. تحمل جعبتها على ظهرها، وقد عادت لارتداء زيّ الشودراك التقليدي، حتى وصلت أمامهما.

 

 

بفعله تلك الأعمال مراراً وتكراراً، كم يا تُرى سيكون جزاؤه، ولأجل ماذا؟

 

 

في تلك اللحظة، تجمّد جسده كلّه، وضعف قبضته على السيف――

؟؟؟: [آسف يا عجوز، لكن ذاتي المذهلة لا تملك أدنى فكرة عمّا تمرّ به.]

وفي عيني هاينكل، بدت أشبه ما تكون بعيون كائن حي.

 

 

في رأسه، اختلطت ألفاظه السوقية بصوت آخر لشخصٍ ثانٍ. كان صوتاً فتيّاً، لا يزال طريّاً، وقد سمعه حين كان ثملاً على منصة المراقبة.

“قوِّ تركيزك، تخلّص من المعيقات، وصِرْ واحداً مع السيف.” ――ومهما كُرّر هذا عليه، لم يفهم يوماً ما الذي يُراد منه.

ورغم أنّه أعلن رفضه التام للحديث مع أحد، واعتزل بعيداً، فقد كان ذلك صوت الفتى الذي اقتحم عليه وحدته حينذاك بوقاحة.

ذلك كان――

 

هولي: [هيه! كونا! انظري إلى هناك~!]

؟؟؟: [ليست لدي فكرة إن كنت قد فشلت، ولا حتى عن حجم ما أفسدت. لكن استمع، لو المسألة تجربة فشل، فذاتي المذهلة قد ذاقت ذلك أيضاً.]

أمام الثنائي العاجز، أطلقت تاريتا بسرعة ثلاثة سهام من قوسها. ومع اقتراب ثلاثة من التماثيل الحجرية من ظهر ميزيلدا في البعيد، اخترقت السهام أجسادهم من الظهر والرأس والفخذ، فأسقطتهم قتلى.

 

 

بعد أن طرده مرّة بعبارات قاسية، عاد ذلك الفتى ليظهر مراراً. ومع أنّ ملامحه بدت حائرة، إلا أنّه حاول أن يتدخل في هموم هاينكل، حتى صار الحال على ما هو عليه.

 

وكانت تلك الأفكار ساذجة ورخيصة للغاية، مثالية طفولية تثير في النفس رغبة في الضحك باستهزاء.

كان هناك “عهد قديم”، وعد تبادله إمبراطور فولاكيا السابق مع شعب الشودراك، وعدٌ أصبح بعيداً عن الحاضر، ما جعل كونا والباقين غير ملومين إن نسوه.

 

 

؟؟؟: [ليس هناك أحد غيرك يستطيع يحدّد مقدار ما أفسدت. ولهذا كنت أقول لك يا عجوز، إن كنت ستفعل――]

ورغم أنّه أعلن رفضه التام للحديث مع أحد، واعتزل بعيداً، فقد كان ذلك صوت الفتى الذي اقتحم عليه وحدته حينذاك بوقاحة.

 

لم يبقَ في وعيه إلا إدراك واحد: أنّه واجه تهديداً لا يملك حياله شيئاً.

هاينكل: [اخرس أيها اللعين التافه!!]

طالما يتنفس، فمقدوره مواجهة عشرة أو عشرين بلا عناء.

 

 

تشجيع أو مواساة، شفقة أو تعاطف، أياً يكن، لم يكن يكترث. كل ما يُوجَّه نحوه كان عبئاً ثقيلاً، ولم تكن عنده أدنى رغبة فيه.

لكن مع أوامر زعيم قبيلة الصيادين، الذي كان يستخدم القوس أساساً، تبدّل حال المعركة، وعاد المتمردون الذين كانوا قد تراجعوا ليستعيدوا عزيمتهم.

لم يكن يبتغي شيئاً من أحد. لم يكن يرغب بشيء.

لقد كان الإشارة إلى ثغرة في دفاع العدو عملاً ذا جدوى، إذ تبيّن أنّ هذا الحصن وحده من بين الحصون الخمسة أضعف دفاعاً.

بل كان هناك شخص واحد فقط، هو من أراد أن يُهدي إليه ما يصنع.

؟؟؟: [طِر.]

كان لكل ما يناله من ذلك الشخص وحده قيمة.

؟؟؟: [الْحقوا به――!]

وأما سائر ما يأتيه من غيره، فلم يكن سوى أثقال حجرية يجرّها وهو يسير.

لكن مع أوامر زعيم قبيلة الصيادين، الذي كان يستخدم القوس أساساً، تبدّل حال المعركة، وعاد المتمردون الذين كانوا قد تراجعوا ليستعيدوا عزيمتهم.

 

كونا: [بما أنّ نصيحتك لم تنفع، فلنفعلها بطريقتنا. اجمعوا السهام، وإن لم تكفِ، استخدموا عصياً أو أي شيء آخر. ثم نسحق العدو حتى الموت.]

هاينكل: [――هه.]

???: [ابتعدوا عن طريقي، اغربوا عن وجهي، ارحلوا أيها الأوغاد! أنتم عار الإمبراطورية، تجهلون سُلطة صاحب الجلالة الإمبراطور، فلا تجرؤوا على الوقوف في طريقي!]

 

غير أنّ شرط توليها منصب الزعامة، والتجربة التي عاشتها أثناء رحلتها إلى مدينة الفوضى “كيوس فليم”، كان لهما أثر بالغ، إذ أطفآ ذلك الجبن وغرسا في نفسها قوة رصينة.

تقدّمت تماثيل الحجارة الموحشة في صمت، فشطرها بسيفه أمام عينيه، قاطعاً اثنين منها طولاً إلى نصفين.

هاينكل: [تبا… هلمّوا إذاً، هلمّوا! بهذا وحده لن أستطيع حتى أن…]

ثم اندفع آخر من جانبه مستغلاً وسع ضربته، فحطّم وجهه بمقبض الغمد، واستل سيفه العزيز “أستريا” ليطعن به خصمه قاضياً عليه.

كان ضرباً عنيفاً فوضوياً، بعيداً كل البعد عن الأناقة أو البراعة. غير أنّه كان أنسب أسلوب لمواجهة الغيلان التي لا بد من تحطيمها تماماً لشلّها.

 

هاينكل: [――――]

خصوم بلا وجوه، لا يتحركون إلا بما لُقّنوا من حركات، إن كان هذا هو القتال، فإنه قادر على حصدهم مهما كثروا.

تاريتا: [أ-أحقاً؟ إن نظرتِ جيداً أظن أنكِ سترين مواضع ضعفهم، ولكن…]

طالما يتنفس، فمقدوره مواجهة عشرة أو عشرين بلا عناء.

 

 

غير أن هذه المعركة جاءت لتفي بذلك الوعد، وهي الآن بالتأكيد معركة يجب على كونا وهولي، كشعب شودرَك، أن يحرزا فيها النصر الحاسم.

غير أنّ السؤال: ما جدوى ذلك؟

 

تسجيل هذه النقاط من غير أن يُريها لمن ينبغي أن يريها، أي معنى له؟

 

 

ويبدو أنّ وضوح رأيها الآن قد رافق ذلك التحوّل.

؟؟؟: [يا عجوز، إن كنت ستفعل، فلتستعده بسيفك أنت.]

هولي: [لكنهم تماثيل حجرية، لا أعرف أين قلوبهم~]

 

 

هاينكل: [أيها الأحمق اللعين… هه]

 

 

تاريتا: [هل هذا حقاً وقت قول هذا الكلام!? أنتما الاثنتان، اذهبا للقتال!]

مثير للسخرية أنّه لا يزال متشبثاً بضوءٍ آفل قد يكون موجوداً أو لا يكون.

وأما سائر ما يأتيه من غيره، فلم يكن سوى أثقال حجرية يجرّها وهو يسير.

وفي هذه اللحظة عاد ليتساءل: لماذا لا يزال حياً أصلاً؟

 

ماذا يريد أن يثبت عبر هذا السيف؟

 

وماذا يريد أن ينال؟

 

وما الذي يرغبه حقاً؟

 

 

 

هاينكل: [――――]

ولحسن الحظ، لم يكن موغورو نفسه ظاهراً على السور. أكان السبب أنهم لم يبلغوه بعد، أم أنّه موجود في موضعٍ آخر؟

 

 

وحين توافدت التهديدات من كل جانب، اندفع لمواجهتها: هو، وتلك المرأة من قبيلة الصيادين وهي تحمل عصاها، وذلك الرجل ذو العين الواحدة وسيفيه المزدوجين، والذي أظهر مهارة لا تليق بوجهه.

 

 

 

لكن مع أوامر زعيم قبيلة الصيادين، الذي كان يستخدم القوس أساساً، تبدّل حال المعركة، وعاد المتمردون الذين كانوا قد تراجعوا ليستعيدوا عزيمتهم.

 

 

 

لقد كان الإشارة إلى ثغرة في دفاع العدو عملاً ذا جدوى، إذ تبيّن أنّ هذا الحصن وحده من بين الحصون الخمسة أضعف دفاعاً.

قيل له ألا يفكر، لكن إن حاول ذلك، صار يفكر في “عدم التفكير”، فلا يمكن لعقله أن يتحرر من العوائق أبداً.

وكون هاينكل استطاع شق طريقه، كان دليلاً على ذلك.

تاريتا: [أظن أنّ هذه هي الروح المطلوبة. لكن، في وقت ما سيظهر القائد الإلهي الحقيقي. …كما حدث مع يورنا، فإن الجنرالات التسعة ليسوا عاديين أبداً. كونوا في غاية الحذر.]

 

وكأنما ليجرفه دفعةً واحدة، أخذ هاينكل يلوّح بسيفه بتهوّر، محوّلاً التماثيل الحجرية التي تعترض طريقه إلى كومة من الحصى.

فلو كان هناك شخص واحد قوي حقاً، لما استطاع هاينكل أن يقود الهجوم على هذا النحو.

 

 

لم يكن متصوراً أن تتعالى الأصوات خلف هاينكل الذي يقود الهجوم.

؟؟؟: [الْحقوا به――!]

 

 

ولم يكن التماثيل المنتشرة لحمايته.

؟؟؟: [لا تدعوا ذاك الأحمر الشعر يحصد المجد وحده! تقدّموا نحن أيضاً!]

 

 

 

؟؟؟: [أسلوبه في السيف ليس سيئاً. لو حلق لحيته لتحسّن مظهره.]

هولي: [يبدو ممتلئاً بالألم~.]

 

 

لم يكن متصوراً أن تتعالى الأصوات خلف هاينكل الذي يقود الهجوم.

 

لكنه لم يكن يملك ترف الالتفات إلى هؤلاء المزيفين.

 

 

تاريتا: [أظن أنّ كلمة “مخيف” مباشرة جداً، ولكن… إن كان صحيحاً أنه يائس، وأنه سيصبح قوةً في حربنا، فلا اعتراض لديّ على القتال إلى جانبه.]

هاينكل: [تبا… هلمّوا إذاً، هلمّوا! بهذا وحده لن أستطيع حتى أن…]

 

 

???: [――لا تعترض طريقي، أيها الغول الحجري!!]

محاولاً أن يتعامل مع الموقف بصرامة وبشيء من البراغماتية، رفع رأسه.

 

فقد أطاح بضربة جانبية على تماثيل الحجارة أمامه، ونظر نحو الأسوار المقبلة، فشدّ قوته في ساقيه وقفز إليها.

 

 

في تلك اللحظة، تجمّد جسده كلّه، وضعف قبضته على السيف――

إن تمكن فوراً من الإمساك بالأسوار وطرد الأعداء فوق الجدار، فإن السيطرة على الحصن الثالث―― لكن، هل يكون ذلك إنجازاً حقاً إن لم يكن قد قتل قائداً للعدو؟

هولي: [تاريتا، ازدهارك يسعدنا أيضاً~.]

 

أمام الثنائي العاجز، أطلقت تاريتا بسرعة ثلاثة سهام من قوسها. ومع اقتراب ثلاثة من التماثيل الحجرية من ظهر ميزيلدا في البعيد، اخترقت السهام أجسادهم من الظهر والرأس والفخذ، فأسقطتهم قتلى.

إذن، هل سيكون هاينكل هو من يصل خيوط العنكبوت لما كانت بريسكيلا تتطلّع إليه، تعويضاً عن فشله في تلك المدينة الحصينة؟

―― إذ كانوا بالمئات، بل بالآلاف، عدداً يفوق الحصر.

على الأقل، حتى لو قليلاً――

 

 

ثم بدا أنّها تحدّق فيه بقسوة، فارتعب.

؟؟؟: [――أنت، قتلتني، أكثر الجميع.]

كان خصومه تماثيل حجرية، ولا يكفي قطع رؤوسهم أو أطرافهم لإضعاف قوتهم القتالية. بل ما كان مطلوباً أكثر من براعة فنون السيف هو دفعهم إلى وضع يعجزون فيه عن الحركة، بهجوم أقرب إلى أسلوب القبائل الهمجية.

 

كونا: [إجابة رائعة. …لا بأس عندي كذلك.]

هاينكل: [――――]

ماذا يريد أن يثبت عبر هذا السيف؟

 

تاريتا: [أختاه، أرجوك لا تتهوري! ستموتين إن كنتِ وحدك!]

حقاً، في اللحظة التي أمسك فيها بجدار الحصن بتهور، اخترق صوته أذنيه.

شخصية واقفة في وسط ساحة المعركة، ثم اندفع نحوها غول حجري وضرب بذراعيه الصخريتين عليها. بدا وكأن الضربة ستسقطها أرضاً وتتركها تلفظ أنفاسها وسط بركة دم――

ارتخت رئتاه، وخرج نفس متقطّع من حنجرته.

 

 

في نظر هاينكل الذي يلهث، وُلدت أضواء لا تُحصى على طول الأسوار الممتدة يميناً ويساراً.

لم يتعرض لهجوم، ولم يتفادَ ضربة، بل مجرد أنه سمع صوتاً.

 

وهذا وحده جعله يرتجف رعباً.

؟؟؟: [يا عجوز، إن كنت ستفعل، فلتستعده بسيفك أنت.]

 

 

الأفكار التي كانت تدور في رأسه قبل قليل: عن التخلّص من العوائق، وعن رغباته، وعن جبر فشله… كلها امّحت كأنها طُليت بالبياض.

كونا وهولي: [――――]

لم يبقَ في وعيه إلا إدراك واحد: أنّه واجه تهديداً لا يملك حياله شيئاً.

هاينكل: [آآه…]

 

 

ذلك كان――

 

 

 

؟؟؟: [قتلتني، أكثر الجميع. لذلك، سأقتلك، أنت أيضاً.]

فهل كانت إذن هذه الجموع التي لا تُحصى من الغيلان الحجرية أيضاً من ذلك العِرق؟

 

 

صوت بلا مشاعر دوّى، وأمام عيني هاينكل بدأ الجدار الضخم يغيّر هيئته.

 

لم يكن تماثيل الحجارة الواقفة فوق السور.

 

ولم يكن التماثيل المنتشرة لحمايته.

هولي: [زعيمتي، ألا تجدينه مخيفاً~؟]

 

؟؟؟: [أسلوبه في السيف ليس سيئاً. لو حلق لحيته لتحسّن مظهره.]

بل كان التغيير في نفس حصن الأسوار النجمي، في الجدار السميك الذي يُدعى الحصن الثالث.

 

 

 

هاينكل: [――آه]

فالسيف بالنسبة له لم يكن سوى قيدٍ أثقل بكثير مما يبدو.

 

كان رجلاً يلوّح بسيفٍ يلفّه الحزن إلى حدّ يجعل من حوله يظنّون أنّه غارق في بؤسٍ لا يُطاق.

في نظر هاينكل الذي يلهث، وُلدت أضواء لا تُحصى على طول الأسوار الممتدة يميناً ويساراً.

فكيف يمكن لإنسان أن يتحرر من تلك الأفكار كلها؟

 

في كلا الحالين――

لكن―― هل يصح أن تُسمى أضواءً؟

 

كانت كرات بحجم قبضة اليد، متوهجة باللون الأخضر، تبدو للوهلة الأولى بريئة بلا خطر.

خصوم بلا وجوه، لا يتحركون إلا بما لُقّنوا من حركات، إن كان هذا هو القتال، فإنه قادر على حصدهم مهما كثروا.

 

؟؟؟: [ليس هناك أحد غيرك يستطيع يحدّد مقدار ما أفسدت. ولهذا كنت أقول لك يا عجوز، إن كنت ستفعل――]

غير أنّها لم تكن موجودة من قبل.

كونا وهولي: [――――]

على الجدار الذي كان خالياً، انبثقت فجأة تلك الكرات المتلألئة.

هولي: [لا أستطيع إسقاطهم بسهم واحد~!]

وفي عيني هاينكل، بدت أشبه ما تكون بعيون كائن حي.

؟؟؟: [الْحقوا به――!]

 

 

وكأنّها جميعاً قد التقت بنظره دفعة واحدة.

كانت تاريتا الأخت الصغرى لميزيلدا، وقد خلفتها كزعيمة لشعب الشودراك.

ثم بدا أنّها تحدّق فيه بقسوة، فارتعب.

هاينكل: [――――]

 

 

هاينكل: [آآه…]

 

 

وقبل أن يحدث ذلك――

في تلك اللحظة، تجمّد جسده كلّه، وضعف قبضته على السيف――

 

 

 

؟؟؟: [طِر.]

 

 

 

وفوراً، وبالتناقض مع ذلك الصوت الرتيب، ارتجّت الأرض بدويٍّ هائل، وإذا بريحٍ عاصفة تعصف، وقبضة حجرية عملاقة تمسك بالهاينكل في وثبته، وتلقي به بعيداً.

 

 

 

هاينكل: [كاه…]

 

 

 

مُبَدَّداً من رأسه حتى قدميه، طار في السماء بلا حولٍ ولا قوة.

تاريتا: [هل هذا حقاً وقت قول هذا الكلام!? أنتما الاثنتان، اذهبا للقتال!]

وكما كان يفعل هو قبل قليل مع تماثيل الحجارة، صار التعبير المناسب الآن أنّه هو من يُركل.

فهل كانت إذن هذه الجموع التي لا تُحصى من الغيلان الحجرية أيضاً من ذلك العِرق؟

 

 

يتناثر دمه وهو يحلّق، وفي دوران رؤيته، أبصر المشهد وقد تبدّل كلياً.

 

لم يكن ذلك وهماً من وهن وعيه، بل تغييراً فعلياً لا يمكن صرف النظر عنه――

هاينكل: [――هه.]

 

 

موغورو: [――الثامن من بين الألوهية التسعة، موغورو هاغاني.]

 

 

وكانت قوة هذين المهاجمين في القتال القريب كفيلة بإرباك قدرة الغيلان الحجرية على شنّ هجمات فعّالة.

كانت تلك تحية محارب في ساحة الوغى، تعريفاً بنفسه بتقدير عظيم―― غير أنّ عظمته كانت غير طبيعية على الإطلاق.

 

 

 

هاينكل: [――――]

الأفكار التي كانت تدور في رأسه قبل قليل: عن التخلّص من العوائق، وعن رغباته، وعن جبر فشله… كلها امّحت كأنها طُليت بالبياض.

 

 

فالحصن الثالث من الأسوار النجمية، الذي كانوا على وشك الاستيلاء عليه، تحرّك بنفسه.

 

وكان ذلك بلا ريب أحد “الألوهية التسعة”، الكائن الجبّار الذي قدّم نفسه باسم “موغورو هاغاني”.

وبعد أن رأت كونا ما رأت هولي، لم يسعها إلا أن توافقها.

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط