93 - جيش الحجر.
اخترق سهمٌ الرأسَ الذي لا عيون فيه ولا آذان ولا أنف، فاندفع الغول الحجري ــ المصنوع من الصخر ــ بعيداً إلى الوراء.
التي نادتهما وتجاوزتهما كأنها تطير فوق العشب كانت “تاريتا”. تحمل جعبتها على ظهرها، وقد عادت لارتداء زيّ الشودراك التقليدي، حتى وصلت أمامهما.
???: [ابتعدوا عن طريقي، اغربوا عن وجهي، ارحلوا أيها الأوغاد! أنتم عار الإمبراطورية، تجهلون سُلطة صاحب الجلالة الإمبراطور، فلا تجرؤوا على الوقوف في طريقي!]
غير أنّ الرأس، بما أنّه خالٍ من الملامح البشرية، لم يكن يُعَدُّ نقطةَ ضعفٍ قاتلة، ولذا لم تتوقف خطوات العدو المتقدِّم، سواء اخترق السهمُ رأسَه أو تحطّم جزءٌ منه.
هاينكل: [اللعنة الجحيمية.]
???: [إن كان تحطيم الرأس لا يكفي… هولي!]
وكأنما ليجرفه دفعةً واحدة، أخذ هاينكل يلوّح بسيفه بتهوّر، محوّلاً التماثيل الحجرية التي تعترض طريقه إلى كومة من الحصى.
؟؟؟: [ليست لدي فكرة إن كنت قد فشلت، ولا حتى عن حجم ما أفسدت. لكن استمع، لو المسألة تجربة فشل، فذاتي المذهلة قد ذاقت ذلك أيضاً.]
هولي: [حسناً~!]
؟؟؟: [أسلوبه في السيف ليس سيئاً. لو حلق لحيته لتحسّن مظهره.]
تقدّمت الغيلان الحجرية بخطوات متثاقلة وأذرعها ممدودة نحوهم.
لم يكن متصوراً أن تتعالى الأصوات خلف هاينكل الذي يقود الهجوم.
هاينكل: [أيها الأحمق اللعين… هه]
وقد أثار منظرها ــ على صِغَر حجمها المماثل للبشر ــ وهي تتحرك بحركات غير إنسانية، شعوراً بالقرف في النفوس. صبّت هولي ذلك النفور في أصابعها، وما إن شدّت وتر القوس القوي حتى دوّى صوتٌ كالرعد.
لأي سبب، في أرض لا يتواجد فيها من ينبغي أن يشهد فائدته، كان هو هنا؟
كان ضرباً عنيفاً فوضوياً، بعيداً كل البعد عن الأناقة أو البراعة. غير أنّه كان أنسب أسلوب لمواجهة الغيلان التي لا بد من تحطيمها تماماً لشلّها.
انطلقت ثلاثة سهام في آنٍ واحد، فأصابت جذع الغول الحجري، ولم تخترقه أو تضرب موضعاً حرجاً، لكنها هشّمت جسده إلى أشلاء وأوقفت حركته.
لكنه لم يكن يملك ترف الالتفات إلى هؤلاء المزيفين.
إذ لو تحطّم الجسد بأسره إلى قطع، حتى الغول الحجري لن يعود قادراً على الحركة.
نقرت بلسانها وتراجعت مبتعدة عن العدو، وهي تلعن “آبِل” الذي كلّفها بهذه المهمة.
غير أنّ――
؟؟؟: [ليس هناك أحد غيرك يستطيع يحدّد مقدار ما أفسدت. ولهذا كنت أقول لك يا عجوز، إن كنت ستفعل――]
???: [بهذا القدر، لن نستطيع القضاء عليهم واحداً تلو الآخر!]
رفعت كونا بصرها إلى السور الهدف، الحصن الثالث، الذي قيل لها إنّه ثغرة في تشكيل العدو، لكن حين بلغت المكان، أربكها عدد الجنود المنتشرين وطبيعتهم حتى شعرت باليأس.
وبينما يتفوه بالسباب، وجّه ضربة لخصم دخل في مدى سيفه.
كان من المفترض أن يكون الحصن الثالث تحت حراسة “موغورو هاغاني”، أحد القادة التسعة العظام.
وكأنما ليجرفه دفعةً واحدة، أخذ هاينكل يلوّح بسيفه بتهوّر، محوّلاً التماثيل الحجرية التي تعترض طريقه إلى كومة من الحصى.
ولحسن الحظ، لم يكن موغورو نفسه ظاهراً على السور. أكان السبب أنهم لم يبلغوه بعد، أم أنّه موجود في موضعٍ آخر؟
في كلا الحالين――
هولي: [إنهم كالنمل المتزاحم حول صمغ الشجر~! لا أستطيع إسقاطهم على هذا النحو~!]
لأي سبب، في أرض لا يتواجد فيها من ينبغي أن يشهد فائدته، كان هو هنا؟
كونا: [هذا ليس وقت تذمّرك! ارمِ، ارمِ، ارمِ! أطلقي أكبر عدد تستطيعينه!]
اخترق سهمٌ الرأسَ الذي لا عيون فيه ولا آذان ولا أنف، فاندفع الغول الحجري ــ المصنوع من الصخر ــ بعيداً إلى الوراء.
هولي: [آه حقاً~! كونا، إنكِ صارمة جداً~!]
فلو استمر الوضع على ما هو عليه، لداسهم سيل الأعداء الكاسح قبل أن يحظوا بأية فرصة.
صرخت بنبرة قريبة من العويل، وسحبت سهاماً من الجعبة على ظهر كونا، لتطلقها تباعاً من قوسها القوي. كان كل سهم يُسقط اثنين أو ثلاثة من الغيلان الحجرية، لكن ذلك لم يكن كافياً لمجاراة عددهم الهائل.
فمن خلال ما بلغها من شائعات، فإن “موغورو هاغاني” ينتمي إلى عِرق خاص من أنصاف البشر يُعرف بـ “قوم الفولاذ”. وعلى خلاف “أبناء السلاح” الذين كانت أجسادهم جزئياً من معدن، قيل إن أجساد قوم الفولاذ بأكملها مؤلّفة من معادن.
―― إذ كانوا بالمئات، بل بالآلاف، عدداً يفوق الحصر.
كونا: [تبا… ماذا سنفعل…!]
هولي: [إنهم بلا حياة على الإطلاق~! حقاً يبدون كالدمى~!]
؟؟؟: [ليس هناك أحد غيرك يستطيع يحدّد مقدار ما أفسدت. ولهذا كنت أقول لك يا عجوز، إن كنت ستفعل――]
نقرت بلسانها وتراجعت مبتعدة عن العدو، وهي تلعن “آبِل” الذي كلّفها بهذه المهمة.
فمن خلال ما بلغها من شائعات، فإن “موغورو هاغاني” ينتمي إلى عِرق خاص من أنصاف البشر يُعرف بـ “قوم الفولاذ”. وعلى خلاف “أبناء السلاح” الذين كانت أجسادهم جزئياً من معدن، قيل إن أجساد قوم الفولاذ بأكملها مؤلّفة من معادن.
لأي سبب كان يلوّح بسيفه في أراضي الإمبراطورية الواسعة؟
فهل كانت إذن هذه الجموع التي لا تُحصى من الغيلان الحجرية أيضاً من ذلك العِرق؟
هولي: [إنهم بلا حياة على الإطلاق~! حقاً يبدون كالدمى~!]
كونا: [وأنا أوافقك! ما سرّ هؤلاء بالضبط؟]
تاريتا: [أظن أنّ كلمة “مخيف” مباشرة جداً، ولكن… إن كان صحيحاً أنه يائس، وأنه سيصبح قوةً في حربنا، فلا اعتراض لديّ على القتال إلى جانبه.]
وبينما كانت تحافظ على مسافةٍ معقولة، حدّقت حولها في جموع الغيلان الحجرية. ولأنها بلا عيون، فقد بدا وكأنها لا تملك وعياً ذاتياً.
وقد أثار منظرها ــ على صِغَر حجمها المماثل للبشر ــ وهي تتحرك بحركات غير إنسانية، شعوراً بالقرف في النفوس. صبّت هولي ذلك النفور في أصابعها، وما إن شدّت وتر القوس القوي حتى دوّى صوتٌ كالرعد.
كانت تكتفي بتطويق كل من يقترب، لتفتك به بالضرب والتهشيم عبر أطرافها الصلبة وقوتها الوحشية. والذين لم يسعفهم الفرار، أدركتهم الأيادي الصخرية، فكان مصيرهم الموت البائس تحت وطأة العنف العددي الجارف.
أما المتمرّدون الذين اقتحموا الحصن الثالث، فكانوا يُسحقون تحت أقدام تلك الجموع، وتُداس جثثهم حتى تتلاشى، فلا يبقى من رفاتهم ما يُذكَر إلا أثر تشكيلةٍ تهاوت. وكان ذلك المصير يقترب من كونا ورفاقها، ولم يكن أمراً يمكن أن يُستهان به.
وبينما كانت كونا تقيّم الوضع، نظرت تاريتا إلى جعبتها على ظهرها،
فلو استمر الوضع على ما هو عليه، لداسهم سيل الأعداء الكاسح قبل أن يحظوا بأية فرصة.
وقبل أن يحدث ذلك――
لقد كان الإشارة إلى ثغرة في دفاع العدو عملاً ذا جدوى، إذ تبيّن أنّ هذا الحصن وحده من بين الحصون الخمسة أضعف دفاعاً.
كونا: [إن ساءت الأمور كثيراً، سنضطر إلى الانسحاب، لكن…]
هولي: [حسناً~!]
هولي: [هيه! كونا! انظري إلى هناك~!]
كونا: [هاه؟]
؟؟؟: [طِر.]
إذ لو تحطّم الجسد بأسره إلى قطع، حتى الغول الحجري لن يعود قادراً على الحركة.
وبينما تضطران إلى دوس العشب الذي صار ساحة معركة، وتطلقان سهامهما في أثناء التراجع، التفتت كونا إلى مصدر صوت هولي، فإذا بمشهدٍ مدهش يدخل بصرها.
كونا وهولي: [――――]
شخصية واقفة في وسط ساحة المعركة، ثم اندفع نحوها غول حجري وضرب بذراعيه الصخريتين عليها. بدا وكأن الضربة ستسقطها أرضاً وتتركها تلفظ أنفاسها وسط بركة دم――
هولي: [حسناً~!]
???: [――لا تعترض طريقي، أيها الغول الحجري!!]
لأي سبب، في أرض لا يتواجد فيها من ينبغي أن يشهد فائدته، كان هو هنا؟
إنها ميزيلدا، التي عوى صوتها الغاضب، مشوِّهاً جمالها الوحشي.
وبينما تصرخ بحدّة، هوت بهراوتها الثقيلة بكلتي يديها، فحطمت رأس الغول الحجري وصدره، وقلبت موازين لعبته ضده.
بفعله تلك الأعمال مراراً وتكراراً، كم يا تُرى سيكون جزاؤه، ولأجل ماذا؟
وكان السبب جلياً―― إنه ملامح وجه هاينكل وهو يلوّح بسيفه.
―― ولم تكن وحدها التي اختارت مهاجمة الغيلان الحجرية بدلاً من الفرار منها.
؟؟؟: [ليس هناك أحد غيرك يستطيع يحدّد مقدار ما أفسدت. ولهذا كنت أقول لك يا عجوز، إن كنت ستفعل――]
الأفكار التي كانت تدور في رأسه قبل قليل: عن التخلّص من العوائق، وعن رغباته، وعن جبر فشله… كلها امّحت كأنها طُليت بالبياض.
???: [ابتعدوا عن طريقي، اغربوا عن وجهي، ارحلوا أيها الأوغاد! أنتم عار الإمبراطورية، تجهلون سُلطة صاحب الجلالة الإمبراطور، فلا تجرؤوا على الوقوف في طريقي!]
؟؟؟: [قتلتني، أكثر الجميع. لذلك، سأقتلك، أنت أيضاً.]
وأما سائر ما يأتيه من غيره، فلم يكن سوى أثقال حجرية يجرّها وهو يسير.
أُطلقت الضربة مع صرخة حشوية، ففصلت رقبة الغول الحجري عن جسده، ثم شطرت الرأس الطائر نصفين في الهواء. ولم يكتفِ بذلك، بل شقّ الجذع قُطرياً، وبتر الذراع من الكتف، ولما تأكد من توقّف الجسد عن الحركة، ركله أرضاً وتوجّه إلى التالي.
أطلقت هولي سهامها على التماثيل التي تحاصرهم، بينما هاجمتهم كونا بفأسها القصير وهي تعلق، فردّت عليها تاريتا بصوت حاد.
رجل غليظ الملامح بعينٍ واحدة مغطّاة برقعة، اقتحم صفوف الغيلان كما فعلت ميزيلدا.
هولي: [حسناً~!]
كونا: [أفهم ذلك من دون أن تقولي لي، يا زعيمة… لقد سرح ذهني قليلاً فقط.]
وكانت قوة هذين المهاجمين في القتال القريب كفيلة بإرباك قدرة الغيلان الحجرية على شنّ هجمات فعّالة.
لكن ما أذهل كونا وهولي حقاً لم يكن أيّاً منهما.
في تلك اللحظة، تجمّد جسده كلّه، وضعف قبضته على السيف――
ثم بدا أنّها تحدّق فيه بقسوة، فارتعب.
كونا وهولي: [――――]
وكانت قوة هذين المهاجمين في القتال القريب كفيلة بإرباك قدرة الغيلان الحجرية على شنّ هجمات فعّالة.
زمجرت سيفٌ هائل، فاجتاح الغيلان الحجرية وذرّاها بعيداً.
لأي سبب ظلّ يلوّح بسيفه بعد أن عرض كل هذا الخزي؟
وكما كان يفعل هو قبل قليل مع تماثيل الحجارة، صار التعبير المناسب الآن أنّه هو من يُركل.
كان ضرباً عنيفاً فوضوياً، بعيداً كل البعد عن الأناقة أو البراعة. غير أنّه كان أنسب أسلوب لمواجهة الغيلان التي لا بد من تحطيمها تماماً لشلّها.
ارتخت رئتاه، وخرج نفس متقطّع من حنجرته.
وذاك السيف الذي كان يحصد جموع الغيلان المندفعة، كان بيد مبارزٍ أشقر الشعر محمرّ الرأس―― رجل لا تعرفه كونا إلا باعتباره تابعاً للمتغطرسة المتعالية “بريسيلا”: هاينكل.
???: [إن كان تحطيم الرأس لا يكفي… هولي!]
ذلك الرجل، ذو الملامح التي بدت وكأنها فقدت روحها، انخرط في القتال فجأة من غير أن يشعر به أحد، وأخذ يقطع الغيلان الواحد تلو الآخر صامتاً، في مشهدٍ أقرب إلى كابوسٍ يزور المرء في ليلة نومٍ رديئة.
???: [――لا تعترض طريقي، أيها الغول الحجري!!]
هاينكل: [――――]
وإن كان ما يحدث في الظاهر يصبّ في مصلحتهم، إلا أن كونا وهولي لم تجدا نفسيهما قادرتين على تقبّله بالفرح. فقد دارت في نفسيهما هواجس سلبية.
غير أنّ الرأس، بما أنّه خالٍ من الملامح البشرية، لم يكن يُعَدُّ نقطةَ ضعفٍ قاتلة، ولذا لم تتوقف خطوات العدو المتقدِّم، سواء اخترق السهمُ رأسَه أو تحطّم جزءٌ منه.
وكان السبب جلياً―― إنه ملامح وجه هاينكل وهو يلوّح بسيفه.
ارتخت رئتاه، وخرج نفس متقطّع من حنجرته.
لم يكن ذلك وهماً من وهن وعيه، بل تغييراً فعلياً لا يمكن صرف النظر عنه――
هولي: [يبدو ممتلئاً بالألم~.]
كونا: [هذا ليس وقت تذمّرك! ارمِ، ارمِ، ارمِ! أطلقي أكبر عدد تستطيعينه!]
هاينكل: [――――]
وبعد أن رأت كونا ما رأت هولي، لم يسعها إلا أن توافقها.
إن تمكن فوراً من الإمساك بالأسوار وطرد الأعداء فوق الجدار، فإن السيطرة على الحصن الثالث―― لكن، هل يكون ذلك إنجازاً حقاً إن لم يكن قد قتل قائداً للعدو؟
أثارت كلمات تاريتا دهشة كونا وأعجابها حقاً.
لم تفهم تماماً مشاعر هولي وهي تعبّر بذلك، لكن من منظور كونا، بدا هاينكل وكأنه يتمنّى الموت.
لم يشغل رأسه سوى تساؤلات “لأي سبب؟”، وإزاحة كل تلك العوائق التي تحجب رؤيته، فظلّ يلوّح بسيفه. ظلّ يلوّح، ويضرب، ويكرر الضربات――.
إذ لو تحطّم الجسد بأسره إلى قطع، حتى الغول الحجري لن يعود قادراً على الحركة.
فقد يخرج المحاربون أحياناً إلى ساحة القتال بحثاً عن موضعٍ يلقَون فيه حتفهم. وحتى في “الشودراك”، كان بعض من شارفوا على نهاية أعمارهم يختارون اللحظة الأخيرة بأن يحملوا قوساً ويواجهوا الوحوش الكبرى في أعماق الغابة.
؟؟؟: [ليست لدي فكرة إن كنت قد فشلت، ولا حتى عن حجم ما أفسدت. لكن استمع، لو المسألة تجربة فشل، فذاتي المذهلة قد ذاقت ذلك أيضاً.]
وربما لم يكن ذاك خياراً ستختاره كونا، لكنها كانت تفهم تلك الرغبة.
غير أنّ رغبة هاينكل بدت مختلفة؛ فهي لم تكن رغبة محاربٍ يبحث عن ميتةٍ مشرّفة، بل رغبة إنسان يتمنّى الموت ويخشاه في آنٍ واحد. صورة تقاتل الموت بضراوة بينما تغرق في رعبه، صورة تبعث على الشفقة، مهما بلغت قوّته في دعم الجبهة. حتى إن كونا تمنّت لو يسقط هاينكل ويموت سريعاً.
???: [إن كان تحطيم الرأس لا يكفي… هولي!]
إذ لو تحطّم الجسد بأسره إلى قطع، حتى الغول الحجري لن يعود قادراً على الحركة.
كان رجلاً يلوّح بسيفٍ يلفّه الحزن إلى حدّ يجعل من حوله يظنّون أنّه غارق في بؤسٍ لا يُطاق.
فأي قيمة كان في هذه الأفعال؟
???: [كونا! هولي!]
تاريتا: [التوقف هنا خطر. هذا الطريق قد مهّدته الأخت وجمال.]
بهذه الصرخة، تبدّل إيقاع المعركة من جديد، متجاهلاً تلك الصورة الذهنية التي استحوذت على كونا ورفيقتها.
غير أن هذه المعركة جاءت لتفي بذلك الوعد، وهي الآن بالتأكيد معركة يجب على كونا وهولي، كشعب شودرَك، أن يحرزا فيها النصر الحاسم.
التي نادتهما وتجاوزتهما كأنها تطير فوق العشب كانت “تاريتا”. تحمل جعبتها على ظهرها، وقد عادت لارتداء زيّ الشودراك التقليدي، حتى وصلت أمامهما.
؟؟؟: [ليست لدي فكرة إن كنت قد فشلت، ولا حتى عن حجم ما أفسدت. لكن استمع، لو المسألة تجربة فشل، فذاتي المذهلة قد ذاقت ذلك أيضاً.]
تاريتا: [التوقف هنا خطر. هذا الطريق قد مهّدته الأخت وجمال.]
كونا: [أفهم ذلك من دون أن تقولي لي، يا زعيمة… لقد سرح ذهني قليلاً فقط.]
هاينكل: [――――]
كونا: [بما أنّ نصيحتك لم تنفع، فلنفعلها بطريقتنا. اجمعوا السهام، وإن لم تكفِ، استخدموا عصياً أو أي شيء آخر. ثم نسحق العدو حتى الموت.]
تاريتا: [هاينكل، أليس كذلك؟]
وبنظرةٍ متفحّصة، أصابت تاريتا كبد مشاعر كونا المرتبكة المثقلة بالكآبة.
هاينكل: [اللعنة الجحيمية.]
وبنظرةٍ متفحّصة، أصابت تاريتا كبد مشاعر كونا المرتبكة المثقلة بالكآبة.
كانت تاريتا الأخت الصغرى لميزيلدا، وقد خلفتها كزعيمة لشعب الشودراك.
مثير للسخرية أنّه لا يزال متشبثاً بضوءٍ آفل قد يكون موجوداً أو لا يكون.
سابقاً، كانت خجولة مترددة، فتاة عُرفت بكونها أكثر جبناً من أن تكون حذرة.
ميزيلدا: [――――]
هاينكل: [تبا… هلمّوا إذاً، هلمّوا! بهذا وحده لن أستطيع حتى أن…]
غير أنّ شرط توليها منصب الزعامة، والتجربة التي عاشتها أثناء رحلتها إلى مدينة الفوضى “كيوس فليم”، كان لهما أثر بالغ، إذ أطفآ ذلك الجبن وغرسا في نفسها قوة رصينة.
اخترق سهمٌ الرأسَ الذي لا عيون فيه ولا آذان ولا أنف، فاندفع الغول الحجري ــ المصنوع من الصخر ــ بعيداً إلى الوراء.
ويبدو أنّ وضوح رأيها الآن قد رافق ذلك التحوّل.
كونا: [أفهم ذلك من دون أن تقولي لي، يا زعيمة… لقد سرح ذهني قليلاً فقط.]
هولي: [زعيمتي، ألا تجدينه مخيفاً~؟]
تاريتا: [أظن أنّ كلمة “مخيف” مباشرة جداً، ولكن… إن كان صحيحاً أنه يائس، وأنه سيصبح قوةً في حربنا، فلا اعتراض لديّ على القتال إلى جانبه.]
وحين توافدت التهديدات من كل جانب، اندفع لمواجهتها: هو، وتلك المرأة من قبيلة الصيادين وهي تحمل عصاها، وذلك الرجل ذو العين الواحدة وسيفيه المزدوجين، والذي أظهر مهارة لا تليق بوجهه.
هاينكل: [――――]
كونا: [إجابة رائعة. …لا بأس عندي كذلك.]
مع أنّ بعض الأمور بقيت غامضة، لم يكن هناك حاجة لتوضيحها في هذه اللحظة.
وفوراً، وبالتناقض مع ذلك الصوت الرتيب، ارتجّت الأرض بدويٍّ هائل، وإذا بريحٍ عاصفة تعصف، وقبضة حجرية عملاقة تمسك بالهاينكل في وثبته، وتلقي به بعيداً.
في الأصل، كانت تاريتا بارعة في تغيير نهجها أثناء الصيد، إن لم يكن في حياتها اليومية. والآن، بصفتها زعيمة، أصبحت قادرة على التكيف مع أي موقف بنجاح.
؟؟؟: [طِر.]
وبينما كانت كونا تقيّم الوضع، نظرت تاريتا إلى جعبتها على ظهرها،
لقد توقفت تاريتا فعلاً عن الاختباء وراء ظهر أختها.
تاريتا: [عدد السهام المتبقية قد قل كثيراً. ما دمنا نملك الفرصة، فلنجمع السهام الساقطة. من الأفضل ألا نصرف سهاماً كثيرة على خصم واحد.]
وكان ذلك بلا ريب أحد “الألوهية التسعة”، الكائن الجبّار الذي قدّم نفسه باسم “موغورو هاغاني”.
لكن―― هل يصح أن تُسمى أضواءً؟
كونا: [نظرياً، نعم، ولكن…]
وكان السبب جلياً―― إنه ملامح وجه هاينكل وهو يلوّح بسيفه.
هولي: [لا أستطيع إسقاطهم بسهم واحد~!]
إذ لو تحطّم الجسد بأسره إلى قطع، حتى الغول الحجري لن يعود قادراً على الحركة.
أُطلقت الضربة مع صرخة حشوية، ففصلت رقبة الغول الحجري عن جسده، ثم شطرت الرأس الطائر نصفين في الهواء. ولم يكتفِ بذلك، بل شقّ الجذع قُطرياً، وبتر الذراع من الكتف، ولما تأكد من توقّف الجسد عن الحركة، ركله أرضاً وتوجّه إلى التالي.
تاريتا: [هناك حيلة لإسقاطهم من ضربة واحدة. اهدفي إلى القلب. ――هكذا.]
أمام الثنائي العاجز، أطلقت تاريتا بسرعة ثلاثة سهام من قوسها. ومع اقتراب ثلاثة من التماثيل الحجرية من ظهر ميزيلدا في البعيد، اخترقت السهام أجسادهم من الظهر والرأس والفخذ، فأسقطتهم قتلى.
فهل كانت إذن هذه الجموع التي لا تُحصى من الغيلان الحجرية أيضاً من ذلك العِرق؟
كونا: [انتظري، انتظري! لماذا سقطوا من سهم واحد!? القلب؟]
تاريتا: [عدد السهام المتبقية قد قل كثيراً. ما دمنا نملك الفرصة، فلنجمع السهام الساقطة. من الأفضل ألا نصرف سهاماً كثيرة على خصم واحد.]
هولي: [لكنهم تماثيل حجرية، لا أعرف أين قلوبهم~]
بهذه الصرخة، تبدّل إيقاع المعركة من جديد، متجاهلاً تلك الصورة الذهنية التي استحوذت على كونا ورفيقتها.
أُطلقت الضربة مع صرخة حشوية، ففصلت رقبة الغول الحجري عن جسده، ثم شطرت الرأس الطائر نصفين في الهواء. ولم يكتفِ بذلك، بل شقّ الجذع قُطرياً، وبتر الذراع من الكتف، ولما تأكد من توقّف الجسد عن الحركة، ركله أرضاً وتوجّه إلى التالي.
تاريتا: [أ-أحقاً؟ إن نظرتِ جيداً أظن أنكِ سترين مواضع ضعفهم، ولكن…]
هولي: [هيه! كونا! انظري إلى هناك~!]
تدلّى حاجبا تاريتا بتعبير مرتبك فيما كانت كونا وهولي تلحّان عليها.
؟؟؟: [أسلوبه في السيف ليس سيئاً. لو حلق لحيته لتحسّن مظهره.]
يبدو أنها لم تفعل أكثر من مجرد “النظر جيداً”. كانت تاريتا بالفعل أخت ميزيلدا، رغم أن شخصيتها كانت على النقيض منها تماماً.
هولي: [تاريتا، ازدهارك يسعدنا أيضاً~.]
وبصفتها من شعب الشودراك، كانت كونا فخورة بالنقاء العالي الذي تتحلى به الأختان الزعيمتان.
كونا: [وأنا أوافقك! ما سرّ هؤلاء بالضبط؟]
كونا: [بما أنّ نصيحتك لم تنفع، فلنفعلها بطريقتنا. اجمعوا السهام، وإن لم تكفِ، استخدموا عصياً أو أي شيء آخر. ثم نسحق العدو حتى الموت.]
؟؟؟: [――أنت، قتلتني، أكثر الجميع.]
هولي: [إنهم بلا حياة على الإطلاق~! حقاً يبدون كالدمى~!]
هولي: [لنضع حداً لهذه اللعبة الدُميّة~!]
هاينكل: [اللعنة الجحيمية.]
تاريتا: [أظن أنّ هذه هي الروح المطلوبة. لكن، في وقت ما سيظهر القائد الإلهي الحقيقي. …كما حدث مع يورنا، فإن الجنرالات التسعة ليسوا عاديين أبداً. كونوا في غاية الحذر.]
هولي: [ينبغي أن تقولي هذا لميزيلدا~.]
ذلك الرجل، ذو الملامح التي بدت وكأنها فقدت روحها، انخرط في القتال فجأة من غير أن يشعر به أحد، وأخذ يقطع الغيلان الواحد تلو الآخر صامتاً، في مشهدٍ أقرب إلى كابوسٍ يزور المرء في ليلة نومٍ رديئة.
ميزيلدا: [――――]
وعند رأي تاريتا الجاد، أومأت كونا نحو ميزيلدا، التي كانت تعيث فساداً بالفعل في الصفوف الأمامية.
ولحسن الحظ، لم يكن موغورو نفسه ظاهراً على السور. أكان السبب أنهم لم يبلغوه بعد، أم أنّه موجود في موضعٍ آخر؟
الزعيمة السابقة، ذات الساق الاصطناعية، كانت قد سلّمت منصبها لأختها، لكنها الآن تندفع بجسدها الرشيق في القتال. وإن ظهر القائد الإلهي من صفوف الأعداء، ستكون هي أول من يواجهه.
ورغم فقدانها ساقاً، كانت ميزيلدا قادرة على الصمود أمام أي خصم جاد――،
هاينكل: [اللعنة الجحيمية.]
تاريتا: [أختاه، أرجوك لا تتهوري! ستموتين إن كنتِ وحدك!]
ميزيلدا: [――――]
وماذا يريد أن ينال؟
صرخت تاريتا، مطلقةً سهماً واحداً على رأس تمثال حجري كان يعترض طريق ميزيلدا. وعند سماعها صوت أختها، لوّحت ميزيلدا بيدها بشدة، مظهرةً أنها فهمت الوضع.
أثارت كلمات تاريتا دهشة كونا وأعجابها حقاً.
لقد توقفت تاريتا فعلاً عن الاختباء وراء ظهر أختها.
هاينكل: [اللعنة عليكم جميعاً!]
كونا: [لم أرَ ما حدث في ذلك الوقت مع ماريولي، لكن…]
وعند رأي تاريتا الجاد، أومأت كونا نحو ميزيلدا، التي كانت تعيث فساداً بالفعل في الصفوف الأمامية.
هولي: [تاريتا، ازدهارك يسعدنا أيضاً~.]
هاينكل: [――هه.]
تاريتا: [هل هذا حقاً وقت قول هذا الكلام!? أنتما الاثنتان، اذهبا للقتال!]
هولي: [ينبغي أن تقولي هذا لميزيلدا~.]
أطلقت هولي سهامها على التماثيل التي تحاصرهم، بينما هاجمتهم كونا بفأسها القصير وهي تعلق، فردّت عليها تاريتا بصوت حاد.
؟؟؟: [لا تدعوا ذاك الأحمر الشعر يحصد المجد وحده! تقدّموا نحن أيضاً!]
وكان ذلك بلا ريب أحد “الألوهية التسعة”، الكائن الجبّار الذي قدّم نفسه باسم “موغورو هاغاني”.
فأومأت كونا وهولي لبعضهما، وأطاعتا دون تردد توجيه زعيمتهما الموثوقة.
كانت تكتفي بتطويق كل من يقترب، لتفتك به بالضرب والتهشيم عبر أطرافها الصلبة وقوتها الوحشية. والذين لم يسعفهم الفرار، أدركتهم الأيادي الصخرية، فكان مصيرهم الموت البائس تحت وطأة العنف العددي الجارف.
كان هناك “عهد قديم”، وعد تبادله إمبراطور فولاكيا السابق مع شعب الشودراك، وعدٌ أصبح بعيداً عن الحاضر، ما جعل كونا والباقين غير ملومين إن نسوه.
غير أن هذه المعركة جاءت لتفي بذلك الوعد، وهي الآن بالتأكيد معركة يجب على كونا وهولي، كشعب شودرَك، أن يحرزا فيها النصر الحاسم.
أُطلقت الضربة مع صرخة حشوية، ففصلت رقبة الغول الحجري عن جسده، ثم شطرت الرأس الطائر نصفين في الهواء. ولم يكتفِ بذلك، بل شقّ الجذع قُطرياً، وبتر الذراع من الكتف، ولما تأكد من توقّف الجسد عن الحركة، ركله أرضاً وتوجّه إلى التالي.
تدفّقت التماثيل الحجرية نحوه مباشرة.
كونا: [بما أنّ نصيحتك لم تنفع، فلنفعلها بطريقتنا. اجمعوا السهام، وإن لم تكفِ، استخدموا عصياً أو أي شيء آخر. ثم نسحق العدو حتى الموت.]
وبلا وجوه، لم يكن لديهم لا نية عداء، ولا رغبة في القتل. وأثناء تأرجح سيفه في وجوه هؤلاء الخصوم، وهو يلعن محرّكهم الخفيّ الذي اختار هذه الدمى بلا رحمة، كان هاينكل أسترِيا يحدق في ساحة القتال.
لأي سبب كان يلوّح بسيفه في أراضي الإمبراطورية الواسعة؟
لأي سبب ظلّ يلوّح بسيفه بعد أن عرض كل هذا الخزي؟
أثارت كلمات تاريتا دهشة كونا وأعجابها حقاً.
لأي سبب، في أرض لا يتواجد فيها من ينبغي أن يشهد فائدته، كان هو هنا؟
لم يكن ذلك وهماً من وهن وعيه، بل تغييراً فعلياً لا يمكن صرف النظر عنه――
هاينكل: [――تبا.]
كانت تلك تحية محارب في ساحة الوغى، تعريفاً بنفسه بتقدير عظيم―― غير أنّ عظمته كانت غير طبيعية على الإطلاق.
وبضربة صاعدة من مرفقي تلك الأذرع الممتدة، تناثر الجزء العلوي من جسد خصمه بفعل أثر الضربة.
كان خصومه تماثيل حجرية، ولا يكفي قطع رؤوسهم أو أطرافهم لإضعاف قوتهم القتالية. بل ما كان مطلوباً أكثر من براعة فنون السيف هو دفعهم إلى وضع يعجزون فيه عن الحركة، بهجوم أقرب إلى أسلوب القبائل الهمجية.
تاريتا: [عدد السهام المتبقية قد قل كثيراً. ما دمنا نملك الفرصة، فلنجمع السهام الساقطة. من الأفضل ألا نصرف سهاماً كثيرة على خصم واحد.]
لم يشغل رأسه سوى تساؤلات “لأي سبب؟”، وإزاحة كل تلك العوائق التي تحجب رؤيته، فظلّ يلوّح بسيفه. ظلّ يلوّح، ويضرب، ويكرر الضربات――.
مغيّراً قبضته على السيف، باعد رجليه واتخذ وضعية قتالية.
لقد توقفت تاريتا فعلاً عن الاختباء وراء ظهر أختها.
وأطلق سيفه المعدّ عند خاصرته، فحطّم التماثيل التي اعترضت طريقه تحطيماً فظيعاً. لم يكن في ذلك ما يُضحك. لم يكن هناك شيء في الأمر كله يستحق الضحك.
وكما كان يفعل هو قبل قليل مع تماثيل الحجارة، صار التعبير المناسب الآن أنّه هو من يُركل.
لم يتذكر يوماً أن كان التلويح بالسيف ممتعاً.
ذلك كان――
فلو كان هناك شخص واحد قوي حقاً، لما استطاع هاينكل أن يقود الهجوم على هذا النحو.
فالسيف بالنسبة له لم يكن سوى قيدٍ أثقل بكثير مما يبدو.
هاينكل: [تبا… هلمّوا إذاً، هلمّوا! بهذا وحده لن أستطيع حتى أن…]
هاينكل: [اللعنة.]
وبينما يتفوه بالسباب، وجّه ضربة لخصم دخل في مدى سيفه.
لم يشغل رأسه سوى تساؤلات “لأي سبب؟”، وإزاحة كل تلك العوائق التي تحجب رؤيته، فظلّ يلوّح بسيفه. ظلّ يلوّح، ويضرب، ويكرر الضربات――.
كان هناك “عهد قديم”، وعد تبادله إمبراطور فولاكيا السابق مع شعب الشودراك، وعدٌ أصبح بعيداً عن الحاضر، ما جعل كونا والباقين غير ملومين إن نسوه.
هاينكل: [اللعنة الجحيمية.]
في كلا الحالين――
“حرّر عقلك من كل الأفكار المعيقة”، هكذا كان يُلقَّن في تدريبه على السيف.
وبصفتها من شعب الشودراك، كانت كونا فخورة بالنقاء العالي الذي تتحلى به الأختان الزعيمتان.
“قوِّ تركيزك، تخلّص من المعيقات، وصِرْ واحداً مع السيف.” ――ومهما كُرّر هذا عليه، لم يفهم يوماً ما الذي يُراد منه.
؟؟؟: [قتلتني، أكثر الجميع. لذلك، سأقتلك، أنت أيضاً.]
هاينكل: [اللعنة الجحيمية.]
وأما سائر ما يأتيه من غيره، فلم يكن سوى أثقال حجرية يجرّها وهو يسير.
قيل له ألا يفكر، لكن إن حاول ذلك، صار يفكر في “عدم التفكير”، فلا يمكن لعقله أن يتحرر من العوائق أبداً.
؟؟؟: [يا عجوز، إن كنت ستفعل، فلتستعده بسيفك أنت.]
وكأنّها جميعاً قد التقت بنظره دفعة واحدة.
كيف يمكن للمرء أن يركز كلياً على السيف ولا شيء غيره؟
فالإنسان ما دام حياً، سيجوع. وسيتنفس. وسيشعر بحكة في جسده، ويغلبه النعاس. همومه لا تنتهي، وعائلته حاضرة دوماً في ذهنه. قلق على الغد، وعلى ما بعد عشر ثوانٍ، لا ينقطع. إخفاقات الأمس وما قبله وما هو أقدم، تظلّ هاجساً أبدياً. أفكار تتراكم بلا نهاية.
هاينكل: [――آه]
فكيف يمكن لإنسان أن يتحرر من تلك الأفكار كلها؟
قطع الأفكار الطبيعية المولودة من كينونة البشر، ذلك أمر لا يُتصوَّر لإنسان. فهل يعني ذلك أنّ المبارز القادر على التحرر من الأفكار لم يكن بشراً حقاً؟
ارتخت رئتاه، وخرج نفس متقطّع من حنجرته.
كونا وهولي: [――――]
أفهذا هو السبب أنه لم يكن مبارزاً حقيقياً؟
تدفّقت التماثيل الحجرية نحوه مباشرة.
هاينكل: [اللعنة عليكم جميعاً!]
هولي: [زعيمتي، ألا تجدينه مخيفاً~؟]
فالإنسان ما دام حياً، سيجوع. وسيتنفس. وسيشعر بحكة في جسده، ويغلبه النعاس. همومه لا تنتهي، وعائلته حاضرة دوماً في ذهنه. قلق على الغد، وعلى ما بعد عشر ثوانٍ، لا ينقطع. إخفاقات الأمس وما قبله وما هو أقدم، تظلّ هاجساً أبدياً. أفكار تتراكم بلا نهاية.
ذلك السيل اللامتناهي من الشتائم، لم يفلح مهما أفرغ منه في أن يمحو ما يثقل عقله.
ورغم فقدانها ساقاً، كانت ميزيلدا قادرة على الصمود أمام أي خصم جاد――،
وكأنما ليجرفه دفعةً واحدة، أخذ هاينكل يلوّح بسيفه بتهوّر، محوّلاً التماثيل الحجرية التي تعترض طريقه إلى كومة من الحصى.
محاولاً أن يتعامل مع الموقف بصرامة وبشيء من البراغماتية، رفع رأسه.
فأي قيمة كان في هذه الأفعال؟
لم يبقَ في وعيه إلا إدراك واحد: أنّه واجه تهديداً لا يملك حياله شيئاً.
في رأسه، اختلطت ألفاظه السوقية بصوت آخر لشخصٍ ثانٍ. كان صوتاً فتيّاً، لا يزال طريّاً، وقد سمعه حين كان ثملاً على منصة المراقبة.
وقد أخفق في أداء ما وجب عليه أداؤه، في المكان الذي وجب أن يؤديه فيه، تاركاً لمن كان يريد نيل رضاه أن ينظف فوضاه، وفي النهاية، أصبح مديناً لشخص آخر أنقذه كي يواصل العيش.
اخترق سهمٌ الرأسَ الذي لا عيون فيه ولا آذان ولا أنف، فاندفع الغول الحجري ــ المصنوع من الصخر ــ بعيداً إلى الوراء.
بفعله تلك الأعمال مراراً وتكراراً، كم يا تُرى سيكون جزاؤه، ولأجل ماذا؟
موغورو: [――الثامن من بين الألوهية التسعة، موغورو هاغاني.]
؟؟؟: [آسف يا عجوز، لكن ذاتي المذهلة لا تملك أدنى فكرة عمّا تمرّ به.]
ماذا يريد أن يثبت عبر هذا السيف؟
سابقاً، كانت خجولة مترددة، فتاة عُرفت بكونها أكثر جبناً من أن تكون حذرة.
في رأسه، اختلطت ألفاظه السوقية بصوت آخر لشخصٍ ثانٍ. كان صوتاً فتيّاً، لا يزال طريّاً، وقد سمعه حين كان ثملاً على منصة المراقبة.
تشجيع أو مواساة، شفقة أو تعاطف، أياً يكن، لم يكن يكترث. كل ما يُوجَّه نحوه كان عبئاً ثقيلاً، ولم تكن عنده أدنى رغبة فيه.
ورغم أنّه أعلن رفضه التام للحديث مع أحد، واعتزل بعيداً، فقد كان ذلك صوت الفتى الذي اقتحم عليه وحدته حينذاك بوقاحة.
شخصية واقفة في وسط ساحة المعركة، ثم اندفع نحوها غول حجري وضرب بذراعيه الصخريتين عليها. بدا وكأن الضربة ستسقطها أرضاً وتتركها تلفظ أنفاسها وسط بركة دم――
؟؟؟: [ليست لدي فكرة إن كنت قد فشلت، ولا حتى عن حجم ما أفسدت. لكن استمع، لو المسألة تجربة فشل، فذاتي المذهلة قد ذاقت ذلك أيضاً.]
هولي: [آه حقاً~! كونا، إنكِ صارمة جداً~!]
بعد أن طرده مرّة بعبارات قاسية، عاد ذلك الفتى ليظهر مراراً. ومع أنّ ملامحه بدت حائرة، إلا أنّه حاول أن يتدخل في هموم هاينكل، حتى صار الحال على ما هو عليه.
وكانت تلك الأفكار ساذجة ورخيصة للغاية، مثالية طفولية تثير في النفس رغبة في الضحك باستهزاء.
كونا: [إجابة رائعة. …لا بأس عندي كذلك.]
هاينكل: [――تبا.]
؟؟؟: [ليس هناك أحد غيرك يستطيع يحدّد مقدار ما أفسدت. ولهذا كنت أقول لك يا عجوز، إن كنت ستفعل――]
―― إذ كانوا بالمئات، بل بالآلاف، عدداً يفوق الحصر.
تاريتا: [هل هذا حقاً وقت قول هذا الكلام!? أنتما الاثنتان، اذهبا للقتال!]
هاينكل: [اخرس أيها اللعين التافه!!]
“حرّر عقلك من كل الأفكار المعيقة”، هكذا كان يُلقَّن في تدريبه على السيف.
تشجيع أو مواساة، شفقة أو تعاطف، أياً يكن، لم يكن يكترث. كل ما يُوجَّه نحوه كان عبئاً ثقيلاً، ولم تكن عنده أدنى رغبة فيه.
كونا: [تبا… ماذا سنفعل…!]
لم يكن يبتغي شيئاً من أحد. لم يكن يرغب بشيء.
بل كان هناك شخص واحد فقط، هو من أراد أن يُهدي إليه ما يصنع.
كان لكل ما يناله من ذلك الشخص وحده قيمة.
الأفكار التي كانت تدور في رأسه قبل قليل: عن التخلّص من العوائق، وعن رغباته، وعن جبر فشله… كلها امّحت كأنها طُليت بالبياض.
وأما سائر ما يأتيه من غيره، فلم يكن سوى أثقال حجرية يجرّها وهو يسير.
هولي: [حسناً~!]
هاينكل: [――هه.]
لم يبقَ في وعيه إلا إدراك واحد: أنّه واجه تهديداً لا يملك حياله شيئاً.
تقدّمت تماثيل الحجارة الموحشة في صمت، فشطرها بسيفه أمام عينيه، قاطعاً اثنين منها طولاً إلى نصفين.
ثم اندفع آخر من جانبه مستغلاً وسع ضربته، فحطّم وجهه بمقبض الغمد، واستل سيفه العزيز “أستريا” ليطعن به خصمه قاضياً عليه.
وكأنّها جميعاً قد التقت بنظره دفعة واحدة.
هولي: [ينبغي أن تقولي هذا لميزيلدا~.]
خصوم بلا وجوه، لا يتحركون إلا بما لُقّنوا من حركات، إن كان هذا هو القتال، فإنه قادر على حصدهم مهما كثروا.
طالما يتنفس، فمقدوره مواجهة عشرة أو عشرين بلا عناء.
وفي هذه اللحظة عاد ليتساءل: لماذا لا يزال حياً أصلاً؟
غير أنّ السؤال: ما جدوى ذلك؟
تسجيل هذه النقاط من غير أن يُريها لمن ينبغي أن يريها، أي معنى له؟
هاينكل: [اللعنة الجحيمية.]
تدفّقت التماثيل الحجرية نحوه مباشرة.
؟؟؟: [يا عجوز، إن كنت ستفعل، فلتستعده بسيفك أنت.]
الزعيمة السابقة، ذات الساق الاصطناعية، كانت قد سلّمت منصبها لأختها، لكنها الآن تندفع بجسدها الرشيق في القتال. وإن ظهر القائد الإلهي من صفوف الأعداء، ستكون هي أول من يواجهه.
هاينكل: [أيها الأحمق اللعين… هه]
هاينكل: [اللعنة الجحيمية.]
مثير للسخرية أنّه لا يزال متشبثاً بضوءٍ آفل قد يكون موجوداً أو لا يكون.
تاريتا: [أ-أحقاً؟ إن نظرتِ جيداً أظن أنكِ سترين مواضع ضعفهم، ولكن…]
وفي هذه اللحظة عاد ليتساءل: لماذا لا يزال حياً أصلاً؟
أفهذا هو السبب أنه لم يكن مبارزاً حقيقياً؟
ماذا يريد أن يثبت عبر هذا السيف؟
وماذا يريد أن ينال؟
وما الذي يرغبه حقاً؟
وبلا وجوه، لم يكن لديهم لا نية عداء، ولا رغبة في القتل. وأثناء تأرجح سيفه في وجوه هؤلاء الخصوم، وهو يلعن محرّكهم الخفيّ الذي اختار هذه الدمى بلا رحمة، كان هاينكل أسترِيا يحدق في ساحة القتال.
هاينكل: [――――]
هاينكل: [اللعنة عليكم جميعاً!]
على الأقل، حتى لو قليلاً――
وحين توافدت التهديدات من كل جانب، اندفع لمواجهتها: هو، وتلك المرأة من قبيلة الصيادين وهي تحمل عصاها، وذلك الرجل ذو العين الواحدة وسيفيه المزدوجين، والذي أظهر مهارة لا تليق بوجهه.
لم يكن تماثيل الحجارة الواقفة فوق السور.
لكن مع أوامر زعيم قبيلة الصيادين، الذي كان يستخدم القوس أساساً، تبدّل حال المعركة، وعاد المتمردون الذين كانوا قد تراجعوا ليستعيدوا عزيمتهم.
غير أنّ――
لقد كان الإشارة إلى ثغرة في دفاع العدو عملاً ذا جدوى، إذ تبيّن أنّ هذا الحصن وحده من بين الحصون الخمسة أضعف دفاعاً.
؟؟؟: [يا عجوز، إن كنت ستفعل، فلتستعده بسيفك أنت.]
وكون هاينكل استطاع شق طريقه، كان دليلاً على ذلك.
وذاك السيف الذي كان يحصد جموع الغيلان المندفعة، كان بيد مبارزٍ أشقر الشعر محمرّ الرأس―― رجل لا تعرفه كونا إلا باعتباره تابعاً للمتغطرسة المتعالية “بريسيلا”: هاينكل.
فلو كان هناك شخص واحد قوي حقاً، لما استطاع هاينكل أن يقود الهجوم على هذا النحو.
هاينكل: [كاه…]
تدلّى حاجبا تاريتا بتعبير مرتبك فيما كانت كونا وهولي تلحّان عليها.
؟؟؟: [الْحقوا به――!]
لم يكن متصوراً أن تتعالى الأصوات خلف هاينكل الذي يقود الهجوم.
؟؟؟: [لا تدعوا ذاك الأحمر الشعر يحصد المجد وحده! تقدّموا نحن أيضاً!]
؟؟؟: [أسلوبه في السيف ليس سيئاً. لو حلق لحيته لتحسّن مظهره.]
كيف يمكن للمرء أن يركز كلياً على السيف ولا شيء غيره؟
كونا: [هاه؟]
لم يكن متصوراً أن تتعالى الأصوات خلف هاينكل الذي يقود الهجوم.
لكنه لم يكن يملك ترف الالتفات إلى هؤلاء المزيفين.
تاريتا: [أظن أنّ كلمة “مخيف” مباشرة جداً، ولكن… إن كان صحيحاً أنه يائس، وأنه سيصبح قوةً في حربنا، فلا اعتراض لديّ على القتال إلى جانبه.]
هاينكل: [تبا… هلمّوا إذاً، هلمّوا! بهذا وحده لن أستطيع حتى أن…]
رفعت كونا بصرها إلى السور الهدف، الحصن الثالث، الذي قيل لها إنّه ثغرة في تشكيل العدو، لكن حين بلغت المكان، أربكها عدد الجنود المنتشرين وطبيعتهم حتى شعرت باليأس.
محاولاً أن يتعامل مع الموقف بصرامة وبشيء من البراغماتية، رفع رأسه.
في رأسه، اختلطت ألفاظه السوقية بصوت آخر لشخصٍ ثانٍ. كان صوتاً فتيّاً، لا يزال طريّاً، وقد سمعه حين كان ثملاً على منصة المراقبة.
فقد أطاح بضربة جانبية على تماثيل الحجارة أمامه، ونظر نحو الأسوار المقبلة، فشدّ قوته في ساقيه وقفز إليها.
في كلا الحالين――
قيل له ألا يفكر، لكن إن حاول ذلك، صار يفكر في “عدم التفكير”، فلا يمكن لعقله أن يتحرر من العوائق أبداً.
إن تمكن فوراً من الإمساك بالأسوار وطرد الأعداء فوق الجدار، فإن السيطرة على الحصن الثالث―― لكن، هل يكون ذلك إنجازاً حقاً إن لم يكن قد قتل قائداً للعدو؟
هولي: [إنهم بلا حياة على الإطلاق~! حقاً يبدون كالدمى~!]
إذن، هل سيكون هاينكل هو من يصل خيوط العنكبوت لما كانت بريسكيلا تتطلّع إليه، تعويضاً عن فشله في تلك المدينة الحصينة؟
على الأقل، حتى لو قليلاً――
لم يشغل رأسه سوى تساؤلات “لأي سبب؟”، وإزاحة كل تلك العوائق التي تحجب رؤيته، فظلّ يلوّح بسيفه. ظلّ يلوّح، ويضرب، ويكرر الضربات――.
؟؟؟: [――أنت، قتلتني، أكثر الجميع.]
أمام الثنائي العاجز، أطلقت تاريتا بسرعة ثلاثة سهام من قوسها. ومع اقتراب ثلاثة من التماثيل الحجرية من ظهر ميزيلدا في البعيد، اخترقت السهام أجسادهم من الظهر والرأس والفخذ، فأسقطتهم قتلى.
غير أنّها لم تكن موجودة من قبل.
هاينكل: [――――]
كان هناك “عهد قديم”، وعد تبادله إمبراطور فولاكيا السابق مع شعب الشودراك، وعدٌ أصبح بعيداً عن الحاضر، ما جعل كونا والباقين غير ملومين إن نسوه.
حقاً، في اللحظة التي أمسك فيها بجدار الحصن بتهور، اخترق صوته أذنيه.
فلو استمر الوضع على ما هو عليه، لداسهم سيل الأعداء الكاسح قبل أن يحظوا بأية فرصة.
ارتخت رئتاه، وخرج نفس متقطّع من حنجرته.
كونا: [نظرياً، نعم، ولكن…]
لم يتعرض لهجوم، ولم يتفادَ ضربة، بل مجرد أنه سمع صوتاً.
وهذا وحده جعله يرتجف رعباً.
مثير للسخرية أنّه لا يزال متشبثاً بضوءٍ آفل قد يكون موجوداً أو لا يكون.
تدفّقت التماثيل الحجرية نحوه مباشرة.
الأفكار التي كانت تدور في رأسه قبل قليل: عن التخلّص من العوائق، وعن رغباته، وعن جبر فشله… كلها امّحت كأنها طُليت بالبياض.
لم تفهم تماماً مشاعر هولي وهي تعبّر بذلك، لكن من منظور كونا، بدا هاينكل وكأنه يتمنّى الموت.
لم يبقَ في وعيه إلا إدراك واحد: أنّه واجه تهديداً لا يملك حياله شيئاً.
أثارت كلمات تاريتا دهشة كونا وأعجابها حقاً.
تقدّمت الغيلان الحجرية بخطوات متثاقلة وأذرعها ممدودة نحوهم.
ذلك كان――
هولي: [لا أستطيع إسقاطهم بسهم واحد~!]
كان من المفترض أن يكون الحصن الثالث تحت حراسة “موغورو هاغاني”، أحد القادة التسعة العظام.
؟؟؟: [قتلتني، أكثر الجميع. لذلك، سأقتلك، أنت أيضاً.]
صوت بلا مشاعر دوّى، وأمام عيني هاينكل بدأ الجدار الضخم يغيّر هيئته.
لم يكن تماثيل الحجارة الواقفة فوق السور.
لم يكن ذلك وهماً من وهن وعيه، بل تغييراً فعلياً لا يمكن صرف النظر عنه――
ولم يكن التماثيل المنتشرة لحمايته.
بل كان التغيير في نفس حصن الأسوار النجمي، في الجدار السميك الذي يُدعى الحصن الثالث.
ولحسن الحظ، لم يكن موغورو نفسه ظاهراً على السور. أكان السبب أنهم لم يبلغوه بعد، أم أنّه موجود في موضعٍ آخر؟
هاينكل: [――آه]
ثم اندفع آخر من جانبه مستغلاً وسع ضربته، فحطّم وجهه بمقبض الغمد، واستل سيفه العزيز “أستريا” ليطعن به خصمه قاضياً عليه.
في نظر هاينكل الذي يلهث، وُلدت أضواء لا تُحصى على طول الأسوار الممتدة يميناً ويساراً.
ثم بدا أنّها تحدّق فيه بقسوة، فارتعب.
لكن―― هل يصح أن تُسمى أضواءً؟
كانت كرات بحجم قبضة اليد، متوهجة باللون الأخضر، تبدو للوهلة الأولى بريئة بلا خطر.
غير أنّها لم تكن موجودة من قبل.
؟؟؟: [يا عجوز، إن كنت ستفعل، فلتستعده بسيفك أنت.]
على الجدار الذي كان خالياً، انبثقت فجأة تلك الكرات المتلألئة.
وفي عيني هاينكل، بدت أشبه ما تكون بعيون كائن حي.
كونا: [انتظري، انتظري! لماذا سقطوا من سهم واحد!? القلب؟]
وكأنّها جميعاً قد التقت بنظره دفعة واحدة.
غير أن هذه المعركة جاءت لتفي بذلك الوعد، وهي الآن بالتأكيد معركة يجب على كونا وهولي، كشعب شودرَك، أن يحرزا فيها النصر الحاسم.
ثم بدا أنّها تحدّق فيه بقسوة، فارتعب.
هاينكل: [آآه…]
هاينكل: [أيها الأحمق اللعين… هه]
في تلك اللحظة، تجمّد جسده كلّه، وضعف قبضته على السيف――
وكانت تلك الأفكار ساذجة ورخيصة للغاية، مثالية طفولية تثير في النفس رغبة في الضحك باستهزاء.
؟؟؟: [طِر.]
كانت تلك تحية محارب في ساحة الوغى، تعريفاً بنفسه بتقدير عظيم―― غير أنّ عظمته كانت غير طبيعية على الإطلاق.
كيف يمكن للمرء أن يركز كلياً على السيف ولا شيء غيره؟
وفوراً، وبالتناقض مع ذلك الصوت الرتيب، ارتجّت الأرض بدويٍّ هائل، وإذا بريحٍ عاصفة تعصف، وقبضة حجرية عملاقة تمسك بالهاينكل في وثبته، وتلقي به بعيداً.
هاينكل: [كاه…]
مُبَدَّداً من رأسه حتى قدميه، طار في السماء بلا حولٍ ولا قوة.
وكما كان يفعل هو قبل قليل مع تماثيل الحجارة، صار التعبير المناسب الآن أنّه هو من يُركل.
يتناثر دمه وهو يحلّق، وفي دوران رؤيته، أبصر المشهد وقد تبدّل كلياً.
إنها ميزيلدا، التي عوى صوتها الغاضب، مشوِّهاً جمالها الوحشي.
لم يكن ذلك وهماً من وهن وعيه، بل تغييراً فعلياً لا يمكن صرف النظر عنه――
طالما يتنفس، فمقدوره مواجهة عشرة أو عشرين بلا عناء.
موغورو: [――الثامن من بين الألوهية التسعة، موغورو هاغاني.]
غير أنّ شرط توليها منصب الزعامة، والتجربة التي عاشتها أثناء رحلتها إلى مدينة الفوضى “كيوس فليم”، كان لهما أثر بالغ، إذ أطفآ ذلك الجبن وغرسا في نفسها قوة رصينة.
كانت تلك تحية محارب في ساحة الوغى، تعريفاً بنفسه بتقدير عظيم―― غير أنّ عظمته كانت غير طبيعية على الإطلاق.
لأي سبب ظلّ يلوّح بسيفه بعد أن عرض كل هذا الخزي؟
هاينكل: [――――]
فمن خلال ما بلغها من شائعات، فإن “موغورو هاغاني” ينتمي إلى عِرق خاص من أنصاف البشر يُعرف بـ “قوم الفولاذ”. وعلى خلاف “أبناء السلاح” الذين كانت أجسادهم جزئياً من معدن، قيل إن أجساد قوم الفولاذ بأكملها مؤلّفة من معادن.
فالحصن الثالث من الأسوار النجمية، الذي كانوا على وشك الاستيلاء عليه، تحرّك بنفسه.
وكان ذلك بلا ريب أحد “الألوهية التسعة”، الكائن الجبّار الذي قدّم نفسه باسم “موغورو هاغاني”.
فمن خلال ما بلغها من شائعات، فإن “موغورو هاغاني” ينتمي إلى عِرق خاص من أنصاف البشر يُعرف بـ “قوم الفولاذ”. وعلى خلاف “أبناء السلاح” الذين كانت أجسادهم جزئياً من معدن، قيل إن أجساد قوم الفولاذ بأكملها مؤلّفة من معادن.
