كان الإغماء والنوم، رغم كونهما انقطاعين في الوعي، مختلفين عن بعضهما البعض.
ومع ذلك، لم يكن سوبارو، الذي قد يُعد أحد أبرز خبراء العالم في الإغماء وفقدان الوعي، يدرك الفرق بينهما.
ما كان متأكدًا منه هو أنه إذا كان كلٌّ من الإغماء والنوم يُريحان الجسد، فإن الإغماء لا يُعطي سوى نصف تلك الراحة.
قد يكون الأمر مجرد شعور، لكنه هكذا كان يشعر.
وكان ذلك بالتأكيد لأن مشاعر من هم حول المُغمى عليه تختلف كثيرًا عمّا تكون عليه في حالة النوم.
ولو لم يكن للمرء أي علاقة بأحد، ولا أحد يقلق بشأنه، فربما لما وُجد فرق بين الإغماء والنوم.
ومع ذلك――
سوبارو: [――آه.]
ارتعشت جفونه، وتسرب من حنجرته زفيرٌ ضعيف.
بهذه الحركة الواهنة والعاجزة، أعاد ناتسكي سوبارو نفسه إلى الواقع واستفاق ببطء من الظلام.
سوبارو: [――――]
رفع سوبارو وجهه من شاطئ الواقع الذي تَمسّك به، ولبرهة، نسي أن يتنفس.
ما وقع عليه نظره كان سقفًا غريبًا عنه―― كم مرة استيقظ في مكان لا يعرفه، محاولًا معرفة أين هو؟
لكن، ما كان عادة مهمةً فردية، لم يكن كذلك هذه المرة.
؟؟؟: [أوه، استيقظت أخيرًا، على ما أظن. سوبارو نائمٌ لا أمل فيه، في الواقع.]
سوبارو: [بياتريس…]
وجه مألوف وجميل ملأ مجال رؤية سوبارو نحو ذلك السقف الغريب.
بياتريس، بحاجبيها المتدليين وعينيها الشاحبتين، كانت تنظر إليه؛ الفتاة التي ربما قضى معها أكثر لحظات يقظته.
وعندما دخلت بياتريس في مجال رؤيته، أدرك أن يده التي كانت ممددة على السرير، كانت ممسكة، فارتسمت بسمة خفيفة على شفتيه.
سوبارو: [هل كنت تمسكين يدي طوال هذا الوقت؟]
بياتريس: [بالطبع، في الواقع. بيتي هي شريكة سوبارو، في الحقيقة. ثم إن سوبارو يُفرط في الذهاب إلى كل مكان بمفرده، على ما أظن. وإن لم تكن تحب القيود، فالإمساك باليد هو الطريقة الأكثر فاعلية لتقييدك، في الواقع.]
سوبارو: [كما توقعت، أنت تفهمين شخصيتي جيدًا…]
لم يجد ما يرد به، فاكتفى بالضحك على وجه بياتريس المُتجهم.
كان دائمًا يجد وسيلة لفعل ما يريد، حتى لو كان مقيّدًا، لكن كان من المؤلم دومًا أن يُفلت يدًا كانت تمسك به.
وسوبارو كان حساسًا للألم، لذا كانت هذه أنجح وسيلة لإبقائه حيث هو.
سوبارو: [أه، إذًا أين نحن؟ وماذا نفعل الآن…]
بياتريس: [اهدأ، سوبارو، على ما أظن. من الطبيعي أن تُقلقك أمور كثيرة، لكن… قبل ذلك، انظر حولك أولًا، في الحقيقة.]
سوبارو: [حولـي؟]
أخذت بياتريس هيئة الجد وهي تضع إصبعها على شفتيها، في وجه سوبارو المتلهف لمعرفة ما يجري.
وبينما كان يشعر بالقلق والارتباك، أُرغم سوبارو على التوقف واتّباع نصيحتها، فبدأ ينظر حوله، بعيدًا عنها وعن السقف.
ثم، شهق بذهول.
――فوق سريره، كان هناك العديد من الأشخاص نائمين يشخرون.
سوبارو: [――――]
لم تكن المقصورة فسيحة أبدًا. إذ إن السرير الذي كان سوبارو ينام عليه يشغل نصف مساحتها، ورغم ذلك كان أكثر من عشرة أشخاص محشورين فيها.
وكانوا مجموعة لا تُصدّق.
سوبارو: [تانزا، و… غارفيل؟ وهايين والبقية، ولوي، وحتى أوتاكاتا…]
بياتريس: [وليس هذا فحسب، في الواقع. قد تكون بيتي قد فازت بيد واحدة، لكن الأخرى…]
عندما قيل له هذا، وكان بياتريس تمسك بيده اليمنى، نظر إلى يده اليسرى، ليكتشف أنها أيضًا ممسوكة. هناك، ممسكةً بيده بشدة، نائمةً بجسدها النحيل المستلقي على السرير――
سوبارو: [――بترا.]
بربطة شعر كبيرة على رأسها، كان وجه الطفلة النائم يبدو لطيفًا للغاية.
كم من المصاعب والمحن تجاوزتها فقط لتتمكن من إمساك يده؟ لم يكن سوبارو معتادًا على ثيابها المخصصة للسفر، المُتّسخة، المحمّلة بقلق طفلة تهتم بأناقتها.
أن تكون بهذا الحال، فهذا دليل على أنها شقّت طريقها أخيرًا لتصل إليه.
بياتريس: [لكن أصعب ما واجهته بترا، هو انتزاعها لفرصة إمساك يد سوبارو، في الواقع. لقد كان ذلك صراعًا للجميع، في الحقيقة.]
سوبارو: [مهلًا، مهلًا، هل تقولين إن الجميع أرادوا الإمساك بيدي وأنا نائم؟ لا مهها حاولتِ شرحها، هذا شيء سخيف…]
بياتريس: [ليس سخيفًا، في الواقع.]
همّ أن يضحك، لكن صوت بياتريس الهادئ أوقفه.
اتسعت عيناه حين رفعت بياتريس يدها المشدودة وأشارت بها إليه،
بياتريس: [كنا جميعًا قلقين على سوبارو، في الحقيقة. إن كان إمساك يد سوبارو قد يُساعده، فحتى لو كان ذلك فقط، فنحن مستعدون لفعل أي شيء، في الواقع.]
سوبارو: [――――]
بياتريس: [على سوبارو أن يُدرك كم هو مهم لنا، ولو قليلاً، في الحقيقة. لطالما كانت بيتي تقول له ذلك، مرارًا وتكرارًا.]
رغم أن نبرتها حملت شيئًا من التذمر، إلا أن كلمات بياتريس كانت مشحونة بالعطف والحنان.
ومع تلك النظرة وذلك الصوت، لم يكن بوسع سوبارو أن يتجاهلهما.
لم يكن سوبارو يزعم أنه لا يُؤثر فيمن حوله، ولا أنه لا يستحق أن يُعزّ، لكن――
سوبارو: […فقط لأنني تقلصت، أصبح الجميع يبالغ في حمايتي.]
؟؟؟: [لا أعلم بشأن ذلك. لكن بالنسبة لي، أليس من الأفضل أن تُراجع تقلّصك أولًا، ناتسكي-سان، بدلًا من المبالغة في حماية الآخرين لك؟]
سوبارو: [――!]
فجأة، اهتزت كتفا سوبارو بسبب الصوت الذي سمعه.
الصوت جاء من مدخل المقصورة الضيقة. وعندما نظر إلى من فتح الباب، تبًا، كم كان من الجميل رؤية ملامحه الرقيقة مجددًا.
سوبارو: [أوتو!?]
أوتو: [نعم، إنه أنا، لكن… من فضلك، اخفض صوتك. فكر بمشاعر بترا-تشان وغارفيل، من فضلك.]
سوبارو: [مشاعرهم؟…]
أوتو: [إنهما كانا ينتظران استيقاظك، كما تعلم. بالطبع، كانا يريدان أن يكونا أول من يكلمك حين تستيقظ، ناتسكي-سان. ولكن، إن علما أنني سبقتهم واغتنمت هذه الفرصة… كم من الكراهية سيوجهانها لي؟]
سوبارو: [هوه، يا لك من وغد.]
أوتو: [حتى بعد تقلصك، لا يبدو أن حديثك قد قل.]
واضعًا إصبعه على شفتيه، خفّض الشاب الذي دخل―― أوتو، صوته وهو ينظر في أرجاء المقصورة.
وقد ارتسمت على وجهه ملامح الحيرة، إذ كانت الغرفة مكتظة بحيث لا يكاد يجد موضعًا لقدمه. ورغم تبرّمه، تمكن من إيجاد موطئ قدم واقترب من السرير،
أوتو: [بياتريس-تشان، شكرًا لك على رعاية ناتسكي-سان.]
بياتريس: [لا شيء يُتعب في ذلك، في الحقيقة… لكن، هل ستبلغهم، في الواقع؟]
أوتو: [بالطبع، سأبلغ الجميع أن ناتسكي-سان قد استيقظ، لكن…]
كانت بياتريس تنظر إليه بنظرة عتاب، فتلكأ أوتو في كلماته وهو يبتسم بمرارة. ثم جعل كلماته التالية أكثر جدية وهو يوجه نظره إلى سوبارو الممدد على السرير،
أوتو: [رغم أنه يُؤلمني، بما أنني كنت شاهداً على استيقاظ ناتسكي-سان غير المناسب، أودّ قبل أن تعمّ الضوضاء، أن أوجه لك شكوى شخصية.]
سوبارو: [يا لك من جريء لتتصرّف بهذه اللطافة…]
أوتو: [نعم، فأنا تاجر في النهاية.]
لامس رأسه الخالي من القبعة، وضحك بوجه خالٍ من الغضب.
تلك الابتسامة، بعثت في سوبارو نفس القشعريرة التي يشعر بها عند مواجهة أعدائه، أو حين يُغضب تانزا؛ وبينما كان يعيش ذلك الإحساس، أخذ نفسًا عميقًا.
رغم أنه اعتقد أن ذهابه إلى إمبراطورية فولاكيا يُخفف من مسؤوليته عن المتاعب التي وقعت، إلا أنه في النهاية جعل الناس يقلقون عليه.
ومهما كانت الشكاوى التي سيتلقاها، فهو مستعد لتقبلها بصدرٍ رحب.
سوبارو: [حسنًا، أعطني كل ما لديك. لكنني أصبحت أتمتع بصلابة نفسية مناسبة. لا تظن أن كلماتك النصفية ستُحطم عزيمتي.]
أوتو: [ما هذا التباهي الغريب؟ حسنًا، لا أنوي إلقاء محاضرة طويلة. بما أنني لست الوحيد الذي يريد أن يقول شيئًا، سأختصر. ――ناتسكي-سان.]
سوبارو: [نعم؟]
أوتو: [――أنا سعيد لأنك عدت إلينا سالمًا. من فضلك، لا تُفرط في القلق.]
سوبارو: [――――]
امتدت يد، واستقرت على كتف سوبارو الصغير.
شعر بأصابع أوتو، التي كانت أقوى مما توحي به ملامحه، وهي ترتجف قليلًا فوق كتفه، فاختنق سوبارو بالكلمات.
عبس أوتو بشدة، وأنفه يتجعد وهو يتحدث؛ وبما أنه كان دائمًا من يُقيم نفسه بنزاهة، فقد تسرّبت مشاعره التي لم يعد قادرًا على كبتها.
سوبارو: [غه…]
كل الصلابة النفسية، والاستعداد لتلقي أي ضربة، تلاشت في لحظة.
كانت كلمات أوتو بمثابة الضربة القاضية، هدمت حواجز ناتسكي سوبارو بلا رحمة، وغرست خنجرًا في روحه العارية.
ببساطة، كان هذا غشًا.
أوتو: [على أية حال، هذه الطريقة هي الأنسب للتعامل مع ناتسكي-سان، أليس كذلك؟]
سوبارو: [أيها… الوغد…!]
أمام سوبارو الذي كان جسده كله يرتجف، ارتسمت على وجه أوتو، الذي كاد يتداعى، ابتسامةٌ هادئة وموحية وواثقة.
وبينما كان يقاد كالأنف، لم يكن بوسع سوبارو سوى أن يحمرّ وجهه من شعور الهزيمة. ――لا، لا بد من وسيلة. كنوع من الرد، رغم أنها لا تُعد نصرًا، لكنها على الأقل تمنع أوتو من الخروج منتصرًا بالكامل.
وكانت تلك الوسيلة――
سوبارو: [آآآه! لقد خسرت، خسرت، هزيمة كاملة، أيها الوغد أوتو!!]
أوتو: [هاه!?]
بينما كان وجهه لا يزال محمرًا، أطلق سوبارو ضحكة شريرة وهو يعلن هزيمته بصوت عالٍ. وما إن سمع أوتو ذلك حتى شحب وجهه وصاح.
عندها، ومع تردد الجدال بين سوبارو وأوتو داخل أرجاء المقصورة، كان من الطبيعي أن يستيقظ رفاقه النائمون واحدًا تلو الآخر — لا، بل بالأحرى، قطيع الأسود النائم بدأ بالاستيقاظ.
وهكذا، اندلعت مشاعر الفرح والحزن، ممزوجة بالبهجة واللوم.
داخل تلك المقصورة الصاخبة، وبين سوبارو وأوتو المتضايقين، كانت بياتريس تراقب المشهد من بدايته حتى نهايته، وهي تسند ذقنها إلى يديها،
بياتريس: [يا للأسف… جميعهم يتصرفون كالأطفال، على ما أظن.]
قالت ذلك، وبسلوك المتفرج الوحيد، نظرت إلى هذا المشهد بعطف.
△▼△▼△▼△
――الإجلاء المتزامن لسكان العاصمة الإمبراطورية لوبوغانا.
كان ذلك حدثًا بالغ الأهمية جرى أثناء غياب وعي سوبارو، حيث أفاق في مقصورة عربة تنين خُصصت لنقل الشخصيات الهامة، وسط جمعٍ كبير ممن اضطلعوا بذلك العمل.
كانت العربة تُجر بواسطة عددٍ وافر من تنانين الأرض، وقد اتخذت هيئة غرفة نوم متنقلة، منتجًا استثنائيًا يجمع بين الإجلاء والتعافي. وبمثل هذه المعاملة الموقّرة، بدا أن سوبارو قد نُقل من العاصمة الإمبراطورية على وجه السرعة.
هياين: [أخي! لقد سررت للغاية برؤيتك بخير! حين شعرت أن قوتي قد فارقت جسدي في الطريق، غمرني القلق، ولم أدرِ ما الذي قد يكون قد حلّ بك!]
فايتز: [لا أبالي بموت ذلك الوغد صاحب اللحية، لكن لو فقدناك أنت، لانهار الفيلق… لو كنت على شفير الموت، لكان عليك أن تستعملني أنا أو أيًّا من الآخرين كدرع.]
إيدرا: [تعبير فايتز مستفز، غير أنني أوافقه الرأي. شوارز، لقد أسعدتني عودتك كثيرًا، كرفيق في الفيلق، وكإنسان أيضًا.]
كانت هذه ردود الفعل ممن انتظروا يقظة سوبارو، وهم الثلاثة الذين رافقوه منذ جزيرة المصارعين كوحدة واحدة: هياين، وفايتز، وإيدرا.
وبغضّ النظر عن إيدرا الذي كان معه أثناء المعركة، فقد كان قلق هياين وفايتز أشدّ، إذ افترقا عنه. ولم يكن ذلك وحده ما دفع سوبارو للشعور بضرورة الاعتذار لهم.
سوبارو: [أعتذر… لأنني فقدت الوعي، انقطعت تقوية الجميع…]
فايتز: [لا تشغل بالك. لحسن الحظ، حدث ذلك بعد أن كنا قد بدأنا إخلاء المكان بالفعل.]
هياين: [تمامًا! الوحيد الذي كان على وشك الموت فعلاً هو ذلك الوغد ذو المظهر العظمي، الذي كان يسند عمودًا منهارًا. لولا وجود الحاكم، لكان سحق ومات…]
فايتز: [قلت لك ألا تذكر ذلك…!]
وكالعادة، أفسد تعليق هياين قلق فايتز الصادق على سوبارو. وعند رؤية الجدال المعتاد بينهما، هز إيدرا كتفيه.
وبما أن كور ليونيس كان قد فُكّ في منتصف العاصمة الإمبراطورية، فقد تعرّض الجميع للخطر نتيجة لذلك،
إيدرا: [كما قال فايتز، لا داعي لأن تقلق، شوارز. منذ اللحظة التي اخترنا فيها اتباعك، صارت كل العواقب على عاتقنا.]
سوبارو: [لكن…]
إيدرا: [وأنا أعلم أنك، مهما قلتُ لك ذلك، ستظل منشغل البال رغمًا عنك. ―― لذا سأترك بقية الكلام لتلك الفتيات اللواتي يعرفنك منذ مدة أطول منا.]
وكعادته، أنهى إيدرا الحديث بعقلانية، مما جعل سوبارو، الذي لم يكن يملك سوى اعتراضات عاطفية، يلوذ بالصمت. ثم خرج إيدرا من المقصورة برفقة هياين وفايتز، اللذين لم يزلا يتشاحنان.
وقبل أن يغادروا، لحقت بهم فتاة صغيرة،
سوبارو: [تانزا.]
تانزا: […أعتذر بصدق لعجزي عن تقديم يد العون في وقت حرج كهذا. أنا مسرورة للغاية بسلامتك، شوارز-ساما.]
قالت ذلك بنبرة رسمية وهي مطأطئة الرأس بخيبة أمل.
ومنذ لحظة انفصالهم في العاصمة الإمبراطورية، كان سوبارو قادرًا على تفهّم ندمها لشعورها بالعجز. غير أن ذلك لم يكن السبب الوحيد وراء ملامحها الكئيبة.
سوبارو: [ما الأمر؟ إن كان قد حدث شيء…]
تانزا: [―― كلا، ليس من المناسب أن أخبر شوارز-ساما الآن. أرجوك، اعتنِ بجسدك، واقضِ وقتًا هادئًا مع الجميع.]
وبعد تردّد قصير، غادرت تانزا المقصورة دون أن تضيف شيئًا آخر.
مدّ سوبارو يده نحو ظهرها الضعيف، لكن يديه كانتا مشغولتين، ومع ذلك، كان قلبه يصرخ برغبة في ألّا يتركها وحدها بذلك الوجه المظلم. وفي داخله، عزم على أن يعرف السبب لاحقًا، لا محالة.
ثم――
؟؟؟: [―― سوبارو.]
بعد أن ودّع الراحلين، جاءه في تلك اللحظة صوتٌ رقيق، كما لو كان قد صبر طويلًا ليناديه، صوتٌ لطيف كأجراس فضية تقرع أذنه بلطف.
سوبارو: [――――]
لحظة واحدة فقط كانت كافية ليستجيب سوبارو لذلك النداء ويلتفت نحوه. لم يكن القلق من أنه أقلقها، ولا الحرج من عجزه عن مواجهتها، ولا حتى بعض الكبرياء التافه، هو ما كبّله.
بل ببساطة، كان بحاجة لأن يهيّئ نفسه نفسيًا.
فبعد كل شيء――
سوبارو: [إميليا.]
فقط بنطقه لاسمها، اجتاح قلبه شعورٌ حلو لاذع.
وعند ندائه المليء بالتوتر، ارتسمت ابتسامة رقيقة على وجه إميليا،
إميليا: [مم، أنا سعيدة جدًا لرؤيتك أخيرًا… ومع أنك كنت بعيدًا هكذا، إلا أنك اكتسبت الكثير من الأصدقاء يا سوبارو. هذا يبعث في نفسي الراحة.]
سوبارو: [أصدقاء…]
إميليا: [نعم. لأن الجميع، يا سوبارو، كانوا قلقين جدًا عليك، ولم يبرحوا جانبك قط.]
كلماتها جعلت سوبارو يخفض رأسه، مستذكرًا حال المقصورة قبل قليل. ومهما بلغت قوة مشاعره تجاه كونه سببًا لقلق الآخرين، كان ذلك يثقل قلبه بالذنب…
سوبارو: [أنا… محظوظ للغاية.]
إميليا: [بالتأكيد. لكنني أريدك أن تكون أسعد بكثير، سوبارو، لذا فذلك القدر لا يكفي.]
سوبارو: [حتى بعد كل ما فعلتِ من أجلي؟]
إميليا: [قل لي، حين تفعل شيئًا لمن تحبه، هل تشعر أنه كافٍ يا سوبارو؟]
أمالت رأسها، وانسدل شعرها الفضي على كتفيها النحيلتين. أما هو، فقد وجد نفسه عاجزًا عن الكلام أمام منطقها.
كانت محقّة. فعندما يرغب المرء في فعل شيء من أجل أحبائه، لا يكتفي بالتساؤل إن كان ما فعله كافيًا، بل يفكر فيما يمكن أن يفعله أكثر.
وحين رأت ردة فعله، ابتسمت وقالت ضاحكة: [هيهي… ما رأيك؟ لم أخطئ، أليس كذلك؟ فارسي.]
سوبارو: […نعم. لقد نضجتِ كثيرًا في غيابي، وأنا فخور بك للغاية، لكنني افتقدتكِ، إميليا!]
إميليا: [إميليا؟]
سوبارو: […لا، أقصد… إميليا-تان.]
وبذلك تذكّر الاسم الذي نسيه منذ زمن طويل، ذاك اللقب الذي كان ينادي به الفتاة الأعز على قلبه، والتي كانت تشوّش مشاعره بمجرد التفكير بها.
وما إن ناداها به، حتى غمره انسجام عميق وسريع.
وأثناء انشغاله بذلك الإحساس――
بترا: [إميليا-نيساما! حان الوقت أخيرًا لنتحدث مع سوبارو!]
قطعت اللحظة الهادئة التي جمعت بينه وبين إميليا تلك الفتاة الصغيرة، التي أعلنت حضورها رافعة يدها.
كانت قد استيقظت منذ الضوضاء السابقة، لكنها لم تجد فرصة للحديث بهدوء مع سوبارو، وكانت تتوق لذلك بعيونها المستديرة المشتعلة غضبًا.
بترا: [لم نتمكن بعد من التحدث معه كما ينبغي. ــ باستثناء أوتو-سان، الذي تسلّل.]
أوتو: [آه… لا، لم أتسلل، أقسم أنني…]
غارفيل: [أوه؟ أعذار يا أوتو؟ يا ترى أي أعذار ناوٍ أن يسوقها؟ حتى مشاعري الجبارة جُرحت من تسللك، أفهمت؟…]
أوتو: [حتى غارفيل ضدي!?]
أرخى غارفيل كتفيه واتخذ وضعًا حزينًا، مضيفًا حملًا آخر على أوتو الذي فغر فاه مذعورًا.
ثم جاءت بياتريس بقولها: [صحيح، في الواقع. لقد سمعتُ، على ما أظن، أوتو وهو يعترف بنفسه أنه جاء سرًّا ليتحدث مع سوبارو بعيدًا عن أعين بترا والباقيات.]
إميليا: [هاه، صحيح؟ أوتو-كن، أنا أتفهّم شعورك، لكننا جميعًا كنا قلقين على سوبارو، فلا ينبغي لك أن تغش.]
أوتو: [لا أحد يقف في صفي! هذا أشد إيلامًا من أي خسارة جسيمة!]
ومع إدانة بياتريس، وتعقيب إميليا الصادق، أمسك أوتو صدره، يتلقى عقوبة صارمة على فعله.
وبينما كان يضحك على هذا المشهد،
فريدريكا: [برغم عادات أوتو-ساما المزعجة، إلا أنني مسرورة للغاية أننا التقينا مجددًا، إذ لم تكن إميليا-ساما وبياتريس-ساما، وبترا بالطبع، سعيدات أبدًا بدونه.]
قالت ذلك بنبرة هادئة. كانت، مثل بترا، ترتدي ثياب سفر بدلاً من زي الخدم المعتاد، مشهدٌ نادر بحد ذاته. لكن ما أدهش سوبارو أكثر، كان رؤية ابتسامتها تعلوها دمعة متلألئة في زاوية عينها.
بترا: [ف-فريدريكا-نيساما! أنتي تبكين!]
فريدريكا: [هاه؟ آه، أ-أعتذر… لقد شعرت براحة غامرة… كم هو تصرّف غير لائق مني.]
سوبارو: […لا، ليس غير لائق على الإطلاق. بل يعني أنك كنتِ قلقة علي.]
أدهشته دموعها، لكنها في الوقت نفسه ملأت قلبه امتنانًا.
إذ منذ اختفائه مع ريم، بذل الجميع جهدًا عظيمًا للعثور عليه، وكان الوصول إليه وسط حرب أهلية تمزّق الإمبراطورية أمرًا بالغ الصعوبة.
ولا شك أنهم تخطوا حواجز عديدة لا تُجتاز بالطرق المألوفة كي يبلغوا إليه.
سوبارو: [حقًا… شكرًا لكم جميعًا.]
غارفيل: [هيهي، من الطبيعي أن نكون هنا، نحن الرائعين. من دون القائد، ما كان بوسعنا الاجتماع هكذا.]
بترا: [صحيح… لكن، ما زلت متفاجئة لأنك أصبحت صغيرًا إلى هذه الدرجة.]
حكّ غارفيل جسر أنفه، وأومأت بترا بابتسامة وهي تضيف ملاحظتها الأخيرة.
وبالتأكيد، لم يكن اجتماعهم كافيًا ليُقال إن الأمور قد عادت إلى نصابها―― لا، ليس في ظل حالة سوبارو الراهنة.
إذ لا نية لأحد بالعودة إلى مملكة لوغونيكا بينما سوبارو لا يزال على هيئته المتقلصة.
فناتسكي سوبارو لن يكون قادرًا على الوقوف بجانب إميليا إلا إذا استعاد عمره الأصلي، ثمانية عشر عامًا.
سوبارو: [حسنًا، بياتريس… أحم! بياكو، هل تأذنين لي أن أقف إلى جانبك؟]
رام: [حسنًا. لا بأس بذلك في الوقت الراهن.]
أومأت ريم بضعف، فتقدمت رام خطوة أخرى نحوها.
توترت كتفا ريم لرؤيتها تقترب، فتقدمت لويس لتحميها، لكن ريم وضعت يدها برفق على كتف لويس قائلة: [لا بأس]، وأوقفت الطفلة اللطيفة.
ثم، بإرادتهما، وجّهتا أنظارهما مباشرة نحو رام.
وبينما كانت ريم تنظر إليها، فتحت رام ذراعيها ومدّت يدها نحوها؛ اليد التي مدّتها من قبل من كانت تعلم في قلبها أنها أختها.
رام: [أنا رام. أختك الكبرى، وُلدت دون شك لأحبك.]
ريم: [――――]
رام: [ومع ذلك، هناك آخرون مهمون أيضًا بالنسبة لأختك الكبرى المستقلة هذه.]
عند تلك الكلمات، التي قيلت بكل هدوء وثقة، اتسعت عينا ريم.
ثم، مع بدء تلك الكلمات في التسلل إلى أعماقها، خرج زفير خافت من بين شفتيها. ابتسمت ريم ابتسامة خفيفة وضحكت،
ريم: [يبدو أنكِ شخص مخيف حقًا. حين أتحدث إليك، أشعر وكأن جسدي يستسلم تمامًا لهذا الإحساس بالأمان.]
رام: [لا مفر من ذلك، فرام هي نوع الأخت الكبرى التي ترغبين في منحها كل الثقة والحب.]
ريم: [نعم، رام-نييسان.]
فخرت رام صدرها بفخر، بينما كانت ريم تمسك بيدها بخجل، وقد نادتها أخيرًا بذلك اللقب. وعند سماعها، رفعت رام حاجبيها قليلًا.
لقد تطلّب الأمر شجاعة من ريم لكي تناديها بذلك، لذلك كانت ردة الفعل تلك غير متوقعة.
ريم: [أمم؟]
رام: […رغم أنني أكره فعل الأمور كما يقترح باروسو، إلا أن هذا لا يبدو مريحًا.]
ريم: [آه؟]
رام: [――نيي-ساما.]
ريم: [هاه؟]
حين قالت رام تلك الكلمات بوجه عابس للحظة، اتسعت عينا ريم. وبناءً على ردّ فعل ريم، كررت رام كلماتها مرة أخرى.
رام: [نادِ رام بـ”نيي-ساما”. هذا ما يبدو مريحًا أكثر.]
ريم: […رام، نيي-ساما؟]
رام: [الاسم غير ضروري.]
ريم: [――نيي-ساما.]
نفّذت ريم ما طُلب منها تمامًا، مقتربة أكثر فأكثر من الطريقة التي ترغب رام أن تُنادى بها، فأغمضت الأخيرة عينيها بإحكام. ثم جذبت يد ريم، التي كانت تمسك بها، نحوها؛ تلعثمت ريم قليلاً كردّة فعل، لكنها وجدت رام تمسك بها برفق، وتعانقها من الأمام.
واستمرارًا على ذلك، همست رام في أذن ريم،
رام: [الآن، تستطيع رام أن تشعر بذلك بوضوح. ――رام هي نيي-ساما الخاصة بريم.]
ريم: [وأنا أشعر بذلك أيضًا.]
وهكذا، ما إن عانقتها بذراعيها، حتى فاض من ريم ما كانت تخشاه.
ما سمّته إحساسًا بالأمان، كان في الحقيقة انجذابًا لروحها، وحبًا لرام. شعور قوي، رقيق، احتوى حتى ريم، التي يُفترض أنها بلا ذكريات.
رام: […رغم أن قول هذا يؤلم رام، لكن هل أنتِ مستعدة، يا ريم؟]
ريم: [مستعدة… لماذا؟]
رام: [مستعدة للدخول؛ علينا أن نُظهر ذلك لباروسو، ناهيك عن عرضه أمام إيميليا-ساما والبقية. يجب أن نفخر بحبنا الأخوي، فهذا سيريح الجميع.]
وبسبب كلمات رام، أغمضت ريم عينيها.
حتى الآن، سواء مع إيميليا أو الآخرين، وحتى مع سوبارو، فإن كيفية مواجهتهم، وماهية التعبير الذي ينبغي أن ترتديه، لا تزال أسئلة لم تجد لها إجابة.
لكن، على الأقل، لم يكن لديها أدنى شك بشأن إحساسها بأن رام أختها، أو بشأن مشاعرها تجاهها.
ريم: [نعم، نيي-ساما.]
رام: [كما توقعت، ربما علينا تأجيل ذلك حتى تنادي رام بهذا اللقب مئة مرة.]
ريم: [نيي-ساما…]
رام: [كانت مزحة.]
قالت رام ذلك لريم، التي كانت تومئ برأسها، بنبرة مزاح لم تبدُ كمزاح حقًا.
ورؤية هذا الجانب الماكر من أختها، أراح قلب ريم، ولو للحظة قصيرة، رغم قلقها، ورغم أنهن في موقف لا يحتمل التأجيل.
لويس: [أواو، آآوا~؟]
ريم: [نعم، أنا بخير. وشكرًا لكِ، لويس-تشان، على قلقك.]
لويس: [أه!]
كانت لويس واقفة إلى جانب ريم طوال الوقت، محاصَرة بين حديث ريم ورام. وابتسامة ريم التي بدّدت مخاوفها، لم تكن إلا لمسة حنونة على رأس الفتاة الطيبة.
ثم، مع لويس إلى جانبها، استجمعت ريم شجاعتها لتقف بجانب أختها التي استدارت نصف استدارة.
دون أن تتوقف، تبادلتا النظرات وأومأتا برأسيهما، ومدّت كلٌّ منهما يدها نحو الباب أمامهما و――
ريم: [――نعتذر على الإزعاج. كنا نسمع ضوضاء كبيرة حتى من الخارج.]
رام: [لقد كان صراخًا على طريقة باروسو، كما لو أن حيوانات صغيرة اجتمعت معًا.]
وهكذا، دخلت الأختان المقصورة التي كان رفاقهما بداخلها.
سوبارو: [هاه… كأن حملاً ثقيلاً انزاح عن صدري…]
همس سوبارو، شاعرًا بشدة أن ثقلًا هائلًا قد أُزيل من صدره.
ذلك العبء الثقيل، كان مسؤوليةً كان عليه أن يتحمّلها―― فمع غياب الآخرين، كان لزامًا عليه أن يحمي ريم، ويجعل رام، وإيميليا، والجميع يلتقون بها.
لكن، وبكل صدق، حين علم أنه لم يكن حاضرًا في لحظة اجتماع الأختين، رام وريم، شعر وكأن نهاية العالم قد حلت به.
سوبارو: [ليتني كنت أنا من قدّم الاثنتين جنبًا إلى جنب، مثل ذلك…]
تصرفهما معًا، وزيارتهما لمقصورته، جعله يشعر بأن الأمور لم تسر بشكل سيئ، حتى إن لم يكن يعلم ما دار بين الأختين من حوار.
وبمجرد أن أدرك ذلك، تلاشى شعور الإحباط الذي راوده، وغمره شعور بالارتياح.
أخيرًا، لقد جعل ريم ورام تلتقيان.
لقد جعل ريم تلتقي بإيميليا، وبياتريس، والجميع.
كم من ذلك يمكن أن يُنسب إلى مجهودات سوبارو؟ لا يعلم، لكن النتيجة تحققت.
وحتى لقاءه هو نفسه بإيميليا والبقية، كان أمرًا جديرًا بالاحتفال.
سوبارو: [مع أنني لا أزال صغيرًا، وذكريات ريم لم تعد بعد…]
لكن، يمكنه أن يشعر ببذور الأمل تنبت.
فيما يخص مسألة حجمه، فربما هناك حل قريب؛ وبلا شك، سيجد وسيلة لاستعادة ذكريات ريم.
وما سيأتي لاحقًا هو――
بياتريس: […هل حقًا لا بأس ألا تكون بيتي برفقتك، في الواقع؟]
سوبارو: [لا، لست بذلك الهدوء، لكن ذلك الرجل لن يظهر ما دمتِ هنا، يا بياكو، فاسمحي لي بأن أكون أنانيًا لبعض الوقت.]
بياتريس: [إذا حدث شيء، نادِ على بيتي فورًا، أظن. ستأتي بيتي طائرة “زيوووم”، في الواقع.]
سوبارو: [أعتمد عليكِ.]
حتى النهاية، لم تكن بياتريس راغبة في أن تفلت يد سوبارو.
الفتاة الرقيقة، التي تفيض بالمشاعر، فصلت يدها عن يده بلطف؛ وما إن غادرت إيميليا والبقية المقصورة على مضض، حتى تُرك سوبارو وحيدًا في مقصورة غمرها الصمت.
وما إن غادر كل من كان يملأ المقصورة بالحياة، حتى اجتاحت سوبارو مخاوف لا تُعدّ.
الانسحاب من العاصمة الإمبراطورية، ما مدى حجمه؟ هل تم فهم مصدر جيش الزومبي؟ هل تحسنت العلاقة بين الجيش الإمبراطوري والمتمردين؟ ولماذا تحدثت إيميليا والبقية فقط عن المواضيع السعيدة؟ ما سرّ تعبير تانزا الكئيب؟
وماذا عن الأحداث التي وقعت قبيل فقدانه الوعي، كيف انتهت؟
سوبارو: [حتى لو لم تجبني عن كل شيء، هل يمكنك أن تجيبني عن نصفها على الأقل؟]
؟؟؟: [――ذلك يعتمد على مدى استعدادك للتنازل.]
في غرفة النوم الخالية من الناس، جاءت كلمات الرد على حديث سوبارو الذي نهض بجسده من السرير، من شخص يبدو أنه كان ينتظر مغادرة الجميع.
دوى صوت خطوات أحذية تسير بثقة على الأرض، بخطى رزينة لا تخجل من أن يُكشف حضورها لمن حولها.
وضعه، وبريق عينيه الحاد، لم يختلف عن ذاكرة سوبارو. ومع ذلك، كان هناك شيء مختلف فيه، ذلك الرجل―― ذلك الشاب ذو الشعر الأسود، نظر إليه سوبارو مطولًا.
ثم――
؟؟؟: [ما مدى فصاحتك يا ناتسكي سوبارو؟ ――أيها الراصد النجمي لمملكة التنين.]
وهكذا، بعينين سوداويتين مشبعتين بالعداء، وجّه فينسنت فولاكيا سؤاله إلى ناتسكي سوبارو.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.