اللحظة التي وجّه فيها تلك اللكمة، كانت أكثر لحظة شعر فيها بالإحباط من كونه قد أصبح أصغر حجماً.
حتى أكثر من مأساة جزيرة المصارعين، التي استطاع فيها أن يوحّد الجميع لمنع وقوع أمرٍ ما؛ وحتى أكثر من الـ«سباركا» التي استخدمها لكسب غوستاف إلى صفّه؛ وحتى أكثر من حواره مع سيسيليوس تحت ضوء القمر؛ فإن هذه اللحظة بالذات، التي شعر فيها أنه كان يستطيع أن يلكمه بقوةٍ أكبر لو كان يملك جسدًا أكبر، قد أغضبته بشدة.
فنسنت: [أنت…!]
تلقّى الإمبراطور، بوجهه الملطخ بالدماء، لكمة سوبارو الشاب على خده الأيسر، واتسعت عيناه بدهشة.
وقد توجّه بنظره نحو قدميه، محدقا إلى سوبارو الذي سقط أرضًا بعدما فشل في الهبوط على قدميه. إلا أن وجهه، على الرغم من تعابيره المصعوقة، لم يكن يحمل أي سخط. فقد كانت دهشته أعظم من شعوره بالإهانة.
الإمبراطور، وقد شعر بالصدمة أكثر من الألم بسبب لكمة سوبارو، وضع يده على الموضع الذي أصابته فيه الضربة، وقال:
فنسنت: [ألا تعزّ حياتك؟! لو أنني رفعت يدي، فإن لهيب سيف اليانغ سيحرقك حرقًا…]
سوبارو: [أجل، حياتي لا تهمني! مقارنة بتركك ترحل دون أن ألكمك كما يجب، فإن الموت حرقًا لا يخيفني أبدًا!]
فنسنت: [ماذا…؟]
نظر إليه الإمبراطور بحدة، فقفز سوبارو أمام عينيه وردّ بقوة.
وفي تلك اللحظة، إذ لا يزال التعب يسكن جسده، فقد توازنه وسقط للخلف، مرتطمًا بالباب. إلا أن ذلك كان مناسبًا تمامًا. إذ أسند جسده على الباب ناشرًا ذراعيه، مانعًا الإمبراطور من التقدّم.
ادّعاؤه بأنه لا يقدّر حياته لم يكن إلا كذبة صريحة.
لكن، في هذا السجال، لم يكن يرغب في إظهار أدنى بادرة ضعف.
فهذا الإمبراطور كان يبدي كل ما لديه من كلمات بلا مواربة، لذا سواء أكان بالكلمات أم باللكمات، فإن سوبارو لن يرضى دون أن يرد الصاع صاعين.
سوبارو: [كما تقولون أنتم دائمًا… لا أظن أن أحدًا سيفهمني. حتى أنا نفسي، لا أفهم تمامًا ما هي معاييري حين أتحرك.]
فنسنت: [أنتم؟ من تعني بـ”أنتم”؟]
عض الإمبراطور شفته، وعبس بينما سوبارو يرمقه بنظرة صارمة.
وأنزل يده عن خده الملطخ بالدماء التي سالت من يد سوبارو، ووقف عاجزًا عن فهم كون كلام سوبارو موجّهًا لأكثر من شخص، وربما لأحد غيره.
لكن، مهما فكر وتعمّق، لم يكن ليفهم. فالرجل أمام سوبارو هو الإمبراطور، والرجل الآخر ليس سوى جندي بسيط لا يحمل رتبة.
ومع ذلك، فإن الجراح التي خلّفاها في سوبارو، والندوب التي أشارا إليها، كانت واحدة.
سوبارو: [أريد أن أُعلي شأن من أحبهم، وأحمي من يهمّونني. هذه مشاعري الصادقة. لكن، حتى لو كان شخصًا أكرهه أو لا أعرفه، ووُضع في خطر أمامي، فأنا…]
كان تود قد قال إن سوبارو سيختار من ينقذه بناءً على مشاعره الشخصية من حب أو كراهية.
وكان آبل قد قال إن سوبارو يندفع لإنقاذ الناس دون اعتبار لمشاعره تجاههم.
كلاهما كان على حق، ولأن كليهما على حق، فإنهما كانا مخطئين.
لأنه في النهاية――
سوبارو: [لكن… هل هذا أمر سيء فعلًا؟]
فنسنت: [ماذا قلت؟]
سوبارو: [هل هذا أمر سيء؟ أن أنقذ من هم أمامي بدافع لحظة، من دون أن أمتلك عزيمة لحمل العالم على ظهري، ومن دون أن يكون وراء تصرفي أي معنى سامٍ، هل هذا سيء فعلًا؟!]
رفع سوبارو صوته وهو يضرب الأرض بقدميه بعنف، بينما اتسعت عينا الإمبراطور السمراء بدهشة.
وعلى الرغم من أنه لا يزال في خضم تعبيرات وسلوكيات غريبة عنه، أصرّ سوبارو على الحصول على جواب.
سوبارو: [كما قلتَ تمامًا! أنا ألتفت فقط لما هو أمام عيني، وأبذل جهدي في الوصول إلى أبعد مدى أستطيع، هكذا كنت حتى اليوم. فما الخطأ في ذلك؟!]
فنسنت: [أتعترض الآن؟! وما الخطأ، تقول؟ أليس واضحًا؟ لماذا لا تركّز على الصورة الأوسع، وتتصرف بدلاً من ذلك بناءً على مشاعرك الأنانية؟ السلطة الممنوحة لك، لماذا لا تحسن استخدامها؟!]
سوبارو: [أنا أستخدم كل شيء! وأنا واقف هنا لأنني أحسنت استخدامها! لا تصرخ عليّ وكأنك تتكلم مع طفل! لا تتحدث كالأحمق! كيف أستخدم مشاعري أمر يخصني!]
فنسنت: [فإذًا، تصرّف وفقًا لتلك المشاعر! إن قررت أن تحكم بالموت أو الحياة على أحدهم بناءً على مشاعرك، فلا تحِد عن هذا الطريق! أسلوبك في العيش مليء بالتشوهات.]
سوبارو: [إذا كانت حياة مستقيمة تعني امتلاك شخصية مشوهة، فأنا أرحّب بأن أكون مشوهًا!]
ومع استمرار الإمبراطور في توبيخ سوبارو، ردّ الأخير بركلة قوية. وبدأ يركل ساق الإمبراطور مرة تلو الأخرى، إذ فاض غضبه ولم يعُد قادرًا على كبحه.
وبينما يوجه تلك الركلات المشبعة بالغضب، تقلّص وجه الإمبراطور، ثم قال:
فنسنت: [لن نتحدث بعد الآن.]
قالها محاولًا إنهاء الحوار من طرفٍ واحد. مرةً أخرى، أنهى الأمر من طرفٍ واحد.
وبمحاولة منه لترك الخلاف في وجهات النظر بهذا الشكل، أمسك الإمبراطور بكتفي سوبارو، محاولًا إزاحته جانبًا. وبما أن جسد سوبارو جسد طفل، لم يكن له أن يصمد أمام قوة رجل بالغ.
ولهذا السبب، عضّ سوبارو يد الإمبراطور بكل ما أوتي من قوة.
فنسنت: [――هك، أنت!]
سوبارو: [توقّف عن التصرف بأنانية!]
عضّه دون تردد، وطبع على يده اليمنى جرحًا ناتجًا عن العضة. ويده اليمنى التي نزفت وهو يحررها بالقوة، ومع يده الأخرى المصابة بجراح من السكين، كانت يداه الاثنتان تفيضان بالدماء.
جعل سوبارو قمة الإمبراطورية النبيلة والعظيمة تنزف، ولم يكن له أن يفلت من عقوبة الإعدام.
سوبارو: [لن يحصل ذلك إلا إذا بقيت الدولة موجودة، أيها الأحمق!]
فنسنت: [ما الذي… غووه!!]
في اللحظة التي تحرر فيها، أمسك سوبارو الصغير الإمبراطور من الأمام، وضغط برأسه على بطنه، وقصده من الخلف بركبةٍ خاطفة. أسلوب قتالي تعلمه من فايتس، الذي ابتكره بنفسه.
وتابع تنفيذ تعليمات فايتس، فاعتلى جسد الإمبراطور وتربّع عليه، مهيمنًا بأسلوب الشارع.
ومع سقوط الإمبراطور على ظهره، جلس سوبارو على صدره ليشلّ حركته، وأمسك بياقته وضرب رأسه بالأرض. فإن ضُرب مؤخر الرأس مراتٍ عدة، فحتى أعظم الرجال سيفقد وعيه.
إلا أن――
فنسنت: [لا تتمادى كثيرًا!]
الضربة الأولى سببت الصدمة؛ والثانية أحدثت البلبلة؛ أما الثالثة، فعلى الرغم من نجاحه في ضرب رأسه، فقد أوقفه فرق بسيط في القوة. بل إن الإمبراطور أمسكه من شعره، وأطاح به جانبًا.
صرخ سوبارو بـ«غياااااه!» وهو يتدحرج على الأرض، وشاهد في زاوية بصره الإمبراطور ينهض مرة أخرى، ويحاول التوجه إلى الباب.
سوبارو: [لن أسمح لك!]
قفز على ركبتي الإمبراطور من الخلف، وبقوة جسده الصغيرة أوقفه من التقدم نحو الباب. لكن بسبب قوة الاندفاع، سقط الإمبراطور للأمام.
والنتيجة――
فنسنت: [بوه.]
ثم، وبضربة ثقيلة، ارتطم وجه الإمبراطور بباب المقصورة.
فنسنت: [――――]
صوت قوي تردّد في المكان، صوت ارتطام يديه بالباب الذي انطبع عليه وجهه. ونهض الإمبراطور من جديد بعد أن سقط عليه، ثم التفت، وأمسك بياقة سوبارو بكلتا يديه ورفعه.
ودار جسداهما ليتبدل الموقعان، وارتطم ظهر سوبارو بالباب وضُغط عليه بقوة، فأنّ من الألم.
وكان وجه الإمبراطور، وأنفه وجبهته، قد احمرا من الضرب، وحدّق في سوبارو من مسافة قريبة، وأرجُل الأخير تتدلّى في الهواء.
فنسنت: [أنت، ما الذي تريده؟ ما هو هدفك؟ ما الذي ترغب فيه؟!]
سوبارو: [أريد أن ألكمك! هدفي أن ألكمك! ورغبتي أن ألكمك!]
فنسنت: [أنت…!]
سوبارو: [وأنت، ما الذي تريده؟ ما هو هدفك؟ ما الذي ترغبه بحق الجحيم؟!]
فنسنت: [――――]
أمسك سوبارو بياقة الإمبراطور، ومزّق يد الإمبراطور وهو يصرخ مزمجرًا.
ثم لفّ رأسه وفتح فمه محاولًا عض يد الإمبراطور مرة أخرى، لكنه لم يتمكن من الوصول إليها. لكن على الأقل، سال لعابه على يد الإمبراطور وهو يبصق.
وبينما تُلطخ يد الإمبراطور بلعاب سوبارو، تصلّب خده لسببٍ مختلف عن الإهانة، وتمتم قائلًا:
فنسنت: [رغبتي…؟]
سوبارو: [أجل. لا بد أن هناك شيئًا أردت فعله غير إلقاء الكلام الفارغ عليّ. وإلا، لما جئت إليّ في وقت مزدحم كهذا.]
فنسنت: [――――]
سوبارو: [ألست أنت من لا يفهم نفسه أكثر من أي أحد؟ وأنت تتحدث قبل قليل، كان هناك أمر واحد وضعت فيه أكبر قدر من الحماس، وأكبر قدر من المشاعر. هذا هو الأهم بالنسبة لك.]
موضوع الإخلاء من العاصمة الإمبراطورية، وموضوع الشك في كون سوبارو أحد المتنبئين. موضوع التعامل مع إميليا والباقين القادمين من المملكة، وموضوع التباين الناجم عن عدم فهم طريقة سوبارو في العيش.
وحين أعاد التفكير، لم يتفوّه هذا الحقير بأي كلمات تعاطف مع سوبارو بعد استيقاظه من غيبوبته؛ ولم يعلّق بأي شيء على كونها أول مرة يلتقيان فيها بعد مدينة الشياطين.
لكن، متجاوزًا كل تلك المواضيع، كان من الواضح أيّها كان الأهم له.
سوبارو: [――تشيشا.]
فنسنت: […لماذا، ناتسكي سوبارو.]
الغليان الذي بلغ ذروته في نزالهما اختفى، لكن بدلاً منه، ظهرت حرارة باردة، حرارة أُشعلت بسبب ذلك السؤال الذي طُرح مرة أخرى.
فإن كانت النيران المصاحبة للعنف لهبًا قرمزيًا، فإن ذلك السؤال قد جاء بنارٍ زرقاء.
وذلك التوهّج الأزرق المتأجج في عينيه، أحرق سوبارو الواقف أمام الإمبراطور، بينما الأخير يطرح سؤاله:
فنسنت: [أنا من درّبَه. ولو كان هو في مكاني، لكان أدى المهمة نفسها دون أي انحراف. بل ربما تفوّق عليّ في القوة القتالية، حسب الظروف.]
سوبارو: [――――]
فنسنت: [لم تكن هناك أيّ فروقات بين قوتي وقوة ذلك اللعين تشيشا. أيّنا بقي كان سيواصل القتال ضد الكارثة الكبرى، ويقوده حتى النهاية. ――لماذا.]
محدّقًا مباشرة في عيني سوبارو السوداوين، تذبذبت عينا الإمبراطور―― لا، عينا آبل السوداوين.
القناع الذي ارتداه بصفته الإمبراطور، والذي على الأرجح ارتداه وقد عقد العزم ألا ينزعه مجددًا، تمزق عنه بعد وقتٍ قصيرٍ من تحليه بذلك العزم. وهكذا، حدّق سوبارو في وجه آبل.
وأخيرًا، لا بصفته إمبراطور هذه البلاد، بل كإنسان فقد عزيزًا عليه، لم يستطع آبل إلا أن يوجّه سؤاله إلى سوبارو.
فينسنت: [لماذا، تركتني أعيش رغم كراهيتك لي، وسمحت لتشيشا أن يموت، ناتسكي سوبارو؟]
بعد أن أدرك ما الذي أراد أن يسأل عنه سوبارو بنفسه، ألقى آبل عليه السؤال ذاته الذي طرحه قبل أن ينفجر النزاع بينهما.
الحزن والهشاشة اللذان تخللا صوته، لا يمكن مقارنتهما بما كان عليه قبل لحظات.
الإمبراطور المعروف باسم فينسنت فولاكيا، استغل كل ما يملك دون استثناء لأجل الإمبراطورية.
حاكم البلاد العظيمة التي تملك أوسع الأراضي بين ما يُعرف في هذا العالم بالدول العظمى الأربع، كان فينسنت فولاكيا إمبراطورًا، كيانًا حاضرًا في كل مكان، يرى كل شيء.
أن يصدر هذا الإمبراطور، المعروف بفينسنت فولاكيا، ذلك السؤال لا لأجل الإمبراطورية، بل بصفته إنسانًا واحدًا فحسب، كان دليلًا على أن هذا السؤال الواحد يحمل من الثقل ما يعادل ثقل الإمبراطورية ذاتها.
مدركًا لذلك في جلده، وفي دمه، وفي عقله، وفي روحه، اضطرب قلب سوبارو.
وفي الوقت ذاته، وعلى النقيض من موجة مشاعر آبل، كانت مشاعر سوبارو هادئة.
سوبارو: [――――]
لماذا، يا ترى، كان لا بدّ لذلك الشخص المسمى تشيشا أن يموت؟
دون أن يدرك سوبارو، وُضع آبل وتشيشا كلٌّ منهما في كفة ميزان، وسقطت إحدى الكفتين في هاوية لا نجاة منها.
ولهذا، كان آبل ينوي أن يتشارك مصير الميزان، حين تميل كفته نحو الهلاك.
ذلك التصوّر، مُحي وأعيد رسمه. ―― وعلى الأرجح، بفعل تشيشا الراحل نفسه.
――يبدو أن آبل كان قد استعد منذ زمن بعيد لموته الشخصي.
فمن وُلد، سيصل يومًا ما إلى نهاية حياته. جميعهم يعلمون هذه الحقيقة. لكن بدا وكأن وضع آبل يختلف تمامًا عن الواقع الذي يتجاهله الناس دون وعي.
الاستعداد للموت المحتوم، لم يكن يختلف عن مواجهة سوبارو لمفتاح “العودة بالموت”.
دائمًا، كان آبل يواجه موته المنتظر وجهًا لوجه.
وبالعزم ذاته الذي يحملُه سوبارو، الساعي إلى تغيير حتميّة الموت، والمقاتل حتى النهاية من أجل تغييره مهما كان الثمن، واصل آبل القتال.
فلو لم يمت سوبارو، لماتت إميليا، وريم، وبياتريس.
أوتو والجميع، تانزا والجميع، شعب الشودراك، فلوب وميديوم، عدد كبير من الناس كان سيموت. وفي مقابل حياته، حاول أن يُنقذهم جميعًا.
فإن كان قد كرّس عزيمته كلها لأجل ذلك، فلا بدّ أن آبل فعل الأمر ذاته.
فينسنت: [لقد أعددت كل شيء وأنا أضع ذلك النتيجة نصب عيني. ولكن، مع ذلك――]
إميليا، وريم، وبياتريس، جميعهنّ اتخذن مكان سوبارو، وسمحن له بالبقاء حيًا.
كي يحيى سوبارو، أصبح أوتو والجميع، تانزا والجميع، شعب الشودراك، فلوب وميديوم، وعدد كبير من الآخرين، قرابين لبقائه على قيد الحياة.
حتى وإن لم يستطع أحد أن يفهم تلك اليأس، كان ناتسكي سوبارو هو الشخص الوحيد الذي يجب عليه أن يحتفظ به في ذاكرته.
ولإبطال تلك الإمكانية، ولطَمْس تلك الحقيقة بواسطة سلطته، كان ناتسكي سوبارو هو الشخص الوحيد الذي لن ينكر اليأس الذي يعانيه آبل، دون أن يدير ظهره له.
بعد أن فهم واستوعب، كان هناك أمر يجب عليه أن يقوله أيضًا.
سوبارو: [――لستُ من المحدقين إلى النجوم، يا آبل.]
فينسنت: [――――]
الكلمات التي تفوه بها، على الأرجح بدت خيانة لآبل، في هذه المرحلة المتأخرة.
في هذه المرحلة، لم يردّ سوبارو على رغبة آبل، بل احتفظ بها في قلبه. لكن، مهما راوده الشك في أمر سوبارو، فلن يتغير الواقع.
ربما كان في وسع سوبارو أن يفعل ما يفعله أولئك المتطلعون إلى النجوم.
وربما كان يملك وسائل للتدخل في المصير تفوق ما في وسعهم.
ومع ذلك، لم يكن كليّ القدرة. ولن يكون كذلك أبدًا.
سيكون أمرًا جيدًا لو كان كذلك، لكنه لن يكون كافيًا أبدًا ليطمح إلى أن يصبح كذلك.
سوبارو: [ولهذا، لم أستطع إنقاذ هذا الشخص الذي تتحدث عنه، تشيشا. ولا كنت لأعرف كيف أنقذه أصلًا. لكن، سأقول شيئًا واحدًا فقط…]
فينسنت: […وما هو؟]
سوبارو: […حتى لو افترضنا أنني أملك تلك القوة التي تتحدث عنها، فسأختار أن أنقذك، رغم كرهي لك، بدلًا من إنقاذ شخص لا أعرفه. ليس بسبب رؤى مستقبلية أو حسابات… فقط، هذا ما سأفعله. هذا ما سأفعله حتمًا.]
وبالفعل، حتى هو نفسه رأى في طبعه هذا عجزًا لا علاج له.
لكن، تلك كانت النتيجة التي بلغها ناتسكي سوبارو، بعد أن استشار قدراته، وفي حدود ما فهمه عن إمكانياته الخاصة.
فينسنت: [――――]
ببطء، تلاشت القوة من قبضة آبل على ياقة سوبارو، وأُطلق جسد سوبارو.
وبينما انزلق ظهره على باب المقصورة، انزلق جسده نحو الأسفل. وحتى الآن، كانت يد آبل ما تزال ممسكة بياقته، لكن أصابعه، التي بيضت بفعل القوة التي بُذلت، فقدت ذلك البياض مع انحسار القوة.
ولو شاء حقًا أن يبعد تلك اليدين، لفعل ذلك بسهولة. لكنه لم يفعل.
بل، وبينما كانت تلك اليدان لا تزالان تمسكان بياقته، ناداه باسمه: “آبل”――.
فينسنت: [إن كنت تدّعي أنك لست من المحدقين إلى النجوم…]
كان ذلك صوتًا واهنًا انبثق من شفتي آبل.
لكن، آبل لم يكن راضيًا عن الصوت الذي نطق به، ولم يكمل. بدأت عيناه السوداوان بالتجول، باحثتين عن الكلمات التي يبتغيها قلبه حقًا.
سيضع مشاعره في كلمات.
ربما، الإمبراطور الذي لم يفعل ذلك ولو مرة واحدة في حياته، لم يفعل شيئًا يستطيع حتى طفل صغير فعله، قد يفعل ذلك الآن.
فينسنت: [أنت… كنتَ ستحاول إنقاذي مهما كلّف الأمر…]
سوبارو: [――――]
فينسنت: [وفي موقف تكون فيه بقاء الإمبراطورية على المحك، تشغلني بتوافه لا معنى لها…]
سوبارو: [――――]
فينسنت: [أنا… أنا! منذ أن رأيت طريقتك في الوجود…]
سوبارو: [――――]
كل مرة، كانت كلماته تتعثر في منتصف الطريق.
لا الكلمات، ولا المشاعر، كانت كافية للتعبير عما يعتمل في قلب آبل. مرارًا، كان يتوقف عن الكلام، ويعيد صياغة كلماته، ويصححها؛ ومع ذلك، لم يستعجله سوبارو.
فينسنت: [أنت… تكرهني، وتراني عدوًا…]
ولأنه أدرك بعقله الراجح أن الرد الذي يبحث عنه لا يكمن في كلماته المترددة، بدأ يكرر ما ينبغي عليه قوله، مرة تلو الأخرى.
هو، المعروف بالحاكم الأذكى منذ تأسيس إمبراطورية فولاكيا، الرجل الذي تحترم حكمته الجميع، فعل ذلك.
وهكذا، وبعد تكرار تلو تكرار، تمكّن أخيرًا من قوله.
فينسنت: [أنا…]
سوبارو: [――――]
فينسنت: [أنا… كنت قد أعددت نفسي للموت… لكنني لم أُعِد نفسي… لفقدان شخص عزيز.]
فقد صنع عزيمته على أن يكون هو الراحل، لا من يُترك خلفًا. فلم يكن مستعدًا لذلك.
وربما، حتى إنه فكّر مسبقًا في الكلمات التي سيقولها في لحظاته الأخيرة. وربما، لو فتش أحدهم، لوجد ملاحظات متروكة هنا وهناك بعد موته.
كل شيء فعله، كان لأجل تسليم المشعل لمن سيواصل المسير من بعده، وقد فعل ذلك بعزيمة لم تفكر حتى في احتمال أنه سيكون هو من يُسلَّم إليه المشعل.
فينسنت: [لماذا.]
بصوت مرتجف، سأل هذا السؤال.
وبينما كان يتحدث بذلك الصوت المرتجف، نزع آبل يديه عن ياقة سوبارو. تلك اليدان، الملطختان بالدماء، رفعهما إلى وجهه، وحجب بهما ملامحه.
الإمبراطور، الذي لم يكن يغلق عينيه حتى أمام الآخرين، غطّى وجهه بكلتا يديه.
فينسنت: [لماذا، تركتني خلفك ومِتّ، يا تشيشا…؟!]
بوجهه المخفيّ بين يديه، وبصوت مرتجف، وعينين سوداوين ربما دمعتا، سقط فينسنت فولاكيا على ركبتيه.
فقدَ شخصًا عزيزًا للغاية، رجلٌ على الأرجح لم يكن يملك حتى وقتًا للحزن، وها هو، دون أن يضطر لارتداء قناع الإمبراطور أمام شخص وقح ومزعج يكرهه، سقط على ركبتيه.
وحين رأى ذلك، سوبارو، بعد أن أخذ نفسًا عميقًا وطويلًا للغاية――،
سوبارو: [――أنا آسف.]
قالها، كمكافحٍ آخر يقف في وجه مصيرٍ ظالم، إلى ذلك المكافح الذي جُرح وهو يواصل نضاله بصدق، وقال له كلمات لا يمكن لها أن تكون عزاءً أبدًا.
△▼△▼△▼△
حين ضرب آبل وهو يحاول المغادرة، ما تبادر إلى ذهن سوبارو كان ذكرى تلك اللحظة التي لكمه فيها أوتو بطريقة مشابهة ذات مرة.
سوبارو: [أنت مذهل، بحق. لا يمكنني أن أكون ذكيًا مثلك أبدًا… لكني لن أقول ذلك له وجهًا لوجه.]
فهو سيشعر بالإحراج والانزعاج، ولم يكن يرغب حقًا في قول ذلك مباشرة لذلك الشخص.
أقصى ما كان مستعدًا لفعله هو أن يأتي يوم، حين يحتضر أوتو من كِبَر السن، فيجلس إلى جانب سريره ويقول: “بصراحة، كنت أظنك مذهلًا.” وإن فعلها حقًا، كان يؤمن أن أوتو، حتى في لحظاته الأخيرة، سيرد عليه قائلًا: “لماذا إذن كنت صامتًا كل هذه السنين!؟”
ومع ذلك――،
سوبارو: [――――]
بصوتٍ خافت، استند آبل بجسده إلى جدار المقصورة وهو جالس على الأرض، يراقب داخل المقصورة المعتم، وهو يحتضن إحدى ركبتيه.
وسوبارو، بدوره، جلس إلى جانبه وقد شبك ساقيه، مستمتعًا بصمتٍ شارد.
من البداية، كانت مشاعر سوبارو الحقيقية دون شك مزيجًا من الامتنان نحو أوتو، ورغبة في مضايقته قليلًا.
في وقت مضى، حين كان سوبارو على وشك الانهيار تحت عبء محاولته حمل كل شيء وحده، وجه أوتو لكمة إلى خده، ووبخه بكلمات كان يحتاج إلى سماعها.
قال له إنه يتظاهر بالقوة أمام أصدقائه دون فائدة. ――تلك التجربة منحت سوبارو الشجاعة للنهوض من سريره.
لكن، مع ذلك――،
سوبارو: [لسنا أصدقاء، أنت وأنا.]
فينسنت: [――. بطبيعة الحال. لا تنطق بأشياء مثيرة للاشمئزاز كهذه. أن أكون صديقًا لك… لا، لا حاجة لي بأصدقاء أصلًا. ولن أرغب بهم أبدًا.]
سوبارو: [إذًا حجّتك ليست أنك لا تستطيع تكوين صداقات، بل أنك لا تريد؟ لقد فعلتُ ذلك أيضًا حين كنت أتظاهر بأنني ذئب وحيد متكبّر، لكن من حولك يستطيعون تمييز الأمر بسهولة.]
فينسنت: [وقاحتك لا تعرف حدودًا، أليس كذلك؟]
رغم جلوسهما بالقرب من بعضهما، لم يتبادلا النظرات، بل تبادلا الكلمات فحسب.
لم تعد المشاعر المحتدمة التي نتجت عن عراكهما العنيف حاضرة، لكنها في المقابل لم تتلاشَ إلى حد يجعلهما يقطعان حديثهما في منتصفه، ولم يكونا قادرين على التظاهر باللباقة.
كان وجه سوبارو وملابسه ويداه ملطخة بالدماء من كل الجهات.
وبالطبع، كان وجه آبل وشعره وملابسه مغطاة بالدماء كذلك.
داخل المقصورة، كانت الأغطية ملطخة بالدم، والسكين قد سقط على الأرض. لطخات الدم كانت متناثرة هنا وهناك، وآثار الأضرار وسفك الدماء كانت في كل مكان.
كمية الدماء لم تكن كافية لجعل المكان يُوصف بمسرح جريمة قتل، لكنها بالتأكيد كانت كافية ليبدو كمسرح جريمة.
سوبارو: [لكن، حتى لو ثرنا، ما كنا لنستطيع تدمير المقصورة بأكملها. هذا هو حدّ قدرتنا، أنا وأنت.]
حتى بعد أن انطلق سوبارو وآبل في نوبة جنونية بلا قيود، لم يتمكنا إلا من تحطيم الأثاث.
أما لو كان من قام بالهيجان أولئك الأشخاص الخطرون حقاً في هذا العالم، فإن المقصورة كانت ستُدمَّر في غمضة عين، دون أن تبقى لها أي آثار. كم من الوقت ستستغرقه إيميليا، بوجهها اللطيف ويديها الظريفتين، لتفكك هذه المقصورة بلطافة؟
سوبارو: [حتى لو تخاصمنا، لن يكون الأمر ظريفاً على الإطلاق.]
فنسنت: […ما مشكلتك بالضبط؟]
سوبارو: [وماذا عنك أنت؟ ما مشكلتك اللعينة؟ سأقول لك، قصتك مشتتة لدرجة أني لا أفهم حتى ما الذي تحاول الحديث عنه.]
فنسنت: [――――]
صمت آبل وأخذ يفكر.
ويبدو أن سبب سكوته كان إدراكه لتشوش المواضيع التي تناولها. كان ذلك نتيجة لسد أذنيه عن نداء نواياه الحقيقية، واختياره فقط المواضيع التي تروق له وتنساب بسلاسة؛ وبسبب توتره، لم يتطرق لموضوع واحد بصدق.
تلك كانت طبيعة خطابه حتى لحظات مضت، وقد أصبح الآن مدركًا لهذا النقص فيه.
ومن هنا، انتظر سوبارو ليرى كيف سيتدارك الأمر――،
فنسنت: [ناتسكي سوبارو، هل صحيح أنك لست من “محدقين النجوم”؟]
سوبارو: […صحيح. لست مراقب نجوم ولا شيء من هذا القبيل. أشياء مثل التنبؤ بالمستقبل تناسب طائفة الساحرة أكثر مما تناسبني. لا أتوافق مع أولئك الأوغاد.]
فنسنت: [لقد سمعـتُ أنك أطحت باثنين من أساقفة الخطايا في لوغونيكا.]
سوبارو: [الأمر ليس علنياً، لكن في الحقيقة، العدد ثلاثة. الشره أيضاً… لا، من الصعب أن أقول إن الشره قد هُزم فعلاً، لذا انسَ هذا الموضوع. حالة لويس أيضاً… آه!]
فنسنت: [ما الأمر؟]
سوبارو: [أنت لم تفعل شيئاً للويـس، أليس كذلك؟ على كل حال، أنا ما زلت لم أغفر لك تلك المرة التي قلت فيها إنه يجب قتل لويس.]
في مدينة الشياطين “كيوس فليم”، كان موقف آبل الحازم تجاه لويس هو ما أدى إلى انفصال سوبارو عنه وعن الآخرين، ومضى بعدها ليعمل بمفرده.
وحين كُشفت هويتها كأسقف خطيئة، أعلن آبل أنها لن تُحتمل.
وبناءً على ذلك، انفصل سوبارو عن المجموعة، وشق طريقه مع لويس وحدهما، دون دعم، باتجاه قلعة يورنا――،
سوبارو: [رغم كل ما حدث منذ ذلك الحين، إلا أنني لا زلت لا أغفر لك.]
فنسنت: [لا تنطق بكلام أحمق. ومع ذلك، أليس أنت من كان يكره تلك الفتاة بشدة؟]
سوبارو: [الماضي ماضٍ، والحاضر حاضر. في المقام الأول، لو أنك حافظت على انطباعك الأول عني، لكنت تشكك في قواي العقلية بالنظر إلى من أتعامل معهم الآن.]
فنسنت: [عقلك كان موضع شك لدي منذ قرية الشودراكيين. ――قلقك لا داعي له.]
سوبارو: [هاه؟]
فنسنت: [لم يُلحق بها أي أذى. على كل حال، ما كنت أحاول قوله آنذاك لم يكن أننا يجب أن نُعدم شخصاً يبدو ظاهرياً أنه أسقف خطيئة، هناك وفي تلك اللحظة.]
سوبارو: [ماذا…؟!]
فنسنت: [لقد قفزت إلى استنتاج متسرع. فكّر ملياً في هذا.]
بعد أن قيل له إن قلقه لا داعي له، عجز سوبارو عن الرد. لكن، حتى لو كان ذلك صحيحاً، فإن برود آبل وعدم مبالاته كانا جزءاً من السبب الذي دفع سوبارو لاتخاذ قراره المتسرع.
فقد أدت تصرفات آبل السابقة إلى تلك الشكوك.
سوبارو: [تلك… كانت مشكلة في أسلوبك…]
فنسنت: [كان الأمر ضرورياً. فقط كإجراء احتياطي، حتى لا ترغب في بقائي على قيد الحياة.]
سوبارو: [――――]
فنسنت: [كل ذلك استناداً إلى افتراض أنك كنت من مراقبي النجوم. أنت، من تستمر في تحقيق إنجازات لم يُسبق لها مثيل في المملكة، قد قمت بأفعال لا يستطيعها أي شخص عادي.]
سوبارو: [هذا…]
فنسنت: [رغم ذلك، لم يكن هناك داعٍ لأن أُسيء إليك بهذا الشكل. حتى لو لم أتصرف بهذه الطريقة، فأنت من النوع الذي سيكرهني أشد الكراهية. البغض والازدراء، كلاهما يفيض من قلبك.]
سوبارو: [أيها الـ… اللعين…!]
سواء كانت كلماته كذباً أم صدقاً، خيراً أم شراً، فقد تسببت كلمات آبل في بروز العروق في جبين سوبارو.
لكن، بينما كان سوبارو يستكشف علاقته مع آبل وكأنه يمشي على الجليد، كان آبل يتعامل معه وهو يسير على حبل مشدود.
واحد على الجليد، والآخر على الحبل، لم يكن ممكنًا لهذا النوع من التفاعل أن يسير بسلاسة.
فكلٌ منهما كان منشغلاً بالنظر إلى موضع قدمه، دون أن يلتفت إلى وجه الآخر.
سوبارو: [أنا… لا أعرف شيئاً عن ذلك الشخص المسمى تشيشا. لقد أطاح بك من العرش، وتقمص شخصيتك متظاهراً بأنه الإمبراطور. التقيت به فقط في كيوس فليم، عندما كان يتظاهر بكونه الإمبراطور.]
فنسنت: [――――]
سوبارو: [لا أفهم ما الذي كان يفكر فيه، أو ما الذي كان يخطط له عندما أطاح بك من القصر. لكن، إن كنت قد أصبتَ بالإحباط بهذه الطريقة بسبب موته، وإن كان قد مات فعلاً بدلاً عنك، فأنا أستطيع أن أفهم ذلك. لذا…]
تحدث سوبارو بتردد، معبراً عما يجول في خاطره وهو يفكر فيه.
وبما أن هناك اتفاقاً غير معلن بينهما بعدم النظر إلى بعضهما، فلم يستطع سوبارو رؤية تعابير وجه آبل أثناء حديثه. وكان ذلك مخيفاً بعض الشيء.
فذلك الشخص كان ممن يأسى آبل لفقدانهم إلى درجة أنه فقد اتزانه النفسي.
وبالنسبة لسوبارو، فإن التحدث عن ذلك الشخص دون أن يعرف شيئًا عنه، قد يكون تعديًا على قلب آبل بشكل مبالغ فيه.
لكن، رغم ذلك، فكّر سوبارو.
رغم أن الفترة لم تكن طويلة، إلا أنه قد انخرط في موقف يتعلق بمصير أمة، وقد تم التلاعب به بالكامل من قبل هذا الرجل الذي يدعى آبل. ولهذا، فكّر سوبارو.
سوبارو: [ذلك الشخص المسمى تشيشا… لقد كان مذهلاً حقاً.]
ورغم أن الموقف لم يكن ملائماً، إلا أن سوبارو رفع رأسه وتحدث بصوتٍ مفعم بالحيوية.
لم يكن ذلك محاولة يائسة لإضفاء جو مرح، بل كان مدحاً، مدحاً نابعاً من قلبه.
في الواقع، كم عدد الأشخاص الذين يمكنهم أن يخالفوا توقعات رجل عُرف بأنه أذكى إمبراطور منذ تأسيس إمبراطورية فولاكيا، رجلٍ كان يشكّل كل شيء تقريباً داخل عقله فقط، ويقدّر الأمور التي تسير وفقاً لتوقعاته؛ كم عدد الأشخاص الذين يمكنهم أن يعارضوا ذلك ويحققوا أهدافهم بهذا الشكل الباهر؟
فقط ذلك كان كافياً لينال احترام سوبارو.
بل إنه قد قام بأفعال جعلت آبل نفسه، بعد أن تُرك خلفه، يبدو متردداً ومُحبطاً. لا يعرف إن كان ذلك ضمن التوقعات أم لا.
سوبارو: [قلتَ إنه لن يكون هناك فرق كبير بين أن تُترك أنت أو يُترك هو. إن كان هذا صحيحاً، فهناك سبب واحد فقط لما فعله.]
فنسنت: […أنت.]
تحدث سوبارو وهو يفكر، ومن دون أن ينظر إليه، نطق آبل بصوت خافت.
لم يكن من الواضح إن كان الغضب قد اختلط بنبرته أم لا، لا سيما أنه لم يرد بكلمات جارحة كما اعتاد سوبارو منه،
فنسنت: [أأنت تقول إنك تفهم؟ السبب الذي جعل تشيشا يتآمر علي؟]
في الواقع، كان ذلك أقرب إلى دعوة من آبل لسوبارو ليُفصح عن استنتاجه.
فنسنت: [――――]
آبل كان يريد جواباً.
جواباً لم يستطع حتى عقله الحاذق أن يتوصل إليه. أن يصدر مثل هذا الجواب من سوبارو، الذي لا يعرف شيئاً عن تشيشا، كان أمراً لم يكن متوقعاً منه، لكنه بدأ يتوقعه.
ورغم أنه لا يمكن إنكار أن هذه التوقعات تشكل ضغطاً إضافياً، إلا أن…
سوبارو: [مهما كان رأيك بي، لقد وصلنا إلى هذا الحد…]
وبما أنه قد وقف في وجهه مرة، فلم يعد هناك ما يدفعه للتردد في قول ما يفكر به.
السبب الذي جعل تشيشا يترك آبل بدلاً من أن يترك نفسه، وهو ما خطر لسوبارو――
سوبارو: [بما أن القدر كان يحاول قتلك، فقد استسلمت لخصمك الذي هو القدر. وهذا بالتأكيد أزعجه.]
فنسنت: [――هاه؟]
سوبارو: [هناك أيضًا احتمال أن تشيشا أراد إنقاذك ولو على حساب حياته. لكن، لا أظن أن هذا هو ما حدث هنا. لأنه، لا أحد قد يضحي بنفسه من أجل شخص يعيش كما تعيش أنت.]
فهو يفهم شعور أن يرغب المرء في إنقاذ شخص ما ولو كلفه ذلك حياته.
لكن كي يحمل المرء مثل هذا الشعور، عليه أن يكنّ لذلك الشخص حباً عظيماً، ويجب أن يكون هناك سبب يدفعه لذلك.
أن يكون مستعداً للموت المحتوم، ويقاتل بشدة ليُمهد الطريق لمن بعده، لا يبدو أن آبل من النوع الذي قد يحمل أحدٌ له مثل هذا الشعور.
لذا، كان هذا هو جواب سوبارو.
سوبارو: [تشيشا انزعج منك. وقد أثبت ذلك أيضاً.]
فنسنت: [أثبت ذلك؟ أثبت ماذا؟ …أنه تم التآمر ضدي، وأنني كنت أحمقاً؟]
سوبارو: [فلوب-سان وميزيلدا-سان على الأرجح لاحظا أيضاً أنك أحمق، لكن برأس ذكي. ما أعنيه هو… مدى امتداد ما يُسمى بالقدر.]
فنسنت: [القدر…]
كما لو أنه ينطق تلك الكلمة لأول مرة، تعرّف لسان آبل على ذلك المفهوم الغريب، وتمتم به.
في الواقع، بالنسبة لآبل، الذي كان يواجه كل شيء وجهاً لوجه، ويقاوم بلا نهاية مسلحاً بتوقعاته الخاصة، كان بوسعه التعبير عن جميع العقبات بالكلمات. وعلى الأرجح، لم يكن يدرك أن خصمه كان شيئًا عبثيًا وغير متجسد بهذا القدر يُدعى «القدر».
لكن، وبلا أدنى شك، فإن العدو الذي تقبّل آبل الهزيمة أمامه دون وعي، كان القدر.
وفي الوقت ذاته، أثبت تشيشا تلك الحقيقة بنفسه، مستخدمًا حياته ليمنح آبل فرصة البقاء.
سوبارو: [يمكن محاربة القدر. ――لا يوجد سبب للاستسلام، ولا حتى سبب واحد.]
فينسنت: [――――]
فيما كان يلتقط أنفاسه بخفة، ظل آبل صامتًا، كأن الكلمات التي قيلت له قد اخترقت قلبه مباشرة.
لو لم يؤمن بأن عدوه هو «القدر»، لربما لم يفكر أبدًا في محاربته، أو حتى في مقاومته. لم يكن ليخطر بباله أصلًا.
لكن، لو أنه علم بحقيقة ما هو هذا «العدو»، فماذا يمكن أن يحدث حينها؟
إن كان هو، الإمبراطور الأذكى منذ تأسيس إمبراطورية فولاكيا، قد عرف الهوية الحقيقية لعدوه، فماذا عساه أن يفعل؟
سوبارو: [――آبل، أنا لستُ ناظرَ نجوم.]
فينسنت: [――――]
سوبارو: [لكن――]
إلى جانب آبل، الذي بقي صامتًا، تكلّم سوبارو واضعًا يديه على ركبتيه المتقاطعتين.
حين اتُّهِم، أنكر. وحين أنكر، أُعيد اتهامه. ثم حين أُعيد اتهامه، أنكر مرة أخرى.
رغم أنه لا يستطيع شرح أو تأكيد مسألة سلطته، مسألة «العودة من الموت»، فقد اتخذ سوبارو قرارًا في قلبه أثناء هذا الحوار.
وذلك القرار كان هو نفسه ما كان ليكون جوابه المحتمل لتود فانغ، الذي حاصره بالكلمات حتى لم يترك له ردًا واضحًا قبل افتراقهما.
سوبارو: [سأنقذ أكبر عدد ممكن من الناس، طالما أنهم في متناول يدي. وحتى إن بقيت هناك أرواح لا أستطيع إنقاذها، فذلك…]
فينسنت: […هزيمة يسوقها إليك القدر، أليس كذلك؟]
سوبارو: [――. لا أستطيع تحقيق نصرٍ كامل. فبعد كل شيء، أنا لست الوحيد الذي يقاتل القدر.]
لم يكن قادرًا على إنقاذ كل شيء.
ولهذا، لم يستطع سوبارو أن يصرّح بأنه سينقذ كل شيء، حتى من هذه اللحظة فصاعدًا.
بينما يزأر متحديًا ذلك القدر الحتمي، وبينما يتعهّد بمواصلة القتال ضده، ومع ذلك، يواجه خسارة الأرواح، سيحزن ناتسكي سوبارو ويرثي، ليعود بعدها ويعلن تلك العبارات مرة أخرى.
وبهذه الطريقة، ومن أجل تقليل المرات التي سيتحسر فيها، ومن أجل تقليل عدد الدموع التي سيذرفها――
سوبارو: [أعرني قوتك، آبل. إن فعلت ذلك، فسأعيرك قوتي أنا أيضًا.]
فينسنت: [――――]
سوبارو: [من هذه اللحظة فصاعدًا، سأتعاون بكل ما لدي…! ومع ذلك، لن أقول شيئًا من تلقاء نفسي دون أن أتشاور مع إميليا والبقية، لكن هذا يعكس فقط مدى اندفاعي. لهذا السبب…]
قال ذلك، ثم صفق سوبارو بقوة على ركبتيه، ونهض واقفًا.
بعدها، ومن دون أن ينظر إلى وجه آبل، تقدم ببطء نحو منتصف المقصورة، إلى جانب السرير. وبنظرة جانبية إلى الأغطية المتناثرة والملطخة بالدماء، مدّ سوبارو يده إلى سلة الفواكه.
وفي داخلها، كانت ثمرة الآبا التي تركها آبل بعد أن قطعها إلى نصفين. كان مقطعها الأبيض قد بدأ يتحول إلى لون بنيّ فاتح نتيجة تعرضه للهواء، لكن سوبارو لم يُعر ذلك اهتمامًا، وأخذ النصفين.
ثم――
سوبارو: [ساعدني على إنهاء أكل الآبا التي قطعتها إلى نصفين.]
ورمى نصف الآبا نحو آبل، ثم غرس أسنانه في النصف الذي بقي معه.
وبصوتٍ لطيف، امتلأ فمه ببطء بعصارة الفاكهة الحلوة، بينما نظر سوبارو إلى وجه آبل، الذي لا يزال جالسًا على الأرض.
وقد التقط آبل ثمرة الآبا التي رُميت إليه، ونظر نحوها، ثم بعد لحظة من التردد، عضّ فيها.
وبصوت لطيف مماثل، من المفترض أن نكهةً حلوةً حامضةً قد ملأت فمه أيضًا.
سواء أعجبته أم لم تعجبه، كرهها أم أحبها، فإن ذلك لا علاقة له بتلك النكهة.
بوصفهما كائنين حيّين، لن يكون هناك فرق في طعم الآبا التي يتقاسمانها.
فينسنت: [ناتسكي سوبارو.]
سوبارو: [ما الأمر؟]
فينسنت: [لستُ مولعًا بك.]
سوبارو: [غه.]
فينسنت: [――لكن، أنا بحاجة إلى قوتك.]
قال ذلك، ونهض آبل ببطء واقفًا. وفي يده نصف ثمرة الآبا التي بدأ بأكلها، وجّه آبل عينيه السوداوين إلى سوبارو.
لقد أخفى مرة أخرى جميع الانفعالات غير المعهودة التي أظهرها داخل المقصورة تحت وعيه كإمبراطور؛ ومع ذلك، وبينما كانت تلك الانفعالات لا تزال تظهر بخفوت في عينيه وصوته،
فينسنت: [أعتذر عن تصرفاتي الوقحة الكثيرة. يا فارس المملكة.]
وعند رؤيته إمبراطور الإمبراطورية المقدسة فولاكيا ينحني برأسه، ابتسم سوبارو.
ابتسم، بينما كان يعضّ ما تبقى من ثمرة الآبا،
سوبارو: [أما أنا، فلن أعتذر عن تصرفاتي الوقحة العديدة، يا إمبراطور الإمبراطورية.]
وبذلك، تم اتخاذ الخطوة الأولى لتصحيح الخلل في علاقتهما، التي كانت قد بدأت على نحو خاطئ منذ بدايتها. الهزيمة أمامه دون وعي، كان القدر.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.