الفصل ١٧ : تايشوهو سحري *
**(اسلوب سحري (
…….
―― بقدر ما كان ذلك ضروريًا، كانت القناعة بأن هذه حالةٌ غير مسبوقة تتعمق أكثر فأكثر.
ومن بين الأحداث التي وقعت في لوغونيكا وسُجلت في كتب التاريخ، كانت هناك حالةٌ تشبه هذا الوضع الغريب ، لكن في تلك الأحداث، لم يُنظر إلى تلك الحالة على أنها أمرٌ كبير .
―― حرب أنصاف البشر.
كانت حربًا أهليةً واسعة النطاق اندلعت في الماضي في لوغونيكا، وهي الحالة الوحيدة المسجلة في التاريخ حيث نهض الموتى ليقاتلوا كأعداءٍ كما يفعلون الآن.
ومع ذلك، فقد ركزت كتب التاريخ بشكلٍ رئيسي على الصراع بين البشر وقبائل أنصاف البشر، ولم يتم تسجيل الهجمات الاستثنائية التي نُفذت خلال الحرب الأهلية بتفصيلٍ كافٍ.
وكان ذلك أمرًا مؤسفًا. لو تم تسجيل التفاصيل في ذلك الوقت بمزيدٍ من العمق――
“لن أتخلّف عن هؤلاء الأوغاد!!”
ومع زئيرٍ وضربةٍ قوية، طار جنود الإمبراطورية، بوجوه شاحبة ، دفعةً واحدة.
وبالاستفادة من الطاقة التي استخرجها بقوةٍ من الأرض التي ثبت قدميه عليها، أطلق ضربةً بكل قوته، ربما كانت أقرب إلى قطع سيف اكثر من مجرد لكمة.
―― بشكلٍ متتابع ، كرر الهجوم مرةً ثانيةً وثالثةً، ومع كل ضربةٍ كان يحطم صفوف العدو―― لا، لم يكن هناك ما يُطلق عليه “صفوف” من الأساس.
للوهلة الأولى، بدت ظلال العدو وكأنها تتقدم جنبًا إلى جنب، لكن لم يكن لديهم ما يُعرف بالقيادة التكتيكية أو التنسيق أو الاستراتيجية.
وإذا كان الحال كذلك، فإنهم مجرد مجموعة من الأفراد.
وإن كانوا مجرد مجموعة من الأفراد، فإن غارفيل لن يتراجع بأي حال.
ولكن――
“زه-آه! زواه!”
وبهجوم حاد ، وجه خصمه ضربةً مزدوجةً كادت أن تمزق عنق غارفيل.
شعر بشعره ينتصب، وحدق بحدةٍ نحو خصمه؛ الذي ظهر فجأةً بعدما ركل شظايا أحد الزومبي المتحطمين، كان زومبي لكن هالته بدت مختلفةً تمامًا عن الآخرين.
غارفيل: “تشي.”
ضغط بلسانه على سقف فمه، ثم رفع كتفه ولمس عنقه، حيث لامس طرف السيف جلده بشكلٍ طفيف.
كان مدى القطع يقترب من طول إصبع بين الضربة الأولى والثانية.
كانت هذه تقنيةً من مستوى رفيع، يقوم مستخدمها عمدًا بتوجيه ضربةٍ يمكن تفاديها، فقط ليحاول بعد ذلك أن يقطع رأس خصمه بالضربة الثانية.
كانوا مجرد مجموعةٍ غير منظمةٍ من الأفراد، ولكن أحيانًا كان بينهم من يمتلك هذه الدرجة من المهارة.
ونتيجةً لذلك، أصبحت المواجهة أكثر إزعاجًا مما كان متوقعًا، وافترض أن من بين كل عشرين زومبي ، يوجد واحد يتمتع بمثل هذه المهارة.
ولهذا السبب، لم يكن بإمكانه دعم رفاقه بلا مبالاةٍ قائلاً إنهم سيكونون بخير طالما عملوا معًا.
وبناءً على تقييمه للوضع، فمن الممكن تمامًا أن يتم القضاء على تشكيلٍ من مائة رجل بواسطة ميت متحرك واحدٍ يتمتع بمهارةٍ عالية.
الميت المتحرك (الزومبي) الماهر: “زه-آه! زواه――!”
تجعد أنف غارفيل، وما إن فعل حتى أطلق الميت المتحرك نفس الضربة المزدوجة من جديد.
وعلى عكس ما أظهره سابقًا، فقد أصبح مدى التقنية أكبر هذه المرة.
في المرة الأولى، كان الفرق بين الضربتين بطول الإصبع، أما الآن فقد أصبح بقدر قبضة اليد.
وكانت ضربةٌ عميقةٌ بحجم القبضة قاتلةً، بغض النظر عن مدى عمقها الفعلي.
ومع ذلك، فقد اتسعت عينا الزومبي الذي أطلق الهجوم ، لكشف عن وجه بعيد كل البعد عن ملامح الثقة بالنصر.
وكان السبب بسيطًا―― فقد تحطمت يده اليمنى، التي كانت تمسك بالسيف، عند المعصم.
غارفيل: “مهما زادت حِيَلكَ الواضحة، فإن قبضتك على السيف تبقى على حالها عند تنفيذ الضربة. «فالغرين ذو الرؤوس الثلاثة لا يملك سوى جسدٍ واحد»… هاه!”
وجه تركيزه إلى يد الخصم اليسرى، فحطمها بنفس الطريقة، ثم دفع قبضته إلى وجه خصمه المذهول.
وبمجرد أن اخترقت قوة الضربة مؤخرة رأسه، طار رأس الزومبي كما لو كان ثمرةً انفجرت فجأة.
ومع تحطم رأسه، امتدت شقوقٌ عبر جذعه وأطرافه، حتى تفتت جسده بالكامل.
غارفيل: “هذا لا يعجبني .”
وبينما كان ينظر إلى بقايا خصمه المهزوم، نطق غارفيل بهذه الكلمات.
ما كان يزعجه هو الطريقة التي يُهزم بها هؤلاء الأموات المتحركون ويتحطمون.
نظرًا لأنهم كانوا موتى أساسًا، فإنه لم يكن من المناسب وصف الأمر وكأنه موتٌ طبيعي، لكن أكثر ما أزعجه هو أن طريقة تحطمهم كانت تحرمه من الشعور بأنه كان يقاتل كائناتٍ حية.
لم يكن يتبقى سوى إحساسٍ باهتٍ وبارد، يتساءل عمّا كان يقاتله بالضبط.
غارفيل: “――――”
مسح غارفيل العرق المتجمع عند ذقنه بذراعه، وعندما نظر حوله، رأى تيارًا لا ينتهي من جنود الزومبي ، منتشرين على السهول الليلية التي أصبحت ساحةً للمعركة.
من أجل التصدي لهم، كانت هناك قوة تكتيكية للتأخير، والتي كان غارفيل من ضمنها، تقاتل بكل ما لديها.
في البداية، تم تعيين غارفيل في وحدةٍ طبيةٍ للاستفادة من مهاراته في السحر العلاجي، ولكن ما كان يناسب طبيعة غارفيل أكثر أن يكون جزءًا من خطةٍ لمنع الإصابات بدلًا من علاج المصابين.
“غارف-سان، قلقك المستمر مزعجٌ جدًا! إن كنتَ متوترًا لهذه الدرجة ، فاذهب وساعد الأشخاص الذين يقاتلون بنفسك.”
كان هذا ما قالته بيترا، التي كانت تعمل بجدٍ في نفس الوحدة الطبية التي ينتمي إليها غارفيل.
لم يكن الأمر بسبب إصرارها عليه، ولكن غارفيل اندفع إلى الخارج.
وفي الواقع، كان يعتقد أنه يحقق نتائج جيدة كمقاتل.
ومع ذلك، لم يكن مغرورًا بما يكفي ليقول إنه يقوم بأفضل عملٍ هنا.
والسبب كان――
“افعلوا ذلك――!!”
اخترقت صرخة حادة ظلام الليل، تلاها مباشرةً صوت إطلاق أوتار الأقواس بشكلٍ متتابع.
وبحسب النداء القادم من تاريتا، زعيمة شعب شودراك، انطلقت وابلٌ كثيفٌ للغاية من السهام.
بدلًا من سقوطها كسِهامٍ منفصلة، سقطت كدفعةٍ واحدةٍ من الهجمات، بحيث لم يكن هناك أيّ مجالٍ للمراوغة؛ الطريقة الوحيدة لتفاديها كانت إما الإمساك بها أو صدّها جميعًا.
وفي الواقع، كان الزومبي ، الذين لم يكن لديهم خيارٌ سوى مواجهة الهجوم، يحاولون استخدام أسلحتهم ودروعهم لصد السهام.
ولكن――
كونا: “لقد رأيته!”
هولي: “افعليها!”
كانت أعين الزومبي مركزةً على السماء، عندما أُصيبت إحدى المجموعات بسهمٍ ثقيلٍ أُطلق من قوسٍ قويٍّ بصوتٍ حازمٍ وحاسم.
ولكي يتم وصف المشهد بدقة، فإن القول بأنهم “تم اختراقهم” سيكون أقلّ مما حدث فعليًا؛ فقد كان التأثير الفظيع أقرب إلى اصطدامهم بعربة تنين مندفعة بكامل سرعتها.
أما الزومبي الذين اتخذوا وضعيةً دفاعية، فقد طاروا بعيدًا، ومعهم المجموعة التي كانت خلفهم في نفس اللحظة.
غارفيل: “ذاتي الرائعة لن تخسر أخسر أمامكم، لكن هذا جنوني بحق.”
الاموات المتحركون الذين كانوا ضعفاء تم القضاء عليهم بوابل السهام الذي اجتاح المنطقة، أما الأموات المتحركون الذين كانوا أقوى ونجوا من ذلك الهجوم، فقد تم قنصهم بواسطة القوس القوي.
كان إيقاع الصيادين المتناسق يثير إعجاب غارفيل بشكلٍ كبير.
حتى بالنسبة له، فإن حركته ستتوقف إذا تحول إلى قنفذٍ بسبب اختراق السهام لجسده، ثم يأتي الضرر الضخم من القوس القوي، وهو أمرٌ لا يمكنه تفاديه.
لهذا، كان من المريح أن يكون هؤلاء الحلفاء في صفّه.
غارفيل: “حسنًا، لا فكرة لدي عمّا يجري هناك…”
على النقيض من القوة الهائلة لشعب شودراك، كانت هناك مجموعة أخرى نالت إعجاب غارفيل بطريقةٍ مختلفة――
مجموعةٌ خشنةٌ في كل جوانبها، رافقت سوبارو الذي يُقال إنه قاتل بمفرده في الإمبراطورية؛ يُطلقون على أنفسهم اسم “كتيبة بلِيادِس”.
بلِيادِس: “هيا بنا هيا بنا هيا بنا هيا بنا――!”
بلِيادِس: “الأقوى! لا يُقهر! أحضرها! أحضرها!!”
بلِيادِس: “وووووووه――!!”
كانوا يصيحون بشكلٍ غير طبيعي وسط معركةٍ ليلية، ولم يتمكن غارفيل من رؤية أي شخصٍ يتمتع بمهارةٍ استثنائيةٍ في القتال.
بالطبع، بدا أن الكثيرين منهم قد صقلوا تقنياتهم إلى مستوى جنديٍ إمبراطوري، على الأقل.
كان من الصعب تحديد ما إذا كان معظمهم مدرّبين تدريبًا رسميًا، لكنهم كانوا بارعين في إطلاق العنان لغريزتهم والطريقة التي كانوا يصرخون بها في المعركة.
ولكن حتى مع ذلك، كانوا أقوياء.
كان الفارق في القوة الجسدية بينهم بالفعل أشبه بالفارق بين بالغٍ وطفل.
“إنه مشهدٌ جميل. قوتهم منعشة.”
وصل صوتٌ إلى غارفيل، الذي كان يراقب طريقة قتال كتيبة بلِيادِس.
وعندما التفت برأسه، كانت قد وقفت بجانبه امرأة ذات بشرةٍ بنية داكنة وشعر مصبوغٍ بالأحمر―― مزيلدا.
مزيلدا، التي كانت تملك ساقًا خشبيةً واحدة، ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ بلون الدم وهي تنظر إلى أسلوب الكتيبة العنيف في القتال.
غارفيل: “لا أفهم الأمر تمامًا، لكن يبدو أن لهم علاقةً بالقائد. أتساءل عمّا يفعلونه، لكنني لا أشعر بأيّ قلقٍ بشأن أنه قد يكون شيئًا سيئًا.”
مزيلدا: “القائد … سوبارو، أليس كذلك؟ إيميليا والبقية يضعون ثقةً كبيرةً فيه.”
غارفيل: “هاه! الثقة؟ هذه الكلمة لا تكفي لوصف الأمر. القائد رجلٌ يُعيد لي توقعاتي وثقتي به مئة مرةٍ أكثر!”
لم يكن ذلك مبالغةً أو ادعاءً فارغًا؛ فمن أعماق قلبه، لم يكن لدى غارفيل أيّ شكٍ في مدحه بهذه الطريقة.
وعند سماع ردّ غارفيل، تغيّرت طبيعة ابتسامة مزيلدا.
من قناع الحرب، إلى شيءٍ أكثر هدوءًا يحمل إحساسًا بالفهم العميق.
مزيلدا: “أنا أيضًا أفهم هذا الشعور. في طقوس الدم وفي جميع المعارك اللاحقة، استمر سوبارو في إثبات نفسه لنا. لديه روحٌ قتاليةٌ حقيقية. رغم أنه قد لا يمتلك ملامحًا جيدةً كرجل، إلا أنه سيكون زوجًا مناسبًا لتاريتا.”
غارفيل: “توقفي عن الحديث عن مظهره! القائد نفسه يشعر بالقلق تجاه تلك النظرة في عينيه! ثم…”
مزيلدا: “ثم ماذا؟”
غارفيل: “مهما كان عدد الأشخاص الذين يفتنون بالكابتن، فقد قرّر بالفعل من سيكون الشخص الذي سيقع في حبه.”
مزيلدا: “――أفهم. هذا صحيح.”
مرر غارفيل إصبعه على أنفه، وأومأت مزيلدا برأسها بتعمّق.
لم يكن متأكدًا ما اذا كانت كلماتها مجرد مزاح، او مدح حقيق له ، لكن حقيقة أن سوبارو كان يحظى بتقديرٍ داخل هذه الإمبراطورية أيضًا جعلت غارفيل يشعر بالفخر.
أينما ذهب، كان سوبارو يجمع من حوله ويحقق نتائج عظيمة.
ومع ذلك، رغم أن سوبارو كان ينسجم بشكلٍ استثنائيٍ أينما وجد نفسه، فقد كانت رغبة غارفيل والإرادة الجماعية للمعسكر بالكامل أن يبقى معهم.
ولهذا السبب، بذل الجميع قصارى جهدهم للاندفاع إلى مركز الإمبراطورية.
غارفيل: “ومع ذلك، كان لديهم الجرأة لإعاقة اجتماعنا بالكابتن… هك.”
كان غارفيل ضابطًا عسكريًا، يحب منافسة الأقوياء. لكنه لم يكن مهووسًا بالمعارك لدرجة أن يقاتل أيّ شخصٍ وفي أيّ وقتٍ ومكانٍ دون تفكير.
إن إعادة لمّ شمله مع رفيقٍ مهم، ثم أن يتم قطع تلك اللحظة السعيدة بسبب ظهور الأعداء بشكلٍ متكرر، لم يكن يملأ قلبه بالسعادة، بل بالكراهية الخالصة.
غارفيل: “لكنهم حقًا مجموعةٌ غريبةٌ حقًا ، أليس كذلك؟”
مزيلدا: “عودة الأموات إلى الحياة أمرٌ غير طبيعي. أفهم ما تقصده…”
غارفيل: “آه، ليس هذا ما أعنيه.”
مزيلدا: “――؟”
زمجر غارفيل قليلاً وهو يضغط على أنيابه، فرفعت مزيلدا حاجبها متسائلةً عن تمتمته.
وردًا على شكوكها، أومأ غارفيل برأسه، ووجه نظره نحو مجموعةٍ من الأموات المتحركين الذين لا يزالون هدفًا لسهام شعب شودراك.
غارفيل: “إن نظرت عن كثب، ستلاحظين… لا توجد طريقةٌ مؤكدةٌ للقضاء على هؤلاء. البعض يتحطم بسهمٍ واحد، بينما لا ينهار البعض الآخر حتى بعد تلقيه خمسة سهام.”
مزيلدا: “هناك أيضًا بعض الوحوش القوية. مثل البشر. أليس الأمر مشابهًا؟”
غارفيل: “أنا أعرف الفرق بين القوي والضعيف. هذا ليس مثل ذلك…”
لم يكن قادرًا على تفسير الأمر بشكلٍ جيد، لكن من وجهة نظر غارفيل، حتى بين الأموات المتحركين الذين بدوا متساوين تقريبًا في القوة، كان يشعر باختلافٍ في مستوى تحملهم.
كان يبدو أن إصابة سهمٍ في نقطةٍ حيويةٍ لم تكن دائمًا العامل الحاسم.
البعض لم يتأثر حتى عندما يخترق سهم أحد عينيه ، بينما بعضهم الآخر كان ينهار تمامًا بمجرد أن يثقب سهم في كتفه.
بدا الأمر وكأن تقييمهم بناءً على قوة أو ضعف طاقتهم الحيوية فحسب――
غارفيل: “تبًا! مجرد التفكير في ذلك يؤلم رأسي! إنه «غيلتي الذي سقط خطوةً قصيرة». إذا قمنا بسحقهم جميعًا، فلن يكون للأمر أيّ أهمية على الإطلاق…”
“――وهذا بالضبط ما قد يفكر به «غيلتي* الذي سقط خطوةً قصيرة»، أليس كذلك~؟”
(اسم وحش المصارعة الي واجهوا سوبارو ومجموعته)
في تلك اللحظة، اهتزت كتفا غارفيل بسبب الصوت الذي نزل من فوق رأسه.
وعندما نظر بسرعةٍ إلى الأعلى، رأى ظلًا يقترب ببطءٍ من سماء الليل الملبدة بالغيوم.
كان يتخذ شكل رجلٍ لم يكن غارفيل قادرًا على تحمله.
ثم――
“بما أنكَ تُكافح، دعني أُقدِّم لكَ يدَ المساعدة~.”
غارفيل: “دادلي، أيها الوغد…”
: “أوه، أشعر بالأسف وأنا أقول هذا بعد أن اعتدت أخيرًا على اسمي المستعار، ولكن بعد الاجتماع الذي أجريناه سابقًا، لم يعد هناك حاجةٌ لإخفاء اسمي~. لذا، كالعادة، يمكنك…”
غارفيل: “تبًا لكَ، روزوال…!!”
روزوال: “رغم أن هناك بادئة غير ضروريةٍ في ذلك، يمكنك مناداتي بهذا الاسم، فلا مانع لدي~.”
بالفعل، روزوال، الذي هبط على الأرض، كان يضحك، ويثير غضب غارفيل.
منذ أن تسلل إلى فولاكيا، ربما كان يخفي مكياجه الغريب وأزياءه المبالغ فيها، لكن طريقته الفريدة في الكلام، التي كان ينبغي أن يخفيها أيضًا، قد عادت الآن.
وبما أن الاسم المستعار قد تم التخلي عنه أيضًا، يمكن استنتاج أن المناقشات داخل عربة التنين قد انتهت على الأرجح.
المفاوضات التي أشار إليها أوتو، وفريدريكا، والبقية، للتوصل إلى اتفاق بشأن تورطهم مع الإمبراطورية―― دون إيذاء مشاعر سوبارو وإيميليا.
كان ذلك بحد ذاته أمرًا مفرحًا بالنسبة لغارفيل.
غارفيل: “إذا كنتَ قد أنهيتَم حديثكَم ، فأودّ أن أعرف كيف انتهى الأمر… بياتريس! هل غيّرتِ موقفكِ؟ نادرٌ أن أراكِ مع هذا الوغد.”
بياتريس: “الأمر ضروري ، في الواقع. لو كان ممكنًا، لفضلت بيتي ألا تبتعد عن جانب سوبارو ولو لثانيةٍ واحدة، أعتقد. لكن لا يمكن تجنّب الاعتماد على بيتي، في الواقع.”
ومع هذه الكلمات، قفزت بياتريس من ذراعي روزوال.
نظرًا لأن الأمر لم يكن سوى شهرٍ واحد، فإن كون بياتريس نشطةً حتى في غياب سوبارو كان لا يزال أمرًا جديدًا في ذاكرتها، لذا فبعد أن تمكنت أخيرًا من لمّ شملها مع سوبارو، كان غارفيل يعتقد أنها قد عزمت على ألا تبتعد عنه مجددًا.
في الواقع، تمامًا قبل أن يُغرق الجميع سوبارو، الذي استيقظ حديثًا، بالاحتضان داخل عربة التنين المزدوج، كانت الفتاة تهمس بهذه المشاعر، بعينين تحملان تصميمًا تامًا.
لكن ها هي تبتعد عن جانب سوبارو، وتأتي إلى ساحة المعركة مع روزوال――
بياتريس: “غارفيل، بيتي هنا لاستكشاف أصل الاضطراب الذي شعرتَ به، أعتقد.”
غارفيل: “أصل… ذلك الاضطراب؟”
روزوال: “إن دخلتَ معركةً دون معرفة عدوّك، فستكون نتائجك أقل من نصف ما توقعتَه. يجب أن تعوّض عن ذلك بمعرفة خصمك. لا سيما هذا العدو، الذي يحيطه الغموض بشكلٍ كبيـــــر.”
وبعد أن ترك بياتريس، لوّح روزوال بذراعيه وكأنه يشعر بشيءٍ من الوحدة.
وعند سماع كلمات الاثنين، شعر غارفيل بالتفاؤل بشأن نتيجة المحادثة، واشتعلت روحه القتالية.
رغم أن حامل هذا الخبر كان روزوال المكروه.
مزيلدا: “ليس دودلي، بل روزوال… إذًا هذا هو اسمك الحقيقي؟”
روزوال: “نعم، الآنسة مزيلدا. بسبب ظروفٍ معينة، اضطررتُ إلى تزوير اسمي. أعتذر على ذلك. ليس فقط أنا، بل حتى إيميليا-ساما، التي عرفتيها باسم إيميلي، كانت عليها فعل نفس الشيء.”
مزيلدا: “لقد قام بذلك رجلٌ ذو وجهٍ جميل. لذا فأنا أسامحك .”
بياتريس: “يا له من معيارٍ غريبٍ لاتخاذ القرار، في الواقع…”
هكذا فهمت مزيلدا مسألة الأسماء المستعارة وفقًا لقيمها الخاصة والفريدة.
بجانبها، كان غارفيل يُحدّق في الثنائي روزوال وبياتريس، وقال،
غارفيل: “إذًا، القتال سيستمر في الإمبراطورية، والسبب وراء مجيئكما هو…”
بياتريس: “الأحداث التي تتجاوز حدود المنطق، من الأفضل أن يتم تحديدها بواسطة السحرة الذين لديهم القدرة على التدخل في المنطق، كما أعتقد.”
روزوال: “هذا تعاونٌ تاريخيٌ بين لوغونيكا وفولاكيا. أثمن شيءٍ يمكن للمملكة أن تقدمه في المقابل هو تايشوهو (اسلوب ) سحريٌ لتحديد الســـــبب.”
إذا كان بإمكان معرفة ساحرٍ أن تساعد في الكشف عن سبب تدفق الزومبي اللانهائي ، فلا شك أنه لم يكن هناك أحدٌ في معسكر إيميليا أكثر تأهيلًا لهذا الدور من روزوال وبياتريس.
إيميليا كانت مستخدمةً لفنون الأرواح، رام كانت تعتمد على حواسها ، وبيترا كانت لا تزال في مرحلة التعلم.
روزوال: “كيف كان الوضع أثناء القتال ضدهم لفترةٍ طويلة؟ هل أدركتَ أيّ شيء؟”
غارفيل: “――لا أفهم تمامًا الفرق بين أولئك الذين يسهل هزيمتهم وأولئك الذين يصعب القضاء عليهم. أعتقد أن هناك سببًا غير مسألة القوة أو الضعف، لكن…”
روزوال: “هممم. إذًا فإن قدرة كل فردٍ على البقاء والحيوية تختلف؟”
ضغط غارفيل لسانه على سقف فمه وهو يحدّق في روزوال ، الذي كان غارقًا في التفكير وهو يضع إصبعه النحيل والطويل على ذقنه.
كان صحيحًا أنه لم يكن يحب أيّ حركةٍ يقوم بها روزوال ، لكن ضغطه على لسانه هذه المرة لم يكن بدافع الانزعاج منه، بل بسبب اعتماده على أفكاره ومعرفته.
لأنه، وبصدق، كان يعتقد أن روزوال موثوقٌ به في هذا الوضع.
بياتريس: “روزوال، التحديق في الأمر بشرودٍ لن يؤدي إلى الإجابة، في الواقع.”
روزوال: “أتفق معكِ. حسنًا إذًا، إذا وصل الأمر إلى هذا… بياتريس، كم بقي لديكِ من المانا؟”
بياتريس: “بعد لقاء سوبارو، أنا ممتلئةٌ تمامًا، كما أعتقد.”
روزوال: “جيد جدًا. إذًا….”
ابتسم روزوال فجأةً، وانكمشت عيناه ذات الألوان المختلفة ، وبعد لحظاتٍ قليلة، ظهرت أربعة أضواءٍ مختلفة الألوان―― مانا، تحوم في الهواء من حوله.
وبإيماءةٍ سريعة، فرقع روزوال أصابعه، فانطلقت تلك الأضواء الأربعة عبر ظلام الليل بسرعةٍ أشبه بالسهم، لتخترق مجموعةً بعيدةً من الزومبي ، بينما أظهرت كل واحدةٍ منها قدرتها الخاصة.
لحترق أحد الزومبي في ألسنة اللهب، ووجد زونبي آخر نفسه محاصرًا في الجليد.
أما الثالث، فقد قطعت أطرافه بشفرةٍ من الرياح، بينما اخترق حجر من الأرض خصر الرابع.
كانت جميعها ضرباتٍ قاتلة، سرعان ما تفتت أجسادهم إلى أجزاءٍ صغيرة لا تُرى، نع صوتٍ تشققٍ هزّ الأجواء بعد ثانيةٍ واحدة.
حتى غارفيل ومزيلدا رفعا حاجبيهما قليلًا في دهشةٍ من النتيجة.
روزوال: “كما كان مُتوقعًا، فإن السمة النارية هي الأكثر فعاليــــــة~. أما الرياح فلم تكن جيدةً على الإطلاق، والأرض لم تُعامل بشكلٍ مختلفٍ عن الضربة الجسدية العادية. يبدو أن التجميد غير فعالٍ بسبب استهلاكه الكبير للمانا.”
ومع ذلك، بالنسبة لروزوال، منفذ الهجوم، لم يكن الأمر يتعلق بهزيمة الأموات المتحركين، بل بكيفية تأثير قوة الهجمات عليهم بعد هزيمتهم.
وفي تلك اللحظة، بدأت بياتريس أيضًا فحصًا مشابهًا، لكن بأسلوبٍ مختلفٍ عن روزوال.
بياتريس: “――فيتا.”
رفعت بياتريس يدها نحو سماء الليل، وسحرها، الذي صدحت به، اندمج في وابل السهام الذي أطلقه شعب شودراك، بينما كانت السهام تمزق الظلام في طريقها.
سقطت أعدادٌ لا تحصى من السهام على الأموات المتحركين، وهي تحمل وزنًا مضاعفًا عدة مرات بفضل تأثير سحر الين الخاص ببياتريس―― سحرٌ يُغير وزن الهدف الذي يؤثر عليه.
و يمكن قياس ازدياد قوتها من خلال الصوت المذهل الذي صدر مع كل ميتٍ متحركٍ سقط إلى الأرض.
بياتريس: “كما قال غارفيل، لا يوجد تفسيرٌ واضحٌ لماذا بعض الزومبي يتحطمون، بينما آخرون لا، رغم اختلاف وزن السهام وقوتها، في الواقع.”
غارفيل: “إذا جعلتِ كل السهام أثقل، فلن يكون من السهل تمييز الفرق، صحيح؟”
بياتريس: “لا تحتقر بيتي بهذه السهولة، كما أعتقد. بدلًا من جعل كل السهام بنفس الوزن، تم اختبار كل سهمٍ بشكلٍ مختلف، في الواقع.”
بدت بياتريس غاضبة، وقد نفخت وجنتيها مثل طفلةٍ صغيرة، لكن ردّها، في محاولةٍ لتجنب معاملتها كحمقاء، كان أكثر حماقةً مما أرادت.
وبصفته شخصًا قادرًا على استخدام السحر، رغم تخصصه في السحر العلاجي، أدرك غارفيل مدى دقة التلاعب السحري الذي كانت تقوم به بياتريس.
كان ما قامت به الآن بالسحر يعادل تقريبًا محاولة إدخال خيوطٍ كثيرة في إبرٍ متعددة دفعةً واحدة، دون استخدام اليدين.
بالإضافة إلى ذلك، كان كلٌّ من بياتريس وروزوال――
روزوال: “سبب تفتتهم ليس فقدان أعضائـــــهم. بعضهم لا يزال حيًا حتى بعد انتزاع مناطقهم الحيوية. رغم أن مظهرهم بشري، فمن الأفضل عدم التفكير بهم ككائناتٍ حيــــــة.”
بياتريس: “ليس من السهل لأيّ شخصٍ آخر غيرك أن يعاملهم وكأنهم ليسوا كائناتٍ حية وهم يضحكون، ويغضبون، بل ويتحدثون أيضًا، كما أعتقد―― ربما يكون ذلك مرتبطًا بتراكم كميةٍ معينةٍ من الضرر، في الواقع.”
روزوال: “هذا تقييمٌ مُهينٌ جدًا. لقد قضيتُ الكثير من الوقت معكم جميعًا، وأعتقد أنني استعدتُ قدرًا كبيرًا من إنسانيتي. بعضهم يمكن تدميره بمجرد تفجير ساقٍ واحدة. إذا كان الشرط مجرد تراكم الضرر ، فإن الأمر لا يتماشى.”
بياتريس: “إنه لمن السخيف أن يُحسم الأمر على أنه مجرد اختلافٍ في قدرة التحمل الفردية، كما أعتقد.”
روزوال: “ما السبب الآخر الذي يمكن أن يكون هناك؟ تدفق المانا متشابه بالكامل.”
بياتريس: “بالفعل، إنه متشابه… انتظر، في الواقع. إنه متشابه بشكلٍ مفرطٍ جدًا، كما أعتقد.”
وبينما كانا يتبادلان الجدال بينهما، كانت تحقيقاتهما حول العدو تتقدم خطوةً بعد أخرى.
وبشكلٍ غير متوقع، بينما كانوا يناقشون، كان الاثنان يراقبان تصرفات الزومبي الذين هاجموهم، مستخدمين خبراتهم السحرية المختلفة.
كانت ألسنة اللهب، والرياح، والسِّهام الأرجوانية تدور حولهم، مما منع الزومبي من الاقتراب منهم، حيث كانوا يقاتلون جنبًا إلى جنبٍ بظهورٍ متقابلة.
وبالطبع، كان غارفيل ومزيلدا يهاجمون الأعداء لإبقائهم بعيدين، لكن حتى من دونهم، لم يكن روزوال وبياتريس ليُهزما بسهولة.
ولكنه لم يكن ليقول ذلك، لأن بياتريس كانت ستكره الأمر تمامًا――
مزيلدا: “هذان الاثنان في غاية التناغم.”
غارفيل: “يجب علينا ألّا ندعهما يسمعان ذلك بأيّ حال!”
كما كان بفكر غارفيل بذلك، أعطت مزيلدا نفس التقييم بالضبط.
وبينما كانا يُظهران مستوىً من التعاون لا يمكن وصفه إلا بهذه الكلمات، خفضت بياتريس حاجبيها، غير مدركةٍ لما كانا يفكران فيه، ثم نادت،
بياتريس: “روزوال!”
بياتريس: “سوف ألمسهم لمرةٍ واحدةٍ فقط، في الواقع.”
روزوال: “――يا لكِ من متهورة.”
وبعد أن قالت ذلك، ركلت بياتريس الأرض بخفةٍ وقفزت للأمام.
ومع رفرفة حافة ثوبها، ارتفع جسد بياتريس الصغير مثل ريشة في الهواء.
كانت هذه أيضًا قفزة غير طبيعية ، إذ ألغت وزنها باستخدام سحر الين.
كانت بياتريس تتجه مباشرةً نحو زومبي كان يدير ظهره لها―― ولكن بعدما شعر باقترابها، استدار لمواجهتها.
روزوال: “جيوالد.”
بعد لحظة، تحولت يد الزومبي اليمنى التي كانت تمسك بالسيف إلى رمادٍ، بينما كان على وشك أن يضرب بياتريس به.
كان روزوال يشير إلى الزومبي ، وانبعث من طرف إصبعه ضوءٌ أبيضٌ أحرَق ذراع الخصم.
تصلّب الزومبي في حالةٍ من الذهول، ثم وضعت بياتريس يدها على جبينه.
اتسعت عينا بياتريس المميزة ذات النمط الفريد،
بياتريس: “كما توقعت، كما أعتقد.”
تمتمت بياتريس وهي تُسحب بعيدًا بفعل ذراعٍ أحاطت بخصرها النحيل.
وبينما كان يسحب جسد بياتريس إليه، تبادل روزوال الأماكن معها، وسدد لكمةً حادةً بذراعه الأخرى، وحطم رأس الزومبي قبل أن يتمكن من استعادة رباطة جأشه.
روزوال: ” أنا الشخص الذي سيتلقى التوبيخ من سوبارو-كن.”
بياتريس: “أما بيتي، فستحصل على كل الثناء من سوبارو، في الواقع―― إنه سحر الاستعادة (التجديد) ، كما أعتقد.”
روزوال: “――إذًا هذا هو السبب.”
روزوال ، الذي كان يشتكي من تهور بياتريس، أغلق عينه الصفراء فور سماعه كلماتها، بدلًا من أن يحصل على اعتذارٍ منها.
التفاعل الحالي مع الزومبي منح بياتريس نوعًا من اليقين.
ويبدو أن روزوال أدرك الأمر من خلال بضع كلمات، لكن لسوء الحظ، لم يكن لدى غارفيل أي فكرةٍ عما تعنيه.
غارفيل: “هيه، لا أفهم شيئًا على الإطلاق! اشرح الأمر بطريقةٍ يمكن حتى لإيميليا-ساما أن تفهمها!”
بياتريس: “بشكلٍ أساسي، إيميليا وغارفيل متشابهان في مدى فهمهم ، في الواقع―― الآن نحن نعرف بنية أجساد الزومبي والخدعة التي تقف خلفها، كما أعتقد.”
غارفيل: “لقد سألتك ، ما معنى ذلك بالضبط؟”
وبينما يصرّ على أسنانه، طرح غارفيل سؤاله.
كان غارفيل بالفعل مدركًا لوجود سحر الاستعادة ؛ السحر الذي يمكنه تجديد الأشياء التالفة، والذي سمع أنه بإمكان أفضل ممارسيه حتى استعادة الكتب المحترقة من رمادها.
―― كان يُقال إن عدد مستخدميه قليل، وأنه يمتلك بعض العيوب الملحوظة، مثل الحاجة إلى دقةٍ سحريةٍ فائقة، وتدهور جودة الأشياء المستعادة .
لكن الأهم من ذلك كله، أنه لا يمكن استعادة الحياة――
لم يكن هذا سحر استعادةٍ أو إصلاح، بل كان مجالًا محرّمًا أشبه بطقس الملك الخالد ، ذلك الذي ذُكر مراتٍ عدة من قبل.
روزوال: “المُعلّمة اختارت المانا لأوعيتها، وأنا اخترتُ الدم لأوعيتي―― ولكن هذا العدو اختار الأرض لأوعيته، أليسوا منزعجين إذا ما طفحت المحتويات من الوعاء؟”
غطى روزوال فمه، بينما تحدث عن الإدراك الذي أعطته له بياتريس.
ومع ذلك، حتى الآن، لم يصل فهم غارفيل إلى مستواهما، لكنه استطاع أن يشعر بأنه طريق سيقود إلى إجاباتٍ مزعجة بشكلٍ مُروِّع وغير سارة حتى بالنسبة له.
متجاهلًا غارفيل، نظر روزوال إلى بياتريس بتعبيرٍ جادٍ على وجهه.
روزوال: “بياتريس، هذا ليس طقس ملك الخالد، صحيح؟”
بياتريس: “… الأساس هو نفسه، لكن التايشوهو مختلف، في الواقع. في طقس ملك الخالد، يأتي الوعاء أولًا، ثم الروح، كما أعتقد. لكن، فيما يتعلق بهؤلاء الزومبي…”
(التايشوهو يعني الاسلوب )
روزوال: “الروح تأتي أولًا، ثم الوعاء بعدها―― الجسد يُغير شكله ليتناسب مع الروح.”
عند سماع تعليق روزوال، أومأت بياتريس برأسها بعمق.
وكما هو الحال دائمًا، لم يكن غارفيل قادرًا على فهم الجزء الحاسم من حديثهما .
بينما كان غارفيل يُحاول كبح إحباطه، فجأةً لم يكن قادرًا على تصديق عينيه.
غارفيل: “――――”
كان تعبير روزوال يعكس ألمًا حتى أكثر مما بدا على وجه غارفيل.
لم يكن ليتخيل أبدًا أن بإمكانه إظهار هذا التعبير المتألم ―― بل على العكس، كان غارفيل يأمل في أن يلكمه يومًا ما في معدته، راغبًا في رؤية وجهٍ يُعاني، لكن السبب هذه المرة لم يكن له علاقةٌ برغبة غارفيل، بل كان روزوال في حالةٍ من العذاب.
―― انعكس ذلك العذاب في عينيه، ثم فتح روزوال فمه.
روزوال: “――أعتقد أنني ربما أعرف من هو «العدو».”
غارفيل: “――إيه، جديًا؟ إذن…”
روزوال: “لكن، انتظر. لا يمكن أن يكون ذلك صحيحًا. بعد كل شيء، بيدي أنا، لقد كانت…”
اختفى هدوءه التي كان يتحلى به قبل لحظات، وامتلأ صوته بالتردد والشك.
وعند رؤيته يتجنب التحدث بوضوح، رمش غارفيل بعينيه، ثم سرعان ما كشف عن أنيابه.
لو كان الأمر يتعلق بغارفيل نفسه، لربما كان قد خطر له بعض الأفكار السخيفة .
لكن، لم يكن غارفيل هو من توصل إلى هذه الفكرة، بل كان روزوال.
غارفيل: “أيها اللعين، ليس هذا وقت إظهار الضعف.”
روزوال: “――――”
بياتريس: “روزوال، وضّح لي شيئًا واحدًا، في الواقع.”
مال غارفيل إلى الأمام كما لو كان على وشك الإمساك بياقة روزوال، لكن قبل أن يمدّ يده بعدوانية، ضرب صوت بياتريس روزوال الصامت.
نظرت بياتريس نحو روزوال، وبعد أن انتظرت حتى قابلها بنظراته،
بياتريس: “سبب ترددك، هل يتعلق بالأم، كما أعتقد؟”
روزوال: “…هل قراءتي بهذه السهولة ؟”
بياتريس: “فقط الأمور المتعلقة بالأم هي التي يمكنها أن تزعجك إلى هذا الحد ، في الواقع. وأيضًا، مؤخرًا، بشأن رام، كما أعتقد.”
روزوال: “أنا واثقٌ أنني سأغرق في المشاعر إذا حدث لكِ شيءٌ أيضًا.”
―― مع ذلك، أغلق روزوال عينيه بإحكام، متخذًا تعبيرًا صارمًا، ثم دفع جانبًا التردد والضعف الذي كان يراوده قبل لحظات، ليفتح عينيه ويومئ برأسه.
روزوال: “ملاحظة بياتريس صحيحة. الطريقة التي يتم بها إحياء الزومبي دون وجود الجثة الأصلية هي تطبيقٌ لسحر الاستعادة. الشرط المسبق لهذا هو استدعاء الروح، وهو تطبيق لطقس ملك الخالد.”
بياتريس: “كلا من سحر الاستعادة وطقس ملك الخالد ليسا من التقنيات التي يمكن استخدامها فور فهم النظرية، في الواقع. بادئ ذي بدء، بالنظر إلى الإنجاز المتمثل في الجمع بين نوعين مختلفين تمامًا من السحر، لا يمكن القول إنه يوجد حتى العديد من العباقرة القادرين على ذلك، كما أعتقد. أولئك الذين يمكنهم فعل ذلك سيكونون…”
روزوال: “――من نسل المعلمة. لكن، لا يمكن أن تكون المعلمة نفسها. إذًا…”
كانت “المعلمة” التي تحدث عنها روزوال و”الأم” التي تحدثت عنها بياتريس هما نفس الشخص، ولا يمكن القول بأيّ شكلٍ من الأشكال إن هذا الشخص كان غير مرتبطٍ بغارفيل.
ورغم أنه قد يكون مرتبكًا نظرًا لوجود العديد من الأشخاص بنفس الاسم، فعند سماع اسم الساحرة المتورطة، فهم غارفيل على الفور.
كلمة واحدة من بياتريس اخترقت ألم روزوال، وموقفه المتمثل في محاولة الاعتراف بما لم يكن يرغب في الاعتراف به ربما لعب دورًا في فهم غارفيل للأمر أيضًا.
ولكن――
مزيلدا: “――يا لها من نظرة وقحة .”
فجأة، تمتمت مزيلدا بصوتٍ منخفض.
نظرًا لأن الحديث كان عن تعقيدات السحر، فإن مزيلدا، التي ربما لم تستطع فهم المحادثة بين روزوال وبياتريس مثل غارفيل، كانت قد تخلّت عن محاولة فهم سبب تألم روزوال، وركزت بالكامل على مهاجمة الزومبي .
توقفت المرأة في مكانها، ثم رفعت رأسها وأطلقت نظرة شرسة إلى الأعلى، عينيها الضيقتين تحملان عداوةً واضحة.
تتبع غارفيل أيضًا نظرتها الصارمة، وفجأةً شعر باختناقٍ في صدره.
ولم يكن غارفيل وحده، بل حتى بياتريس وروزوال أيضًا.
لكن السبب وراء ردود أفعالهم الثلاثة كان مختلفًا بعض الشيء.
بالنسبة لغارفيل، كان لأنه رأى شخصيةً مألوفةً لم يكن ينبغي أن تكون هناك.
أما بالنسبة لبياتريس وروزوال، فقد بدا أن السبب كان شعورًا أكثر سلبيةً.
―― في سماء الليل، بشعرٍ ورديٍ طويلٍ يرفرف، كانت هناك فتاةٌ ترتدي الأسود .
كان وجهها مطابقًا تمامًا للكيان الذي أعجب به غارفيل منذ أن استطاع التذكر؛ ومع ذلك، كانت تنظر إليه بعيون باردة لم توجه إليه من قبل.
الفتاة: “لم يكن ذلك مرغوبًا، لكن التنفيذ قد نجح… يبدو أن هذا العالم قد اعترف بوجودي كحياةٍ خاصةٍ به.”
تمتم الوجه المألوف بصوتٍ مألوف، بينما كانت يدها تتلمس الشقّ الذي يمتد عبر وجهها، قبل أن تطلق نظرةً ثاقبةً نحو غارفيل والبقية عبر بؤبؤيها الذهبيين.
وفي المقابل، ابتلع روزوال ريقه بصوتٍ مسموع، ثم فتح فمه،
روزوال: “إذًا، كنتِ لا تزالين على قيد الحياة… سفينكس.”
سفينكس: “لا، أنا ميتة―― المراقبة: مطلوبة.”
وبنبرةٍ غير مباليةٍ أشبه بالسخرية، أعلنت الفتاة ذات المظهر المطابق لريوزو، جدة غارفيل―― الساحرة سفينكس، بوجهٍ يكسوه الموت.
………
Hijazi
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.