الفصل ١٩ : حيلة فالغا كريمويل
―― بدأت المعركة بوابلٍ من الهجمات التي أطلقها روزوال .
روزوال: “――من الأفضل أن تموتي.”
وبعد هذه الكلمات الباردة، اندلعت نيرانٌ ملتهبة، كأنها تحرق السماء إلى العدم.
توهجت ألسنة اللهب بعنف، وانتشرت عبر سماء الليل دفعةً واحدة. وقد لفتت السماء المشتعلة أنظار الجميع، بما في ذلك المحاربون الذين لا يزالون يُقاتلون الزومبي بأرواحهم على المحك.
حتى لو كان الهدف مجرد تحويل عدوٍّ واحدٍ إلى رماد، فهذا كان إفراطًا لا داعي له.
بياتريس: “تصرفٌ وحشيٌّ يُشبه إحراق قصرٍ كاملٍ من أجل قتل حشرة صغيرة في إحدى الغرف، كما أعتقد.”
كان إحراق قصر لتحقيق هدف تصرفًا متهورًا، لا يجرؤ على القيام به سوى بيترا وأوتو.
ولو لم يكن لديهما ذلك التصميم، ربما لم تكن لتجد بيتي الشجاعةَ الكافية لمغادرة المكتبة المحرّمة؛ لقد كانت ممتنةً لهما سرًا، لكنها مع ذلك رأت أن الأمر مُبالَغٌ فيه.
ومع ضربته الأولى، أثبت روزوال أن المبالغة في استخدام القوة لن يكون أقلّ من هذين الاثنين.
ومع ذلك――
“تم التعرف على مستوى التهديد، التعديل: مطلوب.”
بعد أن تهرّبت في الهواء من السماء الملتهبة، كانت العدو―― سفينكس، لا تزال صامدةً بقوة.
―― على الرغم من أنهم بذلوا جهدًا في إحراق القصر، فإنه سيكون بلا معنى إذا تمكنت الحشرة الصغيرة المستهدفة من الفرار.
وفي هذه الحالة، بدا أن روزوال لم يفعل سوى إحراق السماء وإخافة الجميع من حوله، دون أن يُحقق أيّ شيءٍ يُذكر.
لكن ذلك كان صحيحًا فقط لو كان روزوال هو الشخص الوحيد الموجود هنا.
بياتريس: “إل مينيا.”
مع تطاير شعرها الوردي في الهواء وهي تُحلّق بحريةٍ عبر السماء، كانت سفينكس تطفو في اتجاه ومضاتٍ الضوء الأرجواني العميق المتلألئة التي ظهرت فجأةً.
كان ذلك ذروة السحر، الذي يمتلك القدرة على تجميدِ الزمن الخاص بالهدف وتحطيمه بالكامل.
لقد كان هجومًا قاتلًا، تم التحققُ بالفعل من أنه الأكثر فعاليةً ضد الزومبي .
بياتريس: “ليس من الجيد أن لا أحد سوى سوبارو وبيتي يستطيع استخدام سحر الين، في الواقع.”
في مواجهة جيشٍ من الزومبي ، لم يكن هناك شيءٌ يخافون منه لو كان هناك صفّ كامل من مستخدمي سحر الين.
حتى بياتريس، التي عاشت لفترةٍ طويلةٍ للغاية، لم ترَ يومًا مشهدًا يتجمّع فيه أكثر من عشرة مستخدمين لسحر الين في مكانٍ واحد، لذا فهي تعلم أنه سيكون أمرًا مستحيلًا.
وبمثل هذه الأفكار غير المفيدة ، قضت بياتريس على كلّ ترددٍ داخلها مسبقًا.
――من أجل إسقاط “العدوّ” البغيض، الذي يحمل نفس وجه ريوزو ماير.
بياتريس: “ريوزو…”
مرّ عبر ذهن بياتريس ابتسامة ريوزو ماير الخاطفة .
على عكس ريوزو الحاليات، اللواتي أحبّهن غارفيل وفريدريكا بشدةٍ كجدّاتهم ، كانت ريوزو ماير، أصل السلالة، صديقة بياتريس الأولى مدى الحياة.
في ذلك الوقت، لم تكن قادرة على إدراك ذلك. لقد كانت متأخرة للغاية في الاعتراف بهذه الحقيقة.
لكن الأمرُ مختلف الأن . الآن، تستطيع بياتريس قبول مدى عظمتها تمامًا.
ولهذا السبب تحديدًا، كان “العدوّ” الذي اتخذ هذا الشكل، بالنسبة لبياتريس――
―― بياتريس: “بيتي قد غضبت، أعتقد!”
وبينما كانت بياتريس تصرخ بغضب، رأت سفينكس تُهاجمُ مباشرةً نحو السهام الأرجوانية المنطلقة بلا هوادة.
ضيّقت “العدوة” عينيها للحظةٍ قصيرة، ثم رفعت كلتا يديها أمام وجهها، ،اطلقت من أصابعها العشر ضوءٌ أبيضٌ ساحق، يُزيل ال مينيا التي كانت تعترض طريقها.
وبدون أدنى صوتٍ يُشير إلى تحطمها، تناثرت البلورات الأرجوانية العميقة إلى شظايا―― لكن ذلك لم يكن كافيًا للقضاء على إحباط بياتريس.
سفينكس: “――هك.”
وعلى الرغم من أن سفينكس كانت قد تخلصت من التهديد، إلا أن تعبيرها انكمش قليلًا.
والسبب، أن البلورات الأرجوانية العميقة التي دمرتها ، قد تحولت إلى شظاياٍ طائرةٍ في حالتها المتحطمة، لتنتشر وتطارد سفينكس الطائرة بسرعةٍ فائقة.
بياتريس: “السحرُ مجردُ صورة ، بمجرد أن تظن أنكَ قد أوقفته، تسيرُ الأمورُ في الاتجاه الخاطئ، في الواقع.”
لكن، لم يكن شكل السهام الكريستالية التي تمثل ال مينيا هو ما يهمّ.
بل كانت المسألة تتعلقُ بتجميدِ الزمن الخاص بالهدف وتحطيمه.
وفي الحقيقة، حتى لو لم يكن لها شكلُ سهم، فطالما أنها اخترقت الخصم، لم يكن هناك أهميةٌ للشكل أو الحجم.
وبالتالي، فإن شظايا بياتريس الطائرة ، والتي تأجّجت فيها روحُ التحدي، لن تسمح لسفينكس بالفرار.
ثم――
سفينكس: “تم التعرف على مستوى التهديد، مرةً أخرى، التعديل: مطلو――”
“――لقد تأخرتِ بمئةِ عامٍ عن إعادة التفكير في هذا.”
بينما كانت سفينكس تتفادى ال مينيا الطائرة، التي كانت ستُحولها إلى حجرٍ وهي تحاول الهروب بصعوبة، ظهر وجه خبيث بجوارها مباشرةً، لقد كان غارفيل، الذي قفزَ من الأرض بركلةٍ قوية.
―― بعينين حادتين، وأنيابٍ مكشوفة، زأر غارفيل مثل وحشٍ مفترس، ثم أطلق ذراعيه القويتين بضربة قوية بهدف ضرب سيفنكس بكلّ ما أوتي من قوة .
وللحظة، تلاقت نظرات غارفيل وسفينكس.
تردّد غارفيل في ضرب قبضته نحو خصم يحملُ نفس وجه جدّته، مما جعل قلبه――
غارفيل: “مقارنةً بناّنا، رائحةُ قلبكِ مختلفةٌ تمامًا اللعنة――!!”
مثل هذه الهواجس لم تكن ضروريةً لضابط الجيش الموثوق في معسكر إيميليا.
انطلقت قبضةٌ هادرة، لتصطدم بوجنة سفينكس بقوةٍ ساحقة؛ وسقط جسد الفتاة من الهواء مباشرةً نحو الأرض، بينما استمرت القبضة في ضغطها نحو الأرض بقوةٍ هائلةٍ مُدمّرة.
ثمّ دوّى صوتُ اصطدامٍ مدوّي، وتصاعدت غيمةُ غبارٍ أشبه بسقوط صخرةٍ ضخمة؛ ورأت بياتريس جسدَ سفينكس يتطايرُ كوريقةٍ على الجانب الآخر من ذراع غارفيل.
لقد كانت ضربة غارفيل خاليةً تمامًا من الرحمة أو التردد، وتظهر فيها مشاعرُ الغضب الصافي.
ولو تلقت بياتريس مثل هذه الضربة مباشرة ، حتى لو كانت ضربة واحدة فقط، فمن المحتمل أن تتحول إلى مانا؛ بينما سقطت سفينكس خلف سحابة الدمار.
روزوال: “إنه حصار ثلاثيّ محكم. كان ذلك تعاون رائع، أليس كذلك….؟”
بياتريس: “يقول هذا الشخص الذي فقد أعصابه أولًا، كما أعتقد.”
غارفيل: “أتعاون معك؟. هذا يُثيرُ اشمئزازَي.”
بينما كان روزوال يهزّ كتفيه، وكأن الأمر لم يُزعجه على الإطلاق، أطلقت بياتريس وغارفيل كلماتٍ حادةً نحوه.
وبعد تلقيه هذا الاستقبال البارد، هزّ روزوال كتفيه مرةً أخرى بلا اكتراث.
ثم――
―― “…مرةً أخرى، مستوى التهديد… مُحدّد. التعديل… مطلوب.”
تمتمت سفينكس بهذه بينما كانت تتحرك ببطءٍ على الأرض، فيما بدأت سحابة الغبار تستقر تدريجيًا.
سقطت على الأرض، وكانت مغطاةً بالتراب، لكنها لم تُظهر أيّ تعبيرٍ يوحي بالألم، ومع ذلك، كان من الواضح أن الضرر قد تراكم عليها من نبرة صوتها.
سفينكس: “――――”
ورغم ذلك، بقيت حدقتاها الذهبيتان تتوهجان، وهي تُثبت نظراتها على الثلاثة.
لم تكن مشاعرها تظهر العداء أو الغضب، بل كانت نظراتها وحشية ، مليئة بالذكاء، تنظر إليهم كأهدافٍ لمجرد فضولها.
غارفيل: “تشي، لا يُعجبني هذا.”
مثل بياتريس، شعر غارفيل ببرودةٍ تسري في عموده الفقري عند رؤية نظرات العدو، ثم نقر بلسانه بانزعاج.
أما روزوال، فقد ضيّق عينيه بصمت، وبدأ في عجن المانا داخل جسده بوضوحٍ شديدٍ من عدم الارتياح.
ومرةً أخرى، ألقى روزوال نظرة جانبية مترددًا فيما إن كان عليه أن يُهاجم فورًا، بينما كانت بياتريس تُحدّق في سفينكس وهي تقف، ثم تقدّمت إلى الأمام على الفور.
بصفتها الممثلة عن الثنائي غير الموثوق، قررت أن تُحاول كشف نواياها الحقيقية――
بياتريس: “سفينكس، بيتي تتجرأ على سؤال، في الواقع. فقط، ما الذي ――”
تُفكرين به؟؛ حدث ذلك عندما حاولت بياتريس إنهاء سؤالها.
سفينكس: “――――”
والآن، وقفت سفينكس، لكن جسدها ارتعش فجأةً، وخفضت نظرتها نحو صدرها.
من صدر سفينكس الصغير، برز طرفُ نصل حادٍّ، لقد كان نصلًا قاتلًا قد اخترق ظهرها، وخرج من مقدمة صدرها.
ومن كان يُمسك بالشفرة――
“لدي شعور سيئ تجاه هذه الفتاة. لا يوجد أي سبب لإبقائها على قيد الحياة.”
قالت ميزيلدا ذلك بوحشية، ثم انتزعت الخنجر الذي طعنتها به، وغرسته فيها مرة أخرى.
وبعد ثلاث طعنات مركزة اخترقت ظهرها وصدرها، أمسكت بشعر سفينكس ورفعت رأسها ، قبل أن تقطع عنقها بلا رحمة بخنجر كانت تمسكه بقبضة عكسية.
كان ذلك جسد كيان غير حي، لم يخرج أي دم، لكن لم يكن هناك شك في أن كل ذلك كان قاتلًا.
سقط جسد سفينكس أيضًا إلى الأمام على ركبتيها، ثم انهار لأسفل.
بياتريس: “أ-أ-أنتِ… هك.”
إلى جانب سفينكس المنهارة، تأكدت ميزيلدا من أن الدم لم يلوث سكينها؛ وعند رؤية ذلك، تجمدت بياتريس في مكانها وهي تحدق بعينين واسعتين ، عاجزة تمامًا عن الكلام.
حتى روزوال وغارفيل عجزا عن الكلام أمام تصرفات ميزيلدا.
أمالت ميزيلدا رأسها، كانت جميلة وعيناها تنقلان انطباعًا قويًا كما هي الحال دائمًا، وهي تنظر إلى الثلاثة،
ميزيلدا: “أعلم أن لها تاريخًا معكم. ولكن، تحدثوا عند قبرها. هذا هو تقليد ساحة المعركة.”
غارفيل: “حسنًا، أعتقد أن هذا صحيح…”
كانت وجهة نظر قاسية ، لكن غارفيل استسلم لحقيقة أنه لا يمكن دحضها .
لقد فوجئت بياتريس كثيرًا بقيم فولاكيا، ولكنها بدأت تغير إدراكها لقسوتها، معتقدة أن فهمها السابق كان ساذجًا.
روزوال: “سفينكس.”
تجاهل روزوال اضطراب بياتريس وغارفيل، وتقدم إلى الأمام. نظر إلى سفينكس المنهارة ونادى اسمها بنظرة جانبية خالية من المشاعر.
كان تأثير ضربة ميزيلدا القاتلة واضحًا ليس فقط في مواضع الجروح، بل في الطريقة التي انهار بها جسد سفينكس أيضًا.
لقد تحولت معظم النصف السفلي من جسدها بالفعل إلى غبار، وبدأ وجه الفتاة، الذي كانت التشققات تغطيه منذ البداية، ينهار شيئًا فشيئًا، ولن يكون الأمر سوى مسألة وقت قبل أن يتحطم جسدها بالكامل إلى أجزاء متناثرة.
ومع ذلك، لم تكن قوة حياة سفينكس، كزومبي ، قد استُنزفت بالكامل بعد.
لم يكن لديها أي قدرة على الهجوم المضاد أو حتى النضال في مواجهة مصيرها، لكن لا يزال لديها ما يكفي من الطاقة لتحريك عينيها الذهبيتين والنظر مجددًا نحو روزوال، الذي كان يحدق بها من الأعلى.
روزوال: “――――”
على الرغم من أنه كان يعلم أنها شخص مختلف من الداخل، إلا أن رؤية شكل ريوزو وهي تنهار أمامه كانت أمرًا يؤلم قلبه.
ما كان يشعر به روزوال ربما يختلف عن عاطفية بياتريس، لكن واقعية ميزيلدا الصارمة أعاقت ذلك الشعور، وربما حرمتها من الوسائل التي تخفف من تلك العاطفة.
وفي أي حال، فإن السبب الرئيسي وراء معاناة بياتريس وغارفيل و روزوال كان――
سفينكس: “… التفكير : مطلوب .”
بينما كان جسدها ينهار ، كان بالإمكان سماع سفينكس تتمتم بكلماتها، دون أن تظهر أي علامات على الألم على وجهها.
في البداية، اعتقدت بياتريس أن هذه الكلمات لم تكن سوى تعبير عن حسرتها على افتقارها إلى القوة.
سفينكس: “――لكم أنتم الثلاثة.”
لكن الكلمات التي تبعتها أشارت إلى شيء مختلف تمامًا.
حبست بياتريس أنفاسها عند سماع تلك الكلمات ، بينما تمتم غارفيل قائلًا: “هاه؟”
حتى بياتريس لم تكن متأكدة تمامًا مما تعنيه تلك الكلمات. لكن كان بإمكانها أن تدرك أنها لم تكن مجرد كلمات عابرة يمكن تجاهلها. ومن هناك――
روزوال: “――تبا!”
نظر روزوال إلى الأعلى كما لو أنه قد تم التلاعب به.
كان على وجهه تعبيرٌ من نفاد الصبر والندم، ثم استدار نحو الخلف―― خلفه، نحو السماء التي طار فيها مع بياتريس، باتجاه عربات التنين المزدوجة التي كانت لا تزال تتقدم إلى الأمام.
وكذلك، انجذبت بياتريس بقلق روزوال، فالتفتت للنظر إلى هناك.
ثم، بينما كان صدرها الصغير في اضطراب ،
بياتريس: “――سوبارو.”
هكذا نادت باسمه.
……
في لحظة، نعم، كل شيء حدث في لحظة.
بعد أن لاحظ شيئًا غير مألوف، بعد أن عبَّر عن شكوكه مباشرة ، تم ابتلاع كل شيء بواسطة ضوء أبيض.
إيميليا، التي كانت بجانبه، ريم، وحتى جوليوس، لم يُمنح أيٌّ منهم فرصةً للرد. وبالطبع، لم يكن سوبارو قادرًا على فعل أي شيء أيضًا حيث ابتلع الضوء الأبيض كل شيء واختفى.
أدرك ناتسوكي سوبارو فورًا ما يعنيه ذلك.
―― أن حياته قد انتهت ، وتم تفعيل “العودة بواسطة الموت”.
وكدليل على ذلك――
“――أنا أحبك.”
كما لو كانت تقول إنها لن تتركه أبدًا بعد أن وجدته مرة أخرى، سمع همسات صوتها.
“أمم، هل سيكون من المناسب أن نتعامل مع ارتباكي أولًا؟”
في اللحظة التي سمع فيها ذلك الصوت، المليء بمزيجٍ من الذهول والإرهاق مع لمسةٍ من السخط ، ضغط سوبارو على زر “جاهز، انطلاق!” بداخله.
سوبارو: “――――”
بفحص موضع قدميه والوضع من حوله، ميّز اللحظة المحددة من الوجوه الحاضرة.
كان المشهد داخل أحد ممرات عربات التنين المزدوجة، عندما انضمت ريم إلى المحادثة التي كان يجريها مع إيميليا ويوليوس. ومن تسلسل الحديث، كان آخر تعليق أدلى به سوبارو هو: “ربما أخبرتها بريسيلا ببعض الأمور غير الضرورية في غورال…”، والذي قيل في بعد التفكير بحالة ريم.
في المقدمة، كان أبيل، أوتو، و الآخرين يعالجون تفاصيل القوة العسكرية. أما بياتريس فقد ذهبت مع روزوال، وكانا يقتربان من المسألة من منظورٍ سحري لإيجاد وسائلٍ لمواجهة الزومبي.
كان الاثنان في طريقهما إلى حيث يقاتل غارفيل وشعب شودراك بضراوة، إلى جانب جميع أعضاء كتيبة بلياديس الذين كان ينبغي أن يكونوا هناك أيضًا. هذا الشعور المماثل للدعاء بأن لا يتعرض أحد لإصابةٍ خطيرة، إلى جانب الإيمان بأنه طالما كانوا هناك، سيكونون بخير، جعل قلبه يخفق باضطراب.
――وبذلك، بعد أن ضغط على الزر، استعرض سوبارو كل شيء حتى تلك اللحظة في لمح البصر.
“سوبارو؟”
بصوتٍ متفاجئ، نادت إيميليا باسم سوبارو. للحظة، لا بد أن عينيها لاحظتا الحركة السريعة لعينيه وهما تدوران في كل اتجاه.
ذات مرة، بعد أن رأت تانزا سوبارو في نفس الحالة، كانت قد علّقت على ذلك.
تانزا: “كانت عينا شوارتز-ساما تتحركان في كل مكان. كان الأمر، أمم، غريبًا.”
كان ذلك تعليق تانزا، التي اختارت كلماتها بعناية ومع ذلك لم تتمكن من العثور على الوصف المناسب، بشأن سلوك سوبارو غير المعتاد بينما كان يسعى لاستيعاب الموقف فور عودته بالموت.
بعد رؤيتها للأمر نفسه، كان رد فعل إيميليا الأكثر تحفظًا أمرًا مفهومًا.
سوبارو: “إيميليا، انتظري لحظة.”
رفع يده ليمنعها من السؤال ، و كان تركيزه حاد كحدِّ السيف.
في بيئةٍ حيث كانت إعادة المحاولة عند الموت أمراً مسلّماً به، فإن الحدس الذي كان أساسياً لضمان بقاء الجميع على جزيرة المصارعين غلف سوبارو بالكامل، ومن أجل التحقيق في السبب الذي أدى إلى موته، كان عليه أن يدفع تركيزه إلى أقصى حدوده.
لم يكن هذا وقتاً للتشبث بأفكارٍ بطيئةٍ للغاية مثل “هل متُّ للتو؟”.
بدون الحدس الذي يمكنه اللحاق بالواقع عبر قول “إذا كنت قد متّ للتو…”، لن يكون قادراً أبداً على الوصول إلى الحل.
كان من الضروري تماماً أن يفهم أنه إن لم يتمكن من تبديل تفكيره بسرعة، فإن ذلك سيؤدي إلى زيادة خسائر حياته وحياة من حوله.
ريم: “――؟ أمم…”
إيميليا: “ريم، من فضلك.”
بجانب سوبارو، الذي كان يركز بحدة، كانت ريم تنظر إليه بعينين متسائلتين، وحاجباها محبوكان قليلاً. ولكن، أوقفتها إيميليا بحركة يدها، كما لو أنها تمنعها من الاستفسار.
وفي تلك الأثناء، كان سوبارو قد أتمّ الربط بين موته والأحداث التي وقعت قبل تفعيل “العودة بواسطة الموت”――
سوبارو: “――――”
خارج نافذة عربة التنين المزدوجة التي كانت تركض، لمح مجدداً الكيان الغريب الذي كان يندمج مع المشهد الطبيعي.
وفي لحظة، قفز سوبارو نحو النافذة،
سوبارو: “――جوليوس! بالخارج!”
جوليوس: “مفهوم!”
لاحظت إيميليا وريم تغير سوبارو المفاجئ ، وبطبيعة الحال، كذلك فعل جوليوس.
اندفع بلا أدنى تردد بمجرد أن ناداه سوبارو، وكان ذلك إثباتًا على استعداده. خلف سوبارو الذي قفز نحو النافذة، استلَّ جوليوس سيف الفارس خاصته، ووجه ضربةً قطريةً على جدار الممر، ثم مدَّ ساقه الطويلة، ليطيح بالجدار.
بعد ذلك، حمل سوبارو تحت ذراعه، وقفز خارج نطاق تأثير حماية تجنب الرياح الإلهية التي توفرها التنانين الأرضية .
جوليوس: “اترك الهبوط لي!”
سوبارو: “أعتمد عليك.”
في اللحظة التي خرجا فيها من نطاق الحماية الإلهية، اجتاحت الرياح العاتية وقوة القصور الذاتي سوبارو وجوليوس. لكن، سوبارو فوّض جميع ترتيبات النجاة إلى جوليوس، الذي تولّى المسؤولية بنفسه.
ظهر روحان أشباه أرواح بلونين الأصفر والأخضر حول جوليوس برفق، فتحول أحدهما إلى غطاءٍ من الرياح، بينما الآخر جعل الأرض وسادةً لتسهيل هبوطهما.
كانت تقنية جوليوس، التي نسجها من خلال ارتباطه الجديد مع شبه أرواحه ، متقنةً بلا شك، لكنّ تركيز سوبارو لم يكن منصبًا عليها إطلاقًا.
حتى عندما تم قطع النافذة التي قفز من خلالها مع جزءٍ من الجدار، وحتى عندما هبط ببراعة وسط العاصفة الهوائية التي أعقبت ذلك، كانت عيناه ثابتةً على نقطةٍ واحدة―― الفتاة التي كانت تهبط من السماء.
سوبارو: “كما توقعت، مثل ريوزو-سان…”
بشعرها الوردي وردائها الأسود، كانت متطابقةً مع السيدة العجوز اللطيفة ريوزو. لكن، مهما بلغ قلق إيميليا والآخرين على سوبارو وريم، لم يكن من المحتمل أن يكونوا قد جلبوا ريوزو إلى إمبراطورية فولاكيا.
بعبارةٍ أخرى، لم يكن بإمكانها أن تكون ريوزو الحقيقية، ولا حتى أحد نسخها ، مثل بيكو أو الآخرين، الذين يحملون الشكل ذاته.
لتمييزهم عن بعضهم، تم منح كل منهم تسريحة شعر مختلفة، وأشرطة فردية، وزينة شعر مميزة. وحقيقة عدم وجود أيٍّ من تلك العناصر تعني أنها لا يمكن أن تكون أيًّا منهم.
سوبارو: “جوليوس! إنها تلك الفتاة! أمسك بها!”
صرخ سوبارو مشيرًا إلى ريوزو المزيفة في الهواء، حتى قبل أن يهبطا على الأرض.
عند سماع طلب سوبارو، رأى جوليوس أيضًا الفتاة التي كانت تتمازج مع سماء الليل. ترك جميع التساؤلات حول من تكون أو ما الذي تفعله جانبًا، تحرك الفارس الأعظم إلى العمل .
أسقط سوبارو على التربة الناعمة تحت قدميه، وجسد يوليوس كان لا يزال محاطًا ببقايا وسادة الرياح، مستغلًا إياها كموطئ قدم ليندفع في الهواء ويتجه نحو ريوزو المزيفة في خط مستقيم.
وبسبب زخمه الهائل، أدركت ريوزو المزيف أيضًا أنه يمثل تهديدًا.
في تلك اللحظة، لاحظ أن عيني ريوزو المزيفة تشعان بإشعاع ذهبي متألق حتى في الليل، وأدرك أنها كانت من الزومبي ذوي البشرة الشاحبة، وهو أمر لم يكن قادرًا على التعرف عليه من المسافة.
وبلا أي تأخير، وجهت ريوزو المزيفة يدها نحو جوليوس، وكادت أن تطلق ضوءًا أبيض مشؤومًا نحوه――
جوليوس: “――إن، نيس، امنحاني قوتكما.”
توهج ضوء أبيض، مختلف عن ذاك الذي كان عند أطراف أصابع ريوزو المزيف ، جعل جسد جوليوس يتوهج بلطف، وفي المقابل، أحاط ضوء أسود خفيف بجسد ريوزو المزيفة بالكامل.
في اللحظة التي اتضح فيها أن سحر يانغ وسحر يين كانا يُستخدمان في الوقت نفسه من قبل الروحين ، لمع سيف جوليوس، وفقدت ريوزو المزيفة القوة في ذراعها التي كانت تحتوي على الضوء.
ريوزو الزائفة: “التفسير: مطلوب.”
جوليوس: “لقد قطعت الوتر في كتفك. بالطبع، من المحتمل أنه سيشفى قريبًا…”
أجاب جوليوس بصدق على ريوزو المزيفة ، التي تساءلت عن سبب فقدانها القوة في ذراعها.
في نهاية إجابته، التوى جوليوس في الهواء، وساقه الطويلة المزمجرة ضربت الفتاة الطافية، وأطاحت بجسدها إلى الأرض.
في المكان الذي سقطت فيه ريوزو المزيف، تحولت الأرض مصحوبة بضوءٍ أصفر. صارت التربة لزجةً، لتحتضن جسد الفتاة بلطف وعمق، ثم تصلبت دفعةً واحدة.
ونتيجةً لذلك، أصبحت ريوزو المزيفة عالقةً، كما لو كانت محاطة ببطانية من الحجر.
جوليوس: “أنصحكِ بعدم المقاومة. إن لم تلتزمي بهذا التحذير، فسأعاملك كعدوة، سواء كنتِ حية أو ميتة.”
ريوزو المزيفة : “――――”
أمامها، حيث استلقت على ظهرها فوق الأرض، غرس جوليوس سيفه وأعلن كلماته بحزم.
بعد أن جعل خصمه عاجزة عن الحركة، أومأ جوليوس إلى سوبارو، الذي تأكد بنفسه من ذلك. وبما أنه لم يكن لديه خيار سوى مشاهدة مجرى الأحداث، حكَّ سوبارو خده بإصبعه،
سوبارو: “لا، هذا بالضبط ما كنت أريدك أن تفعله… لكن بصراحة، هذا الرجل. من الواضح أنك أصبحت أقوى بكثير مما كنت عليه سابقًا.”
أسلوب قتاله بمساعدة شبه الأرواح كان أكثر دقة وصقل من ذي قبل.
متعاقد مع أشباه أرواح ذات ست خصائص مختلفة، أظهر فارس الأرواح أسلوبًا قتاليًا هجينًا، يجمع بين السحر وفنون السيف.
“يا له من أمر مذهل، لقد هزمتها بها في طرفة عين.”
ومن خلف سوبارو، كانت إيميليا تركض عبر العشب.
يبدو أنها قفزت من عربة التنين المزدوجة وراء سوبارو وجوليوس، واتسعت عيناها عندما أدركت أنها لن تحظى بفرصة لفعل شيءٍ بسبب براعة يوليوس الفائقة.
سوبارو: “إيميليا-تان، ماذا عن ريم؟”
إميليا: “طلبتُ منها أن تخبر أوتو-كن والآخرين بأنكما قفزتما. كان عليَّ أن أسرع أيضًا، لذا تبعتكما على الفور، ولكن مع ذلك…”
سوبارو: “لا، الأمر ليس أنكِ كنتِ بطيئة، إيميليا-تان. بل أن هذا الرجل كان سريعًا جدًا. أيضًا، كان القرار الصائب عدم جلب ريم إلى هنا.”
كان من الممكن أن ريم في حالتها الحالية كانت ستنزل مع إيميليا، لكن بفضل حسن تقدير الأخيرة، لم تتورط في أي خطر.
بعد التفكير في الأمر، أعاد تقييمه؛ لو كانت ريم تملك ذكرياتها، لكانت قفزت دون تردد، لذا كان قرار إيميليا بإبقائها خلفهم صحيحًا تمامًا.
على أي حال――
إيميليا: “هذه ليست ريوزو-سان، صحيح؟”
سوبارو: “إنها تبدو مثلها تمامًا، لكن لا شك في أنها زومبي. بالمناسبة، هل يمكن لشخص مثل بيكو أو ريوزو-سان أن يتحول إلى زومبي…؟”
لم يرغب حتى في التفكير في موت بياتريس أو ريوزو، لكن كان هناك سؤال حول إمكانية تحولهن إلى زومبي، نظرًا لأن أجسادهن تختلف عن المخلوقات العادية.
في الواقع، بما أن هناك زومبي يتخذ شكل ريوزو، فيجب أن تكون أصولها مماثلة لأصول ريوزو، ما لم تكن مجرد نسخة معجزة مطابقة لها.
وفي هذه الحالة، كانوا سيجرون تحقيقًا دون تردد، لذا توجه سوبارو وإيميليا نحو ريوزو المزيفة التي كانت محتجزةً لدى جوليوس.
جوليوس: “هذا زومبي قادر على التفكير والتحدث. سوبارو، كن حذرًا.”
سوبارو: “نعم. في الواقع، هناك احتمال كبير أنها أخطر بكثير مما يوحي به مظهرها. إيميليا-تان، هل يمكنكِ أن تكوني حذرة وتراقبي الوضع أيضًا؟”
إيميليا: “نعم، اترك ذلك لي. إن تصرفتِ بشكل… أمم…”
أصبحت إيميليا حذرة ، لكنها وجدت نفسها مترددة فيما يجب أن تقوله لريوزو المزيفة.
كان من المشكوك فيه أن يكون للتحذير: “إذا لم تقاومي، لن نؤذيكِ”، أي معنى أمام زومبي. ومع ذلك، لم يكن ينبغي لهم أن يُخفضوا حذرهم.
سحق الوجودٌ الصغير عربات التنين المزدوجة التي كانت تحمل سوبارو والآخرين في غضون نفسٍ واحد.
حتى لو كانت أطرافها الأربعة مقيدة، لم يكن من المؤكد أنها كانت عاجزة تمامًا عن الحركة.
سوبارو: “مؤسفٌ جدًا أن هجومكِ الاستباقي قد فشل.”
ريوزو المزيفة: “――أنتَ…”
سوبارو: “اسمي هو… هذا ما كنت سأقوله بناءً على رد فعلي الغريزي لإعطاء اسمي، لكنني لا أسعى لأن أكون صديقكِ. لا بأس أن تظل علاقتنا على أنكِ شخصٌ خطر، وأنا من أعاق خططكِ.”
ريوزو المزيفة: “أرى، أنتَ شخصٌ غريبٌ ذو قدرةٍ غير متوقعة. للوهلة الأولى، لا يبدو أنك تمتلك أي مهارةٍ بارزة.”
عبَّرت ريوزو المزيفة ، وهي ممددةٌ على الأرض وتنظر إلى سوبارو، عن وجهة نظرها.
لقد اعتاد على أن يتم الاستهانة به، لذا لم ينزعج من هذا التقييم. بجانبه، بدا أن إيميليا أرادت أن تقول شيئًا، لكن جوليوس هز رأسه لإيقافها. على أي حال――
سوبارو: “لا يوجد أي زومبي آخر قادم. هل تقدمتِ بمفردكِ لأنكِ تستطيعين الطيران؟ إن اندفعتِ معتقدةً أنه بإمكانكِ هزيمتنا، فهذا مؤسفٌ جدًا.”
في الواقع، لقد قُتل بالفعل مرةً بسبب هجومها الاستباقي، لكنه لم يكن ليكشف عن ذلك.
إذا كان استفزازه سيدفع الخصم إلى التحدث، فسيكون ذلك مكسبًا. ومع ذلك، بدا أن بشرتها الشاحبة لم تكن مجرد مظهر، ولم تظهر أي رد فعلٍ عاطفي.
لكن، كان من المعروف بالنسبة لهذا النوع من الأشخاص أن يستعرضوا ذكائهم عبر تقديم تصريحاتٍ متكررة تتناقض مع أهدافهم.
إذا لزم الأمر، كان سوبارو مستعدًا لتقديم أداء حياته كطفل أحمق يمكنه تمثيله. ومع ذلك――
ريوزو المزيفة: “――فالغا كرومويل.”
سوبارو: “هاه؟”
فجأة، نطقت شفاه الفتاة المستلقية هناك بكلمة غير مألوفة.
――لا، بدا وكأنه شيء سمعه في مكان ما من قبل، لكنه لم يتمكن من تذكر متى كان ذلك أو ما الذي يدور حوله على الفور.
بينما حبك سوبارو حاجبيه متشككًا، كانت ردّة فعل إيميليا وجوليوس مختلفة.
كلاهما تصرف كما لو أنهما يعرفان الاسم.
لكن، قبل أن يتسنى لإيميليا أو الآخرين تأكيد كلمات ريوزو المزيفة――
ريوزو المزيفة : “كانت هذه إحدى مخططاته التي لم تُنفَّذ حينها.”
بالفعل، كانت ريوزو المزيفة هي التي استمرت في الحديث أولًا.
وهكذا، تطورت الأحداث بعد ذلك بسلاسة، دون إفساح المجال للسؤال الذي قد تأخر طرحه بالفعل.
إيميليا: “سوبارو!!”
بعد لحظة، رأى سوبارو تعابير وجه إيميليا تتغير، وجذبته بقوةٍ إلى حضنها . وعلى الفور، صرت إيميليا على أسنانها، وخلقت جدارًا من الجليد حول سوبارو وجوليوس ونفسها.
داخل جدار الجليد، استعد جوليوس بسيف الفارس، ووجهه نحو ريوزو المزيفة عند قدميه، ومحاطًا بضوء قوس قزح الذي يجسد قوة أشباه أرواحه الستة المركزة.
استجابةً للخطر القادم، أنهت إيميليا وجوليوس استعداداتهما في لحظة.
ثم――
سوبارو: “――ماذا…”
――سفط ضوءٌ أبيض من خلف السماء، ليجتاح الجميع دفعةً واحدة، كما لو كان يسخر منهم بوحشية.
………
ريم: “أمم، هل سيكون من المناسب أن نتعامل مع ارتباكي أولًا؟”
سوبارو: “――هك.”
كان صوت ريم مشبعًا بمزيجٍ من الذهول والإرهاق ، و أخذ سوبارو نفسًا قصيرًا.
شعر بندمٍ لعدم تمكنه من تفادي الموت، والذي، على عكس المرة السابقة، كان يعلم أنه قادم، إلى جانب اهتزاز روحه بسبب الصدمة التي كان يتوقعها، مما سحق قلبه من الداخل.
――لقد أساء الحكم تمامًا على سبب موته.
كان هذا نتيجةً ملاحظة لتغيير الظاهري الأكثر وضوحًا، والغطرسة في التفكير بأنه قد منعه.
في المرة الأولى، كان الفارق الزمني بين ملاحظته وجود ريوزو المزيفة وبين الموت قصيرًا جدًا، مما جعله يغفل عمّا حدث بالفعل.
الضوء الأبيض القوي الذي محا سوبارو والآخرين لم يأتي من ريوزو المزيفة ، بل جاء من مكانٍ آخر.
“سوبارو؟”
سوبارو: “――إيميليا، انتظري قليلًا.”
لاحظت إيميليا شرود سوبارو، فأمالت رأسها، لكنه رفع يده كردٍّ على ذلك.
أوقف تأملاته، وأبعد كل أشكال الندم. بينما كان هناك مجال للنمو عبر التفكير العميق، كان الندم مجرد شفقةٍ ذاتية على شيء يتمنى المرء لو أنه فعله.
ولكن بهذا، لن يتم إنقاذ الذات التي أشفق عليها، ولا جميع الآخرين الذين تجاهلهم.
لن يسمح به. هذا، لن يسمح به أبدًا، إطلاقًا.
في تلك اللحظة، ذكرت ريوزو المزيفة الاسم “فالغا كرومويل”. لم يكن سوبارو قد فهم بعدُ معناه، لكن إيميليا وجوليوس بديا وكأنهما يعرفانه.
ربما ينبغي عليه أن يطلب المزيد من التفاصيل.
لا، يمكن لهذا أن ينتظر.
حتى لو اكتشف من يكون هذا “فالغا”، فإن هجوم الضوء الأبيض الذي تبعه لن يختفي ببساطة. كان ذلك الهجوم حقيقيًا تمامًا، بل وأكثر من ذلك، كان خطرًا هائلًا يقف في طريق سوبارو والآخرين.
كان لا بد من التعامل معه، لكن هل كان من الممكن منعه من الحدوث في المقام الأول؟
كان من المستحيل أن تكون ريوزو المزيفة وذلك الهجوم غير مرتبطين، لكن هل ستقبل هي، بصفتها زومبي ، بالتفاوض؟ إذا كانت زومبي قادرةً على التواصل، ألن يكون من الخطر إغلاق باب المفاوضات؟
لا، لو كانت قابلةً للإقناع، لما حاولت قتلهم مباشرةً دون أي نقاش .
سواء كانت قابلةً للإقناع أم لا، لكي تُعقد طاولة المفاوضات، كان لا بد أولًا من ترتيب الطاولة――
ريم: “――؟ أمم…”
إيميليا: “ريم، من فضلك.”
بجانب سوبارو، الذي كانت أفكاره تتسارع بشكلٍ محموم، أوقفت إيميليا سؤال ريم.
كان تسلسل الأحداث مطابقًا لما حدث سابقًا، لكن من هذه النقطة فصاعدًا، كان عليه أن يُوجه الأمور نحو مسارٍ مختلف.
داخل عقله، عالج كل ما حدث بالترتيب، ومن أجل الخروج من هذا المسار الذي يؤدي إلى الموت، كان لا بد من إجراء تغييرٍ حاسم عند هذه اللحظة الحرجة.
ولهذا السبب――
سوبارو: “――جوليوس! بالخارج! إيميليا، تعالي أيضًا!”
جوليوس: “مفهوم!”
إيميليا: “نعم! فهمت!”
في اللحظة التي لمح فيها شكل الفتاة الصغيرة خارج النافذة، نذير الموت الذي سيصل قريبًا، قفز نحو النافذة، ونادى على إيميليا وجوليوس خلفه.
بدون تردد، ضرب سيف جوليوس جدار عربة التنين المزدوجة، وبمجرد أن أزال بالجدار، توجه سوبارو والاثنان الآخران إلى الخارج.
وقبل أن يتجاوزوا نطاق “حماية تجنب الرياح الإلهية”، صاح بصوتٍ قوي――
سوبارو: “――ريم! أحتاج إلى خدمة!”
…..
ركلت ساقٌ طويلة ريوزو المزيفة إلى الأرض، والتربة المتغيرة استقبلت جسدها غير الحي، ثم احتجزها مجددًا بغطاء ترابي يقيّد جسدها بالكامل .
جوليوس: “أنصحكِ بعدم المقاومة. إن لم تلتزمي بهذا التحذير، فسأعاملكِ كعدوة، سواء كنتِ حيةً أو ميتة.”
ريوزو المزيفة: “――――”
كانت ريوزو المزيفة تحدّق في جوليوس ، الذي غرس سيفه أمامها. ربما كانت مندهشة من مهارات جوليوس الأنيقة، لكن أسلوبه القتالي لم يستند إلى أي مزايا مستمدة من “العودة بواسطة الموت” لسوبارو.
رؤية جوليوس، الذي هيمن على خصمه بقدراته ، جعلت سوبارو يقبض على قبضته.
إيميليا: “هذه ليست ريوزو-سان، صحيح؟”
في جزءٍ من الثانية، قام جوليوس بشلِّ خصمه، حبكت إيميليا، التي قفزت من عربة التنين المزدوجة في نفس الوقت، حاجبيها المنحوتين وهي تحدّق في ريوزو المزيفة عند قدميه.
سوبارو أيضًا لم يكن يعرف الهوية الحقيقية لريوزو المزيفة . لكنه كان يعلم أنها زومبي ، قادرة على إلحاق الأذى بسوبارو والآخرين، وكانت تفعل ذلك بإرادتها. خلاف ذلك، لم يكن يعرف شيئًا آخر.
سوبارو: “مظهرها مطابق تمامًا، لكنها ليست ريوزو-سان ولا بيكو أو غيرها. لكن الأهم من ذلك، أنزليني واحذري! استعدي، إيميليا!”
إيميليا: “أن أكون حذرة؟ حتى بعد أن تمكن جوليوس بالفعل من هزيمة تلك الفتاة؟”
سوبارو: “هناك شيءٌ أكبر قادم. شيءٌ يمكنه قتلنا إن لم نكن مستعدين.”
قائلًا ذلك، قفز سوبارو من أحضان إيميليا.
هذه المرة، جعل إيميليا تنفذ الهبوط، وطلب من جوليوس تقييد ريوزو المزيفة على الفور. ومع ذلك، أومأ سوبارو إلى إيميليا المتفاجئة، واندفع نحو جوليوس، الذي كان يحكم قبضته على ريوزو المزيفة .
سوبارو: “حسنًا! لكن الأمور لم تنتهِ بعد! هناك ضربةٌ ضخمةٌ ستأتي من السماء! إن لم نوقفها، فسنكون جميعًا في خطرٍ كبير!”
يوليوس: “من السماء؟”
سوبارو: “إيميليا، خذي أنفاسًا عميقة أيضًا!”
متجاوزًا التفاصيل الصغرى، أشار سوبارو إلى إيميليا خلفه.
هناك، بأذرعٍ ممدودة، كانت إيميليا تأخذ أنفاسًا عميقةً بطيئةً وطويلةً. كان تركيزها يزداد استعدادًا لما هو قادم.
أومأ جوليوس برأسه لذلك، وظهرت أشباه الأرواح ذات الألوان الستة حوله.
ريوزو المزيفة : “――أنتَ…”
استعدت إيميليا ويوليوس في بسرعة ، بينما كانت ريوزو المزيفة ، المقيّدة على الأرض، تحدّق بسوبارو بشك.
من خلال هذا التفاعل، فهمت على الفور أن سبب تثبيت رأسها على الأرض كان الفهم السريع لسوبارو. ولكن، لم يكن هذا مفاجأتها الوحيدة.
سوبارو: “فالغا كرومويل.”
ريوزو المزيفة: “――――”
سوبارو: “هذا هو اسم استراتيجيتكِ العسكرية، أليس كذلك؟”
أغمض سوبارو إحدى عينيه، و أوصل سوبارو إلى ريوزو المزيفة أنه كشف خططها.
في الواقع، لم يكن يعرف نوايا ريوزو المزيفة ولا حتى هوية فالغا كرومويل، لكنه استخدم أسلوب الخداع بحيث لا يُظهر هذا الواقع.
المعلومة التي جاءت من ريوزو المزيفة نفسها كانت الآن تدفعها إلى الذهول.
في الواقع، حتى هذه اللحظة، بقيت تعابير وجهها ثابتة، ولكن الآن، تصلبت وجنتاها، وكانت تنظر إلى سوبارو بدهشة أكبر من أي وقت مضى.
ريوزو المزيفة: “كنت أعتقد أن الحذر ضروري ضد مستخدم السحر وفارس الأرواح. ولكن يبدو أنه ضروري منك أيضًا. حذر: مطلوب.”
سوبارو: “… لقد تم كشف استراتيجيتك. كوني هادئة وتقبلي هزيمتك.”
حاول سوبارو الاستمرار بخداعها. لكن نظرًا لأن الخداع لا يمكنه التأثير على روح ريوزو المزيفة، فهذا يعني أن خطتها كان مختلفًا تمامًا.
كانت إستراتيجية ريوزو المزيفة ليست من النوع الذي يفشل بمجرد كشفه.
ريوزو المزيفة: “إستراتيجية فالغا هي شيء لا يمكن منعه حتى لو تم إكتشافها.”
في تلك اللحظة، ظهر ذلك الضوء الأبيض القادم من السماء مستهدفًا سوبارو وأصدقائه – لا، لم يكن كذلك.
جاء الضوء الأبيض، لا يستهدف سوبارو وأصدقائه، بل يستهدف ريوزو المزيفة المستلقية على الأرض، وكان ينطلق ليسحق كل شيء على السطح.
إيميليا: “――سوبارو!!”
قبل أن يبيد ضوء الموت الوشيك وجود سوبارو، مدت إيميليا يديها وشكلت حاجزًا جليديًا، واصطدم بعنف بالضوء.
في الوقت نفسه، سُحب سوبارو من ياقة ملابسه وسقط جسده على الأرض عند قدمي إيميليا. أمام عيني سوبارو، كانت ريوزو المزيفة، الأقرب للضوء منه، قد ابتلعتها تلك الأشعة البيضاء واختفت.
ربما كان هذا هو الحال دائمًا.
كان ذلك الضوء الأبيض يستهدف ريوزو المزيفة. وجودها كان علامة للضوء الأبيض ليصوب نحوها، وكانت تداعيات التأثير قد ابتلعت سوبارو والآخرين، إلى جانب عربة التنين المزدوجة.
لقد أصبحت هدفًا حيًا لقصف هائل بينما كانت تتحرك وسط الأعداء – لا، بما أنها قد ماتت، فقد أصبحت هدفًا ميتًا. وعلى أي حال، فإن الشخص الذي فعل ذلك في الأصل كان مجنونًا تمامًا.
سوبارو: “ذلك الأحمق فالغا كرومويل――!!”
جوليوس “أل كلاوزيريا!!”
قوبل نداء سوبارو بتعويذة جوليوس، وهو يدفع طرف سيفه نحو الضوء.
ظهرت هالة قوس قزح، واصطدم تألقها بالضوء الأبيض كجدار، بالكاد كبح قوته بما يكفي لمنعه من تحطيم العديد من الحواجز الجليدية التي صنعتها إيميليا.
ضوء أبيض مدمر، وجدار جليدي واقٍ يتلألأ بضوء قوس قزح.
على عكس المرة السابقة، عندما لم يكن لديهم خيار سوى مواجهته دون استعداد كافٍ، كان هناك متسع من الوقت لصياغة استراتيجيات ضده. لهذا السبب تمكنت إيميليا وجوليوس من مقاومة الهجوم بشكل أفضل مقارنة بالمرة السابقة. ولكن، حتى مع ذلك――
إيميليا “أوغ، ياااااه――هك!”
جوليوس: “غوه، كو… هك.”
قاتلت إيميليا وجوليوس ضد الضوء الأبيض بيأس.
لكن إذا كان هذا شيئًا لا يستطيع هذان الشخصان التغلب عليه حتى مع جهودهما المشتركة، فكم كانت قوته هائلة؟
لم يكن بمقدور سوبارو فعل أي شيء سوى دعم ظهر إيميليا وهي تصمد في موقعها.
سوبارو: “اصمدا! أنتما الاثنان، لا تستسلما!”
صر سوبارو على أسنانه، لم يكن قادر على تقديم دعم جسدي، فصرخ ليمنحهم دعمًا معنويًا.
كان من الرائع لو أن ذلك قد أثار الحماس في قلوبهما ومنحهما القوة للقضاء على الضوء الأبيض تمامًا، ولكن الأمور لا تسير بسلاسة دائمًا.
بغض النظر عن الموقف، فإن الخلاص لا يأتي فجأة من الفراغ.
بغض النظر عن مدى رغبة المرء أو دعاءه ، لا يمكنه أن يلعب أوراقًا لم تُوزَّع له في اللعبة. ولهذا السبب――
“――لقد أحسنت بدعوتي، يستحق الثناء حقًا.”
عند سماع صوت مسترخٍ يتناقض مع خطورة الوضع، حبس سوبارو أنفاسه.
ظهر شخص ما بجانبهم. ثم، وضع يده الكبيرة على رأس سوبارو وربت عليه قبل أن يسير أمام إيميليا وجوليوس، وكأنه يتحرك بكل أريحية.
تلك المفاجأة أثارت دهشة الاثنين، لكن――
“ها هي النقطة الميتة.”
بمجرد أن قالها، تقدم الشكل أمام الثلاثة، ولوّح بالذراع الذي أخرجه من كمّه، وألقى شيئًا نحو الضوء الأبيض.
كان ذلك الضوء يمتلك القوة لسحق كل شيء وتحويله إلى غبار.
وراء الحاجز الذي استخدمته إيميليا وجوليوس لصده ، كان من المفترض أن يُبتلع ويختفي أيضًا.
أو هكذا بدا الأمر.
إيميليا: “لا يمكن…”
أطلقت صوت شهيق، واتسعت عيناها الأرجوانيتان باندهاش.
ما انعكس في عينيها الجميلتين لم يكن الموت الأبيض الذي كان قريبًا جدًا منهم. بل اختفى تمامًا، وما ظهر بدلاً من ذلك كان السماء الليلية، مغطاة بغيوم كثيفة.
سوبارو وجوليوس، الذين شاهدوا نفس المشهد، بقوا عاجزين عن الكلام.
الجدار الجليدي المتلألئ بهالة قوس قزح، الذي اصطدم بالضوء، اختفى أيضًا، وريوزو المزيفة، التي جعلت من نفسها هدفًا، اختفت داخل الضوء، تاركة وراءها العدم――
“كل هذا بفضل تلك الفتاة الأوني ذات الشعر الأزرق التي ذهبت ودعتني. لكن، أنتم الثلاثة بذلتم جهدًا عظيم للصمود. ماذا عن بعض الحلوى مكافأة لكم؟”
أثناء حديثه، بعدما مسح الموت الساحق بيده، استدار الرجل الذئب – الأقوى بين دول المدن – وابتسم ابتسامة عريضة لسوبارو وأصدقائه، الذين كانوا مذهولين تمامًا.
ثم بدأ يبحث داخل ملابسه، بينما يميل رأسه وبيده التي ما زالت تحمل غليونه،
“آه، أوه، يبدو أني لا أملك أي حلوى معي.”
ثم لوّح بيده الفارغة في الهواء، مما تسبب في سقوط سوبارو المرهق على مؤخرته.
……..
Hijazi
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.