Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ري زيرو: بدء الحياة في عالم أخر من الصفر 39

36.39

36.39

‏―كان سيسيلوس سيغمونت محدقًا للنجوم.

سيسيلوس: [المستذئبون نادرون جدًا. أعلم بوجودهم، لكني لم أصادف أحدًا منهم قط.]

محدق النجوم، لا بالمعنى الإداريّ المتعارف عليه في إمبراطورية فولاكيا، ذلك المنصب الذي شغله أوبيلك بأمرٍ من فينسنت فولاكيا أوّلَ مرّة؛ بل كان محدقًا للنجوم بالمعنى الأصيل لهذا اللقب―― أي مخلوقًا أُوكلت إليه وصيّةٌ تُعدّ أسمى ما في حياته، فينبذُ كلَّ ما سواها، ويُفني وجوده في سبيل بلوغ غايته العظمى.

وعلى أية حال، كان المستذئبون مكروهين في الإمبراطورية، وذلك بسبب قصةٍ قديمةٍ جدًا، لكنها مستندةٌ إلى وقائع تاريخية جعلت كرههم متجذرًا في الواقع.

إنّ القوّة القَسريّة التي تهيمن على من تُلقى إليه الوصيّة، فتجعل منه محدقًا للنجوم، كانت بالغة الشدّة، قادرةً على أن تغيّر مصائر البشر أنفسهم. فهي قوةٌ قد تمنحُ بغيًّا صوتًا نافذًا يمكّنه من دخول القصر ليُسدي النصح للإمبراطور، وقد تنتزعُ من أمٍّ ضعيفةٍ حبَّها لابنتها التي أنجبتها على مشارف الموت، بل قد تدفعُ إنسانًا إلى هجر غايته التي أفنى عمره في طلبها، أو إلى التفكير في إنهاء حياته لأجلها.

سيسيلوس: [هاه!؟ أتقول هذا وأنت تنظر إليّ هكذا!؟]

وحين يتلقّى أحدهم وصيّته، تنقلب حياته التي عرفها رأسًا على عقب، ويُجبر على تبديل المبادئ التي نهجها. ومع ذلك، لم يكن المحدقون يرون في ذلك مأساة.

آل: [تلك المواقع الثلاثة…]

بل، وإن بدا الأمر شاذًّا أو مؤلمًا في نظر الآخرين، فهكذا كانت حقيقتهم.

سيسيلوس: [هاهاها! يبدو أنكم في مزاجٍ رائقٍ للغاية اليوم أيضًا! أعلم، أعلم، فكل تصرّفٍ أقوم به يسلب ألباب الناس! لن تستطيعوا صرف أنظاركم عنّي ولو لثانية، فترقّبوا الأحداث القادمة!]

وفيما بين أولئك المحدقين، كان روان سيغمونت هو الاستثناء الوحيد.

فردَّ سيسيلوس قائلاً: «ما بك؟»، وبينما خفّضَ غروفي ذراعه المرفوعة،

فقد توافقت الوصيّة الملقاة على عاتقه مع الطموح الذي حمله في قلبه منذ البداية، فلم يبدُ للناس أنّ حياته انحرفت عن مسارها، غير أنّه وحده أدرك ذلك الانحراف في قرارة نفسه.

غروفي: [كلا، هذه مصنوعة من جلد ذئبٍ مستذئب.]

وقد سلف الحديث عن كيف تصالح حلمه الأسمى مع وصيّته، وكيف وُلد إيمانه الراهن، فلن نخوض في ذلك الآن.

غروفي: [لا أدري، لكن ذاك الأحمق “تشيشا” الذي فعل بك هذا حتمًا يعرف. فخدعُ النينجا تلك غالبًا ما تُقيَّد بمهلةٍ زمنيةٍ أو بشروطٍ معيّنة. لابد أنّ لديه شروطًا.]

بل حديثنا الآن عن الكائن الذي جاء إلى هذا العالم ثمرةً لتلك الوصيّة الممنوحة لروان سيغمونت―― أي سيسيلوس سيغمونت، وعن كونه هو الآخر محدقًا للنجوم، و――

غروفي: [احذر. هذا الأحمق سيرتبُ الأمور سريعًا ثم سيذهب يبحث عن باليروي.]

――عن الحقيقة التي تقول إنّ سيسيلوس سيغمونت كان المحدق الوحيد غير المقيَّد.

سيسيلوس: [هوهو، إذن “تشيشا” هذا نينجا؟ هل هو قريبٌ أو صديقٌ لذاك العجوز المفعم بالنشاط؟]

△▼△▼△▼△

يقع القصر في أقصى الشمال، بينما تُعدّ مداخل العاصمة―― فالحصن الجنوبيّ الأقصى هو الرقم واحد، والجنوب الشرقيّ الرقم اثنان، والجنوب الغربيّ الرقم ثلاثة، ثم الشمال الشرقيّ الرقم أربعة، والشمال الغربيّ الرقم خمسة؛ هكذا كان تسلسل الترقيم.

وقف سيسيلوس، وهَكَامَتُه تتطاير أطرافها في مهبّ الريح، واضعًا كفّه على جبهته يقي عينيه من الشمس وهو يحدّق في الأفق البعيد.

بأصواتٍ عاليةٍ تكاد تهمس، وبأساليبَ تجمع بين الوقار والطيش، وبنبراتٍ سماويةٍ تجهل معنى اللياقة، خاطبته تلك الأصوات.

كان “أل” قد طرح خطّةً لإسقاط الحصون الخمسة من الأسوار النجمية التي تطوّق العاصمة الإمبراطورية.

اعتذر غروفي بصدق، بوجهٍ متجهم، إلى آل الذي اضطر إلى انتظارهما في الأسفل.

ولجذب الإمدادات من الخارج، وجب فتح ثغراتٍ في دفاعات الموتى الأحياء الحصينة. وكان سيسيلوس، بطبيعته، ليرحّب ترحيبًا صاخبًا بكل ممثّلٍ جديدٍ يعتلي المسرح، وبالجمهور الذي سيشهد بعيونه تألّقه على الخشبة.

‏―كان سيسيلوس سيغمونت محدقًا للنجوم.

وإن كان ذلك يُعدّ تمهيدًا لوقائعَ أدهى وأعجب، فلا بأس ببذل الجهد في عملٍ متواضع.

سيسيلوس: [ولكن لأكون صريحًا، فأنا أوافقك. ومع ذلك، إن كان الأمر كذلك فتعرف ما يعنيه ذلك، أليس كذلك؟ بشكلٍ مفاجئ، أو بالأحرى، على غير التوقُّع، يبدو أن آل-سان بارع في التخطيط.]

سيسيلوس: [مع ذلك! لا تنسوا أنّ هذا لأنني وُعدتُ بمكافأةٍ لاحقة!]

ولم يكن الأمر أنهم لم يروا موتى أحياء يبحثون عن ناجين على طول الطريق، لكن أولئك لم يكونوا سوى أدوارٍ ثانويةٍ عابرة، وإن تجرّأ أحدهم على اعتراض الطريق، فمصيره كان الفناء فورًا.

في الحرب كما في المسرح، ثمّة ما يُعرف بـ”الرجل المناسب في المكان المناسب”.

كان يُقال له كثيرًا إنه تقلّص، لكن الأمر لم يستوعبه حقًّا قط. فسواء أكان قد تقلّص أم لا، فوجوده الحالي، كما هو عليه، كان بالنسبة إليه ذاته الكاملة.

ووفقًا لفلسفة سيسيلوس التي ترى أنّ الإنسان، حيثما كان، فهو على خشبة مسرحٍ―― وهي فلسفة تحتاج إلى وقتٍ طويلٍ لشرحها―― فإنّ لكلّ امرئٍ موضعًا يليق به. وإن كان لا بدّ من القول إنّ الأعمال الصغيرة المتأنّية تمثّل موطنَ قوّة سيسيلوس، فذلك سوءُ توزيعٍ للأدوار.

غروفي: [اخرس! ينفدُ وقتُنا اللعَن. هيا بنا بسرعة.]

إذ من منظور الإخراج المسرحي، أن يُزجّ بالبطل، مركزِ المسرح الذي تأسره العيون، في الظلال عاملًا في الكواليس، هو كمن يضع العربة أمام تنين الجرّ.

أمام سيسيلوس المبتسم، أخذ آل نفسًا وحلَّ صمتٌ عليه.

سيسيلوس: [ألا تتفقون جميعًا معي في ذلك؟]

وببطءٍ حركَ آل رأسه وصدح بتنهيدة استسلام، فاندفع سيسيلوس مُتذمّرًا.

أمال رأسه نحو السماء، موجّهًا خطابه إلى طرفٍ غير منظور.

غروفي: [هاه؟ تعرف ذلك الاسم القديم اللعين؟ الأكثر شيوعًا تسميتها «حماية الكمين»… رغم أن موضوع المستذئبين أصلًا نادر الحديث.]

وبالطبع، في الأحوال المعتادة، لا تجيب السماءُ الملبّدةُ بالغيوم من يناديها من الأرض. ――غير أنّ هذه ليست أحوالًا معتادة.

غروفي: [قلت لك اللعنة مرارًا، إنها كاتاناك اللعينة، أيها الأحمق!]

فـسيسيلوس ليس بشرًا عاديًّا، بل هو بطل هذا العالم.

فقد توافقت الوصيّة الملقاة على عاتقه مع الطموح الذي حمله في قلبه منذ البداية، فلم يبدُ للناس أنّ حياته انحرفت عن مسارها، غير أنّه وحده أدرك ذلك الانحراف في قرارة نفسه.

――وقد عادت إليه أصواتُ جمهوره، تلك التي لا يسمعها سواه.

――كانت أشواكٌ رمادية تدور داخل صدر سيسيلوس.

أصواتٌ متخالطة، فيها الوقارُ والفظاظة، والنبرةُ الإلهيّةُ الجاهلةُ بأبسط معاني التهذيب، خاطبته كلّها دفعةً واحدة.

آل: [لم أعد أتفاجأ من طريقتك الممعِنة في فعل ما يحلو لك. لكن، الأهمّ الآن، هل لاحظتَ شيئًا أثناء مراقبتك؟]

ثم――

إحساسًا بأن آل يظنُّ نفسه أدنى لسببٍ ما، أمال سيسيلوس رأسه بتلك الطريقة.

أُعيدَت الأصوات القادمة من الجمهور إلى سيسيلوس وحده.

بأصواتٍ عاليةٍ تكاد تهمس، وبأساليبَ تجمع بين الوقار والطيش، وبنبراتٍ سماويةٍ تجهل معنى اللياقة، خاطبته تلك الأصوات.

بأصواتٍ عاليةٍ تكاد تهمس، وبأساليبَ تجمع بين الوقار والطيش، وبنبراتٍ سماويةٍ تجهل معنى اللياقة، خاطبته تلك الأصوات.

وكعادته، لم يُصغِ إلاّ إلى حماسة الجمهور متجاهلًا البقية، ثم التفت إلى الخلف عند سماع صوت غروفي، الرجل الضبع الذي كان يقترب منه.

وفوق ذلك――

سيسيلوس: [ألا تتفقون جميعًا معي في ذلك؟]

؟؟؟: [■■■■.] / [■●■●■●■.] / [――■■.] / [●●●●●!!] / [■■■■●●■■.] / [●●■■●■■●●.] / [■■!!] / [●●●■■■.] / [■■■●■●●■■●●.] / [●●■●■●●●■■●――] / [●●…■.] / [●■●■●■●■.]

ولو سأل عن ذلك، لردّ غروفي غاضبًا: “وكيف لي أن أعلم!؟”.

بكمٍّ غزيرٍ وقوةٍ مفرطة، انهمرت تلك الأصوات على سيسيلوس.

سيسيلوس: [أتساءل إن كان والدي الأناني للغاية سيطيع ما يقوله آل-سان؟]

مبتهجةً على نحوٍ مسعورٍ لأن بطل المسرح قد خاطبها، انطلقت الجماهير لتجيبه بحماسة―― لا، لم تكن تلك إجاباتٍ على ما سأل عنه سيسيلوس قبل لحظات.

سيسيلوس: [هل من الممكن أنكما تشعران بهذا أيضًا؟]

بل كانت أصواتًا تتهاطل عليه عند كل حركةٍ يصنعها، وكل فعلٍ يقوم به.

آل: [――. أريدُ تجنُّبَ الرقمِ ثلاثة، إذ إنه المنطقة التي كان فيها القناصُ سابقًا. لذا فسيكون الرقم أربعة أو الرقم خمسة في الجانب الشمالي… وإذا ما كان لأضعفِ احتمالٍ أن يُؤخذ بعينِ الاعتبار، فسيكون الرقمُ أربعة في الشمال الشرقي.]

كانت تلك الأصوات ترافقه بلا انقطاع منذ أن وعى وجوده في هذا العالم، كأنها تحاول أن تُجبره على أن يتصرّف بهذا الشكل أو ذاك――

وفوق ذلك――

سيسيلوس: [هاهاها! يبدو أنكم في مزاجٍ رائقٍ للغاية اليوم أيضًا! أعلم، أعلم، فكل تصرّفٍ أقوم به يسلب ألباب الناس! لن تستطيعوا صرف أنظاركم عنّي ولو لثانية، فترقّبوا الأحداث القادمة!]

فبالطبع، لم يكن يمانع تجنّب المتاعب غير الضرورية، ولم يرَ في إضاعة الوقت والجهد في مواجهة الجنود العاديين أمرًا مرغوبًا.

بالنسبة إلى سيسيلوس، الذي لم يُصغِ يومًا إلى أي كلمةٍ تُوجَّه إليه، كانت تلك الأصوات مجردَ هتافاتٍ متحمسةٍ من جمهوره العاشق له.

اعتذر غروفي بصدق، بوجهٍ متجهم، إلى آل الذي اضطر إلى انتظارهما في الأسفل.

――كما ذُكر سابقًا، كان سيسيلوس سيغمونت من مستشرفي النجوم.

ذلك المحاربُ الوحشيّ، غروفي، الذي لم يكن أطول منه قامةً، كان بارعًا بحق.

ولأغلب مستشرفي النجوم―― بل حتى رووان سيغمونت، الذي يُعَدّ استثناءً بينهم―― كانت حياتهم منحرفةً عن طبيعتها لأجل تنفيذ الوصية التي أُلقِيت على عاتقهم.

سيسيلوس: [رغم أن الحر خانق داخلها بسبب اختلاف أحجامنا، لا أستطيع تخيّل كيف تمكنتَ أنت ووالدي من دخول العاصمة الإمبراطورية بثلاثة أشخاص. ومع ذلك، من أين اشتريتَ هذه العباءة الغريبة؟]

إلى هذا الحدّ بلغ سلطانُ تلك الوصايا، إذ كانت حياة مستشرفي النجوم خاضعةً لها تمامًا.

آل: […نعم. أيها الغروفي-سان، ألم تقل إننا لا يمكن اكتشافنا بهذه العباءة…؟]

إلاّ أنّ سيسيلوس سيغمونت كان المستشرفَ الوحيد الذي لا تقيّده وصية.

آل: […لا أدري عمّا تتحدث، لكن حسنًا. أنت محقٌّ في أنني لستُ مثل أخي.]

سيسيلوس: [شكرًا، شكرًا، شكرًا لكم جميعًا على تشجيعكم المتواصل. كالعادة، لا أفقه كلمةً مما تقولونه، ولا أملك آذانًا تُحسن الإصغاء، لكن لا تقلقوا! سأخيّب توقّعاتكم! وسأرتقي إلى مستوى آمالكم! فهكذا أحيا حياتي، بوصفي البطلَ الرئيسي!]

ضحك سيسيلوس وصفّق بيديه ردًّا على كلمات غروفي، ثم حرّك رأسه وكأنه يقول: “انتظر لحظة”.

؟؟؟: [――تبًّا لك، يا عديمَ العقل! كُفَّ عن هذا الصخب، فسيكون أمرًا مزعجًا بحقّ إن عثروا علينا.]

في هذا السياق، أدرك غروفي التناقض في تفكيره. فمهما كان الخصم، لا أحد يستطيع أن يُنقِص من قدر سيسيلوس――

سيسيلوس: [أووبس.]

‏―كان سيسيلوس سيغمونت محدقًا للنجوم.

وكعادته، لم يُصغِ إلاّ إلى حماسة الجمهور متجاهلًا البقية، ثم التفت إلى الخلف عند سماع صوت غروفي، الرجل الضبع الذي كان يقترب منه.

غروفي: [لا أدري، لكن ذاك الأحمق “تشيشا” الذي فعل بك هذا حتمًا يعرف. فخدعُ النينجا تلك غالبًا ما تُقيَّد بمهلةٍ زمنيةٍ أو بشروطٍ معيّنة. لابد أنّ لديه شروطًا.]

كان غروفي، واضعًا يده على خاصرته، يرمقه بنظرةٍ يقِظةٍ أعجبت سيسيلوس.

سيسيلوس: [أويا، إنه آل سان.]

ذلك المحاربُ الوحشيّ، غروفي، الذي لم يكن أطول منه قامةً، كان بارعًا بحق.

آل: [――――]

فأولًا، كان في مظهره جاذبيةٌ وجمال. ثم إنه قويٌّ بما يكفي ليُعدّ من بين أفضل خمسة مقاتلين التقاهم سيسيلوس منذ أن غادر الجزيرة. وكان يأمل أن يكون أسلوبُه في القتال مثيرًا للاهتمام، لا يُقاس بمجرّد مهارة السيف.

غروفي: [ذلك لأن العثور عليهم صعب اللعنة جدًا أصلًا. فقبيلتهم بأكملها محمية بـ«حماية إلهية»، تمامًا مثل التنانين الأرضية أو شعب أروها في المملكة المقدّسة. وإن سلختهم أحياء، تبقى الحماية على جلودهم. استخدامٌ فعّال لتلك المخلوقات الماكرة.]

سيسيلوس: [يؤسفني القول إنّ في ألفاظك خللًا ما. حين تُكثر من الكلمات البذيئة على هذا النحو، تتدهور هيبتك! وحين تتدهور، تفقد مكانتك كمقاتلٍ رفيع الشأن. وإن كنتَ تنوي السير في درب قتالٍ مميتٍ معي، فأقلّ ما أرجوه من خصمي أن يكون ذا مقامٍ لائق!]

فهو الآن على ظهر آل، وغروفي متشبّث ببطنه――بعبارة أخرى، كان سيسيلوس وغروفي يشكّلان شطيرة بشرية يحيطها آل من الجانبين.

غروفي: [لا تكن أحمقَ تافهًا وتثرثر بكل هذه الهراءات! أولًا، من اللعين الذي قال إنه سيقاتلك حتى الموت، أيها الوغد؟! ذلك الأحمق “تشيشا” تجرّأ على فعلِ أمرٍ لا داعي له البتة…!]

ضحك سيسيلوس وصفّق بيديه ردًّا على كلمات غروفي، ثم حرّك رأسه وكأنه يقول: “انتظر لحظة”.

سيسيلوس: [أويا أويا، لقد سمعتُ بهذا الاسم من قبل. جوابك الفظّ يقلقني، لكن ما علاقة هذا الشخص، الذي ذكرتَ اسمه، بي؟]

بأصواتٍ عاليةٍ تكاد تهمس، وبأساليبَ تجمع بين الوقار والطيش، وبنبراتٍ سماويةٍ تجهل معنى اللياقة، خاطبته تلك الأصوات.

غروفي: [له كلّ العلاقة بك، بما أنك تقلّصت وفقدتَ ذاكرتك. ――تشيشا هو من قلّصك، ذاك الذي يملك رأسًا أكبرَ من اللازم!]

حتى تجاعيد وجهه بدت فيها مسحةُ طرافة، تجعل المرء يظن أن كل مسرحٍ يحتاج إلى شخصيةٍ نابضةٍ بالحياة مثله. ومع ذلك، بدا أن سؤال سيسيلوس قد أثّر فيه.

عند سماعه ردّ غروفي، أطلق سيسيلوس صوتًا أشبه بالـ “هممم”.

سيسيلوس: [أويا أويا، لقد سمعتُ بهذا الاسم من قبل. جوابك الفظّ يقلقني، لكن ما علاقة هذا الشخص، الذي ذكرتَ اسمه، بي؟]

كان يُقال له كثيرًا إنه تقلّص، لكن الأمر لم يستوعبه حقًّا قط. فسواء أكان قد تقلّص أم لا، فوجوده الحالي، كما هو عليه، كان بالنسبة إليه ذاته الكاملة.

إنّ القوّة القَسريّة التي تهيمن على من تُلقى إليه الوصيّة، فتجعل منه محدقًا للنجوم، كانت بالغة الشدّة، قادرةً على أن تغيّر مصائر البشر أنفسهم. فهي قوةٌ قد تمنحُ بغيًّا صوتًا نافذًا يمكّنه من دخول القصر ليُسدي النصح للإمبراطور، وقد تنتزعُ من أمٍّ ضعيفةٍ حبَّها لابنتها التي أنجبتها على مشارف الموت، بل قد تدفعُ إنسانًا إلى هجر غايته التي أفنى عمره في طلبها، أو إلى التفكير في إنهاء حياته لأجلها.

صحيح أنّ رووان قد شاخ في الوقت الوجيز الذي انقضى منذ لقائهما الأخير، وأنّ لقب “البرق الأزرق”، الاسمَ الذي سيُحدث ضجّة في العالم، قد صار معروفًا على نطاقٍ واسع، إلاّ أنّ ذلك لم يكن بلا وجاهة.

آل: […نعم. أيها الغروفي-سان، ألم تقل إننا لا يمكن اكتشافنا بهذه العباءة…؟]

سيسيلوس: [إنها حقًا حكايةٌ مشكوكٌ فيها، أن يكون هذا “تشيشا” قد جعلني صغيرًا، أليس كذلك؟]

――عن الحقيقة التي تقول إنّ سيسيلوس سيغمونت كان المحدق الوحيد غير المقيَّد.

غروفي: [هاه؟ أستَسمع منك الآن هراءً عن استحالة تقلّص البشر، أيها الأحمق؟]

هتفَ غروفي عليه، فتراجع سيسيلوس عن تعليقِه وهو يلوّث شفتيه. وبعد أن رفع غروفي قبضته نحو الهواء، اتّسعت عينا غروفي لرؤية ردّ فعل سيسيلوس.

سيسيلوس: [كلا، كلا، لقد فهمتَني خطأً. لا حدود لما يستطيع الإنسان تخيّله، وما يتصوّره يمكن أن يتحقق حقًا. وهذا القدر من العدل أحد الأسباب التي تجعلني أحب المسرح الذي هو هذا العالم. لذا، فدائمًا ما ستوجد ألغازٌ كهذه: أناسٌ يتقلّصون وما إلى ذلك. الجزء الذي يصعب عليّ تصديقه بسيط―― مَن ذا الذي يستطيع أن يفاجئني بهجومٍ كهذا؟]

شعر سيسيلوس بأنّ غروفي مطّلع على أشياء كثيرة، لكنّ الأهمّ من هوية “تشيشا” كان على الأرجح فهم الشروط اللازمة لكسر أثره.

غروفي: [――――]

ثم――

عند سؤال سيسيلوس، شبك غروفي يديه خلف رأسه، واتخذ ملامحَ جادّة.

آل: [تلك المواقع الثلاثة…]

حتى تجاعيد وجهه بدت فيها مسحةُ طرافة، تجعل المرء يظن أن كل مسرحٍ يحتاج إلى شخصيةٍ نابضةٍ بالحياة مثله. ومع ذلك، بدا أن سؤال سيسيلوس قد أثّر فيه.

آل: [كلاكما صاخب جدًا…! ولا تتحركا كثيرًا، وإلا سأسقط!]

ولم يكن سيسيلوس يعتقد أنه لا يُقهَر أو خالد.

وبصرف النظر عن مسألة تقلّص حجمه أم لا، كان سماع غروفي يتحدث عن خلفية سيسيلوس المجهولة له أمرًا شيّقًا للغاية، خصوصًا حين يتعلّق الحديث بالكاتانا، فهو موضوع يستهويه كثيرًا.

فلو نُزِع قلبه، أو قُطع عنقه الرقيق، أو أُريق نصفُ دمه، لمات كسائر البشر.

غروفي: [حتى قبل أن يتقلّص، هذا اللعين لم يكن يؤدي واجبه كجنرال أصلًا.]

لكن، من ذا الذي يستطيع فعل ذلك حقًا؟

غروفي: [ومن اللعين الذي سينتظر نموَّك لعشرِ سنين كاملة! كُفَّ عن هرائك وعد إلى حجمك الطبيعيّ فورًا!]

في هذا السياق، أدرك غروفي التناقض في تفكيره. فمهما كان الخصم، لا أحد يستطيع أن يُنقِص من قدر سيسيلوس――

آل: [――. أريدُ تجنُّبَ الرقمِ ثلاثة، إذ إنه المنطقة التي كان فيها القناصُ سابقًا. لذا فسيكون الرقم أربعة أو الرقم خمسة في الجانب الشمالي… وإذا ما كان لأضعفِ احتمالٍ أن يُؤخذ بعينِ الاعتبار، فسيكون الرقمُ أربعة في الشمال الشرقي.]

غروفي: [هل شوّه ذلك الأحمق “تشيشا” دماغك، أم أنك كنتَ مهملًا، أيها الوغد؟]

سيسيلوس: [فبعد كلّ شيء، يبدو أن الرقمان واحدٌ واثنان سهلَي الانقضاض لكنَّهما في الحقيقة فخٌّ يُغرِيك… هناك أرسلتَ والدي وصديقه، إذًا أنت محارب تكتيكي.]

سيسيلوس: [هاه!؟ أتقول هذا وأنت تنظر إليّ هكذا!؟]

بأصواتٍ عاليةٍ تكاد تهمس، وبأساليبَ تجمع بين الوقار والطيش، وبنبراتٍ سماويةٍ تجهل معنى اللياقة، خاطبته تلك الأصوات.

غروفي: [أجل، أقوله وأعنيه تمامًا.]

غروفي: [ومن اللعين الذي سينتظر نموَّك لعشرِ سنين كاملة! كُفَّ عن هرائك وعد إلى حجمك الطبيعيّ فورًا!]

سيسيلوس: [أهذا طبيعيٌّ إلى هذا الحد؟ آهاها، ضربةٌ قاسية، لكنّك أصبتني في مقتل!]

القوي والضعيف، الجميل والقبيح، المفضّل والمكروه، كلها مثل أطوارِ قمرٍ متقلبة. حتى لو وُجدت قيمةٌ في التمايل بين الفرح والحزن، فهي لا تملك وزنًا كافيًا ليُحكِم ميزان الحياة.

ضحك سيسيلوس وصفّق بيديه ردًّا على كلمات غروفي، ثم حرّك رأسه وكأنه يقول: “انتظر لحظة”.

غروفي: [حتى أنا لن أوافق على خطةٍ تبدو كأنها هراء. ليس لدي مشكلة مع خطتِك… لكنّي لا أريد أيضًا أن أتصارع مع ذاك الأحمقِ باليروي.]

كان تقييمًا يُخجل سامعه، غير أنّ سيسيلوس كان يدرك قدراته، وحتى شخصٌ قويٌّ كغروفي لم يكن قادرًا على تبديد تلك الشكوك تمامًا.

وفي الواقع، رغم أنهم اختاروا طريقًا غير لافت، يبدو أن العباءة الفروية كانت العامل الأكبر في عدم اكتشافهم من قِبَل الموتى الأحياء ولو مرةً واحدة.

سيسيلوس: [في النهاية، أمثالي، مهما كبروا، ليسوا بشيءٍ مميّز! لن أحظى بمثل تلك التقييمات في وضعي البائس هذا! انتظر فقط عشرَ سنين، وسترى!]

فلو أن العدو قد رصد مكانهم حقًا، لما ترك الثلاثة في وضع «الشطيرة» هذا كل هذا الوقت.

غروفي: [ومن اللعين الذي سينتظر نموَّك لعشرِ سنين كاملة! كُفَّ عن هرائك وعد إلى حجمك الطبيعيّ فورًا!]

سيسيلوس: [إيه! لكنّي أريدُ انتقامي!]

سيسيلوس: [لكن، حتى لو قلتَ لي أن أعود لحجمي الأصلي الآن، لا رغبة لي في ذلك… ثم هل تعرف، يا غروفي سان، طريقةَ العودة؟]

وفيما بين أولئك المحدقين، كان روان سيغمونت هو الاستثناء الوحيد.

غروفي: [لا أدري، لكن ذاك الأحمق “تشيشا” الذي فعل بك هذا حتمًا يعرف. فخدعُ النينجا تلك غالبًا ما تُقيَّد بمهلةٍ زمنيةٍ أو بشروطٍ معيّنة. لابد أنّ لديه شروطًا.]

ولم يكن الأمر أنهم لم يروا موتى أحياء يبحثون عن ناجين على طول الطريق، لكن أولئك لم يكونوا سوى أدوارٍ ثانويةٍ عابرة، وإن تجرّأ أحدهم على اعتراض الطريق، فمصيره كان الفناء فورًا.

سيسيلوس: [هوهو، إذن “تشيشا” هذا نينجا؟ هل هو قريبٌ أو صديقٌ لذاك العجوز المفعم بالنشاط؟]

إنّ القوّة القَسريّة التي تهيمن على من تُلقى إليه الوصيّة، فتجعل منه محدقًا للنجوم، كانت بالغة الشدّة، قادرةً على أن تغيّر مصائر البشر أنفسهم. فهي قوةٌ قد تمنحُ بغيًّا صوتًا نافذًا يمكّنه من دخول القصر ليُسدي النصح للإمبراطور، وقد تنتزعُ من أمٍّ ضعيفةٍ حبَّها لابنتها التي أنجبتها على مشارف الموت، بل قد تدفعُ إنسانًا إلى هجر غايته التي أفنى عمره في طلبها، أو إلى التفكير في إنهاء حياته لأجلها.

غروفي: [لا أدري، و”تشيشا” ليس نينجا. طريقته فحسب تُشبه أساليبهم… آه، كم هو أمرٌ مزعج.]

على نحوٍ غير معتاد، لم يُفَضِح سيسيلوسُ ما كان يدورُ في ذهنه؛ فقد استسلمَ تمامًا لطبيعة والده، روان.

حكَّ غروفي رأسه بعنف، متذمّرًا كمن يدّعي العلم بكل شيء.

بالنسبة إلى سيسيلوس، الذي لم يُصغِ يومًا إلى أي كلمةٍ تُوجَّه إليه، كانت تلك الأصوات مجردَ هتافاتٍ متحمسةٍ من جمهوره العاشق له.

شعر سيسيلوس بأنّ غروفي مطّلع على أشياء كثيرة، لكنّ الأهمّ من هوية “تشيشا” كان على الأرجح فهم الشروط اللازمة لكسر أثره.

ضحك سيسيلوس وصفّق بيديه ردًّا على كلمات غروفي، ثم حرّك رأسه وكأنه يقول: “انتظر لحظة”.

ولو سأل عن ذلك، لردّ غروفي غاضبًا: “وكيف لي أن أعلم!؟”.

غروفي: [لا تقل مثل هذه التفاهات عندما لا تترك لنا مساحة للمناورة! مع مَن تظنّ نفسك تتعامل――]

سيسيلوس: [فما رأيك إذن؟ ما الشروط اللازمة كي أعود إلى حجمي الطبيعي؟]

غروفي: [لا أدري، لكن ذاك الأحمق “تشيشا” الذي فعل بك هذا حتمًا يعرف. فخدعُ النينجا تلك غالبًا ما تُقيَّد بمهلةٍ زمنيةٍ أو بشروطٍ معيّنة. لابد أنّ لديه شروطًا.]

غروفي: [لا علمَ لي إطلاقًا!]

――كما ذُكر سابقًا، كان سيسيلوس سيغمونت من مستشرفي النجوم.

سيسيلوس: [أرأيت؟]

كان غروفي، واضعًا يده على خاصرته، يرمقه بنظرةٍ يقِظةٍ أعجبت سيسيلوس.

قهقه سيسيلوس كما توقّع تمامًا، فيما تمتم غروفي بضجر: [هاه؟].

آل: [يا رجل، كنت أحاول أن أعيد التفكير الآن…!]

وفي تلك اللحظة، بينما كانا يتبادلان الحديث――

سيسيلوس: [إيه! لكنّي أريدُ انتقامي!]

؟؟؟: [آسف لمقاطعة حديثكما الممتع، يا صديقَيّ، لكن أيمكننا أن نُنهي وقتَ التسلية هذا الآن؟]

كانت العباءة الفروية التي أعدّها غروفي قطعةً رائعة الصنع بحق؛ إذ بدا أنها أداة استثنائية يمكنها منع مرتديها من جذب انتباه الآخرين.

سيسيلوس: [أويا، إنه آل سان.]

ومع ذلك، بدا له أن مظهرهم الحالي غير أنيقٍ إطلاقًا.

كان صاحب الصوت المرهق المتذمّر هو آل، الذي وصل إلى سطح المبنى حيث يقف سيسيلوس وغروفي.

آل: [――. أريدُ تجنُّبَ الرقمِ ثلاثة، إذ إنه المنطقة التي كان فيها القناصُ سابقًا. لذا فسيكون الرقم أربعة أو الرقم خمسة في الجانب الشمالي… وإذا ما كان لأضعفِ احتمالٍ أن يُؤخذ بعينِ الاعتبار، فسيكون الرقمُ أربعة في الشمال الشرقي.]

ظهر من الدرج المؤدي إلى السطح، وبينه وبين أنفاسه قال وهو يخطو:

ربما لأن شخصًا ما تمكّن من اختراق أثر العباءة التي وثق بها غروفي؟ ――لا، لم يكن هذا هو السبب بدقة.

آل: [أتحدث بجدّ، رجاءً. الأمر مرهق حين تقفزان مباشرةً إلى السطح وتتركانني أتصاعد عبر الدرج. وأنت أيضًا، يا غروفي.]

غروفي: [هاه؟ أستَسمع منك الآن هراءً عن استحالة تقلّص البشر، أيها الأحمق؟]

غروفي: [اللعنة، آسف. انجرفتُ مع ثرثرة هذا الأحمق.]

سيسيلوس: [حسنًا، لمجرّد أن شيئًا ما صحيحٌ أحيانًا لا يعني بالضرورة أنه صحيحٌ الآن.]

اعتذر غروفي بصدق، بوجهٍ متجهم، إلى آل الذي اضطر إلى انتظارهما في الأسفل.

حتى تجاعيد وجهه بدت فيها مسحةُ طرافة، تجعل المرء يظن أن كل مسرحٍ يحتاج إلى شخصيةٍ نابضةٍ بالحياة مثله. ومع ذلك، بدا أن سؤال سيسيلوس قد أثّر فيه.

كان سيسيلوس قد صعد إلى المبنى للاستطلاع بعدما أبدى غروفي قلقًا من شيءٍ في الجهة المقابلة للشارع، لكن الأخير شُغل عن ذلك أكثر مما ينبغي.

فهو الآن على ظهر آل، وغروفي متشبّث ببطنه――بعبارة أخرى، كان سيسيلوس وغروفي يشكّلان شطيرة بشرية يحيطها آل من الجانبين.

على أيّ حال――

فلو أن العدو قد رصد مكانهم حقًا، لما ترك الثلاثة في وضع «الشطيرة» هذا كل هذا الوقت.

سيسيلوس: [هيّا، آل سان، لا تكن غاضبًا. غروفي سان يبدو نادمًا وآذانه منكسرةٌ هكذا، فلا شكّ أنّك أصبحتَ أكثر تسامحًا الآن، أليس كذلك؟]

وفي تلك اللحظة، بينما كانا يتبادلان الحديث――

آل: [لم أعد أتفاجأ من طريقتك الممعِنة في فعل ما يحلو لك. لكن، الأهمّ الآن، هل لاحظتَ شيئًا أثناء مراقبتك؟]

كانت العباءة الفروية التي أعدّها غروفي قطعةً رائعة الصنع بحق؛ إذ بدا أنها أداة استثنائية يمكنها منع مرتديها من جذب انتباه الآخرين.

سيسيلوس: [بالفعل. ―― كما هو متوقّع، الدفاعات عند المواقع ثلاثة وأربعة وخمسة تبدو قوية. وهذا طبيعيٌّ نظرًا للاتجاه الذي يُحتمل أن تكون مجموعة القائد قد انسحبت نحوه.]

أصواتٌ متخالطة، فيها الوقارُ والفظاظة، والنبرةُ الإلهيّةُ الجاهلةُ بأبسط معاني التهذيب، خاطبته كلّها دفعةً واحدة.

آل: [تلك المواقع الثلاثة…]

آل: [أتحدث بجدّ، رجاءً. الأمر مرهق حين تقفزان مباشرةً إلى السطح وتتركانني أتصاعد عبر الدرج. وأنت أيضًا، يا غروفي.]

لمس آل بيده اليمنى الوحيدة مِشبكَ الخوذة، وأخذ يتأمّل جواب سيسيلوس.

بل ربما كانت تلك الأشواك مجرد إنذارٍ فحسب.

كانت الأرقام التي ذكرها أسماءَ الحصون المحيطة بالعاصمة الإمبراطورية والمبنية على شكل نجمة.

توتّر جسد آل بأكمله، فيما كان سيسيلوس متشبثًا به، وسرعان ما شعر هو الآخر بذات التوتر يتسرّب إلى داخله.

يقع القصر في أقصى الشمال، بينما تُعدّ مداخل العاصمة―― فالحصن الجنوبيّ الأقصى هو الرقم واحد، والجنوب الشرقيّ الرقم اثنان، والجنوب الغربيّ الرقم ثلاثة، ثم الشمال الشرقيّ الرقم أربعة، والشمال الغربيّ الرقم خمسة؛ هكذا كان تسلسل الترقيم.

لكن، من ذا الذي يستطيع فعل ذلك حقًا؟

كانت الدفاعات في الشمال والغرب، أي في النقاط الثلاث المقابلة لهما، حصينةً لدرجةٍ تُوصف بالاستحالة في اختراقها. أما الموقعان الآخران فقد يشكّلان فرصةً لهم، غير أنّ――

ثم――

غروفي: [ترك فجواتٍ واضحةٍ بهذا الشكل يبدو مشبوهًا.]

حكَّ غروفي رأسه بعنف، متذمّرًا كمن يدّعي العلم بكل شيء.

سيسيلوس: [أيمكن لأنفِ غروفي سان أن يلتقط رائحةَ المكائد أيضًا؟]

ذلك المحاربُ الوحشيّ، غروفي، الذي لم يكن أطول منه قامةً، كان بارعًا بحق.

غروفي: [لا، لا يُبنى الحصن على نحوٍ أحمق كهذا! هذا فحسب حُكمُ جنرالٍ متمرّس. ولا تُلقِ اللوم على تقلّصك أيضًا… آه، لا بأس، لا فائدة من الكلام.]

آل: […زميلٌ سابق لك؟]

آل: [ما الأمر؟ حين يتوقف أحدهم عن الكلام في منتصف الجملة، يكون ذلك مدعاةً للقلق، أتعلم؟]

غروفي: [تستمع بسهولةٍ شديدة. يا ابنَ العاهرة، أصبحت أكثرُ نَكَلاً مما كنت قبل أن تُصغَر.]

غروفي: [حتى قبل أن يتقلّص، هذا اللعين لم يكن يؤدي واجبه كجنرال أصلًا.]

غروفي: [اللعنة…! ههك! هل تمزح معي أيها القدر اللعين…!]

عند كلماتِ غروفي، الذي اتخذ وجهًا مُتقطّبًا، أطلقَ سيسيلوس وآل صوتَ «آآه» تعبيرًا عن الفهم.

كان غروفي، واضعًا يده على خاصرته، يرمقه بنظرةٍ يقِظةٍ أعجبت سيسيلوس.

من وجهة نظرِ سيسيلوس، لم يشعر أن القائل يسخر منه، بل بدا له الأمر واقعًا بحتًا. فإذا كان سيسيلوس قد تقلَّص حقًا نتيجة إهمال، فلا يُعقَل أنه كان من الممكن أن يقودَ أو يقتربَ من أيِّ شخصٍ قبل أن يتقلّص.

سيسيلوس: [حسنًا، لمجرّد أن شيئًا ما صحيحٌ أحيانًا لا يعني بالضرورة أنه صحيحٌ الآن.]

لذا لم يَبدُ لدى سيسيلوس أيُّ اعتراضٍ خاص على نقطةِ غروفي.

غروفي: [احذر. هذا الأحمق سيرتبُ الأمور سريعًا ثم سيذهب يبحث عن باليروي.]

سيسيلوس: [ولكن لأكون صريحًا، فأنا أوافقك. ومع ذلك، إن كان الأمر كذلك فتعرف ما يعنيه ذلك، أليس كذلك؟ بشكلٍ مفاجئ، أو بالأحرى، على غير التوقُّع، يبدو أن آل-سان بارع في التخطيط.]

فأولًا، كان في مظهره جاذبيةٌ وجمال. ثم إنه قويٌّ بما يكفي ليُعدّ من بين أفضل خمسة مقاتلين التقاهم سيسيلوس منذ أن غادر الجزيرة. وكان يأمل أن يكون أسلوبُه في القتال مثيرًا للاهتمام، لا يُقاس بمجرّد مهارة السيف.

آل: […ماذا تعني؟]

سيسيلوس: [أليس من المثير للسخرية أن جلد مستذئبٍ هو من يساعدنا الآن، بالنظر إلى الطريقة التي يُعامَل بها المستذئبون في الإمبراطورية؟ حتى وإن كان مجرد جلدٍ فحسب.]

سيسيلوس: [فبعد كلّ شيء، يبدو أن الرقمان واحدٌ واثنان سهلَي الانقضاض لكنَّهما في الحقيقة فخٌّ يُغرِيك… هناك أرسلتَ والدي وصديقه، إذًا أنت محارب تكتيكي.]

هتفَ غروفي عليه، فتراجع سيسيلوس عن تعليقِه وهو يلوّث شفتيه. وبعد أن رفع غروفي قبضته نحو الهواء، اتّسعت عينا غروفي لرؤية ردّ فعل سيسيلوس.

آل: [――――]

أما التعاون، فكان من المتوقَّع أن ثنائيّةِ سيجمونت الأبوية ــ الابن والوالد ــ مولودان بمعيبٍ ما.

أثناء حديثهم عن الشخصين الغائبين اللذين عملا منفصلين، روان وهاينكل، ابتسم سيسيلوس في اتجاه آل، بعد أن اقترح الأخير تقسيم المجموعة.

على أيّ حال――

أمام سيسيلوس المبتسم، أخذ آل نفسًا وحلَّ صمتٌ عليه.

ارتجف حلق غروفي من شدة الغضب، وهو يلعن جنون صاحب الأشواك الذي لم يظهر بعد.

حاليًا، تنقسمُ المجموعةُ المكوّنة من خمسة أفراد إلى فريقين، ثلاثة واثنان على الترتيب، وكلُّ فريقٍ في مهمةٍ للاجتياحِ والاستيلاء على إحدى الحصون الخمس.

سيسيلوس: [عذرًا، لازالت كلمةُ غروفي المفضلة عالقةً في أذني.] [1]

وَالذي كَلَّفَ روان وهاينكل بمهاجمة الجنوب والجنوب الشرقي، الحصنان الأول والثاني، هو آل، وكانت نواياه واضحة.

كانت هذه صفةٌ ورثها سيسيلوس أيضًا، لكن روان وسيسيلوس ليسا متماثلين. هذا ما أخبرَه به سوابقًا، وأيضًا قبل لحظةٍ لزعيمه، شوارتز.

سيسيلوس: [إذا وُجدت علاقاتٌ أو مواردٌ حربية لا يؤلم فقدانها، فستُستخدم كأُشْطوبَةٍ تضْحِي لجذب انتباه العدو. قد يبدو آل-سان متواضعًا، لكنك حقًّا محارب تكتيكي!]

محدق النجوم، لا بالمعنى الإداريّ المتعارف عليه في إمبراطورية فولاكيا، ذلك المنصب الذي شغله أوبيلك بأمرٍ من فينسنت فولاكيا أوّلَ مرّة؛ بل كان محدقًا للنجوم بالمعنى الأصيل لهذا اللقب―― أي مخلوقًا أُوكلت إليه وصيّةٌ تُعدّ أسمى ما في حياته، فينبذُ كلَّ ما سواها، ويُفني وجوده في سبيل بلوغ غايته العظمى.

آل: […هل لديك مشكلة في الطريقة التي استخدمتُ بها والدك؟]

△▼△▼△▼△

سيسيلوس: [لا؟ كمؤدٍّ، أفضّل هذا بدل أن تتبدّد الأضواء على خمسة أشخاص مجتمعين في موضعٍ واحد، ومن الناحية التكتيكية، هو تفكيرٌ عمليّ جدًا. ليس من شأني أن أحكم، لكن من العبث تمامًا أن تتوقع أن والدي سيكون متعاونًا!]

وَالذي كَلَّفَ روان وهاينكل بمهاجمة الجنوب والجنوب الشرقي، الحصنان الأول والثاني، هو آل، وكانت نواياه واضحة.

آل: [صحيح، هذه مسألةٌ ذكرتها.]

بل ربما كانت تلك الأشواك مجرد إنذارٍ فحسب.

أما التعاون، فكان من المتوقَّع أن ثنائيّةِ سيجمونت الأبوية ــ الابن والوالد ــ مولودان بمعيبٍ ما.

سيسيلوس: [إذن هذه العباءة الغامضة أداة سحرية من صنعك أيضًا.]

على أيِّ حال، جهدَ آل عقله في كيفية الاستفادة القصوى من إمكاناته الحربية المحدودة. إذا كانت موهبةُ التفكير أو الحدسُ التكتيكي تعمل لدى المرء، فقد يتأملُ الدورَ المطلوبَ منه.

حتى الصوابُ والخطأ ليسا مطلقين.

غروفي: [لا توجد طريقةٌ لنقضي وقتنا في الارتخاء والاستيلاء عليهم واحدًا تلو الآخر ونحن فريقٌ من خمسة. إذا لم يستوعب هؤلاء العجائزُ الحمرُ والزرقُ ذلك، فلا خيارَ سوى أن نجعلهم يقومون بواجبِهم كأُشْطوبَةٍ تضحي.]

كانت العباءة الفروية التي أعدّها غروفي قطعةً رائعة الصنع بحق؛ إذ بدا أنها أداة استثنائية يمكنها منع مرتديها من جذب انتباه الآخرين.

آل: [نعم. لا يمكننا أن نثيرَ ضجّةً كبيرةً في موضعٍ واحد ونجمعَ كلَّ مواردنا هناك.]

على أيِّ حال، جهدَ آل عقله في كيفية الاستفادة القصوى من إمكاناته الحربية المحدودة. إذا كانت موهبةُ التفكير أو الحدسُ التكتيكي تعمل لدى المرء، فقد يتأملُ الدورَ المطلوبَ منه.

سيسيلوس: [لذلك الهجومُ الموزَّع… لكنَّه كان مفاجئًا قليلًا. تعلم، آل-سان تحدَّث مع هاينكل-سان وكأنَّكم رفاقٌ في السلاح.]

آل: [――. أريدُ تجنُّبَ الرقمِ ثلاثة، إذ إنه المنطقة التي كان فيها القناصُ سابقًا. لذا فسيكون الرقم أربعة أو الرقم خمسة في الجانب الشمالي… وإذا ما كان لأضعفِ احتمالٍ أن يُؤخذ بعينِ الاعتبار، فسيكون الرقمُ أربعة في الشمال الشرقي.]

آل: [لستُ بطلًا. أولوياتي مرتَّبة.]

ظهر من الدرج المؤدي إلى السطح، وبينه وبين أنفاسه قال وهو يخطو:

قيل ذلك بصوتٍ يحمِل قليلًا من السخرية من الذات، وبدا أنه لم يكن الحديث عن نفعية هاينكل، بل عن كيفيّة استخدامه لنفسه؛ هكذا شعر سيسيلوس.

سيسيلوس: [أيمكن لأنفِ غروفي سان أن يلتقط رائحةَ المكائد أيضًا؟]

ذلك الرد لم يغير كثيرًا من انطباعه عن آل، لكن――

وعلى أية حال، كان المستذئبون مكروهين في الإمبراطورية، وذلك بسبب قصةٍ قديمةٍ جدًا، لكنها مستندةٌ إلى وقائع تاريخية جعلت كرههم متجذرًا في الواقع.

سيسيلوس: [――أرى. أنت فعلاً مختلف عن الزعيم.]

وبينما كانا يتذمّران ويهزان كتفي آل، وبّخهما الأخير وهما ملفوفان في العباءة نفسها.

آل: [――]

سيسيلوس: [هوهو! سيف شيطاني! يا له من اسمٍ رائع! أودّ رؤيته، والتعرّف عليه، بل وتقديسه!]

لسببٍ ما، استدار آل تجاه سيسيلوس بعدما نطق بما كان يدور في ذهنه بصوتٍ عالٍ.

كانت العباءة الفروية التي أعدّها غروفي قطعةً رائعة الصنع بحق؛ إذ بدا أنها أداة استثنائية يمكنها منع مرتديها من جذب انتباه الآخرين.

تعابيرُ آل كانت مخفيةً خلف خوذته الحديدية، ومع ذلك، كثيرًا ما تعبر حدةُ النظرة وحرارتها عما يشعر به المرء في داخله أكثر مما تعبر عنه الكلمات والتعابير.

سيسيلوس: [أرأيت؟]

سيسيلوس: [حسنًا، لمجرّد أن شيئًا ما صحيحٌ أحيانًا لا يعني بالضرورة أنه صحيحٌ الآن.]

آل: […لا أدري عمّا تتحدث، لكن حسنًا. أنت محقٌّ في أنني لستُ مثل أخي.]

آل: […لا أدري عمّا تتحدث، لكن حسنًا. أنت محقٌّ في أنني لستُ مثل أخي.]

ومع ذلك، بدا له أن مظهرهم الحالي غير أنيقٍ إطلاقًا.

سيسيلوس: [هاه؟ من الطبيعي أن تختلف الأشياء، فلا مشكلة في ذلك، أليس كذلك؟ رغم ذلك، أعتقد أن آل-سان أشدّ قوةً من الزعيم.]

غروفي: [تستمع بسهولةٍ شديدة. يا ابنَ العاهرة، أصبحت أكثرُ نَكَلاً مما كنت قبل أن تُصغَر.]

إحساسًا بأن آل يظنُّ نفسه أدنى لسببٍ ما، أمال سيسيلوس رأسه بتلك الطريقة.

سيسيلوس: [عذرًا، لازالت كلمةُ غروفي المفضلة عالقةً في أذني.] [1]

القوي والضعيف، الجميل والقبيح، المفضّل والمكروه، كلها مثل أطوارِ قمرٍ متقلبة. حتى لو وُجدت قيمةٌ في التمايل بين الفرح والحزن، فهي لا تملك وزنًا كافيًا ليُحكِم ميزان الحياة.

سيسيلوس: [لا؟ كمؤدٍّ، أفضّل هذا بدل أن تتبدّد الأضواء على خمسة أشخاص مجتمعين في موضعٍ واحد، ومن الناحية التكتيكية، هو تفكيرٌ عمليّ جدًا. ليس من شأني أن أحكم، لكن من العبث تمامًا أن تتوقع أن والدي سيكون متعاونًا!]

حتى الصوابُ والخطأ ليسا مطلقين.

بالنسبة إلى سيسيلوس، الذي لم يُصغِ يومًا إلى أي كلمةٍ تُوجَّه إليه، كانت تلك الأصوات مجردَ هتافاتٍ متحمسةٍ من جمهوره العاشق له.

سيسيلوس: [الزعيمُ ذلك الذي يكافحُ الموتَ بأسلوبٍ خامٍ ومع ذلك يختار الطريقة التي تُمكّنه من التألقِ جميلًا على المسرح. أما أنتَ، آل-سان، فمختلف؛ فبالإضافة إلى كفاحك الخشن ضدّ الموت، تختار الأسلوب القذر الذي يجعل الجميع يتمنّون صرفَ أبصارهم عنك. لا أقول إن أحدنا أرقى من الآخر. هذه مجردُ اختلافاتٍ بينك وبين الزعيم.]

مع أن سيسيلوس قد ساقَ كثيرًا من الحجج غير المناسبة، لم يعترض على خطة آل ولم يمانع إن واجهَ روان وهاينكلُ صعوباتٍ كما مُخططٌ لهما.

آل: [――――]

غروفي: [لا، لا يُبنى الحصن على نحوٍ أحمق كهذا! هذا فحسب حُكمُ جنرالٍ متمرّس. ولا تُلقِ اللوم على تقلّصك أيضًا… آه، لا بأس، لا فائدة من الكلام.]

سيسيلوس: [أوه، وبصرف النظر عن الحديث الذي لم يكن عن تفوّقٍ أو نقصٍ، مسألة كيف تريد أن تكون هي قصةٌ مختلفة تمامًا. كيف تريد أن يراك الآخرون يعودُ إلى كلِّ فرد ليقرّر… التبرّز قد يكون قذرًا، لكنّي أريد أن أجعل حتى التبرّز جميلًا وجذّابًا!]

فـسيسيلوس ليس بشرًا عاديًّا، بل هو بطل هذا العالم.

آل: [يا رجل، كنت أحاول أن أعيد التفكير الآن…!]

وقد استخدمها روان وهاينكل وغروفي للعبور خفيةً من أمام عيون العدو والدخول إلى العاصمة الإمبراطورية.

سيسيلوس: [عذرًا، لازالت كلمةُ غروفي المفضلة عالقةً في أذني.] [1]

كانت الأرقام التي ذكرها أسماءَ الحصون المحيطة بالعاصمة الإمبراطورية والمبنية على شكل نجمة.

ومع ذلك، حتى لو أن توجّهَ الحديثِ كان بفضل تأثيرِ غروفي، فذلك التصريحُ في ذاته لم يكن كذبًا.

غروفي: [――――]

نظريّةُ سيسيلوس الشخصيةُ كانت أنَّ البطلَ الرئيسي يجب أن يقدّم سببًا يجعل الناسَ يُبقون أعينهم عليه، حتى عند أداء أعمالٍ تبدو قذِرةً وبشعة وتجعل الناسَ يتمنّون صرفَ أبصارهم.

مع أن سيسيلوس قد ساقَ كثيرًا من الحجج غير المناسبة، لم يعترض على خطة آل ولم يمانع إن واجهَ روان وهاينكلُ صعوباتٍ كما مُخططٌ لهما.

غروفي: [فماذا؟ هل انتهيتَ من تضييعِ الوقتِ بسخافاتكَ الوعظية؟ النصائح الحياتية هراء. بعد انتهاء هذا كله، سأعقد مراجعةً بعد الموت على قبوركم.]

وبعد لحظة، بدأت الأشواك الرمادية التي تحيط بصدورهم الثلاثة تتحرك ببطء، وانزلقت أطرافها الحادة عبر أيديهم محاولةً إطلاق تأثير اللعنة الكامل.

آل: […عندما يقولها بهذا القدر، فلا عجب أنها تظل عالقةً في أذنك.]

كانت تلك الأصوات ترافقه بلا انقطاع منذ أن وعى وجوده في هذا العالم، كأنها تحاول أن تُجبره على أن يتصرّف بهذا الشكل أو ذاك――

سيسيلوس: [أليس كذلك؟]

؟؟؟: [■■■■.] / [■●■●■●■.] / [――■■.] / [●●●●●!!] / [■■■■●●■■.] / [●●■■●■■●●.] / [■■!!] / [●●●■■■.] / [■■■●■●●■■●●.] / [●●■●■●●●■■●――] / [●●…■.] / [●■●■●■●■.]

بينما هبطت كتفا آل عند سيلان سبابِ غروفي المتواصل، ضحك سيسيلوس.

سيسيلوس: [أتساءل إن كان والدي الأناني للغاية سيطيع ما يقوله آل-سان؟]

مع أن سيسيلوس قد ساقَ كثيرًا من الحجج غير المناسبة، لم يعترض على خطة آل ولم يمانع إن واجهَ روان وهاينكلُ صعوباتٍ كما مُخططٌ لهما.

وقد استخدمها روان وهاينكل وغروفي للعبور خفيةً من أمام عيون العدو والدخول إلى العاصمة الإمبراطورية.

كان هناك أمرٌ واحدٌ فقط ظنَّ سيسيلوس أنه قد يشكل مشكلةً في خطةِ آل.

وبالطبع، في الأحوال المعتادة، لا تجيب السماءُ الملبّدةُ بالغيوم من يناديها من الأرض. ――غير أنّ هذه ليست أحوالًا معتادة.

سيسيلوس: [أتساءل إن كان والدي الأناني للغاية سيطيع ما يقوله آل-سان؟]

لذا لم يَبدُ لدى سيسيلوس أيُّ اعتراضٍ خاص على نقطةِ غروفي.

على نحوٍ غير معتاد، لم يُفَضِح سيسيلوسُ ما كان يدورُ في ذهنه؛ فقد استسلمَ تمامًا لطبيعة والده، روان.

هتفَ غروفي عليه، فتراجع سيسيلوس عن تعليقِه وهو يلوّث شفتيه. وبعد أن رفع غروفي قبضته نحو الهواء، اتّسعت عينا غروفي لرؤية ردّ فعل سيسيلوس.

لم يفعل روان شيئًا لا يريد أن يفعله، وكان سيقوم بكلِّ ما يريد فعلَه بلا تردُّد.

نظريّةُ سيسيلوس الشخصيةُ كانت أنَّ البطلَ الرئيسي يجب أن يقدّم سببًا يجعل الناسَ يُبقون أعينهم عليه، حتى عند أداء أعمالٍ تبدو قذِرةً وبشعة وتجعل الناسَ يتمنّون صرفَ أبصارهم.

كانت هذه صفةٌ ورثها سيسيلوس أيضًا، لكن روان وسيسيلوس ليسا متماثلين. هذا ما أخبرَه به سوابقًا، وأيضًا قبل لحظةٍ لزعيمه، شوارتز.

على أيّ حال――

لم تكن مسألة صوابٍ أو خطأ. كانت طريقةَ حياةٍ ومِنها طريقةُ موتٍ.

اعتذر غروفي بصدق، بوجهٍ متجهم، إلى آل الذي اضطر إلى انتظارهما في الأسفل.

غروفي: [فأين تنوون الهجوم، يا لِخوذةِ الأحمق؟]

يقع القصر في أقصى الشمال، بينما تُعدّ مداخل العاصمة―― فالحصن الجنوبيّ الأقصى هو الرقم واحد، والجنوب الشرقيّ الرقم اثنان، والجنوب الغربيّ الرقم ثلاثة، ثم الشمال الشرقيّ الرقم أربعة، والشمال الغربيّ الرقم خمسة؛ هكذا كان تسلسل الترقيم.

آل: [――. أريدُ تجنُّبَ الرقمِ ثلاثة، إذ إنه المنطقة التي كان فيها القناصُ سابقًا. لذا فسيكون الرقم أربعة أو الرقم خمسة في الجانب الشمالي… وإذا ما كان لأضعفِ احتمالٍ أن يُؤخذ بعينِ الاعتبار، فسيكون الرقمُ أربعة في الشمال الشرقي.]

سيسيلوس: [لكن، حتى لو قلتَ لي أن أعود لحجمي الأصلي الآن، لا رغبة لي في ذلك… ثم هل تعرف، يا غروفي سان، طريقةَ العودة؟]

سيسيلوس: [إيه! لكنّي أريدُ انتقامي!]

إلاّ أنّ سيسيلوس سيغمونت كان المستشرفَ الوحيد الذي لا تقيّده وصية.

غروفي: [لا تقل مثل هذه التفاهات عندما لا تترك لنا مساحة للمناورة! مع مَن تظنّ نفسك تتعامل――]

سيسيلوس: [لكن هذا قبيح! هذا لا يتناسب مع صورتي إطلاقًا، يا غروفي-سان!]

سيسيلوس: [تسك، فهمت.]

وبينما كانا يتذمّران ويهزان كتفي آل، وبّخهما الأخير وهما ملفوفان في العباءة نفسها.

هتفَ غروفي عليه، فتراجع سيسيلوس عن تعليقِه وهو يلوّث شفتيه. وبعد أن رفع غروفي قبضته نحو الهواء، اتّسعت عينا غروفي لرؤية ردّ فعل سيسيلوس.

――وقد عادت إليه أصواتُ جمهوره، تلك التي لا يسمعها سواه.

فردَّ سيسيلوس قائلاً: «ما بك؟»، وبينما خفّضَ غروفي ذراعه المرفوعة،

آل: [أجبتُ لأنك سألتني، لكن مقارنةً بي، أنتم… لا، أنتم أدرى بالعاصمة الإمبراطورية.]

غروفي: [تستمع بسهولةٍ شديدة. يا ابنَ العاهرة، أصبحت أكثرُ نَكَلاً مما كنت قبل أن تُصغَر.]

غروفي: [له كلّ العلاقة بك، بما أنك تقلّصت وفقدتَ ذاكرتك. ――تشيشا هو من قلّصك، ذاك الذي يملك رأسًا أكبرَ من اللازم!]

سيسيلوس: [هوهو، لا يبدو أنني أتلقّى مدحًا الآن، أليس كذلك؟]

إلاّ أنّ سيسيلوس سيغمونت كان المستشرفَ الوحيد الذي لا تقيّده وصية.

غروفي: [اخرس! ينفدُ وقتُنا اللعَن. هيا بنا بسرعة.]

أثناء حديثهم عن الشخصين الغائبين اللذين عملا منفصلين، روان وهاينكل، ابتسم سيسيلوس في اتجاه آل، بعد أن اقترح الأخير تقسيم المجموعة.

وهو يشير بذقنه، استدار غروفي نحو الحصن الرابع. كان سيسيلوس على وشكِ أن يردَّ بـ«نعم، نعم» عندما قالَ آل، صاحبُ الاقتراح: «هل هذا مقبول؟»

آل: [لا يبدو كذلك. ما رأيك؟]

آل: [أجبتُ لأنك سألتني، لكن مقارنةً بي، أنتم… لا، أنتم أدرى بالعاصمة الإمبراطورية.]

سيسيلوس: [أويا أويا، لقد سمعتُ بهذا الاسم من قبل. جوابك الفظّ يقلقني، لكن ما علاقة هذا الشخص، الذي ذكرتَ اسمه، بي؟]

غروفي: [حتى أنا لن أوافق على خطةٍ تبدو كأنها هراء. ليس لدي مشكلة مع خطتِك… لكنّي لا أريد أيضًا أن أتصارع مع ذاك الأحمقِ باليروي.]

ذلك الرد لم يغير كثيرًا من انطباعه عن آل، لكن――

آل: […زميلٌ سابق لك؟]

عند كلماتِ غروفي، الذي اتخذ وجهًا مُتقطّبًا، أطلقَ سيسيلوس وآل صوتَ «آآه» تعبيرًا عن الفهم.

غروفي: [هذا جزءٌ من الأمر، لكن السبب أنه قويٌّ جدًا. إذا أردت أن تُكلف أحدًا بمواجهة ذلك الوغد، فلتكن موغورو. لا وجودَ لأيِّ احتمالٍ لهزيمته.]

غروفي: [ومن اللعين الذي سينتظر نموَّك لعشرِ سنين كاملة! كُفَّ عن هرائك وعد إلى حجمك الطبيعيّ فورًا!]

أصرّ غروفي على أن قدرةَ القناصِ قوية.

ظهر من الدرج المؤدي إلى السطح، وبينه وبين أنفاسه قال وهو يخطو:

كان سيسيلوس قد واجه هذا الخصم مراتٍ عديدة في العاصمة الإمبراطورية، لكنه لم يرَه جيدًا بعد. لم يكن هناك أدنى شكٍّ في قوته. ربما كان من الخطأ أن يومئ رأسه قبل قليل. وحتى لو بدأ يشكو الآن، هل سيوافقون على تغيير الخطة؟ أم لا؟

مع أن سيسيلوس قد ساقَ كثيرًا من الحجج غير المناسبة، لم يعترض على خطة آل ولم يمانع إن واجهَ روان وهاينكلُ صعوباتٍ كما مُخططٌ لهما.

سيسيلوس: [لنذهب وننهي الأمر بسرعة. الهدف ليس الحفاظ على الثقوب التي نفتحها، فليس من المجدي تأجيلُ الأمر.]

آل: [ما الأمر؟ حين يتوقف أحدهم عن الكلام في منتصف الجملة، يكون ذلك مدعاةً للقلق، أتعلم؟]

غروفي: [احذر. هذا الأحمق سيرتبُ الأمور سريعًا ثم سيذهب يبحث عن باليروي.]

سيسيلوس: [هوهو! سيف شيطاني! يا له من اسمٍ رائع! أودّ رؤيته، والتعرّف عليه، بل وتقديسه!]

آل: […بمجرد أن يدخل النجمُ الحقيقيّ على المسرح، فليحدث ذلك بلا تردُّد.]

――وقد عادت إليه أصواتُ جمهوره، تلك التي لا يسمعها سواه.

سيسيلوس: [يا لها من غطرسةٍ أن تدعو غيري نجمَ العرض!]

بل ربما كانت تلك الأشواك مجرد إنذارٍ فحسب.

وببطءٍ حركَ آل رأسه وصدح بتنهيدة استسلام، فاندفع سيسيلوس مُتذمّرًا.

غروفي: [ذلك لأن العثور عليهم صعب اللعنة جدًا أصلًا. فقبيلتهم بأكملها محمية بـ«حماية إلهية»، تمامًا مثل التنانين الأرضية أو شعب أروها في المملكة المقدّسة. وإن سلختهم أحياء، تبقى الحماية على جلودهم. استخدامٌ فعّال لتلك المخلوقات الماكرة.]

△▼△▼△▼△

فبالطبع، لم يكن يمانع تجنّب المتاعب غير الضرورية، ولم يرَ في إضاعة الوقت والجهد في مواجهة الجنود العاديين أمرًا مرغوبًا.

كانت الرحلة إلى الحصن الرابع هادئة وسلسة على نحوٍ مفاجئ، حتى بدت بلا ذروة ولا إثارة.

سيسيلوس: [ولكن لأكون صريحًا، فأنا أوافقك. ومع ذلك، إن كان الأمر كذلك فتعرف ما يعنيه ذلك، أليس كذلك؟ بشكلٍ مفاجئ، أو بالأحرى، على غير التوقُّع، يبدو أن آل-سان بارع في التخطيط.]

ولم يكن الأمر أنهم لم يروا موتى أحياء يبحثون عن ناجين على طول الطريق، لكن أولئك لم يكونوا سوى أدوارٍ ثانويةٍ عابرة، وإن تجرّأ أحدهم على اعتراض الطريق، فمصيره كان الفناء فورًا.

غروفي: [لا علمَ لي إطلاقًا!]

هل يوجد ممثل يمنح الدور الثانوي الأضواء عمدًا ليزيد من جاذبية المسرح؟

بالنسبة إلى سيسيلوس، الذي لم يُصغِ يومًا إلى أي كلمةٍ تُوجَّه إليه، كانت تلك الأصوات مجردَ هتافاتٍ متحمسةٍ من جمهوره العاشق له.

سيسيلوس: [للأسف، اهتمام الجمهور محدود في نهاية المطاف. لا أنكر أن هناك أدوارًا ثانوية تؤدي أداءً عظيمًا يرفع من مستوى المسرحية ككل، لكن ما إذا كان يُسعى إليها عمدًا أم لا، فذلك أمر مختلف… على أي حال.]

آل: […عندما يقولها بهذا القدر، فلا عجب أنها تظل عالقةً في أذنك.]

رغم أنه كان يستمتع بالرحلة الهادئة، قطّب سيسيلوس حاجبيه بتبرّم.

لمس آل بيده اليمنى الوحيدة مِشبكَ الخوذة، وأخذ يتأمّل جواب سيسيلوس.

فبالطبع، لم يكن يمانع تجنّب المتاعب غير الضرورية، ولم يرَ في إضاعة الوقت والجهد في مواجهة الجنود العاديين أمرًا مرغوبًا.

ظهر من الدرج المؤدي إلى السطح، وبينه وبين أنفاسه قال وهو يخطو:

ومع ذلك، بدا له أن مظهرهم الحالي غير أنيقٍ إطلاقًا.

سيسيلوس: [هاه!؟ أتقول هذا وأنت تنظر إليّ هكذا!؟]

فهو الآن على ظهر آل، وغروفي متشبّث ببطنه――بعبارة أخرى، كان سيسيلوس وغروفي يشكّلان شطيرة بشرية يحيطها آل من الجانبين.

سيسيلوس: [لكن، حتى لو قلتَ لي أن أعود لحجمي الأصلي الآن، لا رغبة لي في ذلك… ثم هل تعرف، يا غروفي سان، طريقةَ العودة؟]

ولو سُئلوا كيف انتهى بهم الحال إلى هذا الوضع الغريب، فالجواب أن ذلك كان ضروريًا حتى لا يخرج جسدا سيسيلوس وغروفي من نطاق العباءة التي ارتداها آل فوق رأسه.

آل: […ماذا تعني؟]

سيسيلوس: [لكن هذا قبيح! هذا لا يتناسب مع صورتي إطلاقًا، يا غروفي-سان!]

كان صاحب الصوت المرهق المتذمّر هو آل، الذي وصل إلى سطح المبنى حيث يقف سيسيلوس وغروفي.

غروفي: [أغلق فمك اللعين! صحيح أن وجودنا مخفي، لكن أصواتنا وروائحنا ليست كذلك! لو انتبه إلينا أولئك الأوغاد من حولنا وأحاطوا بنا، فسنغرق في ورطةٍ لعينـة!]

لم يفعل روان شيئًا لا يريد أن يفعله، وكان سيقوم بكلِّ ما يريد فعلَه بلا تردُّد.

آل: [كلاكما صاخب جدًا…! ولا تتحركا كثيرًا، وإلا سأسقط!]

حكَّ غروفي رأسه بعنف، متذمّرًا كمن يدّعي العلم بكل شيء.

وبينما كانا يتذمّران ويهزان كتفي آل، وبّخهما الأخير وهما ملفوفان في العباءة نفسها.

كانت الدفاعات في الشمال والغرب، أي في النقاط الثلاث المقابلة لهما، حصينةً لدرجةٍ تُوصف بالاستحالة في اختراقها. أما الموقعان الآخران فقد يشكّلان فرصةً لهم، غير أنّ――

كانت العباءة الفروية التي أعدّها غروفي قطعةً رائعة الصنع بحق؛ إذ بدا أنها أداة استثنائية يمكنها منع مرتديها من جذب انتباه الآخرين.

سيسيلوس: [ولكن لأكون صريحًا، فأنا أوافقك. ومع ذلك، إن كان الأمر كذلك فتعرف ما يعنيه ذلك، أليس كذلك؟ بشكلٍ مفاجئ، أو بالأحرى، على غير التوقُّع، يبدو أن آل-سان بارع في التخطيط.]

وقد استخدمها روان وهاينكل وغروفي للعبور خفيةً من أمام عيون العدو والدخول إلى العاصمة الإمبراطورية.

سيسيلوس: [أهذا طبيعيٌّ إلى هذا الحد؟ آهاها، ضربةٌ قاسية، لكنّك أصبتني في مقتل!]

وفي الواقع، رغم أنهم اختاروا طريقًا غير لافت، يبدو أن العباءة الفروية كانت العامل الأكبر في عدم اكتشافهم من قِبَل الموتى الأحياء ولو مرةً واحدة.

كان هناك أمرٌ واحدٌ فقط ظنَّ سيسيلوس أنه قد يشكل مشكلةً في خطةِ آل.

سيسيلوس: [رغم أن الحر خانق داخلها بسبب اختلاف أحجامنا، لا أستطيع تخيّل كيف تمكنتَ أنت ووالدي من دخول العاصمة الإمبراطورية بثلاثة أشخاص. ومع ذلك، من أين اشتريتَ هذه العباءة الغريبة؟]

سيسيلوس: [هاه!؟ أتقول هذا وأنت تنظر إليّ هكذا!؟]

غروفي: [لم أشترِها. صنعتُها بنفسي. أنت غبي جدًا لتتذكّر، لكني أيضًا صهرت سيفك الشيطاني وأعدتُ تشكيله إلى كاتانا.]

هل يوجد ممثل يمنح الدور الثانوي الأضواء عمدًا ليزيد من جاذبية المسرح؟

سيسيلوس: [هوهو! سيف شيطاني! يا له من اسمٍ رائع! أودّ رؤيته، والتعرّف عليه، بل وتقديسه!]

آل: […لا أدري عمّا تتحدث، لكن حسنًا. أنت محقٌّ في أنني لستُ مثل أخي.]

غروفي: [قلت لك اللعنة مرارًا، إنها كاتاناك اللعينة، أيها الأحمق!]

حتى تجاعيد وجهه بدت فيها مسحةُ طرافة، تجعل المرء يظن أن كل مسرحٍ يحتاج إلى شخصيةٍ نابضةٍ بالحياة مثله. ومع ذلك، بدا أن سؤال سيسيلوس قد أثّر فيه.

صرخ غروفي بصوتٍ خافتٍ غاضب، فيما بدا الموقف بينهما أشبه بحوارٍ طريف.

آل وغروفي: [――――]

وبصرف النظر عن مسألة تقلّص حجمه أم لا، كان سماع غروفي يتحدث عن خلفية سيسيلوس المجهولة له أمرًا شيّقًا للغاية، خصوصًا حين يتعلّق الحديث بالكاتانا، فهو موضوع يستهويه كثيرًا.

غروفي: [لا، لا يُبنى الحصن على نحوٍ أحمق كهذا! هذا فحسب حُكمُ جنرالٍ متمرّس. ولا تُلقِ اللوم على تقلّصك أيضًا… آه، لا بأس، لا فائدة من الكلام.]

سيسيلوس: [من المثير للاهتمام أنك أعدتَ تشكيله على هيئة كاتانا. هل أنت صانع سيوف يا غروفي-سان؟ فلا بد أنك مشغول جدًا كونك جنرالًا وحدّادًا في آنٍ واحد.]

بكمٍّ غزيرٍ وقوةٍ مفرطة، انهمرت تلك الأصوات على سيسيلوس.

غروفي: [ليس الأمر أني أختص بالسيوف فقط. أصنع السيوف، وأنسج الملابس، وأعبث بالأدوات السحرية أيضًا.]

سيسيلوس: [أليس كذلك؟]

سيسيلوس: [إذن هذه العباءة الغامضة أداة سحرية من صنعك أيضًا.]

سيسيلوس: [ولكن لأكون صريحًا، فأنا أوافقك. ومع ذلك، إن كان الأمر كذلك فتعرف ما يعنيه ذلك، أليس كذلك؟ بشكلٍ مفاجئ، أو بالأحرى، على غير التوقُّع، يبدو أن آل-سان بارع في التخطيط.]

غروفي: [كلا، هذه مصنوعة من جلد ذئبٍ مستذئب.]

يقع القصر في أقصى الشمال، بينما تُعدّ مداخل العاصمة―― فالحصن الجنوبيّ الأقصى هو الرقم واحد، والجنوب الشرقيّ الرقم اثنان، والجنوب الغربيّ الرقم ثلاثة، ثم الشمال الشرقيّ الرقم أربعة، والشمال الغربيّ الرقم خمسة؛ هكذا كان تسلسل الترقيم.

أطلق سيسيلوس صوت إعجابٍ خافتًا “هوه”، فيما اهتزّت كتفا آل دهشةً من كلامه. وبينما كان سيسيلوس يتفحّص العباءة عن كثب، قال:

وفوق ذلك――

سيسيلوس: [المستذئبون نادرون جدًا. أعلم بوجودهم، لكني لم أصادف أحدًا منهم قط.]

وبالطبع، في الأحوال المعتادة، لا تجيب السماءُ الملبّدةُ بالغيوم من يناديها من الأرض. ――غير أنّ هذه ليست أحوالًا معتادة.

غروفي: [ذلك لأن العثور عليهم صعب اللعنة جدًا أصلًا. فقبيلتهم بأكملها محمية بـ«حماية إلهية»، تمامًا مثل التنانين الأرضية أو شعب أروها في المملكة المقدّسة. وإن سلختهم أحياء، تبقى الحماية على جلودهم. استخدامٌ فعّال لتلك المخلوقات الماكرة.]

سيسيلوس: [أووبس.]

آل: [حماية الغيمة المتخفّية…؟]

آل: […لا أدري عمّا تتحدث، لكن حسنًا. أنت محقٌّ في أنني لستُ مثل أخي.]

غروفي: [هاه؟ تعرف ذلك الاسم القديم اللعين؟ الأكثر شيوعًا تسميتها «حماية الكمين»… رغم أن موضوع المستذئبين أصلًا نادر الحديث.]

غروفي: [لم أشترِها. صنعتُها بنفسي. أنت غبي جدًا لتتذكّر، لكني أيضًا صهرت سيفك الشيطاني وأعدتُ تشكيله إلى كاتانا.]

وبينما تمتم آل بتعليقٍ متردّد، أظهر غروفي معرفته الدقيقة بالموضوع.

لم يفعل روان شيئًا لا يريد أن يفعله، وكان سيقوم بكلِّ ما يريد فعلَه بلا تردُّد.

وعلى أية حال، كان المستذئبون مكروهين في الإمبراطورية، وذلك بسبب قصةٍ قديمةٍ جدًا، لكنها مستندةٌ إلى وقائع تاريخية جعلت كرههم متجذرًا في الواقع.

؟؟؟: [آسف لمقاطعة حديثكما الممتع، يا صديقَيّ، لكن أيمكننا أن نُنهي وقتَ التسلية هذا الآن؟]

أما سيسيلوس نفسه فلم يكن يحمل ضغينة خاصة تجاههم، لا هم ولا قوم الذئاب، غير أنه قال:

على نحوٍ غير معتاد، لم يُفَضِح سيسيلوسُ ما كان يدورُ في ذهنه؛ فقد استسلمَ تمامًا لطبيعة والده، روان.

سيسيلوس: [أليس من المثير للسخرية أن جلد مستذئبٍ هو من يساعدنا الآن، بالنظر إلى الطريقة التي يُعامَل بها المستذئبون في الإمبراطورية؟ حتى وإن كان مجرد جلدٍ فحسب.]

وعلى أية حال، كان المستذئبون مكروهين في الإمبراطورية، وذلك بسبب قصةٍ قديمةٍ جدًا، لكنها مستندةٌ إلى وقائع تاريخية جعلت كرههم متجذرًا في الواقع.

آل وغروفي: [――――]

سيسيلوس: [هيّا، آل سان، لا تكن غاضبًا. غروفي سان يبدو نادمًا وآذانه منكسرةٌ هكذا، فلا شكّ أنّك أصبحتَ أكثر تسامحًا الآن، أليس كذلك؟]

سيسيلوس: [هاه؟ تتجاهلانني؟ أتتجاهلاني حقًا؟ ظننت أني قلت شيئًا بارعًا――]

سيسيلوس: [أتساءل إن كان والدي الأناني للغاية سيطيع ما يقوله آل-سان؟]

لكن، في اللحظة التي ظنّ فيها سيسيلوس أن آل وغروفي قد تجاهلا تعليقه بشأن العباءة الفروية، أدرك أن الأمر لم يكن كذلك على الإطلاق.

فلو نُزِع قلبه، أو قُطع عنقه الرقيق، أو أُريق نصفُ دمه، لمات كسائر البشر.

؟؟؟: [――■■■■■■.]

ووفقًا لفلسفة سيسيلوس التي ترى أنّ الإنسان، حيثما كان، فهو على خشبة مسرحٍ―― وهي فلسفة تحتاج إلى وقتٍ طويلٍ لشرحها―― فإنّ لكلّ امرئٍ موضعًا يليق به. وإن كان لا بدّ من القول إنّ الأعمال الصغيرة المتأنّية تمثّل موطنَ قوّة سيسيلوس، فذلك سوءُ توزيعٍ للأدوار.

ولم يكن السبب أن أحد المراقبين حولهم بات أكثر حيوية من المعتاد.

آل: [――. أريدُ تجنُّبَ الرقمِ ثلاثة، إذ إنه المنطقة التي كان فيها القناصُ سابقًا. لذا فسيكون الرقم أربعة أو الرقم خمسة في الجانب الشمالي… وإذا ما كان لأضعفِ احتمالٍ أن يُؤخذ بعينِ الاعتبار، فسيكون الرقمُ أربعة في الشمال الشرقي.]

توتّر جسد آل بأكمله، فيما كان سيسيلوس متشبثًا به، وسرعان ما شعر هو الآخر بذات التوتر يتسرّب إلى داخله.

سيسيلوس: [هل من الممكن أنكما تشعران بهذا أيضًا؟]

――كانت أشواكٌ رمادية تدور داخل صدر سيسيلوس.

فردَّ سيسيلوس قائلاً: «ما بك؟»، وبينما خفّضَ غروفي ذراعه المرفوعة،

سيسيلوس: [هل من الممكن أنكما تشعران بهذا أيضًا؟]

كان تقييمًا يُخجل سامعه، غير أنّ سيسيلوس كان يدرك قدراته، وحتى شخصٌ قويٌّ كغروفي لم يكن قادرًا على تبديد تلك الشكوك تمامًا.

آل: […نعم. أيها الغروفي-سان، ألم تقل إننا لا يمكن اكتشافنا بهذه العباءة…؟]

قهقه سيسيلوس كما توقّع تمامًا، فيما تمتم غروفي بضجر: [هاه؟].

غروفي: [اللعنة…! ههك! هل تمزح معي أيها القدر اللعين…!]

ارتجف حلق غروفي من شدة الغضب، وهو يلعن جنون صاحب الأشواك الذي لم يظهر بعد.

يبدو أن آل وغروفي كانا في الموقف ذاته، غير أن اضطراب غروفي، أو بالأحرى غضبه، كان أشدّ وضوحًا بكثير.

سيسيلوس: [في النهاية، أمثالي، مهما كبروا، ليسوا بشيءٍ مميّز! لن أحظى بمثل تلك التقييمات في وضعي البائس هذا! انتظر فقط عشرَ سنين، وسترى!]

ربما لأن شخصًا ما تمكّن من اختراق أثر العباءة التي وثق بها غروفي؟ ――لا، لم يكن هذا هو السبب بدقة.

غروفي: [هل شوّه ذلك الأحمق “تشيشا” دماغك، أم أنك كنتَ مهملًا، أيها الوغد؟]

فلو أن العدو قد رصد مكانهم حقًا، لما ترك الثلاثة في وضع «الشطيرة» هذا كل هذا الوقت.

غروفي: [لا أدري، و”تشيشا” ليس نينجا. طريقته فحسب تُشبه أساليبهم… آه، كم هو أمرٌ مزعج.]

بل ربما كانت تلك الأشواك مجرد إنذارٍ فحسب.

غروفي: [فماذا؟ هل انتهيتَ من تضييعِ الوقتِ بسخافاتكَ الوعظية؟ النصائح الحياتية هراء. بعد انتهاء هذا كله، سأعقد مراجعةً بعد الموت على قبوركم.]

آل: [لا يبدو كذلك. ما رأيك؟]

بل، وإن بدا الأمر شاذًّا أو مؤلمًا في نظر الآخرين، فهكذا كانت حقيقتهم.

غروفي: [――إنها هجمةٌ عشوائية بعيدة المدى. أيّ أحمقٍ لعينٍ يفعل هذا؟ من هو الأخرق الذي ينفث مثل هذا السحر الملعون…!]

سيسيلوس: [لا؟ كمؤدٍّ، أفضّل هذا بدل أن تتبدّد الأضواء على خمسة أشخاص مجتمعين في موضعٍ واحد، ومن الناحية التكتيكية، هو تفكيرٌ عمليّ جدًا. ليس من شأني أن أحكم، لكن من العبث تمامًا أن تتوقع أن والدي سيكون متعاونًا!]

ارتجف حلق غروفي من شدة الغضب، وهو يلعن جنون صاحب الأشواك الذي لم يظهر بعد.

سيسيلوس: [رغم أن الحر خانق داخلها بسبب اختلاف أحجامنا، لا أستطيع تخيّل كيف تمكنتَ أنت ووالدي من دخول العاصمة الإمبراطورية بثلاثة أشخاص. ومع ذلك، من أين اشتريتَ هذه العباءة الغريبة؟]

وبعد لحظة، بدأت الأشواك الرمادية التي تحيط بصدورهم الثلاثة تتحرك ببطء، وانزلقت أطرافها الحادة عبر أيديهم محاولةً إطلاق تأثير اللعنة الكامل.

سيسيلوس: [――كما توقعت، يبدو أن هذا العالم لا يرضى بأن أتنقل في الخفاء. حسنًا إذن، فلنستقبل هذا الابتلاء الجديد بصرخةٍ صاخبة ولنقهره ببراعة!]

ثم――

ولو سأل عن ذلك، لردّ غروفي غاضبًا: “وكيف لي أن أعلم!؟”.

سيسيلوس: [――كما توقعت، يبدو أن هذا العالم لا يرضى بأن أتنقل في الخفاء. حسنًا إذن، فلنستقبل هذا الابتلاء الجديد بصرخةٍ صاخبة ولنقهره ببراعة!]

سيسيلوس: [هاه؟ تتجاهلانني؟ أتتجاهلاني حقًا؟ ظننت أني قلت شيئًا بارعًا――]

قالها ضاحكًا بحماسٍ مفرط، تمامًا قبل أن تقبض الألم الحاد على قلبه.

آل: [――――]

🔥 تحدي أغسطس 2026 ⏳ 27 يوم متبقي
39,400 شعلة الهدف: 66,666
59.1%
🔥 ادعم الموقع لضمان استمراريته وبدون ظهور إعلانات مزعجة للجميع!
×

شراء عملة الشعلة

🥇M. K🔥 10,000
🥈3lawe🔥 100
🥉a10🔥 100
4Abdulsalam ALsayyed🔥 100
5Aisha Fathi🔥 100
6Ali AlTahou🔥 100
7ASDFG 970🔥 100
8Asmae🔥 100
9Ba Oumar🔥 100
10Mohammed Alhowishal🔥 100

ومع ذلك، بدا له أن مظهرهم الحالي غير أنيقٍ إطلاقًا.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط