36.43
――كان ألديباران على دراية بماهية محدقي النجوم.
أراكيا: [――هك.]
فالشخص الذي أطلعه في الماضي على وجودهم، كان كيانًا ذا علم شبه شامل بكل ما في هذا العالم، ومع ذلك، كان يطمع في المجهول بنهمٍ لا يُشبَع.
يتدحرج، يتدحرج، يتدحرج ويقع، يقع، يقع، حتى تمدد على الأرض ممددًا ذراعيه.
كانت علاقته بذلك الشخص معقدة.
انفجرت أشعة الضوء البيضاء المنطلقة نحو سيسيلوس على بعد عشرة أمتار أمامه، وتناثر عنها رذاذ من الحمم البركانية بفعل الارتداد، أصاب آل مباشرة، إذ لم يحاول تفاديه――،
لم تكن علاقة يمكن وصفها بكلمات مثل “الإعجاب” أو “الكراهية”.
عاجزًا عن الكلام، رغم علمه أنه خارج نطاق الخطر، غطى “أل” رأسه بذراعه لا إراديًّا لحمايته؛ ومع أن رؤيته كانت محجوبة، إلا أنه كان يعلم أن تلك الضربة الواحدة وحدها كانت مرعبة للغاية، ورغم ذلك، استمر القصف بلا انقطاع.
ولو سُئل عما إذا كان ممتنًا له أم لا، فربما أجاب بالإيجاب. لكن، وبصرف النظر عن درجة امتنانه، فقد كان يحمل تحفظات كثيرة حيال مدى تعارضه معه. لقد كان ذلك الشخص من ذلك النوع.
قال ذلك وهو يأخذ نفسًا عميقًا، متمتمًا بتعليقٍ سخيف لا طائل منه.
ومع ذلك، وبغض النظر عمن أطلعه على تلك المعلومات، فإن ألديباران كان يعلم بأمر محدقي النجوم.
السبب في أن روان سيغمونت قد نجا من الموت حتى هذا اليوم، لم يكن سوى أن ميزان الحظ وسوء الحظ كان دومًا يميل لصالح الحظ.
ولهذا السبب، لم يكن لهم أي أثر يُذكر في تحقيق أغلى أمانيه. بل إن الأهم من اهتمامه بمحدقي النجوم أو مدى ارتباطهم به، كان حقيقة أنهم قد زُجّوا في هذا الأمر رغماً عنهم.
فحتى تُكسر روحه، ستستمر، حتى وإن سمعت صوت تشقق قلبها هي نفسها.
حين أعلنت بريسيلا لأول مرة عن نيتها التوجه إلى فولاكيا، حاول بكل السبل ثنيها عن ذلك؛ ولكن، ما إن تعقد العزم على شيء، فلا مجال لتغيير رأيها مهما كان.
في الواقع، كان سيسيلوس يظن أن لا فائدة منها سوى إذهال الآخرين؛ وأراكيّا، بعد أن شهدتها بنفسها، قدّرتها كمهارة خالية تمامًا من أي نفع.
لذا، أقصى ما استطاع فعله هو أن يرافقها، محاولًا أن يكون بمثابة تأمينٍ لها قدر الإمكان، ولكن―― بالنسبة لألديباران، فإن مصادفته لهم في هذه الإمبراطورية لم يكن سوى منعطف قاسٍ من منعطفات القدر.
ومن أجل ذلك――
لطالما تدخل القدر في حياة ألديباران بأبشع الطرق.
إيريس: [ماذا…]
ولذا، لم تكن له أدنى صورة إيجابية عن القدر، لكنه في هذه المرة فقط، كان ممتنًا له.
والسبب في فرار باليروي تيماجليف، غير الميت، من تقنية “شقّ الغيوم”، كان خشيته من هجوم مضادّ غير متوقّع من سيسيلوس سيغمونت؛ ولذا لم يرد أن يطاردهم كثيرًا.
لو كانوا موجودين هنا، فستختلف القصة. ولو أنهم زُجّوا في هذا الأمر، لتبدل الوضع بشكل درامي.
وكأن غلافًا غير قابل للكسر كان يحيط به قد تحطم، ولعل هذا الإحساس كان السبب؛ ولذلك، فهم الأمر بوضوح تام.
فلو دخلوا في الإطار، غير قادرين على مغادرته، ولو اتسع ذلك الإطار أكثر فأكثر حتى بات خارج قدرتهم على السيطرة، حينها، ستتحقق أغلى أمنيات ألديباران.
لم تكن علاقة يمكن وصفها بكلمات مثل “الإعجاب” أو “الكراهية”.
فقد سبق لألديباران أن تخلّى عن كل شيء ذات مرة.
بمجرد إمالة رأسها، تفادت أفضل ضربة في حياة روان، وبهمس كالتنهيدة، تمتمت بتلك الكلمات، ثم ثبتت قدميها على الأرض، وتقدّمت إلى الأمام.
وسط الظلام، تابع السير معتمدًا فقط على بصيص ضوء النجوم الشاحب، وكان قد استسلم للتخلي.
سواء كانت ساحرة، أو من محدقي النجوم، أو الكارثة العظمى، مهما يكن من يقف في طريقه، فلا شأن له به.
ولأجل ذلك، كانت الشمس ساطعة إلى حدٍ مؤلم. كأنما لا وجود للظلمة أصلًا، أحرقت استسلامه حتى أذابته.
إيريس: [لماذا…؟]
ولكي يحمي تلك الشمس الساطعة، لم يمانع أن يلحس حذاء القدر. وحتى وهو يتألم كأنما يُمزَّق من الداخل، لم يتردد لحظة في أن يحدق مباشرة في عين من يعترض طريقه.
لكن――،
سواء كانت ساحرة، أو من محدقي النجوم، أو الكارثة العظمى، مهما يكن من يقف في طريقه، فلا شأن له به.
وقد أدرك ذلك بفعل تجربته، كشف روان عن أنيابه وابتسم بينما كانت عقله يتردد فيه صدى أشبه بغناء ابنه بصوت عالٍ.
――فقط، أرجوكم… لا تعيقوني.
واحدة، اثنتان، ثلاث، أربع طلقات انطلقت تباعًا، كل واحدةٍ منها تعيد تشكيل وجه العاصمة الإمبراطورية.
△▼△▼△▼△
أل: [هذا غير ممكن إطلاقًا!؟]
――اثنتان وعشرون مرة.
إيريس: [――هل تنوي الاستمرار؟]
ذلك هو عدد المحاولات التي احتاجها “أل” ليُدرِك ما الذي جرى له. فقد حدث في لحظة ما بياضٌ مطلق، مفاجئٌ إلى حد لم ينتبه معه حتى إلى أن جسده قد تبخّر――.
دارت رؤيته، وانساب الدم من جبهته المكسورة، وتدفقت عصارات معدته من أطراف فمه؛ تبعثرت محتويات جسده دون عائق، وبعد أن اختبر شعور الطفو، سقط أرضًا.
أل: [――لا، لم تكن غيومًا أو ثلجًا، بل نار، لذا أعتقد أنه “احمرار” بدلًا من “ابيضاض”. أو يمكننا أن نسميه “توهج قرمزي”، لأن ذلك يبدو أكثر أناقة.]
روان: [――قاطع الغيوم.]
قال ذلك وهو يأخذ نفسًا عميقًا، متمتمًا بتعليقٍ سخيف لا طائل منه.
كان يعتقد أن السبيل الوحيد للوصول إلى “سيف السماء” هو أن يضطر لقتل ابنه عندما يصل إليه الأخير في نهاية المطاف. ولكن، إن كان هناك من يفوق حتى سيسيلوس، كما رأى الآن، فستكون القصة أسرع.
ورغم أنه لم يكن واثقًا إن كان عقله في حالة طبيعية، إلا أنه استطاع أن يُقنِع نفسه ولو بضعف، أن حالته الذهنية ما تزال مستقرة.
لأن السبب كان――
وفي الوقت الحالي، كان ذلك كافيًا. لكن إن وُجدت مشكلة――،
لحظة تحرّكه ليفجر سيفه، كان من المفترض أن يلمع ضوءٌ على حدّ النصل وهو يُسحب من غمده، ولكن يد المرأة أوقفت ذلك، ضاغطةً على مقبض السيف وهو لا يزال في غمده. وفي تلك اللحظة، سكت، وحين واجهته المرأة، انخفض طرفا عينيها الطويلتين كأنما تشفق عليه، وقالت:
أل: [في معركة على هذا المستوى، لا يوجد أي مجالٍ لتدخلي!]
كانت الإضاءة من خلفه قوية لدرجة أن هينكل لم يستطع تمييز ملامح وجهه بوضوح. وكانت أذناه لا تزالان ترنان من أثر ضربة ذيل التنين، لذا لم يكن واثقًا مما إذا كان الصوت مألوفًا أم لا.
كان ذلك أمام عينيه، من بين المهام الواجب إنجازها في العاصمة الإمبراطورية―― وهي السيطرة على إحدى الحصون الخمسة من التحصينات النجمية الشكل، وقد أُنجزت هناك.
صدر صوت معدني من خوذته وهو يطرق على أطرافها، ثم خطا آل خطوة إلى الأمام.
فالجدران الصلبة التي امتازت بقدرة دفاعية عظيمة قد أُبيدت تمامًا دون أن تترك أي أثر. وماذا يمكن أن يُطلق على هذا سوى تحقيق ذلك الهدف؟
ولهذا، وبالنظر إلى الواقع الذي يسود العاصمة الإمبراطورية حاليًا، فإن وجوده يمكن اعتباره خطيئة.
لكن، في الحصن الثاني، حيث الجدران الشاهقة والمباني المحيطة قد مُسِحت بالكامل، برز عائقٌ أشد من الجدران الزائلة، كالعقبة التالية.
والسبب في أن سيسيلوس سيغمونت لم يقتله، حين حاول اغتيال الإمبراطورية، كان أن الأخير قال له بتلقائية: “قد يكون مستحيلًا يا أبي، لكن لو أصبحت قويًا جدًا، ارجع وقاتلني، لدي إحساس إنها ستكون معركة مشتعلة!”
――السماء الملبدة بالغيوم قد صُبغت بالأحمر، وفتاة سلّمت نفسها للسماء بفعل مبدأ مجهول.
―― لا، بل من المرجح أن هذا كان نتيجة لتغير أحدثه لقاؤه الأول بعدوٍ قوي.
كانت فتاة ذات شعر فضي قصير، وعيون حمراء، وبشرة بنية مكشوف منها الكثير؛ غير أن جمال ملامحها، بالرغم من جاذبيته، كان يبعث في من يراها إحساسًا فطريًّا بالخطر.
وسط الظلام، تابع السير معتمدًا فقط على بصيص ضوء النجوم الشاحب، وكان قد استسلم للتخلي.
بعد أن أوكل أمر سيد الأشواك إلى “غروفي”، وباستخدام جلد المستذئب، كان أل وسيسيلوس قد وصلا بأمان إلى الحصن الثاني―― لا، بل حاولا الوصول إليه.
روان: [――قاطع الغيوم.]
وبدقة، فإن الحصن الثاني قد مُحي من الوجود، وقد أُصيب “أل” مرارًا في خضم ذلك الفناء، دون أن يتمكن حتى من إدراك الضرر الذي لحق به، إلى أن أدرك أخيرًا الوضع والطريقة التي تتيح له التحرك قدمًا.
فلو دخلوا في الإطار، غير قادرين على مغادرته، ولو اتسع ذلك الإطار أكثر فأكثر حتى بات خارج قدرتهم على السيطرة، حينها، ستتحقق أغلى أمنيات ألديباران.
ومع ذلك، لا يرغب أبدًا في التفكير بعدد المحاولات الإضافية التي سيحتاجها لو طُلب منه الوصول إلى نفس النتيجة مرة أخرى.
ولذا، استمرّ سيسيلوس في الحفاظ على مسافةٍ حرجة والتدخل لإبقاء أراكيّا محتجزة هنا، مدّعيًا أنّ ذلك ضروريٌّ لمنع دمار العاصمة الإمبراطورية.
لذا――،
سواء كانت ساحرة، أو من محدقي النجوم، أو الكارثة العظمى، مهما يكن من يقف في طريقه، فلا شأن له به.
أل: [――إعادة تشغيل تجربة الفكر، إعادة تعريف المجال.]
إيريس: [――لأي سببٍ تقف مجددًا؟]
قام بتحديث المصفوفة بفارق عشر ثوانٍ تقريبًا، أو ربما بضع ثوانٍ فقط، وبذل كل جهده للعثور على مخرج للهروب.
؟؟؟: [كنت متأكد إنك راح تهرب، بس عندك جرأة، مو كذا يا عجوز؟]
كما صرخ سابقًا، لم يكن هناك أي مجالٍ لتدخله. ومع ذلك، فكلما تلقى “أل” ضررًا قاتلًا، كان يعيد الكرة من نقطة محددة سلفًا، فلا يتقدم العالم خطوة.
أل: [أحمق، توقف! ألا تفهم؟ إذا جذبت انتباهها بتهوّر…]
وكان يمكن أن يكون الوضع مختلفًا لو استطاع سيسيلوس أن يحمل “أل” ويهرب به من منطقة الخطر، كما حدث مع ذلك القناص، لكن――،
سيسيلوس: [هيا! هيا هيا! هيا هيا هيا!!]
سيسيلوس: [آسف، أل-سان، لكن حدسي يقول إن هذه لحظتي للتألق، وإنّ الاعتناء بك سيُفسد حالتي.]
كانت فتاة ذات شعر فضي قصير، وعيون حمراء، وبشرة بنية مكشوف منها الكثير؛ غير أن جمال ملامحها، بالرغم من جاذبيته، كان يبعث في من يراها إحساسًا فطريًّا بالخطر.
وبهذه الكلمات، تراجع سيسيلوس فورًا عن حمايته لـ”أل”، وانقض على الفتاة في السماء―― أراكيا.
إيريس: [طالما لا تزال على قيد الحياة، فعليك مغادرة العاصمة الإمبراطورية.]
كم مرةً رآها “أل” حتى الآن؟ بالنظر إلى الوراء، كانت علاقته بها تتدهور تدريجيًّا: فحين كان مصارعًا في جزيرة المصارعين، قاتل إلى جانبها حين كانت لا تزال طفلة؛ ثم تقابلا كعدوين في مدينة الحصن “غوارال”؛ وها هي الآن تُبخّره في العاصمة الإمبراطورية.
قام بتحديث المصفوفة بفارق عشر ثوانٍ تقريبًا، أو ربما بضع ثوانٍ فقط، وبذل كل جهده للعثور على مخرج للهروب.
ولكن، بعيدًا عن منظور رجلٍ في منتصف العمر التقى بها مرارًا، فكما قال سيسيلوس، فقد كان واضحًا من النظرة الأولى أن أراكيا لم تكن في حالتها الطبيعية.
أل: [لا تقل لي إنك من النوع الذي لا يستطيع ترك طفلٍ باكٍ وشأنه؟!]
أراكيا: [――――]
مرّة، مرّتان، رأى السماء والأرض تتقلّبان، وفي المرّة الثالثة، وهو يودّع السماء، غرس سيفه في الأرض ليوقف زخمه. ضرب بكعبيه الأرض، وعاضًّا على أضراسه، أعاد سيفه إلى غمده، واستعدّ لوضعية السحب――،
كانت أراكيا تتلوى في الجو، وحالتها شديدة الغرابة.
أراكيا: [――هك.]
فهي من آكلي الأرواح، وقد سمع “أل” عن خصائصهم عرضًا من بريسيلا. ورأى بأم عينه تحولها إلى نار وماء، لكن ما يحدث الآن كان مخالفًا تمامًا لتلك الأمثلة.
بعد أن أوكل أمر سيد الأشواك إلى “غروفي”، وباستخدام جلد المستذئب، كان أل وسيسيلوس قد وصلا بأمان إلى الحصن الثاني―― لا، بل حاولا الوصول إليه.
فبعكس ما كانت تفعل عندما تمزج جسدها بالماء، أو عندما تحلق بجسد جزئي التحول إلى لهب، كان شكل أراكيا الحالي وكأن نورًا أبيض هائلًا يلتهمها من الداخل.
――اثنتان وعشرون مرة.
وكأن بلورات شفافة مائلة للصفرة تنمو من جلدها النحيل البني، كأنها تنفجر من الداخل نحو الخارج، واحدة تلو الأخرى.
لكن، حين رفعت يدها التي كانت تضغط على المقبض، ارتعشت شفتاها وفيهما بقي شيءٌ من الشفقة، وقالت:
والمعروف أن أنقى صور الحجارة السحرية تُعرف بالبلورات السحرية، وكانت تلك تحيط بجسد أراكيا من كل الجهات.
إيريس: […هـه؟]
ولو أنها استطاعت رغم ذلك أن تحافظ على اتزانها، لربما بدا أن ما يجري جزء من قدراتها كآكلة أرواح، لكن――،
والمرأة ذات الفستان الجميل، إيريس، كان من المفترض أن يُفصل رأسها――
أراكيا: [――هك.]
سيسيلوس: [في الوقت الحالي، تلك المرأة لا تملك وعيًا ولا عقلانية. كلّ ما لديها هو غرائز دفاعية لتجنّب القتل أو التفتّت. لو تُركت، فسوف تتجه نحو مركز المدينة بلا هدف، ولكن إن سمحنا لها بالهيجان هناك، فماذا سيحدث؟]
عيناها الحمراوان لم تعكسا أي صورة واضحة لأي شيءٍ في العالم. ومع انهمار الدموع من عينها اليسرى المعتمة، خرج من شفتيها لهاثٌ مؤلم أشبه بنداء استغاثة.
――اثنتان وعشرون مرة.
ولا أحد يمكن أن يعتبر هذه الحالة طبيعية، أو شيئًا قد ترغبه أراكيا نفسها.
روان: [كهاها، يا له من حظ، يا له من حظ عظيم! لقد كان يومًا طيبًا…!]
فلو بكى طفلٌ فاغر الفم، تنهمر دموعه وهو يضرب أحدًا بلا توقف، حتى لو كانت عيناه مغمضتين، وأذناه مسدودتين، وجسده مغطى، فسيُفهم أنه يبكي بلا شك.
استمرّ سيسيلوس في إسهامه في تدمير معالم العاصمة الإمبراطورية، عمدًا في حقّ المباني، وعرضًا في حقّ ما حولها. وبينما حاول آل أن يسخر من عبارته المعتادة المتفاخرة بتعليقٍ ساخر، أدرك الحقيقة.
وهذا تمامًا ما كانت تفعله أراكيا الآن.
وبعد أن فهم ذلك أخيرًا، أدرك آل أيضًا ما كان سيسيلوس يحاول قوله.
أل: [لا تقل لي إنك من النوع الذي لا يستطيع ترك طفلٍ باكٍ وشأنه؟!]
△▼△▼△▼△
صرخ “أل” بيأس، وهو على حافة الانهيار، يحاول الفرار من الخراب، مخاطبًا سيسيلوس المتجه بسرعة نحوها.
وفوق ذلك، كانت هناك سهام ضوئية مضادة، لم يكن يلزم منها سوى خدشٍ طفيف لتكون قاتلة.
وعند سماعه لذلك، لم يلتفت سيسيلوس، لكنه هز كتفيه بطريقة أوحت بضحكة مكتومة.
إيريس: [لماذا…؟]
سيسيلوس: [دموع النساء والأطفال يمكن أن تكون الدافع لتحريك قصة. لذا، من الطبيعي ألا أتجاهلها، لكن ليس هذا هو السبب هذه المرة.]
منذ البداية، كان قد سحب العود القصير اثنتين وعشرين مرة؛ ولا يعلم كم مرةً سيسحبها مجددًا من الآن فصاعدًا. ولذلك، بدأ يتساءل عمّا سيحدث لعقله.
أل: [فما هو إذًا…!]
لذا――،
سيسيلوس: [لكن―― لدي شأنٌ مع تلك الدموع.]
ولا أحد يمكن أن يعتبر هذه الحالة طبيعية، أو شيئًا قد ترغبه أراكيا نفسها.
وبعد أن نطق بذلك، انطلق سيسيلوس بسرعة البرق، مستخدمًا قطعة من الحطام المنصهر كقاعدة انطلاق.
ولذا، لم تكن له أدنى صورة إيجابية عن القدر، لكنه في هذه المرة فقط، كان ممتنًا له.
في المنطقة المحيطة، كانت المتاريس التي أُقيمت لحماية الحصن الثاني قد ذابت، حتى بات المكان يبدو كجحيمٍ تغمره الحمم البركانية. ولو غاص أحدهم بقدمه فيه دون حذر، لما كان الضرر مجرد انزلاق، بل إن الجزء الذي غاص في الحمم سيُحرق فورًا، ويترك ندبةً لن تُرى مجددًا أبدًا. ومصدر “أل” لهذه المعرفة لم يكن سوى نفسه.
يحيط بأراكيّا وهي تشعّ نورًا قدرٌ هائل من الحرارة، حتى بدا أن جسدها والفضاء المحيط بها يتشوّه من شدّتها، فلم يكن هناك أيّ احتمال لأن يتمكّن أيّ هجومٍ نصف القلب من الاقتراب منها.
ومع ذلك، قفز سيسيلوس إلى المنطقة التي تحولت إلى حديقة من الحمم، مستفيدًا بالكامل من النقاط المحدودة التي تصلح كموطئ قدم، متوجهًا نحو أراكيا التي كانت عائمة في السماء.
ولو أُتيح له الحظ، لكانت مهارة روان سيغمونت في السيف جعلت العالم بأسره يرتجف.
سرعته وخفة حركته كانتا فوق الوصف―― لا، بل ما يفوق الوصف حقًا هو ما فعله في اللحظة التالية، وهو يطلق لحناً خفيفًا وهو يهمهم.
وكان في حالة لا تسمح له باتخاذ وضعية دفاعية أو حتى وقوف ملائم، فمدّ ساقيه، ووضع ذراعيه على الأرض لينهض، ثم نظر حوله.
أل: [مستحيل!؟]
بينما كانت إيريس تحدق فيه بثبات، المانا الهائلة التي كانت تغلف جسدها بالكامل―― لقد أدرك حجمها العظيم دون أدنى شك، كما أدرك نتيجة المواجهة المباشرة قبل لحظات.
اشتعَل جسد أراكيا بالكامل بنورٍ أبيض في الهواء، وبعد لحظة، ومضةٌ من الضوء أحرقت النقطة التي كان سيسيلوس يركض فيها.
بعد معركة قصيرة فقط، وقد تُرك شبه ميت، نظر روان سيغمونت بدهشة.
رمح النور المنفلت اخترق الحمم، وبعد نبضةٍ واحدة، كل ما كان ضمن دائرة قطرها عدة أمتار قد انضغط فجأة، ثم انفجر على الفور. وامتدّت الحمم المنهارة والقوة التدميرية التي سبّبت ذلك الانفجار إلى المنطقة المحيطة، منتشرةً في محيطٍ يكاد يعادل عشرة أضعاف مساحة الانفجار الأصلي.
لأن السبب كان――
عاجزًا عن الكلام، رغم علمه أنه خارج نطاق الخطر، غطى “أل” رأسه بذراعه لا إراديًّا لحمايته؛ ومع أن رؤيته كانت محجوبة، إلا أنه كان يعلم أن تلك الضربة الواحدة وحدها كانت مرعبة للغاية، ورغم ذلك، استمر القصف بلا انقطاع.
فكرة أن يُدير ظهره ويهرب، لأنه لا يملك ما يقدّمه، كانت دومًا تلوح في زاوية ذهنه، لكنه تذكّر أيضًا أنّ سيسيلوس نفسه فقد ذات مرة إحدى ساقيه.
واحدة، اثنتان، ثلاث، أربع طلقات انطلقت تباعًا، كل واحدةٍ منها تعيد تشكيل وجه العاصمة الإمبراطورية.
كان ذلك أمام عينيه، من بين المهام الواجب إنجازها في العاصمة الإمبراطورية―― وهي السيطرة على إحدى الحصون الخمسة من التحصينات النجمية الشكل، وقد أُنجزت هناك.
فالطرقات ما عادت طرقات، والأرض ما عادت أرضًا.
تناثرت رذاذات الحرارة الحارقة المعروفة بالحمم، وتجنّب وميض الدمار المعروف بالضوء المتفجر، واخترق سيسيلوس الغبار الأبيض في اندفاع جنوني عبر فضاءٍ تمطر فيه المنيّة دون توقف.
كانت الطلقات تُطلق الواحدة تلو الأخرى، تطارد سيسيلوس الذي يركض على الأرض، لكن حتى هو――،
فجميع تحركات سيسيلوس كانت تهدف إلى جعل أراكيّا في داخل العاصمة، بينما يلتفّ هو من الخارج ليجذب هجماتها―― بمعنى أنه كان يقاتل بطريقة لا تُوجّه فيها أيّ هجمات إلى داخل العاصمة.
سيسيلوس: [تا تا تا تا تا تا تا تا تا تا تا تا تا تا――!!!]
لطالما تدخل القدر في حياة ألديباران بأبشع الطرق.
تناثرت رذاذات الحرارة الحارقة المعروفة بالحمم، وتجنّب وميض الدمار المعروف بالضوء المتفجر، واخترق سيسيلوس الغبار الأبيض في اندفاع جنوني عبر فضاءٍ تمطر فيه المنيّة دون توقف.
والسبب في أن سيسيلوس سيغمونت لم يقتله، حين حاول اغتيال الإمبراطورية، كان أن الأخير قال له بتلقائية: “قد يكون مستحيلًا يا أبي، لكن لو أصبحت قويًا جدًا، ارجع وقاتلني، لدي إحساس إنها ستكون معركة مشتعلة!”
فكل الموطئ قد اختفى، ووسط مكانٍ غدا فيه الحمم تحت الأقدام بدل الأرض الصلبة، راح سيسيلوس يركض بسرعة، مرتديًا “زوري” لا يبدو عليه أي مقاومة للنار.
والآن، الخصم الذي واجهه روان في العاصمة الإمبراطورية التي تحوّلت إلى عاصمة للموتى، كان أيضًا العدو الوحيد الذي لم يكن ينوي قتله.
وعند رؤية هذا المنظر، خطر في ذهن “أل” ذلك المشهد السخيف لنينجا يركض فوق الماء―― تلك التقنية التي يعتمد فيها على أن يخطو بقدمه اليسرى قبل أن تغوص اليمنى، ثم يخطو باليمنى قبل أن تغوص اليسرى.
قام بتحديث المصفوفة بفارق عشر ثوانٍ تقريبًا، أو ربما بضع ثوانٍ فقط، وبذل كل جهده للعثور على مخرج للهروب.
ومما لا شك فيه، أن سيسيلوس لم يكن يفعل ذلك على الماء، بل على الحمم.
سيسيلوس: [آسف، أل-سان، لكن حدسي يقول إن هذه لحظتي للتألق، وإنّ الاعتناء بك سيُفسد حالتي.]
أل: [هذا غير ممكن إطلاقًا!؟]
أل: [هذا غير ممكن إطلاقًا!؟]
سيسيلوس: [طالما أن الإنسان يفكر بهذه الطريقة، فلن يتمكن من فعله أبدًا!]
هينكل: [أواه، آآآآآآاه!!]
ردّ سيسيلوس على دهشة “أل” بمرح، وهو يؤدي فعلًا أقرب إلى السخرية من قوانين الفيزياء نفسها. ركض مباشرة إلى الأمام، واقتحم منزلًا لم يطله الدمار بعد، وفي اللحظة التالية، انهار ذلك المنزل، وانطلق عمودٌ دُفع من داخل المبنى المنهار ليحلق في الهواء كسهم.
أل: [مستحيل!؟]
كان سهمًا ضخمًا نسبيًا، ونسب أبعاده غير منطقية، لكنه اتجه نحو أراكيا بسرعةٍ كافية لاختراق جذع حيوانٍ ضخم. إلا أنه، قبل أن يصيب أراكيا، اشتعل من تلقاء نفسه، واحترق حتى تلاشى في الهواء.
ولو أُتيح له الحظ، لكانت مهارة روان سيغمونت في السيف جعلت العالم بأسره يرتجف.
يحيط بأراكيّا وهي تشعّ نورًا قدرٌ هائل من الحرارة، حتى بدا أن جسدها والفضاء المحيط بها يتشوّه من شدّتها، فلم يكن هناك أيّ احتمال لأن يتمكّن أيّ هجومٍ نصف القلب من الاقتراب منها.
استمرّ سيسيلوس في إسهامه في تدمير معالم العاصمة الإمبراطورية، عمدًا في حقّ المباني، وعرضًا في حقّ ما حولها. وبينما حاول آل أن يسخر من عبارته المعتادة المتفاخرة بتعليقٍ ساخر، أدرك الحقيقة.
كان من المفترض أن يكون سيسيلوس مدركًا لذلك. ومع ذلك――،
ومع ذلك، وبغض النظر عمن أطلعه على تلك المعلومات، فإن ألديباران كان يعلم بأمر محدقي النجوم.
سيسيلوس: [هيا! هيا هيا! هيا هيا هيا!!]
هينكل: [هاه…؟]
مُحدِثًا دويًّا هائلًا، شرع سيسيلوس في تدمير المباني واحدًا تلو الآخر، وراح يركل الأعمدة والأسطح وممتلكات المنازل المتناثرة بسرعات لا تُدرك بالعين، مُوجّهًا وابلًا لا ينقطع من الهجمات نحو أراكيّا الطائرة في الهواء.
وإن كانت تلك الحادثة لم تقع بفضل وجوده، فذلك وحده يكفي ليُبرّر كونه هنا.
بالطبع، لم تكن المسألة مسألة إصابة أم لا، إذ إنّ كل ما أُطلق نحوها كان يختفي في الهواء قبل أن يصل إليها.
قد مسّه نَفَس التنين، فبدأ بخار أبيض يتصاعد من الأرض التي أُزيلت بالكامل. ولو تأخر في الهروب، لأصبح هو أيضًا جزءًا من ذلك البخار الأبيض.
وفوق ذلك، كانت هناك سهام ضوئية مضادة، لم يكن يلزم منها سوى خدشٍ طفيف لتكون قاتلة.
قال ذلك وهو يأخذ نفسًا عميقًا، متمتمًا بتعليقٍ سخيف لا طائل منه.
أل: [أحمق، توقف! ألا تفهم؟ إذا جذبت انتباهها بتهوّر…]
لو كانوا موجودين هنا، فستختلف القصة. ولو أنهم زُجّوا في هذا الأمر، لتبدل الوضع بشكل درامي.
سيسيلوس: [عن ماذا تتحدث، يا آل-سان! الأمر عكس ذلك تمامًا تمامًا تمامًا تمامًا! بل من الضروري جدًا أن أجذب انتباهها الكامل نحوي!]
لم يلتقِ قط بمنافسٍ جديرٍ بلقبه، ولا بعدوٍّ مرعبٍ يدفعه للتغلّب عليه، ولا بحبٍّ يحمله إلى أماكن لا يستطيع بلوغها وحده؛ لم يحدث له ذلك ببساطة.
أل: [يا هذا المتبجّح… لا.]
――السماء الملبدة بالغيوم قد صُبغت بالأحمر، وفتاة سلّمت نفسها للسماء بفعل مبدأ مجهول.
استمرّ سيسيلوس في إسهامه في تدمير معالم العاصمة الإمبراطورية، عمدًا في حقّ المباني، وعرضًا في حقّ ما حولها. وبينما حاول آل أن يسخر من عبارته المعتادة المتفاخرة بتعليقٍ ساخر، أدرك الحقيقة.
هزّ رأسه ببطء، ثم أخذ نفسًا عميقًا.
فجميع تحركات سيسيلوس كانت تهدف إلى جعل أراكيّا في داخل العاصمة، بينما يلتفّ هو من الخارج ليجذب هجماتها―― بمعنى أنه كان يقاتل بطريقة لا تُوجّه فيها أيّ هجمات إلى داخل العاصمة.
مُحدِثًا دويًّا هائلًا، شرع سيسيلوس في تدمير المباني واحدًا تلو الآخر، وراح يركل الأعمدة والأسطح وممتلكات المنازل المتناثرة بسرعات لا تُدرك بالعين، مُوجّهًا وابلًا لا ينقطع من الهجمات نحو أراكيّا الطائرة في الهواء.
وبعد أن فهم ذلك أخيرًا، أدرك آل أيضًا ما كان سيسيلوس يحاول قوله.
وبدقة، فإن الحصن الثاني قد مُحي من الوجود، وقد أُصيب “أل” مرارًا في خضم ذلك الفناء، دون أن يتمكن حتى من إدراك الضرر الذي لحق به، إلى أن أدرك أخيرًا الوضع والطريقة التي تتيح له التحرك قدمًا.
سيسيلوس: [في الوقت الحالي، تلك المرأة لا تملك وعيًا ولا عقلانية. كلّ ما لديها هو غرائز دفاعية لتجنّب القتل أو التفتّت. لو تُركت، فسوف تتجه نحو مركز المدينة بلا هدف، ولكن إن سمحنا لها بالهيجان هناك، فماذا سيحدث؟]
في العاصمة الميتة لوبوغانا، حيث كانت تحرس القصر البلوري، والذي من المحتمل أن العدو الرئيسي كان يتواجد فيه، سدت إيريس الطريق―― هذه المرأة كانت، بلا أدنى شك، أقوى كائن في إمبراطورية فولاكيا.
آل: [ستتحوّل إلى حفرة لا يمكن لأحد العيش فيها لمئة سنة قادمة…]
؟؟؟: [كنت متأكد إنك راح تهرب، بس عندك جرأة، مو كذا يا عجوز؟]
سيسيلوس: [سيَلقى الكثيرون حتفهم. قد لا يكون الأمر سيئًا لو كانوا جميعًا أعداء، لكنني لا أفضّل موت أناسٍ ليسوا أعداءً بأعدادٍ كبيرة. فالعالم سيغدو موحشًا، في نهاية المطاف.]
وفي وسط حديثٍ بين أراكيّا وسيسيلوس، المهزومة والمنتصر على التوالي، جرى الحديث في ساحة شاسعة تحوّلت إلى أرضٍ متفحمة، حيث شقّ الأخير الغيوم بسيفه، مستخدمًا تقنية زعم أنها لا تتعدى كونها استعراضًا.
قال ذلك بنبرة هادئة، متفاديًا شعاع الموت الذي حاول أن يخدشه، ثم كرس نفسه للسرعة الخاطفة ليُنفّذ كلامه.
أل: [――لا، لم تكن غيومًا أو ثلجًا، بل نار، لذا أعتقد أنه “احمرار” بدلًا من “ابيضاض”. أو يمكننا أن نسميه “توهج قرمزي”، لأن ذلك يبدو أكثر أناقة.]
وإذ لم يستطع إخفاء دهشته من الدافع النبيل غير المتوقع لدى سيسيلوس، أدخل آل إصبعه في خوذته الحديدية الساخنة، وضبط زاويتها بينما ثبت قدميه في مكانه.
سيسيلوس: [طالما أن الإنسان يفكر بهذه الطريقة، فلن يتمكن من فعله أبدًا!]
――كما قال سيسيلوس، في الوقت الراهن، لم تكن أراكيّا تملك أدنى قدرة على توجيه انتباهها إلى أي مكان آخر.
وكأنّه أراد أن يقطع بذلك الشفقة، لم يسحب السيف المثبّت، بل سحب الغمد نفسه، واستدار نصف دورة، ثم صفع وجهها بجانب الغمد المصنوع من عظم وحشٍ سحري.
لقد امتصّت أراكيّا شيئًا يفوق خيال آل، وبالكاد كانت تحتمله وهو يفيض من داخلها، ولم تكن سوى تردّ بهجماتٍ عكسية غريزية ضد أي تهديدٍ قد يعرقلها.
أل: [يا هذا المتبجّح… لا.]
ولذا، استمرّ سيسيلوس في الحفاظ على مسافةٍ حرجة والتدخل لإبقاء أراكيّا محتجزة هنا، مدّعيًا أنّ ذلك ضروريٌّ لمنع دمار العاصمة الإمبراطورية.
كان سهمًا ضخمًا نسبيًا، ونسب أبعاده غير منطقية، لكنه اتجه نحو أراكيا بسرعةٍ كافية لاختراق جذع حيوانٍ ضخم. إلا أنه، قبل أن يصيب أراكيا، اشتعل من تلقاء نفسه، واحترق حتى تلاشى في الهواء.
آل: [――――]
الكائن الأسمى للكارثة الكبرى، لم يمنح روان حتى الوقت ليضرب بسيفه مرة ثانية.
هدف سيسيلوس، والوضع الغريب الذي وُضعت فيه أراكيّا.
والسبب في نجاته حتى الآن، وسط كارثة غير الموتى، كان أن كلّ من واجههم كانوا من يمكن لمهاراته بالسيف التغلب عليهم.
فكرة أن يُدير ظهره ويهرب، لأنه لا يملك ما يقدّمه، كانت دومًا تلوح في زاوية ذهنه، لكنه تذكّر أيضًا أنّ سيسيلوس نفسه فقد ذات مرة إحدى ساقيه.
بالطبع، لم تكن المسألة مسألة إصابة أم لا، إذ إنّ كل ما أُطلق نحوها كان يختفي في الهواء قبل أن يصل إليها.
وإن كانت تلك الحادثة لم تقع بفضل وجوده، فذلك وحده يكفي ليُبرّر كونه هنا.
يتدحرج، يتدحرج، يتدحرج ويقع، يقع، يقع، حتى تمدد على الأرض ممددًا ذراعيه.
آل: [――هل أنا حقًّا أفعل هذا؟]
إيريس: [――هل تنوي الاستمرار؟]
هزّ رأسه ببطء، ثم أخذ نفسًا عميقًا.
أي أنّ――،
منذ البداية، كان قد سحب العود القصير اثنتين وعشرين مرة؛ ولا يعلم كم مرةً سيسحبها مجددًا من الآن فصاعدًا. ولذلك، بدأ يتساءل عمّا سيحدث لعقله.
وضعت يدها على صدرها، وتفوهت بتلك الكلمات كأنما تلعن نفسها.
ومع ذلك، سواء كان عاقلًا أم لا، فلن يكون هناك شك في أنّ الشمس كانت ساطعة.
ومن المؤسف قوله، حتى وإن كان لا يزال لديه بعض القوة، وحتى إن حاول تنفيذ هجوم مباغت، فلن يصل إلى إيريس.
آل: [في هذه الحالة، لا بأس بهذا.]
مع اصطدام عنيف اجتاحه من الأعلى مباشرة، لم يكن أمام روان سوى أن يُدفن عميقًا في الأرض.
صدر صوت معدني من خوذته وهو يطرق على أطرافها، ثم خطا آل خطوة إلى الأمام.
مُحدِثًا دويًّا هائلًا، شرع سيسيلوس في تدمير المباني واحدًا تلو الآخر، وراح يركل الأعمدة والأسطح وممتلكات المنازل المتناثرة بسرعات لا تُدرك بالعين، مُوجّهًا وابلًا لا ينقطع من الهجمات نحو أراكيّا الطائرة في الهواء.
ثم――،
آل: [――――]
آل: [――――]
تلك، كانت معجزة السماء الخالية التي قضى روان سيغمونت حياته يبتكرها―― لكنها، في نظر الوحوش المتجاوزة للطبيعة، لم تكن سوى عرضٍ مبهرج لا أكثر.
انفجرت أشعة الضوء البيضاء المنطلقة نحو سيسيلوس على بعد عشرة أمتار أمامه، وتناثر عنها رذاذ من الحمم البركانية بفعل الارتداد، أصاب آل مباشرة، إذ لم يحاول تفاديه――،
هينكل: [هاه…؟]
آل: [――التالي.]
الذي تحطم كان الغمد، أما المرأة―― المرأة-الثعلب التي تُدعى إيريس، فلم تُظهر أيّ علامةٍ على الألم في ملامحها.
وبإعادة تعريف حدوده، عزم الرجل العادي على الصعود إلى المسرح العظيم.
△▼△▼△▼△
△▼△▼△▼△
―― لا، بل من المرجح أن هذا كان نتيجة لتغير أحدثه لقاؤه الأول بعدوٍ قوي.
――لقد قال سيسيلوس سيغمونت شيئًا لأراكيّا ذات مرة في الماضي.
آل: [――――]
حدث ذلك خلال معركة حتى الموت بين الأول والثاني، والتي كانت تُعد أمرًا معتادًا في العاصمة الإمبراطورية.
سواء كانت ساحرة، أو من محدقي النجوم، أو الكارثة العظمى، مهما يكن من يقف في طريقه، فلا شأن له به.
وفي وسط حديثٍ بين أراكيّا وسيسيلوس، المهزومة والمنتصر على التوالي، جرى الحديث في ساحة شاسعة تحوّلت إلى أرضٍ متفحمة، حيث شقّ الأخير الغيوم بسيفه، مستخدمًا تقنية زعم أنها لا تتعدى كونها استعراضًا.
توقفت عن المشي، وطرحت سؤالها على الحضور خلفها دون أن تنظر.
في الواقع، كان سيسيلوس يظن أن لا فائدة منها سوى إذهال الآخرين؛ وأراكيّا، بعد أن شهدتها بنفسها، قدّرتها كمهارة خالية تمامًا من أي نفع.
لكن، وكأن كل ذلك لا يهم، زمجر الشخص بأسنانه وتقدّم إلى الأمام.
تلك، كانت معجزة السماء الخالية التي قضى روان سيغمونت حياته يبتكرها―― لكنها، في نظر الوحوش المتجاوزة للطبيعة، لم تكن سوى عرضٍ مبهرج لا أكثر.
لأن السبب كان――
أي أنّ――،
والمعروف أن أنقى صور الحجارة السحرية تُعرف بالبلورات السحرية، وكانت تلك تحيط بجسد أراكيا من كل الجهات.
――ساقٌ طويلة انزلقت في الهواء، ومع بعض التأخير، هبّت ريحٌ قوية تبعثر الغبار.
إيريس: [――――]
حين انخفض ليتفادى تلك الساق القوية، لمح ثغرةً في الركلة الدوّارة الواسعة لخصمه، فاستلّ سيفه ووجّهه نحو خصرها النحيل في محاولةٍ لشطره―― فإذا بضربةٍ تضرب صدره.
كما صرخ سابقًا، لم يكن هناك أي مجالٍ لتدخله. ومع ذلك، فكلما تلقى “أل” ضررًا قاتلًا، كان يعيد الكرة من نقطة محددة سلفًا، فلا يتقدم العالم خطوة.
خرج الهواء من رئتيه، وحين نظر إلى أسفل بعينين متسعتين، رأى أن الذي أدمى صدره كانت عدة ذيولٍ تنبت من مؤخرة المرأة التي سددت الركلة.
إيريس: [طالما لا تزال على قيد الحياة، فعليك مغادرة العاصمة الإمبراطورية.]
روان: [――غ.]
لكن، حين رفعت يدها التي كانت تضغط على المقبض، ارتعشت شفتاها وفيهما بقي شيءٌ من الشفقة، وقالت:
كان فروها ناعمًا، إلا أن أحد ذيولها الشبيهة بذيل الثعلب وجّه له ضربة شديدة بشكل لا يُصدّق، جعلت جسده يُقذف إلى الخلف ويرتطم بالأرض.
مرة أخرى، وهو لا يزال متمسكًا بكتانه، غمد السيف، وفتح ساقيه، متخذًا وضعية القتال، والسيف عند خصره.
مرّة، مرّتان، رأى السماء والأرض تتقلّبان، وفي المرّة الثالثة، وهو يودّع السماء، غرس سيفه في الأرض ليوقف زخمه. ضرب بكعبيه الأرض، وعاضًّا على أضراسه، أعاد سيفه إلى غمده، واستعدّ لوضعية السحب――،
أل: [أحمق، توقف! ألا تفهم؟ إذا جذبت انتباهها بتهوّر…]
المرأة: [هل فهمت الآن؟]
في العاصمة الميتة لوبوغانا، حيث كانت تحرس القصر البلوري، والذي من المحتمل أن العدو الرئيسي كان يتواجد فيه، سدت إيريس الطريق―― هذه المرأة كانت، بلا أدنى شك، أقوى كائن في إمبراطورية فولاكيا.
روان: [――!?]
لقد كانت، ببساطة، قوية إلى حدٍ مفرط.
لحظة تحرّكه ليفجر سيفه، كان من المفترض أن يلمع ضوءٌ على حدّ النصل وهو يُسحب من غمده، ولكن يد المرأة أوقفت ذلك، ضاغطةً على مقبض السيف وهو لا يزال في غمده. وفي تلك اللحظة، سكت، وحين واجهته المرأة، انخفض طرفا عينيها الطويلتين كأنما تشفق عليه، وقالت:
كانت فتاة ذات شعر فضي قصير، وعيون حمراء، وبشرة بنية مكشوف منها الكثير؛ غير أن جمال ملامحها، بالرغم من جاذبيته، كان يبعث في من يراها إحساسًا فطريًّا بالخطر.
المرأة: [أنت لست جديرًا بأن تكون خصمي.]
مُحدِثًا دويًّا هائلًا، شرع سيسيلوس في تدمير المباني واحدًا تلو الآخر، وراح يركل الأعمدة والأسطح وممتلكات المنازل المتناثرة بسرعات لا تُدرك بالعين، مُوجّهًا وابلًا لا ينقطع من الهجمات نحو أراكيّا الطائرة في الهواء.
روان: [آآآآآآ――!!]
عاجزًا عن الكلام، رغم علمه أنه خارج نطاق الخطر، غطى “أل” رأسه بذراعه لا إراديًّا لحمايته؛ ومع أن رؤيته كانت محجوبة، إلا أنه كان يعلم أن تلك الضربة الواحدة وحدها كانت مرعبة للغاية، ورغم ذلك، استمر القصف بلا انقطاع.
وكأنّه أراد أن يقطع بذلك الشفقة، لم يسحب السيف المثبّت، بل سحب الغمد نفسه، واستدار نصف دورة، ثم صفع وجهها بجانب الغمد المصنوع من عظم وحشٍ سحري.
السبب في تنهدّه التلقائي، هو أنه شهد المشهد الكارثي في المكان الذي كان فيه قبل لحظات.
القوة، الزاوية، وردّة الفعل من الضربة، كلها أخبرته أنها كانت كافية لسحق جمجمة إنسان.
كانت الإضاءة من خلفه قوية لدرجة أن هينكل لم يستطع تمييز ملامح وجهه بوضوح. وكانت أذناه لا تزالان ترنان من أثر ضربة ذيل التنين، لذا لم يكن واثقًا مما إذا كان الصوت مألوفًا أم لا.
لكن――،
؟؟؟: [――سأبلغ سيف السماء.]
المرأة: [――――]
ولا أحد يمكن أن يعتبر هذه الحالة طبيعية، أو شيئًا قد ترغبه أراكيا نفسها.
الذي تحطم كان الغمد، أما المرأة―― المرأة-الثعلب التي تُدعى إيريس، فلم تُظهر أيّ علامةٍ على الألم في ملامحها.
انفجرت أشعة الضوء البيضاء المنطلقة نحو سيسيلوس على بعد عشرة أمتار أمامه، وتناثر عنها رذاذ من الحمم البركانية بفعل الارتداد، أصاب آل مباشرة، إذ لم يحاول تفاديه――،
لكن، حين رفعت يدها التي كانت تضغط على المقبض، ارتعشت شفتاها وفيهما بقي شيءٌ من الشفقة، وقالت:
مرّة، مرّتان، رأى السماء والأرض تتقلّبان، وفي المرّة الثالثة، وهو يودّع السماء، غرس سيفه في الأرض ليوقف زخمه. ضرب بكعبيه الأرض، وعاضًّا على أضراسه، أعاد سيفه إلى غمده، واستعدّ لوضعية السحب――،
إيريس: [لن أسمح لك بالموت، لكن الألم سيكون بحجمٍ كهذا.]
بينما كان روان ينهض ببطء من وضعيته الممددة على الأرض، عبست إيريس حاجبيها.
ثم ضربت جبهته براحتها، فانقلب جسمه للخلف بقوة.
وفوق ذلك، كانت هناك سهام ضوئية مضادة، لم يكن يلزم منها سوى خدشٍ طفيف لتكون قاتلة.
هذه المرّة، تمزّق وضعه الدفاعي، وترنّح عقله. شقّ طريقه عبر الجادة الطويلة، الطويلة جدًّا، أمام قصر الكريستال، متدحرجًا لعشرات الأمتار دون توقّف.
أراكيا: [――هك.]
يتدحرج، يتدحرج، يتدحرج ويقع، يقع، يقع، حتى تمدد على الأرض ممددًا ذراعيه.
ثم――،
ثم――،
إيريس: [――لأي سببٍ تقف مجددًا؟]
روان: [――آه.]
عاجزًا عن الكلام، رغم علمه أنه خارج نطاق الخطر، غطى “أل” رأسه بذراعه لا إراديًّا لحمايته؛ ومع أن رؤيته كانت محجوبة، إلا أنه كان يعلم أن تلك الضربة الواحدة وحدها كانت مرعبة للغاية، ورغم ذلك، استمر القصف بلا انقطاع.
بعد معركة قصيرة فقط، وقد تُرك شبه ميت، نظر روان سيغمونت بدهشة.
وبهذه الكلمات، تراجع سيسيلوس فورًا عن حمايته لـ”أل”، وانقض على الفتاة في السماء―― أراكيا.
لقد كانت، ببساطة، قوية إلى حدٍ مفرط.
وفي تلك الأمنية، لم يكن هناك كذب ولا زيف. لم يكن فيها مساومة أو استسلام.
شخصية قوية بشكلٍ لا يُصدّق. بالطبع، كان يعرف أنها خصمٌ شرس. ومع ذلك، كان يظن أنه، بعد بعض الكرّ والفرّ، سينتصر في النهاية.
السبب في تنهدّه التلقائي، هو أنه شهد المشهد الكارثي في المكان الذي كان فيه قبل لحظات.
فقد كان ذلك هو ما يحدث دائمًا، وكان يعتقد أنّ هذه الواقعة ستنتهي بنفس النمط، على الأرجح――.
――لقد قال سيسيلوس سيغمونت شيئًا لأراكيّا ذات مرة في الماضي.
――وهنا، تُروى تعاسة الرجل المعروف باسم روان سيغمونت.
استمرّ سيسيلوس في إسهامه في تدمير معالم العاصمة الإمبراطورية، عمدًا في حقّ المباني، وعرضًا في حقّ ما حولها. وبينما حاول آل أن يسخر من عبارته المعتادة المتفاخرة بتعليقٍ ساخر، أدرك الحقيقة.
الرجل الذي كان يسافر معه، هاينكل أسترِيا، كانت تعاسته تكمن في أنه لم يُختر قط لأيّ شيءٍ لا يُنال إلا بالاختيار.
روان: [――――]
أما روان سيغمونت، فكان رجلًا اختير مرارًا وتكرارًا لأمورٍ لا تُنال إلا بالاختيار، وذلك ما جلب له التعاسة.
△▼△▼△▼△
كان لروان سيغمونت رغبة طالما تاقت إليها نفسه. شيء ظلّ يطارده. دعاء ظلّ يتوق إليه.
أراكيا: [――――]
من أجل بلوغ “سيف السماء”، تحمّل كلّ أصناف المعاناة، وأتقن كلّ ما يلزم إتقانه؛ مهما وُصف بأنه شيطان أو وحش، كان يملك الجوع لتحقيق هدفه.
ومع ذلك، فقد اتخذت قرارها. لقد عقدت العزم. ولهذا، نفّذت الأمر بشكل لا يمكن فيه تقديم الأعذار. لا يهم من جاء أو كم عددهم، فإنها ستدفعهم جميعًا.
وفي تلك الأمنية، لم يكن هناك كذب ولا زيف. لم يكن فيها مساومة أو استسلام.
سرعته وخفة حركته كانتا فوق الوصف―― لا، بل ما يفوق الوصف حقًا هو ما فعله في اللحظة التالية، وهو يطلق لحناً خفيفًا وهو يهمهم.
لم يكذب قط بشأن السيف أو التقنية التي سعى لإتقانها، ولم يغب عن أيّ تدريب.
إيريس: [لن أسمح لك بالموت، لكن الألم سيكون بحجمٍ كهذا.]
لكن، روان سيغمونت لم يلتقِ بهم قط.
مرة أخرى، وهو لا يزال متمسكًا بكتانه، غمد السيف، وفتح ساقيه، متخذًا وضعية القتال، والسيف عند خصره.
لم يلتقِ قط بمنافسٍ جديرٍ بلقبه، ولا بعدوٍّ مرعبٍ يدفعه للتغلّب عليه، ولا بحبٍّ يحمله إلى أماكن لا يستطيع بلوغها وحده؛ لم يحدث له ذلك ببساطة.
أل: [يا هذا المتبجّح… لا.]
قطع كل من قابله، وبسبب بعض الأسباب، لم يلتقِ قط بمن لم تستطع مهارته بالسيف أن تهزمه؛ ومرّ مرارًا دون أن يصطدم بأولئك المتجاوزين في هذا العالم، وحين يأس مما لا يمكنه بلوغه، وحين تمنى الموت، أُعطي وصية، وأصبح محدق نجوم.
ردّ سيسيلوس على دهشة “أل” بمرح، وهو يؤدي فعلًا أقرب إلى السخرية من قوانين الفيزياء نفسها. ركض مباشرة إلى الأمام، واقتحم منزلًا لم يطله الدمار بعد، وفي اللحظة التالية، انهار ذلك المنزل، وانطلق عمودٌ دُفع من داخل المبنى المنهار ليحلق في الهواء كسهم.
ولو أُتيح له الحظ، لكانت مهارة روان سيغمونت في السيف جعلت العالم بأسره يرتجف.
؟؟؟: [――أنا العظيم، راح أمدّ لك يد العون يا عجوز! “ما حد يقدر يشيل حجر كوين لوحده”، مو كذا!!]
لكن، دون منافسٍ جدير، دون عدوٍ قوي، دون محبوب، بقي روان وحيدًا على الدوام.
سيسيلوس: [هيا! هيا هيا! هيا هيا هيا!!]
لم يكن الأمر أنه توصّل إلى أنّ المشاعر لا لزوم لها في درب السيف، ولا أنه خُذل خيانةً شديدة من أحد أقاربه.
أل: [――إعادة تشغيل تجربة الفكر، إعادة تعريف المجال.]
بل، لم يلتقِ قط بمن يُعلمه بمكانته، ولا بمن يدفعه ليتجاوزها.
تحدق في هيئة المبارز المغروس في الأرض، لوّحت إيريس بطرف فستانها الذي قام بالفعل، ثم أدارت ظهرها للرجل الذي واجهته.
السبب في نجاته من الهجوم الأول لإيريس من قصر الكريستال، كان أنها، لكرهها للموت، لم تكن تنوي إصابته به.
هزّ رأسه ببطء، ثم أخذ نفسًا عميقًا.
والسبب في فرار باليروي تيماجليف، غير الميت، من تقنية “شقّ الغيوم”، كان خشيته من هجوم مضادّ غير متوقّع من سيسيلوس سيغمونت؛ ولذا لم يرد أن يطاردهم كثيرًا.
لكن، وكأن كل ذلك لا يهم، زمجر الشخص بأسنانه وتقدّم إلى الأمام.
والسبب في نجاته حتى الآن، وسط كارثة غير الموتى، كان أن كلّ من واجههم كانوا من يمكن لمهاراته بالسيف التغلب عليهم.
أي أنّ――،
والسبب في أن سيسيلوس سيغمونت لم يقتله، حين حاول اغتيال الإمبراطورية، كان أن الأخير قال له بتلقائية: “قد يكون مستحيلًا يا أبي، لكن لو أصبحت قويًا جدًا، ارجع وقاتلني، لدي إحساس إنها ستكون معركة مشتعلة!”
؟؟؟: [لأجل التسهيل على القائد والبقية الدخول كنت أنوي اهجم من الجنوب واجذب انتباههم والآن لا اصدق عيناي!]
السبب في أن روان سيغمونت قد نجا من الموت حتى هذا اليوم، لم يكن سوى أن ميزان الحظ وسوء الحظ كان دومًا يميل لصالح الحظ.
السبب في تنهدّه التلقائي، هو أنه شهد المشهد الكارثي في المكان الذي كان فيه قبل لحظات.
والآن، الخصم الذي واجهه روان في العاصمة الإمبراطورية التي تحوّلت إلى عاصمة للموتى، كان أيضًا العدو الوحيد الذي لم يكن ينوي قتله.
رغم خشونة صوته، كان في نبرته شيء من المديح؛ وما إن التفت هينكل إلى مصدر الصوت، حتى رأى الشخص الذي أنقذه.
――العالم لم يمنح روان أمنيته، لكنه واصل إضاءة الطرق التي تُبقيه حيًّا.
――كان ألديباران على دراية بماهية محدقي النجوم.
روان: [――――]
؟؟؟: [――سأبلغ سيف السماء.]
إيريس: [――هل تنوي الاستمرار؟]
عاجزًا عن الكلام، رغم علمه أنه خارج نطاق الخطر، غطى “أل” رأسه بذراعه لا إراديًّا لحمايته؛ ومع أن رؤيته كانت محجوبة، إلا أنه كان يعلم أن تلك الضربة الواحدة وحدها كانت مرعبة للغاية، ورغم ذلك، استمر القصف بلا انقطاع.
بينما كان روان ينهض ببطء من وضعيته الممددة على الأرض، عبست إيريس حاجبيها.
؟؟؟: [لأجل التسهيل على القائد والبقية الدخول كنت أنوي اهجم من الجنوب واجذب انتباههم والآن لا اصدق عيناي!]
رغم أن المسافة بينهما قد اتسعت لعشرات الأمتار، إلا أن كلمات إيريس كانت مفهومة بوضوح لروان، ربما بسبب حضورها الطاغي الذي جعلها كذلك.
أراكيا: [――――]
―― لا، بل من المرجح أن هذا كان نتيجة لتغير أحدثه لقاؤه الأول بعدوٍ قوي.
من أجل بلوغ “سيف السماء”، تحمّل كلّ أصناف المعاناة، وأتقن كلّ ما يلزم إتقانه؛ مهما وُصف بأنه شيطان أو وحش، كان يملك الجوع لتحقيق هدفه.
وكأن غلافًا غير قابل للكسر كان يحيط به قد تحطم، ولعل هذا الإحساس كان السبب؛ ولذلك، فهم الأمر بوضوح تام.
السبب في تنهدّه التلقائي، هو أنه شهد المشهد الكارثي في المكان الذي كان فيه قبل لحظات.
بينما كانت إيريس تحدق فيه بثبات، المانا الهائلة التي كانت تغلف جسدها بالكامل―― لقد أدرك حجمها العظيم دون أدنى شك، كما أدرك نتيجة المواجهة المباشرة قبل لحظات.
سيسيلوس: [هيا! هيا هيا! هيا هيا هيا!!]
في العاصمة الميتة لوبوغانا، حيث كانت تحرس القصر البلوري، والذي من المحتمل أن العدو الرئيسي كان يتواجد فيه، سدت إيريس الطريق―― هذه المرأة كانت، بلا أدنى شك، أقوى كائن في إمبراطورية فولاكيا.
لكن، في الحصن الثاني، حيث الجدران الشاهقة والمباني المحيطة قد مُسِحت بالكامل، برز عائقٌ أشد من الجدران الزائلة، كالعقبة التالية.
شخصٌ لم يكن حتى سيسيلوس، أول الجنرالات التسعة الإلهيين، نِدًّا له، الكائن المطلق الذي وجد لأجل هذه الكارثة――
وسط الظلام، تابع السير معتمدًا فقط على بصيص ضوء النجوم الشاحب، وكان قد استسلم للتخلي.
روان: [كهاها، يا له من حظ، يا له من حظ عظيم! لقد كان يومًا طيبًا…!]
فقط، وبحسب ما أملاه عليه غريزة البقاء، استخدم سيفه ليحفر حفرة صغيرة في الأرض توفر له بعض العزاء. وفي اللحظة المناسبة، دسّ جسده بداخل تلك الحفرة.
وقد أدرك ذلك بفعل تجربته، كشف روان عن أنيابه وابتسم بينما كانت عقله يتردد فيه صدى أشبه بغناء ابنه بصوت عالٍ.
كان ذلك أمام عينيه، من بين المهام الواجب إنجازها في العاصمة الإمبراطورية―― وهي السيطرة على إحدى الحصون الخمسة من التحصينات النجمية الشكل، وقد أُنجزت هناك.
كان يعتقد أن السبيل الوحيد للوصول إلى “سيف السماء” هو أن يضطر لقتل ابنه عندما يصل إليه الأخير في نهاية المطاف. ولكن، إن كان هناك من يفوق حتى سيسيلوس، كما رأى الآن، فستكون القصة أسرع.
إيريس: [خطيئة، أهي كذلك؟ كيف لي أن أقول شيئًا كهذا…]
لن يكون ذلك في المستقبل، بل الآن.
كانت الإضاءة من خلفه قوية لدرجة أن هينكل لم يستطع تمييز ملامح وجهه بوضوح. وكانت أذناه لا تزالان ترنان من أثر ضربة ذيل التنين، لذا لم يكن واثقًا مما إذا كان الصوت مألوفًا أم لا.
في هذه اللحظة، روان سيغمونت سيبلغ قمة السيف، ويغتنم لقب “سيف السماء”.
آل: [في هذه الحالة، لا بأس بهذا.]
ومن أجل ذلك――
قال ذلك وهو يأخذ نفسًا عميقًا، متمتمًا بتعليقٍ سخيف لا طائل منه.
روان: [――المبارز، روان سيغمونت.]
وقد أدرك ذلك بفعل تجربته، كشف روان عن أنيابه وابتسم بينما كانت عقله يتردد فيه صدى أشبه بغناء ابنه بصوت عالٍ.
مرة أخرى، وهو لا يزال متمسكًا بكتانه، غمد السيف، وفتح ساقيه، متخذًا وضعية القتال، والسيف عند خصره.
△▼△▼△▼△
بعيدًا في مدى بصره كانت إيريس واقفة، والمسافة التي اتسعت بينهما لم تكن دلالة على نفاد حظه―― بل كانت نتيجة لأيام الدم والعرق التي قضاها في سبيل بلوغ القمة.
فقط، وبحسب ما أملاه عليه غريزة البقاء، استخدم سيفه ليحفر حفرة صغيرة في الأرض توفر له بعض العزاء. وفي اللحظة المناسبة، دسّ جسده بداخل تلك الحفرة.
والآن، سيتلقى مكافأته التي يستحقها من عنق إيريس النحيل.
سواء كانت ساحرة، أو من محدقي النجوم، أو الكارثة العظمى، مهما يكن من يقف في طريقه، فلا شأن له به.
روان: [――قاطع الغيوم.]
رمح النور المنفلت اخترق الحمم، وبعد نبضةٍ واحدة، كل ما كان ضمن دائرة قطرها عدة أمتار قد انضغط فجأة، ثم انفجر على الفور. وامتدّت الحمم المنهارة والقوة التدميرية التي سبّبت ذلك الانفجار إلى المنطقة المحيطة، منتشرةً في محيطٍ يكاد يعادل عشرة أضعاف مساحة الانفجار الأصلي.
بسحب النصل من غمده، أطلق بريق السيف؛ إيريس، التي كانت واقفة بلا حراك، واجهته وجهًا لوجه.
△▼△▼△▼△
قطع البريق الهواء أمامه، وقطع أوراق الأشجار التي تعترض طريقه، وتلاشت أصوات الريح والصوت؛ لقد كان هذا أقوى ما وصل إليه سيف روان في حياته بأسرها.
وعند سماعه لذلك، لم يلتفت سيسيلوس، لكنه هز كتفيه بطريقة أوحت بضحكة مكتومة.
والمرأة ذات الفستان الجميل، إيريس، كان من المفترض أن يُفصل رأسها――
ولو أُتيح له الحظ، لكانت مهارة روان سيغمونت في السيف جعلت العالم بأسره يرتجف.
إيريس: [――إلى هذا الحد يكفي.]
كما صرخ سابقًا، لم يكن هناك أي مجالٍ لتدخله. ومع ذلك، فكلما تلقى “أل” ضررًا قاتلًا، كان يعيد الكرة من نقطة محددة سلفًا، فلا يتقدم العالم خطوة.
بمجرد إمالة رأسها، تفادت أفضل ضربة في حياة روان، وبهمس كالتنهيدة، تمتمت بتلك الكلمات، ثم ثبتت قدميها على الأرض، وتقدّمت إلى الأمام.
فلو بكى طفلٌ فاغر الفم، تنهمر دموعه وهو يضرب أحدًا بلا توقف، حتى لو كانت عيناه مغمضتين، وأذناه مسدودتين، وجسده مغطى، فسيُفهم أنه يبكي بلا شك.
الكائن الأسمى للكارثة الكبرى، لم يمنح روان حتى الوقت ليضرب بسيفه مرة ثانية.
كان لروان سيغمونت رغبة طالما تاقت إليها نفسه. شيء ظلّ يطارده. دعاء ظلّ يتوق إليه.
△▼△▼△▼△
――كما قال سيسيلوس، في الوقت الراهن، لم تكن أراكيّا تملك أدنى قدرة على توجيه انتباهها إلى أي مكان آخر.
مع اصطدام عنيف اجتاحه من الأعلى مباشرة، لم يكن أمام روان سوى أن يُدفن عميقًا في الأرض.
وبدقة، فإن الحصن الثاني قد مُحي من الوجود، وقد أُصيب “أل” مرارًا في خضم ذلك الفناء، دون أن يتمكن حتى من إدراك الضرر الذي لحق به، إلى أن أدرك أخيرًا الوضع والطريقة التي تتيح له التحرك قدمًا.
إيريس: [――――]
إيريس: [إن لم تكن قادرًا على الاستسلام حتى الآن――]
تحدق في هيئة المبارز المغروس في الأرض، لوّحت إيريس بطرف فستانها الذي قام بالفعل، ثم أدارت ظهرها للرجل الذي واجهته.
أي أنّ――،
على الأرجح، لم يتبقَّ في خصمها أي قوة للقتال. لن يشكل تهديدًا حتى إن أدارت ظهرها له.
فقط، وبحسب ما أملاه عليه غريزة البقاء، استخدم سيفه ليحفر حفرة صغيرة في الأرض توفر له بعض العزاء. وفي اللحظة المناسبة، دسّ جسده بداخل تلك الحفرة.
ومن المؤسف قوله، حتى وإن كان لا يزال لديه بعض القوة، وحتى إن حاول تنفيذ هجوم مباغت، فلن يصل إلى إيريس.
وكان يمكن أن يكون الوضع مختلفًا لو استطاع سيسيلوس أن يحمل “أل” ويهرب به من منطقة الخطر، كما حدث مع ذلك القناص، لكن――،
إيريس: [طالما لا تزال على قيد الحياة، فعليك مغادرة العاصمة الإمبراطورية.]
إيريس: [لن أسمح لك بالموت، لكن الألم سيكون بحجمٍ كهذا.]
هذه الكلمات تُقال للضعفاء في البداية؛ أما أن تُقال في نهاية نزال حتى الموت، فإنها تكون موجهة للأقوياء.
لم يكن الأمر أنه توصّل إلى أنّ المشاعر لا لزوم لها في درب السيف، ولا أنه خُذل خيانةً شديدة من أحد أقاربه.
وبوصفه خصمًا يستحق سماع هذه الكلمات، كان روان شخصًا مزعجًا للغاية. ――لم يكن ضعيفًا. لكنه أيضًا لم يكن قويًا. وإن وُجب وصفه، لكان قمة البشر العاديين.
توقفت عن المشي، وطرحت سؤالها على الحضور خلفها دون أن تنظر.
ولهذا، وبالنظر إلى الواقع الذي يسود العاصمة الإمبراطورية حاليًا، فإن وجوده يمكن اعتباره خطيئة.
عيناها الحمراوان لم تعكسا أي صورة واضحة لأي شيءٍ في العالم. ومع انهمار الدموع من عينها اليسرى المعتمة، خرج من شفتيها لهاثٌ مؤلم أشبه بنداء استغاثة.
إيريس: [خطيئة، أهي كذلك؟ كيف لي أن أقول شيئًا كهذا…]
إيريس: [――――]
وضعت يدها على صدرها، وتفوهت بتلك الكلمات كأنما تلعن نفسها.
لذا――،
ومع ذلك، فقد اتخذت قرارها. لقد عقدت العزم. ولهذا، نفّذت الأمر بشكل لا يمكن فيه تقديم الأعذار. لا يهم من جاء أو كم عددهم، فإنها ستدفعهم جميعًا.
مع اصطدام عنيف اجتاحه من الأعلى مباشرة، لم يكن أمام روان سوى أن يُدفن عميقًا في الأرض.
طالما كانت تفعل ذلك، فإن قصة إيريس ويوغارد سوف――
لذا――،
إيريس: [――لأي سببٍ تقف مجددًا؟]
وهذا تمامًا ما كانت تفعله أراكيا الآن.
توقفت عن المشي، وطرحت سؤالها على الحضور خلفها دون أن تنظر.
لقد امتصّت أراكيّا شيئًا يفوق خيال آل، وبالكاد كانت تحتمله وهو يفيض من داخلها، ولم تكن سوى تردّ بهجماتٍ عكسية غريزية ضد أي تهديدٍ قد يعرقلها.
إلى المبارز الذي كان يجب أن يفقد وعيه بسبب الضربة قبل قليل، إلى وجود روان الذي وقف مجددًا. كانت تعتقد أنها جردته من وعيه، لكنها الآن تندم على سذاجتها المفرطة. ومع ذلك، لو استخدمت قوةً أكبر، لكان جمجمته قد تهشمت على الأرجح. ذلك لأنها لم تكن تنوي أن تسلبه حياته.
――عندما اجتاح نَفَس التنين المدينة الإمبراطورية في طريقه نحوه، لم يكن هناك الكثير مما يمكن لهينكل فعله.
هل كانت ساذجة للغاية في اعتقادها أن الفرق في القوة بينهما قد وصلته بالفعل؟ كانت هناك حالات لا يتراجع فيها الخصم رغم الفرق في القوة، فربما كانت هذه إحدى تلك الحالات.
――كما قال سيسيلوس، في الوقت الراهن، لم تكن أراكيّا تملك أدنى قدرة على توجيه انتباهها إلى أي مكان آخر.
إيريس: [هناك أوقاتٌ لا ينوي فيها خصمك السماح لك بالنجاة، فتضطر للقتال وظهرك إلى الجدار. لكن، أنا…]
إيريس: [لماذا…؟]
روان: […لا أنوي فعل ذلك. وهنا تكمن المشكلة.]
△▼△▼△▼△
إيريس: [――――]
سيسيلوس: [في الوقت الحالي، تلك المرأة لا تملك وعيًا ولا عقلانية. كلّ ما لديها هو غرائز دفاعية لتجنّب القتل أو التفتّت. لو تُركت، فسوف تتجه نحو مركز المدينة بلا هدف، ولكن إن سمحنا لها بالهيجان هناك، فماذا سيحدث؟]
الرد، بصوت ضعيف أجش، كان فوق إدراك إيريس.
آل: [――التالي.]
سواء كان كبرياء محارب، أو عناد رجل، لم يكن ذلك شيئًا تستطيع إيريس فهمه.
بالطبع، لم تكن المسألة مسألة إصابة أم لا، إذ إنّ كل ما أُطلق نحوها كان يختفي في الهواء قبل أن يصل إليها.
بدأت إيريس بالتفكير. فكرت في ما كانت ترغب في حمايته، أكثر من كل شيء آخر.
روان: [آآآآآآ――!!]
ولهذا――
لكن، دون منافسٍ جدير، دون عدوٍ قوي، دون محبوب، بقي روان وحيدًا على الدوام.
إيريس: [إن لم تكن قادرًا على الاستسلام حتى الآن――]
سيسيلوس: [آسف، أل-سان، لكن حدسي يقول إن هذه لحظتي للتألق، وإنّ الاعتناء بك سيُفسد حالتي.]
فحتى تُكسر روحه، ستستمر، حتى وإن سمعت صوت تشقق قلبها هي نفسها.
المرأة: [أنت لست جديرًا بأن تكون خصمي.]
وبالفعل، حدث ذلك في اللحظة التي كانت إيريس على وشك مواجهة عزيمة روان.
△▼△▼△▼△
إيريس: […هـه؟]
آل: [في هذه الحالة، لا بأس بهذا.]
التفتت، واتسعت عيناها في ذهول.
رغم أن المسافة بينهما قد اتسعت لعشرات الأمتار، إلا أن كلمات إيريس كانت مفهومة بوضوح لروان، ربما بسبب حضورها الطاغي الذي جعلها كذلك.
ليس بسبب موقف غير طبيعي كأن يكون روان قد عوّض فجأة فارق القوة بينهما، ولا بسبب ظهور شخص آخر هاجم إيريس بدلاً من روان.
حين انخفض ليتفادى تلك الساق القوية، لمح ثغرةً في الركلة الدوّارة الواسعة لخصمه، فاستلّ سيفه ووجّهه نحو خصرها النحيل في محاولةٍ لشطره―― فإذا بضربةٍ تضرب صدره.
كان الموجود هناك هو روان فقط، لكن من أذهل إيريس كان هو بلا شك.
السبب في تنهدّه التلقائي، هو أنه شهد المشهد الكارثي في المكان الذي كان فيه قبل لحظات.
――فقد قطع عنقه بيده مستخدمًا الكتانا.
――بزئير يشبه زئير الوحوش، بوصفه طليعة “فرقة إنقاذ إمبراطورية فولاكيا من الدمار”، أطلق غارفيل تينزل صرخته الحربية في بداية معركته ضد التنين السحابي.
إيريس: [ماذا…]
آل: [――التالي.]
مرّ لحظة، وفي اللحظة التالية، اندفع الدم بقوة هائلة من شرايين عنقه المقطوعة.
؟؟؟: [――سأبلغ سيف السماء.]
تلون الشارع أمامها بلون الدم المتدفق، وانساب جوهر الحياة من جسد روان سيغمونت، لتمتصه الأرض.
――اثنتان وعشرون مرة.
إيريس: [لماذا…؟]
لكن، في الحصن الثاني، حيث الجدران الشاهقة والمباني المحيطة قد مُسِحت بالكامل، برز عائقٌ أشد من الجدران الزائلة، كالعقبة التالية.
شهدت مشهدًا يتجاوز قدرتها على الفهم، وتنهدت وهي تطلق شهقة من فمها.
الكائن الأسمى للكارثة الكبرى، لم يمنح روان حتى الوقت ليضرب بسيفه مرة ثانية.
رأت روان يحدق فيها بعينين متسعتين ببريق مجنون، والدم يتفجر من عنقه. وبينما كان الدم يتصاعد من حنجرته، ويتدفق من أطراف فمه، ابتسم.
لكن، وكأن كل ذلك لا يهم، زمجر الشخص بأسنانه وتقدّم إلى الأمام.
وابتسم، ثم تكلّم.
قال ذلك بنبرة هادئة، متفاديًا شعاع الموت الذي حاول أن يخدشه، ثم كرس نفسه للسرعة الخاطفة ليُنفّذ كلامه.
روان: [حتى لو مت، فسأصـ――]
كما صرخ سابقًا، لم يكن هناك أي مجالٍ لتدخله. ومع ذلك، فكلما تلقى “أل” ضررًا قاتلًا، كان يعيد الكرة من نقطة محددة سلفًا، فلا يتقدم العالم خطوة.
وفي منتصف كلماته، دارت عيناه الزرقاوان، ومع اتساع حدقتيه، انهار أرضًا.
أل: [في معركة على هذا المستوى، لا يوجد أي مجالٍ لتدخلي!]
رغم إدراكها أن ذلك لم يكن فقدانًا للوعي، بل فقدانًا للحياة، اندفعت إيريس بسرعة، محاولة أن تمدّ يديها نحو الرجل في محاولة يائسة لإنقاذه.
لكن، روان سيغمونت لم يلتقِ بهم قط.
لكن، لم تصل يداها إلى جثة الرجل.
؟؟؟: [――أوي أوي، ليس من الجيد ان تموت بهذه السهولة يا عجوز.]
لأن السبب كان――
وهذا تمامًا ما كانت تفعله أراكيا الآن.
؟؟؟: [――سأبلغ سيف السماء.]
ولأجل ذلك، كانت الشمس ساطعة إلى حدٍ مؤلم. كأنما لا وجود للظلمة أصلًا، أحرقت استسلامه حتى أذابته.
؟؟؟: [――سأبلغ سيف السماء.]
في العاصمة الميتة لوبوغانا، حيث كانت تحرس القصر البلوري، والذي من المحتمل أن العدو الرئيسي كان يتواجد فيه، سدت إيريس الطريق―― هذه المرأة كانت، بلا أدنى شك، أقوى كائن في إمبراطورية فولاكيا.
في اللحظة التالية، انقضّ عدد من روان سيغمونت، وقد عادوا كأموات أحياء، من كل الجهات في وقت واحد، متجهين نحو إيريس وهي تركض.
مُحدِثًا دويًّا هائلًا، شرع سيسيلوس في تدمير المباني واحدًا تلو الآخر، وراح يركل الأعمدة والأسطح وممتلكات المنازل المتناثرة بسرعات لا تُدرك بالعين، مُوجّهًا وابلًا لا ينقطع من الهجمات نحو أراكيّا الطائرة في الهواء.
△▼△▼△▼△
شهدت مشهدًا يتجاوز قدرتها على الفهم، وتنهدت وهي تطلق شهقة من فمها.
――عندما اجتاح نَفَس التنين المدينة الإمبراطورية في طريقه نحوه، لم يكن هناك الكثير مما يمكن لهينكل فعله.
بينما كانت إيريس تحدق فيه بثبات، المانا الهائلة التي كانت تغلف جسدها بالكامل―― لقد أدرك حجمها العظيم دون أدنى شك، كما أدرك نتيجة المواجهة المباشرة قبل لحظات.
فقط، وبحسب ما أملاه عليه غريزة البقاء، استخدم سيفه ليحفر حفرة صغيرة في الأرض توفر له بعض العزاء. وفي اللحظة المناسبة، دسّ جسده بداخل تلك الحفرة.
مرة أخرى، وهو لا يزال متمسكًا بكتانه، غمد السيف، وفتح ساقيه، متخذًا وضعية القتال، والسيف عند خصره.
لكن، في نهاية المطاف، لم تكن تلك الحفرة سوى عزاء. فمع اندفاع نَفَس التنين وحفره للأرض في طريقه، لن تكون تلك الحفرة سوى عزاء رمزي.
لحظة تحرّكه ليفجر سيفه، كان من المفترض أن يلمع ضوءٌ على حدّ النصل وهو يُسحب من غمده، ولكن يد المرأة أوقفت ذلك، ضاغطةً على مقبض السيف وهو لا يزال في غمده. وفي تلك اللحظة، سكت، وحين واجهته المرأة، انخفض طرفا عينيها الطويلتين كأنما تشفق عليه، وقالت:
وهكذا، فإن حياة الوريث الحالي لسلالة “سيف القديس”، العائلة التي لطالما حمت مملكة التنين على مدى سنواتٍ طويلة، حياة الرجل المسمى هينكل أسترِيا، كانت ستُمحى، بسخرية، بواسطة نَفَس تنين، دون أن يبقى لها أثر――
كانت علاقته بذلك الشخص معقدة.
؟؟؟: [――أوي أوي، ليس من الجيد ان تموت بهذه السهولة يا عجوز.]
ليس بسبب موقف غير طبيعي كأن يكون روان قد عوّض فجأة فارق القوة بينهما، ولا بسبب ظهور شخص آخر هاجم إيريس بدلاً من روان.
وقد سُحب من عنق قميصه، أُخرج هينكل من الحفرة التي حفرها قسرًا. رُفع جسده بعنف؛ وبعد لحظة فقط، شمّ رائحة الاحتراق الناجمة عن نَفَس التنين الذي أحرق العالم.
المرأة: [هل فهمت الآن؟]
هينكل: [أواه، آآآآآآاه!!]
واحدة، اثنتان، ثلاث، أربع طلقات انطلقت تباعًا، كل واحدةٍ منها تعيد تشكيل وجه العاصمة الإمبراطورية.
دارت رؤيته، وانساب الدم من جبهته المكسورة، وتدفقت عصارات معدته من أطراف فمه؛ تبعثرت محتويات جسده دون عائق، وبعد أن اختبر شعور الطفو، سقط أرضًا.
ثم――،
وكان في حالة لا تسمح له باتخاذ وضعية دفاعية أو حتى وقوف ملائم، فمدّ ساقيه، ووضع ذراعيه على الأرض لينهض، ثم نظر حوله.
كانت أراكيا تتلوى في الجو، وحالتها شديدة الغرابة.
هينكل: [――أوغ.]
△▼△▼△▼△
السبب في تنهدّه التلقائي، هو أنه شهد المشهد الكارثي في المكان الذي كان فيه قبل لحظات.
أل: [――لا، لم تكن غيومًا أو ثلجًا، بل نار، لذا أعتقد أنه “احمرار” بدلًا من “ابيضاض”. أو يمكننا أن نسميه “توهج قرمزي”، لأن ذلك يبدو أكثر أناقة.]
قد مسّه نَفَس التنين، فبدأ بخار أبيض يتصاعد من الأرض التي أُزيلت بالكامل. ولو تأخر في الهروب، لأصبح هو أيضًا جزءًا من ذلك البخار الأبيض.
؟؟؟: [كنت متأكد إنك راح تهرب، بس عندك جرأة، مو كذا يا عجوز؟]
؟؟؟: [لأجل التسهيل على القائد والبقية الدخول كنت أنوي اهجم من الجنوب واجذب انتباههم والآن لا اصدق عيناي!]
المرأة: [أنت لست جديرًا بأن تكون خصمي.]
هينكل: [هاه…؟]
سيسيلوس: [آسف، أل-سان، لكن حدسي يقول إن هذه لحظتي للتألق، وإنّ الاعتناء بك سيُفسد حالتي.]
؟؟؟: [كنت متأكد إنك راح تهرب، بس عندك جرأة، مو كذا يا عجوز؟]
شخصية قوية بشكلٍ لا يُصدّق. بالطبع، كان يعرف أنها خصمٌ شرس. ومع ذلك، كان يظن أنه، بعد بعض الكرّ والفرّ، سينتصر في النهاية.
رغم خشونة صوته، كان في نبرته شيء من المديح؛ وما إن التفت هينكل إلى مصدر الصوت، حتى رأى الشخص الذي أنقذه.
――وهنا، تُروى تعاسة الرجل المعروف باسم روان سيغمونت.
كانت الإضاءة من خلفه قوية لدرجة أن هينكل لم يستطع تمييز ملامح وجهه بوضوح. وكانت أذناه لا تزالان ترنان من أثر ضربة ذيل التنين، لذا لم يكن واثقًا مما إذا كان الصوت مألوفًا أم لا.
حدث ذلك خلال معركة حتى الموت بين الأول والثاني، والتي كانت تُعد أمرًا معتادًا في العاصمة الإمبراطورية.
لكن، وكأن كل ذلك لا يهم، زمجر الشخص بأسنانه وتقدّم إلى الأمام.
المرأة: [أنت لست جديرًا بأن تكون خصمي.]
خلف هينكل الجاثي على الأرض، اتخذ وضعية المواجهة ضد التنين السحابي العملاق، الذي كان يحدق بهما معًا.
――لقد قال سيسيلوس سيغمونت شيئًا لأراكيّا ذات مرة في الماضي.
ثم، وهو يضرب قبضتيه بقوة على صدره،
وبعد أن فهم ذلك أخيرًا، أدرك آل أيضًا ما كان سيسيلوس يحاول قوله.
؟؟؟: [――أنا العظيم، راح أمدّ لك يد العون يا عجوز! “ما حد يقدر يشيل حجر كوين لوحده”، مو كذا!!]
روان: [――――]
――بزئير يشبه زئير الوحوش، بوصفه طليعة “فرقة إنقاذ إمبراطورية فولاكيا من الدمار”، أطلق غارفيل تينزل صرخته الحربية في بداية معركته ضد التنين السحابي.
يحيط بأراكيّا وهي تشعّ نورًا قدرٌ هائل من الحرارة، حتى بدا أن جسدها والفضاء المحيط بها يتشوّه من شدّتها، فلم يكن هناك أيّ احتمال لأن يتمكّن أيّ هجومٍ نصف القلب من الاقتراب منها.
ولهذا――
