40.20
الفصل ٢٠ : كيف تستخدم الحياة
ولهذا، لا بأس في أن يكون الوحيدون الذين يخططون للاستفادة من هذه المعركة لاحقًا هم هو بنفسه، صاحب الأجندة الدفينة رغم جسده الضخم، وأولئك القذرين البالغين الذين يُمسكون بخيوط الجريمة المنظمة.
شق شعاع من الضوء عتمة الظلام الحالكة، فتسللت ومضة أمل إلى قلبه.
وذلك لأن――
النهاية الحتمية التي كانت تلوح في الأفق بدت وكأنها قابلة للمقاومة، قابلة للرفض، قابلة للهروب، وهذا ما ملأ قلبه بالأمل.
لكن، كلما تقدّما، ازداد الدخان علوًا وكثافة، وبدأت آلامه، التي لا تعرف الرحمة، تجتاح رئتيه، ومقلتيه، وكل غشاءٍ في جسده.
لكن، هذا خطأ… أنت لست بتلك القوة.
: “أنت، لا تشتت نظرك الآن!!”
كنت أظن، وكنت أعلم أنك لست قويًا—نعم، كنت أعلم حقًا.
ومع ظهور خصمٍ قادرٍ على استخدام هذا الأسلوب، أعاد ألدباران تقييم قوّة العدو التي كان قد استهان بها.
دون أن أدرك الحقيقة، استمررت في التهام الثواني التي منحتني إياها، مثل فرخ صغير يطلب الطعام، من دون أن أعي ما الذي يُضحّى به مقابل كل ثانية.
لكن ذلك لم يكن نتيجة مقاومته، بل بدا وكأنه إنذار من تلك المرأة ذات الشعر الأحمر، ناسجة الخيوط، بسبب شتائمه.
“إيميليا…؟”
وبكل قوتهما، عبرا مسار الدخان―― أي، تلك المنطقة التي ما زالت مغطاة بدون رحمة بهالةٍ من الأبخرة البيضاء.
خفق قلبك المتحمس بعنف، كما لو أن دلوًا من الماء البارد قد سُكب فوقك.
رغم التحذير الذي تلقاه قبل لحظات فقط، رفع راتشينز رأسه.
ومن وراء الحجاب الأسود كظلمة الليل، ظهرت ملامح وجهٍ لا ينبغي أن تُرى.
كانت عبثًا
رموش طويلة، وعينان بنفسجيتان جميلتين، وملامح متناسقة، وشفاه وردية شاحبة—كانت جميلة للغاية.
“أووووواه!!”
خلف ذلك الحجاب، كان الوجه الذي يُفترض أن يكون الأبغض، هو ذاته الوجه الأحبّ إلى القلب.
“…بهذه الحالة البائسة، أما زال ذراعك متجهاً نحو مائدة العشاء الليلة؟”
“――ههـ.”
ثلاثٌ وسبعون مرة.
في لحظة التردد تلك، سُلبت حريته ، بل أُسرت روحه في قفص من الهوس الأبدي.
الوغد صاحب الخوذة: “لن تذهب لأبعد من هذا.”
وسيلة الرفض في يدك، تلك القطعة البيضاء من القماش المشعة بالنور.
مهما كان الشيء الذي يضحي الأنسان بحياته لأجله، فإن ألديباران سيفسد تلك التضحية بلا استثناء.
توقفوا! صرخت بأعلى صوتي، أقوى مما فعلتُ في أي وقتٍ مضى.
“――ههـ.”
أوقفوهم! توسلتُ، أقوى مما توسلتُ من قبل.
لو لم يفعل ذلك، لأحرقت النيران الهائلة المنطقة كلها، وتكبدت مجموعة ألديباران أضرارًا كبيرة ، ولما تمكنوا من إكمال المعركة.
أوقفوا كل شيء! ترجّيتُ، أقوى من أي مرة مضت.
استؤنِف المشهد من النقطة التي انطلقت فيها تعويذة أل جوا المزيفة نحو السماء؛ وما أدركه ألديباران من خلال اختبارات متكررة من زوايا متعددة، هو أنه مهما حاول الهرب أو الاختباء،فذراع الرجل ذو وجه الخنزير، المتين والضخم، كانت دائمًا ما تعثر عليه وتسحقه في كل مرة دون خطأ.
لكن كل ذلك أتى متأخراً، كل ذلك خرج عن إرادتي، وكل ذلك كان――
كان قد اعتمد على خيوط فولاذية مشدودة بين الأشجار لتثبيت جسده، لكن قبضَة هائلة، بحجم رأسه تقريباً، باغتته بضربةٍ ساحقة.
“أنا، مهما حدث――”
روم: «――هناك أمر أرغب في التحقق منه. جميع المجموعات ، تغيير في الخطّة.»
.
كنت أظن، وكنت أعلم أنك لست قويًا—نعم، كنت أعلم حقًا.
ومع ذلك العزم وتلك النية المشتعلة في قلبك―― “أنا” قتلتك، ناتسكي سوبارو.
وبينما رأى ألديباران مشهد انفجار الكرة النارية في زاوية عينه، نادى ياي، التي ارتسمت على وجهها ملامح الصدمة من تصرف هاينكل المتهور، ثم شدّ خيطًا مختلفًا عن ذاك الذي صُنع منه القفص المخصص لإيقاف راشينز والباقين.
…….
صاحب وجه الخنزير: “أنت لا تصرخ كخنزير، أليس كذلك؟”
――عند الاصطدام، تحطم جسد ألدباران بالكامل بينما كان لا يزال معلقاً في الهواء.
ألدباران: “――هك!”
كان قد اعتمد على خيوط فولاذية مشدودة بين الأشجار لتثبيت جسده، لكن قبضَة هائلة، بحجم رأسه تقريباً، باغتته بضربةٍ ساحقة.
ومع استمراره في تفتيش راتشينز الذي كان يتلوى محاولًا الافلات من قيوده ، صاح ألديباران موجّهًا حديثه إلى ياي وهاينكل ، اللذَين بدأا في تفتيش متعلقات الرجال المشلولين بحثًا عن مرآة التواصل .
تلك المفاصل، كأنها صخرة ضخمة، كانت متصلة بذراعين سميكين كجذوع الأشجار، وامتدت تلك الذراعان من جذع قوي مكسو بعضلات كثيفة كدرعٍ مهيب.
وكأن قوى الرياح والجاذبية قد أُلغيت عنه، انطلق ألديباران فوق قمم الأشجار ممسكًا بياي بذراعٍ واحدة، ليهرب من ساحة المعركة التي اقتحمها راشينز ومجموعته.
طان الجسد مغلفاً ببذلة سوداء لا تليق بساحة المعركة، يرتديها رجلٌ ضخم ذو وجه خنزير――
كل ما خطر في باله حينها لم يكن شتم صاحب وجه الخنزير الوجه، بل على العكس――
صاحب وجه الخنزير: “أنت لا تصرخ كخنزير، أليس كذلك؟”
ألدباران: “――هك!”
قالها بنبرة منخفضة وهو يمزح بسخرية عديمة القيمة، ثم أطلق شخيراً من أنفه الخنزيري.
لقد نجح التمويه الذي جرى فيه إظهار “غوا” على أنه “أل غوا”، مما أتاح لراشينز أن يندفع نحو العدو دون أن يتلقى أضراراً كبيرة من مدفع الشجرة الساقطة.
كان طوله يقارب المترين، ووزنه لا يقل عن مئتي كيلوغرام، قفز في الهواء، وانقض على ألديباران كقذيفة مدفع، وسدد إليه ضربةً مدمّرة.
ومع أجراس الإنذار تدقّ في رأسه، استولى الذعر على هاينكل، فسحب الخيوط الفولاذية مطلقًا قذائف الأشجار الساقطة الواحدة تلو الأخرى نحو ما تبيّن لاحقًا أنه أل جوا مزيفة.
هجومٌ مباغت نُفِّذ على نحوٍ مثالي؛ لقد كان أشبه بمعجزة أنه لم يُقتل على الفور―― لا، لم تكن هذه معجزة.
ومع ذلك العزم وتلك النية المشتعلة في قلبك―― “أنا” قتلتك، ناتسكي سوبارو.
“…بهذه الحالة البائسة، أما زال ذراعك متجهاً نحو مائدة العشاء الليلة؟”
وبينما رأسه يغرق في هذا الهراء من السخرية الداخلية، أدرك ألدباران شيئًا.
بجانب ألديباران، الذي كان غارقًا في تأثير الضربة العنيفة، تمتمت ياي بوجه خالٍ من العاطفة.
وهكذا كشفت ياي عن الحيلة التي استخدمتها، لكن معناها ظل غامضًا لمن سمعها.
ما رأته في عينيها الضيقتين، كان ذراع ذو وجه الخنزير الممتد―― القبضة التي ضربن ألديباران كانت تتفتت من الأصابع للأعلى.
…….
أسلاك ياي الفولاذية، التي امتدت في الهواء من حولهم، اعترضت قبضة ذو وجه الخنزير مباشرة، وبقوة جسده الهائلة، كان قد قطّع ذراعه بنفسه على تلك الأسلاك العنيدة.
كان تجاهل أساسه المتين، واستخدامه السحر بطريقة غير صحيحة من خلال تجاوز الرتب، أول ما يُغضب إيزو.
وبالتالي، نجا ألديباران من موتٍ فوري، في حين فقد ذو وجه الخنزير ذراعه.
ومع ذلك، حين أُلقيت وسط معركة فوضوية على ساحة قتال ، كانت كخطة مثالية.
ومع ذلك――
ومع أجراس الإنذار تدقّ في رأسه، استولى الذعر على هاينكل، فسحب الخيوط الفولاذية مطلقًا قذائف الأشجار الساقطة الواحدة تلو الأخرى نحو ما تبيّن لاحقًا أنه أل جوا مزيفة.
ذو وجه الخنزير: “أجل، سأطعمها لأتباعي تعبيرًا عن امتناني. رغم أن حميتهم سيئة ومليئة بالدهون.”
“――أتيت لهزيمة القائدة وحدك، أليس كذلك؟ يا لها من خطةٍ بائسة، لكان من الأسهل عليك العدّ من أسوأ الاحتمالات صعودًا!”
ياي: “كياا~، أعشق نكات أنصاف البشر التي تسخر من بني جنسهم! بالمناسبة، أنصح بطهي اللحم الدهني على نار هادئة.”
يحمل تلك المعلومة فقط――
صاحب وجه الخنزير: “حسنًا إذن، سنطبخه في قدرٍ من دمك.”
ومع ذلك، ربما لم يكن راينهارد يُفكر كثيرًا في راتشينز، لكن بينهما قاسم مشترك: فكلاهما وُلد في عائلة نبيلة، وكلاهما كانت له خلافات مع والده . بالطبع، كان هناك فرق في ثقل الأعباء التي وُلد بها كل منهما، وكان يعلم أن راينهارد لم يفكر قط في التخلي عن ما قد تخلّى عنه راتشينز بأنانية.
كلاهما―― صاحب وجه الخنزير الذي خسر ذراعه، وياي وقد تم تجاوز سلاحها السري بالقوة الغاشمة――
――منذ البداية، كان روم-جي معارضًا بشدة لانضمام فيلت إلى الاختيار الملكي ، ومعارضًا لتورطها في أمور بهذا الحجم داخل قلب مملكة لوغونيكا .
بدوا هادئين ظاهريًا، لكن أعينهم كانت تفيض بنيةٍ قاتلة، يتبادلانها ببراعةٍ .
لو لم يفعل ذلك، لأحرقت النيران الهائلة المنطقة كلها، وتكبدت مجموعة ألديباران أضرارًا كبيرة ، ولما تمكنوا من إكمال المعركة.
كانا يتحادثان على مستوى يعلو أولئك المتحررين من عبء البشر العاديين، لكن ألديباران، الذي بقي في مكان أدنى، كان قد بلغ حدَّه .
كان تجاهل أساسه المتين، واستخدامه السحر بطريقة غير صحيحة من خلال تجاوز الرتب، أول ما يُغضب إيزو.
أسند جسده إلى شجرةٍ ضخمة، وانزلق على الخيط دون أن يسقط، لكنه، عجز عن استجماع القوة لمواصلة التماسك، هوى في سقوطٍ حر.
ألديباران: «――توسيع المنطقة ، إعادة تعريف المصفوفة.»
كان قد نجا من موتٍ فوري، لكن للأسف، اصطدم رأسه، ومن المرجح أن خوذته باتت تعج بأشياءٍ لا ينبغي لها أن تخرج إلى العلن.
لكن الأمر لم يقتصر عليه وحده؛ فقد تم شل حركة خمسين من المجرمين الذين اندفعوا معه إلى الغابة.
بالطبع، بما أنه لم يكن بإمكانه فعل شيء في تلك الحالة――
رجلٌ يمتدّ من كتفيه ذراعان عملاقتان مغلفتان يقفازات معدنية ضخمة ، تُثبّت على كلٍّ منهما عدة مرايا محادثة.
ألدباران: “ياي…”
كانت الخيوط الفولاذية قد أضعفت جسده، فانحنى راتشينز برأسه، وكأنه قد استسلم تمامًا.
نادى على ياي، بشفاه بالكاد قادرة على نطق الكلمات.
دفن ألديباران في الأرض، و بدا وكأن عموده الفقري قد كُسر، وعزيمته على القتال لم تعد تصل إلى أطرافه.
وفي اللحظة التالية، التف خيطٌ فولاذي حول عنق ألدباران وهو يسقط ، وشُدّ بقوة――
أي أن ترتيبهم النسبي في المنافسة لم يتغير، ولهذا، كانت “فيلت” بحاجة إلى إنجازٍ منفرد.
ومع انكسار مفاجئ في مجاله البصري، ودّع رأس ألدباران جسده بدموع الفناء.
“…بهذه الحالة البائسة، أما زال ذراعك متجهاً نحو مائدة العشاء الليلة؟”
ولتجنّب الهزيمة غير المتوقعة، وحتى إن فشل ألديباران في إنهاء حياته بيده، كان قد رتب أن تؤدي ياي دور صمّام الأمان لتفعيل قدرته.
وكان هناك، كما أراد ألدباران تمامًا――
ألدباران: “――――”
وهي تصفق بكفيها، أثنت ياي على ما فعله، بينما تنظر إلى جسد راشينز المرتخي.
وفي اللحظة ذاتها التي تأكد فيها من فاعلية هذه الوسيلة، رأى العالم يدور من حوله، وركّز ذهنه على “التالي”.
وفوق ذلك، وبينما كان راتشينز العاجز ينظر إلى خصمه بنظرات حاقدة من عينيه الشيهـاكو، انقض “لديباران عليه، وبدأ يفتش في ملابسه وجيوبه.
ثم――
فكان هشًا، لا يحمي أكثر مما تحميه بطانية أمام الحجارة المتساقطة .
ألدباران: “التالي…”
ومع أجراس الإنذار تدقّ في رأسه، استولى الذعر على هاينكل، فسحب الخيوط الفولاذية مطلقًا قذائف الأشجار الساقطة الواحدة تلو الأخرى نحو ما تبيّن لاحقًا أنه أل جوا مزيفة.
……
……..
“――أل جوا!!”
ورغم أنه لم يشعر حتى الآن بأي ضعف ، إلا أنه، حتى بكونه عملاقًا، فلن يكون غريبًا أن يطرق الموت بابه في أي لحظة مقبلة.
انطلقت تعويذة انطلقت كصراخ غضب، تلتها انتفاخ أحمر كأنه شمس ثانية――
قيل له إن هذا الرجل هو والد راينهارد. وبالفعل، فإن الشعر الأحمر، والعينين الزرقاوين، وسيف الفارس الفاخر إلى حد مبالغ فيه، كلها كانت سمات تذكّره كثيرًا بعائلة أستريا.
أو بالأحرى كرة نارية من ورق ، توهم بأنها كذلك، وكان انتشار ألسنتها ضعيف كشبكات الورق المستخدمة في صيد السمك الذهبي.
انطلقت تعويذة انطلقت كصراخ غضب، تلتها انتفاخ أحمر كأنه شمس ثانية――
وعند التدقيق ، اتضح أنها تفتقر إلى التحكم، ولو انتظروا فقط ثلاث ثوانٍ قصيرة، لتبددت واختفت، إذ كانت رداءة هذا الوهم واضحًا ――
ومع انكسار مفاجئ في مجاله البصري، ودّع رأس ألدباران جسده بدموع الفناء.
ومع ذلك، حين أُلقيت وسط معركة فوضوية على ساحة قتال ، كانت كخطة مثالية.
لكنه لم يكن يدري إن كان يجدر به اعتبار ذلك دلالةً على أنه نجا من مأزق، أو إن كانت بداية تهديد جديد.
ألدباران: “أيها العجوز! هذه خدعة――”
راشينز: “هاه؟”
هاينكل: “أووووواه!!”
عند تلعثم ألديباران المذهول، أخرج راشينز لسانه الطويل وأطلق عليه إهانة.
ونتيجة لذلك، وبما أنه قد عاد لتوّه، لم يكن نداء ألديباران لضبط النفس في الوقت المناسب.
كان قد أُلقي عليه تعويذة أل غوا مزيفة سابقًا، ومن شدة غضبه لأنه خُدع بشكلها، صرخ هاينكل بوجه مليء بالغضب، وهو يضرب بسيفه الفارس الفاخر على كرة النار.
ومع أجراس الإنذار تدقّ في رأسه، استولى الذعر على هاينكل، فسحب الخيوط الفولاذية مطلقًا قذائف الأشجار الساقطة الواحدة تلو الأخرى نحو ما تبيّن لاحقًا أنه أل جوا مزيفة.
بمعنى آخر――
وبما أنه لم يستطع إيقافه، ظلّ المصير على حاله―― فتمتم في داخله بغضب .
ولتفادي ذلك――
لا بسبب هاينكل الذي عجز عن الإصغاء، ولا بسبب راشينز الذي حاول تغطية جهله بالشجاعة؛ بل غضب من نفسه لأنه أخطأ التقدير.
أما أولئك الذين يتوقفون عن التفكير عند مواجهة هذه الكيانات، ويصفونه بالمستحيل ، فكان مصيرهم دوماً واحداً.
ومع الانفجار، رغم رداءته التي خالفت مظهره الناري، أدرك الاثنان، إلى جانب ألديباران الغشاش، حقيقة الخدعة التي نفذها العدو.
ولتفادي ذلك――
ورغم أسفه، كان الأوان قد فات، ومع عجزه عن كبح اندفاع الأعداء، لجأ ألدباران إلى قوة ياي، ليعترض هجومهم مجددًا بقفص من الأسلاك الفولاذية كما في المرة السابقة.
الفصل ٢٠ : كيف تستخدم الحياة
لكنه، ولئلا ينتهي الأمر كما حدث في السابق ، لم يهرب إلى أعلى الأشجار، بل قفز متعمدًا إلى الوراء، واتخذ موقعًا بجانب هاينكل.
“يؤلم… يؤلم… مؤلم، مؤلم، مؤلم، مؤلم، مؤلم، مؤلم… لكنه، ما أردت رؤيته، قد رأيته.”
لذا، كان من المفترض أن تكون هذه المرة مختلفة――
Hijazi
“――يالغبائك، كخنزير لا يفقه شيئًا.”
كنت أظن، وكنت أعلم أنك لست قويًا—نعم، كنت أعلم حقًا.
كان مستعدًا للضربة، لكنها جاءت من الأعلى مباشرة، مصحوبةً بسخرية داكنة قاسية.
وذلك لأن――
ضُرب مباشرة على رأسه بضربة عنيفة، فغاص رأس ألديباران في تراب أرض الغابة.
بالطبع، بما أنه لم يكن بإمكانه فعل شيء في تلك الحالة――
لقد غيّر موقعه، وتحلّى بالحذر، ومع ذلك، غُمرت محاولاته بهجومٍ نازل من الأعلى.
ولو حاول هو تنفيذ أمر مشابه بنفسه، فإن مجرد التفكير في إعادة تخيّل التركيب الهندسي المعقّد لقفص الخيوط المنصوب في الغابة كان كفيلاً بجعله يستسلم .
هاينكل: “ماذا، آآه!؟ من أين… غوهاخ!”
بعدما أنهى أمر راشينز، سمع صوت هاينكل، لكنه كان منهكاً ذهنياً أكثر مما توقع، بدرجة تتجاوز مجرد توسيع منطقته ، فلم يعد قادراً على منح هاينكل اهتمامه في تلك اللحظة.
“لا تبكِ مثل خنزير، سينتهي بك المطاف معروضًا في محل الجزارة.”
وفي اللحظة التالية، التف خيطٌ فولاذي حول عنق ألدباران وهو يسقط ، وشُدّ بقوة――
منقضًا بقوة صاروخ، وجسده مليء بالجراح من الأسلاك الفولاذية، هجم الرجل ذو وجه الخنزير وهو يلوّح بذراعه، وسدد ضربة إلى هاينكل العاجز، ليقذفه نحو شجرة ضخمة خلفه.
بجانب ألديباران، الذي كان غارقًا في تأثير الضربة العنيفة، تمتمت ياي بوجه خالٍ من العاطفة.
دفن ألديباران في الأرض، و بدا وكأن عموده الفقري قد كُسر، وعزيمته على القتال لم تعد تصل إلى أطرافه.
أن يُعذّب المرء نفسيًا من أجل خلاف مع أبٍ لا يستحق الاحترام أصلًا… كان راينهارد أحمقًا.
سمع صوت ياي تقفز إلى الأرض وتبدأ بقتال صاحب وجه الخنزير، لكنه لم يستطع حتى رفع رأسه لرؤية ما يحدث.
قال ذاك الوغد ذو الخوذة وهو يفتش جيب صدر أحد المجرمين ―― الرجل الذي تم اختياره لحمل مرآة التواصل ، وانتزع المرآة، ثم رماها على الأرض، وداسها بسهولة حتى تحطّمت تحت قدمه.
وعندها فقط، ظهر في ذهنه شك بحاجة إلى تحقق―― سواء كان في السماء أو على الأرض، كان صاحب وجه الخنزير دائمًا يسارع إلى ضرب ألديباران.
كنت أظن، وكنت أعلم أنك لست قويًا—نعم، كنت أعلم حقًا.
يحمل تلك المعلومة فقط――
وعندها فقط، ظهر في ذهنه شك بحاجة إلى تحقق―― سواء كان في السماء أو على الأرض، كان صاحب وجه الخنزير دائمًا يسارع إلى ضرب ألديباران.
ألدباران: “――التالي.”
«يا لك من خنزيرٍ غبي .»
وقبل أن يتمكن من تخمين موقع ياي في الجو، ابتلع ألديباران سُمّه بنفسه.
وفي اللحظة ذاتها التي تأكد فيها من فاعلية هذه الوسيلة، رأى العالم يدور من حوله، وركّز ذهنه على “التالي”.
التهمته حرارةٌ شرسة خانقة من حنجرته وأحشائه، حتى لم يتبقَ منه شيء――
ياي: «――――»
…..
شق شعاع من الضوء عتمة الظلام الحالكة، فتسللت ومضة أمل إلى قلبه.
“――أل جوا!!”
بل، وبالنظر إلى دهاء الخصم، فإن افتراض موت راشينز كان أكثر واقعية.
“أووووواه!!”
أن هذه المعركة، سواءً بالنسبة لهم أو للرجل ذي الخوذة، كانت سباقاً مع الزمن.
خوفًا من الشمس المزيفة ، انطلقت مقاومة يائسة على هيئة أشجار ضخمة؛ وبينما كان المشهد في زاوية عينه، تفحّص ألديباران محيطه بسرعة، باحثًا عن ملاذٍ جديد لا يكون في السماء ولا على الأرض.
تحت هجوم خصمٍ قد أتقن أسلوب التدفق دون شك، صرخ ألدباران من شدة الألم.
التحقّق كان ضروريًا―― حتى لا يضيع آخر بصيص من أفضل مسارٍ متاح.
وإن كان المقابل لذلك هو بلوغ قمة المملكة، فإنه سيقوم بتتويج فيلت بنفسه.
…….
سمع روم-جي صوت ملك الخنازير ، دولتيرو أمول، من خلال إحدى مرايا المحادثة المثبّتة على قفازاته ، فأدرك أن ذلك الوغد ذو الخوذة قد التقى بتشكيل المعركة الثاني.
ثلاثٌ وسبعون مرة.
كانا يتحادثان على مستوى يعلو أولئك المتحررين من عبء البشر العاديين، لكن ألديباران، الذي بقي في مكان أدنى، كان قد بلغ حدَّه .
استؤنِف المشهد من النقطة التي انطلقت فيها تعويذة أل جوا المزيفة نحو السماء؛ وما أدركه ألديباران من خلال اختبارات متكررة من زوايا متعددة، هو أنه مهما حاول الهرب أو الاختباء،فذراع الرجل ذو وجه الخنزير، المتين والضخم، كانت دائمًا ما تعثر عليه وتسحقه في كل مرة دون خطأ.
روم: “رغم أن فرصي قد تضاءلت كثيرًا مقارنةً بالماضي… لا تزال الكوابيس تلاحقني حتى هذا اليوم.”
بمعنى آخر――
عض على أسنانه حتى تصدّعت، ومع تصاعد الإحساس بالعذاب مع تغلغل الدخان إلى رئتيه، فتح حزمة السم بلسانه بحركةٍ اعتاد عليها جيدًا.
ألدباران: “مكاني يُكشَف بدقة.”
وعند رؤيته لذلك، اتضحت الصورة أخيرًا―― كل هذه المصائد كانت من تدبير ذلك العجوز العملاق.
سواء كان بجانب ياي، أو إلى جوار هاينكل ، على الأرض، أو في الهواء، أو تحت ظلّ الأشجار، أو حتى خارج ساحة المعركة، لم يكن في وسع ألدباران الإفلات من قبضة صاحب وجه الخنزير.
ومع ذلك، حين أُلقيت وسط معركة فوضوية على ساحة قتال ، كانت كخطة مثالية.
ضربة مبنية على عزمٍ يؤدي إلى فقدان الذراع كانت صعبة الصدّ، حتى مع تقنيات ياي في الأسلاك الفولاذية――
كان الدخان كثيفًا للغاية، ومن الممكن أن يسعل السمّ خارجًا من رئتيه.
وبطبيعة الحال، إن كان الهدف فقط النجاة من الضربة الأولى، لربّما أمكن تحقيق ذلك من خلال تعاون الأسلاك وسحر ألديباران.
وجه الخنزير: “――يالغبائك، كأنك خنزيرٌ لا يفهم!”
لكن، حتى إن نجا من ضربة واحدة، فلا تزال هناك ذراعٌ أخرى، وساقان إن لزم الأمر.
راشينز «غوا، بـ…»
وصاحب وجه الخنزير ذو عزيمة لا تلين، ليقتل خصمه مهما فقد من أطراف.
فكان هشًا، لا يحمي أكثر مما تحميه بطانية أمام الحجارة المتساقطة .
لا الألم ولا الخسارة كانا كفيلين بإيقاف خطواته.
لقد مضى ما يقرب من نصف قرن، وأصبحت حرب أنصاف البشر ذكرى بعيدة.
بل وحتى حين حاول ألديباران انتزاع أي معلومة شخصية منه――
غير أن التنفيذ، مهما نظرنا إليه، كان غير طبيعي بشكل فاضح.
وجه الخنزير: “――لا تبكي وتصرخ كالخنزير الصغير.”
لا بسبب هاينكل الذي عجز عن الإصغاء، ولا بسبب راشينز الذي حاول تغطية جهله بالشجاعة؛ بل غضب من نفسه لأنه أخطأ التقدير.
سُحق تمامًا بتلك الجملة المختصرة ؛ لم يُبدِ أدنى استعداد للاستماع.
لكن الحجارة لن تتوقف، ولهذا ، قبل أن يحدث هذا ، وجب أن ينفصلا .
وبحسب خبرته، كان أخطر الخصوم هم أولئك الذين حددوا هدفهم مسبقًا، وغلّفوه بعزمٍ لا يتزحزح.
ومنذ أن سمع بأن هاينكل اختار أن يدعم مرشحة منافسة، بريسيلا، بدلاً من فيلت التي يدعمها ابنه، اعتقد أنه أحمق لا يستطيع اتخاذ القرار الصحيح حتى في أبسط الأمور، ولكن تبين أنه أسوأ مما تخيل.
ضد أمثال هؤلاء، لم يكن للتجربة والخطأ معنى.
ثلاثٌ وسبعون مرة.
فمن قرر أن يقتلك مهما كلفه الثمن، لن يتوقف، مهما قدمت له بالمقابل.
في الماضي، كان فالغا كرومويل الغبي غير كافٍ―― غير أن الزمن عوّض عن غبائه، وعلى الرغم من أن حماقته لم تتغير، فإن روم-جي سيسخّر ذكاءه.
ومن ثمّ، لتغيير الظروف بشكل حاسم، احتاج ألديباران إلى دافعٍ يُحدث تغيير كبير.
وسيلة الرفض في يدك، تلك القطعة البيضاء من القماش المشعة بالنور.
ألدباران: “بدايةً، كيف يعرف مكاني؟”
ولكن، حتى وإن تشاركا نفس المعاناة، بقي بينهما اختلاف جوهري لا يمكن تجاوزه.
لكي يتمكن من ملاحقته باستمرار وقتله بدقّة، فلا بد أنه يستخدم وسيلةً ما .
مهما كان الشيء الذي يضحي الأنسان بحياته لأجله، فإن ألديباران سيفسد تلك التضحية بلا استثناء.
ولأنهم لجأوا سابقًا إلى التنين الإلهي كتشتيت للانتباه، فمن غير الطبيعي أن تتم مطاردة فريقه وسط الغابة بهذه الحدة.
وجه الخنزير: “――لا تبكي وتصرخ كالخنزير الصغير.”
وإن لم يكشف الآن وسيلة الحصار المحكم ، فحتى لو تخلص من وجه الخنزير وأبعد مجموعة “فيلت”، فستأتي سهامٌ ثانية وثالثة، وتهدر أيامه السبعة عبثًا.
لكن الحجارة لن تتوقف، ولهذا ، قبل أن يحدث هذا ، وجب أن ينفصلا .
ولتفادي ذلك――
“――عذراً، لكنني سأحطّم هذه.”
وجه الخنزير: “――يالغبائك، كأنك خنزيرٌ لا يفهم!”
شعر بالحزن حيال عزيمة راتشينز، الذي أراد أن يفجّر نفسه في عملية انتحارية يائسة. لكن محاولة تحقيق شيء بالتضحية بالنفس كانت، في نظر ألديباران، أكثر الأفعال سخافة .
وصلت المزحة الباردة المكررة متزامنةً مع قبضته؛ وفي هذه المرة، تحطمت فقرات عنق ألدباران، رغم محاولته استخدام راشينز كدرعٍ بشري.
حدسٌ بأن موجةً عظيمة لا مفر منها ستلحق بهما في نهاية المطاف.
وملاحظة جانبية: قبل أن ينقطع تيار وعيه، لمح بعينه راشينز يعاني آلامًا مروعة وقد أصابته الضربة كذلك――
وكان معروفًا عن الشينوبي امتلاكهم لقدراتٍ خارقة، لكن ياي كانت الوحيدة من بينهم التي أتقنت تقنية الخيوط الفولاذية――
…….
――عند الاصطدام، تحطم جسد ألدباران بالكامل بينما كان لا يزال معلقاً في الهواء.
“――أل جوا!!”
روم: «――هناك أمر أرغب في التحقق منه. جميع المجموعات ، تغيير في الخطّة.»
“أووووواه!!”
غير أن التنفيذ، مهما نظرنا إليه، كان غير طبيعي بشكل فاضح.
ارتفعت التعويذة المزيفة في السماء، ومع أجراس الخطر تقرع في رأسه، تصرف هاينكل فورًا.
وبكل قوتهما، عبرا مسار الدخان―― أي، تلك المنطقة التي ما زالت مغطاة بدون رحمة بهالةٍ من الأبخرة البيضاء.
وبينما رأى ألديباران مشهد انفجار الكرة النارية في زاوية عينه، نادى ياي، التي ارتسمت على وجهها ملامح الصدمة من تصرف هاينكل المتهور، ثم شدّ خيطًا مختلفًا عن ذاك الذي صُنع منه القفص المخصص لإيقاف راشينز والباقين.
――فقد كان لسرعة ودقة نقل المعلومات القدرةُ على تغيير طبيعة الحروب.
من على منصة إطلاق جديدة من خيوط الفولاذ، وبعد أن كانت قد أطلقت العديد من جذوع الأشجار الساقطة حتى هذه اللحظة، كان ما انطلق هذه المرة هو――
راتشينز: “…غوا.”
ألديباران: “اسحب!!”
ألديباران: «لــمــاذااا!؟»
مرتبكًا، امتثل هاينكل للأمر وسحب الخيط، وقد كان ذهنه غارقًا في حالةٍ من العجز عن التفكير. وبفضل قوته الجسدية اللافتة، انطلقت الثنائي――ألديباران وياي―― يرسمان قوسًا في الهواء وهما يحلقان في السماء.
ولتجنّب الهزيمة غير المتوقعة، وحتى إن فشل ألديباران في إنهاء حياته بيده، كان قد رتب أن تؤدي ياي دور صمّام الأمان لتفعيل قدرته.
وكأن قوى الرياح والجاذبية قد أُلغيت عنه، انطلق ألديباران فوق قمم الأشجار ممسكًا بياي بذراعٍ واحدة، ليهرب من ساحة المعركة التي اقتحمها راشينز ومجموعته.
لكن، حتى إن نجا من ضربة واحدة، فلا تزال هناك ذراعٌ أخرى، وساقان إن لزم الأمر.
ولأنه تُرك وحيدًا هناك، فالأرجح أن هاينكل سيحاصر من قبلهم، لكن هذه المحاولة لم تكن سوى تضحيةٍ مخطط لها ، أراد من خلالها التحقق من أمرٍ ما.
وحين يأتي ذلك الوقت، فإن استطاع أن يكون بجوار فيلت ، فسيُسخّر جسده الضخم عديم الجدوى بكل ما أوتي من قدرة،
وخلال هذا التحقّق، غضّ الطرف عن تضحية هاينكل النبيلة.
ولكن، كان أمرًا لا يمكن تصوره . لم يكن راتشينز ليستسلم أبدًا في مواجهته لخصمه، حتى في مثل هذه الحالة.
ياي: “لا تعض لسانك، رجاءً!”
وهكذا، حتى وابتسامة تعلو وجهه، ابتلعت النيران جسد راتشينز――
وأثناء نظره إلى هاينكل، وشعوره بالذنب لتخلّيه عنه، لوحت ياي بذراعيها وهي محمولة في ذراعه.
ومع ذلك، ربما لم يكن راينهارد يُفكر كثيرًا في راتشينز، لكن بينهما قاسم مشترك: فكلاهما وُلد في عائلة نبيلة، وكلاهما كانت له خلافات مع والده . بالطبع، كان هناك فرق في ثقل الأعباء التي وُلد بها كل منهما، وكان يعلم أن راينهارد لم يفكر قط في التخلي عن ما قد تخلّى عنه راتشينز بأنانية.
كانت معصماها نحيفين، وعلى كل إصبعٍ أكثر نحافة ، ترتدي خواتم بسيطة بلا زينة، تخرج منها خيوط فولاذية بالغة الرقة، بالكاد تُرى حتى للعين المتأهبة.
لامست كرة النار طرف السيف وتفككت في الهواء، وأطلقت القوة النارية الهائلة المضغوطة في داخلها، ليندلع جحيم من النيران يلتهم المنطقة دفعةً واحدة.
وكان معروفًا عن الشينوبي امتلاكهم لقدراتٍ خارقة، لكن ياي كانت الوحيدة من بينهم التي أتقنت تقنية الخيوط الفولاذية――
ولتجنّب الهزيمة غير المتوقعة، وحتى إن فشل ألديباران في إنهاء حياته بيده، كان قد رتب أن تؤدي ياي دور صمّام الأمان لتفعيل قدرته.
ومع براعتها المتقنة في تحريكها، قامت بتثبيت الخيوط في الأشجار أمامهم أثناء تحليقهم، وسرعان ما قطعوا المسافات وهم يتأرجحون فوق الحبال كطرزان.
“راتشينز-كون، قد لا تملك موهبةً استثنائية، لكن أساسك صلب. ومع التقدّم بثبات، ستملك بلا شك القوة لتبلغ ما تصبو إليه.”
لكن――
أسند جسده إلى شجرةٍ ضخمة، وانزلق على الخيط دون أن يسقط، لكنه، عجز عن استجماع القوة لمواصلة التماسك، هوى في سقوطٍ حر.
ألدباران: “――هك!”
ياي:«…أداء رائع.»
وبكل قوتهما، عبرا مسار الدخان―― أي، تلك المنطقة التي ما زالت مغطاة بدون رحمة بهالةٍ من الأبخرة البيضاء.
فيما بعد، رُفع رأس راشينز المقيّد أمامه، وكان هناك خيط فولاذي ملتف بإحكام حول عنقه، يعصر عنقه النحيل―― بل، بدأ يحاول قطع رأسه.
شَقّ ألديباران وياي طريقهما عبر خيوط الفولاذ، عكس تيار الدخان الأبيض الذي طاردهما، محلقَين للتأكد من أمرٍ أخيرٍ بعد سلسلةٍ من محاولات التحقق.
هاينكل: “――وجدتها!”
ومع أن سرعتهما في قطع المسافة لا تُقارن بالجري على الأرض، إلا أن اللحظة الوحيدة التي أُتيح لهما فيها التنفس كانت في أقصى ارتفاعٍ ، عندما اخترقا قمم الأشجار وتجاوزوا الأغلال الدخانية.
ومع ذلك، فإن غضبه في تلك اللحظة تجاوز بعمق الجروح السطحية التي تركتها الخيوط على جسده.
لكن، كلما تقدّما، ازداد الدخان علوًا وكثافة، وبدأت آلامه، التي لا تعرف الرحمة، تجتاح رئتيه، ومقلتيه، وكل غشاءٍ في جسده.
إن ما اراده هو تهديدٌ يهزّ أركان المملكة، والشرفٌ الذي يُكتسب من القضاء عليه.
ولو تابعا التأرجح بهذه الطريقة المتهورة، فإن ياي، بما تملكه من قدرات تفوق البشر، قد تتحمّل، لكن ألدبباران، بقدراته المتواضعة، كان لينهار تحت وطأة الدخان في الحال.
لكي يتمكن من ملاحقته باستمرار وقتله بدقّة، فلا بد أنه يستخدم وسيلةً ما .
لذا، كان عليه أن يحدد وجهتهم بعناية، وإلا――
كان الدخان كثيفًا للغاية، ومن الممكن أن يسعل السمّ خارجًا من رئتيه.
ألديباران: “――الشمال الغربي.”
في الماضي، كان فالغا كرومويل الغبي غير كافٍ―― غير أن الزمن عوّض عن غبائه، وعلى الرغم من أن حماقته لم تتغير، فإن روم-جي سيسخّر ذكاءه.
قَرّب فمه من أذن ياي أثناء مدّها لخيوط الفولاذ وتأرجحهما، وأعطاها التوجيه.
ألدباران: “تبًّا.”
وجهته كانت نحو الشمال الغربي، لا ريب في ذلك―― فقد جرّب كل الاتجاهات الأخرى سابقًا.
لكن كل ذلك أتى متأخراً، كل ذلك خرج عن إرادتي، وكل ذلك كان――
وعندما عجز عن العثور على الإجابة الصحيحة حتى نهاية النهاية، كان الحظ قد خذله تمامًا، لم يعتبر نفسه محظوظًا ولو مرة في حياته.
وحين أدرك أنه قد جُرّد من حريته بواسطة خيوط دقيقة إلى حد تكاد لا تُرى، لم يستطع إخفاء دهشته.
ألديباران: “… لا، بل كانت مرة واحدة.”
راشينز «غوا، بـ…»
――كونه التقى بها، كان هو الحظ الوحيد في حياة ألديباران.
عض على أسنانه حتى تصدّعت، ومع تصاعد الإحساس بالعذاب مع تغلغل الدخان إلى رئتيه، فتح حزمة السم بلسانه بحركةٍ اعتاد عليها جيدًا.
حتى وقد فقدها الآن، لم يعتقد يومًا أن لقاءه بها كان خطأ.
ومع أن سرعتهما في قطع المسافة لا تُقارن بالجري على الأرض، إلا أن اللحظة الوحيدة التي أُتيح لهما فيها التنفس كانت في أقصى ارتفاعٍ ، عندما اخترقا قمم الأشجار وتجاوزوا الأغلال الدخانية.
ألدباران: “――هه…”
يُجهد ذهنه المُسن بأقصى ما يستطيع.
مُحتملًا مشاعر عارمة تفجّرت في صدره، شدّ على أسنانه بإحكام، وفي تلك اللحظة، تغيّر المشهد.
فعادةً ما يقاتل العمالقة في الصفوف الأمامية، حيث يمكنهم تسخير قوتهم الجسدية بشكلٍ أفضل.
بينما كانا يمزّقان الدخان الأبيض بتأرجحهما، وفور خروجهما فوق الأشجار، سقطت عليهما حجارةٌ مُقذوفة من خارج الدخان بسرعةٍ هائلة، واتجهت نحو ألديباران وياي وهما في الهواء.
وفي اللحظة ذاتها التي تأكد فيها من فاعلية هذه الوسيلة، رأى العالم يدور من حوله، وركّز ذهنه على “التالي”.
كانت حجارةً عادية، لكنها جاءت بقوة هائلة ،
راشينز: “هاه؟”
فأسرع ألديباران بإنشاء جدارٍ من التراب، وتجاوز الموجة الأولى بقوةٍ خالصة.
“أنا، مهما حدث――”
لكن الحجارة لن تتوقف، ولهذا ، قبل أن يحدث هذا ، وجب أن ينفصلا .
كان تجاهل أساسه المتين، واستخدامه السحر بطريقة غير صحيحة من خلال تجاوز الرتب، أول ما يُغضب إيزو.
ياي: “――أل-ساما!!”
ألدباران: “إذاً أنت كنت العقل المدبِّر…!”
تردد صوت “ياي” الحاد في خوذته، وبينما شعر ألدباران بطَنينٍ يخدّر طبلة أذنه، انقطع اتصاله بها في الجو، وقُذف عاليًا في السماء.
ومع رفع ذقنه، رمق راشينز ألديباران بنظرة من زاوية بدا فيها وكأنه ينظر إليه من الأعلى .
في ذروة التأرجح، دفعت ياي ألديباران إلى الأعلى بقوةٍ إضافية.
――عند الاصطدام، تحطم جسد ألدباران بالكامل بينما كان لا يزال معلقاً في الهواء.
ألدباران: “أووووووووووه――!!”
حرّكت إصبعها المرفوع من يدها اليمنى، فتكوّن خط أحمر من الدماء على عنق راشينز.
صاح بأعلى صوته وهو يشكل أمامه جدارًا من التراب،
وفي عذابات الألم العبثي الناتج عن كسر العظم الذي اخترق لحمه وجلده، كانت خوذته تحتكّ بالتراب.
يندفع ليواجه وابل الحجارة وجهًا لوجه.
“――أل جوا!!”
كان قد فقد توازنه، فلم يستطع جعل الجدار سميكًا أو ثقيلًا،
لذلك، ما تبقّى هو فقط العثور على مفتاح النصر، ولكن…
فكان هشًا، لا يحمي أكثر مما تحميه بطانية أمام الحجارة المتساقطة .
وبتقنية خيوط الفولاذ الخاصة بياي، تم تقييد اثنين وخمسين من الأعداء.
ومع ذلك، نجا ألدباران من الدخان الأبيض، وغادر الغابة من جديد.
كان هنالك فرق شاسع بين مظهره وبين الصورة المتوقعة لوظيفته، لذا لم يكن ليتخيله كذلك أبدًا.
فرّ إلى السهل حيث تلقى إعلان الحرب في البداية،
…….
وتلقى ضربة قاسية من غراسيس ، التي نجحت بذلك في انتقامها لأختها الكبرى.
ما رأته في عينيها الضيقتين، كان ذراع ذو وجه الخنزير الممتد―― القبضة التي ضربن ألديباران كانت تتفتت من الأصابع للأعلى.
وكان هناك، كما أراد ألدباران تمامًا――
توقفوا! صرخت بأعلى صوتي، أقوى مما فعلتُ في أي وقتٍ مضى.
“――أتيت لهزيمة القائدة وحدك، أليس كذلك؟ يا لها من خطةٍ بائسة، لكان من الأسهل عليك العدّ من أسوأ الاحتمالات صعودًا!”
ورغم أن شرارته الأولى قد انطفأت، أطلق راتشينز تعويذة أخرى؛ ليصرخ فيه ألديباران ويرفع قبضته عاليًا، ثم يهوي بها على جسد الرجل الذي لم يكن قادرًا على الحركة.
تحت ألدباران وهو يخرج من حصار الدخان، خاطبه العملاق الأصلع العجوز وهو يرفع رأسه نحوه….
التحقّق كان ضروريًا―― حتى لا يضيع آخر بصيص من أفضل مسارٍ متاح.
رجلٌ يمتدّ من كتفيه ذراعان عملاقتان مغلفتان يقفازات معدنية ضخمة ، تُثبّت على كلٍّ منهما عدة مرايا محادثة.
يُجهد ذهنه المُسن بأقصى ما يستطيع.
وعند رؤيته لذلك، اتضحت الصورة أخيرًا―― كل هذه المصائد كانت من تدبير ذلك العجوز العملاق.
أن هذه المعركة، سواءً بالنسبة لهم أو للرجل ذي الخوذة، كانت سباقاً مع الزمن.
ألدباران: “إذاً أنت كنت العقل المدبِّر…!”
كان قد نجا من موتٍ فوري، لكن للأسف، اصطدم رأسه، ومن المرجح أن خوذته باتت تعج بأشياءٍ لا ينبغي لها أن تخرج إلى العلن.
كان هنالك فرق شاسع بين مظهره وبين الصورة المتوقعة لوظيفته، لذا لم يكن ليتخيله كذلك أبدًا.
أسند جسده إلى شجرةٍ ضخمة، وانزلق على الخيط دون أن يسقط، لكنه، عجز عن استجماع القوة لمواصلة التماسك، هوى في سقوطٍ حر.
كان مظهر راشينز أقرب إلى مظهر المجرم ، ولو قيل لألدباران إنه المخطط العسكري، لما تفاجأ كثيرًا.
مرايا التواصل .
فعادةً ما يقاتل العمالقة في الصفوف الأمامية، حيث يمكنهم تسخير قوتهم الجسدية بشكلٍ أفضل.
وملاحظة جانبية: قبل أن ينقطع تيار وعيه، لمح بعينه راشينز يعاني آلامًا مروعة وقد أصابته الضربة كذلك――
أما أن يكون أحدهم هو العقل المدبّر؟―― حدث هذا أيضًا مع إيزو ، لكن أن يحدث الأمر نفسه مع قزم وعملاق، فهو أكثر مما يُحتمل.
――لم يتوقف راشينز عن تلاوة تعويذاته.
وبينما رأسه يغرق في هذا الهراء من السخرية الداخلية، أدرك ألدباران شيئًا.
……
ألدباران: “الآنسة الصغيرة فيلت ――”
ألديباران:«――――»
لم تكن موجودة في السهل―― وهذه بدورها كانت ضربة موجعة لألدباران.
“――أهي… خيوط؟”
بالطبع، إنهاء هذه المعركة بالقضاء على خمسمائة عدو لم يكن واقعيًا بأي حال.
الوغد ذو الخوذة: “لم تكن من المحاولة الأولى. ولا حتى من العاشرة أو العشرين. سحبي… بائسة إلى أبعد حد.”
ولذلك، كان الهدف الممكن دائمًا في ذهنه هو أسر فيلت.
ألديباران: «لــمــاذااا!؟»
وهذه الإمكانية قد تم منعها بالكامل من قبل العدو.
طان الجسد مغلفاً ببذلة سوداء لا تليق بساحة المعركة، يرتديها رجلٌ ضخم ذو وجه خنزير――
وكما هو متوقع، فإن شروط النصر الأكثر وضوحًا بالنسبة له، كانت أيضًاشروط الهزيمة الأكثر وضوحًا بالنسبة للطرف المقابل.
بعبارة أخرى――
ومع كرهه للاعتراف بذلك، فقد كان من المنطقي أن تتراجع فيلت إلى الخلف.
ألديباران:«――――»
ألدباران: “تبًّا.”
«يا لك من خنزيرٍ غبي .»
نصر ألدباران لن يتزعزع. هذه حقيقة قد حُسمت.
لكن، فرحته غمرها صوتا الآخرين، اللذان ارتفعا تقريباً في نفس الوقت مع صوته.
لذلك، ما تبقّى هو فقط العثور على مفتاح النصر، ولكن…
يبحث… يبحث… يبحث يبحث يبحث… يبحث يبحث يبحث ببحث يبحث… يبحث … آه.
: “أنت، لا تشتت نظرك الآن!!”
روم: “هذه ستكون معركة ذكاء بيني وبين ذلك الأحمق صاحب الخوذة.”
ألدباران: “――هك!”
توقفوا! صرخت بأعلى صوتي، أقوى مما فعلتُ في أي وقتٍ مضى.
في اللحظة التي حدث فيها شرط نصره داخليًا، اخترقته ضربة قادمة مباشرة من أعلى رأسه.
ما إن نطق بهذا ، حتى أدرك كم تبدو مستفزة، فنقر لسانه داخل فمه بغيظ.
كان الصوت غليظًا، لكن الكلمات لم تكن المزحة المألوفة لوجه الخنزير.
هاينكل: “ماذا، آآه!؟ من أين… غوهاخ!”
ومما رآه، بدا أن قاطع الطريق ضخم البنية―― غاستون ، هو من قفز إلى جانب ألدباران، متجاوزًا حتى الدخان الأبيض،
ولم يكن ليظن أن ذلك العجوز العملاق قد خطط حتى لهذا الحد،
وضمّ يديه ليوجه بهما ضربةً ساحقة نحو جسده.
بمعنى آخر――
ألدباران: “حقًّا… بحقّك؟”
“…بهذه الحالة البائسة، أما زال ذراعك متجهاً نحو مائدة العشاء الليلة؟”
تحت هجوم خصمٍ قد أتقن أسلوب التدفق دون شك، صرخ ألدباران من شدة الألم.
ولو حاول هو تنفيذ أمر مشابه بنفسه، فإن مجرد التفكير في إعادة تخيّل التركيب الهندسي المعقّد لقفص الخيوط المنصوب في الغابة كان كفيلاً بجعله يستسلم .
فأسلوب التدفق لا يُكتسب بالتدريب الاعتيادي، بل هو العائق الذي يفصل بين المحاربين العاديين والنخبة.
وعند التدقيق ، اتضح أنها تفتقر إلى التحكم، ولو انتظروا فقط ثلاث ثوانٍ قصيرة، لتبددت واختفت، إذ كانت رداءة هذا الوهم واضحًا ――
ومع ظهور خصمٍ قادرٍ على استخدام هذا الأسلوب، أعاد ألدباران تقييم قوّة العدو التي كان قد استهان بها.
بينما كان جسده مقيّدًا بالكامل بالخيوط، وهتزت البوابة داخله، واستدعى كرة نارية مباشرة أمام وجهه، مما أثار الذعر في وجه الوغد صاحب الخوذة ومجموعته.
وبينما يُعيد ذلك التقييم، كانت الضربة قد أطاحت به إلى الأرض.
ولو أراد، لكان بوسعه أن يأخذها بعيدًا إلى الريف المعزول قبل أن تملك حتى وعيًا بذاتها أو بالعالم من حولها.
ألدباران: “غااه، غووووه…!”
لذا، كان من الضروري تدمير مرايا التواصل الخاصة بكل مجموعة.
فشل فورًا في تجهيز جسده للارتطام، فكان سقوطه الأخرق على الأرض سببًا في كسر مرفقه الأيمن.
ومع ذلك، حين أُلقيت وسط معركة فوضوية على ساحة قتال ، كانت كخطة مثالية.
وفي عذابات الألم العبثي الناتج عن كسر العظم الذي اخترق لحمه وجلده، كانت خوذته تحتكّ بالتراب.
ألديباران: “توقف!!”
“يؤلم… يؤلم… مؤلم، مؤلم، مؤلم، مؤلم، مؤلم، مؤلم… لكنه، ما أردت رؤيته، قد رأيته.”
ومع كرهه للاعتراف بذلك، فقد كان من المنطقي أن تتراجع فيلت إلى الخلف.
ألدباران: “من الآن فصاعدًا… ستكون معركة عقول ، بيني… وبينك… ههك.”
ألديباران: “――هل هذه… مزيفة؟”
عض على أسنانه حتى تصدّعت، ومع تصاعد الإحساس بالعذاب مع تغلغل الدخان إلى رئتيه، فتح حزمة السم بلسانه بحركةٍ اعتاد عليها جيدًا.
“――ههـ.”
كان الدخان كثيفًا للغاية، ومن الممكن أن يسعل السمّ خارجًا من رئتيه.
فأسرع ألديباران بإنشاء جدارٍ من التراب، وتجاوز الموجة الأولى بقوةٍ خالصة.
ولم يكن ليظن أن ذلك العجوز العملاق قد خطط حتى لهذا الحد،
صاحب وجه الخنزير: “أنت لا تصرخ كخنزير، أليس كذلك؟”
لكن مجرد تراكم الحظ السيئ إلى هذا الحد، كان في حد ذاته مشكلة.
.
لم يكن أمامه سوى التغلب على هذا المد العكسي.
ياي: “――أل-ساما!!”
لذا، بدأ يبحث عن طريق النصر الذي كان لابد أن يكون موجودًا في مكان ما…
“――ما أبلدك… كخنزير.”
يبحث… يبحث… يبحث يبحث يبحث… يبحث يبحث يبحث ببحث يبحث… يبحث … آه.
مُعلنًا إنهاء الخطة التي تعتمد على طرد العدو بالدخان، كان فالغا كرومويل―― لا، المخطط العسكري الأعظم السابق لتحالف أنصاف البشر، والمعروف حاليًا باسم روم-جي ،
…….
كان الدخان كثيفًا للغاية، ومن الممكن أن يسعل السمّ خارجًا من رئتيه.
“――لا حاجة لإضافة المزيد من حطب الأشجار القابلة للاشتعال. أي زيادة قد تمنح العدو فرصةً لاستغلال الوضع. سيكون من المناسب أن يجدوا خطتنا غير مكتملة قليلًا.”
وفي اللحظة ذاتها التي تأكد فيها من فاعلية هذه الوسيلة، رأى العالم يدور من حوله، وركّز ذهنه على “التالي”.
مُعلنًا إنهاء الخطة التي تعتمد على طرد العدو بالدخان، كان فالغا كرومويل―― لا، المخطط العسكري الأعظم السابق لتحالف أنصاف البشر، والمعروف حاليًا باسم روم-جي ،
لكن، كان الاحتمال قائمًا بشدة أن لا يكون قادرًا على ذلك. فقد تقدّم به العمر.
يُجهد ذهنه المُسن بأقصى ما يستطيع.
ومع ذلك، رغم تلقيه سلسلة من اللكمات، لم تتوقف إشارات السحر الجديد، التي تحاول التدخل في العالم، عن الظهور حول راشينز.
فبعد أن أتمّ إحكام الحصار حول فارس بريسيلا بارييل الراحلة، المشهور بلقب ذلك الوغد ذو الخوذة، لم يتبقَّ سوى سحب الخصم إلى المصيدة بحذر. لكن الحذر، كان واجبًا.
فشل فورًا في تجهيز جسده للارتطام، فكان سقوطه الأخرق على الأرض سببًا في كسر مرفقه الأيمن.
فالخصم الذي أمامهم هو من صاغ خطةً تجرّأ فيها على استخدام التنين الإلهي فولكانيكا وساحرة الحسد، من أجل كبح قديس السيف راينهارد فان أستريا. ولم يستطع إلا أن يُبدي إعجابه بذلك الذكاء الخارق.
“…بهذه الحالة البائسة، أما زال ذراعك متجهاً نحو مائدة العشاء الليلة؟”
لكن، وجود عدوٍ بهذه الخطورة والدّهاء، كان تمامًا ما كان روم-جي يريده .
ألديباران: “كفي عن الهراء! المرآة! ابحثوا عن المرآة! أحدهم يحملها… أيها العجوز، فتّشهم معي !”
فالعمالقة، في غالبهم، يميلون إلى العدائية والشراسة، وتتوق غرائزهم إلى معارك الدم المتفجر واللحم المتصارع――
“يؤلم… يؤلم… مؤلم، مؤلم، مؤلم، مؤلم، مؤلم، مؤلم… لكنه، ما أردت رؤيته، قد رأيته.”
لكن ما أراده هو أمرٌ أعمق من مجرد صِدام أحمق.
ورغم ذلك، لم يفعل. وكان يظن أن السبب، في أعماقه، هو حدسٌ نما داخله بمرور الزمن――
إن ما اراده هو تهديدٌ يهزّ أركان المملكة، والشرفٌ الذي يُكتسب من القضاء عليه.
اندفع الغضب من فمه كما لو أنه انتُزع منه عنوة، وانغرست الخيوط التي تقيده بعمق أكبر.
――لكي تفوز فيلت وتتقدّم في عملية الاختيار الملكي ، كان لا بدّ لها من مجدٍ يتم انتزاعه في غياب قديس السيف .
ومع ذلك، بعدما عاش أكثر من مئة عام، كان روم-جي يعلم أن هناك قوى تتجاوز كلاً من منطقه السليم وخياله الجامح، وأن من يمتلكون مثل هذه القدرات قد يلعبون في نفس ساحة اللعب ذات يوم.
وما زال الحدث الذي واجه فيه المرشحون الملكيون الكارثة الكبرى التي جلبتها طائفة الساحرة في مدينة بريستيلا المائية حديث العهد في الذاكرة، لكن نتيجته كانت الصعود المتساوي بين مزايا جميع المرشحين الخمسة.
ولكن، حتى وإن تشاركا نفس المعاناة، بقي بينهما اختلاف جوهري لا يمكن تجاوزه.
أي أن ترتيبهم النسبي في المنافسة لم يتغير، ولهذا، كانت “فيلت” بحاجة إلى إنجازٍ منفرد.
كان تجاهل أساسه المتين، واستخدامه السحر بطريقة غير صحيحة من خلال تجاوز الرتب، أول ما يُغضب إيزو.
أما تصرّفات ذلك الوغد ذو الخوذة ، فقد كانت تهزّ ليس فقط مسار الاختيار الملكي، بل العالم بأسره، ولذا، فإنها كفيلة بأن تكون الإنجاز المنشود.
بالطبع، بما أنه لم يكن بإمكانه فعل شيء في تلك الحالة――
روم: “بالتأكيد ، فيلت لا تفكر في أمور كهذه غالبًا.”
ألدباران: “حقًّا… بحقّك؟”
ففي النهاية، السبب الذي جعل فيلت تقف الآن في وجه ذلك الوغد ذو الخوذة لم يكن الشرف بعيد المدى أو حسابات استراتيجية،
Hijazi
بل لأنها تملك القوة لمواجهة الخطر الهائل ، وأيضًا لأجل فارسها الأوحد، الذي كان واجبه أن يكون أول من يُسرع إلى مثل هذه المواقف.
ومن أجل ذلك، لن يتردد في التلويح مرة أخرى بعصا القيادة التي أقسم ألا يستخدمها مجددًا.
ولهذا، لا بأس في أن يكون الوحيدون الذين يخططون للاستفادة من هذه المعركة لاحقًا هم هو بنفسه، صاحب الأجندة الدفينة رغم جسده الضخم، وأولئك القذرين البالغين الذين يُمسكون بخيوط الجريمة المنظمة.
كلاهما―― صاحب وجه الخنزير الذي خسر ذراعه، وياي وقد تم تجاوز سلاحها السري بالقوة الغاشمة――
المنظمات الثلاثة سيئة السمعة في عاصمة تنانين الأرض فلاندرز―― الميزان ، وحديقة السجن الزهري ، و العملة الفضية السوداء ؛ عبر تسخير أعضاءهم سيضمنون نتائج معركة تصبّ لصالح فيلت في سباق العرش.
ياي:«…أداء رائع.»
――منذ البداية، كان روم-جي معارضًا بشدة لانضمام فيلت إلى الاختيار الملكي ، ومعارضًا لتورطها في أمور بهذا الحجم داخل قلب مملكة لوغونيكا .
…….
فروم-جي ، الذي كان على علمٍ بحقيقة نسب و ولادة فيلت وبمصير (كارما) الدم الذي يجري في عروقها، كان هذا الموقف منه أمرًا طبيعيًا.
وحين يأتي ذلك الوقت، فإن استطاع أن يكون بجوار فيلت ، فسيُسخّر جسده الضخم عديم الجدوى بكل ما أوتي من قدرة،
لكن، من ناحية أخرى، أبقاها روم-جي في العاصمة الملكية.
لقد نجح التمويه الذي جرى فيه إظهار “غوا” على أنه “أل غوا”، مما أتاح لراشينز أن يندفع نحو العدو دون أن يتلقى أضراراً كبيرة من مدفع الشجرة الساقطة.
ولو أراد، لكان بوسعه أن يأخذها بعيدًا إلى الريف المعزول قبل أن تملك حتى وعيًا بذاتها أو بالعالم من حولها.
بمعنى آخر――
ورغم ذلك، لم يفعل. وكان يظن أن السبب، في أعماقه، هو حدسٌ نما داخله بمرور الزمن――
ألديباران: “ذلك العجوز القذر اللعين…”
حدسٌ بأن موجةً عظيمة لا مفر منها ستلحق بهما في نهاية المطاف.
وبما أن أول اشتباك تمّ مع وحدة راشينز، فقد كان من حسن الحظ أن أقرب تشكيل كان دولتيرو، أقوى مقاتل من بين من جُمِعوا للمهمة.
وحين يأتي ذلك الوقت، فإن استطاع أن يكون بجوار فيلت ، فسيُسخّر جسده الضخم عديم الجدوى بكل ما أوتي من قدرة،
لقد غيّر موقعه، وتحلّى بالحذر، ومع ذلك، غُمرت محاولاته بهجومٍ نازل من الأعلى.
ليقوم بدوره كدرع، أو درعٍ واقٍ، أو أي شيء آخر يُطلب منه.
――منذ البداية، كان روم-جي معارضًا بشدة لانضمام فيلت إلى الاختيار الملكي ، ومعارضًا لتورطها في أمور بهذا الحجم داخل قلب مملكة لوغونيكا .
لكن، كان الاحتمال قائمًا بشدة أن لا يكون قادرًا على ذلك. فقد تقدّم به العمر.
وهذه الإمكانية قد تم منعها بالكامل من قبل العدو.
ورغم أنه لم يشعر حتى الآن بأي ضعف ، إلا أنه، حتى بكونه عملاقًا، فلن يكون غريبًا أن يطرق الموت بابه في أي لحظة مقبلة.
من على منصة إطلاق جديدة من خيوط الفولاذ، وبعد أن كانت قد أطلقت العديد من جذوع الأشجار الساقطة حتى هذه اللحظة، كان ما انطلق هذه المرة هو――
لذلك، كان الأمر ضروريًا. كان لا بد من وجود ضمانٍ بأن فيلت―― حفيدته العزيزة―― ستكون محمية إلى الأبد.
بمعنى آخر، حتى وإن تم كشف خطته الأخيرة، لم يكن راشينز لينكسر أو يستسلم.
وإن كان المقابل لذلك هو بلوغ قمة المملكة، فإنه سيقوم بتتويج فيلت بنفسه.
من على منصة إطلاق جديدة من خيوط الفولاذ، وبعد أن كانت قد أطلقت العديد من جذوع الأشجار الساقطة حتى هذه اللحظة، كان ما انطلق هذه المرة هو――
ومن أجل ذلك، لن يتردد في التلويح مرة أخرى بعصا القيادة التي أقسم ألا يستخدمها مجددًا.
هاينكل: “أوه، تحاول إخافتي الآن؟ بهذه الحيلة التافهة؟ تظن أني سأسقط في الفخ نفسه مرتين؟!”
روم: “رغم أن فرصي قد تضاءلت كثيرًا مقارنةً بالماضي… لا تزال الكوابيس تلاحقني حتى هذا اليوم.”
ألدباران: “إذاً أنت كنت العقل المدبِّر…!”
لقد مضى ما يقرب من نصف قرن، وأصبحت حرب أنصاف البشر ذكرى بعيدة.
ألدباران: “――――”
ومع ذلك، وبالرغم من مرور ذلك الزمن الطويل، استمرت نيران الندم تشتعل في قدر داخل روم-جي. وحين أتيحت له فرصة رؤية ضوء النهار، فُتح غطاء ذلك القدر.
ياي:«…أداء رائع.»
في الماضي، كان فالغا كرومويل الغبي غير كافٍ―― غير أن الزمن عوّض عن غبائه، وعلى الرغم من أن حماقته لم تتغير، فإن روم-جي سيسخّر ذكاءه.
طالما أن معركة قد نشبت، فلا يمكن أن يكونوا خرجوا منها سالمين دون إصابات.
بعبارة أخرى――
لم يكن هذا المدح، ولا حقيقة أنّ راشينز قد فقد وعيه فحسب، كافيين لتعزية ألديباران.
روم: “هذه ستكون معركة ذكاء بيني وبين ذلك الأحمق صاحب الخوذة.”
ولأنه تُرك وحيدًا هناك، فالأرجح أن هاينكل سيحاصر من قبلهم، لكن هذه المحاولة لم تكن سوى تضحيةٍ مخطط لها ، أراد من خلالها التحقق من أمرٍ ما.
……
بل، وبالنظر إلى دهاء الخصم، فإن افتراض موت راشينز كان أكثر واقعية.
“――أهي… خيوط؟”
في اللحظة التي اندفع فيها راتشينز إلى الغابة، التفّت حول جسده بالكامل خيوطٌ فولاذية دقيقة للغاية وقيدته؛ وبينما كان يصرخ بسخط ، كان ألديباران ينصت إليه من موضع لا يبعد عنه سوى مسافة ذراع.
في اللحظة التي اندفع فيها راتشينز إلى الغابة، التفّت حول جسده بالكامل خيوطٌ فولاذية دقيقة للغاية وقيدته؛ وبينما كان يصرخ بسخط ، كان ألديباران ينصت إليه من موضع لا يبعد عنه سوى مسافة ذراع.
كان اعتاد سماع هذه النكتة المهينة عن قبيلتهم، غير أن هذه المرة، خلافًا للمرات السابقة، لم تأتِ اللكمة معها.
لقد كشف ألديباران موقعه عمدًا أمام خصومه، وجذبهم نحوه، ليوقعهم في فخه المحكم.
――فقد كان لسرعة ودقة نقل المعلومات القدرةُ على تغيير طبيعة الحروب.
وبتقنية خيوط الفولاذ الخاصة بياي، تم تقييد اثنين وخمسين من الأعداء.
وجه الخنزير: “――يالغبائك، كأنك خنزيرٌ لا يفهم!”
كان قد أمضى وقتًا كافيًا مع هؤلاء الأعداء حتى أنه انتهى من عدّهم جميعًا، ولكن بطبيعة الحال، لم تكن ياي قد قيدتهم بالقوة الجسدية وحدها.
قال ذاك الوغد ذو الخوذة وهو يفتش جيب صدر أحد المجرمين ―― الرجل الذي تم اختياره لحمل مرآة التواصل ، وانتزع المرآة، ثم رماها على الأرض، وداسها بسهولة حتى تحطّمت تحت قدمه.
ياي: “كما ترى، ذراعا ياي-تشان نحيفتان، أليس كذلك؟ باستخدام الأشجار المجاورة، أو العقبات الأخرى، أو حتى أجساد الأشخاص أنفسهم كنقاط ارتكاز، قمتُ بتعليق هؤلاء الرجال بينما لا تزال أقدامهم تلامس الأرض.”
……..
وهكذا كشفت ياي عن الحيلة التي استخدمتها، لكن معناها ظل غامضًا لمن سمعها.
فشل فورًا في تجهيز جسده للارتطام، فكان سقوطه الأخرق على الأرض سببًا في كسر مرفقه الأيمن.
على أي حال، كان راتشينز ورفاقه محاصرين في شبكة من الخيوط الفولاذية الملفوفة حولهم مرارًا وتكرارًا، وكان من شبه المستحيل عليهم أن يفلتوا من قبضتها طالما كانت إرادة ياي صامدة؛ وبما أن هذه الحقيقة كانت واضحة، فإن عملها يُعد من الدرجة الأولى.
“――يالغبائك، كخنزير لا يفقه شيئًا.”
وفوق ذلك، وبينما كان راتشينز العاجز ينظر إلى خصمه بنظرات حاقدة من عينيه الشيهـاكو، انقض “لديباران عليه، وبدأ يفتش في ملابسه وجيوبه.
ياي: “كياا~، أعشق نكات أنصاف البشر التي تسخر من بني جنسهم! بالمناسبة، أنصح بطهي اللحم الدهني على نار هادئة.”
راتشينز: “م-ما الخطب، أيها الوغد؟! لست معتم بهذا النوع من… الأمور!”
فعادةً ما يقاتل العمالقة في الصفوف الأمامية، حيث يمكنهم تسخير قوتهم الجسدية بشكلٍ أفضل.
ياي: “وواو! ما أجرأك، يا آل ساما ! لا عجب أنك لم تُبدِ اهتمامًا بياي-تشان مهما حاولت إغرائك. يبدو أن أنوثتي كامرأة، بدأت تتعافى بسرعة بسبب هذه الحقيقة المفاجئة…”
لقد كان هذا الإنجاز استثنائياً إلى حدّ لا يُعقل.
ألديباران: “كفي عن الهراء! المرآة! ابحثوا عن المرآة! أحدهم يحملها… أيها العجوز، فتّشهم معي !”
“――أهي… خيوط؟”
ومع استمراره في تفتيش راتشينز الذي كان يتلوى محاولًا الافلات من قيوده ، صاح ألديباران موجّهًا حديثه إلى ياي وهاينكل ، اللذَين بدأا في تفتيش متعلقات الرجال المشلولين بحثًا عن مرآة التواصل .
راشينز: «يا… غبــي…»
――فقد كان لسرعة ودقة نقل المعلومات القدرةُ على تغيير طبيعة الحروب.
ذلك العملاق العجوز، الذي كان بمثابة العقل المدبر لهذه العملية، قد أعدّ قفازات مزوّدة بعدد كبير من
لقد تم استخدام هذا النوع من الأشياء في شتى أنواع الأعمال الخيالية عبر العالم، قديماً وحديثاً، غير أن هذا المفهوم، الذي لم يكن ألديباران يفهمه سوى بسطحية في السابق، قد اتّضح له الآن تماماً.
رغم التحذير الذي تلقاه قبل لحظات فقط، رفع راتشينز رأسه.
ذلك العملاق العجوز، الذي كان بمثابة العقل المدبر لهذه العملية، قد أعدّ قفازات مزوّدة بعدد كبير من
لم يكن أمامه سوى التغلب على هذا المد العكسي.
مرايا التواصل .
كما أنه يتفهم امتلاك مساعده لواحدة، لئلا توكل الاتصالات إلى القائد وحده.
وبذلك، أصبح العجوز القائد المركزي للمجموعة، وبتبادل المعلومات في الوقت الفعلي، استطاع التحكم في خمسمئة مقاتل حسب إرادته.
إن ما اراده هو تهديدٌ يهزّ أركان المملكة، والشرفٌ الذي يُكتسب من القضاء عليه.
ولو استمر موقع ألديباران وعدد حلفائه بالتسرّب بهذه الطريقة، لما سنحت لمجموعته فرصة لالتقاط أنفاسها.
ألديباران: «آسف، لكن اصمت قليلًا.»
لذا، كان من الضروري تدمير مرايا التواصل الخاصة بكل مجموعة.
كان هنالك فرق شاسع بين مظهره وبين الصورة المتوقعة لوظيفته، لذا لم يكن ليتخيله كذلك أبدًا.
ومن أجل ذلك――
أن هذه المعركة، سواءً بالنسبة لهم أو للرجل ذي الخوذة، كانت سباقاً مع الزمن.
ألديباران: “――وجدتها!”
وسيلة الرفض في يدك، تلك القطعة البيضاء من القماش المشعة بالنور.
هاينكل: “――وجدتها!”
…….
ياي: “――وجدتها!”
وكان هناك، كما أراد ألدباران تمامًا――
شعر ألديباران بالإحساس الذي كان يبحث عنه عند أطراف أصابعه، فأخرجها ورفعها عالياً مبتهجاً――
لكن، حتى إن نجا من ضربة واحدة، فلا تزال هناك ذراعٌ أخرى، وساقان إن لزم الأمر.
لكن، فرحته غمرها صوتا الآخرين، اللذان ارتفعا تقريباً في نفس الوقت مع صوته.
فشل فورًا في تجهيز جسده للارتطام، فكان سقوطه الأخرق على الأرض سببًا في كسر مرفقه الأيمن.
أطلق “آه؟”، ثم استدار فرأى ياي وهاينكل ، اللذين كانا يفتشّان بقية المجرمين بينما كان هو يفتش جسد راشينز، ينظران إليه بأعين متسعة. .
ورغم أن شرارته الأولى قد انطفأت، أطلق راتشينز تعويذة أخرى؛ ليصرخ فيه ألديباران ويرفع قبضته عاليًا، ثم يهوي بها على جسد الرجل الذي لم يكن قادرًا على الحركة.
――وكان كل منهما يحمل مرآة صغيرة في يده.
ومع ذلك――
ألديباران: “مرايا التواصل هي نيازك يمكن نسخها ، لكن تكلفتها ستظلّ باهظة جداً…”
ألدباران: “――هه…”
كان يفهم لماذا يمتلك راشينز، الذي يبدو أنه قائد هذه المجموعة ، واحدة.
وكأن قوى الرياح والجاذبية قد أُلغيت عنه، انطلق ألديباران فوق قمم الأشجار ممسكًا بياي بذراعٍ واحدة، ليهرب من ساحة المعركة التي اقتحمها راشينز ومجموعته.
كما أنه يتفهم امتلاك مساعده لواحدة، لئلا توكل الاتصالات إلى القائد وحده.
ألدباران: “――هك!”
لكن ما لم يفهمه هو، لماذا قد يحمل أي شخصٍ آخر واحدة؟
إن ما اراده هو تهديدٌ يهزّ أركان المملكة، والشرفٌ الذي يُكتسب من القضاء عليه.
فمن غير الممكن على الإطلاق أن يتم تجهيز الغالبية العظمى من القوة العسكرية بمرايا التواصل .
ياي:« أل- ساما ، لن تكون هناك نهاية لهذا.»
بمعنى آخر، هذه هي――
وتلقى ضربة قاسية من غراسيس ، التي نجحت بذلك في انتقامها لأختها الكبرى.
ألديباران: “――هل هذه… مزيفة؟”
هجومٌ مباغت نُفِّذ على نحوٍ مثالي؛ لقد كان أشبه بمعجزة أنه لم يُقتل على الفور―― لا، لم تكن هذه معجزة.
راشينز: “يا غبي.”
ولهذا، فهي عديمة الجدوى.
عند تلعثم ألديباران المذهول، أخرج راشينز لسانه الطويل وأطلق عليه إهانة.
تردد صوت خافت برقة في أذن ألديباران اللاهث.
رأى ألديباران الخاتم الملون يتأرجح على طرف ذلك اللسان، فحرّك لسانه تلقائياً لفك غلاف السم المخفي خلف أحد أضراسه―― و في تلك اللحظة.
ورغم أن شرارته الأولى قد انطفأت، أطلق راتشينز تعويذة أخرى؛ ليصرخ فيه ألديباران ويرفع قبضته عاليًا، ثم يهوي بها على جسد الرجل الذي لم يكن قادرًا على الحركة.
“――ما أبلدك… كخنزير.”
ألدباران: “إذاً أنت كنت العقل المدبِّر…!”
وصلته تلك النكتة ، التي سمعها مراراً حتى تشكّلت له مسامير في أذنيه، مع لكمة.
ذلك العملاق العجوز، الذي كان بمثابة العقل المدبر لهذه العملية، قد أعدّ قفازات مزوّدة بعدد كبير من
ولم يستطع ألديباران التمييز، أكان الذي أنهى حياته هو اللكمة أم السم؟
…….
كل ما خطر في باله حينها لم يكن شتم صاحب وجه الخنزير الوجه، بل على العكس――
وأثناء نظره إلى هاينكل، وشعوره بالذنب لتخلّيه عنه، لوحت ياي بذراعيها وهي محمولة في ذراعه.
ألديباران: “ذلك العجوز القذر اللعين…”
ومع كرهه للاعتراف بذلك، فقد كان من المنطقي أن تتراجع فيلت إلى الخلف.
إهانة لم تكن إلا مدحاً لخصم يحرك خيوط خطة ليست فقط محكمة، بل خارجة عن حدود المعقول.
يُجهد ذهنه المُسن بأقصى ما يستطيع.
…….
في اللحظة التي حدث فيها شرط نصره داخليًا، اخترقته ضربة قادمة مباشرة من أعلى رأسه.
“――أهذه… خيوط؟”
منقضًا بقوة صاروخ، وجسده مليء بالجراح من الأسلاك الفولاذية، هجم الرجل ذو وجه الخنزير وهو يلوّح بذراعه، وسدد ضربة إلى هاينكل العاجز، ليقذفه نحو شجرة ضخمة خلفه.
لقد نجح التمويه الذي جرى فيه إظهار “غوا” على أنه “أل غوا”، مما أتاح لراشينز أن يندفع نحو العدو دون أن يتلقى أضراراً كبيرة من مدفع الشجرة الساقطة.
الوغد صاحب الخوذة: “لن تذهب لأبعد من هذا.”
وحين أدرك أنه قد جُرّد من حريته بواسطة خيوط دقيقة إلى حد تكاد لا تُرى، لم يستطع إخفاء دهشته.
ألدباران: “أيها العجوز! هذه خدعة――”
ولو كان هو الوحيد العالق، لربما أمكنه تقبّل الأمر على مضض.
في لحظة التردد تلك، سُلبت حريته ، بل أُسرت روحه في قفص من الهوس الأبدي.
لكن الأمر لم يقتصر عليه وحده؛ فقد تم شل حركة خمسين من المجرمين الذين اندفعوا معه إلى الغابة.
على أي حال، كان راتشينز ورفاقه محاصرين في شبكة من الخيوط الفولاذية الملفوفة حولهم مرارًا وتكرارًا، وكان من شبه المستحيل عليهم أن يفلتوا من قبضتها طالما كانت إرادة ياي صامدة؛ وبما أن هذه الحقيقة كانت واضحة، فإن عملها يُعد من الدرجة الأولى.
ولو حاول هو تنفيذ أمر مشابه بنفسه، فإن مجرد التفكير في إعادة تخيّل التركيب الهندسي المعقّد لقفص الخيوط المنصوب في الغابة كان كفيلاً بجعله يستسلم .
يندفع ليواجه وابل الحجارة وجهًا لوجه.
لقد كان هذا الإنجاز استثنائياً إلى حدّ لا يُعقل.
. عبثًا، عبثًاعبثًاعبثًاعبثًاعبثًاعبثًاعبثًا، عبثًا.
لكن ما أذهله أكثر من تلك المرأة التي قيدته بالخيوط――
أوقفوهم! توسلتُ، أقوى مما توسلتُ من قبل.
“――عذراً، لكنني سأحطّم هذه.”
وجهته كانت نحو الشمال الغربي، لا ريب في ذلك―― فقد جرّب كل الاتجاهات الأخرى سابقًا.
قال ذاك الوغد ذو الخوذة وهو يفتش جيب صدر أحد المجرمين ―― الرجل الذي تم اختياره لحمل مرآة التواصل ، وانتزع المرآة، ثم رماها على الأرض، وداسها بسهولة حتى تحطّمت تحت قدمه.
……..
راشينز: “――هَه، لا تقل لي أنك تمزح!”
ومع انكسار مفاجئ في مجاله البصري، ودّع رأس ألدباران جسده بدموع الفناء.
اندفع الغضب من فمه كما لو أنه انتُزع منه عنوة، وانغرست الخيوط التي تقيده بعمق أكبر.
وهكذا، حتى وابتسامة تعلو وجهه، ابتلعت النيران جسد راتشينز――
لكن ذلك لم يكن نتيجة مقاومته، بل بدا وكأنه إنذار من تلك المرأة ذات الشعر الأحمر، ناسجة الخيوط، بسبب شتائمه.
شعر ألديباران بالإحساس الذي كان يبحث عنه عند أطراف أصابعه، فأخرجها ورفعها عالياً مبتهجاً――
ومع ذلك، فإن غضبه في تلك اللحظة تجاوز بعمق الجروح السطحية التي تركتها الخيوط على جسده.
ومع كرهه للاعتراف بذلك، فقد كان من المنطقي أن تتراجع فيلت إلى الخلف.
راشينز: “ما الذي يجري بحق الجحيم؟! أيها اللعين، كيف أصبت الهدف من أول محاولة…؟”
ومع استمراره في تفتيش راتشينز الذي كان يتلوى محاولًا الافلات من قيوده ، صاح ألديباران موجّهًا حديثه إلى ياي وهاينكل ، اللذَين بدأا في تفتيش متعلقات الرجال المشلولين بحثًا عن مرآة التواصل .
الوغد ذو الخوذة: “لم تكن من المحاولة الأولى. ولا حتى من العاشرة أو العشرين. سحبي… بائسة إلى أبعد حد.”
وبحسب خبرته، كان أخطر الخصوم هم أولئك الذين حددوا هدفهم مسبقًا، وغلّفوه بعزمٍ لا يتزحزح.
راشينز: “هاه؟”
حتى وهو مقيّد، يمكن أداء التعاويذ.
وبما أن ذاك الوغد لا يبدو عازماً على تقديم أي إجابة مفيدة، صر راشينز على أسنانه بقوة.
وجهته كانت نحو الشمال الغربي، لا ريب في ذلك―― فقد جرّب كل الاتجاهات الأخرى سابقًا.
بوسيلة غير معروفة، تمكن ذلك الوغد صاحب الخوذة من اكتشاف أنهم أنشأوا شبكة تواصل مع تتمحور حول كرومويل—روم جي كمركزها —من خلال استخدام مرايا التواصل. وعلاوة على ذلك، فقد تجاهل تمامًا المرايا المزيفة التي كان من الممكن أن تكسبهم وقتًا، حتى إن تم كشف أمرها، وتصرف وكأنه قضى بيقين على المرآة الحقيقية.
لذلك، ما تبقّى هو فقط العثور على مفتاح النصر، ولكن…
رغم التحذير الذي تلقاه قبل لحظات فقط، رفع راتشينز رأسه.
عند تلعثم ألديباران المذهول، أخرج راشينز لسانه الطويل وأطلق عليه إهانة.
فمشاعره لم تسمح له بالاستسلام أمام أولئك الذين لا حول له أمامهم.
من خارج أفكار راتشينز الداخلية، كان من قاطع الحديث رجلاً في منتصف العمر ذو شعر أحمر—هاينكل.
“هيه، ماذا تنوي أن تفعل مع هؤلاء… هل تخطط لأن… تقتلهم جميعًا؟”
كان هنالك فرق شاسع بين مظهره وبين الصورة المتوقعة لوظيفته، لذا لم يكن ليتخيله كذلك أبدًا.
من خارج أفكار راتشينز الداخلية، كان من قاطع الحديث رجلاً في منتصف العمر ذو شعر أحمر—هاينكل.
رأى ألديباران الخاتم الملون يتأرجح على طرف ذلك اللسان، فحرّك لسانه تلقائياً لفك غلاف السم المخفي خلف أحد أضراسه―― و في تلك اللحظة.
قيل له إن هذا الرجل هو والد راينهارد. وبالفعل، فإن الشعر الأحمر، والعينين الزرقاوين، وسيف الفارس الفاخر إلى حد مبالغ فيه، كلها كانت سمات تذكّره كثيرًا بعائلة أستريا.
ألدباران: “――التالي.”
ومنذ أن سمع بأن هاينكل اختار أن يدعم مرشحة منافسة، بريسيلا، بدلاً من فيلت التي يدعمها ابنه، اعتقد أنه أحمق لا يستطيع اتخاذ القرار الصحيح حتى في أبسط الأمور، ولكن تبين أنه أسوأ مما تخيل.
ولهذا، لا بأس في أن يكون الوحيدون الذين يخططون للاستفادة من هذه المعركة لاحقًا هم هو بنفسه، صاحب الأجندة الدفينة رغم جسده الضخم، وأولئك القذرين البالغين الذين يُمسكون بخيوط الجريمة المنظمة.
راتشينز: “ذلك الأحمق عديم العقل…”
ومن أجل ذلك――
لقد كان راتشينز يكره راينهارد.
ولهذا، لا بأس في أن يكون الوحيدون الذين يخططون للاستفادة من هذه المعركة لاحقًا هم هو بنفسه، صاحب الأجندة الدفينة رغم جسده الضخم، وأولئك القذرين البالغين الذين يُمسكون بخيوط الجريمة المنظمة.
ومع ذلك، ربما لم يكن راينهارد يُفكر كثيرًا في راتشينز، لكن بينهما قاسم مشترك: فكلاهما وُلد في عائلة نبيلة، وكلاهما كانت له خلافات مع والده . بالطبع، كان هناك فرق في ثقل الأعباء التي وُلد بها كل منهما، وكان يعلم أن راينهارد لم يفكر قط في التخلي عن ما قد تخلّى عنه راتشينز بأنانية.
هاينكل: “――وجدتها!”
وُلد في عائلة نبيلة، وهرب راتشينز بسبب عدم قدرته على التفاهم مع عائلته، وانتهى به المطاف—بطريقة ما—بالعمل لدى فيلت؛ كان، في المجمل، شخصًا يفتقد للعزيمة .
لكن كل ذلك أتى متأخراً، كل ذلك خرج عن إرادتي، وكل ذلك كان――
ولكن، حتى وإن تشاركا نفس المعاناة، بقي بينهما اختلاف جوهري لا يمكن تجاوزه.
كان طوله يقارب المترين، ووزنه لا يقل عن مئتي كيلوغرام، قفز في الهواء، وانقض على ألديباران كقذيفة مدفع، وسدد إليه ضربةً مدمّرة.
كان والد راتشينز رجلاً محترمًا. لم يكن يحبه، لكنه مع ذلك كان محترمًا.
كان طوله يقارب المترين، ووزنه لا يقل عن مئتي كيلوغرام، قفز في الهواء، وانقض على ألديباران كقذيفة مدفع، وسدد إليه ضربةً مدمّرة.
راتشينز: “لكن، لا أمل في وغد مثلك.”
إن ما اراده هو تهديدٌ يهزّ أركان المملكة، والشرفٌ الذي يُكتسب من القضاء عليه.
أن يُعذّب المرء نفسيًا من أجل خلاف مع أبٍ لا يستحق الاحترام أصلًا… كان راينهارد أحمقًا.
“يؤلم… يؤلم… مؤلم، مؤلم، مؤلم، مؤلم، مؤلم، مؤلم… لكنه، ما أردت رؤيته، قد رأيته.”
ولهذا، قرر إزالة مصدر عذاب راينهارد.
كانت معصماها نحيفين، وعلى كل إصبعٍ أكثر نحافة ، ترتدي خواتم بسيطة بلا زينة، تخرج منها خيوط فولاذية بالغة الرقة، بالكاد تُرى حتى للعين المتأهبة.
راتشينز: “…غوا.”
“راتشينز-كون، قد لا تملك موهبةً استثنائية، لكن أساسك صلب. ومع التقدّم بثبات، ستملك بلا شك القوة لتبلغ ما تصبو إليه.”
حتى وهو مقيّد، يمكن أداء التعاويذ.
الفصل ٢٠ : كيف تستخدم الحياة
بينما كان جسده مقيّدًا بالكامل بالخيوط، وهتزت البوابة داخله، واستدعى كرة نارية مباشرة أمام وجهه، مما أثار الذعر في وجه الوغد صاحب الخوذة ومجموعته.
كل ما خطر في باله حينها لم يكن شتم صاحب وجه الخنزير الوجه، بل على العكس――
لكن، ما ظهر لم يكن إلا مجموعة صغيرة من النار، لا يتجاوز حجم طرف الإبهام.
روم: «ما لم يكونوا يرون ما في عقولنا… أو شيئًا آخر تمامًا، فذلك ينبغي أن يكون مستحيلًا.»
هاينكل: “أوه، تحاول إخافتي الآن؟ بهذه الحيلة التافهة؟ تظن أني سأسقط في الفخ نفسه مرتين؟!”
رجلٌ يمتدّ من كتفيه ذراعان عملاقتان مغلفتان يقفازات معدنية ضخمة ، تُثبّت على كلٍّ منهما عدة مرايا محادثة.
كان قد أُلقي عليه تعويذة أل غوا مزيفة سابقًا، ومن شدة غضبه لأنه خُدع بشكلها، صرخ هاينكل بوجه مليء بالغضب، وهو يضرب بسيفه الفارس الفاخر على كرة النار.
لكن――
ولوهلةٍ وجيزة، بدا ذلك الوميض العابر للسيف راقيًا لدرجة أنه انطبع في عينيه، لكن لا بأس.
Hijazi
ما هو أهم من الانطباعات العميقة في هذه اللحظة――
ذو وجه الخنزير: “أجل، سأطعمها لأتباعي تعبيرًا عن امتناني. رغم أن حميتهم سيئة ومليئة بالدهون.”
راتشينز: “أحــمــق.”
اندفع الغضب من فمه كما لو أنه انتُزع منه عنوة، وانغرست الخيوط التي تقيده بعمق أكبر.
أخرج لسانه، وأطلق إهانةً لاذعةً بأفضل سخرية استطاع حشدها—وكان ذلك هو الأهم الآن.
لكن مجرد تراكم الحظ السيئ إلى هذا الحد، كان في حد ذاته مشكلة.
――لقد مدد تعويذة غوا حتى تظاهرت أنها أل غوا . وعلى نفس النسق، يمكن لآل غوا أن تتخفى في هيئة كرة نارية ضئيلة.
――وكان كل منهما يحمل مرآة صغيرة في يده.
“راتشينز-كون، قد لا تملك موهبةً استثنائية، لكن أساسك صلب. ومع التقدّم بثبات، ستملك بلا شك القوة لتبلغ ما تصبو إليه.”
لكن، من ناحية أخرى، أبقاها روم-جي في العاصمة الملكية.
كان إيزو هو من عرّف راتشينز على السحر، وبينما تذكر كل اللحظات التي تم إمطاره فيها بالخطب المتعجرفة من ذلك القزم المتغطرس ، همس في نفسه باعتذار غير معتاد: “آسف.”
فأسرع ألديباران بإنشاء جدارٍ من التراب، وتجاوز الموجة الأولى بقوةٍ خالصة.
كان تجاهل أساسه المتين، واستخدامه السحر بطريقة غير صحيحة من خلال تجاوز الرتب، أول ما يُغضب إيزو.
ياي: “كما ترى، ذراعا ياي-تشان نحيفتان، أليس كذلك؟ باستخدام الأشجار المجاورة، أو العقبات الأخرى، أو حتى أجساد الأشخاص أنفسهم كنقاط ارتكاز، قمتُ بتعليق هؤلاء الرجال بينما لا تزال أقدامهم تلامس الأرض.”
لكنه، بما أنه لم يكن ليحظى بفرصة أخرى، فقد اعتبر ذلك عذرًا ――
كان يفهم لماذا يمتلك راشينز، الذي يبدو أنه قائد هذه المجموعة ، واحدة.
راتشينز: “――――”
من خارج أفكار راتشينز الداخلية، كان من قاطع الحديث رجلاً في منتصف العمر ذو شعر أحمر—هاينكل.
لامست كرة النار طرف السيف وتفككت في الهواء، وأطلقت القوة النارية الهائلة المضغوطة في داخلها، ليندلع جحيم من النيران يلتهم المنطقة دفعةً واحدة.
ومع ذلك، نجا ألدباران من الدخان الأبيض، وغادر الغابة من جديد.
وقبل أن تبتلعه ألسنة اللهب، أدرك راتشينز أنه لم يعد يشعر بتلك المرارة التي كانت تغمره قبل لحظات، “متى بالضبط انقلبت حياتي إلى هذا الخراب؟” بل شعر بشيءٍ غريب.
وفي عذابات الألم العبثي الناتج عن كسر العظم الذي اخترق لحمه وجلده، كانت خوذته تحتكّ بالتراب.
وهكذا، حتى وابتسامة تعلو وجهه، ابتلعت النيران جسد راتشينز――
ومع أن سرعتهما في قطع المسافة لا تُقارن بالجري على الأرض، إلا أن اللحظة الوحيدة التي أُتيح لهما فيها التنفس كانت في أقصى ارتفاعٍ ، عندما اخترقا قمم الأشجار وتجاوزوا الأغلال الدخانية.
الوغد صاحب الخوذة: “لن تذهب لأبعد من هذا.”
هاينكل: “أوه، تحاول إخافتي الآن؟ بهذه الحيلة التافهة؟ تظن أني سأسقط في الفخ نفسه مرتين؟!”
النيران التي راهن بحياته عليها، والتي كان يفترض أن تنطلق ، سُحِقَت في يد الوغد صاحب الخوذة، الذي تدخّل وكأنه كان يعرف مسبقًا ما سيحدث، ولم يتم إطلاق طاقتها .
الوغد صاحب الخوذة: “لن تذهب لأبعد من هذا.”
……..
وبطبيعة الحال، إن كان الهدف فقط النجاة من الضربة الأولى، لربّما أمكن تحقيق ذلك من خلال تعاون الأسلاك وسحر ألديباران.
――مئتان وأربع وستون مرة.
هاينكل: “أووووواه!!”
“―――――”
«تتجمدون في أماكنكم بهذه السهولة؟! هل رؤوسكم محشوة بطعام خنازير؟»
كانت الخيوط الفولاذية قد أضعفت جسده، فانحنى راتشينز برأسه، وكأنه قد استسلم تمامًا.
وجهته كانت نحو الشمال الغربي، لا ريب في ذلك―― فقد جرّب كل الاتجاهات الأخرى سابقًا.
ولكن، كان أمرًا لا يمكن تصوره . لم يكن راتشينز ليستسلم أبدًا في مواجهته لخصمه، حتى في مثل هذه الحالة.
لم يكن هذا المدح، ولا حقيقة أنّ راشينز قد فقد وعيه فحسب، كافيين لتعزية ألديباران.
ولذلك――
ومع ذلك، حين أُلقيت وسط معركة فوضوية على ساحة قتال ، كانت كخطة مثالية.
ألديباران: “لن تذهب أبعد من هذا.”
أفراد العصابات الإجرامية معروفون بقوتهم ، ولكن حتى في معسكرهم كان لا بد أن تقع ضحايا―― وكان من الحماقة الاعتماد على بصيص الأمل الذي ورد في التقرير الذي تلقّته غراسيس من فلام.
ما إن نطق بهذا ، حتى أدرك كم تبدو مستفزة، فنقر لسانه داخل فمه بغيظ.
سواء كان بجانب ياي، أو إلى جوار هاينكل ، على الأرض، أو في الهواء، أو تحت ظلّ الأشجار، أو حتى خارج ساحة المعركة، لم يكن في وسع ألدباران الإفلات من قبضة صاحب وجه الخنزير.
بعيدًا عن مشاعر الكراهية ، دفع ألديباران هاينكل جانبًا، وقطع الغوّا بتهور―― لا، فهذه المرة تم إيقاف تفعيل ذلك السحر العظيم الذي كان متنكّرًا.
المراهنة بالحياة لا تحمل أي معنى على الإطلاق.
القوة النارية الهائلة التي كانت على وشك أن ترتفع في الجو وتحرق المساحة بأكملها، تلاشت في مهدها؛ إذ لم تكن بعدُ سوى شرارة صغيرة، ثم تبخرت كمانا فقدت وجهتها.
ولوهلةٍ وجيزة، بدا ذلك الوميض العابر للسيف راقيًا لدرجة أنه انطبع في عينيه، لكن لا بأس.
لو لم يفعل ذلك، لأحرقت النيران الهائلة المنطقة كلها، وتكبدت مجموعة ألديباران أضرارًا كبيرة ، ولما تمكنوا من إكمال المعركة.
بمعنى آخر، حتى وإن تم كشف خطته الأخيرة، لم يكن راشينز لينكسر أو يستسلم.
شعر بالحزن حيال عزيمة راتشينز، الذي أراد أن يفجّر نفسه في عملية انتحارية يائسة. لكن محاولة تحقيق شيء بالتضحية بالنفس كانت، في نظر ألديباران، أكثر الأفعال سخافة .
بل، وبأكثر مما كان يتصور، لم يكن بوسعه أن يستخفّ بهذا العدد ―ـ لم يكن مجرد رقم، بل خمسمئة شخص مشحونين بعزيمة لا تلين؛ وكان عليه أن يتعامل معهم على هذا الأساس.
مهما كان الشيء الذي يضحي الأنسان بحياته لأجله، فإن ألديباران سيفسد تلك التضحية بلا استثناء.
على أي حال، كان راتشينز ورفاقه محاصرين في شبكة من الخيوط الفولاذية الملفوفة حولهم مرارًا وتكرارًا، وكان من شبه المستحيل عليهم أن يفلتوا من قبضتها طالما كانت إرادة ياي صامدة؛ وبما أن هذه الحقيقة كانت واضحة، فإن عملها يُعد من الدرجة الأولى.
ولهذا، فهي عديمة الجدوى.
ليقوم بدوره كدرع، أو درعٍ واقٍ، أو أي شيء آخر يُطلب منه.
المراهنة بالحياة لا تحمل أي معنى على الإطلاق.
――منذ البداية، كان روم-جي معارضًا بشدة لانضمام فيلت إلى الاختيار الملكي ، ومعارضًا لتورطها في أمور بهذا الحجم داخل قلب مملكة لوغونيكا .
كانت عبثًا
فعادةً ما يقاتل العمالقة في الصفوف الأمامية، حيث يمكنهم تسخير قوتهم الجسدية بشكلٍ أفضل.
. عبثًا، عبثًاعبثًاعبثًاعبثًاعبثًاعبثًاعبثًا، عبثًا.
ومع ظهور خصمٍ قادرٍ على استخدام هذا الأسلوب، أعاد ألدباران تقييم قوّة العدو التي كان قد استهان بها.
عبثًا، ومع ذلك――
وجهته كانت نحو الشمال الغربي، لا ريب في ذلك―― فقد جرّب كل الاتجاهات الأخرى سابقًا.
راتشينز: “جوّا…”
ألديباران: “كفي عن الهراء! المرآة! ابحثوا عن المرآة! أحدهم يحملها… أيها العجوز، فتّشهم معي !”
ألديباران: “توقف!!”
فالعمالقة، في غالبهم، يميلون إلى العدائية والشراسة، وتتوق غرائزهم إلى معارك الدم المتفجر واللحم المتصارع――
ورغم أن شرارته الأولى قد انطفأت، أطلق راتشينز تعويذة أخرى؛ ليصرخ فيه ألديباران ويرفع قبضته عاليًا، ثم يهوي بها على جسد الرجل الذي لم يكن قادرًا على الحركة.
وعندما عجز عن العثور على الإجابة الصحيحة حتى نهاية النهاية، كان الحظ قد خذله تمامًا، لم يعتبر نفسه محظوظًا ولو مرة في حياته.
وجّه لكمة مباشرة إلى وجنته، وسدّد ركلة إلى بطنه، ثم ضربه على رأسه مرةً أخرى.
ومع ذلك، فإن غضبه في تلك اللحظة تجاوز بعمق الجروح السطحية التي تركتها الخيوط على جسده.
لم يستطع راشينز أن يقاوم تلك الضربات، فاضطر إلى تلقيها ككيس ملاكمة.
أوقفوهم! توسلتُ، أقوى مما توسلتُ من قبل.
حتى وإن كان ألديباران مجرد مقاتل من الدرجة الثانية أو الثالثة، فإنه لو ضغط على نقاط الضعف، يمكنه الإطاحة حتى بغارفيل. ومع ذلك―
ألدباران: “――التالي.”
راشينز «غوا، بـ…»
بل، وبالنظر إلى دهاء الخصم، فإن افتراض موت راشينز كان أكثر واقعية.
――لم يتوقف راشينز عن تلاوة تعويذاته.
صاحب وجه الخنزير: “حسنًا إذن، سنطبخه في قدرٍ من دمك.”
ألديباران: «لــمــاذااا!؟»
ولذلك――
ومجدداً، سحق الشرارة التي أوشكت أن تشتعل، ووجّه قبضته التي فعلت ذلك إلى راشينز.
كان قد اعتمد على خيوط فولاذية مشدودة بين الأشجار لتثبيت جسده، لكن قبضَة هائلة، بحجم رأسه تقريباً، باغتته بضربةٍ ساحقة.
ومع ذلك، رغم تلقيه سلسلة من اللكمات، لم تتوقف إشارات السحر الجديد، التي تحاول التدخل في العالم، عن الظهور حول راشينز.
ما إن نطق بهذا ، حتى أدرك كم تبدو مستفزة، فنقر لسانه داخل فمه بغيظ.
بمعنى آخر، حتى وإن تم كشف خطته الأخيرة، لم يكن راشينز لينكسر أو يستسلم.
ألديباران: “توقف!!”
ياي:« أل- ساما ، لن تكون هناك نهاية لهذا.»
فأسرع ألديباران بإنشاء جدارٍ من التراب، وتجاوز الموجة الأولى بقوةٍ خالصة.
تردد صوت خافت برقة في أذن ألديباران اللاهث.
وبما أن ذلك جعلهم غير قادرين على رصد تحركات راشينز ووحدته، فقد اتخذ الخصم أنسب خطوة لقطع تدفق المعلومات نحو هذا الجانب.
فيما بعد، رُفع رأس راشينز المقيّد أمامه، وكان هناك خيط فولاذي ملتف بإحكام حول عنقه، يعصر عنقه النحيل―― بل، بدأ يحاول قطع رأسه.
ولوهلةٍ وجيزة، بدا ذلك الوميض العابر للسيف راقيًا لدرجة أنه انطبع في عينيه، لكن لا بأس.
ياي: «عيناه تتكلمان. ما دام حياً، فسيفعل الأمر ذاته مراراً وتكراراً. أمر يبعث على الإعجاب فعلاً. أليس هذا هو الحلم الأعزّ لكل الصبية؟ في هذه الحال…»
شَقّ ألديباران وياي طريقهما عبر خيوط الفولاذ، عكس تيار الدخان الأبيض الذي طاردهما، محلقَين للتأكد من أمرٍ أخيرٍ بعد سلسلةٍ من محاولات التحقق.
ألديباران: «اخرسي!»
دفن ألديباران في الأرض، و بدا وكأن عموده الفقري قد كُسر، وعزيمته على القتال لم تعد تصل إلى أطرافه.
ياي: «――――»
لقد كان هذا الإنجاز استثنائياً إلى حدّ لا يُعقل.
حرّكت إصبعها المرفوع من يدها اليمنى، فتكوّن خط أحمر من الدماء على عنق راشينز.
«يا لك من خنزيرٍ غبي .»
صمتت ياي، بينما كان ألديباران يحدّق مباشرة في راشينز.
وعندها فقط، ظهر في ذهنه شك بحاجة إلى تحقق―― سواء كان في السماء أو على الأرض، كان صاحب وجه الخنزير دائمًا يسارع إلى ضرب ألديباران.
ومع رفع ذقنه، رمق راشينز ألديباران بنظرة من زاوية بدا فيها وكأنه ينظر إليه من الأعلى .
ومما رآه، بدا أن قاطع الطريق ضخم البنية―― غاستون ، هو من قفز إلى جانب ألدباران، متجاوزًا حتى الدخان الأبيض،
ثم――
ومع ذلك، ربما لم يكن راينهارد يُفكر كثيرًا في راتشينز، لكن بينهما قاسم مشترك: فكلاهما وُلد في عائلة نبيلة، وكلاهما كانت له خلافات مع والده . بالطبع، كان هناك فرق في ثقل الأعباء التي وُلد بها كل منهما، وكان يعلم أن راينهارد لم يفكر قط في التخلي عن ما قد تخلّى عنه راتشينز بأنانية.
راشينز: «يا… غبــي…»
ألدباران: “――هك!”
كسا ألديباران يده اليمنى بطبقة حجرية واقية، وسدّد بها ضربة قاسية إلى راشينز.
راتشينز: “أحــمــق.”
ضربة كانت أثقل من سابقاتها بطبيعتها، فانشقّ جبين راشينز، وتناثر دمه سريعاً.
وبينما رأسه يغرق في هذا الهراء من السخرية الداخلية، أدرك ألدباران شيئًا.
من المحتمل أنه كان ينوي قتله بهذه الضربة، ولكن――
ياي: “――وجدتها!”
ياي:«…أداء رائع.»
لكي يتمكن من ملاحقته باستمرار وقتله بدقّة، فلا بد أنه يستخدم وسيلةً ما .
وهي تصفق بكفيها، أثنت ياي على ما فعله، بينما تنظر إلى جسد راشينز المرتخي.
شعر ألديباران بالإحساس الذي كان يبحث عنه عند أطراف أصابعه، فأخرجها ورفعها عالياً مبتهجاً――
كانت ياي حساسة تجاه الحياة والموت أكثر من ألديباران نفسه . ومن خلال عينيها، تبيّن أن المسألة قد انتهت بإغماء راشينز دون أن تزهق روحه.
فمن غير الممكن على الإطلاق أن يتم تجهيز الغالبية العظمى من القوة العسكرية بمرايا التواصل .
ألديباران: «――――»
وخلال هذا التحقّق، غضّ الطرف عن تضحية هاينكل النبيلة.
لم يكن هذا المدح، ولا حقيقة أنّ راشينز قد فقد وعيه فحسب، كافيين لتعزية ألديباران.
ومع ذلك――
بل، وبأكثر مما كان يتصور، لم يكن بوسعه أن يستخفّ بهذا العدد ―ـ لم يكن مجرد رقم، بل خمسمئة شخص مشحونين بعزيمة لا تلين؛ وكان عليه أن يتعامل معهم على هذا الأساس.
سُحق تمامًا بتلك الجملة المختصرة ؛ لم يُبدِ أدنى استعداد للاستماع.
هاينكل: «هـ-هاي، ألديباران…»
وهكذا كشفت ياي عن الحيلة التي استخدمتها، لكن معناها ظل غامضًا لمن سمعها.
ألديباران: «آسف، لكن اصمت قليلًا.»
وسيلة الرفض في يدك، تلك القطعة البيضاء من القماش المشعة بالنور.
بعدما أنهى أمر راشينز، سمع صوت هاينكل، لكنه كان منهكاً ذهنياً أكثر مما توقع، بدرجة تتجاوز مجرد توسيع منطقته ، فلم يعد قادراً على منح هاينكل اهتمامه في تلك اللحظة.
وكأن قوى الرياح والجاذبية قد أُلغيت عنه، انطلق ألديباران فوق قمم الأشجار ممسكًا بياي بذراعٍ واحدة، ليهرب من ساحة المعركة التي اقتحمها راشينز ومجموعته.
ومع ذلك، فقد نجح في تحطيم مرآة المحادثة، وأزال تهديد الهجوم الأول .
لكنه، ولئلا ينتهي الأمر كما حدث في السابق ، لم يهرب إلى أعلى الأشجار، بل قفز متعمدًا إلى الوراء، واتخذ موقعًا بجانب هاينكل.
ولم يتبقَّ سوى――
روم: «――وربما لا.»
«يا لك من خنزيرٍ غبي .»
ولو أراد، لكان بوسعه أن يأخذها بعيدًا إلى الريف المعزول قبل أن تملك حتى وعيًا بذاتها أو بالعالم من حولها.
ألديباران:«――――»
ضُرب مباشرة على رأسه بضربة عنيفة، فغاص رأس ألديباران في تراب أرض الغابة.
كان اعتاد سماع هذه النكتة المهينة عن قبيلتهم، غير أن هذه المرة، خلافًا للمرات السابقة، لم تأتِ اللكمة معها.
وكان معروفًا عن الشينوبي امتلاكهم لقدراتٍ خارقة، لكن ياي كانت الوحيدة من بينهم التي أتقنت تقنية الخيوط الفولاذية――
لكنه لم يكن يدري إن كان يجدر به اعتبار ذلك دلالةً على أنه نجا من مأزق، أو إن كانت بداية تهديد جديد.
مُحتملًا مشاعر عارمة تفجّرت في صدره، شدّ على أسنانه بإحكام، وفي تلك اللحظة، تغيّر المشهد.
وذلك لأن――
راتشينز: “جوّا…”
«تتجمدون في أماكنكم بهذه السهولة؟! هل رؤوسكم محشوة بطعام خنازير؟»
النهاية الحتمية التي كانت تلوح في الأفق بدت وكأنها قابلة للمقاومة، قابلة للرفض، قابلة للهروب، وهذا ما ملأ قلبه بالأمل.
قال الرجل ذو الوجه الخنزيري بصوتٍ ثقيل، ولم يكن وحده؛ لقد رافق مجموعة راشينز ، لم يقتحم هذا المشهد بمفرده، بل وقف أمام مجموعة ألديباران كتشكيل المعركة الثاني.
ومع براعتها المتقنة في تحريكها، قامت بتثبيت الخيوط في الأشجار أمامهم أثناء تحليقهم، وسرعان ما قطعوا المسافات وهم يتأرجحون فوق الحبال كطرزان.
ألديباران: «――توسيع المنطقة ، إعادة تعريف المصفوفة.»
عند تلعثم ألديباران المذهول، أخرج راشينز لسانه الطويل وأطلق عليه إهانة.
……..
……
«تتجمدون في أماكنكم بهذه السهولة؟! أحقًا رؤوسكم محشوة طعام خنازير؟»
لا بسبب هاينكل الذي عجز عن الإصغاء، ولا بسبب راشينز الذي حاول تغطية جهله بالشجاعة؛ بل غضب من نفسه لأنه أخطأ التقدير.
سمع روم-جي صوت ملك الخنازير ، دولتيرو أمول، من خلال إحدى مرايا المحادثة المثبّتة على قفازاته ، فأدرك أن ذلك الوغد ذو الخوذة قد التقى بتشكيل المعركة الثاني.
بعيدًا عن مشاعر الكراهية ، دفع ألديباران هاينكل جانبًا، وقطع الغوّا بتهور―― لا، فهذه المرة تم إيقاف تفعيل ذلك السحر العظيم الذي كان متنكّرًا.
وبما أن أول اشتباك تمّ مع وحدة راشينز، فقد كان من حسن الحظ أن أقرب تشكيل كان دولتيرو، أقوى مقاتل من بين من جُمِعوا للمهمة.
ورغم أن شرارته الأولى قد انطفأت، أطلق راتشينز تعويذة أخرى؛ ليصرخ فيه ألديباران ويرفع قبضته عاليًا، ثم يهوي بها على جسد الرجل الذي لم يكن قادرًا على الحركة.
روم: «――――»
الفصل ٢٠ : كيف تستخدم الحياة
لكن، قبل أن يصل دولتيرو، كان قد دار صراع بين الوغد ذي الخوذة وراشينز، وحالة المجموعة التابعة لهذا الأخير ما تزال مجهولة. وبالطبع، لم يكن راشينز نفسه استثناءً.
عض على أسنانه حتى تصدّعت، ومع تصاعد الإحساس بالعذاب مع تغلغل الدخان إلى رئتيه، فتح حزمة السم بلسانه بحركةٍ اعتاد عليها جيدًا.
بل، وبالنظر إلى دهاء الخصم، فإن افتراض موت راشينز كان أكثر واقعية.
روم: «――وربما لا.»
حتى لو افترضنا أنهم كانوا قد توقعوا توزيع التشكيلات والتجهيزات، وعرفوا بوجود مرايا المحادثة، فإن أفعالهم التالية كانت――
طالما أن معركة قد نشبت، فلا يمكن أن يكونوا خرجوا منها سالمين دون إصابات.
تحت هجوم خصمٍ قد أتقن أسلوب التدفق دون شك، صرخ ألدباران من شدة الألم.
أفراد العصابات الإجرامية معروفون بقوتهم ، ولكن حتى في معسكرهم كان لا بد أن تقع ضحايا―― وكان من الحماقة الاعتماد على بصيص الأمل الذي ورد في التقرير الذي تلقّته غراسيس من فلام.
من خارج أفكار راتشينز الداخلية، كان من قاطع الحديث رجلاً في منتصف العمر ذو شعر أحمر—هاينكل.
لذا، أغلق روم-جي على مشاعره بين جفني عين، وركّز على الواقع الماثل أمامه.
وكان معروفًا عن الشينوبي امتلاكهم لقدراتٍ خارقة، لكن ياي كانت الوحيدة من بينهم التي أتقنت تقنية الخيوط الفولاذية――
بوجود دولتيرو، كان من الممكن أن يقضي على الوغد ذي الخوذة وحلفائه في رمشة عين―― لكن لا ينبغي التفكير بهذا التفاؤل.
ذلك العملاق العجوز، الذي كان بمثابة العقل المدبر لهذه العملية، قد أعدّ قفازات مزوّدة بعدد كبير من
فبالمعنى الحقيقي، ذلك الرجل تمكن من التخطيط ضد قديس السيف، والتنين الإلهي، وساحرة الحسد على حدّ سواء. ومع ذلك، لم يكن ذلك وحده ما يقلقه.
ألدباران: “――هك!”
روم: «…لقد حطّم مرآة المحادثة الخاصة بحامل المرآة دون أي تردد.»
وكان معروفًا عن الشينوبي امتلاكهم لقدراتٍ خارقة، لكن ياي كانت الوحيدة من بينهم التي أتقنت تقنية الخيوط الفولاذية――
وبما أن ذلك جعلهم غير قادرين على رصد تحركات راشينز ووحدته، فقد اتخذ الخصم أنسب خطوة لقطع تدفق المعلومات نحو هذا الجانب.
وكان هناك، كما أراد ألدباران تمامًا――
غير أن التنفيذ، مهما نظرنا إليه، كان غير طبيعي بشكل فاضح.
روم: “رغم أن فرصي قد تضاءلت كثيرًا مقارنةً بالماضي… لا تزال الكوابيس تلاحقني حتى هذا اليوم.”
حتى لو افترضنا أنهم كانوا قد توقعوا توزيع التشكيلات والتجهيزات، وعرفوا بوجود مرايا المحادثة، فإن أفعالهم التالية كانت――
لكن ما أذهله أكثر من تلك المرأة التي قيدته بالخيوط――
روم: «ما لم يكونوا يرون ما في عقولنا… أو شيئًا آخر تمامًا، فذلك ينبغي أن يكون مستحيلًا.»
بعيدًا عن مشاعر الكراهية ، دفع ألديباران هاينكل جانبًا، وقطع الغوّا بتهور―― لا، فهذه المرة تم إيقاف تفعيل ذلك السحر العظيم الذي كان متنكّرًا.
كان كل ذلك سخيفًا ، عالماً من السخرية كان ينبغي السخرية منه بوصفه مستحيلاً.
――لم يتوقف راشينز عن تلاوة تعويذاته.
ومع ذلك، بعدما عاش أكثر من مئة عام، كان روم-جي يعلم أن هناك قوى تتجاوز كلاً من منطقه السليم وخياله الجامح، وأن من يمتلكون مثل هذه القدرات قد يلعبون في نفس ساحة اللعب ذات يوم.
قيل له إن هذا الرجل هو والد راينهارد. وبالفعل، فإن الشعر الأحمر، والعينين الزرقاوين، وسيف الفارس الفاخر إلى حد مبالغ فيه، كلها كانت سمات تذكّره كثيرًا بعائلة أستريا.
أما أولئك الذين يتوقفون عن التفكير عند مواجهة هذه الكيانات، ويصفونه بالمستحيل ، فكان مصيرهم دوماً واحداً.
راشينز: “ما الذي يجري بحق الجحيم؟! أيها اللعين، كيف أصبت الهدف من أول محاولة…؟”
لم يكن باستطاعته أن يسمح لذلك المصير البائس أن يصيب من يحبهم.
بجانب ألديباران، الذي كان غارقًا في تأثير الضربة العنيفة، تمتمت ياي بوجه خالٍ من العاطفة.
روم: «――هناك أمر أرغب في التحقق منه. جميع المجموعات ، تغيير في الخطّة.»
كانت الخيوط الفولاذية قد أضعفت جسده، فانحنى راتشينز برأسه، وكأنه قد استسلم تمامًا.
تحدث إلى جميع مرايا المحادثة في الوقت نفسه ، ضيّق روم-جي عينيه، وبدأ بوضع استراتيجية.
كسا ألديباران يده اليمنى بطبقة حجرية واقية، وسدّد بها ضربة قاسية إلى راشينز.
ذلك الوغد ذو الخوذة، كان يجدر به أن يدرك أيضاً――
المراهنة بالحياة لا تحمل أي معنى على الإطلاق.
أن هذه المعركة، سواءً بالنسبة لهم أو للرجل ذي الخوذة، كانت سباقاً مع الزمن.
توقفوا! صرخت بأعلى صوتي، أقوى مما فعلتُ في أي وقتٍ مضى.
…….
وبحسب خبرته، كان أخطر الخصوم هم أولئك الذين حددوا هدفهم مسبقًا، وغلّفوه بعزمٍ لا يتزحزح.
Hijazi
لكن ذلك لم يكن نتيجة مقاومته، بل بدا وكأنه إنذار من تلك المرأة ذات الشعر الأحمر، ناسجة الخيوط، بسبب شتائمه.
«يا لك من خنزيرٍ غبي .»
