41.30
؟: [――حين تتحدث إليّ، انظر إليّ كما ينبغي!!]
آلديباران
في اللحظة التي تلقّى فيها الركلة العنيفة، دوّى إنذار داخل عقل “آلديباران”. وكان سبب ذلك التحذير الركلة ذاتها، إضافةً إلى عوامل أخرى أحاطت بها.
وعلى وقع رده الذي أثار الغضب في حزنها، خلقت إميليا أوتادًا من الجليد في الهواء.
أولًا، قوة الركلة وحدها ألحقت به ضررًا بالغًا، وجعلته يندهش من طول الساق المدهش التي ركلته، حتى فكّر بدهشة: *”أمن هنا إلى هناك… كلّه ساق!؟”* طرف النعل الجليدي الذي ارتدته الراكلة انغرس فيه، محطّمًا درعه الحجري، ومسبّبًا له مأزقًا خطيرًا؛ إذ بدأ الجليد يتجمّد على صدره حتى أخذ عظمه يصدر صريرًا.
――كتلةٌ صخريةٌ ضخمة، تعلو سماء العاصمة الملكيّة، يبلغ حجمها نحو مئة متر.
لكن السبب الأكبر لذلك الإنذار الصاخب كان كونها أصابت قلب الحقيقة بكلماتها الحادّة التي لم تترك له مجالًا للاعتذار.
غير أنّ――
―― *انظر إليّ كما ينبغي*، هكذا قالت. وقبلها قالت أيضًا: *تبدو وحيدًا حين تتحدث إليّ.*
تحت موضع الجليد الذي بدأ ينهش بطنه، وبينما كان يتذمّر بتلك الكلمات، كان عالقًا به رجلٌ جليديّ الملامح مصنوع من الجليد على هيئة شخص كريه.
آلديباران: [――هك.]
إميليا
كان مذهولًا من كونها قد استشعرت بدقة مشاعره المعقدة.
بهذه الكلمات ذاتها، أدرك آلديباران إدراكًا أعمق مدى سوء الوضع الذي وجد نفسه فيه.
لم يكن مغرورًا إلى درجة يظن فيها أنه نجح في إخفائها، لكنه كان قد افترض من تلقاء نفسه أنها تجهل هذه التفاصيل الدقيقة. غير أنه، حين أعاد التفكير، تذكّر أنها ببساطة لم تكن بارعة في كره الآخرين، لكنها كانت شديدة الحساسية تجاه الكراهية الصادرة عنهم. ―― فقد وُلدت في هذا العالم كأنصاف الجان ذات الشعر الفضي، ومن الطبيعي أن تكون كذلك.
ففي المقام الأول، لو كانت ستصنع شخصًا من الجليد، لكان الأولى بها أن تختار نموذجًا أكثر قوةً وصلابة―― شخصًا مثل “غارفيل”، ومع ذلك اختارت “ناتسكي سوبارو” بالذات.
آلديباران: [دروس الحياة كلّفتني غاليًا… هك.]
فما وراء السماء الضبابية البيضاء، كان هناك خطٌّ أزرق باهت يهبط بسرعةٍ خاطفةٍ نحو الأرض―― إنّه “آلديباران” الآخر، ورقته الرابحة التي كان ينوي استخدامها.
تحت موضع الجليد الذي بدأ ينهش بطنه، وبينما كان يتذمّر بتلك الكلمات، كان عالقًا به رجلٌ جليديّ الملامح مصنوع من الجليد على هيئة شخص كريه.
: [أعرف. وأنا أقول هذا وأنا مدرك تمامًا له. اكرهيني ما شئتِ.]
ذلك الرجل الجليدي أعاق حركته، فقبض “آلديباران” بيده اليسرى الحجرية المصنوعة بالسحر على رأسه، ومزّقه بلا رحمة عن جسده. ومع صرخة تمثال الجليد التي انطلقت كأنها “آآه!”، تحطّم الجسد المقطوع وتناثرت شظايا الجليد على الأرض.
وفي اللحظة التالية، دوّى صوتُ تكسّر السماء نفسها، مع ظهور شقوقٍ متعدّدة في الكتلة الصخريّة، وكان كلّ من شعر باختلال الأثير قادرًا على رؤيتها.
لم يكتفِ بمشابهته في الشكل، بل حتى في سهولة موته.
لقد كانت خطّته “أ” تعتمد على استخدام الهالة التنّينية لـ “آلديباران” لتبديد الموجة الباردة التي أطلقتها إميليا لتُخضع الميدان بأكمله لثلجها، وبذلك ينسحب من ساحة المعركة بأمان. أمّا الآن، وقد فقد تلك الورقة الرابحة، فلم يبقَ أمامه سوى تطبيق الخطة “ب” على وجه السرعة.
آلديباران: [هاك، خُذها أنت!]
كان من الممكن تجاهل هذا القول لولا أنه نطق به عامدًا، وقد قاله ليزيد الألم.
إميليا: [كياا! يا إلهي، هذا فظيع!]
: [――هاه! آل!!]
وعلى عكس الجسد الذي تحطّم، كان الرأس المقطوع يحاول عضّه، فقام بإلقائه عائدًا نحو المرأة التي كانت تطارده―― “إميليا”. وبعد أن رمقها وهي تلتقط الرأس بيديها قبل أن يصيب جسدها، كما لو كانت كرة تتفاداها، ألقى نظرة إلى بطنه.
ولم تكن تعلم أنّ ما دمّر “الرجل الجليدي” المعزّز بقوةٍ مضاعفةٍ هو خيطٌ فولاذيٌّ انبثق من الخاتم في إصبع آلديباران البنصر.
بدأ الجليد ينتشر من موضع الركلة، ولو استمر الحال كذلك، لتجمّد جسده بالكامل――
وأخرج لسانه داخل خوذته، شاعراً وكأنه ابتلع حشرة مرّة.
؟؟؟: [لو حدث ذلك، فسيكون نهايتك يا عمّي. أنت تعرف ما يجب فعله، أليس كذلك؟]
: [خطأ. لن أسمح لك بأكلها، ولا بأن تفقد السيطرة.]
كان المتحدث معلقًا مقلوبًا على عمودٍ من التراب، يتابع القتال بين “آلديباران” و”إميليا” بشغف―― “روي ألفارد”، بابتسامة عريضة تمتد من أذنٍ إلى أخرى، يلمّح له بطريقةٍ خبيثة عمّا ينبغي فعله حيال الجليد.
آلديباران: [أعرف هذا الشعور، إنه الوجه الذي لا يريد رؤيته.]
لم يكن بحاجة إلى نصيحةٍ من أسقف خطيئة. فبلا حاجةٍ لكلمة، عضّ “آلديباران” على أسنانه، وغرس نصل سيفه في بطنه الذي بدأ يتجمّد. ومن خلال ألمٍ محمومٍ ودماءٍ متدفقة، سدّ الجرح بالحجر، على بُعد خطوةٍ من انتحارٍ كاملٍ، متجنبًا نهايةً بائسة بتجمّده داخل الجليد.
إميليا: [لا تذهب! أعد سوبارو، أعد بياتريس――!]
تألّقت رؤيته بالأحمر من شدّة الألم، وضحك “روي” بصوتٍ مرتفعٍ ساخر: [آ-هاها~! هذا هو!]
وبارتفاع تلك العاطفة في صدرها، دوّى في السماء صوتُ تجمّدٍ واضحٍ وقاسٍ.
إميليا: [――هك، يا له من إجراء مؤلم.]
انهمرت قبضاتها المغلّفة بالجليد في وابلٍ من اللكمات التي حطّمت درعه الحجري المؤقّت، وبين الحطام المتناثر، التقط برأسه المثلّم رمحًا جليديًّا بذراعٍ حجريةٍ اصطناعية، لكنه سرعان ما ألقاه حين بدأ الجليد يزحف فوقه، وقفز إلى الخلف. ――وفي تلك اللحظة، كان “الرجل الجليدي” قد التفّ حوله، واصطدم به بضربة “تي شان كاو”.
آلديباران: [أوي أوي، لم تتركي لي خيارًا آخر. “إن لم تتحمّل الألم، فاستسلم واتجمّد.” عليك أن تكوني مدركةً أن هذا النوع من الهجوم الذي تستخدمينه، يا آنسة.]
لم تكونا كذلك، لكن――
إميليا: [――. نعم، وأنا أوافقك. لكن، لا تفهم الأمر خطأً يا آل.]
[روي]: [أُهيا~، بدا هذا مؤلمًا! يبدو أنّ طريقك وصل إلى نهايته يا عمّي.]
آلديباران: [خطأ؟]
آلديباران
إميليا: [لا يمكنك الصمود إن استخدمتَ الأسلوب نفسه الذي استعملتَه لبطنك على كامل جسدك، أليس كذلك؟]
أوقف آلديباران تقدّمها بذراعٍ صخريةٍ عملاقة، تشكّلت كقفّازٍ حجريٍّ يغلق الطريق برفقٍ وحزمٍ في آنٍ واحد.
كان ذلك إعلانًا صريحًا عن نيتها في مهاجمة جسده بالضربات نفسها التي وجهتها إلى بطنه.
إميليا
وكأنها لتؤكد عزمها، خفّت قسوة ملامحها الجميلة المتألمة، وبدأت نفحاتٌ بيضاء باردة تتصاعد قرب برج السجن. وبينما كانت رقائق الثلج تتساقط لتغطي ساحة المعركة، شعر “آلديباران” ببرودةٍ تلامس أصابعه، وبثقلٍ من الجدية في نية “إميليا”.
متنبّهةً إلى ما سيحدث، وبّخت ركبتيها المرتجفتين ونهضت واقفة.
آلديباران: [في العادة كنت سأقول إنك جميلة حتى في غضبك، لكنّك الآن مرعبة حقًا. فضلًا عن ذلك…]
لقد أدركت حتمًا أنه حتى لو انقسمت الكتلة إلى أجزاء، فإنّ الصخور الضخمة، التي يتجاوز بعضها عشرة أمتار، لو سقطت على المدينة، لأحدثت دمارًا واسعًا وضحايا لا يُحصَون.
وبينما كان يمزح، انشقّ الهواء أمامه إذ بدأ الرأس الجليدي الذي تحمله “إميليا” يستعيد جسده. وكأنّ الأمر يقول “ها هو الجسد الجديد!” بدلًا من “ها هو الوجه الجديد!”، إذ عاد التمثال الجليدي إلى كامل هيئته في بضع ثوانٍ، ملوّحًا بحيويةٍ مزعجة.
ولو كانت قادرةً على مطاردته بلا تردّد، لكانت حياتها أسهل بكثير. بلا شك، لو كانت من هذا النوع من الناس، لكانت تلك رحمةً لكلٍّ من إميليا وآلديباران.
ذلك الحماس الفارغ كان تقليدًا دقيقًا للأصل، ومثيرًا للغيظ بحق.
تلقّى الضربة السرّية من أسلوب “با جي تشيوان”، الذي تعلّمه بالتقليد، فطار جسده إلى الأمام. وهناك كانت إميليا بانتظاره، وقد حوّلت رمح الجليد إلى مطرقةٍ جليدية ضخمة، ورفعتها بحزم، ثمّ هوَت بها بكلّ ما أوتيت من قوّة.
آلديباران: […لقد نسختِه بدقةٍ مقزّزة.]
ومهما يكن، فإنّ غاية «آلديباران» من رفع تلك الكتلة الصخرية إلى السماء كانت جليّة――
إميليا: [أسلوب مدحك يشبه أسلوب “رام”. الجميع في القصر يقولون إنك تشبهه كثيرًا في ذلك.]
ولذلك، فإنّ السبيل الوحيد لمنع الكارثة هو أن يتصدّى لها من يقدر على ذلك.
آلديباران: [هه. رغم أنه هو بالتحديد من كان سيُظهر وجهًا منزعجًا.]
آلديباران
إميليا: [وكيف عرفت ذلك؟]
في تلك المعركة، كان آلديباران و«آلديباران» الآخر، وكلاهما يحمل ذات الذات، قد استعملا السحر عبر توقيعٍ سحريٍّ مشترك―― حيث كان آلديباران يقترض المانا من «آلديباران» لتفعيل السحر. أما الآن، فالأمر بالعكس.
آلديباران: [أعرف هذا الشعور، إنه الوجه الذي لا يريد رؤيته.]
آلديباران: [اللعنة.]
اتسعت عينا “إميليا” في غضبٍ عند سماع جوابه البسيط. ربما ظنت أنه يسخر منها، لكن ما قاله كان رأيًا صادقًا خالصًا.
: [لقد أصبح أصلب من ذي قبل!]
ففي المقام الأول، لو كانت ستصنع شخصًا من الجليد، لكان الأولى بها أن تختار نموذجًا أكثر قوةً وصلابة―― شخصًا مثل “غارفيل”، ومع ذلك اختارت “ناتسكي سوبارو” بالذات.
وضعت الكائنات الجليدية يديها على القفّاز الحجريّ، وقفزت فوقه برشاقةٍ عبر ارتدادٍ بهلواني.
وبفضل هذا، استطاع “آلديباران” تدمير الرجل الجليدي دون أي تردّد.
آلديباران: [――أوغـه.]
آلديباران: [لو كان جنديًا، ألم يكن من الأفضل أن تصنعيه على هيئة أكثر صلابة؟]
[روي]: [لا أستطيع أن أرى بوضوح بسبب الثلج، لكن يبدو أنّ الأوضاع تزداد سوءًا في البلدة أيضًا، أليس كذلك~؟ ما رأيك أن تصرخ وتطلب النجدة بأعلى صوتك يا عمّي؟]
إميليا: [――؟ لكن لهذا السبب بالتحديد استخدمت سوبارو كنموذج؟]
كان بإمكانه أن يحاول إعادة المحاولة باستخدام “سلطانه”، فيستدعي “آلديباران” إليه قبل ياي وفيلت. غير أنّه إن فعل ذلك، فستُترك ياي دون أي تعزيزات، وستسقط حتمًا أمام العدو المجهول.
آلديباران: […أفهم. لم يكن عليّ أن أسأل.]
وبينما كان يمزح، انشقّ الهواء أمامه إذ بدأ الرأس الجليدي الذي تحمله “إميليا” يستعيد جسده. وكأنّ الأمر يقول “ها هو الجسد الجديد!” بدلًا من “ها هو الوجه الجديد!”، إذ عاد التمثال الجليدي إلى كامل هيئته في بضع ثوانٍ، ملوّحًا بحيويةٍ مزعجة.
وأخرج لسانه داخل خوذته، شاعراً وكأنه ابتلع حشرة مرّة.
ومهما يكن، فإنّ غاية «آلديباران» من رفع تلك الكتلة الصخرية إلى السماء كانت جليّة――
كان الحوار مع “إميليا” يرهقه نفسيًا أكثر من الألم الذي تسبّبت به ركلتها.
[روي]: [حتى لو طلبتَ تعاوننا، كما ترى~.]
فقد كانت سلطته، التي تحافظ على مجاله، تتطلّب ذهنًا مستقرًا، غير أن “إميليا” كانت تجسيدًا حيًا للفوضى التي تزلزل توازنه بسهولة.
وفوق ذلك، كان يعذّب قلبه أن يؤذي “إميليا”، فضلًا عن أن يصيبها في نفسها. ―― كانت هذه هي ثغرته القاتلة التي وُلد بها.
آلديباران: [اللعنة.]
لم تكونا كذلك، لكن――
بصراحة، مواجهته لـ”إميليا” هنا لم تكن ضمن حساباته.
تألّقت رؤيته بالأحمر من شدّة الألم، وضحك “روي” بصوتٍ مرتفعٍ ساخر: [آ-هاها~! هذا هو!]
فبعد عودته إلى المملكة من “فولاكيا”، كان قد دبّر بعناية مسار المجموعة المتجهة إلى برج “بليادس”. وبالطبع، علم أن “إميليا” و”أوتو” سيتوجهان إلى العاصمة الملكية، لكنه خطط لاستعادة “روي” بسرعةٍ والمغادرة بأمان قبل وقوع أي طارئ. ―― لكن يبدو أن حشرة “زودا” قلبت خططه رأسًا على عقب.
روي: [――آه~، شكرًا على الوجبة!]
آلديباران: […يبدو أن أول من جرّ عليّ هذا النحس كانت الآنسة “فيلت”.]
إميليا: [أسلوب مدحك يشبه أسلوب “رام”. الجميع في القصر يقولون إنك تشبهه كثيرًا في ذلك.]
فلأجل مواجهة “راينهارد” في أسوأ حالاته، في كثبان “أوغريا” الرملية، استغلّ “آلديباران” حماية “فلام” الإلهية في البرج، وجعلها تُبلغ أختها الصغرى بخيانته. وكنتيجة لذلك، ظهر “راينهارد” في الرمال، وجهزت “فيلت” كمينًا له―― ولم تحتفظ بالمعلومة لنفسها.
لم تكن ياي، ولا فيلت، من الضروريات بالنسبة إلى هدف آلديباران.
في ظلّ أزمةٍ كهذه، حين جُرح حلفاؤها في البرج، وخضع التنين المقدس، حامي المملكة، للعدو، فقد أحسنت “فيلت” التصرّف برباطة جأشٍ تُحسب لها. ظنّ في البداية أنّ ذلك اقتراح من “فالغا كرومويل”، لكنه اضطر لهزّ رأسه نافيًا.
ولذلك، فإنّ السبيل الوحيد لمنع الكارثة هو أن يتصدّى لها من يقدر على ذلك.
فـ”فيلت” كانت من أولئك الذين اعترفت “بريسيلا” بهم كمنافسين، وجدارتها بالعرش تستحق الثناء حقًا.
[روي]: [هاه، يا عمّي، كم تعرف عنّا حقًا؟ لا تقل لي إنّك والدنا الحقيقي، أليس كذلك~؟]
وفي كل الأحوال، اختارت “فيلت” التصرف الأفضل وسط ظروفٍ ضاغطة، وبذلك استخدمت “إميليا” المعلومات التي تلقتها منها خير استخدام.
كانت الخطة «ب»――
ونتيجة لذلك، أُحبطت محاولة “آلديباران” للهرب من برج السجن، ليجد نفسه في هذا الموقف البائس، يواجه “إميليا”.
[روي]: [لا أستطيع أن أرى بوضوح بسبب الثلج، لكن يبدو أنّ الأوضاع تزداد سوءًا في البلدة أيضًا، أليس كذلك~؟ ما رأيك أن تصرخ وتطلب النجدة بأعلى صوتك يا عمّي؟]
آلديباران: [――――]
أما وابل الصخور الهاطل على العاصمة الملكية، فقد اعترضته أبراجٌ من الجليد ارتفعت واحدًا تلو الآخر، لتحول دون سقوطها على المدينة.
أمام ناظريه، كانت “إميليا” تُدخل يديها في قفازاتٍ جليدية وهي تقف بجوار التمثال الجليدي المزعج الذي اتخذ وضعية القتال الثانية، ترمقه بنظرة حذرة.
آلديباران: [أُعوّل عليكِ ألا تدعي واحدةً منها تسقط على المدينة.]
في عينيها البنفسجيتين كان يتّقد عزمٌ قوي، يوحي بأنها لن تخسر مهما فعل، ومع ذلك لم يكن أمام “آلديباران” سوى القليل ليفعله حقًا.
: [أعرف. وأنا أقول هذا وأنا مدرك تمامًا له. اكرهيني ما شئتِ.]
كان يصدّ هجماتها بسيوفٍ حجرية تحاكي فنونها الجليدية، مسميًا إياها “فنون الأرض”، غير أن الفارق بين قوتيهما كان كالفرق بين الليل والنهار. قدرته على الصمود لا تُقارن بها، ولا يمكنه حتى أن يصنع جنودًا أرضيين يعتمد عليهم.
روي: [أوغـه.]
وفوق ذلك، كان يعذّب قلبه أن يؤذي “إميليا”، فضلًا عن أن يصيبها في نفسها. ―― كانت هذه هي ثغرته القاتلة التي وُلد بها.
ودليل ذلك――
ولم يزد الأمر سوءًا إلا كون أساليب “إميليا”، المصممة للإمساك بالأحياء، تتنافر تمامًا مع سلطته.
لكن السبب الأكبر لذلك الإنذار الصاخب كان كونها أصابت قلب الحقيقة بكلماتها الحادّة التي لم تترك له مجالًا للاعتذار.
وهكذا، بعد أن زال “ناتسكي سوبارو” و”راينهارد” من طريقه، غدت “إميليا” عدوه الطبيعي―― بل بعد شخصٍ واحدٍ فقط، كانت أسوأ خصومه على الإطلاق.
إميليا: [أسلوب مدحك يشبه أسلوب “رام”. الجميع في القصر يقولون إنك تشبهه كثيرًا في ذلك.]
آلديباران: [مهما يكن――]
: [أعرف. وأنا أقول هذا وأنا مدرك تمامًا له. اكرهيني ما شئتِ.]
مهما حلّل الوضع، لم يجد فيه بصيصًا من الأمل، وكاد أن يبكي، لكنه لم يعرف في حياته أن الشكوى قد أنقذته من مأزقٍ قط.
لم تكن ياي، ولا فيلت، من الضروريات بالنسبة إلى هدف آلديباران.
وإذ عجز عن توجيه ضربةٍ حاسمةٍ بجهده أمام خصمٍ يردّ عليه بلا وعي، لم يبقَ أمامه سوى أن يعتمد على دعمٍ خارجيّ لينهي المعركة. ―― ثم حدث ذلك، بالضبط حين كان على وشك استخدام ورقته الرابحة.
روي: [إنها تبكي، كما تعلم~، تلك الأخت الكبيرة.]
―― شقّ السحاب الباهت، فرأى التنين يهبط فوق المقاطعة النبيلة.
لم يكن من المستحسن أن يضيع آلديباران مزيدًا من الوقت.
آلديباران: [أحقًا هذا يحدث؟]
تقلّبت الاضطرابات العنيفة في عينيها البنفسجيتين المتّسعتين، وانهارت على ركبتيها في موضعها.
تمتم بذلك لا إراديًا وهو يرقب ما يراه.
كلّ ما يرجوه في تلك اللحظة هو أن يلتئم شمل رفاقه في نقطة اللقاء.
فما وراء السماء الضبابية البيضاء، كان هناك خطٌّ أزرق باهت يهبط بسرعةٍ خاطفةٍ نحو الأرض―― إنّه “آلديباران” الآخر، ورقته الرابحة التي كان ينوي استخدامها.
آلديباران
وإن كان متجهًا نحو المقاطعة النبيلة بكل تلك العزيمة―― نحو حيث أبقى “ياي” و”فيلت” في الانتظار، فالأرجح أنّ هدفه كان إنقاذهما.
―― شقّ السحاب الباهت، فرأى التنين يهبط فوق المقاطعة النبيلة.
كان ذلك يعني أنّ كائنًا لا تستطيع “ياي” التعامل معه بمفردها قد أُرسل إلى قصر بارييل.
روي: [يا لك من رجلٍ قاسٍ أيها العم.]
وبما أنّ “آلديباران” كان قد تدخّل على الفور، فإنّ فرص نجاة ياي كانت نصفًا بنصف. ――وفي الوقت نفسه، كان ذلك يعني أنّ “آلديباران” لن يتمكّن من الاستعانة بـ “آلديباران” الآخر في مأزقه الحالي.
آلديباران: [ما زلت أقاتل وأنا أنوي ألا يموت أحد. ولهذا…]
آلديباران
قفز الرجل الجليدي فوق رأسه وتقدّم نحو العمود الأرضيّ، فخلق آلديباران شظايا من الحجارة ليطوّقه ويحطّمه، لكن――
: [هل أنتِ جادّة…؟]
كان روي، المعلّق رأسًا على عقب، يُثير أعصاب آلديباران عمدًا وهو يرى كيف يُحاصر.
بهذه الكلمات ذاتها، أدرك آلديباران إدراكًا أعمق مدى سوء الوضع الذي وجد نفسه فيه.
كانت العلاقة بينهما قائمةً على الإكراه بفضل “خاتم اللعنة” الذي يجبر روي على الطاعة. ومع أنّ آلديباران لم يُبدِ أيّ نيةٍ للتودّد، إلا أنّ روي استقبل ذلك بابتسامةٍ متشفّيةٍ ولعقٍ لشفتيه.
كان بإمكانه أن يحاول إعادة المحاولة باستخدام “سلطانه”، فيستدعي “آلديباران” إليه قبل ياي وفيلت. غير أنّه إن فعل ذلك، فستُترك ياي دون أي تعزيزات، وستسقط حتمًا أمام العدو المجهول.
لكنها لم تستسلم لأنانيتها، فاختارت استخدام سحرها لحماية الآخرين، لتمنح آلديباران فرصة الفرار.
لم تكن ياي، ولا فيلت، من الضروريات بالنسبة إلى هدف آلديباران.
وطبيعيّ أن لا تتبعه أيّ هجمةٍ منه، إذ كانت كلّ قوّتها مكرّسة الآن لإنقاذ الناس.
لم تكونا كذلك، لكن――
لم يستطع أن يطلق حتى صرخة ألم، فتدحرج جسده في الهواء بعنف.
تنازل عن فرصته لابتلاع السمّ في فمه، وأطلق شتيمةً غاضبة.
[روي]: [لا أستطيع أن أرى بوضوح بسبب الثلج، لكن يبدو أنّ الأوضاع تزداد سوءًا في البلدة أيضًا، أليس كذلك~؟ ما رأيك أن تصرخ وتطلب النجدة بأعلى صوتك يا عمّي؟]
لقد كانت خطّته “أ” تعتمد على استخدام الهالة التنّينية لـ “آلديباران” لتبديد الموجة الباردة التي أطلقتها إميليا لتُخضع الميدان بأكمله لثلجها، وبذلك ينسحب من ساحة المعركة بأمان. أمّا الآن، وقد فقد تلك الورقة الرابحة، فلم يبقَ أمامه سوى تطبيق الخطة “ب” على وجه السرعة.
أولًا، قوة الركلة وحدها ألحقت به ضررًا بالغًا، وجعلته يندهش من طول الساق المدهش التي ركلته، حتى فكّر بدهشة: *”أمن هنا إلى هناك… كلّه ساق!؟”* طرف النعل الجليدي الذي ارتدته الراكلة انغرس فيه، محطّمًا درعه الحجري، ومسبّبًا له مأزقًا خطيرًا؛ إذ بدأ الجليد يتجمّد على صدره حتى أخذ عظمه يصدر صريرًا.
ولتنفيذ “الخطة ب”، كان عليه أولًا أن يُفكّر بسرعة في ما ستكون عليه “الخطة ب”.
فبكثافةٍ جليديةٍ متزايدة، صدّ الجسدُ الجليديّ الصلب تلك الشظايا.
وفي تلك الأثناء――
وبينما كان يمزح، انشقّ الهواء أمامه إذ بدأ الرأس الجليدي الذي تحمله “إميليا” يستعيد جسده. وكأنّ الأمر يقول “ها هو الجسد الجديد!” بدلًا من “ها هو الوجه الجديد!”، إذ عاد التمثال الجليدي إلى كامل هيئته في بضع ثوانٍ، ملوّحًا بحيويةٍ مزعجة.
آلديباران
مقاومًا الإحساس المقيت بالغثيان، رفع آلديباران يده نحو السماء.
: [أترين هذا، يا صغيرة؟ إن استمر الحال هكذا، فشريكي سيجنّ ويدمّر العاصمة الملكية――]
إميليا
إميليا
ودليل ذلك――
: [قيل لي إنّ القلق بشأن ذلك ليس من اختصاصي!]
متنبّهةً إلى ما سيحدث، وبّخت ركبتيها المرتجفتين ونهضت واقفة.
اندفعت إميليا بثبات نحو آلديباران، بينما هو يحاول كسب مزيدٍ من الوقت للتفكير.
: [إن كان هو أنا…]
لقد شعر، من وراء الجدار، بهجوم “آلديباران”―― التنين المقدّس. وشجاعةُ إميليا في أن تثق بحلفائها وتتجاهل ذلك كانت مفرطة إلى حدٍّ لا يُصدَّق. وكان هذا وحده كافيًا ليثبت أنّها تؤمن إيمانًا تامًّا بمن وضع هذه الخطّة، غير أنّ هذا الإيمان لم يكن أمرًا يستطيع أيّ أحد فعله لمجرّد أن يُقال له ذلك.
[روي]: [هاه، يا عمّي، كم تعرف عنّا حقًا؟ لا تقل لي إنّك والدنا الحقيقي، أليس كذلك~؟]
ولهذا، فإنّ حقيقة أنّها كانت الخطوة المثلى ضدّ آلديباران جعلت الأمر أكثر إيلامًا له.
لكن السبب الأكبر لذلك الإنذار الصاخب كان كونها أصابت قلب الحقيقة بكلماتها الحادّة التي لم تترك له مجالًا للاعتذار.
إميليا
إميليا
: [هيااه! تيه! دُودوه! ياه!]
لم يلتفت نحو إميليا التي كان يقاتلها منذ لحظات، وركض بأقصى ما تطيقه قدماه.
تذكّرت سياستها الأولى وكأنّها تذكّرتها فجأة، فتخلّت عن الحوار، وأطلقت سلسلةً عنيفةً من الهجمات المتلاحقة.
――كتلةٌ صخريةٌ ضخمة، تعلو سماء العاصمة الملكيّة، يبلغ حجمها نحو مئة متر.
انهمرت قبضاتها المغلّفة بالجليد في وابلٍ من اللكمات التي حطّمت درعه الحجري المؤقّت، وبين الحطام المتناثر، التقط برأسه المثلّم رمحًا جليديًّا بذراعٍ حجريةٍ اصطناعية، لكنه سرعان ما ألقاه حين بدأ الجليد يزحف فوقه، وقفز إلى الخلف. ――وفي تلك اللحظة، كان “الرجل الجليدي” قد التفّ حوله، واصطدم به بضربة “تي شان كاو”.
أما وابل الصخور الهاطل على العاصمة الملكية، فقد اعترضته أبراجٌ من الجليد ارتفعت واحدًا تلو الآخر، لتحول دون سقوطها على المدينة.
آلديباران
وفوق ذلك، كان يعذّب قلبه أن يؤذي “إميليا”، فضلًا عن أن يصيبها في نفسها. ―― كانت هذه هي ثغرته القاتلة التي وُلد بها.
: [غوه، آهـ――!!]
: [روي! إن كنت لا تريد الموت، فأعِنّي!]
تلقّى الضربة السرّية من أسلوب “با جي تشيوان”، الذي تعلّمه بالتقليد، فطار جسده إلى الأمام. وهناك كانت إميليا بانتظاره، وقد حوّلت رمح الجليد إلى مطرقةٍ جليدية ضخمة، ورفعتها بحزم، ثمّ هوَت بها بكلّ ما أوتيت من قوّة.
؟: [――حين تتحدث إليّ، انظر إليّ كما ينبغي!!]
اخترق الهواءَ أثرُ الضربة الباردة المشبعة بالقوّة، وما إن أيقن آلديباران أنّه لن يتمكّن من تفاديها، حتى غلّف جسده كلّه بدرعٍ من التراب دون أن يترك أيّ فجوة―― فهوت الضربة عليه بكلّ شدّتها.
فلأجل مواجهة “راينهارد” في أسوأ حالاته، في كثبان “أوغريا” الرملية، استغلّ “آلديباران” حماية “فلام” الإلهية في البرج، وجعلها تُبلغ أختها الصغرى بخيانته. وكنتيجة لذلك، ظهر “راينهارد” في الرمال، وجهزت “فيلت” كمينًا له―― ولم تحتفظ بالمعلومة لنفسها.
لم يستطع أن يطلق حتى صرخة ألم، فتدحرج جسده في الهواء بعنف.
سمع نداءها الممزّق للقلب، لكنه لم يتوقّف.
صمد ضدّ الجليد الذي كان يلتهم دروعه الترابية، لكنّ تلك الحماية لم تكن إلا كمن يضع منديلًا رقيقًا بينه وبين السلاح. وبينما كانت رؤيته تدور بعنف، ارتطم بجسمٍ صلب، وسقط أرضًا بقوّة.
وإذ عجز عن توجيه ضربةٍ حاسمةٍ بجهده أمام خصمٍ يردّ عليه بلا وعي، لم يبقَ أمامه سوى أن يعتمد على دعمٍ خارجيّ لينهي المعركة. ―― ثم حدث ذلك، بالضبط حين كان على وشك استخدام ورقته الرابحة.
[روي]: [أُهيا~، بدا هذا مؤلمًا! يبدو أنّ طريقك وصل إلى نهايته يا عمّي.]
ورآها آلديباران في تلك الحالة، فعضّ على أضراسه وقفز إلى الوراء.
وبيده على الأرض المغطّاة بالثلج، سمع آلديباران صوتَ مراقبٍ مسرورٍ من فوقه، وأدرك أنّه قد اصطدم بالعمود الحجريّ الذي كان “روي” مقيّدًا إليه. لقد طار مسافة عشرة أمتار تقريبًا، وكان الألم يطحن عظامه جميعها. ولم يكن لديه حتى متّسعٌ ليبادل السخرية بسخرية.
آلديباران
لم يكن من المستحسن أن يضيع آلديباران مزيدًا من الوقت.
إميليا: [――آه، آل!]
فأسلوب قتال إميليا، الذي يعتمد على خفض حرارة البيئة، كان طريقةً شيطانيةً تراكمت فيها التأثيرات السلبية مع مرور الوقت كما يتراكم الثلج، كما أنّ احتمال ظهور تعزيزاتٍ للعدوّ كان واردًا في أيّ لحظة.
[روي]: [أُهيا~، بدا هذا مؤلمًا! يبدو أنّ طريقك وصل إلى نهايته يا عمّي.]
وكلّما زاد عدد الخصوم، ازدادت صعوبة النصر أضعافًا، وقد أدرك ذلك تمام الإدراك خلال معركته ضدّ فصيلة فيلت. ――بل وكان من المحتمل جدًا أن يظهر بينهم “عدوّه الطبيعي”.
صرخ آلديباران، فتوسّعت عينا إميليا وامتلأ صوتها بالغضب.
[روي]: [لا أستطيع أن أرى بوضوح بسبب الثلج، لكن يبدو أنّ الأوضاع تزداد سوءًا في البلدة أيضًا، أليس كذلك~؟ ما رأيك أن تصرخ وتطلب النجدة بأعلى صوتك يا عمّي؟]
قفز الرجل الجليدي فوق رأسه وتقدّم نحو العمود الأرضيّ، فخلق آلديباران شظايا من الحجارة ليطوّقه ويحطّمه، لكن――
آلديباران
ولم تكن تعلم أنّ ما دمّر “الرجل الجليدي” المعزّز بقوةٍ مضاعفةٍ هو خيطٌ فولاذيٌّ انبثق من الخاتم في إصبع آلديباران البنصر.
: [اخرس… اللعنة عليك. فقط الزم الصمت وابقَ――]
قالها بصوتٍ خفيضٍ جازم، والتقت عيناه بعيني روي المقلوب المعلّق على العمود الطيني خلفه، عارضًا عليه خيارًا ثالثًا غير الأكل أو الهياج.
كان روي، المعلّق رأسًا على عقب، يُثير أعصاب آلديباران عمدًا وهو يرى كيف يُحاصر.
متنبّهةً إلى ما سيحدث، وبّخت ركبتيها المرتجفتين ونهضت واقفة.
اشتعل الغضب في صدره، متسائلًا إن كان عليه أن يموت موتًا عبثيًا إضافيًا فقط ليكمم فم ذلك الوغد المبتسم―― لكنّ ما رآه أبعد من سخطه كان بصيص أملٍ مضيءٍ لـ “الخطة ب”.
كان ذلك يعني أنّ كائنًا لا تستطيع “ياي” التعامل معه بمفردها قد أُرسل إلى قصر بارييل.
آلديباران
لم يكن مغرورًا إلى درجة يظن فيها أنه نجح في إخفائها، لكنه كان قد افترض من تلقاء نفسه أنها تجهل هذه التفاصيل الدقيقة. غير أنه، حين أعاد التفكير، تذكّر أنها ببساطة لم تكن بارعة في كره الآخرين، لكنها كانت شديدة الحساسية تجاه الكراهية الصادرة عنهم. ―― فقد وُلدت في هذا العالم كأنصاف الجان ذات الشعر الفضي، ومن الطبيعي أن تكون كذلك.
: [إن كان هو أنا…]
بل فقط――
من بعيد، شعر باهتزاز الضباب الأبيض، ما دلّ على أنّ “آلديباران” الآخر كان يخوض معركةً شعواء.
روي: [أوغـه.]
وفي حدود علمه، لم يكن هناك الكثير من المرشّحين القادرين على مقاتلة “آلديباران” حتى الموت، غير أنّه لم يملك سوى أن يؤمن ويسلّم بأنّ النصر سيكون للتنين.
لم يكن مغرورًا إلى درجة يظن فيها أنه نجح في إخفائها، لكنه كان قد افترض من تلقاء نفسه أنها تجهل هذه التفاصيل الدقيقة. غير أنه، حين أعاد التفكير، تذكّر أنها ببساطة لم تكن بارعة في كره الآخرين، لكنها كانت شديدة الحساسية تجاه الكراهية الصادرة عنهم. ―― فقد وُلدت في هذا العالم كأنصاف الجان ذات الشعر الفضي، ومن الطبيعي أن تكون كذلك.
وكان عليه أن يؤمن لا بانتصار التنين فحسب، بل بأنّ “آلديباران” الآخر قد وضع بالفعل الأسسَ لـ “الخطة ب” وهو يعلم أنّه لن يستطيع مدّ يد العون.
[روي]: [لا أستطيع أن أرى بوضوح بسبب الثلج، لكن يبدو أنّ الأوضاع تزداد سوءًا في البلدة أيضًا، أليس كذلك~؟ ما رأيك أن تصرخ وتطلب النجدة بأعلى صوتك يا عمّي؟]
ولكي تتحقّق تلك الخطة المجهولة――
وبما أنّ “آلديباران” كان قد تدخّل على الفور، فإنّ فرص نجاة ياي كانت نصفًا بنصف. ――وفي الوقت نفسه، كان ذلك يعني أنّ “آلديباران” لن يتمكّن من الاستعانة بـ “آلديباران” الآخر في مأزقه الحالي.
آلديباران
أما وابل الصخور الهاطل على العاصمة الملكية، فقد اعترضته أبراجٌ من الجليد ارتفعت واحدًا تلو الآخر، لتحول دون سقوطها على المدينة.
: [روي! إن كنت لا تريد الموت، فأعِنّي!]
―― *انظر إليّ كما ينبغي*، هكذا قالت. وقبلها قالت أيضًا: *تبدو وحيدًا حين تتحدث إليّ.*
إميليا
كلّ ما يرجوه في تلك اللحظة هو أن يلتئم شمل رفاقه في نقطة اللقاء.
: [――هاه! آل!!]
روي: [إنها تبكي، كما تعلم~، تلك الأخت الكبيرة.]
صرخ آلديباران، فتوسّعت عينا إميليا وامتلأ صوتها بالغضب.
تذكّرت سياستها الأولى وكأنّها تذكّرتها فجأة، فتخلّت عن الحوار، وأطلقت سلسلةً عنيفةً من الهجمات المتلاحقة.
وفي نبرةٍ يختلط فيها الذهول بالاستنكار، أدرك آلديباران أنّ سمعته ما زال لديها مجالٌ لتزداد سوءًا، رغم أنّه ظنّها بلغت الحضيض عندما أطلق سراح روي من برج السجن―― لا، حين حبس ناتسُكي سوبارو نفسه.
وضعت الكائنات الجليدية يديها على القفّاز الحجريّ، وقفزت فوقه برشاقةٍ عبر ارتدادٍ بهلواني.
آلديباران
اشتعل الغضب في صدره، متسائلًا إن كان عليه أن يموت موتًا عبثيًا إضافيًا فقط ليكمم فم ذلك الوغد المبتسم―― لكنّ ما رآه أبعد من سخطه كان بصيص أملٍ مضيءٍ لـ “الخطة ب”.
: [لكن إن دعت الحاجة، فحتى قوّة “رئيس خطيئة” يمكن استعارتها. ناتسُكي سوبارو فعل الشيء نفسه في الإمبراطورية، أليس كذلك؟ ما المشكلة؟]
صرخ آلديباران، فتوسّعت عينا إميليا وامتلأ صوتها بالغضب.
إميليا
آلديباران: […يبدو أن أول من جرّ عليّ هذا النحس كانت الآنسة “فيلت”.]
: [مع أنّك تعلم أنّ الأمر ليس بهذه البساطة!]
وفي كل الأحوال، اختارت “فيلت” التصرف الأفضل وسط ظروفٍ ضاغطة، وبذلك استخدمت “إميليا” المعلومات التي تلقتها منها خير استخدام.
آلديباران
: [أترين هذا، يا صغيرة؟ إن استمر الحال هكذا، فشريكي سيجنّ ويدمّر العاصمة الملكية――]
: [أعرف. وأنا أقول هذا وأنا مدرك تمامًا له. اكرهيني ما شئتِ.]
لم تكونا كذلك، لكن――
كان معتادًا أن تكرهه إميليا. ――لكن ذلك كذبة.
بصراحة، مواجهته لـ”إميليا” هنا لم تكن ضمن حساباته.
فالحقيقة أنّه لم يكن حتى في موضعٍ يُلاحَظ فيه ليُكره أصلًا.
صمد ضدّ الجليد الذي كان يلتهم دروعه الترابية، لكنّ تلك الحماية لم تكن إلا كمن يضع منديلًا رقيقًا بينه وبين السلاح. وبينما كانت رؤيته تدور بعنف، ارتطم بجسمٍ صلب، وسقط أرضًا بقوّة.
إميليا
كان يظنّ أنه قد فهم المبدأ، بل وتمكّن حتى من تصوّر ما سيحدث.
: [أنتَ―― هك!]
؟: [――حين تتحدث إليّ، انظر إليّ كما ينبغي!!]
وعلى وقع رده الذي أثار الغضب في حزنها، خلقت إميليا أوتادًا من الجليد في الهواء.
اندفعت إميليا بثبات نحو آلديباران، بينما هو يحاول كسب مزيدٍ من الوقت للتفكير.
وبقدراتها السحرية التي تمزج بين القتال اليدوي والسحر الجليدي، وجّهت تلك الأوتاد نحو آلديباران و”روي”، لتُمطرهما بها كما لو كانت قصفًا شاملًا. كان ذلك تعبيرًا عن نيتها الحازمة لوقفهما، لكن هجومها العجول ارتدّ حين استخدم آلديباران سحر الأرض ليقلب الأرض كأنّها بساط من حصير التاتامي، مشكّلًا ملجأً مؤقّتًا من الطين.
روي: [――آه~، شكرًا على الوجبة!]
[روي]: [حتى لو طلبتَ تعاوننا، كما ترى~.]
صمد ضدّ الجليد الذي كان يلتهم دروعه الترابية، لكنّ تلك الحماية لم تكن إلا كمن يضع منديلًا رقيقًا بينه وبين السلاح. وبينما كانت رؤيته تدور بعنف، ارتطم بجسمٍ صلب، وسقط أرضًا بقوّة.
كان المأوى يهتزّ تحت وطأة الضربات، ولن يصمد طويلًا.
إميليا: [وكيف عرفت ذلك؟]
تركّز انتباه آلديباران على إبقائه قائمًا، بينما روي، رغم كونه في الوضع نفسه، لم يُبدِ أيّ اهتمام، بل ابتسم ابتسامةً ملتويةً وقال،
تمتم بذلك لا إراديًا وهو يرقب ما يراه.
[روي]: [كما ترى، أطرافنا مكسورة، ومُنعنا من الأكل. فبمَ تريدنا أن نساعدك؟ أم أنّك… تسمح لنا بأكل تلك السيّدة، أهذا ما تقصده؟]
كان روي، المعلّق رأسًا على عقب، يُثير أعصاب آلديباران عمدًا وهو يرى كيف يُحاصر.
آلديباران
وفي لحظةٍ واحدة، ما هاجم آلديباران لم يكن سلاحًا، بل شعورٌ بالغثيان يهزّ الروح ذاتها.
: [خطأ. لن أسمح لك بأكلها، ولا بأن تفقد السيطرة.]
آلديباران
[روي]: [إذًا، ما الذي بقي لنا لنفعله――؟]
تقلّبت الاضطرابات العنيفة في عينيها البنفسجيتين المتّسعتين، وانهارت على ركبتيها في موضعها.
آلديباران
وإن كان متجهًا نحو المقاطعة النبيلة بكل تلك العزيمة―― نحو حيث أبقى “ياي” و”فيلت” في الانتظار، فالأرجح أنّ هدفه كان إنقاذهما.
: [هناك ما يمكنكم فعله. ――تقيّأ.]
كان يظنّ أنه قد فهم المبدأ، بل وتمكّن حتى من تصوّر ما سيحدث.
قالها بصوتٍ خفيضٍ جازم، والتقت عيناه بعيني روي المقلوب المعلّق على العمود الطيني خلفه، عارضًا عليه خيارًا ثالثًا غير الأكل أو الهياج.
فلأجل مواجهة “راينهارد” في أسوأ حالاته، في كثبان “أوغريا” الرملية، استغلّ “آلديباران” حماية “فلام” الإلهية في البرج، وجعلها تُبلغ أختها الصغرى بخيانته. وكنتيجة لذلك، ظهر “راينهارد” في الرمال، وجهزت “فيلت” كمينًا له―― ولم تحتفظ بالمعلومة لنفسها.
اتّسعت عينا روي من الدهشة، ثمّ ما لبث أن ابتسم ابتسامةً عريضة،
بل فقط――
[روي]: [هاه، يا عمّي، كم تعرف عنّا حقًا؟ لا تقل لي إنّك والدنا الحقيقي، أليس كذلك~؟]
إميليا: [كياا! يا إلهي، هذا فظيع!]
آلديباران
وفي حدود علمه، لم يكن هناك الكثير من المرشّحين القادرين على مقاتلة “آلديباران” حتى الموت، غير أنّه لم يملك سوى أن يؤمن ويسلّم بأنّ النصر سيكون للتنين.
: [لو كنتُ أنجبتُ أمثالكم، لما استطعتُ مواجهة المجتمع أبدًا.]
إميليا: [――. نعم، وأنا أوافقك. لكن، لا تفهم الأمر خطأً يا آل.]
كانت العلاقة بينهما قائمةً على الإكراه بفضل “خاتم اللعنة” الذي يجبر روي على الطاعة. ومع أنّ آلديباران لم يُبدِ أيّ نيةٍ للتودّد، إلا أنّ روي استقبل ذلك بابتسامةٍ متشفّيةٍ ولعقٍ لشفتيه.
آلديباران
إنّه “روي ألفارد”، حامل اسم “الشره”، والسيّد على قدرة “التهام العجائب”. كيف يمكن لمخلوقٍ لا يُميّز بين طعامٍ وفضلاتٍ أن يُقيّم آلديباران؟ ――سؤالٌ بلا جدوى، فلم يكن هناك وقت ليفكّر فيه.
آلديباران
في تلك اللحظة، اخترق المأوى الطينيّ “بومرانغ” جليديّ ضخم―― مطابقٌ لـ “نصل الجناح الطائر” الذي استخدمته مادلين إيشارت من الإمبراطورية. ومن خلال الفتحة التي أحدثها الجليد، اندفعت إميليا نحوهم.
روي: [――آه~، شكرًا على الوجبة!]
أوقف آلديباران تقدّمها بذراعٍ صخريةٍ عملاقة، تشكّلت كقفّازٍ حجريٍّ يغلق الطريق برفقٍ وحزمٍ في آنٍ واحد.
وبفضل هذا، استطاع “آلديباران” تدمير الرجل الجليدي دون أي تردّد.
غير أنّ――
مقاومًا الإحساس المقيت بالغثيان، رفع آلديباران يده نحو السماء.
آلديباران
كان بإمكانه أن يحاول إعادة المحاولة باستخدام “سلطانه”، فيستدعي “آلديباران” إليه قبل ياي وفيلت. غير أنّه إن فعل ذلك، فستُترك ياي دون أي تعزيزات، وستسقط حتمًا أمام العدو المجهول.
: [――هاه، طُعمٌ خادعٌ إذًا؟!]
أمام ناظريه، كانت “إميليا” تُدخل يديها في قفازاتٍ جليدية وهي تقف بجوار التمثال الجليدي المزعج الذي اتخذ وضعية القتال الثانية، ترمقه بنظرة حذرة.
وضعت الكائنات الجليدية يديها على القفّاز الحجريّ، وقفزت فوقه برشاقةٍ عبر ارتدادٍ بهلواني.
وإن كان متجهًا نحو المقاطعة النبيلة بكل تلك العزيمة―― نحو حيث أبقى “ياي” و”فيلت” في الانتظار، فالأرجح أنّ هدفه كان إنقاذهما.
لقد استخدمت إميليا نفسها كطُعمٍ ليتمكّن الرجل الجليدي من التقدّم للأمام. أراد أن يعلّق على أنّ العلاقة بين المخلوق وخالقه عادةً ما تكون بالعكس، لكنّه كان قد وقع في الفخّ بالكامل.
آلديباران: [――أوغـه.]
قفز الرجل الجليدي فوق رأسه وتقدّم نحو العمود الأرضيّ، فخلق آلديباران شظايا من الحجارة ليطوّقه ويحطّمه، لكن――
: [――هاه! آل!!]
آلديباران
قالها بصوتٍ خفيضٍ جازم، والتقت عيناه بعيني روي المقلوب المعلّق على العمود الطيني خلفه، عارضًا عليه خيارًا ثالثًا غير الأكل أو الهياج.
: [لقد أصبح أصلب من ذي قبل!]
من بعيد، شعر باهتزاز الضباب الأبيض، ما دلّ على أنّ “آلديباران” الآخر كان يخوض معركةً شعواء.
فبكثافةٍ جليديةٍ متزايدة، صدّ الجسدُ الجليديّ الصلب تلك الشظايا.
آلديباران
تجاوز العقبة، ومدّ ذراعيه نحو روي المقيّد ليمنعه من أيّ فعل―― لكن في اللحظة نفسها، ودّع رأسُه جسده بدموعٍ باردة.
آلديباران
صرخت إميليا وقد شهدت مخلوقها الجليدي يُقطع رأسه أمام عينيها، بينما كانت تُمزّق القفّاز الحجريّ بسيفٍ من الجليد.
وكلّما زاد عدد الخصوم، ازدادت صعوبة النصر أضعافًا، وقد أدرك ذلك تمام الإدراك خلال معركته ضدّ فصيلة فيلت. ――بل وكان من المحتمل جدًا أن يظهر بينهم “عدوّه الطبيعي”.
ولم تكن تعلم أنّ ما دمّر “الرجل الجليدي” المعزّز بقوةٍ مضاعفةٍ هو خيطٌ فولاذيٌّ انبثق من الخاتم في إصبع آلديباران البنصر.
روي: [أوغـه.]
كان ذلك الخيطُ الفضيّ المتلألئ وسط الضباب الجليديّ قد اخترق دفاعات المخلوق وقطع رأسه. إنّها “تقنية الخيط الفولاذي”، التي أتقنها آلديباران أثناء معركته ضدّ فيلت والبقية، بخيطٍ واحد من إصبعه.
لم يستطع أن يطلق حتى صرخة ألم، فتدحرج جسده في الهواء بعنف.
“الفنّ يجلب الخبز”؛ ومباشرةً بعد أن جسّد ذلك المثل――
فـ”فيلت” كانت من أولئك الذين اعترفت “بريسيلا” بهم كمنافسين، وجدارتها بالعرش تستحق الثناء حقًا.
[روي]: [――إن خُيّرت، فأظنّ أنّ هذا سيكون الخيار الأكثر متعةً~.]
وفي كل الأحوال، اختارت “فيلت” التصرف الأفضل وسط ظروفٍ ضاغطة، وبذلك استخدمت “إميليا” المعلومات التي تلقتها منها خير استخدام.
ما إن سمع صوته الملطّخ بالبهجة الكئيبة، حتى صرخ آلديباران―― بل صرخ العالم بأسره.
: [أعرف. وأنا أقول هذا وأنا مدرك تمامًا له. اكرهيني ما شئتِ.]
△▼△▼△▼△
كان الحوار مع “إميليا” يرهقه نفسيًا أكثر من الألم الذي تسبّبت به ركلتها.
وفي لحظةٍ واحدة، ما هاجم آلديباران لم يكن سلاحًا، بل شعورٌ بالغثيان يهزّ الروح ذاتها.
آلديباران
روي: [أوغـه.]
قفز الرجل الجليدي فوق رأسه وتقدّم نحو العمود الأرضيّ، فخلق آلديباران شظايا من الحجارة ليطوّقه ويحطّمه، لكن――
كان يظنّ أنه قد فهم المبدأ، بل وتمكّن حتى من تصوّر ما سيحدث.
لم يكن بحاجة إلى نصيحةٍ من أسقف خطيئة. فبلا حاجةٍ لكلمة، عضّ “آلديباران” على أسنانه، وغرس نصل سيفه في بطنه الذي بدأ يتجمّد. ومن خلال ألمٍ محمومٍ ودماءٍ متدفقة، سدّ الجرح بالحجر، على بُعد خطوةٍ من انتحارٍ كاملٍ، متجنبًا نهايةً بائسة بتجمّده داخل الجليد.
لكن، حين وقع الأمر فعلاً، لم يجد للفهم ولا للخيال أي نفعٍ البتّة.
آلديباران: [دروس الحياة كلّفتني غاليًا… هك.]
فذلك الهجوم لم يكن موجَّهًا إلى الجسد أو الروح، بل إلى الذكرياتِ نفسها، إلى ما لا يُمسّ ولا يُرى.
إميليا: [لا… آه.]
روي: [أوغـه.]
إميليا: [آل! لا تفعل! لا تهرب… آل!!]
هناك ظاهرة تُعرف باسم ديجا فو، حيث يشعر المرء عند رؤيته لشيءٍ لأول مرة بأنّه قد رآه من قبل، لكنّ ما كان يحدث الآن مع آلديباران―― لا، مع كلّ من خضع لتلك التأثيرات―― كان أشدَّ بعشرات الآلاف من تلك الظاهرة، إذ لم يكن مجرّد تذكّرٍ، بل «استرجاعٌ قسريّ» لا يمكن تجاهله.
“الفنّ يجلب الخبز”؛ ومباشرةً بعد أن جسّد ذلك المثل――
ودليل ذلك――
لقد أدركت حتمًا أنه حتى لو انقسمت الكتلة إلى أجزاء، فإنّ الصخور الضخمة، التي يتجاوز بعضها عشرة أمتار، لو سقطت على المدينة، لأحدثت دمارًا واسعًا وضحايا لا يُحصَون.
إميليا: [――آه.]
كان من الممكن تجاهل هذا القول لولا أنه نطق به عامدًا، وقد قاله ليزيد الألم.
زفرت إميليا أنفاسًا خشنة، وسقط من يدها رمحٌ جليديّ كانت تستعدّ لقذفه.
ومهما يكن، فإنّ غاية «آلديباران» من رفع تلك الكتلة الصخرية إلى السماء كانت جليّة――
تداعى شكله قبل أن يلامس الأرض، وتحوّل ثانيةً إلى مانا متبدّدة في الهواء.
في تلك اللحظة، اخترق المأوى الطينيّ “بومرانغ” جليديّ ضخم―― مطابقٌ لـ “نصل الجناح الطائر” الذي استخدمته مادلين إيشارت من الإمبراطورية. ومن خلال الفتحة التي أحدثها الجليد، اندفعت إميليا نحوهم.
تقلّبت الاضطرابات العنيفة في عينيها البنفسجيتين المتّسعتين، وانهارت على ركبتيها في موضعها.
صرخ آلديباران، فتوسّعت عينا إميليا وامتلأ صوتها بالغضب.
ورآها آلديباران في تلك الحالة، فعضّ على أضراسه وقفز إلى الوراء.
كان ضباب الجليد الأبيض ما يزال يغشى سماء العاصمة الملكيّة، فيحجب عنه النظر كما يجب، غير أنه آمن بأنّ «آلديباران» الآخر قد أعدّ خطّة بديلة.
روي: [أوغـه.]
[روي]: [كما ترى، أطرافنا مكسورة، ومُنعنا من الأكل. فبمَ تريدنا أن نساعدك؟ أم أنّك… تسمح لنا بأكل تلك السيّدة، أهذا ما تقصده؟]
كان هناك شعورٌ غامرٌ بالغثيان، لكنه لم يكن كافيًا لإسقاطه أرضًا.
فأسلوب قتال إميليا، الذي يعتمد على خفض حرارة البيئة، كان طريقةً شيطانيةً تراكمت فيها التأثيرات السلبية مع مرور الوقت كما يتراكم الثلج، كما أنّ احتمال ظهور تعزيزاتٍ للعدوّ كان واردًا في أيّ لحظة.
إنّ أثر «الاسترجاع» يختلف من شخصٍ لآخر، وهذا طبيعيّ؛ فالتعلّق العاطفيّ أمرٌ يخصّ كلَّ إنسانٍ على حدة. وبين آلديباران وإميليا، اختلفت قوّة العاطفة المرتبطة بتلك الذكريات اختلافًا واضحًا.
ومع أنه مكروه، فقد أحسن روي الاختيار، إذ انتقى ذكرياتٍ تُحدث وقعًا بالغًا في قلب إميليا، لكنها لا تبلغ نفس الحدّ عند آلديباران.
ومع أنه مكروه، فقد أحسن روي الاختيار، إذ انتقى ذكرياتٍ تُحدث وقعًا بالغًا في قلب إميليا، لكنها لا تبلغ نفس الحدّ عند آلديباران.
فأسلوب قتال إميليا، الذي يعتمد على خفض حرارة البيئة، كان طريقةً شيطانيةً تراكمت فيها التأثيرات السلبية مع مرور الوقت كما يتراكم الثلج، كما أنّ احتمال ظهور تعزيزاتٍ للعدوّ كان واردًا في أيّ لحظة.
ولذا――
ذلك الرجل الجليدي أعاق حركته، فقبض “آلديباران” بيده اليسرى الحجرية المصنوعة بالسحر على رأسه، ومزّقه بلا رحمة عن جسده. ومع صرخة تمثال الجليد التي انطلقت كأنها “آآه!”، تحطّم الجسد المقطوع وتناثرت شظايا الجليد على الأرض.
روي: [أوغـه.]
تركّز انتباه آلديباران على إبقائه قائمًا، بينما روي، رغم كونه في الوضع نفسه، لم يُبدِ أيّ اهتمام، بل ابتسم ابتسامةً ملتويةً وقال،
مقاومًا الإحساس المقيت بالغثيان، رفع آلديباران يده نحو السماء.
وإذ عجز عن توجيه ضربةٍ حاسمةٍ بجهده أمام خصمٍ يردّ عليه بلا وعي، لم يبقَ أمامه سوى أن يعتمد على دعمٍ خارجيّ لينهي المعركة. ―― ثم حدث ذلك، بالضبط حين كان على وشك استخدام ورقته الرابحة.
كان ضباب الجليد الأبيض ما يزال يغشى سماء العاصمة الملكيّة، فيحجب عنه النظر كما يجب، غير أنه آمن بأنّ «آلديباران» الآخر قد أعدّ خطّة بديلة.
[روي]: [لا أستطيع أن أرى بوضوح بسبب الثلج، لكن يبدو أنّ الأوضاع تزداد سوءًا في البلدة أيضًا، أليس كذلك~؟ ما رأيك أن تصرخ وتطلب النجدة بأعلى صوتك يا عمّي؟]
――تلك كانت ثمرة الخبرة القتالية التي اكتسباها خلال معركتهما ضدّ راينهارد في كثبان أوغريا الرمليّة.
: [هل أنتِ جادّة…؟]
في تلك المعركة، كان آلديباران و«آلديباران» الآخر، وكلاهما يحمل ذات الذات، قد استعملا السحر عبر توقيعٍ سحريٍّ مشترك―― حيث كان آلديباران يقترض المانا من «آلديباران» لتفعيل السحر. أما الآن، فالأمر بالعكس.
: [أترين هذا، يا صغيرة؟ إن استمر الحال هكذا، فشريكي سيجنّ ويدمّر العاصمة الملكية――]
فالخطة البديلة التي أعدّها «آلديباران» فوق الغيوم―― كانت تنتظر التحفيز، وقد وقع عبء تنشيطها على آلديباران نفسه، إذ عليه أن يتتبّع التوقيع السحري ويصبّ المانا لتفعيلها.
لم يكن في ذلك فرحٌ لا للمسبّب، ولا للمنقذة، ولا لأيّ أحدٍ سواهما.
تصوّرٌ لم يكن ليُدركه إلا لأنّ ذاتيهما متّحدتان، وتنفيذٌ لخطةٍ لم تكن موجودة من قبل――
روي: [أوغـه.]
آلديباران: [――أوغـه.]
؟؟؟: [لو حدث ذلك، فسيكون نهايتك يا عمّي. أنت تعرف ما يجب فعله، أليس كذلك؟]
وبعد إطلاقها، إذ رأى بعينيه ما أعدّه «آلديباران» من خطةٍ بديلة، تفلّت من فمه تجشؤٌ مختلف عن سابقاته، وإن ظلّ من جنس «الاسترجاع» الذي سبّبه روي.
كان مذهولًا من كونها قد استشعرت بدقة مشاعره المعقدة.
كانت الخطة «ب»――
روي: [إنها تبكي، كما تعلم~، تلك الأخت الكبيرة.]
إميليا: [لا… آه.]
كان معتادًا أن تكرهه إميليا. ――لكن ذلك كذبة.
إذ شعرت بتيّارٍ هائلٍ من المانا، ارتجفت شفتاها، وهي ما تزال جاثيةً على ركبتيها.
أمام ناظريه، كانت “إميليا” تُدخل يديها في قفازاتٍ جليدية وهي تقف بجوار التمثال الجليدي المزعج الذي اتخذ وضعية القتال الثانية، ترمقه بنظرة حذرة.
لكنها رفعت وجهها، وتمكّنت عيناها البنفسجيتان من إدراكه.
كانت العلاقة بينهما قائمةً على الإكراه بفضل “خاتم اللعنة” الذي يجبر روي على الطاعة. ومع أنّ آلديباران لم يُبدِ أيّ نيةٍ للتودّد، إلا أنّ روي استقبل ذلك بابتسامةٍ متشفّيةٍ ولعقٍ لشفتيه.
――كتلةٌ صخريةٌ ضخمة، تعلو سماء العاصمة الملكيّة، يبلغ حجمها نحو مئة متر.
وكأنها لتؤكد عزمها، خفّت قسوة ملامحها الجميلة المتألمة، وبدأت نفحاتٌ بيضاء باردة تتصاعد قرب برج السجن. وبينما كانت رقائق الثلج تتساقط لتغطي ساحة المعركة، شعر “آلديباران” ببرودةٍ تلامس أصابعه، وبثقلٍ من الجدية في نية “إميليا”.
بدت وكأنّ تلًّا صغيرًا قد اقتُلِع من جذوره ورُفع عاليًا في السماء.
آلديباران: [خطأ؟]
وربّما كان هذا الشعور هو ذاته الذي خالج من رأوا «الحوت الأبيض» عن قرب، مبهورين بجلال ما لا يُقاس.
△▼△▼△▼△
ومهما يكن، فإنّ غاية «آلديباران» من رفع تلك الكتلة الصخرية إلى السماء كانت جليّة――
آلديباران: [في العادة كنت سأقول إنك جميلة حتى في غضبك، لكنّك الآن مرعبة حقًا. فضلًا عن ذلك…]
روي: [أوغـه.]
وفي كل الأحوال، اختارت “فيلت” التصرف الأفضل وسط ظروفٍ ضاغطة، وبذلك استخدمت “إميليا” المعلومات التي تلقتها منها خير استخدام.
وفي اللحظة التالية، دوّى صوتُ تكسّر السماء نفسها، مع ظهور شقوقٍ متعدّدة في الكتلة الصخريّة، وكان كلّ من شعر باختلال الأثير قادرًا على رؤيتها.
أما وابل الصخور الهاطل على العاصمة الملكية، فقد اعترضته أبراجٌ من الجليد ارتفعت واحدًا تلو الآخر، لتحول دون سقوطها على المدينة.
انقسم التلّ إلى عشرات الكتل الكبيرة، نحو عشرٍ أو عشرين، ثمّ أخذت تتهاوى نحو――
آلديباران: [أحقًا هذا يحدث؟]
إميليا: [لااااا!!]
ولذا――
متنبّهةً إلى ما سيحدث، وبّخت ركبتيها المرتجفتين ونهضت واقفة.
كان ضباب الجليد الأبيض ما يزال يغشى سماء العاصمة الملكيّة، فيحجب عنه النظر كما يجب، غير أنه آمن بأنّ «آلديباران» الآخر قد أعدّ خطّة بديلة.
لقد أدركت حتمًا أنه حتى لو انقسمت الكتلة إلى أجزاء، فإنّ الصخور الضخمة، التي يتجاوز بعضها عشرة أمتار، لو سقطت على المدينة، لأحدثت دمارًا واسعًا وضحايا لا يُحصَون.
وكأنها لتؤكد عزمها، خفّت قسوة ملامحها الجميلة المتألمة، وبدأت نفحاتٌ بيضاء باردة تتصاعد قرب برج السجن. وبينما كانت رقائق الثلج تتساقط لتغطي ساحة المعركة، شعر “آلديباران” ببرودةٍ تلامس أصابعه، وبثقلٍ من الجدية في نية “إميليا”.
ولذلك، فإنّ السبيل الوحيد لمنع الكارثة هو أن يتصدّى لها من يقدر على ذلك.
فبكثافةٍ جليديةٍ متزايدة، صدّ الجسدُ الجليديّ الصلب تلك الشظايا.
آلديباران: [ما زلت أقاتل وأنا أنوي ألا يموت أحد. ولهذا…]
ولم تكن تعلم أنّ ما دمّر “الرجل الجليدي” المعزّز بقوةٍ مضاعفةٍ هو خيطٌ فولاذيٌّ انبثق من الخاتم في إصبع آلديباران البنصر.
إميليا: [――آه، آل!]
إميليا
آلديباران: [أُعوّل عليكِ ألا تدعي واحدةً منها تسقط على المدينة.]
: [أترين هذا، يا صغيرة؟ إن استمر الحال هكذا، فشريكي سيجنّ ويدمّر العاصمة الملكية――]
دون أن يُعير اهتمامًا لندائها المفعم بالعاطفة، فرض آلديباران عليها طلبه الأنانيّ، وانطلق راكضًا على العمود الترابيّ ليلتحق بروي.
دون أن يُعير اهتمامًا لندائها المفعم بالعاطفة، فرض آلديباران عليها طلبه الأنانيّ، وانطلق راكضًا على العمود الترابيّ ليلتحق بروي.
وكحيوانٍ مذعورٍ أطلق رائحةً نتنةً في آخر محاولاته البائسة، تدحرج «رجل الجليد»، وقد تقلّص إلى رأسٍ فقط، محاولًا اعتراض طريقه، لكنّ آلديباران سحقه تحت قدمه دون رحمة، وانتزع كبير خطاة الخطيئة المقيّد عند القمّة.
أولًا، قوة الركلة وحدها ألحقت به ضررًا بالغًا، وجعلته يندهش من طول الساق المدهش التي ركلته، حتى فكّر بدهشة: *”أمن هنا إلى هناك… كلّه ساق!؟”* طرف النعل الجليدي الذي ارتدته الراكلة انغرس فيه، محطّمًا درعه الحجري، ومسبّبًا له مأزقًا خطيرًا؛ إذ بدأ الجليد يتجمّد على صدره حتى أخذ عظمه يصدر صريرًا.
روي: [يا لك من رجلٍ قاسٍ أيها العم.]
روي: [إنها تبكي، كما تعلم~، تلك الأخت الكبيرة.]
دون أن يجيب على كلماته الزائدة، حمل آلديباران الجسد الصغير على كتفه، وواصل الركض.
آلديباران: [اللعنة.]
لم يلتفت نحو إميليا التي كان يقاتلها منذ لحظات، وركض بأقصى ما تطيقه قدماه.
: [أنتَ―― هك!]
إميليا: [آل! لا تفعل! لا تهرب… آل!!]
روي: [أوغـه.]
سمع نداءها الممزّق للقلب، لكنه لم يتوقّف.
؟: [――حين تتحدث إليّ، انظر إليّ كما ينبغي!!]
وطبيعيّ أن لا تتبعه أيّ هجمةٍ منه، إذ كانت كلّ قوّتها مكرّسة الآن لإنقاذ الناس.
آلديباران: [هه. رغم أنه هو بالتحديد من كان سيُظهر وجهًا منزعجًا.]
ولو كانت قادرةً على مطاردته بلا تردّد، لكانت حياتها أسهل بكثير. بلا شك، لو كانت من هذا النوع من الناس، لكانت تلك رحمةً لكلٍّ من إميليا وآلديباران.
بدأ الجليد ينتشر من موضع الركلة، ولو استمر الحال كذلك، لتجمّد جسده بالكامل――
لكنها لم تستسلم لأنانيتها، فاختارت استخدام سحرها لحماية الآخرين، لتمنح آلديباران فرصة الفرار.
إميليا: [――؟ لكن لهذا السبب بالتحديد استخدمت سوبارو كنموذج؟]
إميليا: [لا تذهب! أعد سوبارو، أعد بياتريس――!]
فأسلوب قتال إميليا، الذي يعتمد على خفض حرارة البيئة، كان طريقةً شيطانيةً تراكمت فيها التأثيرات السلبية مع مرور الوقت كما يتراكم الثلج، كما أنّ احتمال ظهور تعزيزاتٍ للعدوّ كان واردًا في أيّ لحظة.
وبارتفاع تلك العاطفة في صدرها، دوّى في السماء صوتُ تجمّدٍ واضحٍ وقاسٍ.
آلديباران
أطلق آلديباران نتوءًا من الأرض تحته، واستعمله كدعامةٍ ليتجاوز جدار برج السجن، منسحبًا من ساحة المعركة البيضاء التي خلقتها إميليا.
بدأ الجليد ينتشر من موضع الركلة، ولو استمر الحال كذلك، لتجمّد جسده بالكامل――
وبدون أن تتباطأ قدماه، واصل الركض… الركض بلا توقف.
أمام ناظريه، كانت “إميليا” تُدخل يديها في قفازاتٍ جليدية وهي تقف بجوار التمثال الجليدي المزعج الذي اتخذ وضعية القتال الثانية، ترمقه بنظرة حذرة.
روي: [إنها تبكي، كما تعلم~، تلك الأخت الكبيرة.]
لقد استخدمت إميليا نفسها كطُعمٍ ليتمكّن الرجل الجليدي من التقدّم للأمام. أراد أن يعلّق على أنّ العلاقة بين المخلوق وخالقه عادةً ما تكون بالعكس، لكنّه كان قد وقع في الفخّ بالكامل.
كان من الممكن تجاهل هذا القول لولا أنه نطق به عامدًا، وقد قاله ليزيد الألم.
إذ شعرت بتيّارٍ هائلٍ من المانا، ارتجفت شفتاها، وهي ما تزال جاثيةً على ركبتيها.
ومع أن كلماته شقّت قلبه، واصل آلديباران الركض دون أن يلتفت.
كان ضباب الجليد الأبيض ما يزال يغشى سماء العاصمة الملكيّة، فيحجب عنه النظر كما يجب، غير أنه آمن بأنّ «آلديباران» الآخر قد أعدّ خطّة بديلة.
كلّ ما يرجوه في تلك اللحظة هو أن يلتئم شمل رفاقه في نقطة اللقاء.
كان من الممكن تجاهل هذا القول لولا أنه نطق به عامدًا، وقد قاله ليزيد الألم.
أما وابل الصخور الهاطل على العاصمة الملكية، فقد اعترضته أبراجٌ من الجليد ارتفعت واحدًا تلو الآخر، لتحول دون سقوطها على المدينة.
ذلك الحماس الفارغ كان تقليدًا دقيقًا للأصل، ومثيرًا للغيظ بحق.
لم يكن في ذلك فرحٌ لا للمسبّب، ولا للمنقذة، ولا لأيّ أحدٍ سواهما.
بدت وكأنّ تلًّا صغيرًا قد اقتُلِع من جذوره ورُفع عاليًا في السماء.
بل فقط――
وإذ عجز عن توجيه ضربةٍ حاسمةٍ بجهده أمام خصمٍ يردّ عليه بلا وعي، لم يبقَ أمامه سوى أن يعتمد على دعمٍ خارجيّ لينهي المعركة. ―― ثم حدث ذلك، بالضبط حين كان على وشك استخدام ورقته الرابحة.
روي: [――آه~، شكرًا على الوجبة!]
ذلك الحماس الفارغ كان تقليدًا دقيقًا للأصل، ومثيرًا للغيظ بحق.
كان وحده «آكل الغرائب»، يلعق شفتيه، مستمتعًا بمذاق الفرح المرّ والحزن الحلو، وهو يبتسم.
في عينيها البنفسجيتين كان يتّقد عزمٌ قوي، يوحي بأنها لن تخسر مهما فعل، ومع ذلك لم يكن أمام “آلديباران” سوى القليل ليفعله حقًا.
كان ذلك إعلانًا صريحًا عن نيتها في مهاجمة جسده بالضربات نفسها التي وجهتها إلى بطنه.
