Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ري زيرو: بدء الحياة في عالم أخر من الصفر 52

43.52
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

43.52

الفصل ٥٢ : آلديباران 1

استجابةً لنداء إيميليا، عاد جنود الجليد ذوو الهيئة البغيضة إلى الساحة من جديد.

الساحرة: [――لا أحد يستطيع هزيمتك، يا من خلقتُه.]

وبصراحة، كان يعتقد أن الساحرة ذات شخصية فظيعة، وكان لديه الكثير من التحفظات على أساليبها في التعليم وطريقتها في الإرشاد، لكنه رغم ذلك، لم يشكّ لحظة في قدرته على تلبية توقعاتها.

تذكر آلديباران تلك الكلمات التي ألقتها عليه الساحرة كما لو أنها قيلت بالأمس.

كان الهدف الأساسي من الحصى هو إعاقة أجنحة الجليد التي كانت تحافظ على طيران إيميليا.

في الزمن الحقيقي، كان ذلك قبل قرابة عشرين عامًا، لكن من حيث الزمن المُدرَك، لم يكن الأمر قريبًا حتى من نفس المقياس.

لقد أعلنت الساحرة عن عجزها عن فهم المشاعر، ومع ذلك، لا يمكن أن تكون جاهلة بمشاعر مثل الغضب، والفرح، والحزن. وإذا كانت قادرة على التعبير عن هذه الانفعالات البشرية، أفلا يكون من الممكن أيضًا أن تشعر بالذنب أو القلق حيال المستقبل؟

حتى لو تذكّر عدد المحاولات التي احتاجها لتجاوز كل عقبة على حدة، فإنه لم يحفظ العدد الإجمالي للمحاولات التي خاضها عبر كل شيء؛ ناهيك عن أن مقدار الوقت الذي انقضى خلال كل ذلك كان كبيرًا إلى درجة أنه لم يرغب حتى في التفكير فيه. ومع ذلك، كانت حقيقة مطلقة أنه أنفق وقتًا يفوق ما تسمح به حياة واحدة عادةً.

آلديباران: [حتى لو كانت فكرة أنني مجرد أحمق فشل أكثر من ستمئة مرة أفضل قليلًا من فكرة أن الآنسة الصغيرة عبقرية، فإنها لا تقدم أي عزاء على الإطلاق.]

ومع ذلك، حتى بعد اجتيازه لكل ذلك الزمن، سيكون من الخطأ افتراض أن آلديباران بلغ نفس الحالة الذهنية التي يبلغها الجن الذين يعيشون مئات السنين في شباب دائم.

ورغم معرفته التامة بأنه لا يساوي شيئًا أكثر من ورق هش، فقد تمسك بذلك العزم، واتجه لقطع مطاردة إيميليا.

فإذا كانت العقلية البشرية تبدأ غير ناضجة ثم تنضج تدريجيًا لتبلغ حكمة الشيخوخة، فذلك لأن مرور الزمن يتيح للمرء أن يختبر الحلو والمر، مما يمنح العقل مساحة للنمو.

ومع ذلك، وبينما ينطبق هذا أيضًا على معركته ضد راينهارد، هناك أفراد نادرون في هذا العالم قادرون على الوصول باستمرار إلى الإجابات الصحيحة. وتختلف تلك الإجابات الصحيحة من شخص لآخر حسب قدراتهم الفردية وأهدافهم من النصر، لكن ما يجمعهم هو أنهم، على عكس آلديباران، محبوبون من قبل القدر.

لكن كل الوقت الذي قضاه آلديباران خارج مجرى الزمن الحقيقي كان، إن صح التعبير، سلسلة من اللحظات الراكدة التي استخدمها لتجاوز كل عقبة أمام عينيه. عمليًا، كانت تلك اللحظات تتراوح بين بضع ثوانٍ إلى بضع دقائق على الأكثر، وتكرار تلك الفترات القصيرة مرارًا يمنع الإنسان من النمو.

حتى وإن لم تكن إيميليا التي أمامه الآن هي الهدف الحقيقي لذلك العزم――،

لذا، كان آلديباران يؤمن أن تراكم الزمن الذي تكرره سلطته هو زمن ضائع، لا يفيد إلا في تآكل قلبه، دون أن يُسهم في نموه.

في ذلك الوقت، استعان بقوة “آلديباران” ليرمي صخرة ضخمة، مانعًا مطاردة إيميليا له عبر إشغالها بحماية العاصمة الملكية؛ لكن هنا، لم يكن هناك أحد يمكنه أن يجرّه إلى المعركة.

وحتى لو كان ذلك الزمن ضائعًا، فعندما يتكرر مئات، عشرات الآلاف، مئات الملايين من المرات، يبدأ الدماغ تلقائيًا بتصفية الذكريات، محاولًا سلب آلديباران من ذكرياته الأصيلة.

آلديباران: [حتى لو كان عزمًا معاد التدوير، فسيظل مفيدًا بقدر ورق ماشيه.]

ومع ذلك، كانت هناك ذكريات لا تتلاشى؛ استرجاعات بدت وكأنها منقوشة في روحه لا في دماغه، وكانت الكلمات المذكورة سابقًا بلا شك من بينها.

الساحرة: [――لا أحد يستطيع هزيمتك، يا من خلقتُه.]

ومع ذلك، إذا أضفنا إلى فقدانه لذكريات كل ذلك الزمن، و قوله إنه لا يرغب حتى في تذكّرها، فإنه يستطيع أن يتخيل تلك الساحرة، تجسيد الفضول الذي يتوق لمعرفة كل شيء، تتمتم لنفسها بهدوء: “أفهم، يا لها من خسارة.”

وبعد لحظة من السكون، كانت المسمار الجليدي يُركل نحو الأرض بقوة ساقي إيميليا؛ لكنه كان يتفكك فورًا إلى مانا ويعود إلى الجو قبل أن يُولد من جديد كقاعدة أخرى. ومرة أخرى، كانت تركله لتعزيز زخمها. ومن خلال تكرار هذه العملية، تمكنت من تقليص المسافة بينهما بسرعة .

ورغم أنها كانت تتفاخر بأنها لا تفهم المشاعر، فإن الساحرة كانت خبيرة في التمثيل والتلاعب بالآخرين لإخضاعهم لإرادتها. وعلى الرغم من معرفته بذلك، لم يستطع آلديباران أن يعارض كلماتها أو موقفها.

إيميليا: [سأكررها بقدر ما يلزم. لا أريد أن أبكي مجددًا معتقدةً أنه لم يكن بالإمكان فعل شيء لإنقاذ أحدهم!!]

هكذا تم تهذيبه، هكذا أُعيد تشكيله―― ولو أراد أن يعبّر عن ذلك، لربما كان ذلك تعبيرًا عادلا في مواجهة لا إنسانية قرية الشينوبي التي سمع عنها من ياي.

كان الهدف الأساسي من الحصى هو إعاقة أجنحة الجليد التي كانت تحافظ على طيران إيميليا.

وفي هذه الحالة، كان من الصعب تحديد من هو المجنون حقًا: هل هي قرية الشينوبي، التي تعد مساوية للساحرة، أم الساحرة نفسها، التي تصارعت بمفردها ضد تاريخ قرية الشينوبي بأكمله؟

عاد وعي آلديباران في المرة التالية بعد أن انتهى كل شيء―― أو بالأحرى، حين بدأ ما انتهى من جديد، ثم انتهى ذلك البدء الجديد، ليبدأ وينتهي مرة أخرى. ويبدو أن هذا قد تكرر مرارًا وتكرارًا، حتى أصبح العالم بلا أثر للساحرة.

――في كلتا الحالتين، فإن آلديباران الحالي هو نتاج خلق الساحرة.

وللهروب من ذلك، خاطر بكل شيء واختار مسارًا ينحرف عن مسار سقوط القرص الجليدي؛ وحتى لو فشل في التخلص منهما معًا، فهل يمكنه اعتبار نجاحه في فصل إيميليا عن ريم انتصارًا؟

الساحرة: [حتى لو قلت ذلك، فإن لك الحق في أن تعيش حياتك الخاصة. ذلك وحده مجال لا يحق حتى للمنشئ أن يتدخل فيه من طرف واحد. لذا، إذا كنت تؤمن بصدق أنك لا تستطيع اتباعي من أعماق قلبك، يمكنك الانسحاب من الخطة في أي وقت. تلك هي حريتك.]

إيميليا: [أجنحتي――]

في بعض الأحيان، كانت الساحرة تقول أشياء توحي وكأنها تشكك في عزيمة آلديباران.

ما كان مرغوبًا―― لا، بل ما كان مطلوبًا، لم يكن سوى نصرٍ واحد في حياته.

كان ذلك أمرًا غير معتاد بالنسبة لساحرة. فعلى نحو جوهري، ما إن تحصل على موافقة الطرف الآخر، حتى تبدأ في التلاعب بالأحداث بحيث لا يمكن التراجع عن الوعود التي انتزعتها بالإكراه.

جاء ذلك السؤال بصوت شخص لا يعرفه إطلاقًا.

في الواقع، من بين الدروس والمهام التي فرضتها الساحرة على ألدبياران، كان هناك الكثير من الرعب ما يكفي لجعله يتردد، لولا أنه كان قد تعهد مسبقًا بألا يتراجع. وكلما أجبرته الساحرة على فعل شيء من هذا القبيل، لم تكن تسأله أبدًا إن كان يرغب في التوقف، ما دامت قد حصلت على موافقته.

ورغم أنه كان يعتبر العدّ أمرًا سخيفًا، إلا أنه استمر في ذلك، فقط لأنه طُلب منه ذلك. ومع أنه كان يتتبع الرقم الحقيقي، لم تتلاشَ سخافة الأمر ولو للحظة.

ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بجذور كل شيء—بعزيمته الأولى، والأكثر جوهرية—كانت كثيرًا ما تعاود سؤاله عنها.

شروط النصر المعدّلة، والهدف الجديد المتمثل في منع الأضرار الثانوية―― ومع ذلك، لم يكن يؤمن حتى بإمكانية تحقيق ذلك. فبعد كل شيء، آلديباران قد فشل بالفعل.

وقد فسر آلديباران ذلك على أنه ربما كان طريقة الساحرة الخاصة للتعبير عن شعور بالذنب أو اضطراب داخلي… لكن، هل كان الأمر كذلك حقًا؟

إميليا: [――سأبذل قصارى جهدي!!]]

لقد أعلنت الساحرة عن عجزها عن فهم المشاعر، ومع ذلك، لا يمكن أن تكون جاهلة بمشاعر مثل الغضب، والفرح، والحزن. وإذا كانت قادرة على التعبير عن هذه الانفعالات البشرية، أفلا يكون من الممكن أيضًا أن تشعر بالذنب أو القلق حيال المستقبل؟

في بعض الأحيان، كانت الساحرة تقول أشياء توحي وكأنها تشكك في عزيمة آلديباران.

على الأقل، طوال الوقت الذي قضاه آلديباران معها، حتى وإن ظن أحيانًا أنها ساحرة لا تفهم قلب الإنسان، إلا أنه لم يظنها يومًا خالية من قلب بشري.

فما بين “عدم الامتلاك” و”عدم الفهم”، تمتد أرض مختلفة تمامًا.

فما بين “عدم الامتلاك” و”عدم الفهم”، تمتد أرض مختلفة تمامًا.

إيميليا: [――أل! أرجوك، دعنا نتحدث! سأستمع إليك جيدًا هذه المرة!]

……

الساحرة: [ذراعك… لا يبدو أن هناك أي سبيل لاستعادتها.]

بينما كان يستحم في عاصفة الرياح العاتية، انطلق آلديباران محلّقًا في السماء بسرعة جنونية.

سهل مألوف من العشب الأخضر ، وشكل الساحرة جالسةً إلى طاولة الشاي البيضاء، تستمتع برائحة الشاي؛ وما إن رآها، حتى اجتاح آلديباران اليأس، وسُحق بثقل خطيئته.

كان يظن أن منظره وهو ينشر جناحين من الحجر على ظهره، يلتقط بهما الريح أثناء تحليقه، لا بد أن يبدو سخيفًا للغاية، لكنه لم يكن بحاجة للقلق بشأن المظاهر.

لقد أعلنت الساحرة عن عجزها عن فهم المشاعر، ومع ذلك، لا يمكن أن تكون جاهلة بمشاعر مثل الغضب، والفرح، والحزن. وإذا كانت قادرة على التعبير عن هذه الانفعالات البشرية، أفلا يكون من الممكن أيضًا أن تشعر بالذنب أو القلق حيال المستقبل؟

فبينما كانت ياي تصدّ خصومهم، كان عليه أن يقطع أكبر مسافة ممكنة، ويقلّص الفارق في الارتفاع.

من الذي اقترح أن تكون ريم هي أول مهاجمة مفاجئة؟

آلديباران: [مع ذلك، لا أظن أنهم كانوا يستهدفون منطقتي .]

كان ذلك العزم شيئًا قد حسمه آلديباران منذ زمن بعيد، قبل حتى أن يلتقي ببريسيلا.

حتى وهو ينطق بهذه الكلمات، كان يركّز معظم انتباهه على تشكيل وتشغيل أجنحة الحجر على ظهره.

وبعد لحظة من السكون، كانت المسمار الجليدي يُركل نحو الأرض بقوة ساقي إيميليا؛ لكنه كان يتفكك فورًا إلى مانا ويعود إلى الجو قبل أن يُولد من جديد كقاعدة أخرى. ومرة أخرى، كانت تركله لتعزيز زخمها. ومن خلال تكرار هذه العملية، تمكنت من تقليص المسافة بينهما بسرعة .

فبناء تلك الأجنحة تطلّب توازنًا دقيقًا للغاية، كما أن الحجم والصلابة كانا بحاجة إلى ضبط بالغ الدقة. إن كانت كبيرة جدًا، ستتلاعب بها الرياح، وإن كانت صغيرة جدًا، فلن يتحقق الهدف من الأساس. أما الصلابة والسمك فترتبطان بالوزن، وأي خلل في التوازن سيؤدي حتمًا إلى السقوط.

فما كان يريده آلديباران لم يكن دموعًا، ولا جراحًا، ولا عزاءً. كان ببساطة حياة شخص واحد فقط.

آلديباران: [أرفع قبعتي لإيكاروس لأنه أتقنها من أول محاولة…!]

كان ذلك رثاء الساحرة، وعلى الرغم من أن آلديباران لم يعتبرها خالية من القلب، إلا أنها كثيرًا ما كانت تُلقي بتعليقات قاسية نحوه، هو الذي نشأ بسرعة دون أن يسبب الكثير من المتاعب.

وعند الحديث عن التحليق بأجنحة من صنع الإنسان، لم يخطر بباله سوى إيكاروس، السلف العظيم الذي صنع أجنحة من شمع؛ وبغض النظر عن المصير الذي لقيه، فإن حقيقة أن أجنحته لم تكتفِ بالانزلاق، بل رفرفته به حتى اقترب من الشمس، كانت تملأ آلديباران بالدهشة.

وبينما كان آلديباران يستوعب تلك الحقيقة، ركلت إميليا مسمارًا جليديًا جديدًا، وبينما لا تزال هناك مسافة بينهما، أصبح ارتفاعها أخيرًا مساويًا لارتفاعه. ثم، بينما كانت تحافظ على توازن أجنحتها الجليدية――

كم مرة تحطّم آلديباران بسبب أجنحة سيئة الصنع؟ ――وذلك بالضبط ما كان يريده خصمه. وبعد أن أعاد المحاولة مرارًا وتكرارًا، تمكّن أخيرًا من تشكيل أجنحته الحجرية الحالية.

متجاهلةً آلديباران، الذي ظل واقفًا مذهولًا، عاجزًا عن التفكير بسبب شعوره الهائل بالذنب، اتخذت قرارها بنفسها، دون أن تترك مجالًا للاعتراض، ودفعت المحادثة إلى الأمام.

وكان ذلك إنجازًا بالغ الصعوبة، لم يكن ليتحقق دون تركيز مطلق وحذر شديد، لكن――

تذكر آلديباران تلك الكلمات التي ألقتها عليه الساحرة كما لو أنها قيلت بالأمس.

آلديباران: [لم أكن أملك رفاهية السقوط مجددًا.]

الساحرة: [“التزييف”؛ لا أحب هذا التعبير كثيرًا. ورغم أنه ليس الكلمة ذاتها، إلا أنني لا أستطيع إلا أن أتذكر شخصًا مزعجًا.]

ذلك الواقع، وتلك العجلة التي تملأه، كانا أعظم دافعين له لتطوير أجنحته الحجرية من المستوى الأول بسرعة مذهلة، حتى بلغت مستوى يسمح له بالطيران مؤقتًا―― فرغم ثقته بنفسه كمستخدم لسلطة لا تُقهر، إلا أن “المنطقة” لم تكن خالية من العيوب.

――في كلتا الحالتين، فإن آلديباران الحالي هو نتاج خلق الساحرة.

وكان كمين العدو هذه المرة قد أصاب اثنين من تلك العيوب دفعة واحدة. بل يمكن القول إنه هاجم نفس نقطة الضعف من زاويتين مختلفتين.

كان الهدف الأساسي من الحصى هو إعاقة أجنحة الجليد التي كانت تحافظ على طيران إيميليا.

فالمنطقة ، قدرة آلديباران، لها نطاق فعّال محدد.

حتى وهو ينطق بهذه الكلمات، كان يركّز معظم انتباهه على تشكيل وتشغيل أجنحة الحجر على ظهره.

والانتقال الآني الذي سببه الكمين ألقى بآلديباران خارج حدود هذا النطاق. والأسوأ من ذلك، أن وجهة الانتقال كانت سقوطًا حرًا من ارتفاع شاهق، مما جعله هجومًا مزدوجًا يهدد بتدمير الإقليم الثاني.

لذا، لم يفهم آلديباران معنى تلك الكلمات، التي قيلت له مرة أخرى.

ولهذا، وبينما كان يسقط بسرعة جنونية، كان آلديباران يحرص على الانتحار قبل أن يتجاوز حدود إقليمه، ليبدأ من منتصف السقوط مرة تلو الأخرى. وخلال تلك التكرارات، أدرك أن الخروج من هذا المأزق المرتفع مستحيل مع تقييد حركته الشديد؛ وبعد تجريب خطط متعددة، قرر أن يحاول الهرب بأجنحة من حجر.

آلديباران: [آسف لإعادة نفس النكتة، لكن ها هي ورقتي الرابحة تعود من جديد.]

وعلى الأقل، فقد خفّف ذلك من سرعة هبوطه، مما سمح له بالحفاظ على منطقته بسهولة نسبية. وما إن أنهى آلديباران فكّ تلك العقدة المزعجة――

فمن البداية، كان الدافع لذلك ضئيلًا، وجسده وعقله قد استسلما منذ زمن طويل لعدم فائدة تحديها. وبحجة أنها اختبارات أداء لمساعدته على إتقان سلطته، كانت الساحرة قد أخضعت آلديباران للموت أكثر من مليون مرة، وقد أنهت تقييمها له بالفعل.

[――آل!!]

آلديباران: [تسك――!]

عندما أدار رأسه لينظر خلفه، ومن ارتفاع أقل بكثير من آلديباران، استطاع أن يرى بوضوح هيئة ملاك―― لا، بل إيميليا، تطير في نفس الاتجاه الذي يسلكه.

الإجابة على ذلك――،

كانت تحمل على ظهرها النحيل أجنحة مصنوعة من الجليد، وكانت تقترب بسرعة؛ وعلى الرغم من أنها استخدمت نفس الطريقة التي استخدمها آلديباران، إلا أن طريقتها تفوقت بشكل ساحق من حيث الجاذبية البصرية.

فمن البداية، كان الدافع لذلك ضئيلًا، وجسده وعقله قد استسلما منذ زمن طويل لعدم فائدة تحديها. وبحجة أنها اختبارات أداء لمساعدته على إتقان سلطته، كانت الساحرة قد أخضعت آلديباران للموت أكثر من مليون مرة، وقد أنهت تقييمها له بالفعل.

آلديباران: [لا يُصدق.]

إيميليا: [سأكررها بقدر ما يلزم. لا أريد أن أبكي مجددًا معتقدةً أنه لم يكن بالإمكان فعل شيء لإنقاذ أحدهم!!]

كان يأمل أن يكون واضحًا أنه لا مفر من التنهد المذهول، شبه المعجب، الذي خرج منه.

لذلك، لم يكن أمامه خيار سوى قتله. ――حتى لو عنى ذلك أن يصبح عدوًا للعالم، فإنه سيقتل القدر، مهما كان الثمن.

لقد تم بالفعل وصف مقدار المعاناة التي تحملها آلديباران لصنع هذه الأجنحة الحجرية، رغم أنها غير متقنة الشكل. وبسبب كل ذلك الجهد، شعر باحترام تجاه إيكاروس وأجنحته الشمعية.

وعندما ناداها، رفعت الساحرة وجهها وهي تتنزه في متاهة أفكارها الخاصة.

لكن، تمامًا مثل إيكاروس الأسطوري، نجحت حواس إيميليا في صنع أجنحة اصطناعية من المحاولة الأولى، محققة نفس النتيجة التي وصل إليها آلديباران بعد عدد لا يُحصى من الإخفاقات؛ وبدلًا من أن يشعر بالاحترام تجاه ذلك، شعر فقط بالفجوة الحاسمة بينهما، مما زاد شعوره بالهزيمة.

فقط، كان مقتنعًا بأنها تكرهه. أو ربما، في يأسه، ظن أنها قد تخلّت عنه تمامًا.

آلديباران: [حتى لو كانت فكرة أنني مجرد أحمق فشل أكثر من ستمئة مرة أفضل قليلًا من فكرة أن الآنسة الصغيرة عبقرية، فإنها لا تقدم أي عزاء على الإطلاق.]

الساحرة: [――لا أحد يستطيع هزيمتك، يا من خلقتك.]

تكمن قوة منطقة آلديباران في حرب التحمل، مما يسمح له بالاستمرار في عدد غير محدود من المحاولات حتى تأتي أدنى فرصة للنصر. وكانت أعظم ميزة له هي قدرته على الاستمرار في لعب أوراقه حتى يرتكب خصمه خطأ، مما يخلق موقفًا يمكن فيه لآلديباران أن يسيطر.

هكذا تم تهذيبه، هكذا أُعيد تشكيله―― ولو أراد أن يعبّر عن ذلك، لربما كان ذلك تعبيرًا عادلا في مواجهة لا إنسانية قرية الشينوبي التي سمع عنها من ياي.

ومع ذلك، وبينما ينطبق هذا أيضًا على معركته ضد راينهارد، هناك أفراد نادرون في هذا العالم قادرون على الوصول باستمرار إلى الإجابات الصحيحة. وتختلف تلك الإجابات الصحيحة من شخص لآخر حسب قدراتهم الفردية وأهدافهم من النصر، لكن ما يجمعهم هو أنهم، على عكس آلديباران، محبوبون من قبل القدر.

ومع أن عدد الأذرع العملاقة لم يبلغ الألف، إلا أن أكثر من مئة منها كانت لا تزال بانتظارها――،

――أما آلديباران، فقد كان مكروهًا من القدر نفسه.

فما بين “عدم الامتلاك” و”عدم الفهم”، تمتد أرض مختلفة تمامًا.

لم يعد واضحًا ما إذا كان آلديباران قد بدأ في كره القدر أولًا، أم أن القدر هو من كرهه في البداية، لكن تلك الحقيقة وحدها لا يمكن زعزعتها. بغض النظر عما إذا كان محبوبًا أو مكروهًا من قبل أشياء أخرى، فإن القدر كان عدوه المطلق.

ما دام متمسكًا بتلك الكلمات، فلا عقبة يمكن أن توقف تقدمه. ولهذا، فإن فكرة أن يفقد يومًا إيمانه بالساحرة―― لم يكن ليبوح بها أبدًا، ولا أن يتمنى أن تسمعها، بل كانت فكرة تبدو له مستحيلة تمامًا.

لذلك، لم يكن أمامه خيار سوى قتله. ――حتى لو عنى ذلك أن يصبح عدوًا للعالم، فإنه سيقتل القدر، مهما كان الثمن.

الساحرة: [――أول شاماك.]

لكن، بما أن القدر لا يرغب في أن يُقتل، فقد بدأ بإرسال بيادقه المفضلة واحدًا تلو الآخر على هيئة قتلة. وهنا والآن، اختار إيميليا وريم ليكونا أدواته.

آلديباران: [آسف لإعادة نفس النكتة، لكن ها هي ورقتي الرابحة تعود من جديد.]

آلديباران: [――. يا لحظي العاثر.]

ومع ذلك――

من الذي اقترح أن تكون ريم هي أول مهاجمة مفاجئة؟

ومع ذلك، وبينما ينطبق هذا أيضًا على معركته ضد راينهارد، هناك أفراد نادرون في هذا العالم قادرون على الوصول باستمرار إلى الإجابات الصحيحة. وتختلف تلك الإجابات الصحيحة من شخص لآخر حسب قدراتهم الفردية وأهدافهم من النصر، لكن ما يجمعهم هو أنهم، على عكس آلديباران، محبوبون من قبل القدر.

بغض النظر عمن اقترح ذلك، كانت هي الأنسب بلا منازع من حيث خلق فراغ لحظي في ذهن آلديباران. عندما كانت ضحية لسلطة الشراهة ، فشل آلديباران في ملاحظة غرابة وجودها نتيجة لذلك التأثير، وشكّل معها علاقة طبيعية دون قصد.

سهل مألوف من العشب الأخضر ، وشكل الساحرة جالسةً إلى طاولة الشاي البيضاء، تستمتع برائحة الشاي؛ وما إن رآها، حتى اجتاح آلديباران اليأس، وسُحق بثقل خطيئته.

ولذلك، بعد وفاة بريسيلا، وفي اللحظة التي ضربته فيها قنبلة الذكريات تلك واكتشف أن ريم قد تحررت من سجن الشراهة ، استحوذ على ذهنه فراغ أعظم بكثير من أي فراغ سابق.

فقد بدأت حبيبات الرمل التي لامست ذراعيها وساقيها وملابسها البيضاء تتماسك مع الحبيبات المحيطة، معيقةً حركتها بثقلها وصلابتها. كان هذا هجومًا مثبطًا استخدمه آلديباران أيضًا ضد راينهارد في بحر الرمال―― وقد تخلص راينهارد منه بتمزيق حاجز الصوت، لكن حتى إيميليا لن تكون قادرة على تكرار تلك الطريقة.

――فقد واجه كائنًا لا ينبغي له أن يكون موجودًا هنا، كائنًا كان يجب أن يكون ميتًا بكل تأكيد.

وفي هذه الحالة، فإن هذا العالم، حيث فُقد كل ذلك، حيث طغى التزييف على الواقع الذي كان يجب أن يكون حزمة صارخة من الأكاذيب.

آلديباران: [――――]

الدموع التي ذرفها، واللكمات التي عاقب بها نفسه، والاعتبارات التي حاول تقديمها؛ كلها بلا معنى.

أما عن كيفية تحقيق تلك النتيجة، فلم يكن هناك مجال للنقاش.

――اليوم الذي تحطّم فيه ذلك الإيمان، كان بمعنى ما، اليوم الذي مات فيه آلديباران حقًا.

بلا شك، لقد نجح في ذلك. في صراعه ضد القدر، تمكن ناتسكي سوبارو من التغلب عليه. كانت القوة اللازمة لفعل ذلك تسكن داخل ناتسكي سوبارو. وكان وجود ريم بحد ذاته دليلًا على ذلك.

ومع ذلك، إذا أضفنا إلى فقدانه لذكريات كل ذلك الزمن، و قوله إنه لا يرغب حتى في تذكّرها، فإنه يستطيع أن يتخيل تلك الساحرة، تجسيد الفضول الذي يتوق لمعرفة كل شيء، تتمتم لنفسها بهدوء: “أفهم، يا لها من خسارة.”

لكن، وعلى الرغم من كل ذلك―― لم ينقذ بريسيلا بارييل.

على الأقل، طوال الوقت الذي قضاه آلديباران معها، حتى وإن ظن أحيانًا أنها ساحرة لا تفهم قلب الإنسان، إلا أنه لم يظنها يومًا خالية من قلب بشري.

آلديباران: [――إذا كانت هذه طريقتك في اللعب، فلن أُظهر أي رحمة أيضًا.]

لم يعش مرحلة المراهقة، لكن―― بلا شك، كان ذلك هو ماضيه المظلم الأحمق الذي لا يمكن محوه.

الدموع التي ذرفها، واللكمات التي عاقب بها نفسه، والاعتبارات التي حاول تقديمها؛ كلها بلا معنى.

حتى وإن لم تكن إيميليا التي أمامه الآن هي الهدف الحقيقي لذلك العزم――،

فما كان يريده آلديباران لم يكن دموعًا، ولا جراحًا، ولا عزاءً. كان ببساطة حياة شخص واحد فقط.

علاوة على ذلك――،

آلديباران: [――هك.]

وفي هذه الحالة، كان من الصعب تحديد من هو المجنون حقًا: هل هي قرية الشينوبي، التي تعد مساوية للساحرة، أم الساحرة نفسها، التي تصارعت بمفردها ضد تاريخ قرية الشينوبي بأكمله؟

داخل خوذته، وهو يضغط على أسنانه حتى تذوق الدم، نظر آلديباران إلى الخلف. وبينما كان يعدّل زاوية وسماكة أجنحته، محافظًا على أقل انخفاض ممكن في السرعة والقدرة على المناورة، التقى بنظرات إيميليا في منتصف الهواء أثناء مطاردتها له.

لقد فشل، ومع ذلك――

كانت أجنحة الجليد الجميلة تناسب إيميليا حقًا، لكن مهما كانت ملاكًا لطيفًا، لم يكن بإمكانها أن ترفرف بتلك الأجنحة الاصطناعية لتكتسب سرعة أو ارتفاعًا. لقد حصلت على سرعتها الأولية من ارتداد ضربة ريم للقرص الجليدي، لكن بعد ذلك، لم يكن هناك أي وسيلة أخرى لتلحق به――،

وجه الساحرة، الذي رأه أكثر من أي وجه آخر في حياته―― ظهرت عليه تعبيرات لم يرها من قبل قط.

إيميليا: [ياه! تاه! تي!]

ومن هذه الزاوية، فإن قرار إسقاطه في وسط وادٍ ضخم يُظهر أنها قد تأملت بوضوح في لقائهما السابق.

كما تفعل دائمًا عند شن هجوم، أطلقت إيميليا تلك الصيحات القتالية الباهتة، ومع كل صرخة، كانت سرعتها وارتفاعها يزدادان خطوة بخطوة. كانت الطريقة واضحة تمامًا―― باستخدام سحرها لخلق مسمار جليدي كقاعدة في الهواء، كانت تركله لتكتسب تسارعًا وقوة.

ما كان يهم هو أن يعرف أين هو، ومتى.

(زي درج جليدي)

فبينما كانت ياي تصدّ خصومهم، كان عليه أن يقطع أكبر مسافة ممكنة، ويقلّص الفارق في الارتفاع.

وبعد لحظة من السكون، كانت المسمار الجليدي يُركل نحو الأرض بقوة ساقي إيميليا؛ لكنه كان يتفكك فورًا إلى مانا ويعود إلى الجو قبل أن يُولد من جديد كقاعدة أخرى. ومرة أخرى، كانت تركله لتعزيز زخمها. ومن خلال تكرار هذه العملية، تمكنت من تقليص المسافة بينهما بسرعة .

ومع ذلك، إذا أضفنا إلى فقدانه لذكريات كل ذلك الزمن، و قوله إنه لا يرغب حتى في تذكّرها، فإنه يستطيع أن يتخيل تلك الساحرة، تجسيد الفضول الذي يتوق لمعرفة كل شيء، تتمتم لنفسها بهدوء: “أفهم، يا لها من خسارة.”

آلديباران: [هذا جنون بحق…!]

كانت تلك الكلمات، التي وهبتها له الساحرة، هي المعيار الذي بنى عليه آلديباران حياته.

بفضل حاستها الاستثنائية للسحر، كان ذلك حلًا بالقوة الغاشمة، ممكنًا بفضل قدرتها على الاستفادة القصوى من مخزون ضخم من المانا.

وعندما ناداها، رفعت الساحرة وجهها وهي تتنزه في متاهة أفكارها الخاصة.

وبفضل الرابط الذي يربطه بـ “آلديباران”، كان بإمكانه أن يستمد القوة من خزان المانا الخارجي المعروف باسم التنين الإلهي، لكن حتى لو طُلب منه تنفيذ نفس الإنجاز الذي قامت به إيميليا، فلن يكون قادرًا على فعله.

آلديباران: [هل تظنين أنك―― ]

لم تكن المسألة تتعلق بسعة المانا؛ بل كانت هناك فجوة كبيرة جدًا في الأحساس والقدرات الجسدية بينهما. ――حتى لو تمكن من سد الفجوة في الأحساس عبر عدد لا نهائي من المحاولات، فإن الفجوة في القدرات الجسدية لا يمكن تجاوزها.

كانت الساحرة حكيمة… وأنانية.

كان الوادي يمتد لمسافة طويلة جدًا، وكانت جدران الجرف التي تحيط بكلا الشخصين تمتد بنفس القدر. وطالما استمر كلاهما في نفس الاتجاه، فلن تتوقف مطاردة إيميليا أبدًا.

وكان ذلك، حين يشهد موت الساحرة، أقرب شخص له في هذا العالم، موتًا لا مفر منه، فإن آلديباران سيعاني جرحًا لا يُشفى، بالمعنى الحقيقي للكلمة.

وبينما كان آلديباران يستوعب تلك الحقيقة، ركلت إميليا مسمارًا جليديًا جديدًا، وبينما لا تزال هناك مسافة بينهما، أصبح ارتفاعها أخيرًا مساويًا لارتفاعه. ثم، بينما كانت تحافظ على توازن أجنحتها الجليدية――

إميليا: [لكن! تلك الخطة فشلت بالفعل!]

إيميليا: [――أل! أرجوك، دعنا نتحدث! سأستمع إليك جيدًا هذه المرة!]

كان ذلك رثاء الساحرة، وعلى الرغم من أن آلديباران لم يعتبرها خالية من القلب، إلا أنها كثيرًا ما كانت تُلقي بتعليقات قاسية نحوه، هو الذي نشأ بسرعة دون أن يسبب الكثير من المتاعب.

آلديباران: [هذا مثير للسخرية منك. ألم تكوني من النوع الذي يقول “الأسئلة لاحقًا”، ثم تهاجمينني وتحاولين تجميدي بلا رحمة؟ لو كنت قد واصلت السقوط حتى القاع، لكنتِ ستجمدينني مع النهر بأكمله، أليس كذلك؟]

آلديباران: [آسف لإعادة نفس النكتة، لكن ها هي ورقتي الرابحة تعود من جديد.]

إميليا: [لكن! تلك الخطة فشلت بالفعل!]

هكذا تم تهذيبه، هكذا أُعيد تشكيله―― ولو أراد أن يعبّر عن ذلك، لربما كان ذلك تعبيرًا عادلا في مواجهة لا إنسانية قرية الشينوبي التي سمع عنها من ياي.

آلديباران: [يُفضل أن تكوني أكثر حذرًا في صراحتك، أيتها المرشحة الملكية!]

آلديباران: [أرفع قبعتي لإيكاروس لأنه أتقنها من أول محاولة…!]

كان المسار الذي يعتمد على المراقبة السلبية والسقوط نحو القاع نمطًا مضمونًا للوقوع في فخ الخصم بالكامل.

وبمجرد أن نطق بهذه الكلمات، في السماء فوق آلديباران، وإيميليا، وجنود الجليد―― ملأت صخرة ضخمة هائلة عرض وادي أغزاد بالكامل، وبدأت تهوي مباشرة نحوهم.

وللهروب من ذلك، خاطر بكل شيء واختار مسارًا ينحرف عن مسار سقوط القرص الجليدي؛ وحتى لو فشل في التخلص منهما معًا، فهل يمكنه اعتبار نجاحه في فصل إيميليا عن ريم انتصارًا؟

في الواقع، من بين الدروس والمهام التي فرضتها الساحرة على ألدبياران، كان هناك الكثير من الرعب ما يكفي لجعله يتردد، لولا أنه كان قد تعهد مسبقًا بألا يتراجع. وكلما أجبرته الساحرة على فعل شيء من هذا القبيل، لم تكن تسأله أبدًا إن كان يرغب في التوقف، ما دامت قد حصلت على موافقته.

الإجابة على ذلك――،

آلديباران: [حتى لو كان عزمًا معاد التدوير، فسيظل مفيدًا بقدر ورق ماشيه.]

آلديباران: [حان وقت معرفة الحقيقة. ――موقفي من العاصمة الملكية لم يتغير!]

“الموت”؛ كان شيئًا اختبره مرات عديدة حتى أن عدّها بدا حماقة.

قرر اتخاذ تدابير للتخلص من مطاردة إيميليا، فرفع يده عاليًا وخلق حجارة في الهواء، وهاجمها بوابل منها.

وبفضل الرابط الذي يربطه بـ “آلديباران”، كان بإمكانه أن يستمد القوة من خزان المانا الخارجي المعروف باسم التنين الإلهي، لكن حتى لو طُلب منه تنفيذ نفس الإنجاز الذي قامت به إيميليا، فلن يكون قادرًا على فعله.

بشكل غير متوقع، بدا المشهد وكأنه مأخوذ من لعبة إطلاق نار حقيقية، ومع هذا الهجوم الحجري، ردّت إيميليا بوميض من أجنحتها،

فبناء تلك الأجنحة تطلّب توازنًا دقيقًا للغاية، كما أن الحجم والصلابة كانا بحاجة إلى ضبط بالغ الدقة. إن كانت كبيرة جدًا، ستتلاعب بها الرياح، وإن كانت صغيرة جدًا، فلن يتحقق الهدف من الأساس. أما الصلابة والسمك فترتبطان بالوزن، وأي خلل في التوازن سيؤدي حتمًا إلى السقوط.

إيميليا: [سأكررها بقدر ما يلزم. لا أريد أن أبكي مجددًا معتقدةً أنه لم يكن بالإمكان فعل شيء لإنقاذ أحدهم!!]

سهل مألوف من العشب الأخضر ، وشكل الساحرة جالسةً إلى طاولة الشاي البيضاء، تستمتع برائحة الشاي؛ وما إن رآها، حتى اجتاح آلديباران اليأس، وسُحق بثقل خطيئته.

صرخت بذلك بصوت عالٍ، واقتحمت وابل الحجارة، بينما تعالت صرخات التهشم وبرودة الجو في وادي أغزاد كأنها لحن حاد النغمة.

حتى لو تذكّر عدد المحاولات التي احتاجها لتجاوز كل عقبة على حدة، فإنه لم يحفظ العدد الإجمالي للمحاولات التي خاضها عبر كل شيء؛ ناهيك عن أن مقدار الوقت الذي انقضى خلال كل ذلك كان كبيرًا إلى درجة أنه لم يرغب حتى في التفكير فيه. ومع ذلك، كانت حقيقة مطلقة أنه أنفق وقتًا يفوق ما تسمح به حياة واحدة عادةً.

…….

آلديباران: [هذا جنون بحق…!]

――سبب وجوده كنجم تابع لم يكن أمرًا شغل بال آلديباران كثيرًا.

داخل خوذته، وهو يضغط على أسنانه حتى تذوق الدم، نظر آلديباران إلى الخلف. وبينما كان يعدّل زاوية وسماكة أجنحته، محافظًا على أقل انخفاض ممكن في السرعة والقدرة على المناورة، التقى بنظرات إيميليا في منتصف الهواء أثناء مطاردتها له.

ففي النهاية، يبدو أن الجميع تقريبًا يتساءل في مرحلة ما من المراهقة عن سبب ولادتهم، ومن أين جاءت الحياة وإلى أين تذهب، ويشعرون بنوع من التمرد على والديهم دون سبب، لكن بالنسبة لآلديباران، كانت هذه الأفكار غريبة عليه تمامًا.

(زي درج جليدي)

في حالته، كان من الصعب تحديد من هو “الوالد” الذي ينبغي أن يتمرد عليه، وبسبب طبيعة سلطته، لم يشعر أبدًا بأن حياته تتلاشى عندما يموت . أما عن هدف ولادته، فقد مُنح إجابة دقيقة، وأما عن سبب وجوده، فربما كانت الإجابة ببساطة: “الحب”.

منذ لحظة خلقه، كل هبة أُعطيت له، وكل درس صُبّ في كيانه، وكل نعمة أُغدقت عليه: كلها كانت مقدّرة لتقوده نحو ذلك النصر، لتضمن أنه سيقوم، ويظفر به، ويقف شامخًا في انتصاره.

ولذلك، لم يصارع آلديباران تلك الأسئلة التي يُفترض أن تراود الإنسان في مراهقته.

وكان ذلك، حين يشهد موت الساحرة، أقرب شخص له في هذا العالم، موتًا لا مفر منه، فإن آلديباران سيعاني جرحًا لا يُشفى، بالمعنى الحقيقي للكلمة.

ولم يعتبر ذلك فشلًا منه، ولا شيئًا فاته.

وعندما ناداها، رفعت الساحرة وجهها وهي تتنزه في متاهة أفكارها الخاصة.

في المجتمع، يبدو أن هناك فكرة مفادها أن على الناس أن يواجهوا المصاعب في شبابهم، لكن التجارب التي لا تجلب سوى ماضٍ مظلم محرج عند البلوغ لا تحمل قيمة حقيقية. لا بأس في تفويت تجارب لا تستحق المعاناة. ――تمامًا كما أنه لا بأس في أن يكون الموت شيئًا لا يختبره الإنسان سوى مرة واحدة في نهاية حياته.

وبعد لحظة من السكون، كانت المسمار الجليدي يُركل نحو الأرض بقوة ساقي إيميليا؛ لكنه كان يتفكك فورًا إلى مانا ويعود إلى الجو قبل أن يُولد من جديد كقاعدة أخرى. ومرة أخرى، كانت تركله لتعزيز زخمها. ومن خلال تكرار هذه العملية، تمكنت من تقليص المسافة بينهما بسرعة .

الساحرة: [أفهم، إذًا لا رغبة لديك في أي من المشاعر أو النزاعات المعتادة في سن المراهقة. هذا مؤسف بعض الشيء. كنت قد فكرت في عدة طرق للتعامل مع مرحلة تمردك، حسب الطريقة التي قد تظهر بها.]،

صوت لم يرغب أن يفلت منه، تعويذة الساحرة الأخيرة――

كان ذلك رثاء الساحرة، وعلى الرغم من أن آلديباران لم يعتبرها خالية من القلب، إلا أنها كثيرًا ما كانت تُلقي بتعليقات قاسية نحوه، هو الذي نشأ بسرعة دون أن يسبب الكثير من المتاعب.

――سبب وجوده كنجم تابع لم يكن أمرًا شغل بال آلديباران كثيرًا.

بالنسبة لآلديباران، كانت الساحرة هي الشخص الذي قضى معه أطول وقت منذ ولادته، لكنها كانت تملك عادة سيئة: رغبة لا تقاوم في مشاهدة كل اختيار وكل شعور بشري، كل احتمال حتى آخره.

وهكذا، كما حددت الساحرة، فإن العلاقة بين آلديباران وبينها كانت――،

وفوق ذلك، فإن عدم القدرة على كبح تلك الرغبات كان جزءًا من طبيعة الساحرات في معظم الحالات.

ولن يكون من المبالغة القول إن حياة آلديباران وجدت فقط من أجل ذلك النصر.

لقد تعرف آلديباران على ساحرات غيرها، ومع أن الأمر كان بدرجات متفاوتة، فإن حقيقة أن أياً منهن لم تستطع تحدي تلك الطبيعة كانت تثير فيه شعورًا بالتجديف الفظيع.

فقد تحولت زفرة آلديباران إلى بكاء ، وانهار على الأرض، والدموع تنهمر من عينيه.

لذلك، فإن موقف الساحرة، وهي تنتظر مراهقة آلديباران بشيء من الاستياء، كان نتيجة لطبيعة لا يمكن تحديها، وعندما فكر في الأمر بهذه الطريقة، أدرك أنه لا جدوى من مقاومة ذلك. ومع ذلك، لم يرَ أي فائدة في التظاهر بخوض مرحلة المراهقة فقط لإرضاء الساحرة. ――وبطريقة ما، بدا ذلك وكأنه الروح المتمردة ذاتها التي تميز مشاعر المراهقة.

ومع ذلك――

الساحرة: [كما توقعت، ربما من السهل جدًا بالنسبة لي، وأنا لست حتى أمًا ، أن أحاول تقليد تلك التجارب الأبوية بشكل سطحي…؟ إذا كان ذاك الشخص قد خلق بياتريس، فهل تمكن من اختبارها؟]

――أما آلديباران، فقد كان مكروهًا من القدر نفسه.

وبينما بدأت الساحرة تطرح مثل هذه الأسئلة على نفسها، كان آلديباران متأكدًا أن شعور الوحدة الذي يراوده لا علاقة له بالمراهقة، بل كان شيئًا آخر تمامًا. فقط، كان من الصعب إيجاد إجابة ملموسة عن سبب ذلك الشعور، وكانت علاقتهما معقدة جدًا بحيث لا يمكنه أن يسألها مباشرة.

كانت تحمل على ظهرها النحيل أجنحة مصنوعة من الجليد، وكانت تقترب بسرعة؛ وعلى الرغم من أنها استخدمت نفس الطريقة التي استخدمها آلديباران، إلا أن طريقتها تفوقت بشكل ساحق من حيث الجاذبية البصرية.

وهكذا، كما حددت الساحرة، فإن العلاقة بين آلديباران وبينها كانت――،

ورغم أنه كان يعتبر العدّ أمرًا سخيفًا، إلا أنه استمر في ذلك، فقط لأنه طُلب منه ذلك. ومع أنه كان يتتبع الرقم الحقيقي، لم تتلاشَ سخافة الأمر ولو للحظة.

آلديباران: [――معلمة.]

كما لو أن أحدهم مزّق خشبة مسرح من ورق الكاميشيباي، كانت نهاية عنيفة للغاية؛ وما كان ينتظره على الجانب الآخر لم يكن سوى واقع قاتم. في تلك اللحظة، سيطر الألم والشعور بالخسارة على دماغه، والدماء الطازجة وضجيج الهواء أضعفا إدراكه. لقد تلطخت السماء والأرض بسواد قاتم لدرجة أن الزمن نفسه فقد معناه، وصراخ آلديباران غرق وسط صرخات عالم يتداعى، حتى أنه لم يعد يسمع صوته.

وعندما ناداها، رفعت الساحرة وجهها وهي تتنزه في متاهة أفكارها الخاصة.

وبصراحة، كان يعتقد أن الساحرة ذات شخصية فظيعة، وكان لديه الكثير من التحفظات على أساليبها في التعليم وطريقتها في الإرشاد، لكنه رغم ذلك، لم يشكّ لحظة في قدرته على تلبية توقعاتها.

في كل مرة يرى آلديباران انعكاس نفسه في تلك الحدقات السوداء، ويرى شعرها الأبيض النقي يتدلى على كتفيها بينما تميل رأسها قائلة “ماذا هناك؟”، لا يسعه إلا أن يفكر في مدى ظلم هذه الساحرة.

حتى وهو ينطق بهذه الكلمات، كان يركّز معظم انتباهه على تشكيل وتشغيل أجنحة الحجر على ظهره.

فحتى وإن كانت دائمًا غارقة في شؤونها الخاصة، مخلصة لرغباتها دون أن تحاول حتى مراعاة مشاعر الآخرين، إلا أنها كانت دائمًا تلتقي بعينيه عندما يناديها.

كان ذلك رثاء الساحرة، وعلى الرغم من أن آلديباران لم يعتبرها خالية من القلب، إلا أنها كثيرًا ما كانت تُلقي بتعليقات قاسية نحوه، هو الذي نشأ بسرعة دون أن يسبب الكثير من المتاعب.

وحقيقة أنه لم يشعر يومًا بروح تمرد المراهقة تجاه تلك الساحرة كانت أمرًا طبيعيًا.

ففي الوقت الحالي، الساحرة الوحيدة التي لا تزال على قيد الحياة، باستثناء التي أمامه، هي تلك التي تسببت بشكل مباشر أو غير مباشر في موت جميع الساحرات الأخريات. ولم يكن الاتصال الذي جمع آلديباران بتلك الساحرات شيئًا حدث أثناء حياتهن.

فمن البداية، كان الدافع لذلك ضئيلًا، وجسده وعقله قد استسلما منذ زمن طويل لعدم فائدة تحديها. وبحجة أنها اختبارات أداء لمساعدته على إتقان سلطته، كانت الساحرة قد أخضعت آلديباران للموت أكثر من مليون مرة، وقد أنهت تقييمها له بالفعل.

“الموت”؛ كان شيئًا اختبره مرات عديدة حتى أن عدّها بدا حماقة.

ومع ذلك، مهما تحدث عن ذلك، فإن الساحرة المعنية لم تكن تعطي أي رد ذي معنى، بل كانت تكتفي بالقول: “لا أتذكر أيًا من تلك المرات، لذا حتى لو طلبت مني أن أشعر ببعض المسؤولية، فأنا في حيرة من أمري.”

فقد تحولت زفرة آلديباران إلى بكاء ، وانهار على الأرض، والدموع تنهمر من عينيه.

ومع ذلك، كان بإمكانه أن يفهم لماذا كانت الساحرة تذهب إلى هذا الحد.

ومع ذلك، كان يؤمن أن في ذلك اليوم، في تلك اللحظة، قد تذوّق الموت بأصدق معانيه.

ففي الوقت الحالي، الساحرة الوحيدة التي لا تزال على قيد الحياة، باستثناء التي أمامه، هي تلك التي تسببت بشكل مباشر أو غير مباشر في موت جميع الساحرات الأخريات. ولم يكن الاتصال الذي جمع آلديباران بتلك الساحرات شيئًا حدث أثناء حياتهن.

ومن هذه الزاوية، فإن قرار إسقاطه في وسط وادٍ ضخم يُظهر أنها قد تأملت بوضوح في لقائهما السابق.

لم يكن بإمكانه أن يلتقي بهنّ في أي مكان خارج المساحة المحدودة الذي أعدّته الساحرة. وبحلول الوقت الذي أُتيح له فيه لقاؤهن هناك، كنّ قد متن منذ زمن بعيد، ولم يبقَ من وجودهن سوى أرواح مجمّعة.

الساحرة: [――في اللحظة التي لم يكن يُسمح لك أن تخسر فيها، هُزمت.]

ولذلك، فإن من فعل بهنّ ذلك؛ وبحسب تعليمات الساحرة، كان على آلديباران أن――،

[――آل!!]

الساحرة: [――يجب أن تقتلها مهما كان الثمن.]

وعلى الأقل، فقد خفّف ذلك من سرعة هبوطه، مما سمح له بالحفاظ على منطقته بسهولة نسبية. وما إن أنهى آلديباران فكّ تلك العقدة المزعجة――

ذلك كان سبب وجود آلديباران، النجم التابع، الذي مُنح له قبل أن يختبر حتى مرحلة المراهقة، وكان معيار حياته الذي عليه أن يُنجزه حتى لو تطلب الأمر أن يموت مليون مرة.

إيميليا: [――أل! أرجوك، دعنا نتحدث! سأستمع إليك جيدًا هذه المرة!]

ولكي تصنع الساحرة آلديباران بهذه الطريقة، كانت قد واجهت لوم الساحرات الأخريات، وقطعت علاقاتها حتى مع رفيقاتها، لذا لا بد أن عزيمتها كانت مطلقة.

الساحرة: [سُلبت ذراعك، فخسرت المعركة التي لم يكن يُسمح لك بخسارتها. يبدو أن خطتي انتهت إلى الفشل. أستطيع أن أتخيل أصدقائي وهم يطلقون التعليقات من كل صوب. ――وفي النهاية، سيُترك الأمر لأولئك الذين يسعون لحمل إرادة فلوغيل. كم هو محبط.]

الساحرة: [――لا أحد يمكنه هزيمتك، يا من خلقتُه.]

آلديباران: [تسك――!]

كان نطقها لتلك الكلمات أمرًا يفتخر به آلديباران، وكان بمثابة الأساس الحقيقي لوجوده.

آلديباران: [――معلمة.]

وبصراحة، كان يعتقد أن الساحرة ذات شخصية فظيعة، وكان لديه الكثير من التحفظات على أساليبها في التعليم وطريقتها في الإرشاد، لكنه رغم ذلك، لم يشكّ لحظة في قدرته على تلبية توقعاتها.

فقد تحولت زفرة آلديباران إلى بكاء ، وانهار على الأرض، والدموع تنهمر من عينيه.

كان يؤمن بأنه قادر على ذلك.

ذلك كان سبب وجود آلديباران، النجم التابع، الذي مُنح له قبل أن يختبر حتى مرحلة المراهقة، وكان معيار حياته الذي عليه أن يُنجزه حتى لو تطلب الأمر أن يموت مليون مرة.

في تلك الأيام، حينما كان آلديباران لا يزال يملك ذراعه اليسرى، كان لا يزال قادرًا على الإيمان بذلك. فحتى وإن كان يعرف الموت، فإنه لم يكن قد عرف الهزيمة الحقيقية بعد.

آلديباران: [――هك.]

لم يعش مرحلة المراهقة، لكن―― بلا شك، كان ذلك هو ماضيه المظلم الأحمق الذي لا يمكن محوه.

ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بجذور كل شيء—بعزيمته الأولى، والأكثر جوهرية—كانت كثيرًا ما تعاود سؤاله عنها.

……

منذ لحظة خلقه، كل هبة أُعطيت له، وكل درس صُبّ في كيانه، وكل نعمة أُغدقت عليه: كلها كانت مقدّرة لتقوده نحو ذلك النصر، لتضمن أنه سيقوم، ويظفر به، ويقف شامخًا في انتصاره.

آلديباران: [تسك――!]

في بعض الأحيان، كانت الساحرة تقول أشياء توحي وكأنها تشكك في عزيمة آلديباران.

بينما اندفعت إيميليا برأسها نحو وابل الحجارة المتواصل، كبح آلديباران كل تردده في قلبه، واستجمع كامل قوته النارية بلا قيود.

ومع ذلك، حين حانت ساعة اختبار قناعته، تلك العزيمة المصقولة، وتلك الخطط المحكمة، وروحه ذاتها التي صُقلت حتى الكمال كما ينبغي لها أن تكون؛ كل ذلك أصبح بلا معنى.

وكما حدث في مواجهتهما في العاصمة الملكية، كان لدى آلديباران ضعف غريزي تجاه إيميليا.

ومع ذلك، وبينما ينطبق هذا أيضًا على معركته ضد راينهارد، هناك أفراد نادرون في هذا العالم قادرون على الوصول باستمرار إلى الإجابات الصحيحة. وتختلف تلك الإجابات الصحيحة من شخص لآخر حسب قدراتهم الفردية وأهدافهم من النصر، لكن ما يجمعهم هو أنهم، على عكس آلديباران، محبوبون من قبل القدر.

في هذه المرحلة، بات واضحًا أن هذا مثال على ضعف متأصل في كل حياة، وبسببه، لم يستطع أن يتخذ الإجراءات الحاسمة التي كان سيتخذها لو كان خصمه شخصًا آخر، حتى في العاصمة الملكية.

الساحرة: [――لا أحد يستطيع هزيمتك، يا من خلقتُه.]

في ذلك الوقت، استعان بقوة “آلديباران” ليرمي صخرة ضخمة، مانعًا مطاردة إيميليا له عبر إشغالها بحماية العاصمة الملكية؛ لكن هنا، لم يكن هناك أحد يمكنه أن يجرّه إلى المعركة.

داخل خوذته، وهو يضغط على أسنانه حتى تذوق الدم، نظر آلديباران إلى الخلف. وبينما كان يعدّل زاوية وسماكة أجنحته، محافظًا على أقل انخفاض ممكن في السرعة والقدرة على المناورة، التقى بنظرات إيميليا في منتصف الهواء أثناء مطاردتها له.

ومن هذه الزاوية، فإن قرار إسقاطه في وسط وادٍ ضخم يُظهر أنها قد تأملت بوضوح في لقائهما السابق.

الساحرة: [――لا أحد يستطيع هزيمتك، يا من خلقتُه.]

آلديباران: [لكن، لا تمنحينني مساحة كافية لأقدّر تطورك الآن!]

لكن كل الوقت الذي قضاه آلديباران خارج مجرى الزمن الحقيقي كان، إن صح التعبير، سلسلة من اللحظات الراكدة التي استخدمها لتجاوز كل عقبة أمام عينيه. عمليًا، كانت تلك اللحظات تتراوح بين بضع ثوانٍ إلى بضع دقائق على الأكثر، وتكرار تلك الفترات القصيرة مرارًا يمنع الإنسان من النمو.

للأسف، لم يكن قلب آلديباران في حالة تسمح له بالابتهاج بنموه أو بنمو خصومه. وللحظة، تردد في اعتبار إيميليا عدوة، لكنه أغلق عينيه بقوة على ذلك الشعور.

لكن، بما أن القدر لا يرغب في أن يُقتل، فقد بدأ بإرسال بيادقه المفضلة واحدًا تلو الآخر على هيئة قتلة. وهنا والآن، اختار إيميليا وريم ليكونا أدواته.

كان ذلك العزم شيئًا قد حسمه آلديباران منذ زمن بعيد، قبل حتى أن يلتقي ببريسيلا.

حتى وإن لم تكن إيميليا التي أمامه الآن هي الهدف الحقيقي لذلك العزم――،

آلديباران: [――تم التطهير!]

آلديباران: [حتى لو كان عزمًا معاد التدوير، فسيظل مفيدًا بقدر ورق ماشيه.]

ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بجذور كل شيء—بعزيمته الأولى، والأكثر جوهرية—كانت كثيرًا ما تعاود سؤاله عنها.

ورغم معرفته التامة بأنه لا يساوي شيئًا أكثر من ورق هش، فقد تمسك بذلك العزم، واتجه لقطع مطاردة إيميليا.

من الذي اقترح أن تكون ريم هي أول مهاجمة مفاجئة؟

اندفعت إيميليا مباشرة إلى داخل عاصفة من الصخور بحجم القبضات، وأجنحتها الجليدية تتلألأ بجرأة.

باستخدام الأبيض والأسود فقط، بلغت الساحرة ذروة الجمال الممكنة. والآن، حقيقة أن جسدها الجذاب المقيت لم يكن عليه أي جرح، كانت دليلًا على أن هذا عالم من الأحلام.

كان الهدف من الهجوم هو إبطاء حركتها ولو قليلًا، بإجبارها على المراوغة أو اتخاذ وضعية دفاعية، لكن كما خمن حدسه المزعج، اختارت إيميليا الطريق المباشر، الأقصر―― أجنحة جليدية على ظهرها، مسامير جليدية كدعائم، والآن، تطلق أوتادًا من الجليد لصد الهجوم، وتصد ما يتجاوز الأوتاد باستخدام سيفيها الجليديين.

الإجابة على ذلك――،

كانت الساحرة قد علمته أن تفعيل السحر المتزامن أمر صعب، حتى على السحرة المتمرسين.

لقد تعرف آلديباران على ساحرات غيرها، ومع أن الأمر كان بدرجات متفاوتة، فإن حقيقة أن أياً منهن لم تستطع تحدي تلك الطبيعة كانت تثير فيه شعورًا بالتجديف الفظيع.

حتى لو كان السحر من نفس العنصر، فإن الموهبة المطلوبة لذلك تشبه مهمة مستحيلة، كأن تمسك قلمًا في كل يد، وتحاول كتابة مقال باليمنى ورسم صورة باليسرى. أما إن كان السحر من عناصر مختلفة، فالأمر يتطلب كما يبدو دماغًا إضافيًا لكل عنصر جديد، وقد رأى آلديباران الساحرة تستخدم خمسة عناصر في آنٍ واحد. وبصراحة، تساءل بجدية إن كان رأسها الصغير يمكن أن يحتوي على خمسة أدمغة صغيرة.

آلديباران: [――. يا لحظي العاثر.]

وحتى لو وضعنا هذه الذكرى العجيبة جانبًا، فإن مجرد تفعيل أربعة أنواع من السحر في آنٍ واحد―― الأجنحة، المسامير، الأوتاد، والسيوف―― حتى لو كانت جميعها من عنصر الجليد، فهو إنجاز كافٍ بحد ذاته.

الساحرة: [――يجب أن تقتلها مهما كان الثمن.]

وما يزيد على ذلك، أنها كانت تنفذ هذا الأسلوب الجنوني في المطاردة، مستعرضةً لياقة بدنية تفوق رياضيي الأولمبياد، مما جعله يشعر أنه قد استنفد بالفعل حصته اليومية من الدهشة.

ومع ذلك، مهما تحدث عن ذلك، فإن الساحرة المعنية لم تكن تعطي أي رد ذي معنى، بل كانت تكتفي بالقول: “لا أتذكر أيًا من تلك المرات، لذا حتى لو طلبت مني أن أشعر ببعض المسؤولية، فأنا في حيرة من أمري.”

آلديباران: [لهذا، عليّ أن أواجهها بأقل قدر ممكن من الارتباك!]

المعركة الوحيدة في حياته التي كانت الهزيمة فيها محرّمة، قد سحقت قلبه إلى شظايا صغيرة.

كانت إيميليا قد قررت تجاوز عاصفة الصخور والشظايا عبر الشجاعة والقوة الغاشمة فقط. لكن، بعيدًا عن تلك الشجاعة، ماذا ستفعل إن واجهت تهديدًا لا يمكن التغلب عليه بالقوة الجسدية؟

(زي درج جليدي)

إيميليا: [――――]

ذلك كان سبب وجود آلديباران، النجم التابع، الذي مُنح له قبل أن يختبر حتى مرحلة المراهقة، وكان معيار حياته الذي عليه أن يُنجزه حتى لو تطلب الأمر أن يموت مليون مرة.

كانت مصممة على تقليص المسافة، لكن في مواجهة التهديد التالي، شدّت وجنتاها من التوتر.

حتى وهو ينطق بهذه الكلمات، كان يركّز معظم انتباهه على تشكيل وتشغيل أجنحة الحجر على ظهره.

فقد ظهر أمامها فجأة، دون أن يترك لها طريقًا للهروب، طوق من الحصى أصغر من الحجارة السابقة، يسهل تجاهل ضرره المحتمل . ومثل القفز في مطر غزير، ما لم تكن تملك قدرة خارقة على تفادي المطر وهي في الهواء، فمن المستحيل ألا تصاب بشيء.

…….

وبالطبع، لم يكن الهدف من الرمال المنتشرة مجرد حجب الرؤية، بل――،

لكنه لم يستطع أن يموت.

إيميليا: [――هك، إنها ثقيلة؟!]

ما كان يهم هو أن يعرف أين هو، ومتى.

حين حاولت مسح الرمال التي التصقت بها، أطلقت إيميليا صوت دهشة وهي تلوّح بذراعيها.

وكان ذلك، حين يشهد موت الساحرة، أقرب شخص له في هذا العالم، موتًا لا مفر منه، فإن آلديباران سيعاني جرحًا لا يُشفى، بالمعنى الحقيقي للكلمة.

فقد بدأت حبيبات الرمل التي لامست ذراعيها وساقيها وملابسها البيضاء تتماسك مع الحبيبات المحيطة، معيقةً حركتها بثقلها وصلابتها. كان هذا هجومًا مثبطًا استخدمه آلديباران أيضًا ضد راينهارد في بحر الرمال―― وقد تخلص راينهارد منه بتمزيق حاجز الصوت، لكن حتى إيميليا لن تكون قادرة على تكرار تلك الطريقة.

――السحر هو تجسيد للمشاعر والرغبات؛ هكذا قالت الساحرة.

علاوة على ذلك――،

كم مرة تحطّم آلديباران بسبب أجنحة سيئة الصنع؟ ――وذلك بالضبط ما كان يريده خصمه. وبعد أن أعاد المحاولة مرارًا وتكرارًا، تمكّن أخيرًا من تشكيل أجنحته الحجرية الحالية.

إيميليا: [أجنحتي――]

من الذي اقترح أن تكون ريم هي أول مهاجمة مفاجئة؟

كان الهدف الأساسي من الحصى هو إعاقة أجنحة الجليد التي كانت تحافظ على طيران إيميليا.

إميليا: [لكن! تلك الخطة فشلت بالفعل!]

فبعد أن اندفعت داخل العاصفة الرملية، بدأت الحبيبات الخشنة تُتلف أجنحتها الجليدية ، لتنتزع منها قدرتها الجوهرية على التقاط الرياح. ثم انهار توازن إيميليا، وبدأت تسقط مباشرة نحو الأرض―― ولتفادي ذلك، تخلّت بسرعة عن أجنحتها المتضررة، وعادت من كونها ملاكًا إلى مجرد فتاة تشبه الملاك، متجنبة تلك المحنة.

فإذا كانت العقلية البشرية تبدأ غير ناضجة ثم تنضج تدريجيًا لتبلغ حكمة الشيخوخة، فذلك لأن مرور الزمن يتيح للمرء أن يختبر الحلو والمر، مما يمنح العقل مساحة للنمو.

آلديباران: [――تم التطهير!]

آلديباران: [تسك――!]

لكن، هذا بالضبط ما كان آلديباران يسعى لتحقيقه.

وفي هذه الحالة، فإن مشهد جنود الجليد على هيئة ناتسكي سوبارو وهم يساعدون إيميليا أمام عيني آلديباران، ما نوع الرغبة التي يمكن أن تكون تجسيد لها؟

فحتى وإن تخلّت عن أجنحتها الجليدية، كان بإمكان إيميليا أن تُنشئ زوجًا جديدًا منها فورًا، مما يسمح لها بالعودة دون أن تفقد زخمها أو ارتفاعها السابق. ومع ذلك، فإن قدراتها الجسدية، مهما كانت غير عادية ، لن تسمح لها باللحاق بطائرة شراعية مرتجلة تتجاوز سرعتها مئة كيلومتر في الساعة.

ومع أن عدد الأذرع العملاقة لم يبلغ الألف، إلا أن أكثر من مئة منها كانت لا تزال بانتظارها――،

ومن ثم، لمنع إيميليا من نشر أجنحة جديدة، ضاعف آلديباران جهوده.

الساحرة: [ذراعك… لا يبدو أن هناك أي سبيل لاستعادتها.]

خرج من جدار الوادي، مصحوبًا بهدير مدوٍ، ذراع حجرية ضخمة حاولت إمساك إيميليا في سماء الوادي. وإذا تمكن من إعاقة زخمها، فإن حتى لو نجحت إيميليا في تشكيل مجموعة جديدة من الأجنحة، فلن تتمكن من اللحاق بسرعة آلديباران المستمرة.

لذلك، لم يكن أمامه خيار سوى قتله. ――حتى لو عنى ذلك أن يصبح عدوًا للعالم، فإنه سيقتل القدر، مهما كان الثمن.

وليس هذا فقط، فالذراع العملاقة التي تعيق إيميليا لم تقتصر على واحدة أو اثنتين. ――باستخدام المواد الخام من جدران الوادي، بلغ عدد الأذرع الصخرية التي خرجت أكثر من مئة.

أما عن كيفية تحقيق تلك النتيجة، فلم يكن هناك مجال للنقاش.

آلديباران: [تحية لكانّون ذات الألف ذراع… أو بالأحرى، يبدو الأمر وكأنه خلف كواليس بيت الأشباح (الرعب).]

ورغم أنها كانت تتفاخر بأنها لا تفهم المشاعر، فإن الساحرة كانت خبيرة في التمثيل والتلاعب بالآخرين لإخضاعهم لإرادتها. وعلى الرغم من معرفته بذلك، لم يستطع آلديباران أن يعارض كلماتها أو موقفها.

(كانون /ألهة الرحمة في الصين )

كما لو أن أحدهم مزّق خشبة مسرح من ورق الكاميشيباي، كانت نهاية عنيفة للغاية؛ وما كان ينتظره على الجانب الآخر لم يكن سوى واقع قاتم. في تلك اللحظة، سيطر الألم والشعور بالخسارة على دماغه، والدماء الطازجة وضجيج الهواء أضعفا إدراكه. لقد تلطخت السماء والأرض بسواد قاتم لدرجة أن الزمن نفسه فقد معناه، وصراخ آلديباران غرق وسط صرخات عالم يتداعى، حتى أنه لم يعد يسمع صوته.

كما هو الحال في بيوت الأشباح ، حيث تخرج مجموعة من الأيدي فجأة من خلف أبواب ورقية منزلقة؛ كان الانطباع مشابهًا لذلك. لكن، على عكس التهديدات الفارغة التي تمثلها تلك الأمور المرعبة ، كانت هذه الأذرع العملاقة جادة في محاولتها الإمساك بإيميليا.

والانتقال الآني الذي سببه الكمين ألقى بآلديباران خارج حدود هذا النطاق. والأسوأ من ذلك، أن وجهة الانتقال كانت سقوطًا حرًا من ارتفاع شاهق، مما جعله هجومًا مزدوجًا يهدد بتدمير الإقليم الثاني.

فلو تمكنت واحدة فقط من الإمساك بساقها، لانتهت هذه المطاردة تمامًا، ولانتهى هذا الموقف المصيري بنجاح هروب آلديباران――،

زخمها لم ينتهِ بعد. وارتفاعها أيضًا بدأ يتعافى بشكل ملحوظ.

آلديباران: [هل تظنين أنك―― ]

في هذه المرحلة، بات واضحًا أن هذا مثال على ضعف متأصل في كل حياة، وبسببه، لم يستطع أن يتخذ الإجراءات الحاسمة التي كان سيتخذها لو كان خصمه شخصًا آخر، حتى في العاصمة الملكية.

إميليا: [――سأبذل قصارى جهدي!!]]

منذ لحظة خلقه، كل هبة أُعطيت له، وكل درس صُبّ في كيانه، وكل نعمة أُغدقت عليه: كلها كانت مقدّرة لتقوده نحو ذلك النصر، لتضمن أنه سيقوم، ويظفر به، ويقف شامخًا في انتصاره.

ستتجاوزين هذا؛ وبينما كان يحاول إنهاء عبارته، غمرته حماستها العالية.

كان الهدف من الهجوم هو إبطاء حركتها ولو قليلًا، بإجبارها على المراوغة أو اتخاذ وضعية دفاعية، لكن كما خمن حدسه المزعج، اختارت إيميليا الطريق المباشر، الأقصر―― أجنحة جليدية على ظهرها، مسامير جليدية كدعائم، والآن، تطلق أوتادًا من الجليد لصد الهجوم، وتصد ما يتجاوز الأوتاد باستخدام سيفيها الجليديين.

لم يكن يقصد أن يكون الأمر شيئًا يمكنها تجاوزه بمجرد “بذل الجهد”، لكن قدرة إيميليا على بذل قصارى جهدها، ثم النجاح بطريقة ما في تجاوز العقبات، كانت من أكثر جوانبها رعبًا.

لم يعش مرحلة المراهقة، لكن―― بلا شك، كان ذلك هو ماضيه المظلم الأحمق الذي لا يمكن محوه.

وبعد أن فقدت أجنحتها، عرضت إيميليا ذلك الجانب المرعب بكل وضوح―― فبضربة من سيفها الجليدي، قطعت أصابع الذراع العملاقة الأولى التي اقتربت منها، وبعد أن أوقفتها ، استخدمتها كمنصة لتنفيذ قفزتها التالية.

ومع ذلك، إذا أضفنا إلى فقدانه لذكريات كل ذلك الزمن، و قوله إنه لا يرغب حتى في تذكّرها، فإنه يستطيع أن يتخيل تلك الساحرة، تجسيد الفضول الذي يتوق لمعرفة كل شيء، تتمتم لنفسها بهدوء: “أفهم، يا لها من خسارة.”

زخمها لم ينتهِ بعد. وارتفاعها أيضًا بدأ يتعافى بشكل ملحوظ.

كلمات الساحرة التي تركها خلفه منذ مئات السنين، ما زالت تتشبث بروحه، رافضة أن تفارقه.

ومع أن عدد الأذرع العملاقة لم يبلغ الألف، إلا أن أكثر من مئة منها كانت لا تزال بانتظارها――،

لكن، تمامًا مثل إيكاروس الأسطوري، نجحت حواس إيميليا في صنع أجنحة اصطناعية من المحاولة الأولى، محققة نفس النتيجة التي وصل إليها آلديباران بعد عدد لا يُحصى من الإخفاقات؛ وبدلًا من أن يشعر بالاحترام تجاه ذلك، شعر فقط بالفجوة الحاسمة بينهما، مما زاد شعوره بالهزيمة.

إيميليا: [أيها الجنود، أمدّوني بقوتكم!]

وبمجرد أن نطق بهذه الكلمات، في السماء فوق آلديباران، وإيميليا، وجنود الجليد―― ملأت صخرة ضخمة هائلة عرض وادي أغزاد بالكامل، وبدأت تهوي مباشرة نحوهم.

استجابةً لنداء إيميليا، عاد جنود الجليد ذوو الهيئة البغيضة إلى الساحة من جديد.

جاء ذلك السؤال بصوت شخص لا يعرفه إطلاقًا.

أولئك الجنود الذين كان ينبغي أن يتحطموا تمامًا إثر سقوط قرص الجليد، وقفوا بشجاعة في وجه الأذرع الترابية العملاقة التي كانت تهاجم إيميليا؛ بعضهم استخدم جسده بالكامل لإيقافها، وبعضهم وجّه لكمات لتغيير مسارها، وآخرون سُحقوا وهم يتخذون وضعيات قتالية بعد أن هزموا ؛ لقد قدّموا مساهمات متنوعة.

كانت تلك الكلمات، التي وهبتها له الساحرة، هي المعيار الذي بنى عليه آلديباران حياته.

لكن ما أثار غضب آلديباران أكثر من أي شيء، كان ذلك الشخص الذي أمسك بيد إيميليا، وأبعدها عن قبضة الأذرع العملاقة الشريرة، ثم دفعها إلى الأمام ليساعدها على التقدم.

كان الهدف من الهجوم هو إبطاء حركتها ولو قليلًا، بإجبارها على المراوغة أو اتخاذ وضعية دفاعية، لكن كما خمن حدسه المزعج، اختارت إيميليا الطريق المباشر، الأقصر―― أجنحة جليدية على ظهرها، مسامير جليدية كدعائم، والآن، تطلق أوتادًا من الجليد لصد الهجوم، وتصد ما يتجاوز الأوتاد باستخدام سيفيها الجليديين.

كان هناك سبعة جنود جليديين على هيئة ناتسكي سوبارو، يتحطمون كلما أدّوا مهمتهم، ليولدوا من جديد في خدمة إيميليا؛ يكررون دورة من التدمير والبعث، لا يتجاوز عددهم سبعة في آنٍ واحد، ويواصلون حماية إيميليا من مئات الأذرع الحجرية الشريرة التي تقترب منها.

حتى لو تذكّر عدد المحاولات التي احتاجها لتجاوز كل عقبة على حدة، فإنه لم يحفظ العدد الإجمالي للمحاولات التي خاضها عبر كل شيء؛ ناهيك عن أن مقدار الوقت الذي انقضى خلال كل ذلك كان كبيرًا إلى درجة أنه لم يرغب حتى في التفكير فيه. ومع ذلك، كانت حقيقة مطلقة أنه أنفق وقتًا يفوق ما تسمح به حياة واحدة عادةً.

――السحر هو تجسيد للمشاعر والرغبات؛ هكذا قالت الساحرة.

ما دام متمسكًا بتلك الكلمات، فلا عقبة يمكن أن توقف تقدمه. ولهذا، فإن فكرة أن يفقد يومًا إيمانه بالساحرة―― لم يكن ليبوح بها أبدًا، ولا أن يتمنى أن تسمعها، بل كانت فكرة تبدو له مستحيلة تمامًا.

كان يظن أن ذلك قول رومانسي بشكل مفاجئ من تلك الساحرة، لكن حين يفكر في كيف يمكن للريح أن تتخذ شكل شفرة إن أراد المرء تمزيق خصمه، وكيف يمكن للّهب أن يولد كزهرة لوتس قرمزية ليحرق كل شيء في غضب، فلا مجال للشك أن السحر ليس إلا تجسيدًا للمشاعر والرغبات.

لذا، لم يفهم آلديباران معنى تلك الكلمات، التي قيلت له مرة أخرى.

وفي هذه الحالة، فإن مشهد جنود الجليد على هيئة ناتسكي سوبارو وهم يساعدون إيميليا أمام عيني آلديباران، ما نوع الرغبة التي يمكن أن تكون تجسيد لها؟

والانتقال الآني الذي سببه الكمين ألقى بآلديباران خارج حدود هذا النطاق. والأسوأ من ذلك، أن وجهة الانتقال كانت سقوطًا حرًا من ارتفاع شاهق، مما جعله هجومًا مزدوجًا يهدد بتدمير الإقليم الثاني.

لقد جعل ذلك معدته تنقلب. ليس مجازًا، بل بالمعنى الحقيقي للكلمة.

فقد ظهر أمامها فجأة، دون أن يترك لها طريقًا للهروب، طوق من الحصى أصغر من الحجارة السابقة، يسهل تجاهل ضرره المحتمل . ومثل القفز في مطر غزير، ما لم تكن تملك قدرة خارقة على تفادي المطر وهي في الهواء، فمن المستحيل ألا تصاب بشيء.

وبينما كانت تلك المشاعر السلبية تغلي داخله، جهّز آلديباران هجومه التالي.

ومع ذلك، كان بإمكانه أن يفهم لماذا كانت الساحرة تذهب إلى هذا الحد.

وكان ذلك――

ولذلك، لم يصارع آلديباران تلك الأسئلة التي يُفترض أن تراود الإنسان في مراهقته.

آلديباران: [آسف لإعادة نفس النكتة، لكن ها هي ورقتي الرابحة تعود من جديد.]

فمن البداية، كان الدافع لذلك ضئيلًا، وجسده وعقله قد استسلما منذ زمن طويل لعدم فائدة تحديها. وبحجة أنها اختبارات أداء لمساعدته على إتقان سلطته، كانت الساحرة قد أخضعت آلديباران للموت أكثر من مليون مرة، وقد أنهت تقييمها له بالفعل.

وبمجرد أن نطق بهذه الكلمات، في السماء فوق آلديباران، وإيميليا، وجنود الجليد―― ملأت صخرة ضخمة هائلة عرض وادي أغزاد بالكامل، وبدأت تهوي مباشرة نحوهم.

لقد كان يدرك تمامًا وزن وأهمية كل ذلك―― أو هكذا كان يظن.

قوة ساحقة لا مفر منها بفعل كتلة هائلة―― كانت عودة الفخ الذي نصبه سابقًا في العاصمة الملكية.

――في كلتا الحالتين، فإن آلديباران الحالي هو نتاج خلق الساحرة.

……..

كان الهدف الأساسي من الحصى هو إعاقة أجنحة الجليد التي كانت تحافظ على طيران إيميليا.

ما كان مرغوبًا―― لا، بل ما كان مطلوبًا، لم يكن سوى نصرٍ واحد في حياته.

لقد تم بالفعل وصف مقدار المعاناة التي تحملها آلديباران لصنع هذه الأجنحة الحجرية، رغم أنها غير متقنة الشكل. وبسبب كل ذلك الجهد، شعر باحترام تجاه إيكاروس وأجنحته الشمعية.

ولن يكون من المبالغة القول إن حياة آلديباران وجدت فقط من أجل ذلك النصر.

للأسف، لم يكن قلب آلديباران في حالة تسمح له بالابتهاج بنموه أو بنمو خصومه. وللحظة، تردد في اعتبار إيميليا عدوة، لكنه أغلق عينيه بقوة على ذلك الشعور.

منذ لحظة خلقه، كل هبة أُعطيت له، وكل درس صُبّ في كيانه، وكل نعمة أُغدقت عليه: كلها كانت مقدّرة لتقوده نحو ذلك النصر، لتضمن أنه سيقوم، ويظفر به، ويقف شامخًا في انتصاره.

كلمات الساحرة التي تركها خلفه منذ مئات السنين، ما زالت تتشبث بروحه، رافضة أن تفارقه.

لقد كان يدرك تمامًا وزن وأهمية كل ذلك―― أو هكذا كان يظن.

الساحرة: [――لا أحد يمكنه هزيمتك، يا من خلقتُه.]

ومع ذلك، حين حانت ساعة اختبار قناعته، تلك العزيمة المصقولة، وتلك الخطط المحكمة، وروحه ذاتها التي صُقلت حتى الكمال كما ينبغي لها أن تكون؛ كل ذلك أصبح بلا معنى.

المعركة الوحيدة في حياته التي كانت الهزيمة فيها محرّمة، قد سحقت قلبه إلى شظايا صغيرة.

الساحرة: [――لا أحد يستطيع هزيمتك، يا من خلقتُه.]

وفوق ذلك، فإن عدم القدرة على كبح تلك الرغبات كان جزءًا من طبيعة الساحرات في معظم الحالات.

كانت تلك الكلمات، التي وهبتها له الساحرة، هي المعيار الذي بنى عليه آلديباران حياته.

آلديباران: [حتى لو كان عزمًا معاد التدوير، فسيظل مفيدًا بقدر ورق ماشيه.]

ما دام متمسكًا بتلك الكلمات، فلا عقبة يمكن أن توقف تقدمه. ولهذا، فإن فكرة أن يفقد يومًا إيمانه بالساحرة―― لم يكن ليبوح بها أبدًا، ولا أن يتمنى أن تسمعها، بل كانت فكرة تبدو له مستحيلة تمامًا.

عاد وعي آلديباران في المرة التالية بعد أن انتهى كل شيء―― أو بالأحرى، حين بدأ ما انتهى من جديد، ثم انتهى ذلك البدء الجديد، ليبدأ وينتهي مرة أخرى. ويبدو أن هذا قد تكرر مرارًا وتكرارًا، حتى أصبح العالم بلا أثر للساحرة.

وهكذا، وبناءً على كلمات الساحرة، أقنع نفسه بأنه لن يُهزم أبدًا.

――فقد واجه كائنًا لا ينبغي له أن يكون موجودًا هنا، كائنًا كان يجب أن يكون ميتًا بكل تأكيد.

――اليوم الذي تحطّم فيه ذلك الإيمان، كان بمعنى ما، اليوم الذي مات فيه آلديباران حقًا.

ومن ثم، لمنع إيميليا من نشر أجنحة جديدة، ضاعف آلديباران جهوده.

“الموت”؛ كان شيئًا اختبره مرات عديدة حتى أن عدّها بدا حماقة.

علاوة على ذلك――،

ورغم أنه كان يعتبر العدّ أمرًا سخيفًا، إلا أنه استمر في ذلك، فقط لأنه طُلب منه ذلك. ومع أنه كان يتتبع الرقم الحقيقي، لم تتلاشَ سخافة الأمر ولو للحظة.

(زي درج جليدي)

ومع ذلك، كان يؤمن أن في ذلك اليوم، في تلك اللحظة، قد تذوّق الموت بأصدق معانيه.

كما هو الحال في بيوت الأشباح ، حيث تخرج مجموعة من الأيدي فجأة من خلف أبواب ورقية منزلقة؛ كان الانطباع مشابهًا لذلك. لكن، على عكس التهديدات الفارغة التي تمثلها تلك الأمور المرعبة ، كانت هذه الأذرع العملاقة جادة في محاولتها الإمساك بإيميليا.

فبعد أن بنت الساحرة آلديباران من أجل أمنيتها الأعز، أعدّت له المعركة الوحيدة في حياته التي لا يمكنه أن يخسرها بأي حال.

فحتى وإن كانت دائمًا غارقة في شؤونها الخاصة، مخلصة لرغباتها دون أن تحاول حتى مراعاة مشاعر الآخرين، إلا أنها كانت دائمًا تلتقي بعينيه عندما يناديها.

ومع ذلك――

آلديباران: [مع ذلك، لا أظن أنهم كانوا يستهدفون منطقتي .]

الساحرة: [――في اللحظة التي لم يكن يُسمح لك أن تخسر فيها، هُزمت.]

ولكي تصنع الساحرة آلديباران بهذه الطريقة، كانت قد واجهت لوم الساحرات الأخريات، وقطعت علاقاتها حتى مع رفيقاتها، لذا لا بد أن عزيمتها كانت مطلقة.

سهل مألوف من العشب الأخضر ، وشكل الساحرة جالسةً إلى طاولة الشاي البيضاء، تستمتع برائحة الشاي؛ وما إن رآها، حتى اجتاح آلديباران اليأس، وسُحق بثقل خطيئته.

علاوة على ذلك――،

باستخدام الأبيض والأسود فقط، بلغت الساحرة ذروة الجمال الممكنة. والآن، حقيقة أن جسدها الجذاب المقيت لم يكن عليه أي جرح، كانت دليلًا على أن هذا عالم من الأحلام.

فحتى وإن تخلّت عن أجنحتها الجليدية، كان بإمكان إيميليا أن تُنشئ زوجًا جديدًا منها فورًا، مما يسمح لها بالعودة دون أن تفقد زخمها أو ارتفاعها السابق. ومع ذلك، فإن قدراتها الجسدية، مهما كانت غير عادية ، لن تسمح لها باللحاق بطائرة شراعية مرتجلة تتجاوز سرعتها مئة كيلومتر في الساعة.

فحين فشل آلديباران في الفوز في المعركة التي كان عليه أن ينتصر فيها مهما كلف الأمر، ضحّت الساحرة بأطرافها الأربعة لتحميه، تاركةً نفسها في هيئة بائسة لا تقوى إلا على انتظار الموت.

وللهروب من ذلك، خاطر بكل شيء واختار مسارًا ينحرف عن مسار سقوط القرص الجليدي؛ وحتى لو فشل في التخلص منهما معًا، فهل يمكنه اعتبار نجاحه في فصل إيميليا عن ريم انتصارًا؟

وبينما كان يحدّق بها مذهولًا، راود آلديباران فكرة واضحة ومؤلمة : حتى الساحرة يجري في عروقها دمٌ أحمر.

وبفضل الرابط الذي يربطه بـ “آلديباران”، كان بإمكانه أن يستمد القوة من خزان المانا الخارجي المعروف باسم التنين الإلهي، لكن حتى لو طُلب منه تنفيذ نفس الإنجاز الذي قامت به إيميليا، فلن يكون قادرًا على فعله.

الحرارة، الرائحة، الإحساس؛ ذلك الدم لم يكن كذبة.

وقد فسر آلديباران ذلك على أنه ربما كان طريقة الساحرة الخاصة للتعبير عن شعور بالذنب أو اضطراب داخلي… لكن، هل كان الأمر كذلك حقًا؟

وفي هذه الحالة، فإن هذا العالم، حيث فُقد كل ذلك، حيث طغى التزييف على الواقع الذي كان يجب أن يكون حزمة صارخة من الأكاذيب.

――سبب وجوده كنجم تابع لم يكن أمرًا شغل بال آلديباران كثيرًا.

الساحرة: [“التزييف”؛ لا أحب هذا التعبير كثيرًا. ورغم أنه ليس الكلمة ذاتها، إلا أنني لا أستطيع إلا أن أتذكر شخصًا مزعجًا.]

[――آل!!]

سواء كانت تلك طريقتها في المزاح، أو أنها أرادت فقط التعبير عمّا تشعر به بغض النظر عن ملاءمة الوقت، فإن آلديباران لم يستطع فهم مشاعر الساحرة الحقيقية، حتى في النهاية.

ولذلك، لم يصارع آلديباران تلك الأسئلة التي يُفترض أن تراود الإنسان في مراهقته.

فقط، كان مقتنعًا بأنها تكرهه. أو ربما، في يأسه، ظن أنها قد تخلّت عنه تمامًا.

ومن دون أن تقول الكثير، بينما آلديباران لا يزال واقفًا مذهولًا، تقدّمت الساحرة نحوه ببطء، حتى وقفت أمامه وجهًا لوجه.

ومع ذلك――

آلديباران: [――――]

الساحرة: [ذراعك… لا يبدو أن هناك أي سبيل لاستعادتها.]

آلديباران: [――――]

سقط نظر الساحرة على ذراع آلديباران اليسرى، التي ابتلعها الظل من الكتف حتى الأصابع.

وجه الساحرة، الذي رأه أكثر من أي وجه آخر في حياته―― ظهرت عليه تعبيرات لم يرها من قبل قط.

لم يكن هناك ألم. وكان ذلك دليلًا إضافيًا على أن هذا المكان هو “قلعة الأحلام” الخاصة بالساحرة―― فلو عاد إلى الواقع، لاحترق دماغه بألم لا يمكن تصوره . وكان ذلك شيئًا لا يمكن محوه حتى بالموت؛ إصابة حقيقية لا تندمل أبدًا.

باستخدام الأبيض والأسود فقط، بلغت الساحرة ذروة الجمال الممكنة. والآن، حقيقة أن جسدها الجذاب المقيت لم يكن عليه أي جرح، كانت دليلًا على أن هذا عالم من الأحلام.

الساحرة: [سُلبت ذراعك، فخسرت المعركة التي لم يكن يُسمح لك بخسارتها. يبدو أن خطتي انتهت إلى الفشل. أستطيع أن أتخيل أصدقائي وهم يطلقون التعليقات من كل صوب. ――وفي النهاية، سيُترك الأمر لأولئك الذين يسعون لحمل إرادة فلوغيل. كم هو محبط.]

فلو تمكنت واحدة فقط من الإمساك بساقها، لانتهت هذه المطاردة تمامًا، ولانتهى هذا الموقف المصيري بنجاح هروب آلديباران――،

كانت فكرة أن هزيمته قد سلبت كل شيء من الساحرة، مؤلمة بشكل لا يُحتمل.

كانت الساحرة قد علمته أن تفعيل السحر المتزامن أمر صعب، حتى على السحرة المتمرسين.

من دون أن تطلب فهم أحد، افترقت عن باقي الساحرات وعن رفاق رحلتها، فقط لتسعى لتحقيق أمنيتها؛ لكن آلديباران دمّر كل ذلك.

آلديباران: [هل تظنين أنك―― ]

والأقسى من كل شيء، أنه رغم إدراكه لكل هذا، فإن الشغف والعزيمة التي كانت تسكنه قبل الهزيمة لم تعد إلى روحه الفارغة.

ومع ذلك، إذا أضفنا إلى فقدانه لذكريات كل ذلك الزمن، و قوله إنه لا يرغب حتى في تذكّرها، فإنه يستطيع أن يتخيل تلك الساحرة، تجسيد الفضول الذي يتوق لمعرفة كل شيء، تتمتم لنفسها بهدوء: “أفهم، يا لها من خسارة.”

فبعد أن خسر المعركة التي لم يكن يُسمح له بخسارتها، تحطّم قلب آلديباران.

――سبب وجوده كنجم تابع لم يكن أمرًا شغل بال آلديباران كثيرًا.

المعركة الوحيدة في حياته التي كانت الهزيمة فيها محرّمة، قد سحقت قلبه إلى شظايا صغيرة.

آلديباران: [أرفع قبعتي لإيكاروس لأنه أتقنها من أول محاولة…!]

وكان ذلك، حين يشهد موت الساحرة، أقرب شخص له في هذا العالم، موتًا لا مفر منه، فإن آلديباران سيعاني جرحًا لا يُشفى، بالمعنى الحقيقي للكلمة.

آلديباران: [هل تظنين أنك―― ]

الساحرة: [――لا أحد يستطيع هزيمتك، يا من خلقتُه.]

في كل مرة يرى آلديباران انعكاس نفسه في تلك الحدقات السوداء، ويرى شعرها الأبيض النقي يتدلى على كتفيها بينما تميل رأسها قائلة “ماذا هناك؟”، لا يسعه إلا أن يفكر في مدى ظلم هذه الساحرة.

لذا، لم يفهم آلديباران معنى تلك الكلمات، التي قيلت له مرة أخرى.

كانت فكرة أن هزيمته قد سلبت كل شيء من الساحرة، مؤلمة بشكل لا يُحتمل.

الساحرة: [بما أن الأمور وصلت إلى هذا الحد، لم يعد علينا أن نهتم بالمظاهر. فلنغيّر شروط النصر. سنتركهم يتعاملون معها… أما نحن، فسنركّز على منع الأضرار الثانوية.]

آلديباران: [――تم التطهير!]

كانت الساحرة حكيمة… وأنانية.

وبالطبع، لم يكن الهدف من الرمال المنتشرة مجرد حجب الرؤية، بل――،

متجاهلةً آلديباران، الذي ظل واقفًا مذهولًا، عاجزًا عن التفكير بسبب شعوره الهائل بالذنب، اتخذت قرارها بنفسها، دون أن تترك مجالًا للاعتراض، ودفعت المحادثة إلى الأمام.

إميليا: [――سأبذل قصارى جهدي!!]]

شروط النصر المعدّلة، والهدف الجديد المتمثل في منع الأضرار الثانوية―― ومع ذلك، لم يكن يؤمن حتى بإمكانية تحقيق ذلك. فبعد كل شيء، آلديباران قد فشل بالفعل.

بالنسبة لآلديباران، كانت الساحرة هي الشخص الذي قضى معه أطول وقت منذ ولادته، لكنها كانت تملك عادة سيئة: رغبة لا تقاوم في مشاهدة كل اختيار وكل شعور بشري، كل احتمال حتى آخره.

لقد فشل، ومع ذلك――

بالنسبة لآلديباران، كانت الساحرة هي الشخص الذي قضى معه أطول وقت منذ ولادته، لكنها كانت تملك عادة سيئة: رغبة لا تقاوم في مشاهدة كل اختيار وكل شعور بشري، كل احتمال حتى آخره.

الساحرة: [――لا أحد يستطيع هزيمتك، يا من خلقتُه.]

لذا، كان آلديباران يؤمن أن تراكم الزمن الذي تكرره سلطته هو زمن ضائع، لا يفيد إلا في تآكل قلبه، دون أن يُسهم في نموه.

لم يستطع آلديباران أن يفهم ما الذي دفع الساحرة لتقول ذلك.

إيميليا: [――――]

ومن دون أن تقول الكثير، بينما آلديباران لا يزال واقفًا مذهولًا، تقدّمت الساحرة نحوه ببطء، حتى وقفت أمامه وجهًا لوجه.

والانتقال الآني الذي سببه الكمين ألقى بآلديباران خارج حدود هذا النطاق. والأسوأ من ذلك، أن وجهة الانتقال كانت سقوطًا حرًا من ارتفاع شاهق، مما جعله هجومًا مزدوجًا يهدد بتدمير الإقليم الثاني.

وجه الساحرة، الذي رأه أكثر من أي وجه آخر في حياته―― ظهرت عليه تعبيرات لم يرها من قبل قط.

لم يكن يقصد أن يكون الأمر شيئًا يمكنها تجاوزه بمجرد “بذل الجهد”، لكن قدرة إيميليا على بذل قصارى جهدها، ثم النجاح بطريقة ما في تجاوز العقبات، كانت من أكثر جوانبها رعبًا.

الساحرة: [――نجومك كانت سيئة.]

فحين فشل آلديباران في الفوز في المعركة التي كان عليه أن ينتصر فيها مهما كلف الأمر، ضحّت الساحرة بأطرافها الأربعة لتحميه، تاركةً نفسها في هيئة بائسة لا تقوى إلا على انتظار الموت.

لم يكن ذلك خطأ آلديباران؛ فقد أدرك أن هذا هو المعنى الكامن خلف تلك الكلمات.

أما عن كيفية تحقيق تلك النتيجة، فلم يكن هناك مجال للنقاش.

وقبل أن يستوعب المشاعر المتدفقة داخله، انتهى “قصر الأحلام” فجأة.

جاء ذلك السؤال بصوت شخص لا يعرفه إطلاقًا.

كما لو أن أحدهم مزّق خشبة مسرح من ورق الكاميشيباي، كانت نهاية عنيفة للغاية؛ وما كان ينتظره على الجانب الآخر لم يكن سوى واقع قاتم. في تلك اللحظة، سيطر الألم والشعور بالخسارة على دماغه، والدماء الطازجة وضجيج الهواء أضعفا إدراكه. لقد تلطخت السماء والأرض بسواد قاتم لدرجة أن الزمن نفسه فقد معناه، وصراخ آلديباران غرق وسط صرخات عالم يتداعى، حتى أنه لم يعد يسمع صوته.

قوة ساحقة لا مفر منها بفعل كتلة هائلة―― كانت عودة الفخ الذي نصبه سابقًا في العاصمة الملكية.

ومع ذلك، في عالم انهار فيه كل شيء تقريبًا، وبين ضجيج يصم الآذان، استطاع بطريقة ما أن يسمع ذلك الصوت المشوش، الهش، اللاهث.

حين حاولت مسح الرمال التي التصقت بها، أطلقت إيميليا صوت دهشة وهي تلوّح بذراعيها.

صوت لم يرغب أن يفلت منه، تعويذة الساحرة الأخيرة――

كم مرة تحطّم آلديباران بسبب أجنحة سيئة الصنع؟ ――وذلك بالضبط ما كان يريده خصمه. وبعد أن أعاد المحاولة مرارًا وتكرارًا، تمكّن أخيرًا من تشكيل أجنحته الحجرية الحالية.

الساحرة: [――أول شاماك.]

[جينونهيف… إنها جزيرة المصارعين. ساحرة؟ هذا شيء من مئات السنين، أليس كذلك؟]

×  ×  ×

――سبب وجوده كنجم تابع لم يكن أمرًا شغل بال آلديباران كثيرًا.

عاد وعي آلديباران في المرة التالية بعد أن انتهى كل شيء―― أو بالأحرى، حين بدأ ما انتهى من جديد، ثم انتهى ذلك البدء الجديد، ليبدأ وينتهي مرة أخرى. ويبدو أن هذا قد تكرر مرارًا وتكرارًا، حتى أصبح العالم بلا أثر للساحرة.

وكما حدث في مواجهتهما في العاصمة الملكية، كان لدى آلديباران ضعف غريزي تجاه إيميليا.

سواء كان ذلك بسبب اختلاف في الشروط، أو ببساطة لأن التعويذة أُجريت بقوة الساحرة الهائلة، فإن الصدمة التي شعر بها من اختلاف فاعلية التعويذة مقارنة بما اختبره بنفسه لم تدم سوى لحظة――

آلديباران: [أرفع قبعتي لإيكاروس لأنه أتقنها من أول محاولة…!]

[――أنت، من أين أتيت؟ من تكون؟]

――أما آلديباران، فقد كان مكروهًا من القدر نفسه.

جاء ذلك السؤال بصوت شخص لا يعرفه إطلاقًا.

حتى لو كان السحر من نفس العنصر، فإن الموهبة المطلوبة لذلك تشبه مهمة مستحيلة، كأن تمسك قلمًا في كل يد، وتحاول كتابة مقال باليمنى ورسم صورة باليسرى. أما إن كان السحر من عناصر مختلفة، فالأمر يتطلب كما يبدو دماغًا إضافيًا لكل عنصر جديد، وقد رأى آلديباران الساحرة تستخدم خمسة عناصر في آنٍ واحد. وبصراحة، تساءل بجدية إن كان رأسها الصغير يمكن أن يحتوي على خمسة أدمغة صغيرة.

الرجل، الذي كان يرتدي ملابس رثة كحال آلديباران، حدّق فيه بعينين يملؤهما الخوف والحذر.

الدموع التي ذرفها، واللكمات التي عاقب بها نفسه، والاعتبارات التي حاول تقديمها؛ كلها بلا معنى.

استطاع فهم الكلمات . ورغم أن خبرته في التعامل مع البشر كانت ضئيلة، إلا أن ذلك لم يكن عائقًا في حد ذاته.

في تلك الأيام، حينما كان آلديباران لا يزال يملك ذراعه اليسرى، كان لا يزال قادرًا على الإيمان بذلك. فحتى وإن كان يعرف الموت، فإنه لم يكن قد عرف الهزيمة الحقيقية بعد.

ما كان يهم هو أن يعرف أين هو، ومتى.

اندفعت إيميليا مباشرة إلى داخل عاصفة من الصخور بحجم القبضات، وأجنحتها الجليدية تتلألأ بجرأة.

[جينونهيف… إنها جزيرة المصارعين. ساحرة؟ هذا شيء من مئات السنين، أليس كذلك؟]

وبعد أن فقدت أجنحتها، عرضت إيميليا ذلك الجانب المرعب بكل وضوح―― فبضربة من سيفها الجليدي، قطعت أصابع الذراع العملاقة الأولى التي اقتربت منها، وبعد أن أوقفتها ، استخدمتها كمنصة لتنفيذ قفزتها التالية.

بدت على الرجل علامات الحيرة، وكأنه سُئل عن أمر غريب، وعندما سمع آلديباران كلماته، أطلق زفرة. وعند رؤيته لذلك، تحولت ملامح الرجل من الحيرة إلى الذهول.

في المجتمع، يبدو أن هناك فكرة مفادها أن على الناس أن يواجهوا المصاعب في شبابهم، لكن التجارب التي لا تجلب سوى ماضٍ مظلم محرج عند البلوغ لا تحمل قيمة حقيقية. لا بأس في تفويت تجارب لا تستحق المعاناة. ――تمامًا كما أنه لا بأس في أن يكون الموت شيئًا لا يختبره الإنسان سوى مرة واحدة في نهاية حياته.

فقد تحولت زفرة آلديباران إلى بكاء ، وانهار على الأرض، والدموع تنهمر من عينيه.

إيميليا: [أجنحتي――]

الساحرة: [――لا أحد يستطيع هزيمتك، يا من خلقتك.]

أما عن كيفية تحقيق تلك النتيجة، فلم يكن هناك مجال للنقاش.

كلمات الساحرة التي تركها خلفه منذ مئات السنين، ما زالت تتشبث بروحه، رافضة أن تفارقه.

من الذي اقترح أن تكون ريم هي أول مهاجمة مفاجئة؟

ومن أجل خطيئة جعله تلك الساحرة كاذبة، تمنى آلديباران الموت.

كانت تلك الكلمات، التي وهبتها له الساحرة، هي المعيار الذي بنى عليه آلديباران حياته.

لكنه لم يستطع أن يموت.

كان يؤمن بأنه قادر على ذلك.

…….

وبينما كانت تلك المشاعر السلبية تغلي داخله، جهّز آلديباران هجومه التالي.

Hijazi

[――آل!!]

(زي درج جليدي)

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط