“تسك.”
وغدٌ لعين…
أعلم أنني أقسو عليه، لكن هذا ضروري. إن لم أضعه تحت الضغط، فسيتراخى، وإن تراخى، فسينهار كل شيء. لا مجال للتسامح مع الضعف، ليس في هذه المرحلة.
حملت المسدس بين يدي وتأملته.
وزنه متوازن، سطحه المعدني باردٌ تحت أصابعي، رائحته تحمل مزيجًا من الزيت المعدني والبارود القديم.
بإبهامي، ضغطت على مزلاج المخزن، فانفتح بحركة سلسة، كاشفًا عن رصاصات معدنية مرتبة بإحكام داخل تجاويفها.
“ممتلئ. جيد.”
لن أحمل ذخائر إضافية معي، فهذه الليلة ليست ليلة معركة… على الأقل، ليس وفق المخطط.
توجهت نحو الخزانة، وفتحتها ببطء.
الخشب العتيق أصدر صريرًا خفيفًا، كأنها أنين روح قديمة محاصرة داخله. أخرجت البدلة السوداء، سحبها كان سلسًا، خفيفًا، أشبه بانتزاع ظل من الظلام ذاته.
“أظنها مناسبة لحضور حفل راقص، هاه؟”
كأنني سأذهب للاستمتاع…
لكن القواعد لم تُكتب للمرح، بل للبقاء.
الساعة الثانية عشرة.
حفل السيد هارف.
من هو هارف؟ مجرد وغدٍ ثري آخر وقع لي.
نفس القصة المعتادة—وجهٌ مبتسم، قناعٌ من الأخلاق، أموالٌ متسخة، وأسرارٌ مخبأة بين ثنايا بدلته الغالية.
أخرجت البدلة بهدوء، ثم ارتديتها بعناية.
النسيج الناعم انزلق على جلدي بسهولة، كما لو أنه صُنع خصيصًا لي.
سحبتُ الخنجر الأسود.
حافته اللامعة تعكس ضوء الغرفة الباهت، لكن ليس كأي انعكاس… بل كأنه يمتص الضوء بدلًا من أن يعيده. لم يكن مجرد سلاح، بل قطعة من الظلام المتجسد.
لم أكن أحمق لأحمله مكشوفًا.
بهدوء، فتحت أحد الأجزاء المخفية في كم البدلة—مكان خيطته مسبقًا خصيصًا لإخفاء مثل هذه الأدوات.
انزلق الخنجر داخله بسلاسة، كأنه وجد موطنه الطبيعي.
أما المسدس…
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
لدي طريقة جيدة له.
سحبتُ القناع التنكري.
مهرجٌ مخيف.
ملامحه رسمت ابتسامة واسعة، لكنها لم تكن تعبيرًا عن البهجة، بل عن رعب صامت، وكأن الوجه القماشي يحمل داخله روحًا تضحك بجنون خلف سطحه الجامد.
كان هذا شيئًا حصلت عليه من أغراض كاسبر.
بذكر كاسبر…
أنا متأسف له حقًا.
لكن، هه… من يهتم؟
على الأقل، سيقابل صديقه بشكل أسرع.
نظرت إلى القناع مطولًا.
رؤيته وحدها تجلب الرهبة.
لم يكن مجرد قناع، بل شيء آخر تمامًا.
حسب شرح هارونلد، هذا عنصر ملعون.
تم ختم قدراته وعيوبه بشكل غير طبيعي، لكن لا شيء يبقى مخفيًا إلى الأبد.
كاسبر حصل عليه أثناء إحدى مهمات “الكيان مايكي.”
لا يخدم غرضًا محددًا، لكنه يملك خاصية واحدة مفيدة—
ارتداؤه يحجب هوية مرتديه بشكل كبير، يجعل التعرف عليه شبه مستحيل، كما لو كان الشخص خلفه مجرد وهم.
لكن الأمر ليس بهذه البساطة…
إذا ارتديته لفترة طويلة—حوالي ساعتين—فستبدأ برؤية بعض الأوهام الغريبة…
عن المهرجين.
ليسوا مهرجين عاديين.
بل… أشياء تبتسم، بأفواه لا تنتهي، وأعين لا ترمش أبداً.
لكن هذه مشكلة المستقبل…
الآن، لدي حفلٌ لأحضره.
تقدمت نحو المرآة، نظرت إلى انعكاسي فيها، ثم سحبت المشط ببطء بين خصلات شعري، أنسجها معًا بترتيب هادئ كأنني أجهز نفسي لمناسبة ملكية، رغم أنني أعلم أنني سأخفي هذا الوجه الوسيم خلف قناع بعد لحظات.
“ياه، انظروا لهذا الوسيم هنا.”
ضحكت بخفة، لكن الابتسامة لم تستمر طويلاً.
للأسف، سأرتدي قناعًا.
حركت يدي والتقطت الكيس الجلدي الذي تركه هارونلد على الطاولة المستديرة، ثقل العملات بدا مألوفًا، لكنني لم أكن بحاجة إلى كل هذا.
فتحت الكيس، أخرجت عشر قطع ذهبية، ووضعتها في جيبي، ملمسها البارد يتناقض مع حرارة جلدي.
أما المسدس؟
ببساطة، انزلق داخل جيب سترتي بسلاسة.
كان وزنه يشعرني براحة غريبة… ثقل مألوف، كأنه يذكرني بأنه موجود، حاضرٌ معي، وجاهزٌ لكل طارئ.
نظرت حولي، تأكدت من أن كل شيء في مكانه، ثم أغلقت الخزانة، وكأنني أودع غرفة قد لا أعود إليها قريبًا.
حملت مفاتيحي، واستدرت نحو الباب.
خرجت.
“أوه…”
أشعة الشمس…
أو لنقل، أشعة الشموس.
رفعت رأسي ببطء، ناظراً نحو السماء.
أربعة كرات نارية متوهجة تحترق في الفضاء العلوي، تتوزع كأنها عيونٌ تراقب العالم من فوق.
الغريب أنني حتى الآن، الوحيد الذي يراها.
تأكدت من ذلك مرارًا… تحدثت عن الأمر بشكل غير مباشر، ألمحت، سألت… لكن لا أحد لاحظ.
أخذت نفسًا عميقًا، وتركت هواء سيلفاريوم القاتم ينساب إلى رئتي. لم يكن منعشًا، لم يكن نظيفًا… بل كان ثقيلاً، مشبعًا برائحة الحرق والدخان الخفيف العالق في الأجواء.
هذه المدينة تحترق ببطء.
لا، ليس حرفيًا—ليس بعد على الأقل. لكنها تغلي مثل قدرٍ على نار هادئة، وكل من يعيش فيها يشعر بذلك… لكنه يتظاهر بعدم الملاحظة.
شارع كريس 31، حيث كانت وجهتي محددة مسبقًا.
المقهى الذي أقصده يقع على بعد شارعين فقط من منزل هارف، مكان مألوف لي هذا الأسبوع، فقد كنت أرتاده بشكل يومي تقريبًا، أراقب، أتعلم، أستعد.
لكن الأمور لم تكن تسير كما توقعت.
—
في طريقي، اصطدمت بصبي صغير يحمل حزمة من الجرائد بين ذراعيه النحيفتين.
تلعثم للحظة، بينما كادت الصحف تتناثر منه. نظرت إليه، ثم إلى كومة الورق المهترئة التي يعانقها بذراعيه كما لو كانت أثمن ما يملك.
“انتبه، يا عم!”
رفع رأسه وحدق بي بعينين واسعتين، قبل أن يمد إحدى الصحف إليّ.
سعر الجريدة؟
حوالي خمس قطع برونزية.
سحبت سبع قطع، وأعطيتها له دون تفكير.
“احتفظ بالباقي.”
نظر إلي للحظة، قبل أن يلتقط النقود وكأنها كنزٌ ثمين، ثم عاد ليصرخ بعناوين الأخبار في الهواء:
“حريق جديد يلتهم المنطقة الصناعية! رجال الإطفاء عاجزون عن إيقافه!”
“تصاعد النشاط الإرهابي في المدينة السفلية، السلطات تحذر من السفر بعد غروب الشمس!”
“حفل الحصاد القادم… هل يكون الأخير في عهد مجلس التجار؟!”
أخذت الجريدة من يده، طويتها بإهمال، ثم أكملت طريقي بينما عناوين الأخبار تتردد في ذهني.
—
النار، الظلام، والحصاد…
“حريق جديد يلتهم المنطقة الصناعية!”
هذا ليس غريبًا… خلال الأسابيع الماضية، حرائق عشوائية اندلعت في أنحاء مختلفة من المدينة، تبتلع المباني، المصانع، وحتى الأحياء السكنية.
الأسباب؟
لا أحد يعرف.
أو بالأحرى، لا أحد يتحدث.
بعض النظريات تقول إنها حوادث عرضية.
آخرون يهمسون بأن هناك “يدًا خفية” تحاول إعادة تشكيل المدينة بالنار.
وبين هذا وذاك، رجال الإطفاء يواصلون معركتهم اليائسة ضد اللهب.
“تصاعد النشاط الإرهابي في المدينة السفلية!”
هذا أيضًا لم يكن مفاجئًا.
المدينة السفلية…
سيلفاريوم لم تكن مجرد مدينة، بل كانت طبقات فوق طبقات، مثل وحش متعدد الأوجه، لكل مستوى شخصيته، قوانينه، وخفاياه.
في الأعلى، البذخ، القصور، النبلاء، والساسة.
في الأسفل، الجريمة، الدماء، والوحوش التي تختبئ في العتمة.
المدينة السفلية كانت مكانًا آخر تمامًا…
وكانت الأخبار تتحدث عن تصاعد النشاط الإرهابي هناك.
هجمات مفاجئة على قوافل التجار.
انفجارات غامضة في المستودعات.
جثث تُرمى في الأنهار، وأخرى تُعلق في الأزقة كتحذيرات صامتة.
لكن ما يثير القلق حقًا… هو صمت السلطات.
“حفل الحصاد القادم… هل يكون الأخير؟”
حفل الحصاد…
مناسبة سنوية، حيث يجتمع التجار والنبلاء للاحتفال بنجاح موسم الزراعة.
لكن هذا العام، التوتر يحيط بهالة الحفل.
همسات في الزوايا الخلفية.
محادثات خافتة بين رجال السياسة.
مخاوف من أن يكون هذا الحفل… مختلفًا عن سابقيه.
“هل سيكون الأخير؟”
ربما هذا مجرد كلام الجرائد، أو ربما… شخص ما يعرف شيئًا لا يعرفه الجميع بعد.
انزلقت الجريدة إلى جيبي، وأكملت سيري، عيناي تراقبان المدينة من حولي.
لم تكن أجواء سيلفاريوم الأفضل حقًا.
الناس هنا يعطونك شعورًا وكأنهم يتنفسون شيئا آخر، وجوههم متعبة، عيونهم زائغة، وكأنهم ينتظرون شيئًا… أو يخشونه.
كما أن أغلبهم متكبرون، هل يظنون أن المكان يدور حولهم؟
لكنني؟
ما زلت أنتظر الوقت المناسب…
لكي أحشر هذا المسدس في مؤخرة أحدهم.
لم يكن المقهى بعيدًا، بالكاد مرت دقائق حتى وصلت.
دفعت الباب، فصدر صوت ارتطام الجرس المعدني المعلق أعلاه، رنينه الهادئ ينساب في الأجواء الراكدة.
“أهلًا سيدي، كيف أخدمك؟”
رفعت بصري نحو النادلة، شابة صغيرة ببشرة شاحبة قليلاً، ربما بفعل السهر أو ضغط العمل. كانت تبتسم، لكن ابتسامتها لم تكن متماسكة بالكامل، كما لو أنها مترددة بين المجاملة الحقيقية والفتور المهني.
شكلت ابتسامة خفيفة وسحبت أقرب كرسي إليّ.
“أوه، آنستي، أريد كوب قهوة سوداء… مع طبق فطائر كريسبس.”
لاحظت احمرار خديها الطفيف.
تسك. ساذجة.
هل هي تظن أنني زبون نبيل ولطيف؟ كم هذا مضحك.
“حاضر، سيدي، انتظر قليلًا فقط.”
أومأت بابتسامة مبتذلة وجلست في مكاني، متجاهلًا محاولتها إضفاء طابع لطيف على الخدمة.
أخذت نظرة خاطفة على المقهى. المكان كان فارغًا نسبيًا في هذا الوقت، مما يعني أنني سأحصل على طلبي بسرعة. سحبت الجريدة بهدوء، فتحتها وانتظرت.
عادةً يستغرق الطلب ما بين ثماني إلى عشر دقائق.
الصفحة الرئيسية:
“الحرائق تلتهم الجانب الجنوبي من غابات سيلفاريوم… السكان يطالبون بتوضيح… خطر قادم؟”
إذا استمرت الحرائق، فسيحدث اختلال كبير في النظام البيئي للمدينة.”
يا للسخافة.
هل يظنون فعلًا أن الطبيعة ما زالت تملك القدرة على التمرد في مدينة كهذه؟ لا، لا، الحرائق ليست عشوائية. هذه المدينة لم تكن يومًا مكانًا للأحداث العفوية.
قلبت الصفحة ببطء، لم أكن مهتمًا حقًا بهذه المهزلة.
“تدشين مصنع فحم جديد!”
أوه، رائع، كما لو أن سيلفاريوم بحاجة إلى المزيد من الدخان والرماد.
“الطرق التجارية أصبحت أقل أمانًا!”
بالطبع، المدينة السفلية لا تزال تزداد فوضى، والمجرمون يزدادون طموحًا.
“اختفاء حافلة مدرسية كاملة!”
هنا توقفت قليلًا.
هذا جديد.
في مدينة مثل سيلفاريوم، اختفاء حافلة كاملة ليس بالأمر العادي. الأطفال أهداف غير مربحة، إلا إذا كان هناك شيء آخر خلف هذا الخبر.
“العمدة ستضيف حفلاً لتكريم رجال الإطفاء!”
سخرت بصمت. أي فشل هذا؟
رجال الإطفاء في هذه المدينة يحاربون الحرائق بيد، ويشعلونها باليد الأخرى.
كل شيء في هذه المدينة… متآكل.
قلبت الصفحة مجددًا، انتظرت قهوتي، وتأملت لحظة.
هل هناك شيء في هذه العناوين… يستحق الاهتمام؟
